-وفيها أنهار من حليب لم يحمض كما تتغير ألبان الدنيا، وهو في غاية البياض والحلاوة والدسومة،
ورد في حديث مرفوع: «لم يخرج من ضروع الماشية» وثنّى باللبن، لأنه ضروري للناس كلهم، وهو غذاء كامل ومطعوم شهي.
-وفيها أنهار من خمر لذيذة الطعم، طيبة الشرب، ليست كريهة الطعم والرائحة أو مرّة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة: ﴿لا فِيها غَوْلٌ، وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصّافات ٤٧/ ٣٧]، ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة ١٩/ ٥٦]، أي ليس فيها ضرر ولا مادة مسكرة تزيل العقل، ولا يصيب شاربها صداع، ولا يذهب عقله، وإنما هي لذيذة للشاربين: ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصّافات ٤٦/ ٣٧].
ورد في حديث مرفوع: «لم يعصرها الرجال بأقدامهم». وذكرت في المرتبة الثالثة، لأنها ليست ضرورية، وإنما فيها متعة ذوقية، فهي لذيذة الطعم، طيبة الشرب، لا يتكرهها الشاربون، وتناولها للذة بعد حصول الري والمطعوم.
-وفيها أنهار من عسل في غاية الصفاء، وحسن اللون والطعم والريح، لم يخالطه شيء من الشمع والقذى والعكر والكدر،
ثبت في حديث مرفوع: «لم يخرج من بطون النحل». وذكر في المرتبة الرابعة، لأنه ليس ضروريا وإنما جمع بين مختلف الطعوم والإحساسات الذوقية المرغوبة، ولا شكّ أن الحلو أطيب الطعوم، والعسل أرقاها، وفيه فوائد كثيرة للجسد: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل ٦٩/ ١٦]، ففيه الشفاء في الدنيا بعد المشروب والمطعوم، وفيه الخير في الآخرة.
وإنما ذكر الله تعالى هذه الأجناس الأربعة من الأنهار، لأنها جمعت بين الضرورة (الماء) والحاجة (اللبن) والمتعة (الخمر غير المسكرة) والعلاج النافع (العسل).
стр. 7667
أخرج الإمام أحمد والترمذي والبيهقي عن معاوية بن حيدة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الجنّة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقّق الأنهار منها بعد».
ثم ذكر الله تعالى المأكول الممتع وهو الثمار والفواكه اليانعة، فللمتقين في الجنّة مختلف أنواع الثمار وأصناف الفاكهة ذات الألوان البديعة، والروائح الذكية، والطعوم الشهية، كقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان ٥٥/ ٤٤]، وقوله سبحانه: ﴿فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن ٥٢/ ٥٥]. ولما كان الأكل في الجنة للذة لا للحاجة ذكر الثمار ولم يذكر اللحم والخبز.
وبعد بيان الجزاء المادي من المشروب والمأكول ذكر تعالى الجزاء المعنوي وهو ظفر أهل الجنة مع ذلك كله بمغفرة الله ورضوانه وتجاوزه عن سيئاتهم وذنوبهم كرما وحلما وفضلا ورحمة، والمغفرة تكون قبل دخول الجنة، فقوله:
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ معطوف على قوله: ﴿لَهُمْ﴾ كأنه قال تعالى: لهم الثمرات فيها، ولهم المغفرة قبل دخولها.
ثم قارن الله تعالى ما وعد به المتقين من النعيم بما أوعد به الكافرين من الجحيم، فأبان: أهؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة وبيّنا ما هم فيه من نعيم وخلود، كمن هو خالد في النار؟ لا شكّ أنه لا يستوي من هو في الدرجات كمن هو في الدركات، وليس أهل الجنة التي فيها الثمار والأنهار كأهل النار التي فيها الحميم في العذاب الأليم، كما قال تعالى: ﴿وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد ١٢/ ٤٧].
فالخلود صفة مشتركة بين أهل الجنة وأهل النار، ولكن شتّان ما بين النوعين، الأولون خالدون في النعيم المقيم، والآخرون خالدون في العذاب الأليم.
стр. 7668
وأما شراب أهل النار: فهو أن يسقوا من ماء حار شديد الغليان لا يستطاع، ولكنهم يضطرون إلى شربه، فيقطّع الأمعاء والأحشاء، ويذيب ما في البطون لفرط حرارته، فهل شرابهم كشراب أهل الجنة المار الذكر والموصوف بما سبق؟
فقه الحياة أو الأحكام:
قارن الله تعالى بين نوعين من جزاء المؤمنين المتقين، والكافرين الظالمين، وهي مقارنة تستوجب التأمل، وتبيّن مدى الفرق الشاسع بين المرغب فيه والمرهب منه.
فمشروب المتقين من أنهار أربعة: الماء واللبن والخمر اللذيذة غير المسكرة والعسل، ومأكولهم مختلف أصناف الثمار، وأما شراب أهل النار فهو الماء الشديد الحرارة أو الغليان الذي يقطّع الأمعاء، إذا دنا منهم شوى وجوههم، وسقطت فروة رؤوسهم، فإذا شربوه قطّع أمعاءهم وأخرجها من أدبارهم. وليس هو ماء حميم فحسب، لأن مجرد الحرارة لا يقطع، بل هو ماء حميم مخصوص يقطع.
ولأهل الجنة مع ذلك كله المغفرة من ربّهم لذنوبهم، ورضوان الله عليهم، ولأهل النار السخط والغضب الإلهي، والهزء والسخرية، والتوبيخ والتقريع.
والكل في خلود دائم، أهل الجنة خالدون ماكثون فيها على الدوام يرفلون بالنعيم الدائم، وأهل النار خالدون مقيمون فيها أبدا، يتلظون بحر السعير الملتهب المستمر.
قال ابن كيسان: مثل هذه الجنة فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزّقّوم. ومثل أهل الجنة في النعيم المقيم كمثل أهل النار في العذاب المقيم، أي أمثل هؤلاء كهؤلاء؟! وقال الفراء: أفمن يخلد في هذا النعيم كمن يخلد في النار؟! جعلنا الله من أهل الجنان، وأعاذنا من حرّ النيران.
стр. 7669
أوصاف المنافقين والمؤمنين
- ١ -
حال المنافقين والمهتدين عند استماع آيات العقيدة
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اِهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩)﴾
الإعراب:
﴿آنِفاً﴾ ظرف بمعنى وقتا مؤتنفا، أو حال من ضمير: ﴿قالَ﴾.
﴿فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ ﴿ذِكْراهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿فَأَنّى لَهُمْ﴾: خبره، والمعنى: فأنّى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة. وتاء ﴿جاءَتْهُمْ﴾ للساعة. وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن ذكراهم يرتفع بالظرف وهو ﴿فَأَنّى لَهُمْ﴾.
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: بدل اشتمال من ﴿السّاعَةَ﴾، أي ليس الأمر إلا أن تأتيهم الساعة فجأة.
البلاغة:
﴿أَهْواءَهُمْ﴾ ﴿تَقْواهُمْ﴾ ﴿ذِكْراهُمْ﴾ سجع رصين غير متكلف، له جرس وإيقاع قوي على السامع.
стр. 7670
المفردات اللغوية:
﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي من الكفار فئة المنافقين. ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ في خطبة الجمعة وغيرها، وهم المنافقون، كانوا يحضرون مجلس الرسول ويسمعون كلامه، فإذا خرجوا ﴿قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي لعلماء الصحابة كابن مسعود وابن عباس، استهزاء وسخرية. ﴿ماذا قالَ آنِفاً﴾ أي ما الذي قال في هذه الساعة؟ استهزاء واستعلاما، فقوله: آنفا، أي الساعة التي قبل الوقت الذي أنت فيه، وقرئ بالمدّ والقصر، مأخوذ من أنف الشيء: وهو ما تقدم منه، فهو اسم فاعل لائتنف.
أو هو مأخوذ من استأنف الشيء: إذا ابتدأه، أي ماذا قال في أول وقت يقرب منا. ﴿طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ ختم عليها بالكفر. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ في النّفاق.
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ وهم المؤمنون. ﴿زادَهُمْ هُدىً﴾ زادهم الله بالتوفيق والإلهام. ﴿وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ بيّن لهم ما يتّقون به ربّهم، وألهمهم ما يتقون به النّار. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ﴾ أي ما ينتظرون وهم أهل مكة غير مجيء القيامة؟ ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ أي ليس الأمر إلا أن تأتيهم فجأة. ﴿أَشْراطُها﴾ علاماتها، منها بعثة النّبي ﷺ ، وانشقاق القمر، وظهور الدخان. ﴿فَأَنّى لَهُمْ﴾ فكيف لهم. ﴿إِذا جاءَتْهُمْ﴾ الساعة. ﴿ذِكْراهُمْ﴾ تذكرهم، أي لا ينفعهم حينئذ تذكرهم.
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أي إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين، فدم واثبت يا محمد على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية، وتكميل النفس بإصلاح أحوالها، وبما ينفع في القيامة، واطلب المغفرة لأجل ذنبك، وهذا الأمر مع عصمته ﷺ عن الذنوب للتعليم واستنان أمته به، وقد فعل ذلك،
فقال فيما رواه الطبراني عن أبي هريرة: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة» أو أن أقل الذنب: ترك الأولى.
﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ أي واستغفر أيضا لأهل الإيمان بالدعاء لهم وتحريضهم على موجبات المغفرة. وفي إعادة الجار وهو اللام، وحذف المضاف وهو «ذنوب» إشعار بفرط احتياجهم وكثرة ذنوبهم. ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ تصرفكم وتقلبكم لأشغالكم في الدنيا. ﴿وَمَثْواكُمْ﴾ إما سكونكم ومأواكم إلى مضاجعكم في الليل، وإما مأواكم في الجنة أو النار، أي هو عالم بجميع أحوالكم في الدنيا والآخرة، لا يخفى عليه شيء منها، فاحذروه والخطاب للمؤمنين وغيرهم:
سبب النزول:
نزول الآية (١٦):
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ﴾: أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كان المؤمنون والمنافقون يجتمعون إلى النّبي ﷺ ، فيستمع المؤمنون منهم ما يقول
стр. 7671
ويعونه، ويسمعه المنافقون فلا يعونه، فإذا خرجوا سألوا المؤمنين: ماذا قال آنفا؟ فنزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ الآية.
وروى مقاتل: أن النّبي ﷺ كان يخطب ويعيب المنافقين، فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود، استهزاء: ماذا قال محمد آنفا؟ قال ابن عباس: وقد سئلت فيمن سئل.
المناسبة:
بعد بيان حال المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة، ذكر الله تعالى حال المنافقين، وأنهم من الكفار، وأنهم جهلة لا يفهمون كلام النّبي ﷺ عند الاستماع إليه، وإنما يستمعون ولا ينتفعون، لتهاونهم واستهزائهم، على عكس حال المؤمن المهتدي، فإنه يستمع ويفهم، ويعمل بما يعلم. ثم هدد تعالى أولئك المنافقين وأمرهم بأن يتّعظوا ويعتبروا ويتذكروا قبل مجيء الساعة. ثم أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالثبات على ما هو عليه من صحة الاعتقاد والاستغفار لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات.
التفسير والبيان:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ، حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ، قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: ماذا قالَ آنِفاً؟﴾ أي ومن هؤلاء الكفار الخالدين في النار: منافقون يستمعون كلام النّبي ﷺ وتلاوته في خطبه ومجالسه، فلا يفهمون منه شيئا لعدم وعيهم وإدراكهم وإيمانهم، فإذا خرجوا من عنده قالوا لعلماء الصحابة الواعين لما سمعوا، وسألوهم على طريقة الاستهزاء والاستخفاف والسخرية: ماذا قال النّبي في الساعة القريبة من هذه؟ والمعنى: أنّا لم نلتفت إلى قوله، ولم نكترث بما يتكلم به، ولم نفهم ما يقول، ولم ندر ما نفع ذلك.
стр. 7672
فوصفهم الله تعالى وصفا يدلّ على حقيقتهم، فقال:
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ أي أولئك المنافقون هم الذين ختم الله على قلوبهم بسبب نفاقهم، فلم يؤمنوا ولم يهتدوا إلى الحق، ولا اتجهت قلوبهم إلى شيء من الخير، واتبعوا شهواتهم وأهواء نفوسهم في الكفر والعناد، أي إنهم تركوا اتباع الحق إما بسبب عدم الفهم، أو بسبب عدم الاستماع للاستفادة، واتبعوا ضدّه، فليس لديهم فهم صحيح ولا قصد حسن ثم قابلهم الله تعالى بالمؤمنين المهتدين، فقال:
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً، وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ أي والذين قصدوا الهداية إلى طريق الخير، وفقهم الله تعالى، وشرح صدورهم، فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به، وثبّتهم على الهدى، وزادهم هدى بالتوفيق، وألهمهم رشدهم، وأعانهم على التقوى، بالتوفيق للعمل الذي يرضاه.
ثم هددهم الله تعالى بمجيء القيامة، فقال:
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً، فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها، فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ أي فهل ينتظر المنافقون والكافرون إلا مجيء القيامة التي تأتيهم فجأة وهم غافلون عنها، وقد حدثت أماراتها وعلاماتها، ومنها بعثة النّبي ﷺ ،
ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالوسطى والسبابة».
ومن أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة (القيامة) حيث لا ينفعهم ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ، وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى؟﴾ [الفجر ٣٣/ ٨٩] أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ.
والمراد بالآية أن أدلة الإيمان بالله تعالى وصدق رسوله ﷺ وبالبعث كثيرة
стр. 7673
ساطعة بالبرهان في القرآن والفطرة والنفس والعقل وعالم الشهادة والحس، فإذا لم يؤمنوا في وقت قريب قبل مجيء الموت والقيامة، فلا ينفعهم إيمان حينئذ بعد انتهاء العمر وزوال الدنيا التي هي دار العمل والتكليف.
ثم أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالثبات على ما هو عليه والاستغفار، فقال:
﴿فَاعْلَمْ ١ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ، وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ أي إذا علمت أيها النّبي حال الفريقين: المؤمن والكافر، من السعادة والشقاوة ومجيء علامات القيامة وأشراطها فاثبت واستمر على ما أنت عليه من التوحيد ومراقبة النفس، واعلم أنه لا إله غير الله ولا ربّ سواه، وأن البعث حقّ آت لا ريب فيه، واستغفر مما قد يصدر منك مما هو خلاف الأولى، واستغفر أيضا لذنوب أتباعك وأمتك، بالدعاء للمؤمنين والمؤمنات بالمغفرة عما فرط من ذنوبهم. والله يعلم أعمالكم وتصرفكم في أشغالكم نهارا، ومستقركم ليلا، وقيل: أو مأواكم في الدار الآخرة، قال ابن كثير: والأول أولى وأظهر، وفي هذا ترغيب بالعمل وترهيب من المخالفة.
وذلك كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام ٦٠/ ٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها، وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها، كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود ٦/ ١١].
وكان من دعاء النّبي ﷺ عملا بالأمر الإلهي بالاستغفار والدعاء:
ما ورد في صحيح البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدّي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي».
стр. 7674
وفي الحديث الصحيح أيضا أنه كان يقول في آخر الصلاة: اللهم اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت».
وثبت في الصحيح كذلك أنه قال: «يا أيها الناس، توبوا إلى ربّكم، فإني أستغفر الله، وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة».
وروى أبو يعلى عن أبي بكر الصديق ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما، فإن إبليس قال: إنما هلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون».
وفي الأثر المروي: «قال إبليس: وعزّتك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله : وعزّتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني».
وعن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم، فتلا هذه الآية:
﴿فَاعْلَمْ.﴾. وذلك أنه أمر بالعمل بعد العلم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - المنافقون كعبد الله بن أبيّ بن سلول، ورفاعة بن التابوت، وزيد بن الصليب، والحارث بن عمرو، ومالك بن دخشم قوم انتهازيون نفعيون، كانوا يحضرون الخطبة النّبوية يوم الجمعة، فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها أعرضوا عنه، فإذا خرجوا سألوا عنه، وهم أيضا قوم جهلة لإقفار قلوبهم من الإيمان، وخلو عقولهم من الوعي والإدراك، فكانوا يحضرون عند رسول الله ﷺ مع المؤمنين، فيستمعون منه ما يقول، فيعيه المؤمن ولا يعيه الكافر.
стр. 7675
٢ - لذا وصفهم الله تعالى بأنهم ممن طبع الله على قلوبهم بكفرهم فلم يؤمنوا، واتبعوا أهواءهم في الكفر، كما قال تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء ١٥٥/ ٤].
٣ - من منهج القرآن: الموازنة والمقارنة بين الأضداد ليتبيّن الفرق، فكثيرا ما يقابل بين المؤمنين والكافرين كما في الآيات المتقدمة، أو بين المؤمنين والفجار، وهنا قابل بين المؤمنين المهتدين والمنافقين، فالمنافقون طبع الله على قلوبهم بكفرهم واتبعوا أهواءهم في الكفر، والمؤمنون زادهم الله هدى، فعلموا ما سمعوا وعملوا بما علموا، وآتاهم تقواهم، أي ألهمهم التقوى، ووفقهم للعمل الذي فرض عليهم.
٤ - إذا كانت البراهين على وجود الله وتصديق نبيّه والإيمان بالبعث قد اتّضحت، والكافرون والمنافقون لم يؤمنوا، فلا يتوقع منهم الإيمان إلا عند قيام الساعة التي ستأتيهم فجأة، وظهرت علاماتها وأماراتها، ومنها بعثة النّبي ﷺ وانشقاق القمر والدخان، وكثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع الأرحام، وقلة الكرام وكثرة اللئام.
ولكن حين مجيء الساعة لا ينفعهم التذكر والإيمان، إذ لا تقبل التوبة ولا يحسب الإيمان.
٥ - لا يفيد المؤمن إلا الثبات على توحيد الله، والاعتقاد بأن لا إله إلا الله لها الفوقية والتقدم على كل شيء، والاشتغال بالاستغفار لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات، وهذا دليل التآخي والمحبة والرغبة في الخير والسعادة لأهل الإيمان جميعا، ودليل على وجوب استغفار الإنسان لجميع المسلمين.
وقد أمر النبي ﷺ بالدوام والاستمرار على عقيدة التوحيد والإخلاص، وبالاستغفار لذنبه ولذنوب المؤمنين والمؤمنات، لأنه القدوة المثلى والأسوة
стр. 7676
الحسنة للأمة، ولتعليم أمته انتهاج منهجه واقتفاء سيرته. وذنوب الأنبياء:
تركهم ما هو الأولى بمنزلتهم العالية عند الله تعالى. وتقديم الأمر بالتوحيد على الاستغفار دليل على تقديم العلم على العمل، وعلى أن أول الواجبات العلم والنظر قبل القول والإقرار، وفي الآية ما يدلّ على التواضع وهضم النفس، لأن الله تعالى أمر رسوله الله ﷺ بالاستغفار لذنبه وذنوب من على دينه.
٦ - لا يخفى على الله تعالى شيء من حركات بني آدم وسكناتهم، بل وجميع خلقه، فهو سبحانه عالم بجميع ذلك جملة وتفصيلا، فيعلم متقلبهم وتصرفهم في النهار، ومستقرهم بالليل، ومثواهم في الدنيا والآخرة. وعلى هذا يكون حمل قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ على العموم لكل ما ذكر أولى وأحرى كما اختار القرطبي رحمه الله تعالى.
والعلم بأن الله رقيب على كل شيء يستدعي الطاعة والعمل الصالح، ويوجب الرهبة من العصيان والمخالفة، وهو معنى التقوى التي يوفق الله إليها عباده المؤمنين.
- ٢ -
حال المنافقين والمؤمنين عند نزول الآيات العملية
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣)﴾
стр. 7677
الإعراب:
﴿فَأَوْلى لَهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، أي فويل لهم. فأولى: اسم للتهديد والوعيد، كأنه قال:
الوعيد لهم، وهو ممنوع من الصرف، لأنه على وزن أفعل معرفة.
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: جملة شرطية، وقعت اعتراضا بين اسم «عسى» وخبرها، وتقديره: فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض، وتقطعوا أرحامكم إن توليتم.
البلاغة:
﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ مجاز عقلي، لأنه نسب العزم إلى الأمر، وهو لأهله، مثل «نهاره صائم».
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب، ليكون أبلغ في التوبيخ وآكد في التقريع. وفيه ما يسمى في البلاغة في غير القرآن بتجاهل العارف أي سلوك طريقة الاستخبار.
المفردات اللغوية:
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا: لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ ﴿لَوْلا﴾ للحث أو الحض على حصول ما بعدها، والمراد: يقول المؤمنون: هلا نزلت سورة في أمر الجهاد ﴿مُحْكَمَةٌ﴾ مبينة واضحة لا شبهة ولا احتمال فيها لمعنى آخر. ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ﴾ أي الأمر به. ﴿مَرَضٌ﴾ ضعف في الدين وشك ونفاق. ﴿نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي نظر المغمى عليه خوفا من الموت، أو المحتضر الذي لا يحرك بصره، والمراد أن المنافقين يخافون من القتال ويكرهونه. ﴿فَأَوْلى لَهُمْ﴾ أي فالويل والهلاك لهم، مأخوذ من الولي أي القرب، ومعناه: الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه، أو يؤول إليه أمرهم. قال ابن جزي في التسهيل لعلوم التنزيل: وهي كلمة معناها التهديد والدعاء عليهم، كقوله تعالى: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ [القيامة ٣٤/ ٧٥].
﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ استئناف كلام جديد، أي الطاعة والقول المعروف خير لهم، أي أحسن وأمثل، قال الرازي: لا يقال: طاعة نكرة لا تصلح للابتداء، لأنا نقول: هي موصوفة، يدل عليه قوله: ﴿وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ فإنه موصوف، فكأنه تعالى قال: طاعة مخلصة وقول معروف خير (١). وقيل: ذلك حكاية قولهم لقراءة أبي «يقولون طاعة وقول معروف».
стр. 7678
﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ جدّ أصحاب الأمر، بأن فرض القتال. ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ﴾ فيما زعموا من الحرص على الجهاد والإيمان والطاعة. ﴿لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ أي لكان الصدق خيرا لهم، وجملة ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ.﴾. جواب ﴿فَإِذا عَزَمَ﴾ ولا يضر اقترانه بالفاء، وجواب «لو»: لكان.
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ بكسر السين وفتحها، أي لعلكم، أو فهل يتوقع منكم إلا الإفساد إن أعرضتم عن الإيمان والقتال. وكلمة «عسى» تدل على توقع حصول ما بعدها. وبما أن التوقع من الله غير متصور؛ لأن الله عز وعلا عالم بما كان وبما يكون، فتفيد هنا التحقق، أي لعلكم إن أعرضتم وتوليتم عن دين الله تعالى وسنة رسوله ﷺ أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالإغارة والنهب والسلب وقطع الأرحام، ومقاتلة بعض الأقارب بعضا ووأد البنات. أو إن توليتم أمور الناس وتأمّرتم عليهم.
﴿أُولئِكَ﴾ أي المفسدون. ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ طردهم الله من رحمته لإفسادهم وقطعهم الأرحام. ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ عن استماع الحق. ﴿وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ﴾ جعلها كالعمياء عن طريق الهدى، فلا يهتدون سبيله.
المناسبة:
بعد بيان حال الكافر والمنافق والمهتدي عند استماع آيات العقيدة أو الآيات العلمية من التوحيد والحشر والبعث وغيرها من أصول الاعتقاد في الإسلام، بيّن تعالى حالهم عند نزول الآيات العملية، كآيات الجهاد والصلاة والزكاة ونحوها، فأوضح أن المؤمن كان ينتظر نزولها، وإذا تأخر عنه التكليف كان يقول: هلا أمرنا بشيء من العبادة، ليتقرب إلى ربه ويحظى برضاه، وأن المنافق كان إذا نزل شيء من التكاليف البدنية أو المالية شقّ عليه، ليعلم تباين الفريقين في العلم والعمل، حيث لا يفهم المنافق العلم ولا يريد العلم، والمؤمن يعلم ويجب العمل.
لذا كافأ الله المؤمنين بالرضا والمحبة والجنة، وجوزي المنافقون باللعنة والطرد من الرحمة والخير.
стр. 7679
التفسير والبيان:
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا: لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ، فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ، رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ، فَأَوْلى لَهُمْ﴾ أي يتمنى المؤمنون المخلصون شرعية الجهاد، فيسألون ربهم قائلين: هلا أنزلت سورة يأمرنا فيها ربنا بقتال الكفار، حرصا على ثواب الجهاد، ونيل درجات المجاهدين، فإذا أنزلت سورة بيّنة واضحة في الأمر به، وذكر فيها أن الجهاد فرض على المسلمين، فرحوا بها، وشق على المنافقين، ورأيت الذين في قلوبهم شك ومرض ونفاق وهم المنافقون، ينظرون إليك نظر المحتضر الذي شخص بصره عند الموت، جبنا عن القتال، وخوفا من لقاء الكفار، فالويل والموت والهلاك أولى لهم أي قاربهم ما يهلكهم، واللام في «لهم» مزيدة، أو فالأولى والأجدر بهم أن يسمعوا ويطيعوا في الحالة الراهنة، أو العقاب أحق وأولى بهم.
وهذا على المعنى الأول تهديد لهم ووعيد بقرب هلاكهم، وقوله:
﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ تصوير رائع لحالة الجبن والفزع والخوف في نفوسهم من لقاء الأعداء. وفي الآية افتضاح أمر المنافقين عند الأمر بالقتال، أما قبل القتال فكانوا يترددون إلى الفئتين: فئة المؤمنين وفئة الكافرين.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، وَآتُوا الزَّكاةَ، فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ، إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً، وَقالُوا: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ، لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء ٧٧/ ٤].
وبعد هذا التهديد والوعيد، قال الله تعالى مشجعا لهم:
стр. 7680
﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي طاعة مخلصة لله وقول معروف أحسن وأمثل وخير لهم من غيرهما.
﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ، فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ أي فإذا جدّ الحال، وفرض القتال، فلو صدقوا في ذلك القول وفي القتال، وأطاعوا الله تعالى، وأخلصوا له النية، لكان إظهار الإيمان والطاعة خيرا لهم من المعصية والمخالفة.
ثم وبّخهم الله تعالى، وردّ على شبهتهم في أن القتل إفساد وأن العرب من ذوي أرحامنا وقبائلنا، فقال:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ، وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ أي فلعلكم إن توليتم عن الطاعة والجهاد، وأعرضتم عن القتال وتنفيذ أحكامه، أو فهل يتوقع منكم إن توليتم أمر الأمة أن تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية، فتسفكوا الدماء، وتفسدوا في الأرض بالبغي والظلم والنهب والسلب والمعاصي، وتقطعوا أرحامكم بالقتل والعقوق ووأد البنات وسائر مفاسد الجاهلية. قال قتادة وغيره: معنى الآية: فلعلكم أو يخاف عليكم إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض ولسفك الدماء.
قال أبو حيان: والأظهر أن ذلك خطاب للمنافقين في أمر القتال، وهو الذي سبقت الآيات فيه، أي إن أعرضتم عن امتثال أمر الله تعالى في القتال، هل ينتظر منكم إلا أن تفسدوا في الأرض بعدم معونة أهل الإسلام، فإذا لم تعينوهم قطعتم ما بينكم وبينهم من صلة الرحم، ويدل على ذلك: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ فالآيات كلها في المنافقين. وهذا التوقع الذي في «عسى» ليس منسوبا إليه تعالى، لأنه عالم بما كان وما يكون، وإنما هو بالنسبة لمن عرف المنافقين كأنه يقول لهم: لنا علم، من حيث ضياعهم، هل يتوقع منكم إذا أعرضتم عن القتال أن يكون كذا وكذا (١).
стр. 7681
وهذا حث لهم على التدبر وترك العصبية والجدال، فالله يعلم أنهم إن ولوا أمور الناس، أو أعرضوا عن هذا الدين، لم يصدر عنهم إلا القتل والنهب وسائر أنواع المفاسد، كعادة أهل الجاهلية.
لذا حكم الله عليهم باللعنة، فقال:
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ، فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ﴾ أي أولئك الظالمون وسفاكو الدماء بغير حق هم الذين أبعدهم الله من رحمته وطردهم عنها، فأصمهم في الدنيا عن استماع الحق، وأعمى أبصارهم عن رؤية الحق والنظر في أدلة الكون الدالة على عدالة نظام الله تعالى وشرعه في عباده من تحريم الدماء والأموال بغير حق. وإنما لم يقل: «أصم آذانهم» لأن السمع لا يتفاوت بوجود الأذن وعدمها، ولذلك يسمع مقطوع الأذن، أما الرؤية فتتعلق بالبصر نفسه، فذكر الأبصار، ولم يذكر الأذن.
وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عموما، وعن قطع الأرحام خصوصا، وأمر بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام، وهو الإحسان إلى الأقارب.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
وخلق الله تعالى الخلق، فلما فرغ منه، قامت الرحم، فأخذت بحقوي (١) الرحمن ، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال تعالى: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك» قال أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ، وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾.
стр. 7682
فقه الحياة أو الأحكام:
١ - المؤمنون المخلصون مشتاقون للوحي، حريصون على الجهاد وثوابه، والمنافقون هدامون لكيان الأمة، جبناء في القتال خوفا وهلعا، ميّالون في السر إلى الكفار، نافرون من التكاليف الشرعية، وخصوصا فرض الجهاد.
٢ - هدد الله المنافقين وأوعدهم وحذرهم بقوله: ﴿فَأَوْلى لَهُمْ﴾ أي الويل والهلاك لهم، والمراد الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه، أو أحق وأجدر بهم طاعة الله تعالى وقول معروف.
ثم رغبهم في إصلاح أمرهم، ودعاهم إلى الطاعة، وأبان لهم أن الطاعة المخلصة والقول المعروف أمثل لهم وأحسن وخير من المخالفة والعصيان ودعاية السوء.
٣ - أكد تعالى دعوتهم إلى الطاعة وتحذيرهم من المخالفة، فأبان أنه إن جد الأمر وفرض القتال كرهوه (١)، أو فإذا عزم أصحاب الأمر، فلو صدقوا الله في الإيمان والجهاد، لكان خيرا لهم من المعصية والمخالفة.
٤ - إن سلوك المنافقين إن تولوا أمر الأمة أو إن أعرضوا عن كتاب الله تعالى ودينه واتباع رسوله ﷺ أمر معروف، وهو العودة إلى مفاسد الجاهلية من الإفساد في الأرض بسفك الدماء الحرام، والبغي والظلم، والنهب والسلب، وتقطيع الأرحام.
٥ - لا يستحق أولئك المنافقون إن استمروا على نفاقهم إلا الطرد والإبعاد من رحمة الله، وإلقاء الصمم في الآذان عن سماع الحق، والعمى في الأبصار والقلوب عن إدراك الخير، فكل من سار على نهجهم، حقّت عليه اللعنة، وسلبه الله الانتفاع بسمعه وبصره، حتى لا ينقاد للحق، وإن سمعه، فكأنه كالبهيمة التي لا تعقل.
стр. 7683
- ٣ -
حال المنافقين بعد ردتهم وعند قبض أرواحهم
والتذكير بحكمة الجهاد
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١)﴾
الإعراب:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا﴾ ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ إما قوله تعالى: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ وإما مقدر تقديره: معذبون.
﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ.﴾. ﴿فَكَيْفَ﴾: في موضع رفع، خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فكيف حالهم، فحذف المبتدأ للعلم به. وجملة ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ.﴾. جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿الْمَلائِكَةُ﴾. وفاء ﴿فَكَيْفَ﴾: فاء التفريع لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
стр. 7684
البلاغة:
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ استفهام توبيخي.
﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ استعارة تصريحية، شبه قلوبهم بالأبواب المقفلة، فهي لا تنفتح لوعظ واعظ.
﴿اِرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ﴾ كناية عن الكفر بعد الإيمان.
المفردات اللغوية:
﴿يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ يتفهمونه ويتصفحونه ليروا ما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقتحموا المعاصي ويقعوا في الموبقات ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ أي بل على قلوب لهم مغاليقها التي لا تفتح، فلا يفهمونه. وتنكير ﴿قُلُوبٍ﴾ لأن المراد: قلوب بعض منهم، وإضافة الأقفال لها للدلالة على أقفال مناسبة لها، مختصة بها، ليست من جنس الأقفال المعهودة. والأقفال جمع قفل.
وهو استفهام توبيخي، و ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى «بل» والهمزة للتقرير.
﴿اِرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ﴾ رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ زيّن لهم خطاياهم وسهل لهم ﴿وَأَمْلى لَهُمْ﴾ مدّ لهم في الآمال والأماني الباطلة ووعدهم بطول الأجل، والضمير للشيطان، أي المملي والمضل هو الشيطان، بإرادته تعالى.
ذلك الإضلال ﴿بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ﴾ أي قال المنافقون للمشركين أو لليهود، أو قال اليهود الذين كفروا بالنبي ﷺ بعد ما تبين لهم نعته للمنافقين ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ في بعض أموركم، كالقعود عن الجهاد والمعاونة على عداوة النبي ﷺ ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ﴾ أي إنهم قالوا ذلك سرا، فأظهره الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى، والإسرار: مصدر وهو السر، وقرئ بفتح الهمزة: أسرارهم جمع سر.
﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي فكيف حالهم، أو فكيف يعملون ويحتالون حينئذ؟ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ تصوير لتوفيهم، أي يتوفونهم وهم يضربون وجوههم وظهورهم بمقامع من حديد، وفي هذا تخويف وتهديد، إذ يتعرضون عند التوفي إلى أهوال وفظائع تشبه ما يجبنون عن القتال له ويخافون منه.
﴿ذلِكَ﴾ التوفي الموصوف بالحالة المذكورة ﴿بِأَنَّهُمُ﴾ بسبب أنهم ﴿اِتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ﴾ من الكفر وكتمان نعت الرسول ﷺ وعصيان الأمر ﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ كرهوا العمل بما يرضيه من الإيمان والجهاد وغيرهما من الطاعات ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ أبطلها.
стр. 7685
﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ أن لن يبرز الله تعالى لرسوله ﷺ والمؤمنين أحقادهم، والأضغان: جمع ضغن أي حقد شديد ﴿لَأَرَيْناكَهُمْ﴾ أي عرّفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم، واللام لام الجواب، وكررت في المعطوف الآتي: ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ أي بعلامتهم، والفاء هنا فاء التفريع ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾ جواب قسم محذوف، أي وو الله لتعرفنهم ﴿لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أسلوبه ومعناه، أو إمالته عن وجهه الصريح إلى التعريض والتورية، فإذا تكلموا عندك عرّضوا بما يعيب أمر المسلمين ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ﴾ فيجازيكم على حسب قصدكم، إذ الأعمال بالنيات.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ لنختبرنكم بالجهاد وسائر التكاليف الشاقة أي نعاملكم معاملة المختبر بالجهاد ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ علم ظهور وانكشاف، أما العلم الحقيقي فهو متوفر بالنسبة لله ﴿وَالصّابِرِينَ﴾ في الجهاد وغيره من المشاق ﴿وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ نظهر حسن أعمالكم وقبحها، وطاعتكم وعصيانكم في الجهاد وغيره، أو أخباركم عن الإيمان وموالاة المؤمنين صدقا وكذبا.
المناسبة:
بعد بيان حال إعراض المنافقين عن الخير واستماع القرآن، أمرهم تعالى بتدبر القرآن، ونهاهم عن الإعراض عنه كيلا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات، ثم أخبر أنهم رجعوا وارتدوا إلى الكفر بعد ما تبين لهم حقيقة الإسلام بالدلائل الواضحة، أو نعت محمد ﷺ في التوراة بالمعجزات الباهرة، وأوضح سبب ردتهم وهو قولهم ليهود بني قريظة والنضير: سنطيعكم في بعض الأمور والأحوال.
ثم ذكر تعالى ما يلاقونه من أهوال عند قبض أرواحهم بسبب اتباع أهوائهم وإسخاط ربهم، وأردفه ببيان قدرة الله على كشف أحوالهم وافتصاح أمرهم، وأعلن صراحة لهم أن الدنيا دار اختبار بالأوامر والنواهي كالجهاد وغيره، ليعلم المجاهد الصادق في إيمانه، الصابر على مشاقّ التكاليف، وليختبر أعمالهم الحسنة والسيئة، وأخبارهم التي يشيعونها، فيجازيهم بما عملوا.
التفسير والبيان:
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ أي أفلا يتفهم هؤلاء المنافقون وغيرهم القرآن ويتصفحونه، فيعملون بما اشتمل عليه من المواعظ
стр. 7686
الزاجرة والحجج الظاهرة والبراهين القاطعة؟ بل أعلى قلوبهم أقفال؟ فهم لا يفهمون ولا يعقلون شيئا من معانيه، ولا تتفتح قلوبهم للحق، وظاهر الآية أنها خطاب لجميع الكفار.
والآية توبيخ لهم، وأمر بتدبر القرآن وتفهمه، ونهي عن الإعراض عنه.
وقد وردت محققه لمعنى الآية المتقدمة، فإنه تعالى قال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ أي أبعدهم عنه أو عن الصدق أو عن الخير وغير ذلك من الأمور الحسنة، ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ لا يسمعون حقيقة الكلام، وأعماهم لا يتبعون طريق الإسلام، فهم كما حكى القرآن بين أمرين: إما ألا يتدبرون القرآن، لأن الله أبعدهم عن الخير، وإما أن يتدبروا لكن لا يدخل معانيه في قلوبهم، لكونها مقفلة.
ثم أبان الله تعالى منشأ ذلك مشيرا إلى أهل الكتاب الذين تبين لهم الحق في التوراة بنعت محمد ﷺ وبعثته وارتدوا، أو مشيرا إلى كل من ظهرت له الدلائل وسمعها ولم يؤمن، فقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى، الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ، وَأَمْلى لَهُمْ﴾ أي إن الذين فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر، من بعد ما ظهر لهم الهدى بما جاءهم به رسول الله ﷺ من المعجزات الظاهرة والدلائل الواضحة، زين لهم الشيطان خطاياهم، وسهّل لهم الوقوع فيها، وحسّن لهم الكفر، وخدعهم وغرهم بالأماني والآمال، ووعدهم بطول العمر ومدّ الأجل.
وهذا الكلام: قيل: إنه في أهل الكتاب، قال قتادة: نزلت في قوم من اليهود، وكانوا عرفوا أمر الرسول ﷺ من التوراة، وتبين لهم بهذا الوجه، فلما باشروا أمره، حسدوه، فارتدوا عن ذلك القدر من الهدى.
وقيل: إنه في المنافقين، قال ابن عباس وغيره: نزلت في منافقين كانوا أسلموا، ثم ماتت قلوبهم.
стр. 7687
والظاهر-كما ذكر أبو حيان-أن الآية تتناول كل من دخل في لفظها.
ثم بيّن الله تعالى بعض مظاهر ضلالهم، فقال:
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ﴾ أي ذلك الارتداد والكفر بعد الإيمان بسبب أن هؤلاء المنافقين وغيرهم من اليهود الذين ارتدوا على أدبارهم قالوا للذين أبغضوا ما نزّل الله في قرآنه، وهم المشركون أو اليهود: يهود بني قريظة والنضير من يهود المدينة: سنطيعكم في بعض الأمور، كعداوة النبي ﷺ ، ومخالفة ما جاء به، والقعود عن الجهاد معه، أي إنهم مالئوهم وتآمروا معهم سرا أأو في الباطن، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون.
لذا كشفهم الله وأبان أنه يعلم ما يسرون وما يخفون وما يعلنون، كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء ٨١/ ٤].
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ، وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ، وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الحشر ١١/ ٥٩].
ثم ذكر الله تعالى سوء حالهم وما يتعرضون له من أهوال حين توفيهم، فقال:
﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ، يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾؟ أي فكيف حالهم وكيف يعملون ويصنعون إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم، واستخرجتها بالعنف والقهر وضرب وجوههم وظهورهم، وذلك بكيفية يكرهونها وحال يخافونها في الدنيا، ويجبنون عن القتال من أجلها، كما قال سبحانه:
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ.﴾.
[الأنفال ٥٠/ ٨] وقال : ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ،
стр. 7688
وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ -أي بالضرب- ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ، الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ، وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣/ ٦]. ومعنى الكلام التخويف والتهديد، أي إن تأخر عنهم العذاب فإلى انقضاء العمر.
وسبب هذه الأهوال ما قال تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ، وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ، فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ أي ذلك التوفي على الصفة المذكورة بسبب اتباعهم ما يسخط الله من الكفر والمعاصي، وتآمرهم مع أعداء الله على معاداة ومحاربة النبي ﷺ وأصحابه، وكراهيتهم ما يرضي الله من الإيمان الحق والتوحيد والطاعة، فأبطل الله أعمالهم الخيرية بهذا السبب، ومنها ما قد عملوا من الخير قبل الردة، كالصدقة وعون البائس الفقير وإغاثة الملهوف، لأنهم فعلوه أثناء الشرك والكفر وأمر الشيطان، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان ٢٣/ ٢٥].
ثم وبخ الله تعالى المنافقين وهددهم على قصر نظرهم وعداوتهم للمؤمنين، فقال:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ أي أيعتقد هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم شك ونفاق وحقد وعداوة للمؤمنين أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين ويبرز أحقادهم وعداواتهم؟! لا تظنوا هذا، فالله عالم الغيب والشهادة، يعلم السر وأخفى، فيوضح أمرهم ويجليه ويفضح شأنهم كما فعل في سورة براءة التي تسمى الفاضحة.
ثم أكد تعالى هذا المعنى بقوله:
﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ﴾ أي ولو نشاء يا محمد لأعلمناك أشخاصهم، وعرّفناك أعيانهم معرفة
стр. 7689
تقوم مقام الرؤية، فعرفتهم بعلامتهم الخاصة بهم التي يتميزون بها، ولكنه تعالى لم يفعل ذلك في جميع المنافقين سترا منه على خلقه، وحملا للأمور على ظاهر السلامة.
وو الله لتعرفنهم يا محمد في فحوى الكلام ومقصده ومغزاه، وهو تعريضهم بأمرك وأمر المسلمين، ومخاطبتهم النبي ﷺ بألفاظ ظاهرها الحسن، وباطنها القبح. قال الكلبي: فلم يتكلم بعد نزولها عند النبي ﷺ منافق إلا عرفه. وعن أنس أنه ما خفي على رسول الله ﷺ بعد هذه الآية شيء من المنافقين، ولقد كنا في بعض الغزوات، وفيها تسعة منهم يشكوهم الناس، فناموا ذات ليلة، وأصبحوا، وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق.
والله لا تخفى عليه خافية، ويعلم جميع أعمالهم، فيجازيهم عليها من خير أو شر. وهذا وعد ووعيد، وبشارة وإنذار.
ثم أعلن الله تعالى منهج الحياة الدنيوية بالنسبة للتكاليف الشرعية، فقال:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ، وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ أي ولنختبرنكم بالأوامر والنواهي ونعاملنكم معاملة المختبر، ومنها الجهاد في سبيل الله، حتى نعلم علم ظهور وانكشاف، فالله يعلم الحقائق كلها قبل وجودها، وإنما التكليف يظهر المجاهدين بحق في سبيل الله، الذين امتثلوا الأمر بالجهاد، ويظهر الذين صبروا على دينه ومشاق ما كلّف به، ويظهر أخبار الناس ويكشفها امتحانا لهم، ليظهر للناس من أطاع ما أمره الله به، ومن عصى ولم يمتثل. ولهذا يقول ابن عباس ﵄ في مثل هذا: إلا لنعلم، أي لنرى.
وقال علي ﵁: ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾: حتى نرى.
وقال إبراهيم بن الأشعث: كان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبتلينا، فإنك إذا بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا.
стр. 7690
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - يجب على المسلمين وغير المسلمين تدبر القرآن وتفهمه للتعرف على أحكامه ومراميه وغاياته، وليعلم ما أعد الله للذين تولوا عن الإسلام، فإن لم يفعلوا أقفل الله قلوبهم بأقفال الكفر والعناد، فهم لا يعقلون.
وهذا رد على مذهب القدرية والإمامية الذين يقولون: إن الإنسان يخلق أفعال نفسه.
٢ - إن كل من ظهرت له الدلائل على صحة عقيدة الإسلام وشريعته وسمعها، ولم يؤمن بها، فهو ممن زين له الشيطان سوء عمله وخطاياه، سواء كان من أهل الكتاب الذين تبين لهم الحق في التوراة بنعت محمد ﷺ وبعثته، وارتدوا، أو من غير أهل الكتاب.
٣ - لقد تآمر المنافقون واليهود على النبي ﷺ والمؤمنين، في الباطن والسر، وعادوهم، وتواطؤوا مع المشركين الذين كرهوا ما نزّل الله في كتابه على توهين قوة المسلمين، ولكن الله تعالى مطّلع على سرهم، وكاشف أمرهم، فأخبر الله تعالى نبيه ﷺ بذلك.
٤ - يتعرض الكفار والمنافقون لأهوال شديدة عند الوفاة، فتنتزع الملائكة أرواحهم بعنف وشدة، وتضرب وجوههم وظهورهم بمقامع من حديد.
٥ - إن سبب تلك الأهوال في الدنيا هو اتباعهم ما أسخط الله بإضمار الكفر إن كانوا منافقين، أو بكتمان ما في التوراة من نعت محمد ﷺ ، وكراهيتهم ما يرضي الله وهو الإيمان، مما يؤدي إلى إحباط أعمالهم التي عملوها من صدقة وصلة رحم وغير ذلك.
стр. 7691
٦ - يخطئ المنافقون الظن إن توهموا ستر الحال وألا يخرج أو يبرز الله ما يضمرونه من مكروه وحسد، وحقد وعداوة لنبي الله تعالى والمؤمنين.
٧ - إن في قدرة الله تعالى أن يعرّف نبيه بأعيان المنافقين، وقد عرّفه إياهم بأوصافهم لا بأسمائهم في سورة براءة، ويمكن معرفتهم بسهوله فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، فإن فحوى الكلام ومعناه ينبئ عن حقيقة الحال، والله يعلم أعمال عباده، فلا يخفى عليه شيء منها. ومن أمثلة تعريفهم في سورة براءة قوله تعالى: ﴿فَقُلْ: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً، وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة ٨٣/ ٩] وقوله سبحانه: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً، وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة ٨٤/ ٩].
وثبت في السنة تعيين جماعة من المنافقين، روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: «خطبنا رسول الله ﷺ خطبة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
إن فيكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، حتى سمى ستة وثلاثين رجلا، ثم قال: إن فيكم منافقين، فاتقوا الله، قال: فمرّ عمر ﵁ برجل ممن سمّى مقنّع قد كان يعرفه، فقال مالك؟ فحدثه بما قال رسول الله ﷺ ، فقال: بعدا لك سائر الدهر».
٨ - إن ميدان الحياة ميدان اختبار وتجربة لينكشف الناس بعضهم لبعض، فيتعبدهم الله بالشرائع، وطن علم سبحانه سلفا عواقب الأمور، من أجل رؤية المجاهدين في سبيل الله والصابرين على مشاق التكاليف، وتمييزهم عن غيرهم، واختبار أخبارهم وإظهارها للملأ، فبالجهاد يعلم الصادق في إيمانه أو قوله:
آمنت، من الكاذب الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر.
стр. 7692
حال بعض كفار أهل الكتاب وبعض المؤمنين في الدنيا والآخرة
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥)﴾
الإعراب:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ ودخلت الفاء في الخبر، لأن اسم ﴿إِنَّ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾، فشابه الشرط، لأنه مبهم، ولم يؤثر دخول ﴿إِنَّ﴾ بخلاف ما لو دخلت «ليت ولعل وكأن» فإنه لا يجوز فيه دخول الفاء في الخبر مع ليت ولعل وكأن، لأن ﴿إِنَّ﴾ للتأكيد، وتأكيد الشيء لا يغير معناه، بخلاف «ليت ولعل وكأن»، فإنها غيرت معنى الابتداء، لإدخال معنى التمني والترجي والتشبيه.
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ حذف منه واو لام الفعل.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ عن طريق الحق، قيل: إنهم المشركون كفار قريش وهم المطعمون يوم بدر، والراجح أنهم أهل الكتاب يهود بني قريظة وبني النضير، لأن الله ذكر المشركين في أول السورة، ثم ذكر المنافقين ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾ خالفوه، بأن صاروا في شق وجانب، وهو في شق وجانب آخر ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى﴾ وهو معنى سبيل الله أي طريق الحق، وهذا يؤيد أن الآية في أهل الكتاب، تبين لهم في كتبهم صدق محمد ﷺ ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً﴾ بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، وهو تهديد معناه: هم يظنون أن ذلك الشقاق مع الرسول ﷺ ، والواقع أنه مع الله تعالى، فإن محمدا رسول الله ﷺ ما عليه إلا البلاغ، فإن ضروا ضروا الرسل، والله منزه عن أن يتضرر بكفر كافر وفسق فاسق ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾ أي يبطل
стр. 7693
أعمالهم الخيرية من صدقة وصلة رحم ونحوها، فلا يرون لها في الآخرة ثوابا، فيكون المعنى: يبطل حسنات أعمالهم بكفرهم ومشاقتهم ومعاداتهم الرسول ﷺ .
﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ لا تبطلوا ثواب أعمالكم بما أبطل به هؤلاء، كالكفر والنفاق والعجب والرياء والمن والأذى ونحوها، قال البيضاوي: وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر.
﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ عن طريق الحق والهدى ﴿ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ، فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ هذا عام في كل من مات على كفره، وإن صح نزوله في أصحاب القليب (البئر غير المطوية) يوم بدر.
﴿فَلا تَهِنُوا﴾ لا تضعفوا ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ بكسر السين وفتحها، أي إلى الصلح خورا وتذللا مع الكفار إذا لقيتموهم، وقرئ: ولا تدّعوا: من ادّعى بمعنى دعا ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ الأغلبون القاهرون ﴿وَاللهُ مَعَكُمْ﴾ بالعون والنصر، أي ناصركم ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ لن يضيع ثواب أعمالكم ولن ينقصها، يقال: وتره حقّه، أي نقصه، ومنه
قوله ﷺ فيما أخرجه النسائي عن نوفل بن معاوية: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» أي ذهب بهما، وأصبح فردا.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٢):
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا﴾ .. ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ﴾ قال ابن عباس: هم المطعمون يوم بدر.
نزول الآية (٣٣):
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ﴾ خطاب للمؤمنين بلزوم الطاعة في أوامر الله تعالى والرسول ﷺ في سنته. أخرج ابن أبي حاتم ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضر مع «لا إله إلا الله» ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت: ﴿أَطِيعُوا اللهَ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ فخافوا أن يبطل الذنب العمل.
стр. 7694
نزول الآية (٣٤):
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا﴾ .. ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ نزلت في أصحاب القليب أي قليب بدر، حيث ألقي قتلة المشركين في بئر.
المناسبة:
بعد بيان حال المشركين في أول السورة، ثم حال المنافقين، ذكر الله تعالى حال جماعة من أهل الكتاب وهم بنو قريظة والنّضير، كفروا وصدوا عن سبيل الله، فهددهم الله، لأنهم تركوا الحق بعد معرفته. ثم ذكر قصة بعض الصحابة وهم بنو سعد الذين أسلموا، وامتنوا بإسلامهم على النبي ﷺ ، فنهاهم الله عن ذلك. ثم أبان تعالى حكم من ماتوا كفارا، وهو أنه لن يغفر الله لهم، وأنه خاذلهم في الدنيا والآخرة، فلا داعي لإظهار الضعف والتذلل أمامهم، والمؤمنون في قوة وغلبة وتفوق.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى، لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً، وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾ أي إن الذين جحدوا توحيد الله، وصدوا الناس عن دينه وطريق الحق بأن منعوهم عن الإسلام واتباع الرسول ﷺ ، وخالفوا الرسول ﷺ وعادوه من بعد أن ظهر لهم الحق، وعرفوا أن محمدا رسول ﷺ من عند الله بالمعجزات الواضحة والأدلة القاطعة، لن يضروا الله شيئا بتركهم الإيمان وإصرارهم على الكفر، لأن العباد لن يبلغوا ضرّ ربهم فيضرونه، فهو منزّه عن ضرر الغير مهما كان، وإنما يضرون أنفسهم ويخسرونها يوم المعاد، وسيبطل الله ثواب أعمالهم، لكفرهم.
стр. 7695
ثم أمر ﵎ عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال، فقال:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ أي يا أيها المؤمنون بالله ورسوله أطيعوا الله تعالى وأطيعوا رسوله ﷺ ، بامتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما، ولا تبطلوا حسناتكم بالردة أو بالمعاصي الكبائر، وبالرياء والسمعة، والمن والأذى. أما الإبطال بالردة فدليله الآية التي بعدها:
﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾.
وأما الإبطال بالكبائر فقد ذكر في سبب النزول عن أبي العالية قال: كان أصحاب النبي ﷺ يرون أنه لا يضر مع «لا إله إلا الله» ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزلت الآية، فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم.
وقال قتادة ﵀: رحم الله عبدا لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء.
وعن ابن عباس ﵄: لا تبطلوها بالرياء والسمعة، أو بالشك والنفاق.
وروى محمد بن نصر المروزي عن ابن عمر ﵄ قال: «كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول، حتى نزلت ﴿أَطِيعُوا اللهَ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات، والفواحش، حتى نزل قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش، ونرجو لمن لم يصبها».
ثم أبان الله تعالى أن أعمال المكلف إذا بطلت، فإن فضل الله باق، يغفر له إن شاء، ما لم يمت على الكفر، فقال:
стр. 7696
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ ماتُوا، وَهُمْ كُفّارٌ، فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ أي إن الذين جحدوا توحيد الله، ومنعوا الناس عن دين الله تعالى واتباع رسوله ﷺ ، وماتوا وهم مصرون على الكفر، فلا مغفرة لهم، بل إنهم معاقبون في النار. قال مقاتل: نزلت في رجل سأل النبي ﷺ عن والده، وقال: إنه كان محسنا في كفره. وعن الكلبي: نزلت في رؤساء أهل بدر.
ونظير الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤]. ولا تسامح أكثر من هذا، فإن الله غفور رحيم لمن مات وهو مؤمن، ولا مغفرة ولا رحمة بالموت على الكفر.
ثم بيّن سبحانه ألا حرمة للكافر في الدنيا والآخرة، وأمر بقتال الكفار، فقال:
﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، وَاللهُ مَعَكُمْ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ أي فلا تضعفوا عن القتال أيها المؤمنون، ولا تدعوا الكفار إلى الصلح والمسالمة ابتداء منكم، وإظهارا للعجز والضعف، فإن ذلك لا يكون إلا عند الضعف، ولا مانع من قبول السلم إذا جنح إليه المشركون، أما في حال كونكم أنتم الأعلون: الغالبون القاهرون المستولون على أعدائكم، فلا تبدؤوهم بطلب الصلح، والله معكم بالنصر والمعونة عليهم، ولن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم.
وقوله ﴿وَاللهُ مَعَكُمْ﴾ فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء.
فأما إذا كان الكفار في حال قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة والمعاهدة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ حين صدّه كفار قريش عن مكة، ودعوه إلى الصلح وإنهاء الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم ﷺ إلى ذلك.
стр. 7697
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن شؤم الكفر بالله تعالى ورسوله ﷺ ومحاولة صد الناس عن الإسلام وشرعه ومعاداة الرسول بعد العلم أنه نبي بالحجج والآيات مرده إلى الكفار أنفسهم، وسيبطل الله في الآخرة ثواب ما عملوه، والله منزه عن أن يتضرر بكفر كافر أو فسق فاسق.
٢ - المؤمنون مأمورون على الدوام بلزوم الطاعة في أوامر الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، منهيون عن إبطال حسناتهم بالمعاصي الكبائر، أو بالرياء والسمعة، أو بالمن والأذى، أو بترك طاعة الرسول ﷺ .
وفي هذا إشارة إلى أن الكبائر تحبط الطاعات، والمعاصي تخرج عن الإيمان.
٣ - يدل ظاهر نهي المؤمنين عن إبطال أعمالهم على أن من شرع بنافلة، ثم أراد تركها ليس له ذلك، وللعلماء آراء في الموضوع:
فذهب الشافعي إلى أنه يجوز ترك ما شرع فيه من أعمال التطوع، لأن المتطوع أمير نفسه، وإلزامه إياه مخرج عن وصف التطوع: ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة ٩١/ ٩] والمراد بالآية إبطال ثواب العمل المفروض، فإن الله نهى الرجل عن إحباط ثوابه، فأما ما كان نفلا فلا، لأنه ليس واجبا عليه. فإن قيل: اللفظ عام، فالجواب أن العام يجوز تخصيصه، لأن النفل تطوع، والتطوع يقتصي تخييرا.
وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يجوز ترك ما بدئ به من تطوع، كصلاة نافلة وصوم تطوع، لأن المتطوع أمير نفسه قبل أن يشرع، أما إذا شرع فقد
стр. 7698
ألزم نفسه، وعقد عزمه على الفعل، فوجب عليه أن يؤدي ما التزم، وأن يوفي بما عقد: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة ١/ ٥].
٤ - إن الوفاة على الكفر توجب الخلود في النار، وباب التوبة والمغفرة مفتوح طوال الحياة، فمن مات مصرا على جحوده توحيد الله عوقب بجهنم.
٥ - لا تجوز الدعوة إلى السلم والمصالحة أو المهادنة تذللا وإظهارا للضعف، ما دام المسلمون أقوياء، وإن حدثت الغلبة من الأعداء في الظاهر في بعض الأحوال، فإن الله ناصر المؤمنين، ولن ينتقصهم شيئا من أعمالهم.
فإذا عجز المسلمون لضعفهم عن مقاومة الأعداء، جازت مهادنة الكفار عند الضرورة.
وكذلك إذا رأى الإمام مصلحة في المهادنة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل النبي ﷺ في صلح الحديبية مع المشركين مدة عشر سنين.
أما إن طلب المشركون الصلح بحسن نية من غير خداع، فلا بأس بإجابتهم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [الأنفال ٦١/ ٨].
وعلى هذا تكون كل من الآيتين: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ محكمة غير منسوخ إحداهما بالأخرى كما قال بعضهم، فهما نزلتا في وقتين مختلفي الحال، فالأولى في حال قوة المسلمين، والثانية حال طلب الأعداء الصلح.
стр. 7699
تأكيد الحث على الجهاد بالتزهيد في الدنيا
﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)﴾
الإعراب:
﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا.﴾. ﴿يَسْئَلْكُمُوها﴾: فعل يتعدى إلى مفعولين، فالأول «كمو» والثاني: «ها» و ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ مجزوم بالعطف على ﴿يَسْئَلْكُمُوها﴾ و ﴿تَبْخَلُوا﴾ مجزوم، لأنه جواب الشرط، و ﴿يُخْرِجْ﴾ مجزوم بالعطف على ﴿تَبْخَلُوا﴾.
﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ﴾ ﴿ها﴾: للتنبيه، و ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، و ﴿هؤُلاءِ﴾: موصول بمعنى الذين: خبر، وصلته: ﴿تُدْعَوْنَ﴾ أي أنتم الذين تدعون، أو أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون، ثم استأنف وصفهم، فقال: تدعون لتنفقوا..
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ معطوف على: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾.
﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ يجوز العطف على جواب الشرط بالواو والفاء وثم بالجزم كما هنا، وبالرفع مثل: ﴿وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١/ ٣].
البلاغة:
﴿الْغَنِيُّ﴾ و ﴿الْفُقَراءُ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ أي الاشتغال فيها ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ لا ثبات لها، واللعب: كل ما لا منفعة فيه في المستقبل، ولا يشغل عن مهامّ الأمور، فإن شغل عنها فهو اللهو، ومنه آلات الملاهي،
стр. 7700
لأنها تشغل عن غيرها ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ يعطكم ثواب الإيمان والتقوى ﴿وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾ لا يطلب جميع أموالكم، بل يقتصر على الزكاة المفروضة التي هي جزء يسير، كربع العشر، والعشر.
﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ يبالغ في الطلب، من الإحفاء والإلحاف: بلوغ الغاية في كل شيء، يقال:
ألحف بالمسألة وأحفى وألح بمعنى واحد، ﴿وَيُخْرِجْ﴾ البخل ﴿أَضْغانَكُمْ﴾ أحقادكم أي عداوتكم لدين الإسلام ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ﴾ أي أنتم يا مخاطبون، هؤلاء الموصوفون. ﴿لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ما فرض عليكم من الزكاة ونفقة الجهاد وغيرها ﴿يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ يقال: بخل عليه وعنه ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ﴾ عن نفقتكم ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ إلى الله ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ تعرضوا عن طاعته ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ يقم مقامكم قوما آخرين أو يجعل بدلكم ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ في التولي عن طاعته وعن الإيمان، بل مطيعين له تعالى.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى بالجهاد، ونهى عن الضعف والخور في مواصلة الكفاح وطلب الموادعة والمصالحة مع الأعداء، حث على الجهاد بالنفس والمال والإنفاق في سبيل الله، بتحقير الدنيا في أعين المؤمنين، والترغيب في الإيمان والتقوى، لتعود فائدتها عليهم، وهدد تعالى في ختام السورة بأنه إن أعرضتم عن الإيمان والجهاد والتقوى، يجعل بدلا عنكم قوما آخرين هم أفضل منكم لإقامة دينه، ونصرة دعوته.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي احرصوا أيها المؤمنون على جهاد الأعداء، واسترخصوا الحياة الدنيوية واطلبوا الآخرة، فإنما حاصل الدنيا لعب ولهو، أي باطل وغرور، لا ثبات له ولا اعتداد به إلا ما كان منها لله ، بسلوك سبيله وطلب رضاه وعبادته وطاعته. وفي هذا تحقير لأمر الدنيا وتهوين لشأنها. واللعب: كل ما لا ضرورة فيه في الحال ولا منفعة في المآل، ولم يشغل عن غيره، فإن شغل عن غيره فهو لهو، ومنه آلات الملاهي، لأنها مشغلة عن غيرها.
стр. 7701
وقد جاء ذمّ الدنيا والحرص عليها والتمسك بزينتها وإهمال الآخرة في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ، وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ، وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ.﴾. الآية [الحديد ٢٠/ ٥٧].
ثم أعاد الله تعالى الوعد بالثواب وتأكيده والترغيب في الآخرة قائلا:
﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾ أي إن تؤمنوا بالله ورسوله حق الإيمان، وتتقوا ربّكم حق التقوى بأداء فرائضه واجتناب نواهيه، يؤتكم ثواب أعمالكم وطاعاتكم في الآخرة، ولا يأمركم بإخراج جميع أموالكم في الزكاة وسائر وجوه الطاعات، بل أمركم بإخراج القليل منها، والمعنى: أن الله غني عنكم، لا يطلب منكم شيئا، وإنما فرض عليكم صدقات الأموال، مواساة لإخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إليكم.
ثم بيّن الله تعالى سبب الحرض على الدنيا، فقال:
﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ أي إن يطلب ربكم أموالكم كلها، فيجهدكم ويلح في الطلب عليكم، تشحوا وتبخلوا، وتمتنعوا من الامتثال، ويظهر عندئذ أحقادكم.
قال قتادة: قد علم الله تعالى أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان. وهذا كما ذكر ابن كثير حق وصدق، فإن المال محبوب إلى النفس، ولا يصرف إلا فيما.
هو أحب إلى الشخص منه.
ثم أبان تعالى ما سلف وأكده بقوله:
﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي أنتم أيها المؤمنون المخاطبون مدعوون للإنفاق في سبيل الله، أي في الجهاد والزكاة وفي طريق الخير.
стр. 7702
﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ، وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ، وَاللهُ الْغَنِيُّ، وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ أي فبعضكم يبخل باليسير من المال ولا يجيب لدعوة الإنفاق، فكيف لا تبخلون بالكثير وهو جميع الأموال؟ ومن يبخل في الإنفاق، فإنما يمنع نفسه الأجر والثواب ببخله، ويعود وبال ذلك عليه، فإنه بالبخل يتغلب العدو عليكم، فيذهب عزكم وأموالكم، وربما أنفسكم.
والله هو صاحب الغنى المطلق المتنزه عن الحاجة إلى أموالكم، فهو الغني عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه دائما، لذا قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ أي أنتم أيها العباد الفقراء بالذات إلى الله، وإلى ما عنده من الخير والرحمة، فهو سبحانه لا يأمر بالإنفاق لحاجته، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب.
ثم أبان الله تعالى سنته في الاستبدال بقوم قوما آخرين أفضل منهم إن أعرضوا عن حمل الأمانة، فقال محذرا ومذكرا ومهددا:
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ أي إن تعرضوا عن الإيمان والتقوى وعن طاعة الله واتباع شرعه، يستبدل قوما آخرين يكونون مكانكم هم أطوع لله منكم، أي يكونون سامعين مطيعين لله ولأوامره، وليسوا أمثالكم في التولي عن الإيمان والتقوى، وفي البخل بالإنفاق في سبيل الله.
روى ابن أبي حاتم وابن جرير وعبد الرزاق والبيهقي والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين إن تولينا، استبدل بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي ﵁، ثم قال: «هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس» لكن تكلم به بعض الأئمة ﵏، كما قال ابن كثير، وقال الترمذي: حديث غريب في إسناده مقال.
стр. 7703
وعن الكلبي والحسن وعكرمة: شرط في الاستبدال توليهم، لكنهم لم يتولوا، فلم يستبدل قوما، وهم العرب أهل اليمن أو العجم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - الدنيا دار لعب ولهو ومشاغل وشهوات، فالسعيد من استخدمها للآخرة، ولم ينس نصيبه منها بقدر الحاجة، فمن آمن بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر، واتقى ربه بفعل الفرائض وترك النواهي، ظفر بالثواب العظيم في الآخرة دار الخلد.
٢ - المال محبوب الإنسان طبعا، لذا لم يأمر الله لطفا منه ورحمة بإنفاق جميعه في سبيله، كالزكاة والجهاد ووجوه الخير، بل أمر بإخراج البعض من الربح الذي هو من فضل الله وعطائه، لا من رأس المال، ليرجع ثوابه إلى المنفق نفسه، فكانت النسبة تتراوح بين ربع العشر ونصف العشر والعشر فقط، لذا قال تعالى: ﴿لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾ إنما يسألكم أمواله، أي الأرباح التي ييسرها لكم، لأنه المالك لها، وهو المنعم بإعطائها. وقال: ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ﴾ أي يلح عليكم ﴿تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ أي يخرج البخل أحقادكم.
٣ - أكد تعالى لطفه بعباده في التكاليف المالية، فذكر أنه طلب منهم اليسير من أموالهم، فبخلوا، فكيف لو طلب منهم الكل؟!.
٤ - من بخل بتقديم شيء من ماله في سبيل الله كالجهاد وطرق الخير، فإنما يبخل على نفسه، فيمنعها الأجر والثواب.
٥ - الله هو الغني عن عباده وعن كل ما سواه، فليس بمحتاج إلى أموالهم، ولكن العباد أنفسهم هم الفقراء إلى الله ، لتحصيل الثواب والفضل
стр. 7704
الإلهي، فلا يقولوا: إنا أيضا أغنياء عن القتال وعن معونة الفقراء، فالواقع أنه لا غنى لهم عن ذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فإنه لولا القتال لقتلوا، بغزو الكفار واجتياح بلاد المسلمين، والمحتاج إن لم تدفع حاجته، قصده الغنيّ وأخذ ماله، لا سيما أن الشارع أباح للمضطر ذلك. وأما في الآخرة فالأمر ظاهر حيث يكون كل إنسان فقيرا إلى فضل الله ورحمته، وفي حال الحساب، وهو موقوف مسئول في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
٦ - أنذر الله تعالى عباده وحذرهم من إهمال حمل المسؤولية والقيام بأعباء التكاليف، فهم إن أعرضوا عن الإيمان والجهاد والتقوى، استبدل قوما غيرهم يكونون أطوع لله منهم، ثم يكونون أفضل وأمثل وأحسن منهم، وتلك هي سنة الله في خلقه، وليسوا أمثال المستبدل بهم في البخل بالإنفاق في سبيل الله، كما قال الطبري. والأولى العموم، أي لا يكونوا أمثالكم في الوصف، ولا في الجنس، كما ذكر الرازي. وقال الزمخشري: أي يخلق قوما على خلاف صفتكم راغبين في الإيمان والتقوى، غير متولين عنهما، كقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦/ ٣٥].
وقد اختلف المفسرون في تعيين أولئك القوم الجدد، فقيل: هم الملائكة، أو الأنصار، أو التابعون، أو أهل اليمن، أو كندة والنخع، أو العجم، أو فارس والروم. والأولى تفويض ذلك إلى علم الله تعالى.
والخطاب لقريش أو لأهل المدينة، والأولى جعل الخطاب متجددا بتجدد الأجيال والأمم، سواء من كان عند نزول الوحي أم بعد ذلك.
حكي عن أبي موسى الأشعري: أنه لما نزلت هذه الآية، فرح بها رسول الله ﷺ ، وقال: «هي أحب إلي من الدنيا».
стр. 7705
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الفتح
مدنيّة، وهي تسع وعشرون آية.
تسميتها:
سميت سورة الفتح لافتتاحها ببشرى الفتح المبين: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً.﴾ ..
أخرج أحمد والشيخان (البخاري ومسلم) عن عبد الله بن مغفّل قال: قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح-أي فتح مكة-في مسيره سورة الفتح على راحلته، فرجّع فيها، قال معاوية بن قرّة: لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا، لحكيت قراءته.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه:
١ - إن الفتح بمعنى النصر مرتب على القتال، وقد ورد في الحديث: أنها نزلت مبينة لما يفعل به وبالمؤمنين، بعد إبهامه في قوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [٩]. وجاء في سورة محمد تعليم المؤمنين كيفية القتال: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ.﴾. [٤] ثم ذكر هنا بيان الثمرة اليانعة لتلك الكيفية وهو النصر والفتح.
٢ - في كلتا السورتين (محمد والفتح) بيان أوصاف المؤمنين والمشركين والمنافقين.