وقد جاء ذمّ الدنيا والحرص عليها والتمسك بزينتها وإهمال الآخرة في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ، وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ، وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ.﴾. الآية [الحديد ٢٠/ ٥٧].
ثم أعاد الله تعالى الوعد بالثواب وتأكيده والترغيب في الآخرة قائلا:
﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾ أي إن تؤمنوا بالله ورسوله حق الإيمان، وتتقوا ربّكم حق التقوى بأداء فرائضه واجتناب نواهيه، يؤتكم ثواب أعمالكم وطاعاتكم في الآخرة، ولا يأمركم بإخراج جميع أموالكم في الزكاة وسائر وجوه الطاعات، بل أمركم بإخراج القليل منها، والمعنى: أن الله غني عنكم، لا يطلب منكم شيئا، وإنما فرض عليكم صدقات الأموال، مواساة لإخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إليكم.
ثم بيّن الله تعالى سبب الحرض على الدنيا، فقال:
﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ أي إن يطلب ربكم أموالكم كلها، فيجهدكم ويلح في الطلب عليكم، تشحوا وتبخلوا، وتمتنعوا من الامتثال، ويظهر عندئذ أحقادكم.
قال قتادة: قد علم الله تعالى أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان. وهذا كما ذكر ابن كثير حق وصدق، فإن المال محبوب إلى النفس، ولا يصرف إلا فيما.
هو أحب إلى الشخص منه.
ثم أبان تعالى ما سلف وأكده بقوله:
﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي أنتم أيها المؤمنون المخاطبون مدعوون للإنفاق في سبيل الله، أي في الجهاد والزكاة وفي طريق الخير.
стр. 7702
﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ، وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ، وَاللهُ الْغَنِيُّ، وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ أي فبعضكم يبخل باليسير من المال ولا يجيب لدعوة الإنفاق، فكيف لا تبخلون بالكثير وهو جميع الأموال؟ ومن يبخل في الإنفاق، فإنما يمنع نفسه الأجر والثواب ببخله، ويعود وبال ذلك عليه، فإنه بالبخل يتغلب العدو عليكم، فيذهب عزكم وأموالكم، وربما أنفسكم.
والله هو صاحب الغنى المطلق المتنزه عن الحاجة إلى أموالكم، فهو الغني عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه دائما، لذا قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ أي أنتم أيها العباد الفقراء بالذات إلى الله، وإلى ما عنده من الخير والرحمة، فهو سبحانه لا يأمر بالإنفاق لحاجته، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب.
ثم أبان الله تعالى سنته في الاستبدال بقوم قوما آخرين أفضل منهم إن أعرضوا عن حمل الأمانة، فقال محذرا ومذكرا ومهددا:
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ أي إن تعرضوا عن الإيمان والتقوى وعن طاعة الله واتباع شرعه، يستبدل قوما آخرين يكونون مكانكم هم أطوع لله منكم، أي يكونون سامعين مطيعين لله ولأوامره، وليسوا أمثالكم في التولي عن الإيمان والتقوى، وفي البخل بالإنفاق في سبيل الله.
روى ابن أبي حاتم وابن جرير وعبد الرزاق والبيهقي والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين إن تولينا، استبدل بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي ﵁، ثم قال: «هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس» لكن تكلم به بعض الأئمة ﵏، كما قال ابن كثير، وقال الترمذي: حديث غريب في إسناده مقال.
стр. 7703
وعن الكلبي والحسن وعكرمة: شرط في الاستبدال توليهم، لكنهم لم يتولوا، فلم يستبدل قوما، وهم العرب أهل اليمن أو العجم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - الدنيا دار لعب ولهو ومشاغل وشهوات، فالسعيد من استخدمها للآخرة، ولم ينس نصيبه منها بقدر الحاجة، فمن آمن بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر، واتقى ربه بفعل الفرائض وترك النواهي، ظفر بالثواب العظيم في الآخرة دار الخلد.
٢ - المال محبوب الإنسان طبعا، لذا لم يأمر الله لطفا منه ورحمة بإنفاق جميعه في سبيله، كالزكاة والجهاد ووجوه الخير، بل أمر بإخراج البعض من الربح الذي هو من فضل الله وعطائه، لا من رأس المال، ليرجع ثوابه إلى المنفق نفسه، فكانت النسبة تتراوح بين ربع العشر ونصف العشر والعشر فقط، لذا قال تعالى: ﴿لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾ إنما يسألكم أمواله، أي الأرباح التي ييسرها لكم، لأنه المالك لها، وهو المنعم بإعطائها. وقال: ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ﴾ أي يلح عليكم ﴿تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ أي يخرج البخل أحقادكم.
٣ - أكد تعالى لطفه بعباده في التكاليف المالية، فذكر أنه طلب منهم اليسير من أموالهم، فبخلوا، فكيف لو طلب منهم الكل؟!.
٤ - من بخل بتقديم شيء من ماله في سبيل الله كالجهاد وطرق الخير، فإنما يبخل على نفسه، فيمنعها الأجر والثواب.
٥ - الله هو الغني عن عباده وعن كل ما سواه، فليس بمحتاج إلى أموالهم، ولكن العباد أنفسهم هم الفقراء إلى الله ، لتحصيل الثواب والفضل
стр. 7704
الإلهي، فلا يقولوا: إنا أيضا أغنياء عن القتال وعن معونة الفقراء، فالواقع أنه لا غنى لهم عن ذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فإنه لولا القتال لقتلوا، بغزو الكفار واجتياح بلاد المسلمين، والمحتاج إن لم تدفع حاجته، قصده الغنيّ وأخذ ماله، لا سيما أن الشارع أباح للمضطر ذلك. وأما في الآخرة فالأمر ظاهر حيث يكون كل إنسان فقيرا إلى فضل الله ورحمته، وفي حال الحساب، وهو موقوف مسئول في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
٦ - أنذر الله تعالى عباده وحذرهم من إهمال حمل المسؤولية والقيام بأعباء التكاليف، فهم إن أعرضوا عن الإيمان والجهاد والتقوى، استبدل قوما غيرهم يكونون أطوع لله منهم، ثم يكونون أفضل وأمثل وأحسن منهم، وتلك هي سنة الله في خلقه، وليسوا أمثال المستبدل بهم في البخل بالإنفاق في سبيل الله، كما قال الطبري. والأولى العموم، أي لا يكونوا أمثالكم في الوصف، ولا في الجنس، كما ذكر الرازي. وقال الزمخشري: أي يخلق قوما على خلاف صفتكم راغبين في الإيمان والتقوى، غير متولين عنهما، كقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦/ ٣٥].
وقد اختلف المفسرون في تعيين أولئك القوم الجدد، فقيل: هم الملائكة، أو الأنصار، أو التابعون، أو أهل اليمن، أو كندة والنخع، أو العجم، أو فارس والروم. والأولى تفويض ذلك إلى علم الله تعالى.
والخطاب لقريش أو لأهل المدينة، والأولى جعل الخطاب متجددا بتجدد الأجيال والأمم، سواء من كان عند نزول الوحي أم بعد ذلك.
حكي عن أبي موسى الأشعري: أنه لما نزلت هذه الآية، فرح بها رسول الله ﷺ ، وقال: «هي أحب إلي من الدنيا».
стр. 7705
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الفتح
مدنيّة، وهي تسع وعشرون آية.
تسميتها:
سميت سورة الفتح لافتتاحها ببشرى الفتح المبين: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً.﴾ ..
أخرج أحمد والشيخان (البخاري ومسلم) عن عبد الله بن مغفّل قال: قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح-أي فتح مكة-في مسيره سورة الفتح على راحلته، فرجّع فيها، قال معاوية بن قرّة: لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا، لحكيت قراءته.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه:
١ - إن الفتح بمعنى النصر مرتب على القتال، وقد ورد في الحديث: أنها نزلت مبينة لما يفعل به وبالمؤمنين، بعد إبهامه في قوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [٩]. وجاء في سورة محمد تعليم المؤمنين كيفية القتال: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ.﴾. [٤] ثم ذكر هنا بيان الثمرة اليانعة لتلك الكيفية وهو النصر والفتح.
٢ - في كلتا السورتين (محمد والفتح) بيان أوصاف المؤمنين والمشركين والمنافقين.
стр. 7706
٣ - في سورة محمد أمر النبي بالاستغفار لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات [الآية ١٩] وافتتحت هذه السورة بذكر حصول المغفرة.
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة كسابقتها مدنية، نزلت ليلا بين مكة والمدينة في شأن صلح الحديبية، بعد الانصراف من الحديبية. والسور المدنية كما هو معروف تحدثت عن المنافقين الذين ظهروا في المدينة، وعنيت بشؤون التشريع في الجهاد والعبادات والمعاملات.
بدأت السورة الكريمة ببشارة النبي ﷺ بالفتح الأعظم وانتشار الإسلام بعد فتح مكة الذي كان صلح الحديبية بين الرسول ﷺ وبين المشركين سنة ست من الهجرة بداية طيبة له.
ثم أخبرت بوعد الله المنجز لا محالة للمؤمنين ووعيده للكافرين والمنافقين، وأبانت مهام النبي ﷺ من الشهادة على أمته وعلى الخلق يوم القيامة والتبشير والإنذار، من أجل الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ ونصرته.
وأردفت ذلك بأمرين متميزين: أولهما-الإشادة بأهل بيعة الرضوان تحت الشجرة في الحديبية، وبيان أن بيعتهم في الحقيقة لله، وتسجيل رضوان الله تعالى عليهم، ووعدهم بالنصر في الدنيا، وبالجنة في الآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ﴾ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.﴾ ..
والثاني-ذم المنافقين من عرب أسلم وجهينة ومزينة وغفار الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، وكانوا من أعراب المدينة.
وأبانت إعفاء أصحاب الأعذار (الأعمى والأعرج والمريض) من فريضة
стр. 7707
الجهاد، واكتفت منهم بطاعة أمر الله تعالى ورسوله ﷺ ، فذلك مؤذن بدخول الجنة.
وذكّرت بفضل الله تعالى على المؤمنين في إبرام الصلح والكف عن القتال بينهم وبين أهل مكة كفار قريش الذين كفروا وصدوا المؤمنين عن المسجد الحرام، وتأثرهم بحمية الجاهلية من الأنفة والكبر والعصبية، ورفضهم كتابة البسملة في مقدمة الصلح، وكتابة «محمد رسول الله»، وتثبيت المؤمنين على كلمة التقوى وهي طاعة الله تعالى والرسول ﷺ وقبول شروط الصلح، بالرغم من إجحاف بنوده في الظاهر بحقوق المسلمين.
وتحدثت بعدئذ عن البشرى بتحقق رؤيا النبي ﷺ التي رآها في المدينة المنورة أنهم يدخلون المسجد الحرام (مكة) آمنين مطمئنين، وتم ذلك بالفعل في العام المقبل حيث دخل المؤمنون مكة معتمرين: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ.﴾ ..
وختمت السورة بأمور ثلاثة: هي إرسال محمد ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ووصف النبي والمؤمنين بالرحمة فيما بينهم والشدة على الكفار الأعداء، ووعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالمغفرة والأجر العظيم.
فضلها:
نزلت هذه السورة على النبي ﷺ بعد عودته من الحديبية،
روى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «نزل علي البارحة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾».
وفي رواية: «لقد أنزلت علي الليلة آية أحب إلي مما على الأرض»
وفي رواية مسلم عن أنس «.. أحب إلي من الدنيا جميعها».
стр. 7708
أضواء من السيرة على سبب نزول السورة (صلح الحديبية وبيعة
الرضوان):
كان رسول الله ﷺ قد رأى في المنام وهو في المدينة المنورة أنه دخل مكة، وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك، ففرحوا فرحا عظيما.
فخرج رسول الله ﷺ من المدينة في ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة معتمرا (زائرا البيت الحرام) لا يريد حربا، ومعه ألف وخمس مائة (١٥٠٠) من المهاجرين والأنصار ومسلمي الأعراب، وساق معه الهدي (١)، وأحرم بالعمرة من «ذي الحليفة» وخرج معه من نسائه أم سلمة ﵂.
ولم يكن مع رسول الله ﷺ وصحبه غير سلاح المسافر: السيوف في القرب، فبعث عينا له من خزاعة، يخبره عن قريش، فلما أصبح قريبا من «عسفان» -موضع بين مكة والمدينة-على مرحلتين من مكة، أتاه عينه بشر بن سفيان الكعبي قائلا: يا رسول الله، هذه قريش علمت بمسيرك، فخرجوا ومعهم العوذ المطافيل (النوق ذات اللبن والأولاد) أي عازمين قاصدين طول الإقامة، وقد نزلوا بذي طوى، يحلفون بالله، لا تدخلها عليهم أبدا، وقد جمعوا لك الأحابيش (جماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة) وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت.
فأرسل رسول الله ﷺ حينئذ عثمان بن عفان إلى قريش يبلّغهم قصد رسول الله ﷺ ، وأنه لا يريد إلا العمرة، فبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل، فدعا المسلمين إلى البيعة، واجتمعوا تحت الشجرة-شجرة الرضوان، فبايعوه على القتال وألا يفروا، وتسمى بيعة الشجرة أو بيعة الرضوان، قال سلمة بن الأكوع رضي
стр. 7709
الله عنه: «بايعناه وبايعه الناس على عدم الفرار، وأنه إما الفتح وإما الشهادة». فأرعب ذلك المشركين وأرسلوا داعين إلى الصلح والموادعة، وكان قد أتى رسول الله ﷺ أن الذي بلغه من أمر عثمان كذب.
وقد أنزل الله في هذه البيعة قوله سبحانه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.﴾. [الفتح ١٨/ ٤٨]. وكان هذا الصلح هو الفتح، وبعد رجوعه إلى المدينة فتح الله عليه خيبر، فقسمها على أهل الحديبية لم يشركهم أحد غيرهم، وكانوا ألفا وخمس مائة، منهم ثلاث مائة فارس. وهذا قول سعيد بن المسيب، والمشهور أنهم كانوا أربع عشرة مائة.
ولما علمت قريش بهذا أرسلت سهيل بن عمرو لعقد الصلح، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا قال: أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، وقال: اكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا الكاتب علي بن أبي طالب، وبدأ الاتفاق على بنود المعاهدة، بعد أن رفض سهيل كتابة «بسم الله الرحمن الرحيم»، وكتب «باسمك اللهم» ورفض أيضا وصف محمد بالرسالة، فكتب: «محمد بن عبد الله».
وتم الصلح على أن يكف الفريقان عن الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، دون قتال ولا اعتداء، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه، رده عليهم، ومن جاء قريشا من أصحاب محمد ﷺ لم يردوه عليه، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد ﷺ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
فسارعت خزاعة، فدخلت في عقد محمد ﷺ وحالفته، وتواثبت بنو بكر، فدخلوا في عهد قريش وعقدهم.
وعلى المسلمين الرجوع عن مكة هذا العام، وإذا كان العام القادم خرجت
стр. 7710
قريش من مكة، ودخلها المسلمون ثلاثة أيام، معهم سلاح الراكب، السيوف في القرب.
وقد اعترض بعض كبار المسلمين مثل عمر بن الخطاب على الصلح، لعدم تكافؤ شروطه، وإجحافه بالمسلمين، ولكنه كان في الحقيقة نصرا كبيرا، لأن قريشا اعترفوا بمكانة المسلمين، وتمت الهدنة التي استراح فيها المسلمون عن الحروب والمعارك التي شغلتهم وأضعفتهم، وتمكن المسلمون من القيام بدعوة الإسلام في ظل الأمن والسلام، ودخل في الإسلام كثير من العرب.
فكان ذلك فتحا مبينا، أو تمهيدا لفتح مكة، قال الزهري: «فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه..» فقد كان عدد المسلمين وقت الصلح ألفا وخمس مائة أو أربع مائة، ثم صاروا عام فتح مكة بعد الصلح بسنتين عشرة آلاف، منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص. وقال ابن مسعود وجابر والبراء ﵃: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية.
وبعد أن نحر النبي ﷺ هديه حيث أحصر ورجع، وبعد انصرافه نزل عليه ليلا وهو في الطريق بين مكة والمدينة هذه السورة.
روى أحمد وأبو داود والنسائي وابن جرير عن عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: لما أقبلنا من الحديبية عرّسنا (١) فنمنا، فلم نستيقظ إلا والشمس قد طلعت، فاستيقظنا، ورسول الله ﷺ نائم، فقلنا: أيقظوه، فاستيقظ رسول الله ﷺ ،
فقال: «افعلوا ما كنتم تفعلون، وكذلك يفعل من نام أو نسي» أي قضاء الصلاة، قال: وفقدنا ناقة رسول الله ﷺ ، فطلبناها، فوجدناها قد تعلق خطامها بشجرة، فأتيته بها، فركبها، فبينا نحن نسير، إذ أتاه الوحي، قال: وكان إذا أتاه الوحي اشتد عليه، فلما سرّي عنه أخبرنا أنه أنزل عليه:
﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾.
стр. 7711
فضائل صلح الحديبية على النبي ﷺ
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣)﴾
الإعراب:
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ﴾ لام «يغفر» متعلقة بقوله تعالى: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ وهي لام «كي» وهي حرف جر، وإنما حسن دخولها على الفعل، لأن «أن» مقدرة بعدها، ولهذا كان الفعل بعدها منصوبا، وأن مع الفعل في تقدير الاسم، فلم تدخل في الحقيقة إلا على اسم.
﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ تقديره: إلى صراط مستقيم، فلما حذف حرف الجر، اتصل الفعل بقوله: ﴿صِراطاً﴾ فنصبه.
البلاغة:
﴿ما تَقَدَّمَ﴾ ﴿وَما تَأَخَّرَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ الفتح في أصل اللغة: إزالة الأغلاق، والفتح في باب الجهاد: هو الظفر بالبلد عنوة أو صلحا، بحرب أو بغيره، لأن البلد قبل ذلك منغلق ما لم يظفر به، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح: والمراد: قضينا لك بفتح مكة وغيرها في المستقبل عنوة بجهادك، فتحا بينا ظاهرا. أو هو وعد بفتح مكة، والتعبير عنه بالماضي للدلالة على تحققه وصيرورته في حكم الواقع.
والمراد بالفتح هنا في رأي الجمهور: هو صلح الحديبية (والحديبية بئر سمي المكان بها) وسمي هذا الصلح فتحا، لأنه كان سببا لفتح مكة من قبيل المجاز المرسل بإطلاق السبب على المسبب. قال
стр. 7712
الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، اختلط المشركون بالمسلمين، وسمعوا كلامهم، فتمكن الإسلام من قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير كثر بهم سواد الإسلام، فما مضت تلك السنون إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكة في عشرة آلاف، ففتحوها.
وقال جماعة: المراد فتح مكة، وعد الله به قبل حدوثه بطريق البشارة من الله تعالى لرسوله ﷺ وللمؤمنين، قال الزمخشري (١): هو فتح مكة، وقد نزلت السورة مرجع رسول الله ﷺ عن مكة عام الحديبية، عدة له بالفتح، وجيء به على لفظ الماضي على عادة رب العزة سبحانه في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علوّ شأن المخبر ما لا يخفى، أهـ.
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ.﴾. يجوز أن يكون الفتح فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سببا أو علة للغفران والثواب، وكذلك فتح الحديبية وإن لم يكن فيه قتال شديد، لكن وقع فيه ترام بين القوم بسهام وحجارة أو كونه سببا لفتح مكة، يكون لما تضمنه من مجاهدة سببا للمغفرة.
فإن لم يجعل الفتح علة للمغفرة، فيكون ذكر اللام-كما قال الزمخشري-لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة، وهي المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، أي لتحصيل مجموع هذه الأمور كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة أو الحديبية ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين، وغايات العاجل والآجل.
﴿ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ أي جميع ما فرط منك مما يصح أن يعاتب عليه، وبما أن الأنبياء معصومون عن الذنوب الكبائر والصغائر، فالمراد بالذنب هنا: فعل ما هو خلاف الأولى والأفضل بالنسبة لمقام الأنبياء، فهو من قبيل: حسنات الأبرار سيئات المقرّبين. أو أن المراد ما هو ذنب في نظره العالي، وإن لم يكن في الواقع كذلك. وفي هذا ترغيب للأمة في الجهاد.
﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي ويتم بالفتح المذكور إنعامه عليك، بإعلاء الدين، واجتماع الملك مع النبوة وفتح البلاد ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ أي يثبتك بالفتح على الطريق القويم، وهو دين الإسلام وتبليغه وإقامة شعائره ﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ أي وينصرك الله بالفتح نصرا فيه عز ومنعة: وهو الذي لا ذلّ بعده، أو يعز به المنصور وهو الذي لا يناله كل أحد، فوصف الشخص بالنصر العزيز للمبالغة.
стр. 7713
سبب النزول:
نزول الآية (١):
﴿إِنّا فَتَحْنا﴾: أخرج الحاكم وغيره عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها.
نزول الآية (٢):
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ.﴾.:
أخرج أحمد والشيخان والترمذي والحاكم عن أنس قال: أنزلت على النبي ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ مرجعه من الحديبية، فقال النبي ﷺ : «لقد أنزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض»، ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئا مريئا لك يا رسول الله، قد بيّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ حتى بلغ ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾. وقال ابن عباس: إن اليهود شمتوا بالنبي ﷺ والمسلمين لما نزل قوله: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ وقالوا: كيف نتبع رجلا لا يدري ما يفعل به، فاشتد ذلك على النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ.﴾. الآية.
التفسير والبيان:
﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ أي إنا فتحنا لك أيها الرسول فتحا ظاهرا لا شك فيه، وهو صلح الحديبية الذي كان سببا لفتح مكة وانتشار العلم النافع والإيمان، أو فتح مكة، وعده الله به قبل حصوله، وذكره بلفظ الماضي لتحققه، وكانت بشارة عظيمة من الله تعالى لرسوله ﷺ وللمؤمنين، كما بينت في تفسير المفردات.
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ أي لكي يجتمع لك مع
стр. 7714
المغفرة: تمام النعمة في الفتح، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، فيتحقق لك عز الدارين وسعادة الدنيا والآخرة. والمغفرة تشمل جميع ما فرط منك قبل الرسالة وبعدها من الهفوات التي تعد خلاف الأولى بالنظر إلى مقامك العالي، وذاك بالنظر لمن سواك لا يسمى ذنبا، فهو من قبيل ما يسمى: حسنات الأبرار سيئات المقرّبين. وفي هذا تشريف عظيم للنبي ﷺ ، وهو من خصائصه التي لا يشاركه فيها غيره.
أخرج الجماعة (أحمد والأئمة الستة إلا أبا داود) عن المغيرة بن شعبة ﵁ يقول: كان النبي ﷺ يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ﷺ : «أفلا أكون عبدا شكورا».
وأخرج أحمد ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى، قام حتى تتفطّر رجلاه، فقالت له عائشة ﵂: يا رسول الله، أتصنع هذا، وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ﷺ :
«يا عائشة، أفلا أكون عبدا شكورا».
﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ، وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً، وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ أي ولكي يتمم إنعامه عليك بإعلاء شأن الدين وانتشار الإسلام وفتوح البلاد شرقا وغربا ورفع شأنك في الدنيا والآخرة، وليرشدك إلى الطريق القويم بما يشرعه لك من الشرع العظيم، ويثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه، ولينصرك الله على أعدائك نصرا غالبا منيعا، لا يتبعه ذل، أو هو عزيز المنال فريد المثال.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يلي:
١ - بشّر الله نبيه والمؤمنين بفتح عظيم مبين واضح، وهو في رأي الجمهور كما
стр. 7715
تقدم صلح الحديبية الذي كان سببا لفتح مكة وانتشار العلم النافع والإيمان، واختلاط الناس مع بعضهم بعضا، وتكلّم المؤمن مع الكافر. قال موسى بن عقبة: قال رجل عند منصرفهم من الحديبية: ما هذا بفتح، لقد صدّونا عن البيت،
فقال النبي ﷺ : «بل هو أعظم الفتوح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا». وتساءل الزمخشري بقوله: كيف يكون فتحا، وقد أحصروا، فنحروا، وحلقوا بالحديبية؟ ثم أجاب: كان ذلك قبل الهدنة، فلما طلبوها، وتمت، كانت فتحا مبينا.
وقال الشعبي في قوله تعالى: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ قال: هو صلح الحديبية، لقد أصاب فيها ما لم يصب في غزوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبويع بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محلّه، وظهرت الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقد سبق كلام الزهري. والخلاصة: تحقق في هذا الصلح أمور ثلاثة: هي معرفة قوة العدو ومدى كفايته في السلم والسياسة والصلح، وتمييز المؤمنين من المنافقين، واختلاط المسلمين بالمشركين الذي أدى إلى الدخول في الإسلام.
وقيل: إنه فتح مكة، وهو مناسب لآخر السورة التي قبلها، حيث حث تعالى على الجهاد بالنفس وبالمال والإنفاق في سبيل الله، ونهى عن طلب الصلح، فقال: لا تسألوا الصلح من عندكم، بل اصبروا، فإنهم يسألون الصلح ويجتهدون فيه، كما كان يوم الحديبية.
٢ - كانت ثمار الفتح الأعظم أربعة أمور هي:
الأول-البراءة المطلقة للنبي ﷺ بمغفرة جميع ذنوبه المتقدمة والمتأخرة التي تعد بمثابة خلاف الأولى والأفضل بالنظر لمقامه الشريف.
стр. 7716
الثاني-إتمام النعمة عليه بالجمع بين النبوة والملك، وبين سعادة الدنيا والآخرة.
الثالث-الإرشاد والهداية إلى الطريق المستقيم بتبليغ الرسالة والثبات على الحق.
الرابع-النصر المؤزر العزيز المنيع الذي لا ذل بعده.
ويمكن القول بالتعبير الحديث: تحقق بهذا الفتح مفهوم سيادة الدولة الإسلامية الداخلية والخارجية، واستقلالها، وظهور النبي ﷺ بصفة كونه حاكما وإماما في السياسة والحكم إلى جانب كونه نبيا، كما تحقق له عز الدنيا والآخرة، وثباته على دين الحق ونشره في أرجاء الدنيا.
وعقد صلح الحديبية، كما أنه أثبت صفة الحاكم السياسي للنبي ﷺ على الأمة الإسلامية وعاصمتها المدينة، أدى إلى اعتراف المشركين بالدولة الإسلامية في المدينة المنورة، والإقرار بسيادتها واستقلالها.
آثار صلح الحديبية في المؤمنين والمنافقين والمشركين
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧)﴾
стр. 7717
الإعراب:
﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ.﴾. لا بد من تقدير فعل قبله، فإن من قال ابتداء: لتكرمني، لا يصح ما لم يقل قبله: جئتك أو نحوه، والتقدير هنا إما: إنا فتحنا ليدخل، كما في قوله: ليغفر لك الله، وإما: أنزل السكينة ليدخل، أو أمر بالجهاد، ونحو ذلك.
﴿عِنْدَ اللهِ فَوْزاً﴾ ﴿عِنْدَ﴾ حال من الفوز.
البلاغة:
﴿يُكَفِّرَ﴾ ﴿وَيُعَذِّبَ﴾ بينهما طباق.
﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْزَلَ﴾ خلق وأوجد ﴿السَّكِينَةَ﴾ الثبات والطمأنينة مأخوذ؟؟ من السكون ﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أوجد السكينة في القلوب في مواضع القلق والاضطراب ﴿لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ﴾ يقينا مع يقينهم، أو ليزدادوا إيمانا بالشرائع، ومنها الدين، مع إيمانهم بالله واليوم الآخر ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يدبر أمرها، فيسلط بعضها على بعض تارة، ويسالم فيما بينها تارة أخرى، كما تقتضي حكمته، وجنود السموات والأرض: الأسباب السماوية والأرضية ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ عليما بالمصالح، حكيما فيما يقدّر ويدبر، والمعنى: أنه ما يزال متصفا بذلك.
﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ يغطيها ولا يظهرها ﴿وَكانَ ذلِكَ﴾ أي التكفير للسيئات وإدخال الجنات ﴿عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً﴾ أي أن دخول الجنات فوز عظيم عند الله ﴿السَّوْءِ﴾ بفتح السين وضمها، وهو المساءة، وظن السوء: اي ظن الأمر السوء، وهو الا ينصر الله تعالى رسوله ﷺ والمؤمنين ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دائرة ما يظنونه وينتظرونه بالمؤمنين، فلا يتخطاهم، وهو العذاب والهزيمة والشر. والدائرة في الأصل: الخط الدائري المحيط بالمركز، ثم استعملت في الحادثة المحيطة بالإنسان، كإحاطة الدائرة بالمركز، وكثر استعمالها في السوء والمكروه ﴿وَغَضِبَ اللهُ﴾ سخط ﴿وَلَعَنَهُمْ﴾ أبعدهم وطردهم من رحمته طردا نزلوا به إلى أعماق جهنم ﴿وَساءَتْ مَصِيراً﴾ مرجعا.
﴿عَزِيزاً﴾ قويا في ملكه يغلب ولا يغلب ﴿حَكِيماً﴾ في صنعه. والمراد: أنه لم يزل متصفا بالعزة والحكمة.
стр. 7718
سبب النزول:
نزول الآية (٥):
﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: سبق بيانه في الآيات السابقة.
المناسبة:
بعد أن أخبر الله تعالى بفضله على نبيه ﷺ وبأنه ينصر رسوله، أبان بعض أفضاله على المؤمنين من أصحابه وبعض أسباب النصر، وهو تثبيت أقدام المؤمنين واطمئنان قلوبهم في ميادين المعارك، وأردفه ببيان سنته في تسليط بعض جنوده على بعض، ثم رفع معنويات الجند المؤمنين بوعدهم بالخلود في الجنان، وإيعاد الكافرين والمنافقين المعادين للمؤمنين بالعذاب الشديد، والغضب عليهم وطردهم من رحمته.
التفسير والبيان:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ﴾ أي إن الله هو الذي خلق وأوجد السكون والطمأنينة والثبات في قلوب المؤمنين وهم الصحابة ﵃ يوم الحديبية الذين استجابوا لله تعالى ولرسوله ﷺ ، وانقادوا لحكم الله تعالى ورسوله ﷺ ، واستعدوا للقتال بإخلاص دون فرار، لئلا تضطرب نفوسهم في وقت المحنة، وليزيدهم الله يقينا جديدا على يقينهم الحاصل من قبل. وهذا يسمى حديثا رفع الروح المعنوية للجيش.
وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بالآية على زيادة الإيمان وتفاضله في
стр. 7719
القلوب. ويصح تأويل زيادة الإيمان بأنه الإيمان بالشرائع بعد إيمانهم بالله، قال ابن عباس: إن أول ما أتاهم به النبي ﷺ التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجهاد ثم الحج.
ثم ذكر الله تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين، فقال:
﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ أي إن الله تعالى يدبر أمر جنوده في هذا العالم كيف يشاء، من الملائكة والإنس والجن والشياطين، والقوى الكونية في السماء والأرض كالزلازل والبراكين والأعاصير والبحار والأنهار ونحوها، فالله قادر على إرسال ملك واحد، يبيد الجبال والبلاد، ولكنه تعالى شرع لعباده الجهاد والقتال لحكمة بالغة ومصلحة عالية، لذا قال تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي كان الله ولا يزال عليما بمصالح خلقه، حكيما في صنعه وتقديره وتدبيره. وهذا منسجم مع موقف أبي بكر الذي عرف برسوخ الإيمان، أما عمر بن الخطاب فتساءل عن عدم التكافؤ الظاهري في شروط الصلح، وقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ ولكن إيمانه لم يتزعزع، بل إن ذلك يدل على مزيد الإيمان والغيرة على مصالح المسلمين في تقديره، ثم أنزل الله الطمأنينة على قلبه وقلوب أمثاله، وشرحها لما رآه النبي ﷺ ، وصدقت الأيام رأيه.
ثم ذكر الله تعالى ما وعد به أهل الإيمان، فقال:
﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها، وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ، وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً﴾ أي يبتلي الله بجنوده من شاء ليدخل المؤمنين ويعذّب غير المؤمنين، أو أنزل السكينة أو إنا فتحنا ليترتب عليه دخول المؤمنين والمؤمنات جنات (بساتين) تجري الأنهار من
стр. 7720
تحت قصورها، وهم ماكثون فيها أبدا، ويستر عنهم خطاياهم وذنوبهم ولا يظهرها ولا يعذّبهم بها، بل يعفو ويصفح ويستر ويرحم وكان ذلك الوعد بإدخالهم الجنة وتكفير سيّئاتهم عند الله وفي حكمه فوزا عظيما كبيرا ونجاة من كل غمّ، وظفرا بكل مطلوب، وذلك كقوله جلّ وعلا: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ، وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ، فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران ١٨٥/ ٣]. وذكر تكفير السيئات بعد الإدخال في الجنة، مع أنه يكون قبله، لأن الواو لا تقتضي الترتيب، ولأن الأصل الإدخال، والتكفير تابع.
عن جابر ﵁ قال: قال النّبي ﷺ : «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة». وقد نصّ الله تعالى على المؤمنات هنا مع أن أغلب الآيات يكون فيها خطاب الرجال شاملا للنساء، لئلا يتوهم أحد أن النساء لا يدخلن الجنات، لأن المرأة لا جهاد عليها. وهكذا في كل موضع يوهم اختصاص المؤمنين بالجزاء الموعود به، مع كون المؤمنات يشتركن معهم، ذكرهنّ الله صريحا (١).
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أي وليعذّب أهل النفاق وأهل الشرك بالهمّ والغمّ بسبب ما يشاهدونه من انتشار الإسلام وانتصار المسلمين وقهر المخالفين، وبما يصابون به من القهر والقتل والأسر في الدنيا، وبعذاب جهنم في الآخرة، لظنهم السيء بالله وحكمه وهو أن النّبي ﷺ وأصحابه يغلبون ويبادون، وأن كلمة الكفر تعلو كلمة الإسلام، كما حكى تعالى عنهم في آية أخرى وهي: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ [الفتح ١٢/ ٤٨]. وإنما قدم المنافقين على المشركين، لأن ضررهم أشد، وخطرهم أعظم.
стр. 7721
﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ، وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَلَعَنَهُمْ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ أي أن ما يظنونه بالمؤمنين دائر عليهم لا خروج لهم منه، واقع بهم من قتل وأسر ونحوهما، وسخط الله عليهم، وأعدّ لهم جهنم يصلونها، وساءت مرجعا ومنزلا يصيرون إليه، وبذلك جمع بين جزائهم وحالهم في الدنيا وفي العقبى.
ثم قال تعالى مؤكدا لقدرته على الانتقام من أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين:
﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ أي لله في السموات والأرض جنود لا حصر لها من الملائكة والإنس والجنّ والشياطين وغيرها من كل ما فيه قوة ومقدرة على قهر أعدائه، وكان الله وما يزال قويا لا يغلب، ولا يردّ بأسه، حكيما في صنعه وتدبيره لخلقه.
وفائدة إعادة هذه الآية بيان أن لله جنود الرحمة وجنود العذاب، فذكرهم أولا لبيان الرحمة بالمؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ ثم ذكرهم ثانيا لبيان إنزال العذاب بالكافرين. وعبّر أولا بقوله: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ليتناسب مع إنزال الرحمة، ثم عبّر بقوله: ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ للإشارة إلى شدة العذاب، وذكر العزّة يتناسب مع العقاب والتهديد، وذكر العلم يتلاءم مع التدبير التام لأمر الخلق وتوزيع الرحمة، وأن إنزال السكينة وزيادة الإيمان وترتيب الفتح على ذلك، كله ثابت في علم الله، منسجم مع الحكمة. وذكر جنود السموات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة، لأن الله تعالى ينزل جنود الرحمة، فيدخل المؤمنين مكرمين معظمين الجنة، ثم تكون لهم القربى والزلفى بقوله: ﴿وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً﴾ وذكر الجنود بعد تعذيب الكفار، وإعداد جهنم للدلالة على كون الغضب على الكفار والإبعاد والطرد من الرحمة أولا، فيدخلون جهنم، ثم يسلّط عليهم ملائكة العذاب وهم جنود الله تعالى.
стр. 7722
روي أنه لما جرى صلح الحديبية قال ابن أبيّ: أيظنّ محمد أنه إذا صالح أهل مكة أو فتحها لا يبقى له عدوّ، فأين فارس والروم؟ فبيّن الله أن جنود السموات والأرض أكثر من فارس والروم.
فقه الحياة أو الأحكام:
كان من فضائل صلح الحديبية وآثاره أربعة أشياء في حقّ كل من النّبي ﷺ والمؤمنين والكفار.
أما فضائله الأربعة في حقّ النّبي ﷺ فهي كما تقدّم: مغفرة الذنوب، واجتماع الملك والنّبوة، والهداية إلى الصراط المستقيم، والعزّة والمنعة.
وأما أفضاله الإلهية الأربعة في حقّ المؤمنين أصحاب النّبي ﷺ فهي الطمأنينة والسكينة، وزيادة الإيمان، ودخول الجنان، وتكفير السيّئات.
وأما آثاره الأربعة في حقّ أهل النّفاق وأهل الشرك، فهي العذاب الأليم، وغضب الله، واللعنة أو الطرد من الرحمة، ودخول جهنم.
ودلّ قوله تعالى: ﴿لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ﴾ على أن الإيمان يزيد وينقص.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.﴾. في الموضعين تخويف وتهديد، فلو أراد تعالى إهلاك المنافقين والمشركين، لم يعجزه ذلك، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمّى.
стр. 7723
وظائف النّبي ﷺ وفائدة بعثته ومعنى بيعته في الحديبية
﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠)﴾
الإعراب:
﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ هذه المنصوبات الثلاثة منصوبة على الحال من كاف ﴿أَرْسَلْناكَ﴾ وهو العامل فيها، كما عمل في صاحب الحال.
﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ حال أو استئناف كلام جديد، وهو مؤكد قوله: ﴿إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ﴾ على طريق التخييل والتمثيل، ولا جارحة هناك.
البلاغة:
بين قوله: ﴿مُبَشِّراً﴾ و ﴿نَذِيراً﴾ وبين ﴿نَكَثَ﴾ و ﴿أَوْفى﴾ طباق.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ﴾ استعارة تصريحية تبعية، شبّه المعاهدة على الجهاد بالأنفس بدفع السلع مقابل الأموال، وأستعير اسم المشبّه به للمشبّه، واشتقّ من البيع يبايعون، بمعنى يعاهدون على دفع أنفسهم في سبيل الله، فوجه الشّبه اشتمال كل على المبادلة.
﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ استعارة مكنية، شبه اطّلاع الله على مبايعتهم بملك وضع يده على أيدي رعيته، وطوى ذكر المشبّه، ورمز بشيء من لوازمه وهو اليد على طريق الاستعارة المكنية، أي أن الله شبّه بالمبايع، وذكر اليد قرينة، وإسنادها له تخييل، وفي ذكر اليد مع أيدي الناس مشاكلة.
المفردات اللغوية:
﴿شاهِداً﴾ على أمتك في القيامة بتبليغ الرسالة، لقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢]. ﴿وَمُبَشِّراً﴾ بالثواب والجنة لمن أطاعك. ﴿وَنَذِيراً﴾ ومنذرا مخوفا
стр. 7724
بالعقاب والنار لمن عصاك. ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ الخطاب للنّبي ﷺ والأمة، وقرئ بالياء ليؤمنوا أي الناس وكذا الفعلان بعده. ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ تنصروه وتؤيّدوه وتقوّوه بتقوية دينه ورسوله.
﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ تعظموه من التوقير: وهو الاحترام والتعظيم، والضمير فيهما لله تعالى-وهو الأولى- أو لرسوله ﷺ . ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ تنزّهوا الله عما لا يليق به من الشرك والولد، من التسبيح، أو تصلوا له من السّبحة: وهي صلاة التطوع. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ غدوة وعشيا، أي أول النهار وآخره، أو دائما.
﴿يُبايِعُونَكَ﴾ بيعة الرضوان يوم الحديبية، بايعوه على الموت في نصرته والدفاع عنه، أو على ألا يفرّوا من قريش، وأصل المبايعة أو البيع: مبادلة المال بالمال، ثم أطلق هنا على المعاهدة على الثبات في محاربة الكفار في مقابل ضمان الجنة لهم. وكانت المبايعة تحت شجرة بالحديبية (وهي قرية صغيرة بينها وبين مكة حوالي مرحلة، وهي في حدود الحرم). ﴿إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ﴾ لأن الله هو المقصود بالبيعة، مثل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ [النساء ٨٠/ ٤] أي أن المقصود من بيعة الرسول ﷺ وطاعته طاعة الله وامتثال أوامره، والمراد بآية ﴿يُبايِعُونَ اللهَ﴾: أي صفقتهم إنما يمضيها ويمنح الثمن فيها الله ، وأن عقد الميثاق مع الرسول ﷺ كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت.
﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ مؤكد معنى البيعة، والمراد أنه تعالى مطّلع على مبايعتهم، فيجازيهم عليها، ونصرته إياهم أقوى وأعلى من نصرتهم إياه. واستعمال اليد هنا بمعنى الغلبة والنصرة ونعمة الهداية، فهو مجاز، والله تعالى منزّه عن الجوارح وعن صفات الأجسام. ويعتقد السلف بوجود يد لله تعالى، لا كالأيدي، لأنه ليس كمثله شيء، وهذا أسلم، وإن كان المجاز أولى عقلا وأحكم رأيا، ونفوّض الأمر لله مع الإيمان بما ورد في القرآن والسّنّة الصحيحة.
﴿نَكَثَ﴾ نقض العهد، وضدّه: أوفى بالعهد ووفّى به: إذا أتّمه. ﴿فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ يرجع وبال وضرر نقضه عليه. ﴿وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ﴾ وفّى في مبايعته، وقرأ الجمهور بكسر الهاء، وقراءة حفص بضم الهاء، لأنها هاء «هو» وهي مضمومة، فاستصحب ذلك، كما في «له، وضربه». ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ هو الجنة.
قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله ﷺ تحت الشجرة على الموت، وعلى ألا نفرّ، فما نكث أحد منّا البيعة إلا جدّ بن قيس، وكان منافقا اختبأ تحت إبط ناقته، ولم يثر مع القوم.
المناسبة:
بعد بيان فضائل الفتح-صلح الحديبية على النّبي ﷺ وعلى أصحابه
стр. 7725
المؤمنين، أعقبه ببيان خصائصهما، فذكر وظائف الرسول ﷺ الثلاث (وفي الأحزاب: الخمس) ومدحه وأبان فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة، فذكر بيعة الرضوان بين النّبي ﷺ والمؤمنين، وأشاد بإخلاص المبايعين ونصرة دين الله تعالى، وأوضح جزاء ناقض العهد، ومن أوفى بالعهد.
التفسير والبيان:
﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ أي إننا أرسلناك يا محمد رسولا شاهدا تشهد على الخلق وعلى أمتك تبليغ الرسالة، ومبشّرا بالجنة المؤمنين المطيعين، ومنذرا مخوّفا بالنار الكافرين العصاة.
﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ، وَتُوَقِّرُوهُ، وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي إنا أرسلناك لتؤمنوا بالله ورسوله-والخطاب لرسول الله ﷺ ولأمته- وتقووا وتؤيدوا الله بنصرة دينه ورسوله، وتعظّموه، وتنزّهوا الله عما لا يليق به من الشرك والولد والصاحبة والتّشبيه بالمخلوقات، على الدوام، أو في الغداة والعشي، أي أول النهار وآخره، والمراد صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر، كما قال ابن عباس. والمراد بتعزير الله: تعزير دينه ورسوله ﷺ .
قال الزمخشري: والضمائر-في الأفعال الثلاثة غير الأول-لله ، ومن فرّق الضمائر فقد أبعد.
وبعد بيان أنه مرسل، قال الله تشريفا وتعظيما وتكريما ليبيّن أن من بايعه فقد بايع الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ، يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي إن الذين يبايعونك أيها النّبي بيعة الرضوان بالحديبية تحت الشجرة على قتال قريش، إنما يبايعون الله، أي يطيعونه ويعاهدونه على امتثال أوامره، لأنهم
стр. 7726
باعوا أنفسهم من الله بالجنة، ولأن طاعة الرسول ﷺ هي طاعة الله تعالى في الحقيقة.
ثم أكّد هذا المعنى بقوله: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي أن عقد الميثاق مع رسول الله ﷺ كعقده مع الله سبحانه على السواء، وأن الله هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، وهو تعالى المبايع بواسطة رسوله ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة ١١١/ ٩]. وأن نعمة الله عليهم بالهداية فوق إجابة البيعة، كما قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا، قُلْ: لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ، بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ﴾ [الحجرات ١٧/ ٤٩]. والخلاصة:
أن قوله: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ استئناف مؤكد للكلام السابق من أن مبايعة الرسول ﷺ مبايعة لله تعالى.
﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ، فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي يتفرّع عن البيعة مع الله أنه من نقض العهد مع النّبي ﷺ ، فإنما وبال ذلك وضرره على الناقض نفسه، لا يجاوزه إلى غيره.
ومن وفّى بالعهد وثبت عليه، ونفّذ ما عاهد عليه الرّسول ﷺ في البيعة، فسيؤتيه الله ثوابا جزيلا، ويدخله الجنة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح ١٨/ ٤٨].
وهذه البيعة كما تقدّم هي بيعة الرّضوان التي كانت تحت شجرة سمرة بالحديبية، وكان الصحابة ﵃ الذين بايعوا رسول الله ﷺ يومئذ على الأصح ألفا وأربع مائة، وقيل: ثلاث مائة أو خمس مائة.
стр. 7727
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
١ - إن مهام النّبي ﷺ المذكورة هنا هي ثلاث:
أ-الشهادة على الخلق وعلى أمته بالبلاغ، فهو يشهد على الناس بأن رسولهم وأنبياءهم بلغوهم رسالة الله بما أخبره الله به في القرآن، ويشهد على أمته بتبليغهم الرسالة الإلهية، وقد أعلن ذلك في حجة الوداع: «اللهم قد بلّغت، اللهم فاشهد».
ب-وتبشير من أطاعه بالجنة.
ج -وإنذار من عصاه بالنار.
والمذكور في سورة الأحزاب خمس: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً، وَمُبَشِّراً، وَنَذِيراً، وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ، وَسِراجاً مُنِيراً﴾ [٤٥ - ٤٦] وهذا لأن المقام في الأحزاب مقام ذكر الرسول ﷺ ، لأن أكثر السورة في ذكر الرسول ﷺ وأحواله، ففصل في مهامه، واقتصر في سورة الفتح على الثلاث المتقدمة، ثم ذكر بعدئذ ما يدل على كونه داعيا وكونه سراجا في قوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ.﴾ ..
٢ - إن الغاية من إرسال النبي ﷺ هو الوصول إلى الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ ، ونصرة دين الله ورسوله، وتعظيم الله وإجلاله، وتسبيحه بالقول وتنزيهه من كل قبيح على الدوام، أو في أول النهار وآخره، أو فعل.
الصلاة التي فيها التسبيح.
٣ - إن الذين بايعوا النبي ﷺ بالحديبية على قتال قريش ومناصرته فقد بايعوا الله تعالى، فبيعتهم للنبي ﷺ إنما هي بيعة الله تعالى، كما قال تعالى:
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ [النساء ٨٠/ ٤].
стр. 7728
والله تعالى مطّلع على بيعتهم ومجازيهم خيرا، فيده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء، ويديه في المنّة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة، ونعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة، وقوة الله ونصرته فوق قوّتهم ونصرتهم.
ومذهب السلف رضوان الله عليهم: الإيمان الظاهري بما يسمى يد الله، مع تنزيه المولى عن مشابهة الحوادث وصفات الأجسام وإثبات الجوارح (الأعضاء) له، ويقولون: إن معرفة حقيقة اليد هنا فرع عن معرفة حقيقة الذات، ولن يستطيع المخلوق ذلك، فالأولى التفويض في معرفة الحقيقة لله تعالى، مع الإيمان الكامل بكل ما جاء في القرآن والسّنّة الثابتة. ومذهب الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو القوة أو النصرة أو النعمة، على طريق الاستعارة بالكناية، كما تقدّم في البلاغة.
٤ - إن الناكث ناقض العهد بعد البيعة يرجع ضرر النكث والنقض عليه، لأنه حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب.
٥ - وإن من أوفى بعهده الذي عاهد الله تعالى عليه في البيعة، سيمنحه الله تعالى في الآخرة ثوابا جزيلا، ويدخله الجنة.
أحوال المتخلفين عن الحديبية
﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلاً (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧)﴾
стр. 7729
الإعراب:
﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، أي ظننتم أنهم لا يرجعون.
﴿تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ ﴿تُقاتِلُونَهُمْ﴾: حال مقدرة، و ﴿يُسْلِمُونَ﴾: إما معطوف على ﴿تُقاتِلُونَهُمْ﴾ أو مستأنف، تقديره: أو هم يسلمون. وقرئ: أو يسلموا: بتقدير أن.
و «أو» بمعنى «إلا» وقيل بمعنى «حتى».
البلاغة:
بين الضر والنفع في قوله: ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ ﴿أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً﴾ طباق.
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ إطناب بتكرار نفي الحرج والإثم عن أصحاب الأعذار للتأكيد.
стр. 7730
المفردات اللغوية:
﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾ المتخلفون، جمع مخلّف: وهو المتروك في المكان خلف الخارجين عنه، والمراد بهم هنا قبائل حول المدينة من الأعراب هم أسلم وجهينة ومزينة وغفار وأشجع والدّيل، استنفرهم رسول الله ﷺ عام الحديبية ليخرجوا معه إلى مكة للعمرة، فتخلفوا، واعتذروا بالشغل في أموالهم وأهليهم، وإنما خلفهم الخذلان وضعف العقيدة والخوف من مقاتلة قريش إن صدّوهم. ﴿مِنَ الْأَعْرابِ﴾ قبائل من الأعراب سكان البوادي حول المدينة. ﴿شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا﴾ عن الخروج معك، إذ لم يكن لنا من يقوم بأشغالنا، وقرئ بالتشديد ﴿شَغَلَتْنا﴾ للتكثير، وهذا كذب منهم.
﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ الله من التخلف أو ترك الخروج معك، وطلب الاستغفار خبث منهم وإظهار أنهم مؤمنون عاصون، ومصانعة من غير توبة ولا ندم.
﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ هذا تكذيب من الله تعالى لهم في الاعتذار والاستغفار، فهم يطلبون الاستغفار وغيره في الظاهر، وهم كاذبون في اعتذارهم. ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ؟﴾ استفهام بمعنى النفي، أي لا أحد يمنعكم من مشيئته وقضائه، والملك: إمساك الشيء بقوة وضبط.
﴿ضَرًّا﴾ بفتح الضاد وضمها، والضر: الضرر اللاحق بالأهل والمال والنفس، كقتل وهزيمة وهزال وسوء حال وضياع. ﴿نَفْعاً﴾ النفع: ما يفيد من حفظ النفس والمال والأهل. ﴿بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي كان ولم يزل متصفا بذلك، فهو يعلم تخلفكم وقصدكم فيه، و ﴿بَلْ﴾ للانتقال من غرض إلى آخر.
﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ لظنكم أن المشركين يستأصلونهم. و ﴿يَنْقَلِبَ﴾ يرجع، والأهلون: العشائر وذوو القرابة، جمع أهل، وقد يجمع على أهلات، مثل أرضات على أن أصله أهلة. ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ الظن السيء، وهو الظن المذكور. ﴿بُوراً﴾ جمع بائر، أي هلكى أو هالكين عند الله بهذا الظن وفساد العقيدة وسوء النية.
﴿فَإِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً﴾ وضع الكافرين موضع الضمير إيذانا بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ ، فهو كافر مستوجب للسعير بكفره، والسعير: نار ملتهبة شديدة، وتنكيرها للتهويل، أو لأنها نار مخصوصة.
﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يدبره كيف يشاء. ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ إذ لا وجوب عليه. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي ولم يزل متصفا بذلك، والغفران والرحمة من ذاته، جاء في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة: «سبقت رحمتي غضبي».
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ المذكورون. ﴿مَغانِمَ﴾ هي مغانم خيبر، فإنه ﵊ رجع من الحديبية في ذي الحجة، من سنة ست، وأقام بالمدينة بقيتها وأوائل المحرم، ثم هاجم خيبر بمن شهد الحديبية بسبب اعتداءات اليهود المتكررة، ففتحها وغنم أموالا كثيرة، ثم خصها بأهل
стр. 7731
الحديبية. ﴿ذَرُونا﴾ اتركونا. ﴿نَتَّبِعْكُمْ﴾ لنأخذ منها. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ ويقرأ: كلم لله، أي يريدون أن يغيروا كلام الله، وهو وعده لأهل الحديبية أن يعوضهم عن مغانم مكة مغانم خيبر، فهم يريدون الشركة في المغانم دون أن ينصروا دين الله تعالى.
﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ نفي في معنى النهي. ﴿كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي مثل ذلك قال الله من قبل استعدادهم للخروج إلى خيبر، وقبل عودنا. ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أي تحسدوننا أن نصيب معكم شيئا من الغنائم. ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يفهمون. ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ إلا فهما قليلا وهو فهمهم لأمور الدنيا دون الدين. ومعنى الإضراب الأول. ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ رد منهم أن يكون حكم الله ألا يتبعوهم، وإثبات الحسد، والثاني: ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ﴾ رد من الله تعالى لذلك، وإثبات لجهلهم بأمور الدين.
﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ﴾ كرر ذكرهم بهذا الوصف مبالغة في الذم وإشعارا بشناعة التخلف. ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي أصحاب بأس شديد أي قوة في القتال، وهم بنو حنيفة أصحاب اليمامة، أو غيرهم من ارتدوا بعد رسول الله ﷺ ، أو فارس والروم. ولا دليل على التعيين. ﴿تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ أي يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة أو الإسلام، لا غير.
﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ في قتالهم ﴿يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً﴾ هو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ عن الحديبية. ﴿أَلِيماً﴾ مؤلما، لعظم جرمكم.
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ.﴾. أي إثم وذنب في ترك الجهاد، ويلاحظ أنه تعالى لما أوعد على التخلف، نفى الحرج عن أصحاب الأعذار (الأعمى والأعرج والمريض) استثناء لهم من الوعيد.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ فصّل الوعد وأجمل في الوعيد مبالغة في الوعد لسبق رحمته. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً﴾ هذا تعميم بعد تفصيل الوعد، إذ الترهيب هنا أنفع من الترغيب.
سبب نزول الآية (١٧):
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى.﴾.: قال ابن عباس: لما نزلت: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ.﴾. الآية، قال أهل الزّمانة: كيف بنا يا رسول الله؟ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ.﴾ ..
стр. 7732
المناسبة:
بعد بيان حال المنافقين، بيّن الله تعالى حال المتخلفين، وهم قوم من الأعراب امتنعوا عن الخروج مع رسول الله ﷺ ، لظنهم أنه يهزم، وقد ذكر تعالى أحوالا ثلاثا لهم: هي الاعتذار عن التخلف عن الحديبية بانشغالهم في الأموال والأهل، وطلب المشاركة في وقعة خيبر وغنائمها، ودعوتهم إلى قتال قوم أولي بأس شديد، ثم استثنى تعالى أصحاب الأعذار لترك الجهاد.
التفسير والبيان:
الاعتذار عن التخلف: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ: شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا، فَاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ أخبر تعالى رسوله ﷺ أثناء عودته من الحديبية بما يعتذر به المخلفون الذين اختاروا المقام في أهليهم وشغلهم، وتركوا السير مع رسول الله ﷺ حين خرج إلى مكة معتمرا عام الحديبية، وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة وهم أسلم وجهينة ومزينة وغفار وأشجع والدّيل، وإنما قال:
﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾ لأن الله خلّفهم عن صحبة نبيه ﷺ . والمخلّف: المتروك. والآية من إعجاز القرآن، لإخباره عن الغيب، وقد وقع الأمر مطابقا لخبر القرآن.
ولقد اعتذروا بشغلهم بالأموال والأهل، وسألوا أن يستغفر لهم رسول الله ﷺ ، ليغفر الله لهم ما وقع منهم من التخلف عنه بسبب الانشغال، لا بسبب العصيان ومخالفة الأمر. وذلك في الحقيقة قول منهم، لا على سبيل الاعتقاد، بل على وجه التقية والمصانعة، لذا رد الله عليهم وكذّبهم بقوله:
﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي إنهم ليسوا صادقين في الاعتذار، فهم يتصنعون ذلك بظواهر ألسنتهم، أما في أعماق قلوبهم فهم يعتقدون أن محمدا ﷺ وصحبه سينهزمون، ويخافون من مقاتلة قريش وثقيف
стр. 7733
وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، بدليل قوله تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾.
﴿قُلْ: فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً، بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي قل أيها النبي لهم: فمن يمنعكم مما أراده الله بكم من خير أو شر؟ أي لا يقدر أحد أن يرد ما أراده الله فيكم، وإن صانعتمونا ونافقتمونا، سواء بإنزال ما يضركم من ضياع الأموال وهلاك الأهل، أو بتحقيق النفع لكم من نصر وغنيمة.
بل في الحقيقة، إن تخلفكم ليس لما زعمتم، فإن الله خبير بجميع ما تعملونه من الأعمال، وقد علم أن تخلفكم لم يكن للانشغال بالمال والأهل، بل للشك والنفاق والخذلان وسوء الاعتقاد والخوف من قريش وأعوانهم وما خطر لكم من الظنون الفاسدة، الناشئة عن عدم الثقة بالله تعالى، ثم افتضح شأنهم، فقال تعالى:
﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً، وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ، وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ، وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ أي لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص، بل تخلف نفاق، وقد اعتقدتم أن العدو يقتل ويستأصل المؤمنين نهائيا، فلا يرجع أحد منهم إلى أهله إلى الأبد، وزين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم، فقبلتموه، وظننتم أن الله سبحانه لا ينصر رسوله ﷺ ، وكنتم قوما هالكين عند الله تعالى، وصرتم بما فعلتم لا تصلحون لشيء من الخير، تستحقون شديد العقاب.
ثم أخبر الله تعالى عن عقاب الكفار، فقال:
﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً﴾ أي من لم يصدّق بالله تعالى ورسوله ﷺ ، ولم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله، كما
стр. 7734
صنع هؤلاء المخلفون، فجزاؤهم ما أعده الله لهم من عذاب السعير والنار الشديدة الالتهاب جزاء الكفر.
ثم أبان تعالى مدى قدرته الشاملة لكل شيء، فقال:
﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ، وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي لله سلطة التصرف المطلق في أهل السموات والأرض، يتصرف فيهم كيف يشاء، لا رادّ لحكمه، ولا معقب لقضائه، ولا يحتاج إلى أحد من خلقه.
يغفر لمن يشاء أن يغفر له ذنوبه، ويعذب بالنار من يريد أن يعذبه على كفره ومعصيته، والله ما يزال غفورا لذنوب عباده التائبين، رحيما يرحم جميع خلقه، ويخص بمغفرته ورحمته من يشاء من عباده.
وفي هذا حث عام على الإصلاح، وترغيب لهؤلاء المتخلفين وأمثالهم من المقصرين بالتوبة والإنابة والرجوع إلى أمر الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ ، وفي الآية أيضا بيان واضح أنه تعالى يغفر للمبايعين بمشيئته، ويعذب الآخرين بمشيئته، وغفرانه ورحمته أعم وأشمل، وأتم وأكمل، وأن عظيم الملك يكون أجره في غاية السعة، وعذابه وعقوبته في غاية النكال والألم.
طلب المشاركة في وقعة خيبر:
ثم أوضح الله تعالى كذب المتخلفين في ادعائهم الانشغال بالمال والأهل، بدليل طلبهم السير مع النبي ﷺ إلى خيبر، لما توقعوا من مغانم يأخذونها، فقال:
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها: ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ أي سيقول هؤلاء الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في عمرة الحديبية، إذا انطلقتم أيها المسلمون إلى مغانم خيبر لتأخذوها وتحوزوها: اتركونا نتبعكم في
стр. 7735
السير، ونشهد معكم غزو خيبر، لأنهم علموا أن الله وعد المسلمين فتح خيبر وتخصيص من شهد الحديبية بغنائمها.
والخلاصة: أنه لو كان اعتذارهم بالانشغال صحيحا، لما طلبوا السير مع النبي ﷺ إلى خيبر.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ أي يريدون تبديل وعود الله لأهل الحديبية بتخصيصهم بمغانم خيبر، فقد أمر الله رسوله ألا يسير معه إلى خيبر أحد من غير أهل الحديبية، ووعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم، لا يشاركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعا ولا قدرا.
ثم صدر قرار المنع صراحة، فقال تعالى:
﴿قُلْ: لَنْ تَتَّبِعُونا، كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي قل لهم أيها الرسول صراحة: لن تسيروا معنا في خيبر، وهكذا أخبرنا الله تعالى من قبل رجوعنا من الحديبية ووصولنا إلى المدينة: أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة، ليس لغيرهم فيها نصيب. والخلاصة: وعد الله أهل الحديبية قبل سؤالكم الخروج معهم.
وهذا نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ، فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ، فَقُلْ: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً، وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا، إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ؟؟ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ [التوبة ٨٣/ ٩] (١).
ثم أخبر الله تعالى عن ردهم على ذلك بقوله:
﴿فَسَيَقُولُونَ: بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أي فسيقول المخلفون عند سماع هذا القول:
стр. 7736
بل إنكم تحسدوننا في المشاركة في الغنيمة، والحسد لا غيره هو الذي يمنعكم من الإذن لنا في الخروج معكم.
فأجابهم الله تعالى بقوله:
﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي ليس الأمر كما زعموا أمر حسد منكم على أخذهم شيئا من الغنيمة، بل لأنهم لا يفهمون إلا فهما قليلا، والمراد:
لا يفهمون شيئا من أمور الدين وهو جعل القتال لله تعالى، وإصلاح النية له، وصدق الإيمان به، وإن كانوا يعلمون ويفهمون أمور الدنيا.
وهذا دليل على أن محاولتهم نقض حكم الله تعالى، واتهام المؤمنين بالحسد صادر عن جهل وقلة تدبر ووعي، وإنهم قوم ماديون لا يعرفون إلا الدنيا.
وقد دعوتهم إلى القتال باستثناء أصحاب الأعذار إن كانوا صادقين في طلب المشاركة مع المؤمنين.
ثم أبان الله تعالى أن ميدان القتال متسع ما يزال مفتوحا إن أرادوا إثبات إخلاصهم مع النبي ﷺ والذين آمنوا، فقال:
﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ أي قل أيها النبي لهؤلاء المخلفين من الأعراب إن أرادوا الانتماء إلى الصف الإسلامي بحق وصدق: ستندبون إلى قتال قوم أولي شدة وصلابة ونجدة، تخيرونهم بين أحد أمرين: إما المقاتلة أو الإسلام لا ثالث لهما، وهذا حكم الكفار الذين لا عهد بينهم وبين المسلمين بعقد الجزية ونحوها، ويشمل مشركي العرب والمرتدين وغير العرب.
أما المفسرون فذكروا أربعة أقوال في تعيين أولئك القوم وهي:
أ-هوازن وغطفان يوم حنين، وكان قتالهم بعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة.
стр. 7737
ب-ثقيف.
ج -بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة، وكان قتالهم بعد ذلك أيام أبي بكر الصديق ﵁. وأكثر المفسرين على أن القوم هم بنو حنيفة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر، لأنه تعالى قال: ﴿تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية عند أبي حنيفة. وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس دون مشركي العجم والعرب.
د-أهل فارس والروم وأهل الأوثان.
قال ابن جرير: إنه لم يقم دليل من نقل ولا من عقل على تعيين هؤلاء القوم، فلندع الأمر على إجماله دون حاجة إلى التعيين.
ثم وعدهم الله تعالى بالثواب إن أطاعوا، وأوعدهم بالعذاب إن عصوا، فقال:
﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ، يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ أي فإن تستجيبوا، وتنفروا في الجهاد، وتؤدوا ما عليكم، يعطكم الله ثوابا حسنا، وهو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة.
وإن تعرضوا كما أعرضتم من قبل زمن الحديبية، حيث دعيتم فتخلفتم، يعذبكم عذابا شديدا مؤلما بالقتل والأسر والقهر في الدنيا، وبعذاب النار في الآخرة، لعظم جرمكم.
ثم استثنى الله تعالى أصحاب الأعذار من فرضية الجهاد ومن الوعيد على التخلف، فقال:
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أي ليس على هؤلاء المعذورين بهذه الأعذار وهي العمى والعرج المستمر
стр. 7738
والمرض المزمن، أو الطارئ أياما حتى يبرأ إثم وذنب في التخلف عن الجهاد، لعدم استطاعتهم. وقدم الأعمى على الأعرج، لأن عذره دائم مستمر.
قال مقاتل: هم أهل الزمانة الذين تخلفوا عن الحديبية، وقد عذرهم.
ثم رغّب في الجهاد وطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ ، فقال:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً﴾ أي يطع الله تعالى ورسوله ﷺ بإخلاص، فيجاهد مع المؤمنين لإعلاء كلمة الله تعالى والدفاع عن دينه، يدخله الله في الآخرة جنات تجري من تحت قصورها الأنهار تتدفق عذوبة وتتلألأ بياضا، ومن يعرض عن الطاعة، ويعص الله تعالى ورسوله ﷺ ، فيتخلف عن القتال، يعذبه الله عذابا شديد الألم، في الدنيا بالمذلة، وفي الآخرة بالنار.
وبالرغم من أن طاعة كل واحد من الله والرسول طاعة الآخر، فإنه جمع بينهما بيانا لطاعة الله غير المرئي وغير المسموع كلامه، فقال: طاعته في طاعة رسوله ﷺ ، وكلامه سبحانه يسمع من رسوله ﷺ .
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات الإخبار عن أحوال ثلاث للمتخلفين:
الحال الأولى-اعتذارهم بالأموال والأهل: وهذا يدل على الأمور التالية:
١ - إن اعتذار جماعة من الأعراب كانوا حول المدينة كان بعذر سطحي واه هو الانشغال بالأموال والأهل، أي ليس لهم من يقوم بهم، بعد أن استنفرهم النبي ﷺ ليخرجوا معه حذرا من قريش، وأحرم بعمرة وساق معه الهدي (شاة ونحوها) ليعلم الناس أنه لا يريد حربا، فتثاقلوا عنه واعتلوا بالشغل، فنزلت الآية في شأنهم، وسموا بالمخلّفين أي المتروكين.
стр. 7739
وأحسوا بضعف موقفهم، فقالوا لرسول الله ﷺ : ﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ يعني فنحن مع إقامة العذر معترفون بالإساءة، فاستغفر لنا واعف عنا في أمر الخروج.
وهذا إن قبل مع الناس فلا يقبل مع الله تعالى المطلع على حقائق الأمور، لذا دل هذا الموقف على قصور النظر، فضلا عن سوء الاعتقاد والجهل.
٢ - لقد فضحهم الله تعالى أيضا، وكذبهم بأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وهذا هو النفاق المحض، فهم قوم منافقون، ينطبق عليهم العذاب المذكور في الآية السابقة: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ.﴾. [٦].
٣ - وردّ الله تعالى عليهم أيضا حين ظنوا أن التخلف عن الرسول ﷺ يدفع عنهم الضّر، ويعجل لهم النفع. والضّر: اسم لما ينال الإنسان من الهزال وسوء الحال. والنفع: ضد الضر.
ومضمون الرد بإيجاز: لن يستطيع أحد دفع ما أراده الله في عباده من خير أو شر.
٤ - وزيّف الله تعالى مدّعاهم، وافتضح شأنهم، وأبان سوء ظنهم حين قالوا: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس (١) لا يرجعون، وزعموا أن الرسول والمؤمنين سيقتلون ويستأصلون، ولن يعودوا إلى أهليهم أبدا، لأنهم قالوا: أهل مكة يقاتلون عن باب المدينة، فكيف يكون حالهم إذا دخل المسلمون بلادهم، وأحاطوا بهم؟! وزيّن الشيطان النفاق في قلوبهم، وظنوا ظنا سيئا أن الله تعالى لا ينصر رسوله ﷺ ، وبذلك جمعوا بين النفاق وسوء الظن وسوء التقدير.
стр. 7740
لكل هذا أخبر الله تعالى عن حكمه فيهم وهو أنهم قوم بور، أي هلكى فاسدون لا يصلحون لشيء من الخير.
٥ - ثم أوعدهم الله تعالى بعذاب السعير، وأبان أنهم كفروا بالنفاق.
٦ - وأخبر تعالى عن قدرته الفائقة بتصرفه في أهل السموات والأرض، وأنه غني عن عباده، وإنما ابتلاهم بالتكليف بالجهاد وغيره ليثيب من آمن، ويعاقب من كفر وعصى.
الحال الثانية-طلب المسير إلى خيبر: وهذا يشير إلى ما يأتي:
١ - إنهم قوم أغبياء جهلة كذبة: فكيف اعتذروا سابقا بالانشغال بالأموال والأهل، والآن يطلبون المشاركة في السير إلى خيبر؟! ٢ - إنهم قوم ماديون: يفرون من مواطن الخوف والخطر واحتمال القتال، ويحرصون على أخذ غنائم الحرب حينما يحسون بضعف الأعداء وهم يهود خيبر.
٣ - إنهم قوم كفرة: يريدون أن يغيروا كلام الله وحكمه، وقدره ووعده الذي وعد لأهل الحديبية، لأن الله تعالى جعل لهم غنائم خيبر، عوضا عن فتح مكة إذا رجعوا من الحديبية على صلح.
٤ - إنهم جماعة يستحقون النبذ والعزل المدني: لذا حكم الله تعالى بمنعهم من الخروج مع المسلمين إلى خيبر.
٥ - إنهم مرضى القلوب لانطوائها على الحقد والحسد، ومن حقد على الآخرين أو حسدهم ظن أن الآخرين مثله، لذا حاولوا اتهام المسلمين زورا وبهتانا بأنهم يحسدونهم على أخذ شيء من الغنائم. وربما فهموا ذلك من
قول رسول الله ﷺ : «إن خرجتم لم أمنعكم، إلا أنه لا سهم لكم» فقالوا: هذا حسد،