إثبات البعث والأمر بالصبر
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)﴾
الإعراب:
﴿بِقادِرٍ﴾: دخلت الباء لدخول حرف النفي في أول الكلام، فهو في قوة أليس الله بقادر، كما دخلت في قوله تعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة ١٠٥/ ٢] وقادر: خبر ﴿أَنَّ﴾.
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب بتقدير فعل، أي واذكر يوم يعرض.
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ، بَلاغٌ﴾ فيه محذوف تقديره:
فإنهم لم يلبثوا يوم يرون ما يوعدون إلا ساعة من نهار، فيوم: منصوب ب ﴿يَلْبَثُوا﴾.
و ﴿بَلاغٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا بلاغ، فحذف المبتدأ للعلم به، ويجوز فيه النصب لوجهين:
أحدهما-على أنه مصدر.
والثاني-على الوصف لساعة.
стр. 7632
المفردات اللغوية:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعلموا، أي يعلم منكرو البعث ﴿يَعْيَ﴾ يعجز عنه ويضعف ﴿بَلى﴾ هو قادر على إحياء الموتى، والفرق بين بلى ونعم أن ﴿بَلى﴾ جواب للنفي بإبطاله وتقرير نقيضه، أي فهي لإثبات النقيض، ونعم لتقرير ما قبلها. ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ﴾ بأن يعذبوا في النار ﴿أَلَيْسَ هذا﴾ أي يقال لهم: أليس هذا التعذيب أو العذاب؟.
﴿فَاصْبِرْ﴾ على أذى قومك ﴿أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أصحاب الثبات والحزم والجد والصبر، فإنك من جملتهم، و ﴿مِنَ﴾ في قوله ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ للبيان، فكلهم ذوو عزم، وهم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، فإنهم أصحاب الشرائع الكبرى الذين اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها، وصبروا على تحمل مشاقها، ومعاداة الطاعنين فيها ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ لقومك نزول العذاب بهم، فإنه نازل بهم في وقته لا محالة ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ من العذاب في الآخرة، لطوله ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾ لم يقيموا في الدنيا في ظنهم إلا مقدار ساعة، لشدة ما يرون من أهوال ﴿بَلاغٌ﴾ أي هذا القرآن أو السورة أو الذي وعظتهم به تبليغ من الله إليكم ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ أي لا يهلك عند رؤية العذاب ﴿إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي الكافرون الخارجون عن الاتعاظ أو الطاعة.
المناسبة:
بعد إثبات وجود الإله القادر الحكيم المختار في أول السورة، وإبطال قول عبدة الأصنام، وإثبات النبوة، ومناقشة المشركين في عقائدهم الباطلة ورد شبهاتهم، وتوبيخهم على عدم إيمانهم مع أن الجن آمنوا بالقرآن، بعد هذا أثبت الله تعالى مسألة المعاد، لأن المشركين كانوا ينكرونها، فتكون أغراض السورة المكية قد تحققت، وهي إثبات التوحيد والنبوة والبعث، ثم ذكر بعض أحوال الكفار في الآخرة.
ثم سلّى الله نبيه ﷺ بأمره بالصبر في دعوته، كصبر الأنبياء أولي العزم قبله، لتبليغ ما أمروا بأدائه، وعدم استعجال العذاب لهم، وذلك تعليم لنا ودرس وعظة بليغة.
стр. 7633
التفسير والبيان:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى؟ بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي أو لم يتفكر ويعلم هؤلاء المنكرون للبعث يوم القيامة، المستبعدون لإعادة الحياة في الأجسام مرة أخرى، أن الذي خلق الكون من السموات والأرض في ابتداء الأمر، ولم يعجز عن ذلك ولم يضعف عن خلقهن، بل قال لها: كوني فكانت، بقادر على أن يحيي الموتى من قبورهم مرة أخرى، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠].
وبما أن الجواب معروف بداهة، أجاب الله تعالى عن ذلك بقوله: بلى أي بل هو قادر على ذلك كله، إنه سبحانه قادر على أي شيء أراد خلقه، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وبعد إثبات البعث ذكر تعالى بعض أحوال الكفار يوم القيامة، فقال:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ، أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ؟ قالُوا: بَلى وَرَبِّنا﴾ أي واذكر أيها الرسول لقومك يوم يعذب الكافرون بالله في النار، ويقال لهم توبيخا وتأنيبا: أليس هذا العذاب الذي تعذبونه حقا وعدلا وواقعا لا شك فيه؟ فيقولون معترفين حيث لا ينفعهم الاعتراف: بلى والله ربنا إنه لحق، أي إنه لا يسعهم إلا الاعتراف.
﴿قالَ: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي قال الله على سبيل الإهانة والتوبيخ: ذوقوا عذاب النار بسبب كفركم به في الدنيا وإنكاركم له.
وبعد تقرير التوحيد والنبوة والبعث والجواب عن شبهات المشركين، أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالصبر على تكذيب قومه قائلا:
стр. 7634
﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أي فاصبر يا محمد على تكذيب قومك كصبر أولي الثبات والجد والعزيمة من الرسل وأنت من جملتهم، وهم أصحاب الشرائع: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، ولا تستعجل يا محمد العذاب لهم، أي للكفار، فإنه واقع بهم لا محالة. ومفعول الاستعجال محذوف، وهو العذاب.
روى ابن أبي حاتم والديلمي عن مسروق قال: قالت لي عائشة ﵂: ظل رسول الله ﷺ صائما، ثم طواه-أي ظل في يومه لا يأكل ولا يشرب-ثم ظل صائما ثم طواه، ثم ظل صائما، ثم قال: «يا عائشة، إن الدنيا لا تنبغي لمحمد، ولا لآل محمد، يا عائشة، إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها، والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم، فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإني والله لأصبرن كما صبروا، جهدي، ولا قوة إلا بالله».
ونظير ﴿لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ قوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ، وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ [المزمل ١١/ ٧٣] وقوله سبحانه: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق ١٧/ ٨٦].
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ، بَلاغٌ، فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾؟ أي كأن الكافرين حين يشاهدون ما أوعدهم الله به من العذاب، لم يمكثوا في الدنيا إلا قدر ساعة من ساعات الأيام، لما يشاهدونه من الأهوال العظام، كما قال تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ؟ قالُوا:﴾
﴿لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ [المؤمنون ١١٢/ ٢٣ - ١١٣] وقال :
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [النازعات ٤٦/ ٧٩].
وهذا القرآن الذي وعظهم به الله تعالى والنبي: تبليغ كاف يقطع حجة
стр. 7635
الكافرين، كما قال تعالى: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم ٥٢/ ١٤] وقال سبحانه ﴿إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٦/ ٢١]. والبلاغ:
بمعنى التبليغ.
ولا يهلك بعذاب الله إلا القوم الخارجون عن الطاعة، والواقعون في معاصي الله، فلا يهلك على الله إلا هالك مشرك، وهذا من عدل الله تعالى ألا يعذب إلا من يستحق العذاب. وهذه الآية أقوى آية في الرجاء.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - دلت الآية الأولى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ على كونه تعالى قادرا على البعث، لأنه خلق السموات والأرض، ولا شك أن خلقها أعظم من إعادة الشخص حيا بعد أن صار ميتا، والقادر على الأقوى الأكمل، لا بد من أن يكون قادرا على الأقل والأضعف.
ثم إن الله تعالى قادر على كل شيء، وتعلق الروح بالجسد أمر ممكن، إذ لو لم يكن ممكنا لما وقع أولا، والله تعالى قادر على كل الممكنات، فوجب كونه قادرا على تلك الإعادة.
٢ - ذكر الله تعالى الكفار حين تعذيبهم بالنار، حيث يقال لهم توبيخا وتهكما على استهزائهم بوعد الله ووعيده: أليس هذا العذاب حقا؟ فذوقوا العذاب بكفركم.
٣ - أمر الله نبيه والمؤمنين بالصبر في تبليغ الدعوة ومشاق الحياة، كصبر أصحاب الشرائع الكبرى: وهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. وسبب هذا الأمر: أن الكفار كانوا يؤذون النبي ﷺ ،
стр. 7636
ويضايقونه ويوغرون صدره الشريف، فتكون كلمة من للتبعيض.
وفي قول آخر: إن كل الرسل أولو عزم، ولم يبعث الله رسولا إلا إذا كان ذا عزم وحزم، ورأي وكمال وعقل، فتكون كلمة من للتبيين لا للتبعيض.
وفي قول: كل الأنبياء أولو عزم إلا يونس بن متّى، لأن النبي ﷺ نهي أن يكون مثله، لخفة وعجلة ظهرت منه حين ولّى مغاضبا لقومه.
وهل الأمر بالصبر منسوخ؟ قال بعض المفسرين: الآية منسوخة بآية السيف، وقيل: محكمة، قال القرطبي: والأظهر أنها منسوخة، لأن السورة مكية. وذكر مقاتل: أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ يوم أحد، فأمره الله أن يصبر على ما أصابه، كما صبر أولو العزم من الرسل، تسهيلا عليه وتثبيتا له.
والراجح لدي أنها غير منسوخة، لأن فضيلة الصبر ذات قيمة أدبية رفيعة، ومبدأ أخلاقي ضروري وسام في كل وقت، ومثل هذا لا يصلح للنسخ. والصبر لا يمنع الجهاد ورد العدوان وقتال الأعداء من المشركين وغيرهم، فهو أمر مطلوب في السلم والحرب.
٤ - أمر الله نبيه والمؤمنين أيضا من بعده بعدم الاستعجال في الدعاء على الكفار، فلكل شيء أو ان بعلم الله وحكمته، والعذاب منهم قريب، وأنه نازل بهم لا محالة، وإن تأخر. والسنة في الدعاء طلب الوقاية من السوء والأذى،
أخرج الطبراني عن أنس أن النبي ﷺ كان يدعو: «اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل برّ، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، اللهم لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا همّا إلا فرّجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين».
стр. 7637
٥ - إن أجل الدنيا قصير، والآخرة خالدة دائمة، ويحسب الكفار حين يرون أهوال عذاب الآخرة أنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا مقدار ساعة من ساعات النهار.
٦ - في القرآن والسنة البلاغ والكفاية في إنذار الناس من العذاب، وتحذيرهم من العقاب بسبب الكفر والعصيان.
٧ - من عدل الله ورحمته ألا يعذب إلا من فسق بأن خرج من طاعة الله تعالى، ولم يعمل بأمره ونهيه.
قال ابن عباس: إذا عسر على المرأة ولدها، تكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحيفة، ثم تغسل وتسقى منها، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا العظيم: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [النازعات ٤٦/ ٧٩].
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ، بَلاغٌ، فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ صدق الله العظيم.
стр. 7638
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة محمّد ﵊
مدنيّة، وهي ثمان وثلاثون آية.
تسميتها:
سميت سورة محمد، لبيان تنزيل القرآن فيها على محمد ﷺ : ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ [٢]. ولم يذكر محمد باسمه في القرآن إلا أربع مرات، في سورة آل عمران: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ﴾ [١٤٤] وفي سورة الأحزاب: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ [٤٠] وهنا في هذه السورة، وفي سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ [٢٩]. وأما في غير هذه المواضع الأربعة فيذكر بصفة الرسول أو النبي.
وسميت أيضا سورة القتال، لبيان أحكام قتال الكفار فيها في أثناء المعارك وبعد انتهائها: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [٤].
مناسبتها لما قبلها:
هذه السورة يرتبط أولها ارتباطا قويا بآخر سورة الأحقاف: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ حتى إنه لو أسقطت البسملة بينهما، لكان الكلام متصلا مباشرة بما قبله اتصالا لا تنافر فيه، كالآية الواحدة.
ما اشتملت عليه السورة:
يمكن أن يوصف موضوع هذه السورة بأنه الجهاد في سبيل الله، وبما أن
стр. 7639
السورة مدنية، فهي معنية بأحكام التشريع، لا سيما أحكام القتال والأسرى والغنائم ووصف الكافرين والمؤمنين وجزاء الفريقين في الدنيا والآخرة، وأحوال المنافقين والمرتدين ووعدهم ووعيدهم.
بدأت السورة مباشرة وبما يلفت النظر بالحديث عن الكفار أعداء الله والرسول، وإظهار غضب الله عليهم، وأردفت ذلك بوصف المؤمنين وبيان رضا الله عليهم، لإظهار الفرق الواضح بين الفريقين: ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ﴾.
ثم أمرت المؤمنين بقتال الكافرين قتالا عنيفا لا هوادة فيه، لأنهم كفروا واتبعوا الباطل، وبشّرت المؤمنين بالنصر إن نصروا دين الله وصبروا في مواجهة الأعداء، وأبانت خذلان الكافرين لكراهيتهم ما أنزل الله، وفي هذا تعريف بجزاء المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة.
ثم عنيت بضرب الأمثال لكفار مكة وأمثالهم بالطغاة السابقين وكيفية تدميرهم بسبب طغيانهم: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا.﴾ ..
ووصفت بعدئذ ألوان نعيم الجنة المعدة للمتقين للترغيب والإقبال على الإيمان والطاعة.
وانتقل البيان إلى وصف المنافقين والمرتدين ووعدهم وتهديدهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ.﴾. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا: لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ إلى آخر السورة. وذكرت في ثنايا ذلك أن الكافرين الصادّين عن سبيل الله والمعادين للرسول لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم، ولن يغفر الله لهم، وذكّرت بوجوب طاعة الله تعالى والرسول ﷺ .
وختمت السورة بما يناسب موضوعها الأصلي وهو الجهاد في سبيل الله، فدعت المؤمنين إلى تحقيق العزة والكرامة، وتجنب الضعف والوهن والمسالة
стр. 7640
المهينة، وحذّرت من صلح الأعداء حال القوة، ووصفت حال الدنيا باللهو واللعب، ودعت إلى الإنفاق في سبيل الله، فإن الدنيا فانية زائلة: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ .. ﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ..﴾ ..
فضل السورة:
أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ كان يقرؤها في صلاة المغرب.
بيان الفرق بين الكفار والمؤمنين
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اِتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)﴾
الإعراب:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .. ﴿أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، وكذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ .. ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾. ﴿وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ البال: الحال والشأن: لا يثنى ولا يجمع.
﴿ذلِكَ بِأَنَّ﴾ مبتدأ وخبر أيضا.
البلاغة:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ.﴾.
بينهما مقابلة. وبين ﴿كَفَرُوا﴾ و ﴿آمَنُوا﴾ طباق.
﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ذكر خاص بعد عام تعظيما
стр. 7641
للمنزل عليه، وإشعارا بأن الإيمان لا يتم دونه، وأنه الأصل فيه، ولذلك أكده بقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
﴿أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ ﴿أَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ ﴿لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ﴾ سجع رصين غير متكلف.
المفردات اللغوية:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة وأهل الكتاب وأمثالهم، أي امتنعوا عن الدخول في الإسلام ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ منعوا الناس من الدخول في الإسلام، وهذا عام في جميع من كفر وصد.
﴿أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ أبطلها وأحبطها بالكفر، فلا ثواب لها في الآخرة، ويجزون بها في الدنيا فضلا من الله تعالى، وذلك كصلة الأرحام، وفك الأسارى، وحفظ الجواز.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ من المهاجرين والأنصار وأهل الكتاب وغيرهم ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ أي آمنوا بالقرآن المنزل على النبي ﷺ ، وتخصيصه بعد العموم تعظيم له واعتناء بشأنه. وقرئ: نزّل بالبناء للمعلوم، وأنزل بالبناء للمعلوم والمجهول، ونزل بالتخفيف ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي والقرآن هو الحق الثابت الذي لا شك فيه من الله ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ سترها بالإيمان وعملهم الصالح، والسيئات: الذنوب ﴿وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أي حالهم وشأنهم في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد. والبال: لا يثنى ولا يجمع.
﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما سبق من الإضلال والتكفير والإصلاح ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ﴾ أي بسبب اتباع الكفار الباطل من الأمر والشيطان. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي بسبب اتباع المؤمنين الحق وهو القرآن ومحمد ﴿كَذلِكَ﴾ مثل ذلك البيان وضرب المثل ﴿يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ﴾ أي يبين أحوال الفريقين، فالكافر يحبط عمله، والمؤمن يغفر زلله، والأول مثل لخيبته، والثاني مثل لفوزه.
سبب النزول:
نزول الآية (١):
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ قال: هم أهل مكة نزلت فيهم.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قال: هم الأنصار.
стр. 7642
وقال ابن عباس في رواية أخرى: نزلت في المطعمين ببدر، وهم اثنا عشر رجلا: أبو جهل، والحارث بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبيّ وأميّة ابنا خلف، ومنبّه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر بن نوفل.
التفسير والبيان:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ أي الذين جحدوا توحيد الله وآياته، وعبدوا غيره، وصدوا غيرهم عن دين الإسلام، بنهيهم عن الدخول فيه، وهم كفار قريش، أبطل الله ثواب أعمالهم وأحبطها وجعلها ضائعة، ولم يجعل لها ثوابا ولا جزاء في الآخرة.
فكل ما يسمونه مكارم الأخلاق، كصلة الرحم، وفك الأسارى، وقرى الأضياف، وعمارة المسجد الحرام بالسّقاية والخدمة للحجاج، وإجارة المستجير، لا يقبل مع الكفر والصدّ.
ونظير الآية: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان ٢٣/ ٢٥].
وبعد بيان حال الكفار وجزائهم، بيّن حال المؤمنين وجزاءهم، فقال:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ، وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ، وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أي والذين صدقوا بالله، وأطاعوه، واتبعوا أمره ونهيه، وانقادوا لشرع الله ظاهرا وباطنا، وعملوا بما يرضيه من صالح الأعمال، وصدقوا بالقرآن الذي أنزل على نبيه محمد ﷺ ، فآمنوا أنه حق وآمنوا بأنه كلام الله، والقرآن هو الحق الثابت الذي لا شك فيه أنه من الله، محا عنهم ذنوبهم التي عملوها في الماضي، وغفرها لهم بالإيمان والعمل الصالح، وأصلح شأنهم وحالهم في الدنيا والآخرة، فعصمهم عن المعاصي، وأرشدهم إلى أعمال الخير في
стр. 7643
الدنيا، وورثهم نعيم الجنة في الآخرة. وهذا يشمل المهاجرين والأنصار وغيرهم من المؤمنين الذين يعملون الصالحات.
وقوله: ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته ﷺ . وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ جملة معترضة حسنة.
ثم بيّن الله تعالى سبب إضلال الكافرين وإصلاح وإسعاد المؤمنين، فقال:
﴿ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ، وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي إن ذلك الجزاء المتقدم للفريقين بسبب اتباع الكافرين الباطل، من الشرك بالله، والعمل بمعاصيه واختياره على الحق، وبسبب اتباع المؤمنين الحق الذي أمر الله باتباعه من التوحيد والإيمان وعمل الطاعات.
﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ﴾ أي مثل ذلك البيان الرائع، يبين الله للناس أحوال الفريقين الجارية مجرى الأمثال في الغرابة، ويظهر مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن جزاء أهل مكة الذين كفروا بتوحيد الله، وصدوا أنفسهم والمؤمنين عن دين الله، وهو الإسلام، بنهيهم عن الدخول فيه، هو إبطال ثمرة أعمالهم في كفرهم، بما كانوا يسمونه مكارم الأخلاق، فلم يبق لهم عمل، ولم يوجد، وأدى ذلك بالتالي إلى أنه لم يمتنع الإهلاك عنهم، ولا صرفهم عن التوفيق لسبل السعادة.
والمراد بالإضلال: إبطال العمل وأثره بحيث لا يجده ولا يجد من يثيبه عليها.
стр. 7644
٢ - إن المغفرة هي جزاء الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحة باتباع الفرائض، واجتناب النواهي، والتصديق بالقرآن الذي أنزل على محمد ﷺ وبما جاء به، دون أن يخالفوه في شيء. والقرآن: هو الحق الثابت الراسخ من ربهم، الذي نسخ به ما قبله، والمغفرة أو التكفير: الستر والتجاوز عما مضى من ذنوبهم وسيئاتهم قبل الإيمان، وإصلاح البال: إصلاح شأنهم وحالهم وأمورهم، والمراد إصلاح ما تعلق بدنياهم. وتكفير السيئات من الكريم: سترها بما هو خير منها، فهو في معنى قوله تعالى: ﴿فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان ٧٠/ ٢٥].
وهذا متفق مع منهج القرآن، كلما ذكر الإيمان والعمل الصالح، رتب عليهما المغفرة والأجر، كما قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج ٥٠/ ٢٢] وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت ٧/ ٢٩].
٣ - دل قوله تعالى: ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ على أن الإيمان بالقرآن المنزل من عند الله شرط في صحة الإيمان بعد بعثته ﷺ . وهذا في مقابلة قوله تعالى في حق الكافر: ﴿وَصَدُّوا﴾ أي صدوا عن اتباع محمد ﷺ ، وهو حث على اتباعه.
٤ - إن القرآن الكريم هو الحق النازل من الرب ، وفي الآية دليل على أن دين محمد ﷺ لا يرد عليه النسخ أبدا.
٥ - الفرق بين جزاءي الفريقين: أن إضلال الكفار وإبطال أعمالهم بسبب اتباعهم الباطل وهو اتباع إله غير الله، واتباع الشيطان والشرك، وأن تكفير
стр. 7645
سيئات المؤمنين وإسعادهم وإصلاح شأنهم وحالهم وأمورهم بسبب اتباع الحق وهو التوحيد والإيمان.
أي إن ذلك الإضلال والهدى المتقدم بسبب اتباع الباطل من الكافرين، واتباع الحق من المؤمنين، فالكافر اتبع الباطل، والمؤمن اتبع الحق.
٦ - إن مثل هذا البيان الذي بيّن، يبين الله للناس أمر الحسنات وأمر السيئات وأحوال الفريقين. فقوله ﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل هذا البيان وضرب المثل، على معنى أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم. وضرب المثل في الآية: هو أن الله جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين.
أحكام القتال والأسرى والقتلى في سبيل الله ونصرة الإسلام
﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)﴾
الإعراب:
﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ منصوب على أنه مصدر، تقديره: فاضربوا ضرب الرقاب، فحذف الفعل.
стр. 7646
﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ ﴿مَنًّا﴾ ... و ﴿فِداءً﴾: منصوبان على المصدر.
﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها، ذلِكَ﴾ ﴿ذلِكَ﴾: في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، تقديره الأمر ذلك.
﴿فَتَعْساً لَهُمْ﴾ منصوب على المصدر، تقديره: تعسهم تعسا أو تعسوا تعسا، ويقال أيضا:
أتعسهم إتعاسا. والجملة خبر المبتدأ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ﴿وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ عطف على تعسوا تعسا.
البلاغة:
﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ بينهما طباق.
﴿تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ استعارة تبعية، شبه ترك القتال بوضع آلته، واشتق من الوضع ﴿تَضَعَ﴾ بمعنى تنتهي وتترك.
﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ مجاز مرسل، أطلق الجزء وهو الأقدام وأراد الكل، أي يثبتكم، وعبر بها لأنها أداة الثبات، وهو مثل ﴿فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠/ ٤٢].
﴿أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ.﴾. سجع غير متكلف.
المفردات اللغوية:
﴿لَقِيتُمُ﴾ من اللقاء وهو الحرب ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ أي فاضربوا الرقاب ضربا، أي اقتلوهم، وعبر بضرب الرقاب مجازا عن القتل، لأن الغالب في القتل أن يكون بضرب الرقبة، ولتصوير القتل بأشنع صورة للإرهاب ﴿أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أكثرتم فيهم القتل ﴿فَشُدُّوا الْوَثاقَ﴾ أي فأسروهم، والوثاق كالرباط: ما يوثق به الأسير من الحبل أو القيد وغيره، وشدة: إحكام ربطه حتى لا يفلت ويهرب.
﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ أي فإما تمنون عليهم منا، أو يفدون فداء، والمن: إطلاق سراح الأسير من غير مقابل أو فدية، والفداء أو المفاداة: إطلاق الأسير في مقابلة مال أو غيره كمبادلة الأسرى ﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ مجاز عن انتهاء الحرب، أي حتى تنقضي الحرب أو تنتهي، ولم يبق إلا مسلم أو مسالم، والأوزار: الأثقال من السلاح والكراع (الخيول) وغيرها من أدوات القتال الثقيلة والمعدات الحربية ﴿ذلِكَ﴾ أي الأمر ذلك، أو افعلوا بهم ذلك مما ذكر ﴿وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي لانتقم منهم بغير قتال كالخسف والغرق والرجفة ﴿وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي ولكن أمركم بالقتال ليختبر المؤمنين بالكافرين، بأن يجاهدوهم، فيستوجبوا الثواب
стр. 7647
العظيم، والكافرين بالمؤمنين، بأن يعجل عذابهم ليرتدع بعضهم عن الكفر.
﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي استشهدوا، وقرئ: قاتلوا، أي جاهدوا ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ فلن يحبطها ويضيعها ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ سيهدي من بقي حيا إلى الثواب أو سيثبت هدايتهم، أو سيهديهم في الدنيا والآخرة إلى ما ينفعهم ﴿وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ حالهم وشأنهم في الدنيا والآخرة.
ويلاحظ أن الهداية وإصلاح البال لمن لم يقتل، وأدرجوا في قوله: ﴿قُتِلُوا﴾ بطريق التغليب ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ بيّنها لهم وأعلمها بحيث يعلم كل أحد منزله ويهتدي إليه كأنه كان ساكنه منذ خلق.
﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ﴾ تنصروا دين الله ورسوله ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ على عدوكم ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ يثبتكم في أثناء القتال والمجاهدة مع الكفار ﴿فَتَعْساً لَهُمْ﴾ هلاكا لهم وخيبة من الله ﴿ذلِكَ﴾ أي التعس وإضلال الأعمال ﴿بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي بسبب كراهيتهم ما أنزل الله من القرآن المشتمل على التكاليف ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ أبطلها.
سبب النزول:
نزول الآية (٤):
﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا﴾:
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد، ورسول الله ﷺ في الشّعب، وقد نشبت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون يومئذ: اعل هبل (أكبر أصنامهم) ونادى المسلمون: الله أعلى وأجل، فقال المشركون: إن لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال رسول الله ﷺ : قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم.
المناسبة:
بعد قسمة الناس إلى فريقين: فريق الكافرين الذين يتبعون الباطل وهم حزب الشيطان، وفريق المؤمنين الذين يتبعون الحق وهم حزب الرحمن، ذكر الله تعالى حكم القتال عند التحزب، وأرشد المؤمنين إلى قواعد الحرب مع المشركين أثناء المعركة وبعد انتهائها.
стр. 7648
التفسير والبيان:
﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ أي فإذا واجهتم الكفار في القتال، فاحصدوهم حصدا بالسيوف، واضربوا الرقاب ضربا. وهذا أمر بجهاد الكفار، وهم من لم يكن لهم عهد مع المسلمين، من المشركين وأهل الكتاب، عند وجود مسوغات القتال وتوافر العدوان، وهو قتال لا شفقة فيه ولا هوادة، وإنما يجب إعمال السلاح فيهم، حسبما تقتضي طبيعة الحرب، كما قال تعالى:
﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [البقرة ١٩٣/ ٢].
هذا هو الحكم الأول في أثناء المعركة، أما بعد انتهاء المعركة فقال الله تعالى:
﴿حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ، فَشُدُّوا الْوَثاقَ، فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ أي حتى إذا أكثرتم فيهم القتل، وغلبتموهم، وأصبحوا بلا قوة كالرجل المثخن بالجراح، فضعفوا واستكانوا وصاروا أسرى في أيديكم، وانتهت الحرب بإثخانهم وقهرهم، فأسروهم وأحكموا القيد عليهم لئلا يفلتوا ويهربوا.
وبعد الأسر أنتم مخيرون بين أمرين: إما المنّ عليهم بإطلاق سراحهم بلا مقابل أو بغير عوض، وإما الفداء بمبادلتهم بالأسرى المسلمين أو بدفع الفداء وهو المال الذي يفدي به الأسير نفسه من الأسر.
وذلك حتى لا يكون حرب مع الكفار ولا قتال، بأن يضع الأعداء المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة، أي إن غاية هذه الأوامر إنهاء الحرب والقتال. وهذا في الحقيقة حث على السلم المستتب، ليعيش الناس في سلام وأمان، ويتم تبادل الأفكار، وتنتشر دعوة الإسلام بالحكمة والإقناع، والحجة والبرهان، والموعظة الحسنة، فليس انتشار الإسلام بالسيف كما يتصور بعض
стр. 7649
الأعداء، وإنما كان انتشاره بالقناعة الذاتية، وبالاستحسان الحر الطليق دون إجبار ولا إكراه: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة ٢٥٦/ ٢].
وصريح الآية يوجب القتل فقط قبل الإثخان، والتخيير بعد الأسر بين المن والفداء. وجاءت السنة مبينة جواز القتل بعد الأسر للمصلحة، كما جاء فيها إباحة الاسترقاق جريا على العادة السائدة في الماضي ومعاملة بالمثل. والظاهر أن الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله تعالى عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ، ليأخذوا منهم الفداء.
ثم بيّن الله تعالى الحكمة في شرع القتال، فقال:
﴿ذلِكَ، وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ، وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي ذلك هو الحكم في قتال الكفار، والله قادر على الانتصار من أعدائه بالانتقام منهم، وإهلاكهم وتعذيبهم بما شاء من أنواع العذاب كالخسف والرجفة والغرق، دون قتال منكم أيها المؤمنون، ولكن الله أمركم بحربهم ليختبر بعضكم ببعض، فيعلم المجاهدين في سبيله، والصابرين على ابتلائه، ويجزل ثوابهم، ويعذب الكفار بأيديهم، أو يحملهم الخوف على الإيمان بالله تعالى قبل نزول العذاب بهم، ومشاهدة قتل أمثالهم، فالحكمة من القتال: هي امتحان الناس واختبار صبرهم على المكاره: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ، وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٢/ ٣].
ثم ذكر الله تعالى ثواب الشهداء المجاهدين في سبيله قائلا:
١ - ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ أي إن المقتولين في سبيل الله لا يضيع الله سبحانه أجرهم، ولن يجعل أعمالهم ضائعة كما تضيع أعمال الكفار.
стр. 7650
أخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب الكندي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للشهيد عند الله ست خصال:
أن يغفر له في أول دفقة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلّى حلّة الإيمان، ويزوّج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار مرصّع بالدر والياقوت، الياقوتة خير من الدنيا وما فيها، ويزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفّع في سبعين إنسانا من أقاربه».
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄، وعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يغفر للشهيد كل شيء إلاّ الدّين».
٢ - ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ أي سيوفقهم الله تعالى للعمل بما يحبه ويرضاه، ويرشدهم إلى طريق الجنة، ويصلح حالهم وأمرهم وشأنهم في الآخرة، أي تحفظ أعمالهم وتخلد لهم، ويدخلهم روضات الجنات يحبرون فيها، وقد عرّفهم بها، وأعلمهم وبيّنها لهم من غير استدلال، حتى إن أهلها يهتدون إلى بيوتهم ومساكنهم من غير مرشد ولا دليل.
جاء في الحديث الصحيح عند البخاري: «والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا».
وقال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون، كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدا.
والتكرار بين ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ لأن الأول سبب النعيم، والثاني نفس النعيم.
والناس في الجنة درجات بحسب أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام ١٣٢/ ٦].
стр. 7651
ثم بشرهم الله بالنصر بشرط نصرة دينه وحثهم على تحقيق الشرط، فقال:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ أي يا أهل الإيمان بالله والقرآن والإسلام إن تنصروا دين الله ينصركم على أعدائكم، ويثبّت أقدامكم عند القتال في مواطن الحرب، حتى تتحقق الغلبة والعزة والتفوق لكم، وتكون كلمة الله هي العليا.
وتأكيدا لذلك وتقوية لقلوبهم ذكر الله تعالى جزاء الكافرين بعد بيان جزاء المجاهدين، فقال:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ أي وللكافرين بالله وبرسالة محمد ﷺ الخيبة والخزي والشقاء، وقد أبطل الله أعمالهم وأحبطها، فلا ثواب لهم ولا خير يرتجى منها في الآخرة. وقوله: ﴿فَتَعْساً لَهُمْ﴾ مقابل تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله تعالى ولرسوله ﷺ .
ثم ذكر الله تعالى سبب الخيبة وإبطال الأعمال، وسبب بقائهم على الكفر والضلال قائلا:
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ، فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ أي ذلك التعس.
وإضلال الأعمال بسبب كراهيتهم ما أنزل الله في قرآنه على نبيّه المصطفى ﷺ من التكاليف، فهم لا يريدونه ولا يحبونه، فأبطل الله ثواب أعمالهم بذلك السبب.
والمراد بالأعمال: أعمال الخير حال الكفر، لأن عمل الكافر لا يقبل قبل إسلامه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية:
١ - إباحة القتل الشديد في أثناء القتال، لأن ذلك من طبيعة الحرب، تحقيقا للنصر والغلبة، ودحرا للعدو وإنزال الهزيمة الساحقة بجيشه. وقد
стр. 7652
خصص بعض المفسرين جواز ضرب الرقاب والإثخان (الإكثار من القتل في الحرب) بالمشركين أهل الأوثان، أو بمن لا عهد لهم ولا ذمة. والصحيح أن الآية عامة، والتخصيص لا دليل عليه، لعموم الآية: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾.
وهذه الآية متفقة مع آية الأنفال: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [٦٧] غير أن آية الأنفال لم يذكر فيها ما يكون بعد الإثخان، والآية التي هنا فيها بيان تقرير مصير الأسرى وتخيير الإمام فيهم بين أحد أمرين: المنّ أو الفداء.
أما قتل الأسير لضرورة أو مصلحة حربية معينة في حالات خاصة وكذا استرقاقه، فمأخوذ من السّنة النّبوية، فيصير الإمام مخيّرا في الأسرى بين أربعة أمور: القتل، والاسترقاق، والمنّ، والفداء.
روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: «بعث النّبي ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه في سارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ ، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل ما شئت، حتى كان الغد، فقال له ﷺ :
ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك، قال: أطلقوا ثمامة.
فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحبّ الدين إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فقد أصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشّره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر، فلما قدم
стр. 7653
مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد ﷺ ».
وهذا دليل من السّنة على جواز المنّ على الأسير.
وهناك دليل آخر من السّنة على جواز الفداء، قال عمران بن حصين: أسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلا من عقيل فأوثقوه، وكانت ثقيف قد أسرت رجلين، من أصحاب النّبي ﷺ ، ففداه رسول الله ﷺ بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف.
وأما دليل جواز قتل الأسير: فقال أبو بكر الجصاص: اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير، لا نعلم بينهم خلافا فيه، وقد تواترت الأخبار عن النّبي ﷺ في قتله الأسير، منها قتله عقبة بن أبي معيط، والنّضر بن الحارث بعد الأسر يوم بدر، وقتل-أي النّبي-يوم أحد أبا عزّة الشاعر بعد ما أسر، وقتل بني قريظة بعد نزولهم على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بالقتل، وسبي الذّرّيّة، ومنّ على الزبير بن باطا من بينهم.
وفتح خيبر بعضها صلحا وبعضها عنوة، وشرط على ابن أبي الحقيق ألا يكتم شيئا، فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله. وفتح مكة وأمر بقتل هلال بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وآخرين، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة. ومنّ على أهل مكة ولم يغنم أموالهم (١).
وأما دليل جواز استرقاق الأسرى الذي كان معاملة بالمثل مع صنيع الأمم الأخرى بعد الحرب: فهو أن الرسول ﷺ استرق بعض العرب كهوازن وبنى المصطلق وقبائل من العرب (٢)، وسبى أبو بكر وعمر ﵄
стр. 7654
بني ناجية من قريش، وفتحت الصحابة بلاد فارس والروم، فسبوا من استدلوا عليه.
وأما الاستدلال بالآية: ﴿حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ﴾ على جواز قتل الأسير فغير سديد، لأن الآية واضحة في القتل قبل الأسر، وأما بعد الإثخان وهو الإضعاف، فإن المحارب يقع في الأسر، وحكم ذلك مختلف عما قبل الأسر.
وقد فهم بعضهم من الآية جواز الاسترقاق، وذلك من الأمر بشدّ الوثاق، ويبقى بعده حالان، هما: المنّ والفداء.
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾: ذلك يوم بدر، والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم، أنزل الله تعالى بعد هذا في الأسارى: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ، وَإِمّا فِداءً﴾ فجعل الله النّبي والمؤمنين في الأسارى بالخيار: إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم (١). أي يفعل الإمام ما يراه مصلحة حربية.
٢ - هل الآية: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ محكمة أو منسوخة؟ قال أبو حنيفة عملا بقول السّدّي: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة ٦/ ٩] فلا يفادى الأسير بالمال، ولا يباع السبي لأهل الحرب، فيرجعون حربا علينا، ولا يفادون بأسرى المسلمين، ولا يمنّ على الأسرى، حتى لا يعودوا حربا على المسلمين. وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس أن يفادى أسرى المؤمنين بأسرى المشركين، وهو قول الثوري والأوزاعي.
وأجاز الجمهور المنّ والفداء بأسرى المسلمين وبالمال للآية: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ فقد أجازت الآية الفداء مطلقا من غير تقييد، وفادى النّبي ﷺ أسرى بدر بالمال،
وروى ابن المبارك عن عمران بن حصين قال: أسرت ثقيف
стр. 7655
رجلين من أصحاب النّبي ﷺ وأسر أصحاب النّبي رجلا من بني عامر بن صعصعة، فمرّ به على النّبي ﷺ ، فقال الأسير: علام أحبس؟ فقال: بجريرة حلفائك، فقال: إني مسلم، فقال النّبي ﷺ : «لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح» ثم مضى رسول الله ﷺ فناداه أيضا، فأقبل فقال: إني جائع فأطعمني، فقال النّبي: نعم هذه حاجتك، ثم فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما. وروي أن النّبي ﷺ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين.
قال ابن العربي والقرطبي: والتحقيق الصحيح أن الآية محكمة في الأمر بالقتال (١). وهذا مذهب جمهور العلماء منهم ابن عمر والحسن وعطاء، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وغيرهم. ولا يلجأ إلى القول بالنسخ إلا عند تعذر التوفيق والجمع بين الأدلة المتعارضة، وهنا يمكن التوفيق بحمل آيات القتال على حالة الحرب ونقض العهد ومقتضيات المعركة، فلا بدّ حينئذ من القتل لإعلاء كلمة الله تعالى وإظهار عزّة الإسلام وإعلاء هيبة المسلمين، فإن تحقق المطلوب تخيّر المسلمون بعد انتهاء الحرب واستقرار السلم بين المنّ والفداء. أما القتل بعد الأسر فهو ضرورة ولا تكون إلا لمصلحة حربية واضحة يراها الإمام.
قال سعيد بن جبير: لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف، لقوله تعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال ٦٧/ ٨]. فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما يراه من قتل أو غيره (٢). وهذا مذهب الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة.
стр. 7656
والخلاصة: لم يأخذ الفقهاء بمقتضى الحصر المفهوم من الآية: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ وقالوا إن حال المقاتلين بعد الأسر غير منحصر في الأمرين، بل يجوز القتل والاسترقاق والمنّ والفداء، لأن المذكور في الآية إرشاد، لأن الظاهر في المثخن الازمان أي الإنهاء أو الإضعاف، والقتل مذكور في قوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾.
٣ - الجهاد طريق للامتحان والاختبار، ليعرف الصادق الصابر، والمضحي المجاهد في سبيل الله، وإن كان الله منزّها عن الاستعانة بأحد، وقادرا على البطش بالأعداء وإهلاكهم بوسائل مختلفة غير القتال، أو تسليط الملائكة أو أضعف خلقه، فالله يمتحن المؤمنين بالكافرين، هل يجاهدون في سبيله حقّ الجهاد أم لا؟ ويبتلي الكافرين بالمؤمنين، هل يذعنون للحقّ أم لا؟ إلزاما للحجة. ومعنى الابتلاء من الله سبحانه كما تقدم مرارا أنه مجاز، أي يعاملهم معاملة المختبر أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.
٤ - القتلى في سبيل الله أو الشهداء لا تضيع أعمالهم، ويهديهم ربّهم إلى إدراك السعادة في الدنيا والآخرة وإلى الثواب ويثبتهم على الهداية، ويرشدهم إلى طريق الجنة من غير بحث ولا حيرة ولا توقف بعد خروجهم من قبورهم، ويصلح حالهم وشأنهم ومعاشهم في مستقبل الأمر في العقبى والمعاد أو في الدنيا، ويدخلهم الجنة التي بيّنها لهم حتى عرفوها من غير استدلال، وطيّبها لهم بأنواع الملاذّ.
٥ - النصر مشروط بنصرة دين الله تعالى وتطبيق شرعه والتزام أوامره واجتناب نواهيه، لذا كرر الله تعالى هذا المعنى في آيات كثيرة قائلا: إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار، ويثبّت قلوبكم بالأمن والنصر والمعونة في موطن الحرب.
стр. 7657
٦ - إن جزاء الكافرين عسير ومظلم وشاق، فالخيبة والخزي والهزيمة لهم في الدنيا، وإبطال أعمالهم في الآخرة، بسبب كراهيتهم ما أنزل الله من الكتب والشرائع، ولأن أعمالهم كانت في طاعة الشيطان، فيحبط الله ما لهم من أعمال الخيرات، كعمارة المسجد الحرام وغيره، وقرى الضيف، وأصناف القرب، ولا يقبل الله العمل إلا من مؤمن.
وبه يتبيّن الفرق بين موتى الكافرين في قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ وبين موتى المسلمين وقتلاهم حيث قال تعالى في حقهم: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ﴾.
النظر في آثار الأمم السابقة والتأمل في أحوال المؤمنين والكافرين
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤)﴾
الإعراب:
﴿فَيَنْظُرُوا﴾ إما مجزوم بالعطف بالفاء على ﴿يَسِيرُوا﴾ أو في موضع نصب على جواب الاستفهام بالفاء بتقدير «أن».
﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ﴾ ﴿أَخْرَجَتْكَ﴾: أي أخرجك أهلها، ولهذا قال:
стр. 7658
أهلكناهم، فحذف الأصل، وأقيم ضمير القرية مقامهم، فصار ضمير القرية في موضع رفع ب «أخرج» كما كان ضمير الأهل كذلك، ثم استتر ضمير القرية في «أخرج» وظهرت علامة التأنيث، لأن القرية مؤنثة، وهذا من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، مثل ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد ٢١/ ٤٧] أي أصحاب الأمر.
البلاغة:
﴿وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر.
﴿الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ مجاز مرسل أي أخرجك أهلها، والإخراج باعتبار التسبب. وكذا قوله ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ مجاز مرسل أطلق المحل وأريد الحالّ.
المفردات اللغوية:
﴿دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ أهلك أنفسهم وأولادهم وأموالهم، وهو أبلغ من قوله: دمرهم الله، فهذا يدلّ على الإهلاك مطلقا، والأول: إهلاك ما يختص به الإنسان من نفسه وماله وولده وغيره.
﴿وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ أمثال تلك العاقبة أو العقوبة، لأن التدمير يدلّ عليها. ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ﴾ أي نصر المؤمنين وقهر الكافرين بسبب ولاية الله. ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولي وناصر المؤمنين، أي ناصر المؤمنين على أعدائهم. ﴿وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ لا ناصر لهم يدفع العذاب عنهم. ويأتي المولى بمعنى المالك كما في قوله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [يونس ٣٠/ ١٠] أي إلى مالك أمورهم والمتصرف في شؤونهم.
﴿يَتَمَتَّعُونَ﴾ ينتفعون بمتاع الدنيا. ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ﴾ ليس لهم همّ إلا بطونهم وفروجهم، ولا يلتفتون إلى العاقبة أو الآخرة. ﴿مَثْوىً﴾ منزل ومقام ومصير. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي وكم من أهل قرية. ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ﴾ أي مكة أي من أهل مكة، حذف المضاف وأجريت أحكامه على المضاف إليه، وقوله ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ﴾ روعي فيه لفظ قرية. ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ بأنواع العذاب، روعي فيه معنى ﴿قَرْيَةٍ﴾ الأولى. ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ من إهلاكنا.
﴿بَيِّنَةٍ﴾ حجة وبرهان، وتشمل القرآن والحجج العقلية. ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ كالشرك والمعاصي. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ في عبادة الأوثان، فلا شبهة دليل لهم في ذلك، فضلا عن وجود حجة لديهم. والجواب عن قوله: ﴿أَفَمَنْ كانَ﴾ و ﴿كَمَنْ زُيِّنَ﴾ هو لا مماثلة بين المؤمنين وكفار مكة.
стр. 7659
سبب النزول:
نزول الآية (١١):
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى﴾:
قال قتادة: نزلت يوم أحد والنّبي ﷺ في الشّعب، إذ صاح المشركون: يوم بيوم، لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال النّبي ﷺ : «قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم» وقد تقدّم ذلك.
نزول الآية (١٣):
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾:
أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال:
لما خرج رسول الله ﷺ تلقاء الغار، نظر إلى مكة، فقال: أنت أحبّ بلاد الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك، لم أخرج منك، فأنزل الله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ الآية. وذكره الثعلبي أيضا عن قتادة وابن عباس، وهو حديث صحيح.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى مصير الكافرين والمؤمنين، ونعى على الأولين، وأثنى على الآخرين تنبيها على وجوب الإيمان، حضّ على النظر في آثار الأمم المتقدّمة، والتأمل في أحوال المؤمنين والكافرين، للعبرة والعظة، وإدراك أن الله ناصر المؤمنين وخاذل الكافرين، ومنعم على أهل الإيمان والصلاح بالجنة، بسبب تبيّنهم الحق، ومعاقب الكفار بالنار، بسبب اتباعهم أهواءهم في عبادة الأوثان.
التفسير والبيان:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها؟﴾ أي أفلم يمش هؤلاء المشركون بالله تعالى
стр. 7660
المكذبون لرسوله ﷺ في الأرض أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا، فيروا كيف كان مصير الأمم السالفة، وما آل إليه أمر الكافرين من قبلهم، فإن آثار العذاب في ديارهم بسبب تكذيبهم وكفرهم باقية، لقد هدّم الله عليهم ديارهم، وأهلكهم واستأصلهم، فلم يبق من الأهل والولد والمال شيئا يذكر، ونجّى الله تعالى المؤمنين من بين أظهرهم.
ولهؤلاء الكافرين المكذبين ولجميع الأمم الكافرة أمثال عاقبة من قبلهم من الكفرة. وقد عوقب كفار قريش في الدنيا بالهزيمة المنكرة في بدر وفتح مكة، ولهم عقاب أشدّ في نار جهنم في الآخرة.
وسبب العقاب ما قال تعالى:
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أي ذلك التدمير والاستئصال للكافرين، ونجاة المؤمنين بسبب أن الله ناصر عباده الذين آمنوا بالله تعالى وأطاعوا رسوله ﷺ ، وأن الكافرين الجاحدين بالله تعالى والمكذبين رسوله ﷺ لا ناصر لهم يدفع عنهم العذاب، فوقعت العقوبة بهم.
ولما بيّن الله تعالى حال المؤمنين والكافرين في الدنيا، بيّن حالهم في الآخرة، فقال:
١ - ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي إن الله ينعم يوم القيامة على عباده الذين آمنوا بالله وصدقوا به وعملوا صالح الأعمال، فقاموا بالفرائض واجتنبوا المعاصي، بدخول الجنات (البساتين) التي تجري الأنهار من تحت قصورها، تكريما لهم.
٢ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ، وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ أي والذين جحدوا بوجود الله وتوحيده وكذبوا رسوله ينتفعون بمتاع الدنيا، ويأكلون منها كأكل الأنعام (الإبل والبقر والغنم) لا همّ لهم إلا بطونهم
стр. 7661
وفروجهم، ساهون عن العاقبة، لاهون بما هم فيه، ولهذا
ثبت في الحديث الصحيح عند أحمد والشيخين والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر: «المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء».
ونار جهنم يوم جزائهم مسكن ومنزل لهم يستقرون فيه.
والخلاصة: أن الله يدخل المؤمن الجنة، والكافر النار في عالم الآخرة.
ثم هدّد الله تعالى مشركي مكة وأوعدهم بقوله:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ، أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ أي وكثير من أهل المدن والأمم السالفة ذات القوة والنفوذ كانوا أشدّ بأسا وقوة من أهل مكة الذين أخرجوك منها، فأهلكناهم، ولم يجدوا لهم ناصرا ولا معينا يدفع عنهم العذاب، فبالأولى من هو أضعف منهم، وهم قريش.
وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل مكة في تكذيبهم لرسول الله ﷺ ، وهو سيّد وخاتم الأنبياء. فإذا أهلك الله عتاة الأمم الذين كذبوا الرّسل، فسيفعل الأمر نفسه بأمثالهم، وإن امتنع إيقاع عذاب الاستئصال في الدنيا بسبب الرسول ﷺ نبي الرحمة، فإن العذاب لهم كائن لا محالة في الآخرة.
ثم أبان الله تعالى سبب التفرقة في جزاء الفريقين، فقال على طريق الإنكار:
﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ أي أفمن كان على بصيرة ويقين من أمر دينه وبما جبل عليه من الفطرة السليمة بتوحيد الله، كمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا، وهو عبادة الأوثان، والإشراك بالله، واقتراف المعاصي، واتبعوا أهواءهم في عبادتها، وانهمكوا في أنواع الضلالات، بلا شبهة توجب الشّك، فضلا عن حجة صحيحة. والمعنى لا يستوي الفريقان.
стр. 7662
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ، كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ [الرعد ١٩/ ١٣]، وقوله سبحانه: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر ٢٠/ ٥٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - هدّد الحق تعالى بحال الأقدمين، ودعا كفار قريش والناس قاطبة إلى النظر بقلوبهم في مصير الكافرين المكذبين، كيف أهلكهم واستأصلهم، وأعلن صراحة أن للكافرين في كل عصر وجيل أمثال هذه الفعلة، يعني التدمير، أو أمثال عاقبة تكذيب الأمم السالفة، إن لم يؤمنوا.
٢ - ذلك الإهلاك والهوان بسبب أن الله تعالى ناصر المؤمنين، وأما الكافرون الذين اتخذوا آلهة لا تنفع ولا تضرّ، وتركوا الله تعالى، فلا ناصر لهم ولا معين يمنع عنهم العذاب.
٣ - إن جزاء الفريقين مختلف، فالله تعالى يدخل المؤمنين الذين عملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار، وأما الكافرون فإنهم يتمتعون في الدنيا كأنهم أنعام، ليس لهم همّ إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عما في المستقبل، ونار جهنم في الآخرة منزلهم ومقامهم ومسكنهم الذي لا يفارقونه.
قال الرازي: كثيرا ما يقتصر الله على ذكر الأنهار في وصف الجنة، لأن الأنهار يتبعها الأشجار، والأشجار تتبعها الثمار، والماء سبب حياة العالم، والنار سبب الإعدام، وللمؤمن الماء ينظر إليه وينتفع به، وللكافر النار يتقلب فيها ويتضرّر بها (١).
стр. 7663
والمؤمن وإن شارك الكافر في التّمتع بالدنيا، فلم يذكر ذلك في حقه، لأن له الجنة العظيمة، فمتاع الدنيا لا يلتفت إليه في حقّه، والكافر ليس له إلا الدنيا.
٤ - خصّ الله تعالى أهل مكة بتهديد ووعيد آخر، فلما لم ينتفعوا بالمثل العام بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ذكر لهم مثلا آخر، وهو أن كثيرا من الأقوام الغابرة كانوا أشدّ قوة منهم، فأهلكهم الله تعالى، ولا ناصر لهم.
٥ - لا يستوي عقلا في الدنيا وواقعا وعدلا في الآخرة أهل الإيمان الذين هم على بصيرة وثبات ويقين وهم محمد ﷺ وأمته، وعبّاد الأصنام كأبي جهل وسائر الكفار الذين حسّن لهم الشيطان قبيح أعمالهم، واتبعوا ما اشتهوا، فالفريق الأول ناجون والثاني هالكون.
صفة نعيم الجنة وعذاب النار
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)﴾
الإعراب:
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿كَمَنْ هُوَ خالِدٌ﴾ أو ﴿فِيها أَنْهارٌ﴾ وكأن قائلا قال:
وما مثلها؟ فقيل: فيها أنهار، ويجوز أن يكون ﴿فِيها أَنْهارٌ﴾ في موضع الحال، أي مستقرة فيها أنهار، كما يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي فيها أنهار.
﴿مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لَذَّةٍ﴾: تأنيث «لذّ» وهو اللذيذ، أو وصف بمصدر، مثل
стр. 7664
رجل عدل وقرئ بالحركات الثلاث، فالجر على صفة الخمر، والرفع على صفة الأنهار، والنصب على العلة أي التمييز، أي لأجل لذّة الشاربين.
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ، وخبره محذوف أي لهم مغفرة، أو عطف على لفظ المحذوف في قوله:
﴿وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أي لهم أصناف.
﴿كَمَنْ هُوَ خالِدٌ﴾ خبر مبتدأ مقدر، أي أمن هو في هذا النعيم؟
البلاغة:
﴿فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ﴾ .. ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ﴾ .. ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ إطناب بتكرار لفظ ﴿أَنْهارٌ﴾، تشويقا لنعيم الجنة.
المفردات اللغوية:
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ صفة الجنة العجيبة الشأن. وهو على حذف حرف الاستفهام، لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار وهو قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ.. ؟﴾ والتقدير: أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار؟ أو كمثل من هو خالد؟ فهو كلام في صورة الإثبات، ومعنى النفي والإنكار. وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين. أو فيما قصصنا عليك صفة الجنة العجيبة.
﴿آسِنٍ﴾ متغيّر الطعم والرائحة لطول مكثه، وفعله: أسن الماء بالفتح يأسن ويأسن كضرب ونصر، أو أسن بالكسر مثل علم، وقرئ بالمدّ والقصر كضارب وحذر، أي ماء الجنة غير متغيّر الطعم والريح، بخلاف ماء الدنيا، يتغيّر بعارض. ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ بخلاف لبن الدنيا، لخروجه من الضرع. ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أي تلذذ خالص ليس معه ذهاب عقل ولا سكر ولا صداع، بخلاف خمر الدنيا، فإنها كريهة عند الشرب، و ﴿لَذَّةٍ﴾:
تأنيث لذّ، أي لذيذ. ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ منقّى خال من الشمع والقذى وفضلات النحل وغيرها، بخلاف عسل الدنيا فإنه بخروجه من بطون النحل يخالطه الشمع وغيره، والتوصيف بهذه الأوصاف يقتضي غزارتها واستمرارها.
﴿وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أي لهم فيها أصناف من الثمار. ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي لهم مغفرة، أي فالله راض عنهم، مع إحسانه إليهم بما ذكر، بخلاف الإنسان قد يكون مع إحسانه ساخطا. ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً﴾ ماء حارا شديد الغليان، مكان أشربة أهل الجنة. ﴿فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ أي مصارينهم من فرط الحرارة، جمع معىّ.
стр. 7665
المناسبة:
بعد بيان الفرق بين المؤمنين والكافرين في الاهتداء والضلال، بيّن الله تعالى الفرق بينهما في الجزاء والمرجع والمآل، فذكر ما للمؤمنين من أنواع النعيم في الجنة، وما للكافرين من الخلود في النار وشرب الماء شديد الحرارة الذي يقطّع الأمعاء.
والكلام متصل أيضا بما قال قبل: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ﴾ فهناك بيان الجزاء، وهنا وصف تلك الجنات المعدة للمتقين.
التفسير والبيان:
ذكر الله تعالى في هذه الآية نوعين من الجزاء لكل من الفريقين: جزاء مادي وجزاء معنوي، أما نوعا جزاء المؤمنين فهما المشروب والمطعوم، والمغفرة والرضوان، وأما نوعا جزاء الكافرين فهما المشروب الحار، والخلود في النار. ولما قدّم في الذكر في الآية السابقة المتبصر صاحب البيّنة على من اتّبع هواه، قدّم في هذه الآية حال الأول في المآل على حال الآخر.
ومعنى الآية: إن نعت الجنة أو وصفها العجيب الشأن التي وعد الله بها عباده المتقين الذين اتّقوا عقابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه هو ما تسمعون. ثم ابتدأ بمشروب أهل الجنة:
-فيها أنهار جارية من ماء غير متغير الطعم والريح واللون لطول المكث، بل إنه ماء عذب فرات متدفق نقي غير مصحوب برواسب أو طحالب، من شربه لا يظمأ أبدا. وقد ابتدأ بالماء، لأنه أعم نفعا للناس من بقية المشروبات. روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود ﵁ قال: «أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك».
стр. 7666
-وفيها أنهار من حليب لم يحمض كما تتغير ألبان الدنيا، وهو في غاية البياض والحلاوة والدسومة،
ورد في حديث مرفوع: «لم يخرج من ضروع الماشية» وثنّى باللبن، لأنه ضروري للناس كلهم، وهو غذاء كامل ومطعوم شهي.
-وفيها أنهار من خمر لذيذة الطعم، طيبة الشرب، ليست كريهة الطعم والرائحة أو مرّة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة: ﴿لا فِيها غَوْلٌ، وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصّافات ٤٧/ ٣٧]، ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة ١٩/ ٥٦]، أي ليس فيها ضرر ولا مادة مسكرة تزيل العقل، ولا يصيب شاربها صداع، ولا يذهب عقله، وإنما هي لذيذة للشاربين: ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصّافات ٤٦/ ٣٧].
ورد في حديث مرفوع: «لم يعصرها الرجال بأقدامهم». وذكرت في المرتبة الثالثة، لأنها ليست ضرورية، وإنما فيها متعة ذوقية، فهي لذيذة الطعم، طيبة الشرب، لا يتكرهها الشاربون، وتناولها للذة بعد حصول الري والمطعوم.
-وفيها أنهار من عسل في غاية الصفاء، وحسن اللون والطعم والريح، لم يخالطه شيء من الشمع والقذى والعكر والكدر،
ثبت في حديث مرفوع: «لم يخرج من بطون النحل». وذكر في المرتبة الرابعة، لأنه ليس ضروريا وإنما جمع بين مختلف الطعوم والإحساسات الذوقية المرغوبة، ولا شكّ أن الحلو أطيب الطعوم، والعسل أرقاها، وفيه فوائد كثيرة للجسد: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل ٦٩/ ١٦]، ففيه الشفاء في الدنيا بعد المشروب والمطعوم، وفيه الخير في الآخرة.
وإنما ذكر الله تعالى هذه الأجناس الأربعة من الأنهار، لأنها جمعت بين الضرورة (الماء) والحاجة (اللبن) والمتعة (الخمر غير المسكرة) والعلاج النافع (العسل).
стр. 7667
أخرج الإمام أحمد والترمذي والبيهقي عن معاوية بن حيدة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الجنّة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقّق الأنهار منها بعد».
ثم ذكر الله تعالى المأكول الممتع وهو الثمار والفواكه اليانعة، فللمتقين في الجنّة مختلف أنواع الثمار وأصناف الفاكهة ذات الألوان البديعة، والروائح الذكية، والطعوم الشهية، كقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان ٥٥/ ٤٤]، وقوله سبحانه: ﴿فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن ٥٢/ ٥٥]. ولما كان الأكل في الجنة للذة لا للحاجة ذكر الثمار ولم يذكر اللحم والخبز.
وبعد بيان الجزاء المادي من المشروب والمأكول ذكر تعالى الجزاء المعنوي وهو ظفر أهل الجنة مع ذلك كله بمغفرة الله ورضوانه وتجاوزه عن سيئاتهم وذنوبهم كرما وحلما وفضلا ورحمة، والمغفرة تكون قبل دخول الجنة، فقوله:
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ معطوف على قوله: ﴿لَهُمْ﴾ كأنه قال تعالى: لهم الثمرات فيها، ولهم المغفرة قبل دخولها.
ثم قارن الله تعالى ما وعد به المتقين من النعيم بما أوعد به الكافرين من الجحيم، فأبان: أهؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة وبيّنا ما هم فيه من نعيم وخلود، كمن هو خالد في النار؟ لا شكّ أنه لا يستوي من هو في الدرجات كمن هو في الدركات، وليس أهل الجنة التي فيها الثمار والأنهار كأهل النار التي فيها الحميم في العذاب الأليم، كما قال تعالى: ﴿وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد ١٢/ ٤٧].
فالخلود صفة مشتركة بين أهل الجنة وأهل النار، ولكن شتّان ما بين النوعين، الأولون خالدون في النعيم المقيم، والآخرون خالدون في العذاب الأليم.
стр. 7668
وأما شراب أهل النار: فهو أن يسقوا من ماء حار شديد الغليان لا يستطاع، ولكنهم يضطرون إلى شربه، فيقطّع الأمعاء والأحشاء، ويذيب ما في البطون لفرط حرارته، فهل شرابهم كشراب أهل الجنة المار الذكر والموصوف بما سبق؟
فقه الحياة أو الأحكام:
قارن الله تعالى بين نوعين من جزاء المؤمنين المتقين، والكافرين الظالمين، وهي مقارنة تستوجب التأمل، وتبيّن مدى الفرق الشاسع بين المرغب فيه والمرهب منه.
فمشروب المتقين من أنهار أربعة: الماء واللبن والخمر اللذيذة غير المسكرة والعسل، ومأكولهم مختلف أصناف الثمار، وأما شراب أهل النار فهو الماء الشديد الحرارة أو الغليان الذي يقطّع الأمعاء، إذا دنا منهم شوى وجوههم، وسقطت فروة رؤوسهم، فإذا شربوه قطّع أمعاءهم وأخرجها من أدبارهم. وليس هو ماء حميم فحسب، لأن مجرد الحرارة لا يقطع، بل هو ماء حميم مخصوص يقطع.
ولأهل الجنة مع ذلك كله المغفرة من ربّهم لذنوبهم، ورضوان الله عليهم، ولأهل النار السخط والغضب الإلهي، والهزء والسخرية، والتوبيخ والتقريع.
والكل في خلود دائم، أهل الجنة خالدون ماكثون فيها على الدوام يرفلون بالنعيم الدائم، وأهل النار خالدون مقيمون فيها أبدا، يتلظون بحر السعير الملتهب المستمر.
قال ابن كيسان: مثل هذه الجنة فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزّقّوم. ومثل أهل الجنة في النعيم المقيم كمثل أهل النار في العذاب المقيم، أي أمثل هؤلاء كهؤلاء؟! وقال الفراء: أفمن يخلد في هذا النعيم كمن يخلد في النار؟! جعلنا الله من أهل الجنان، وأعاذنا من حرّ النيران.
стр. 7669
أوصاف المنافقين والمؤمنين
- ١ -
حال المنافقين والمهتدين عند استماع آيات العقيدة
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اِهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩)﴾
الإعراب:
﴿آنِفاً﴾ ظرف بمعنى وقتا مؤتنفا، أو حال من ضمير: ﴿قالَ﴾.
﴿فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ ﴿ذِكْراهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿فَأَنّى لَهُمْ﴾: خبره، والمعنى: فأنّى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة. وتاء ﴿جاءَتْهُمْ﴾ للساعة. وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن ذكراهم يرتفع بالظرف وهو ﴿فَأَنّى لَهُمْ﴾.
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: بدل اشتمال من ﴿السّاعَةَ﴾، أي ليس الأمر إلا أن تأتيهم الساعة فجأة.
البلاغة:
﴿أَهْواءَهُمْ﴾ ﴿تَقْواهُمْ﴾ ﴿ذِكْراهُمْ﴾ سجع رصين غير متكلف، له جرس وإيقاع قوي على السامع.
стр. 7670
المفردات اللغوية:
﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي من الكفار فئة المنافقين. ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ في خطبة الجمعة وغيرها، وهم المنافقون، كانوا يحضرون مجلس الرسول ويسمعون كلامه، فإذا خرجوا ﴿قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي لعلماء الصحابة كابن مسعود وابن عباس، استهزاء وسخرية. ﴿ماذا قالَ آنِفاً﴾ أي ما الذي قال في هذه الساعة؟ استهزاء واستعلاما، فقوله: آنفا، أي الساعة التي قبل الوقت الذي أنت فيه، وقرئ بالمدّ والقصر، مأخوذ من أنف الشيء: وهو ما تقدم منه، فهو اسم فاعل لائتنف.
أو هو مأخوذ من استأنف الشيء: إذا ابتدأه، أي ماذا قال في أول وقت يقرب منا. ﴿طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ ختم عليها بالكفر. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ في النّفاق.
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ وهم المؤمنون. ﴿زادَهُمْ هُدىً﴾ زادهم الله بالتوفيق والإلهام. ﴿وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ بيّن لهم ما يتّقون به ربّهم، وألهمهم ما يتقون به النّار. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ﴾ أي ما ينتظرون وهم أهل مكة غير مجيء القيامة؟ ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ أي ليس الأمر إلا أن تأتيهم فجأة. ﴿أَشْراطُها﴾ علاماتها، منها بعثة النّبي ﷺ ، وانشقاق القمر، وظهور الدخان. ﴿فَأَنّى لَهُمْ﴾ فكيف لهم. ﴿إِذا جاءَتْهُمْ﴾ الساعة. ﴿ذِكْراهُمْ﴾ تذكرهم، أي لا ينفعهم حينئذ تذكرهم.
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أي إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين، فدم واثبت يا محمد على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية، وتكميل النفس بإصلاح أحوالها، وبما ينفع في القيامة، واطلب المغفرة لأجل ذنبك، وهذا الأمر مع عصمته ﷺ عن الذنوب للتعليم واستنان أمته به، وقد فعل ذلك،
فقال فيما رواه الطبراني عن أبي هريرة: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة» أو أن أقل الذنب: ترك الأولى.
﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ أي واستغفر أيضا لأهل الإيمان بالدعاء لهم وتحريضهم على موجبات المغفرة. وفي إعادة الجار وهو اللام، وحذف المضاف وهو «ذنوب» إشعار بفرط احتياجهم وكثرة ذنوبهم. ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ تصرفكم وتقلبكم لأشغالكم في الدنيا. ﴿وَمَثْواكُمْ﴾ إما سكونكم ومأواكم إلى مضاجعكم في الليل، وإما مأواكم في الجنة أو النار، أي هو عالم بجميع أحوالكم في الدنيا والآخرة، لا يخفى عليه شيء منها، فاحذروه والخطاب للمؤمنين وغيرهم:
سبب النزول:
نزول الآية (١٦):
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ﴾: أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كان المؤمنون والمنافقون يجتمعون إلى النّبي ﷺ ، فيستمع المؤمنون منهم ما يقول