بل إنكم تحسدوننا في المشاركة في الغنيمة، والحسد لا غيره هو الذي يمنعكم من الإذن لنا في الخروج معكم.
فأجابهم الله تعالى بقوله:
﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي ليس الأمر كما زعموا أمر حسد منكم على أخذهم شيئا من الغنيمة، بل لأنهم لا يفهمون إلا فهما قليلا، والمراد:
لا يفهمون شيئا من أمور الدين وهو جعل القتال لله تعالى، وإصلاح النية له، وصدق الإيمان به، وإن كانوا يعلمون ويفهمون أمور الدنيا.
وهذا دليل على أن محاولتهم نقض حكم الله تعالى، واتهام المؤمنين بالحسد صادر عن جهل وقلة تدبر ووعي، وإنهم قوم ماديون لا يعرفون إلا الدنيا.
وقد دعوتهم إلى القتال باستثناء أصحاب الأعذار إن كانوا صادقين في طلب المشاركة مع المؤمنين.
ثم أبان الله تعالى أن ميدان القتال متسع ما يزال مفتوحا إن أرادوا إثبات إخلاصهم مع النبي ﷺ والذين آمنوا، فقال:
﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ أي قل أيها النبي لهؤلاء المخلفين من الأعراب إن أرادوا الانتماء إلى الصف الإسلامي بحق وصدق: ستندبون إلى قتال قوم أولي شدة وصلابة ونجدة، تخيرونهم بين أحد أمرين: إما المقاتلة أو الإسلام لا ثالث لهما، وهذا حكم الكفار الذين لا عهد بينهم وبين المسلمين بعقد الجزية ونحوها، ويشمل مشركي العرب والمرتدين وغير العرب.
أما المفسرون فذكروا أربعة أقوال في تعيين أولئك القوم وهي:
أ-هوازن وغطفان يوم حنين، وكان قتالهم بعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة.
стр. 7737
ب-ثقيف.
ج -بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة، وكان قتالهم بعد ذلك أيام أبي بكر الصديق ﵁. وأكثر المفسرين على أن القوم هم بنو حنيفة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر، لأنه تعالى قال: ﴿تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية عند أبي حنيفة. وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس دون مشركي العجم والعرب.
د-أهل فارس والروم وأهل الأوثان.
قال ابن جرير: إنه لم يقم دليل من نقل ولا من عقل على تعيين هؤلاء القوم، فلندع الأمر على إجماله دون حاجة إلى التعيين.
ثم وعدهم الله تعالى بالثواب إن أطاعوا، وأوعدهم بالعذاب إن عصوا، فقال:
﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ، يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ أي فإن تستجيبوا، وتنفروا في الجهاد، وتؤدوا ما عليكم، يعطكم الله ثوابا حسنا، وهو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة.
وإن تعرضوا كما أعرضتم من قبل زمن الحديبية، حيث دعيتم فتخلفتم، يعذبكم عذابا شديدا مؤلما بالقتل والأسر والقهر في الدنيا، وبعذاب النار في الآخرة، لعظم جرمكم.
ثم استثنى الله تعالى أصحاب الأعذار من فرضية الجهاد ومن الوعيد على التخلف، فقال:
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أي ليس على هؤلاء المعذورين بهذه الأعذار وهي العمى والعرج المستمر
стр. 7738
والمرض المزمن، أو الطارئ أياما حتى يبرأ إثم وذنب في التخلف عن الجهاد، لعدم استطاعتهم. وقدم الأعمى على الأعرج، لأن عذره دائم مستمر.
قال مقاتل: هم أهل الزمانة الذين تخلفوا عن الحديبية، وقد عذرهم.
ثم رغّب في الجهاد وطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ ، فقال:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً﴾ أي يطع الله تعالى ورسوله ﷺ بإخلاص، فيجاهد مع المؤمنين لإعلاء كلمة الله تعالى والدفاع عن دينه، يدخله الله في الآخرة جنات تجري من تحت قصورها الأنهار تتدفق عذوبة وتتلألأ بياضا، ومن يعرض عن الطاعة، ويعص الله تعالى ورسوله ﷺ ، فيتخلف عن القتال، يعذبه الله عذابا شديد الألم، في الدنيا بالمذلة، وفي الآخرة بالنار.
وبالرغم من أن طاعة كل واحد من الله والرسول طاعة الآخر، فإنه جمع بينهما بيانا لطاعة الله غير المرئي وغير المسموع كلامه، فقال: طاعته في طاعة رسوله ﷺ ، وكلامه سبحانه يسمع من رسوله ﷺ .
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات الإخبار عن أحوال ثلاث للمتخلفين:
الحال الأولى-اعتذارهم بالأموال والأهل: وهذا يدل على الأمور التالية:
١ - إن اعتذار جماعة من الأعراب كانوا حول المدينة كان بعذر سطحي واه هو الانشغال بالأموال والأهل، أي ليس لهم من يقوم بهم، بعد أن استنفرهم النبي ﷺ ليخرجوا معه حذرا من قريش، وأحرم بعمرة وساق معه الهدي (شاة ونحوها) ليعلم الناس أنه لا يريد حربا، فتثاقلوا عنه واعتلوا بالشغل، فنزلت الآية في شأنهم، وسموا بالمخلّفين أي المتروكين.
стр. 7739
وأحسوا بضعف موقفهم، فقالوا لرسول الله ﷺ : ﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ يعني فنحن مع إقامة العذر معترفون بالإساءة، فاستغفر لنا واعف عنا في أمر الخروج.
وهذا إن قبل مع الناس فلا يقبل مع الله تعالى المطلع على حقائق الأمور، لذا دل هذا الموقف على قصور النظر، فضلا عن سوء الاعتقاد والجهل.
٢ - لقد فضحهم الله تعالى أيضا، وكذبهم بأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وهذا هو النفاق المحض، فهم قوم منافقون، ينطبق عليهم العذاب المذكور في الآية السابقة: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ.﴾. [٦].
٣ - وردّ الله تعالى عليهم أيضا حين ظنوا أن التخلف عن الرسول ﷺ يدفع عنهم الضّر، ويعجل لهم النفع. والضّر: اسم لما ينال الإنسان من الهزال وسوء الحال. والنفع: ضد الضر.
ومضمون الرد بإيجاز: لن يستطيع أحد دفع ما أراده الله في عباده من خير أو شر.
٤ - وزيّف الله تعالى مدّعاهم، وافتضح شأنهم، وأبان سوء ظنهم حين قالوا: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس (١) لا يرجعون، وزعموا أن الرسول والمؤمنين سيقتلون ويستأصلون، ولن يعودوا إلى أهليهم أبدا، لأنهم قالوا: أهل مكة يقاتلون عن باب المدينة، فكيف يكون حالهم إذا دخل المسلمون بلادهم، وأحاطوا بهم؟! وزيّن الشيطان النفاق في قلوبهم، وظنوا ظنا سيئا أن الله تعالى لا ينصر رسوله ﷺ ، وبذلك جمعوا بين النفاق وسوء الظن وسوء التقدير.
стр. 7740
لكل هذا أخبر الله تعالى عن حكمه فيهم وهو أنهم قوم بور، أي هلكى فاسدون لا يصلحون لشيء من الخير.
٥ - ثم أوعدهم الله تعالى بعذاب السعير، وأبان أنهم كفروا بالنفاق.
٦ - وأخبر تعالى عن قدرته الفائقة بتصرفه في أهل السموات والأرض، وأنه غني عن عباده، وإنما ابتلاهم بالتكليف بالجهاد وغيره ليثيب من آمن، ويعاقب من كفر وعصى.
الحال الثانية-طلب المسير إلى خيبر: وهذا يشير إلى ما يأتي:
١ - إنهم قوم أغبياء جهلة كذبة: فكيف اعتذروا سابقا بالانشغال بالأموال والأهل، والآن يطلبون المشاركة في السير إلى خيبر؟! ٢ - إنهم قوم ماديون: يفرون من مواطن الخوف والخطر واحتمال القتال، ويحرصون على أخذ غنائم الحرب حينما يحسون بضعف الأعداء وهم يهود خيبر.
٣ - إنهم قوم كفرة: يريدون أن يغيروا كلام الله وحكمه، وقدره ووعده الذي وعد لأهل الحديبية، لأن الله تعالى جعل لهم غنائم خيبر، عوضا عن فتح مكة إذا رجعوا من الحديبية على صلح.
٤ - إنهم جماعة يستحقون النبذ والعزل المدني: لذا حكم الله تعالى بمنعهم من الخروج مع المسلمين إلى خيبر.
٥ - إنهم مرضى القلوب لانطوائها على الحقد والحسد، ومن حقد على الآخرين أو حسدهم ظن أن الآخرين مثله، لذا حاولوا اتهام المسلمين زورا وبهتانا بأنهم يحسدونهم على أخذ شيء من الغنائم. وربما فهموا ذلك من
قول رسول الله ﷺ : «إن خرجتم لم أمنعكم، إلا أنه لا سهم لكم» فقالوا: هذا حسد،
стр. 7741
فقال المسلمون: قد أخبرنا الله في الحديبية بما سيقولونه، وهو قوله تعالى:
﴿فَسَيَقُولُونَ: بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾.
٦ - إنهم قوم لا يفهمون: فلا يعلمون من الدين شيئا أو قليلا بسبب ترك القتال، وإن كانوا يعلمون أمور الدنيا.
الحال الثالثة-حقل التجربة بالمعارك القادمة: وهذا يدل على ما يأتي:
١ - أخبر تعالى زيادة في تكذيبهم وافتضاح أمرهم أن ميدان القتال مفتوح، فإن كانوا مسلمين صادقين فليجربوا أنفسهم في ملاقاة أقوام ذوي بأس شديد، ومراس ونجدة.
٢ - فتح الله تعالى باب الأمل أمامهم، وأفادهم بأنهم إن أطاعوا أمر الله تعالى ورسوله ﷺ وجاهدوا بحق يعطهم الغنيمة والنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة، وإن أعرضوا في المستقبل عن الجهاد كما أعرضوا في الماضي عام الحديبية، يعذبهم بعذاب مؤلم موجع وهو عذاب النار.
وقد استدل بعض المفسرين بآية: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ على صحة إمامة أبي بكر وعمر ﵄، لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم.
واستدلوا بآية ﴿تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ على حكم من لا تؤخذ منهم الجزية، وهم مشركو العرب والمرتدون، فالخيار مقيد فيهم بأمرين: إما المقاتلة وإما الإسلام، لا ثالث لهما.
واستدل الفقهاء بآية ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ.﴾. على إعفاء أصحاب الأعذار من فريضة الجهاد، وهم الأعمى والأعرج عرجا دائما، والمريض المزمن أو المريض مرضا مؤقتا يمنع من الخروج من المنزل إلى أن يبرأ. واقتصر النص القرآني
стр. 7742
على الأصناف الثلاثة، لأن العذر إما بسبب اختلال القوة أو إخلال في عضو، فيقاس عليهما ما في معناهما، كالفقر الذي يمنع من إحضار السلاح حال التطوع بالجهاد ودون تقديمه من الدولة، والاشتغال بذوي الحاجة والضعف كطفل ومريض، ونحو ذلك مما يعرف في الفقه. وقد ضبط الفقهاء الأعذار المانعة من الجهاد بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي.
فمن الأول: الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال، والعرج البيّن، وفقد الصبر، وعدم وجدان السلاح وآلات القتال.
ومن الثاني: الرق والدّين الحالّ بلا إذن رب الدين، وعدم إذن أحد الأبوين المسلمين.
ودل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ.﴾. على الحث على الجهاد والترهيب من ترك القتال، فإن من أطاع الله تعالى ورسوله ﷺ وجاهد في سبيل الله، أدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار، ومن أعرض عن المشاركة في الجهاد، عذّبه عذابا شديد الألم، لعظم جرمه، وإساءته للمجتمع الإسلامي.
فإن الجهاد سبيل لدحر العدوان، وطرد المعتدين، والتخلص من أذاهم، وهو طريق العزة والكرامة، وصون الاستقلال، وحماية حرمات البلاد والأوطان، والحفاظ على كيان الأمة، ولو لاه لذابت الأمم، وزالت الأديان والقيم، وانصهرت الجماعات، ولحق الذل والهوان والاستعباد بالشعوب إلى الأبد، أو إلى أن تصحو وتستيقظ من رقادها وسباتها، وتنفض الذل عن هاماتها.
لذا جعله الله فريضة على المؤمنين، وإن كان مكروها على النفس، ليعلم الصادق في إيمانه، الصابر على تحمل مشاق التكاليف، واختبار أعمال الناس حسنات أو سيئات، فيجازيهم بها.
стр. 7743
وهو ذروة سنام الإسلام، وسبيل إلى جنان الخلد، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وهم في درجة الأنبياء والصدّيقين، وحسن أولئك رفيقا.
جزاء أهل بيعة الرضوان
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩)﴾
البلاغة:
﴿إِذْ يُبايِعُونَكَ﴾ التعبير بصيغة المضارع المفيد للحال عن الماضي لاستحضار صورة المبايعة.
المفردات اللغوية:
﴿رَضِيَ﴾ الرضى: ما يقابل السخط ﴿عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أهل الحديبية، ورضي الله عنهم لمبايعتهم رسول الله ﷺ ، وكان عددهم على الأصح ألفا وأربع مائة ﴿إِذْ يُبايِعُونَكَ﴾ يبايعون الرسول ﷺ على أن يقاتلوا قريشا، ولا يفرّون منهم، ولا يخشون الموت ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ هي سمرة (وهي شجرة الطلح أو السنط) ﴿وَأَثابَهُمْ﴾ كافأهم على عملهم.
﴿فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ علم الله ما في قلوبهم من الصدق والوفاء وإخلاص البيعة ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ الطمأنينة والأمن وسكون النفس بالتشجيع أو الصلح ﴿وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ جازاهم على بيعة الرضوان بفتح خيبر، بعد انصرافهم من الحديبية.
﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً﴾ أي وأثابهم أيضا مغانم خيبر يأخذونها، وكانت خيبر ذات بساتين نخيل ومزارع، قسمها رسول الله ﷺ بين أهل الحديبية المقاتلة، فأعطى الفارس سهمين، والراجل سهما ﴿عَزِيزاً حَكِيماً﴾ أي كان الله وما يزال غالبا قويا، مراعيا مقتضى الحكمة في تدبير خلقه.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال:
стр. 7744
«بينا نحن قائلون (١)، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ ، يا أيها الناس، البيعة البيعة، نزل روح القدس، فسرنا إلى رسول الله ﷺ ، وهو تحت شجرة سمرة، فبايعناه، فأنزل الله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.
فبايع لعثمان بإحدى يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئا لك لابن عفان، يطوف بالبيت ونحن هنا،
فقال رسول الله ﷺ : «لو مكث كذا وكذا سنة، ما طاف حتى أطوف».
وروي أنه ﷺ لما نزل الحديبية بعث حراش بن أمية الخزاعي إلى أهل مكة، فهمّوا به، فمنعه الأحابيش، فرجع، فبعث عثمان بن عفان ﵁، فحبسوه، فأرجف بقتله، فدعا رسول الله ﷺ أصحابه، وكانوا ألفا وثلث مائة أو أربع مائة أو خمس مائة، وبايعهم على أن يقاتلوا قريشا ولا يفرّوا منهم، وكان جالسا تحت سمرة أو سدرة.
وأخرج الشيخان عن يزيد بن عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع: «على أي شيء بايعتم رسول الله؟ قال: على الموت».
وأخرج مسلم عن معقل بن يسار قال: «لقد رأيتني يوم الشجرة-التي كانت تحتها بيعة الرضوان بالحديبية-والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفرّ».
ووفّق العلماء بين الروايتين، فجماعة كانت مع سلمة، وجماعة مع معقل.
وأرى أن الغاية من الحديثين واحدة هي الثبات في مواجهة قريش، لذا قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله ﷺ تحت الشجرة على الموت، وعلى ألا
стр. 7745
نفرّ، فما نكث أحد منا البيعة إلا جدّ بن قيس، وكان منافقا اختبأ تحت إبط ناقته، ولم يثر مع القوم. ويلاحظ أن جابر جمع بين الروايتين.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن جابر أن النبي ﷺ قال:
«لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة».
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى حال المخلفين عام الحديبية، عاد إلى بيان حال الذين بايعوا تحت الشجرة، وذكروا فيما تقدم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ.﴾. فأبان جزاءهم في الدنيا والآخرة، وهو الظفر بغنائم كثيرة من خيبر، وأخبر الله عن رضاه عن أهل تلك البيعة في الآخرة، لصدق إيمانهم، وإخلاصهم في بيعتهم، وإنزال السكينة (الطمأنينة) عليهم وتثبيت قلوبهم وأقدامهم. والخلاصة: لما ذكر تعالى حال من تخلف عن السفر مع الرسول ﷺ ذكر حال المؤمنين الخلّص الذين سافروا معه. والآية دالة على رضى الله تعالى عنهم، ولذا سميت بيعة الرضوان.
التفسير والبيان:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ أي تالله لقد رضي الله عن المؤمنين المخلصين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة بيعة الرضوان، بالحديبية، على أن يقاتلوا قريشا ولا يفروا، وروي أنه بايعهم على الموت، وكان عددهم في الأصح ألفا وأربع مائة. وسميت بيعة الرضوان، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ.﴾ ..
روى البخاري أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: انطلقت حاجا، فمررت بقوم يصلّون، فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة
стр. 7746
حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب، فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال:
فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها، وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم!! وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن نافع قال: بلغ عمر أن أناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، فأمر بها، فقطعت.
﴿فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ أي فعلم الله ما في قلوبهم من الإيمان والصدق، والإخلاص والوفاء، والسمع والطاعة، فأنزل الطمأنينة وسكون النفس عليهم، وجازاهم فتح خيبر بعد انصرافهم من الحديبية، ثم أتبعه بفتح مكة وفتح سائر البلاد والأقاليم.
وفاء ﴿فَعَلِمَ﴾ للتعقيب، والفعل متعلق بقوله: ﴿إِذْ يُبايِعُونَكَ.﴾.
وبما أن العلم بما في القلوب قبل الرضى، فيكون المراد كما يقول القائل: فرحت أمس إذ كلّمت زيدا، فقام إلي، أو إذ دخلت عليه فأكرمني، فيكون الفرح بعد الإكرام ترتيبا في المعنى، والآية كذلك إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب، بل عند المبايعة التي كان معها علم الله بصدقهم. وفاء ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ.﴾. للتعقيب الواقعي، فإنه تعالى رضي عنهم، فأنزل السكينة عليهم.
﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها، وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ أي: وأثابهم أيضا مغانم كثيرة، وهي غنائم خيبر، وكان توزيع الغنائم تعويضا لهم عما تأملوه من غنائم أهل مكة، ومخصصا بأهل بيعة الرضوان.
وكان الله وما يزال غالبا كامل القدرة، مدبرا أمور خلقه على وفق الحكمة والسداد، وقد حقق لأهل بيعة الرضوان العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة.
стр. 7747
فقه الحياة أو الأحكام:
جازى الله تعالى أهل بيعة الرضوان بجزاءين: مادي ومعنوي، أما المعنوي: فهو إسباغ الرضى الإلهي عليهم، وإنزال السكينة والطمأنينة على قلوبهم، بسبب ما عمله في نفوسهم من الصدق والوفاء، والسمع والطاعة.
وأما الجزاء المادي: فهو فتح خيبر أو فتح مكة، وغنائم خيبر وأموالها، فقسمها عليهم، وكانت خيبر ذات عقار وأموال، وكانت بين الحديبية ومكة، أو غنائم فارس والروم.
مغانم وفتوحات ونعم كثيرة أخرى للمؤمنين
﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤)﴾
الإعراب:
﴿وَلِتَكُونَ﴾ أي المعجلة، وهو عطف على مقدر، أي لتشكروه.
﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ ﴿أُخْرى﴾: في موضع نصب بالعطف على ﴿مَغانِمَ﴾ وتقديره: وعدكم ملك مغانم كثيرة وملك أخرى، لأن المفعول الثاني وهو: ﴿مَغانِمَ﴾ لا يكون إلا
стр. 7748
منصوبا، لأن الأعيان لا يقع الوعد عليها، إنما يقع على تملكها وحيازتها. ويصح أن تكون مبتدأ، و ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾: صفة لها، وجاز الابتداء بها لكونها موصوفة، و ﴿قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها﴾:
خبر المبتدأ.
﴿سُنَّةَ اللهِ﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، أي سن الله ذلك سنة.
البلاغة:
﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ﴾ كناية عن الهزيمة، لأن المنهزم يدير ظهره للعدو عند الهرب.
المفردات اللغوية:
﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً﴾ هي ما وعد به المؤمنون إلى يوم القيامة إثر الفتوحات ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ أي غنائم خيبر ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ أيدي قريش بالصلح، وأيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان، وأيدي اليهود عن المدينة إذ همّوا بعيالكم، بعد خروج الرسول ﷺ منها إلى الحديبية، بأن قذف في قلوبهم الرعب ﴿وَلِتَكُونَ﴾ أي الغنائم المعجلة ﴿آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي أمارة للمؤمنين في نصرهم يعرفون بها صدق الرسول ﷺ في وعدهم فتح خيبر والمغانم وغير ذلك، وحراسة الله لهم في غيبتهم ومشهدهم، وحفظ كيان المؤمنين الآتين بعدهم ما داموا على الاستقامة ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ يوفقكم ويرشدكم إلى الثقة بفضل الله والتوكل عليه في كل الأمور.
﴿وَأُخْرى﴾ أي ومغانم أخرى هي مغانم فارس والروم ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ الآن، لما تتطلب من الإعداد الأقوى ﴿قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها﴾ علم أنها ستكون لكم، وقد أعدها لكم وغنمكوها وأظهركم عليها ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ أي ولم يزل متصفا بذلك، لأن قدرته ذاتية لا تختص بشيء دون شيء.
﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالحديبية ﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ﴾ لهربوا وانهزموا ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ حارسا حاميا يحرسهم ﴿وَلا نَصِيراً﴾ معينا ينصرهم. ﴿سُنَّةَ اللهِ﴾ حكم الله وقانونه القديم فيمن مضى من الأمم غلبة أنبيائه، ونصر المؤمنين، وهزيمة الكافرين، كما قال: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨] أي سنّ الله ذلك سنة ثابتة دائمة ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ تغييرا.
﴿كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ أيدي كفار مكة ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ في داخل مكة بالحديبية ﴿أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أظهركم عليهم وجعلكم متغلبين عليهم، فإن ثمانين منهم طافوا بعسكركم ليصيبوا منكم، فأخذوا وأتي بهم إلى رسول الله ﷺ ، فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم، فكان ذلك سبب الصلح ﴿وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ أي ولم يزل مطلعا على جميع الأمور.
стр. 7749
سبب النزول:
نزول الآية (٢٤):
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ.﴾.: أخرج مسلم والترمذي والنسائي عن أنس قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلا في السلاح من جبل التنعيم (١)، يريدون غرّة (٢) رسول الله ﷺ ، فأخذوا، فأعتقهم، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية.
وأخرج مسلم ونحوه من حديث سلمة بن الأكوع، وكذا أحمد والنسائي نحوه من حديث عبد الله بن مغفل المزني، وابن إسحاق نحوه من حديث ابن عباس.
وحديث أحمد عن عبد الله بن مغفل المزني ﵄ هو: قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله ﷺ ، وكان علي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله ﷺ لعلي ﵁: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فأخذ سهيل بيده وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف، قال: اكتب باسمك اللهم.
وكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ﷺ أهل مكة، فأمسك سهيل بن عمرو بيده، وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما نعرف، فقال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله.
فبينا نحن كذلك، إذ خرج علينا ثلاثون شابّا، عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله ﷺ ، فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم
стр. 7750
فأخذناهم، فقال رسول الله ﷺ : هل جئتم في عهد أحد؟ وهل جعل لكم أحد أمانا؟ فقالوا: لا، فخلّى سبيلهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ، بِبَطْنِ مَكَّةَ، مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن وعد الله تعالى أهل الحديبية بمغانم خيبر، أردفه بذكر نعم كثيرة أخرى:
أولها-أنّ ما أتاهم من الفتح والمغانم ليس هو كل الثواب، بل وعدهم مغانم كثيرة من غير تعيين، وكل ما غنموه كان منها، والله كان عالما بها.
وثانيها-وعدهم بغنائم هوازن وفارس والروم وغيرها من البلاد التي ستفتح.
وثالثها-الوعد بنصر المؤمنين وخذلان الكافرين، وتلك سنّة الله القديمة.
ورابعها-امتنان الله على عباده المؤمنين بكفّ أيدي المشركين عنهم في الحديبية.
التفسير والبيان:
﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها، فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ، وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ أي وعدكم الله أيها المؤمنون مغانم كثيرة من المشركين والكفار على ممرّ الدهر إلى يوم القيامة، ولكن عجّل لكم غنائم خيبر، وكفّ أيدي قريش عنكم يوم الحديبية بالصلح، وأيدي اليهود أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان عن قتالكم، وقذف في قلوبهم الرعب، فلم ينلكم سوء مما أضمره أعداؤكم لكم من المحاربة والقتال.
стр. 7751
كل ذلك لتشكروه، ولتكون تلك النعم علامة للمؤمنين يعلمون بها صدق رسول الله ﷺ في جميع ما يعدهم به، وأن الله حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء، مع قلة العدد، وليزيدكم بتلك الآية أو العلامة هدى، أو يثبّتكم على الهداية إلى طريق الحقّ، والانقياد لأمر الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ .
- ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها، وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ أي وعدكم الله غنائم أخرى وفتوحات أخرى غير صلح الحديبية وفتح خيبر، لم تكونوا تقدرون عليها في حالتكم الراهنة، قد أحاط الله بها علما أنها ستصير أو ستكون لكم، وتفتحونها وتأخذونها، مثل غنائم هوازن في غزوة حنين، وفتوحات فارس والروم، وكان الله وما يزال على كل شيء قديرا مقتدرا، لا يعجزه شيء.
- ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ، ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ أي لو بادركم بالقتال كفار قريش بالحديبية، لنصر الله تعالى رسوله ﷺ وعباده المؤمنين عليهم، ولا نهزم جيش الكفر فارّا هاربا، ثم لا يجدون حارسا وحاميا يحرسهم ويواليهم على قتالكم، ولا ناصرا معينا ينصرهم عليكم.
﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ أي تلك سنّة الله القديمة وعادته في خلقه بنصر جيش الإيمان على جيش الكفر، ورفع الحق ووضع الباطل، وغلبة أوليائه على أعدائه، بالرغم من عدم تكافؤ القوى، مثل نصر الله يوم بدر أولياءه، على أعدائه من المشركين، وتلك السّنة مستمرة ثابتة، لا تغيير لها.
- ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ، مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ، وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ أي والله هو الذي
стр. 7752
كفّ أيدي المشركين عن المسلمين، وأيدي المسلمين عن المشركين، لما جاؤوا يصدّون رسول الله ﷺ ومن معه عن البيت الحرام عام الحديبية، في داخل مكة وحدودها، فإن ثمانين رجلا من أهل مكة-كما تقدّم في سبب النزول-هبطوا على النّبي ﷺ من قبل جبل التنعيم، متسلحين، يريدون غرّة النّبي ﷺ ، فأخذهم المسلمون، ثم تركوهم. وهذا امتنان من الله تعالى على عباده المؤمنين بكفّ المشركين عنهم، وكفّ المسلمين عن الكفار.
وكان الله وما يزال بصيرا بأعمال عباده المؤمنين والمشركين، لا يخفى عليه من ذلك شيء. وعلى هذا، ليس المراد من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ فتح مكة، فالصحيح أن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل فتح مكة، وأن مكة فتحت عنوة، وإنما المراد: ما بعد الأسر لم يحدث قتل.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات البيّنات إلى ما يأتي:
١ - وعد الله تعالى المؤمنين الصادقين مغانم الأعداء إلى يوم القيامة، ومغانم خيبر المعجلة جزء منها.
٢ - إتماما للمنّة والفضل الإلهي، منع الله تعالى عباده المؤمنين وحماهم من أذى وحرب أهل مكة، وكفّهم عنهم بالصلح، كما كفّ أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج النّبي ﷺ إلى الحديبية وخيبر، وأيدي اليهود وحلفائهم من أسد وغطفان عن قتال المسلمين في خيبر. وكان قد جاء عيينة بن حصن وعوف بن مالك النّضري ومن كان معهما لينصروا أهل خيبر، والمسلمون محاصرون لهم، فألقى الله في قلوبهم الرعب، وكفّهم عن المسلمين، وزاد الله هؤلاء هدى، وثبّتهم على الهداية.
стр. 7753
٣ - وعد الله عباده المؤمنين مغانم وفتوحات أخرى إلى يوم القيامة، منها غنائم هوازن، وغنائم فارس والروم، وذلك قبل حدوثها، ولم يكونوا يرجونها، حتى أخبرهم الله بها. وهو إخبار بالمغيبات دالّ على إعجاز القرآن، وأنه من عند الله تعالى، وأن الرسول ﷺ صادق في نبوته.
٤ - ومن أفضاله تعالى على المؤمنين أنه كفّ عنهم شرّ أعدائهم، فإنه سواء قاتلت غطفان وأسد والذين أرادوا نصرة أهل خيبر، أم لم يقاتلوا، لا ينصرون، والغلبة واقعة للمسلمين، وذلك أمر إلهي محكوم به مختوم، ولن يجد الكفار مواليا ينفعهم باللطف، ولا ناصرا يدفع بالعنف، وليس للذين كفروا شيء من ذلك، وطريقة الله وعادته السالفة نصر أوليائه على أعدائه، وهي سنّة ثابتة مستمرة لا تقبل التغير.
٥ - وتأكيدا لنصر المؤمنين وطّد الله تعالى دعائم الصلح والسلم قبل اللقاء وبعده، ومنع حدوث القتال بين المسلمين والكفار، حتى ولو قاتل الكفار، فإنهم سينهزمون ويولّون الدّبر، وحتى بعد ظفر المسلمين بهم، فإنه تعالى كفّ أيدي المؤمنين عنهم. وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أي من بعد ما أخذتموهم أسارى، وتمكنتم منهم لم يقع القتل، فإنه متى ظفر الإنسان بعدوه يبعد انكفافه عنه، مع أن الله كفّ اليدين.
وكفّ أيدي المؤمنين عن الكفار: هو إطلاقهم من الأسر، وسلامتهم من القتل.
стр. 7754
ذمّ المشركين وحكمة المصالحة يوم الحديبية
﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦)﴾
الإعراب:
﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ ﴿الْهَدْيَ﴾: منصوب بالعطف على الكاف والميم في ﴿صَدُّوكُمْ﴾. و ﴿مَعْكُوفاً﴾ حال، و ﴿أَنْ يَبْلُغَ﴾ في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: عن أن يبلغ محله، أو بدل اشتمال.
﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ﴾ ﴿رِجالٌ﴾: مبتدأ مرفوع، ﴿وَنِساءٌ﴾: معطوف عليهم، وخبر المبتدأ محذوف، ولا يجوز إظهار خبر المبتدأ إذا وقع بعد ﴿لَوْلا﴾ لطول الكلام بجوابها.
﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ في موضع رفع، لأنه صفة ل ﴿رِجالٌ﴾، ﴿وَنِساءٌ﴾.
و ﴿أَنْ تَطَؤُهُمْ﴾ أي تقتلوهم، وفي موضع ﴿أَنْ﴾ وجهان: الرفع على البدل بدل اشتمال من ﴿رِجالٌ﴾، أي ولولا وطؤكم رجالا مؤمنين لم تعلموهم، أو النصب على البدل بدل اشتمال من الهاء والميم في ﴿تَعْلَمُوهُمْ﴾ أي ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموا وطأهم.
وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف أغنى عنه جواب ﴿لَوْ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. واللام في ﴿لِيُدْخِلَ اللهُ﴾ متعلق بمحذوف، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾
стр. 7755
ولا تتعلق ب ﴿كَفَّ﴾ هذه لأنها صلة ﴿الَّذِي﴾، ووقع فصل طويل في الكلام بين ﴿كَفَّ﴾ واللام، ولا يجوز الفصل بينهما.
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿إِذْ﴾: متعلق ب «عذبنا».
﴿حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ﴾ بدل من ﴿الْحَمِيَّةَ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿وَصَدُّوكُمْ﴾ منعوكم عن الوصول إليه. ﴿وَالْهَدْيَ﴾ أي وصدّوا الهدي: وهو ما يهدى إلى مكة، أو ما يقدّم قربانا لله تعالى إلى الحرم ويذبح فيه، حين زيارة البيت الحرام في الحج أو العمرة، وهو سنّة. ﴿مَعْكُوفاً﴾ محبوسا عن الوصول للحرم. ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أن يصل مكانه الذي ينحر فيه عادة، وهو منى أو الحرم المكي. وليس المراد مكانه الذي يحل فيه نحره، وإنما المراد مكانه المعهود، وهو منى، وإلا لما نحره الرسول ﷺ حيث أحصر، قال البيضاوي:
فلا ينتهض حجة للحنفية على أن مذبح هدي المحصر، هو الحرم.
﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ موجودون بمكة مع الكفار. ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين. ﴿أَنْ تَطَؤُهُمْ﴾ مأخوذ من الوط ء: الدوس، والمراد به هنا الإهلاك،
جاء في الحديث: «اللهم اشدد ووطأتك على مضرّ» أي أن تبيدوهم مع الكفار لو أذن لكم في الفتح. ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ﴾ من جهتهم. ﴿مَعَرَّةٌ﴾ مكروه ومشقّة، وإثم بالتقصير في البحث عنهم، والمكروه كوجوب الدّية والكفارة بقتلهم، والتأسف عليهم، وتعيير الكفار بذلك. مأخوذ من عرّه: إذا عراه ودهاه ما يكرهه. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ منكم، متعلق ب ﴿أَنْ تَطَؤُهُمْ﴾ غير عالمين بهم. وضمائر الغيبة للصنفين بتغليب الذكور. وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف، لدلالة الكلام عليه، تقديره: لأذن لكم في الفتح أو لما كفّ أيديكم عنهم. والمعنى: لولا كراهة أن تبيدوا أناسا مؤمنين بين الكفار، جاهلين بهم، فيصيبكم بإهلاكهم أو إبادتهم مكروه، لما كفّ أيديكم عنهم.
﴿لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ علة لكف أيدي أهل مكة، صونا للمؤمنين، أي كان ذلك ليدخل الله في توفيقه لزيادة الخير، أو الإسلام. ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ من المؤمنين أو المشركين.
﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ تميّزوا عن الكفار أو تفرّقوا عنهم. ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ أي لعذّبنا الكافرين من أهل مكة حينئذ بالقتل والسّبي. ﴿عَذاباً أَلِيماً﴾ مؤلما شديد الألم.
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي اذكر حين ذاك، أو ظرف ﴿لَعَذَّبْنَا﴾، أو ﴿صَدُّوكُمْ﴾.
﴿الْحَمِيَّةَ﴾ الأنفة من الشيء. ﴿حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ﴾ التي تمنع إذعان الحق، وهي صدّهم النّبي وأصحابه عن المسجد الحرام، فهي حمية في غير موضعها، لا يؤيدها دليل ولا برهان. ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي أنزل عليهم الثبات والوقار، وصالحوا أهل مكة على أن يعودوا من
стр. 7756
قابل، ولم يلحقهم من الحمية ما لحق الكفار، حتى يقاتلوهم. ﴿وَأَلْزَمَهُمْ﴾ أي المؤمنين. ﴿كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ كلمة الشهادة: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»، وقيل: هي بسم الله الرحمن الرحيم، أي اختارها لهم، أو ألزمهم الثبات والوفاء بالعهد، وإضافة الكلمة إلى التقوى، لأنها سبب التقوى وأساسها. ﴿أَحَقَّ بِها﴾ أولى بالكلمة من الكفار. ﴿وَأَهْلَها﴾ المستأهلين لها، وهو عطف تفسيري لكلمة ﴿أَحَقَّ بِها﴾. ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ أي ولم يزل متّصفا بذلك، فيعلم من هو أهل كل شيء، وييسره له.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٥):
﴿وَلَوْلا رِجالٌ.﴾.: أخرج الطبراني وأبو يعلى عن أبي جمعة جنيد بن سبع (١) قال: قاتلت النّبي ﷺ أول النهار كافرا، وقاتلت معه آخر النهار مسلما، وكنّا ثلاثة رجال وسبع نسوة، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾. وفي رواية ابن أبي حاتم: «كنا ثلاثة رجال، وتسع نسوة، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ.﴾. الآية».
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى امتنانه العظيم على المؤمنين إذ كف عنهم أيدي الكافرين من قريش، وكف أيدي المؤمنين عن الكافرين، وأبرم بينهم ميثاق صلح الحديبية، أبان تعالى أسباب هذا الكفّ المتبادل، وأوضح حكمة المصالحة بقوله: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ حفاظا عليهم، ومن أجل نشر دين الإسلام ودخول الناس فيه، وتبديد آثار الأنفة والحمية الجاهلية التي لا تستند إلى برهان معقول، وإنزال السكينة والطمأنينة والثبات على قلب الرسول ﷺ وأتباعه المؤمنين، وإلزامهم الوفاء بالعهود.
стр. 7757
وقد بيّنت سابقا كيف تمّ الصلح الذي جاء في بعض رواياته: أنه لما همّ رسول الله ﷺ بقتال كفار قريش، بعثوا سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزّى، ومكرز بن حفص، ليسألوه أن يرجع في عامه، على أن تخلي قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام، فأجابهم، وكتبوا بينهم كتابا، على النحو المذكور آنفا.
التفسير والبيان:
﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي إن مشركي العرب من قريش وحلفائهم هم الكفار الجاحدون توحيد الله دون غيرهم، وهم منعوكم أيها المسلمون من الطواف بالبيت الحرام، وأنتم أحقّ به وأنتم أهله، وصدّوا الهدي (ما يهدى إلى الحرم من الأنعام) محبوسا في مكانه عن بلوغ محلّه بغيا وعنادا، وكان الهدي سبعين بدنة (ناقة) ومحلّه: منحره الذي يذبح فيه عادة، وهو حيث يحلّ نحره من الحرم، وهو منى أو الحرم المكي، فرخّص الله سبحانه لهم بجعل ذلك الموضع الذي وصلوا إليه وهو الحديبية مكان الإحصار (المنع من دخول مكة) محلاّ للنحر، وكانوا خارج الحرم.
﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ، فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي ولولا وجود المستضعفين من المؤمنين والمؤمنات بمكة، الذين يكتمون إيمانهم ويخفونه خيفة على أنفسهم من قومهم، لأذنّا لكم بالفتح، ولما كففنا أيديكم عنهم، ولكنّا سلّطناكم عليهم، فقتلتموهم واستأصلتموهم، ولكن يقع بينهم فريسة القتل أقوام من المؤمنين والمؤمنات لم تعرفوهم ولم تعلموا أنهم مؤمنون حالة القتل، فتطؤوهم بالقتل، فتصيبكم من جهتهم مشقة وتأسف، وإثم وكفّارة على القتل الخطأ، لوقوع القتل جهلا بغير علم منكم بهم، وحينئذ يقول المشركون: إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم.
стр. 7758
﴿لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي ولكن كف أيديكم عنهم وحال بينكم وبين قتالهم ليخلص المؤمنين من أسرهم، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام.
﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ أي لو تميز الذين آمنوا من الذين كفروا، وانفصل بعضهم عن بعض بما يسمى اليوم بفك الارتباط، لعذبنا الذين كفروا عذابا مؤلما وهو القتل، بأن نسلطكم عليهم، فتقتلوهم قتلا ذريعا. والخلاصة: لو تزيل المؤمنون من الكفار لعذبهم الله عذابا أليما بقتلهم إياهم.
ثم بيّن الله تعالى ظرف العذاب أو وقته، فقال:
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى، وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ أي لعذبناهم حين جعلوا في قلوبهم أنفة الجاهلية التي لا تذعن للحق ولا تعرف منطقا ولا تعتمد دليلا مقنعا، وهي قولهم: واللات والعزى لا يدخلونها علينا، وإباؤهم كتابة البسملة ووصف محمد ﷺ بأنه رسول الله في مقدمة صلح الحديبية.
فأنزل الله الطمأنينة والثبات والصبر على رسوله وعلى المؤمنين، حيث لم يدخلهم ما دخل أهل الكفر من الحمية، وثبّتهم على الرضا والتسليم، وألزمهم كلمة الشهادة أو التوحيد وهي «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» أو ألزمهم تعظيم الحرم، وترك القتال فيه، ولم يستفزهم صنيع الكفرة، لينتهكوا حرمة الحرم.
وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة وأجدر بها وأهلا لها من دون الكفار، إذ هم أهل الخير والصلاح والعقيدة الصحيحة، على نقيض الكفار ذوي العقيدة الفاسدة.
وكان الله وما يزال عليما بمن يستحق الخير، ممن يستحق الشر.
стр. 7759
روى النسائي عن أبي بن كعب ﵁ أنه كان يقرأ: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ، حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ﴾ ولو حميتم كما حموا، لفسد المسجد الحرام، فبلغ ذلك عمر ﵁، فأغلظ له، فقال-أي أبي-: إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول الله ﷺ ، فيعلمني مما علّمه الله تعالى، فقال عمر ﵁: بل أنت رجل عندك علم وقرآن، فاقرأ وعلّم مما علّمك الله تعالى ورسوله ﷺ .
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - ذمّ الله تعالى قريشا إذ كفروا بتوحيد الله، ومنعوا المؤمنين دخول المسجد الحرام عام الحديبية، حين أحرم النبي ﷺ مع أصحابه بعمرة، ومنعوا الهدي وحبسوه عن أن يبلغ محلّه، ولم يكن هذا من اعتقادهم، ولكنه حملتهم الأنفة، ودعتهم حميّة الجاهلية إلى أن يفعلوا ما لا يعتقدونه دينا، فوبخهم الله على ذلك وتوعدهم عليه، وآنس رسول الله ﷺ ببيانه ووعده.
٢ - إن حرمة المؤمن عند الله عظيمة، فقد كان صلح الحديبية من أجل ثلاثة رجال وسبع أو تسع نسوة حتى لا يقتلوا في زحمة المعركة لو حدث قتال، فيعاب المسلمون، ويقول المشركون: قد قتلوا أهل دينهم، وتلزمهم كفارة القتل الخطأ، لأن الله تعالى إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها، ولم يعلم بإيمانه الكفارة دون الدّية في قوله: ﴿فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء ٩٢/ ٤].
٣ - دل قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ على تفضيل الصحابة، واتصافهم بصفات كريمة من العفة عن المعصية، والعصمة عن التعدّي، حتى لو أنهم أصابوا
стр. 7760
من ذلك أحدا، لكان من غير قصد. وهذا مشابه لوصف النملة جند سليمان ﵇ في قولها: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ١٨/ ٢٧].
٤ - لم يأذن الله للمسلمين في قتال المشركين عام الحديبية ليسلم بعد الصلح الموفّق للإسلام من أهل مكة، وقد أسلم الكثير منهم، وحسن إسلامهم، ودخلوا في رحمة الله، أي جنته.
٥ - لو تميز المؤمنون عن الكفار لعذّب الكفار بالسيف، ولكن الله تعالى يدفع بالمؤمنين عن الكفار.
٦ - آية ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ.﴾. دليل على وجوب مراعاة حرمة المؤمن والامتناع من قتله إذا اختلط بالكفار، إلا لمصلحة ضرورية قطعية كلية، كما في قتل التّرس، أي المسلمين المتترس بهم من قبل العدو، فيتخذهم دريئة تحمي نفوسهم، وحيلة تمكنهم من التقدم.
ومعنى كونها ضرورية: أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس.
ومعنى أنها كلية. أنها قاطعة مفيدة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس، واستولوا على كل الأمة.
ومعنى كونها قطعية: أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعا.
والمصلحة بهذه القيود لا خلاف في اعتبارها، لأن الفرض أن الترس مقتول قطعا، إما بأيدي العدو، فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين، وإما بأيدي المسلمين، فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون.
ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز تعمد المسلمين المتترس بهم بالقتل، وهل تجب الدية والكفارة؟ اختلف العلماء:
стр. 7761
فقال الحنفية: لا دية ولا كفارة.
وقال الشافعية والثوري: تجب الدية والكفارة (١).
٧ - لم يكن منع أهل مكة المشركين من دخول المؤمنين المسجد الحرام لسبب معقول، وإنما بدوافع الأنفة أو الحمية الجاهلية التي لا يؤيدها دليل ولا برهان، دفعتهم عصبيتهم لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى، والأنفة من أن يعبدوا غيرها.
كذلك حملتهم تلك العصبية لوثنية الجاهلية على الامتناع من كتابة «بسم الله الرحمن الرحيم» و «محمد رسول الله» في مقدمة الصلح.
٨ - أما المؤمنون فقد أنزل الله عليهم الطمأنينة والوقار، وثبّتهم على الرضى والصبر والتسليم، ولم يدخل قلوبهم ما أدخل في قلوب أولئك من الحمية والغضب، وألزمهم كلمة «لا إله إلا الله» لأنهم كانوا أحق بها من كفار مكة، لأن الله تعالى اختارهم لدينه وصحبة نبيه.
تصديق رؤيا الرسول ﷺ عام الفتح
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (٢٨)﴾
стр. 7762
الإعراب:
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ..﴾. ﴿الرُّؤْيا﴾ بحذف مضاف أي تأويل الرؤيا، لأن الرؤيا مخايل ترى في النوم، فلا تحتمل صدقا ولا كذبا، وإنما يحتمل الصدق والكذب تأويلها. وبالحق: إما صفة مصدر محذوف أي صدقا ملتبسا بالحق، أو قسم باسم الله أو بنقيض الباطل. و ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ أصله: لتدخلون، إلا أنه لما دخلت نون التوكيد حذفت النون التي هي نون الإعراب، لتوالي الأمثال، والفعل معرب عند الجمهور، ويرى ابن الأنباري أن النون المحذوفة للبناء.
و ﴿آمِنِينَ﴾ ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ ﴿مُقَصِّرِينَ﴾ كلها منصوبات على الحال من الضمير المحذوف في ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ وكذلك قوله: ﴿لا تَخافُونَ﴾ جملة في موضع الحال، وتقديره: غير خائفين.
﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ تقديره: كفاكم الله شهيدا، فحذف مفعولي ﴿كَفى﴾، و ﴿كَفى﴾ يتعدى إلى مفعولين، قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ [البقرة ١٣٧/ ٢].
و ﴿شَهِيداً﴾ منصوب على التمييز، أو الحال.
البلاغة:
﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا﴾ صدّقه في رؤياه ولم يكذبه، فحذف الجار وهو «في» ووصل الفعل، كقوله تعالى: ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الفتح ٢٧/ ٤٨] ﴿بِالْحَقِّ﴾ يرى الزمخشري أنه متعلق ب ﴿صَدَقَ﴾، أي صدقه فيما رأى وفي كونه وحصوله صدقا ملتبسا بالحق، أي بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، ويجوز أن يتعلق ب ﴿الرُّؤْيا﴾ حالا منها، أي صدقه الرؤيا ملتبسا بالحق، على معنى أنها لم تكن أضغاث أحلام، ويجوز أن يكون ﴿بِالْحَقِّ﴾ قسما إما بالحق الذي هو نقيض الباطل، أو بالحق الذي هو من أسماء الله تعالى.
﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ جواب القسم على أن ﴿بِالْحَقِّ﴾ قسم، وعلى الرأي الأول والثاني هو جواب قسم محذوف ﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾ تعليق للوعد (أو للعدة) بالمشيئة، تعليما للعباد ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ محلقا بعضكم جميع شعورهم، ومقصرا آخرون بعض شعورهم ﴿لا تَخافُونَ﴾ أبدا ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ من الحكمة في تأخير ذلك ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ جعل من دون دخول المسجد، أو من دون فتح مكة ﴿فَتْحاً قَرِيباً﴾ هو فتح خيبر، ثم تحققت الرؤيا في العام القابل.
стр. 7763
﴿بِالْهُدى﴾ ملتبسا بالهدى ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ دين الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ليعليه على جنس الدين كله بنسخ ما كان حقا، وإظهار فساد ما كان باطلا، وفيه تأكيد الوعد بالفتح ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ على أن ما وعده كائن، أو على نبوته بإظهار المعجزات.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٧):
﴿لَقَدْ صَدَقَ﴾: أخرج الفريابي وعبد بن حميد والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: أري النبي ﷺ ، وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فلما نحر الهدي بالحديبية قال أصحابه: أين رؤياك يا رسول الله، فنزلت: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا﴾ الآية.
وقال قتادة: كان رسول الله ﷺ رأي في المنام أنه يدخل مكة على هذه الصفة، فلما صالح قريشا بالحديبية، ارتاب المنافقون حتى قال رسول الله ﷺ : إنه يدخل مكة، فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ﴾ فأعلمهم أنهم سيدخلون في غير ذلك العام، وأن رؤياه ﷺ حق.
وقصة الرؤيا: أنه ﷺ رأى في المنام-وهو في المدينة (١) -أن ملكا قال له:
﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿لا تَخافُونَ﴾ فأخبر أصحابه بالرؤيا، ففرحوا وجزموا بأنهم داخلون في عامهم، فلما صدّوا عن البيت، واستقر الأمر على الصلح، قال بعض الضعفة المنافقون: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا البيت.
وقالوا أيضا: أليس كان يعدنا النبي ﷺ أن نأتي البيت، فنطوف به؟ فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟ فقالوا: لا، قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت، فأنزل الله تصديقه.
стр. 7764
وجاء في السيرة: أن عمر بن الخطاب قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: إني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري، قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر: أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال:
بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا؟.
قال: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه (١)، فو الله إنه لعلى الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به؟ قال: بلى، قال: فأخبرك أنه آتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك تأتيه وتطوف به (٢).
التفسير والبيان:
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ، لا تَخافُونَ، فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ أي تالله لقد صدّق الله تعالى تأويل رؤياه التي رآها تصديقا مقترنا بالحق، أنكم ستدخلون المسجد الحرام بمشيئة الله في العام القابل، وليس في هذا العام عام الحديبية، حالة كونكم آمنين من العدو، ومحلقا بعضكم جميع شعره، ومقصرا بعضكم الآخر، وأنكم غير خائفين.
وهذا تأكيد للأمن، فإنه تعالى أثبت لهم الأمن حال الدخول، ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد، لا يخافون من أحد. وكان ذلك في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي ﷺ لما رجع من الحديبية في ذي القعدة إلى
стр. 7765
المدينة، أقام بها ذا الحجة والمحرم، وخرج في صفر إلى خيبر، ففتحها الله عليه بعضها عنوة، وبعضها صلحا.
فلما كان في ذي القعدة من سنة سبع خرج ﷺ معتمرا هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة، وساق معه الهدي، قيل: كان ستين بدنة، فلبّى، وسار أصحابه يلبّون. ثم دخل مكة بالسيوف مغمدة في قربها، كما شارط أهل مكة في صلح الحديبية.
ثم رتب الله تعالى على التصديق وسوء ظن القوم قوله: ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ (١) من الحكمة والمصلحة في تأخير الفتح إلى العام القابل، فجعل من دون ذلك الفتح فتحا آخر قريب الحصول، وهو فتح خيبر.
وقوله: ﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾ لتعليم العباد وإرشادهم إلى تعليق كل أمر بمشيئة الله.
ثم أكّد تعالى صدق الرؤيا بتصديق الرسول ﷺ في كل شيء بقوله:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ أي إن الله هو الذي أرسل رسوله محمدا بالعلم النافع والعمل الصالح، وبما يرشد إلى طريق الهداية الصحيح، ودين الإسلام، ليعليه على كل الأديان، بنسخ سائر الديانات السابقة، وإظهار فساد العقائد الزائفة، وكفى بالله شهيدا على هذا الوعد من إظهار دينه على جميع الأديان، وعلى أن محمدا ﷺ رسوله، وهو ناصره. وفي هذا رد على سهيل بن عمرو الذي أبي أن يكتب في مقدمة صلح الحديبية: «محمد رسول الله» وتسلية لرسول الله ﷺ ،
стр. 7766
وتأكيد لصدق رؤياه ﷺ ، وتبشير بفتح مكة لقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾.
فقه الحياة أو الأحكام
إن رؤيا الأنبياء حق لا شك فيه، ولكن توقيت حدوث مقتضى الرؤيا بعلم الله، لا بعلم البشر، ولم يكن في إخبار النبي ﷺ أنه وصحبه سيدخلون المسجد الحرام في زمن محدد معين، ففهم الصحابة أن ذلك سيكون عام الحديبية، ولكن لله الحكمة البالغة، يفعل الأشياء، حسبما يرى من المصلحة والخير والحكمة، وصدّق الرؤيا في العام القابل. وجعل في الفترة ما بين العامين فتح خيبر.
وكان دخولهم آمنين من العدو، غير خائفين أثناء استقرارهم في مكة لأداء العمرة.
والتحليق والتقصير جميعا للرجال، وكلاهما جائز،
ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال ﷺ : رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال ﷺ : رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال ﷺ : والمقصرين» في الثالثة أو الرابعة.
والله تعالى تأكيدا لتصديق رؤيا رسوله ﷺ ، أبان أنه صدّق الرسول ﷺ في كل شيء، فأرسله رسول الهدى، ورسول الدين الحق: دين الإسلام، ليعليه على كل الأديان، وكفى بالله شاهد عدل وحق لنبيه ﷺ على صحة نبوته بالمعجزات، وعلى أنه رسول من عند الله، وعلى إظهار دينه على جميع الأديان.
стр. 7767
أوصاف الرسول ﷺ والمرسل إليهم
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)﴾
الإعراب:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ ﴿مُحَمَّدٌ﴾: مبتدأ، و ﴿رَسُولُ اللهِ﴾: خبر المبتدأ، أو عطف بيان ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ﴾ مبتدأ أيضا وخبر، و ﴿رُحَماءُ﴾ خبر ثان، وما بعده أخبار عن الذين مع النبي ﷺ ، ويجوز أن يكون ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ وصف محمد، و ﴿الَّذِينَ مَعَهُ﴾ عطف على ﴿مُحَمَّدٌ﴾، و ﴿أَشِدّاءُ﴾ خبر عن الجميع، و ﴿رُحَماءُ﴾ خبر ثان عنهم، والنبي داخل في جميع ما أخبر به عنهم.
و ﴿رُكَّعاً سُجَّداً﴾ منصوبان على الحال من الهاء والميم في ﴿تَراهُمْ﴾ لأنه من رؤية البصر، و ﴿يَبْتَغُونَ﴾ جملة فعلية إما في موضع رفع على أنها خبر بعد خبر، أو في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿تَراهُمْ﴾ وتقديره: تراهم ركعا سجدا مبتغين فضلا.
و ﴿سِيماهُمْ﴾ مبتدأ، وخبره: إما ﴿فِي وُجُوهِهِمْ﴾ أو ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
و ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ﴾ مبتدأ وخبر. و ﴿مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ إما معطوف على «مثل» الأول ويكون ﴿كَزَرْعٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم كزرع، أو هما مبتدأ وخبر كالجملة السابقة، فيكون لهم على هذا الوجه مثلان وصفوا بهما، أحدهما: في التوراة والآخر: في الإنجيل، وعلى الوجه الأول لهم مثلان كلاهما في التوراة والإنجيل.
البلاغة:
﴿أَشِدّاءُ﴾ و ﴿رُحَماءُ﴾ بينهما طباق.
стр. 7768
﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ، فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ تشبيه تمثيلي، وجه الشب فيه منتزع من متعدد.
ويلاحظ مراعاة الفواصل في كل آيات السورة على وتيرة واحدة من قوله تعالى: ﴿مُبِيناً﴾ ﴿مُسْتَقِيماً﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيماً﴾.
المفردات اللغوية:
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أصحابه المؤمنون ﴿أَشِدّاءُ﴾ غلاظ قساة جمع شديد ﴿رُحَماءُ﴾ متعاطفون متوادّون في قلوبهم رحمة، كالوالد مع الولد، جمع رحيم، والمعنى: أنهم يغلظون في القتال على أعدائهم، ويتراحمون فيما بينهم، كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [المائدة ٥٤/ ٥].
﴿تَراهُمْ﴾ تبصرهم ﴿رُكَّعاً سُجَّداً﴾ لأنهم مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتهم ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً﴾ يطلبون الثوب والرضى ﴿سِيماهُمْ﴾ علامتهم، والمراد: السمة التي تحدث في جباههم من كثرة السجود، أو هي نور وبياض يعرفون به بالآخرة أنهم سجدوا في الدنيا ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ كائنة منه ﴿ذلِكَ﴾ الوصف المذكور ﴿مَثَلُهُمْ﴾ صفتهم العجيبة الجارية مجرى الأمثال في الغرابة ﴿شَطْأَهُ﴾ فراخه أو فروعه التي تنبت حول الأصل ﴿فَآزَرَهُ﴾ أعانه وقوّاه، من المؤازرة: المعاونة ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ فغلظ ﴿فَاسْتَوى﴾ قوي واشتد واستقام ﴿عَلى سُوقِهِ﴾ أصوله وقضبانه، جمع ساق ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ لحسنه جمع زارع، مثّل الصحابة ﵃ بذلك، لأنهم بدؤوا في قلة وضعف، فكثروا وقووا، فترقى أمرهم بحيث أعجب الناس.
﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾ متعلق بمحذوف، دل عليه ما قبله، أي شبهوا بذلك، فهو علة لتشبيههم بالزرع في زكائه واستحكامه ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ﴾ لما سمع الكفار بهذا غاظهم ذلك، وقوله ﴿مِنْهُمْ﴾ لبيان الجنس أي الصحابة، لا للتبعيض، لأنهم كلهم بالصفة المذكورة ﴿وَأَجْراً عَظِيماً﴾ الجنة. والمغفرة والأجر هما أيضا لمن بعدهم من المؤمنين والمؤمنات.
المناسبة:
بعد بيان كون النبي ﷺ مرسلا بالهدى ودين الحق، بيّن حال الرسول والمرسل إليهم، فأكد الشهادة في قوله: ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ ثم وصف صحابته بأوصاف عجيبة: هي الشدة على الأعداء، والرحمة بالمؤمنين، وكثرة العبادة، والحرص على الثواب والرضى من الله، والتميز
стр. 7769
بالنور والضياء في الدنيا والآخرة، وبيان صفاتهم في كل من التوراة والإنجيل، والانتقال من الضعف إلى القوة والكثرة، وكونهم موعودين من الله بالمغفرة والجنة.
التفسير والبيان:
- ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ أي إن محمدا رسول من عند الله حقا بلا شك ولا ريب.
- ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ، رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ أي إن صحابته يمتازون بالشدة والغلظة والصلابة على من جحد بالله وعاداهم، وبالرقة والرحمة على بعضهم بعضا، كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [المائدة ٥٤/ ٥]. وقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ، وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة ١٢٣/ ٩].
وكما
جاء في الحديث الصحيح عند أحمد ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى»
وفي حديث الشيخين والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال:
«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا».
وقال الحسن البصري: بلغ من تشدّدهم على الكفار: أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، فكيف بأبدانهم؟ وبلغ من تراحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه. والمصافحة جائزة بالاتفاق. وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة ﵁، وإن كان التقبيل على اليد، ومن حق المؤمنين: أن يراعوا هذه السنة أبدا، فيتشدّدوا على مخالفيهم، ويرحموا أهل دينهم.
стр. 7770
- ﴿تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً، يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً﴾ أي تشاهدهم يكثرون الصلاة بإخلاص، فتبصرهم غالبا راكعين ساجدين، يلتمسون ويطلبون الثواب والرضا، ويحتسبون عند الله تعالى جزيل الثواب وهو الجنة، ورضا الله تعالى عنهم، والرضا أكبر من الجنة: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة ٧٢/ ٩].
- ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ أي علامتهم المميزة لهم وجود النور والبهاء والوقار في الوجه والسمت الحسن والخشوع. قال السّدّي: الصلاة تحسن وجوههم. وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار،
وقد أسنده ابن ماجه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كثرت صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار» والصحيح أنه موقوف.
وقال بعضهم: إن للحسنة نورا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس. وقال أمير المؤمنين عثمان ﵁: ما أسرّ أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه، وفلتات لسانه. والمراد أن أثر العبادة والصلاح والإخلاص مع الله تعالى يظهر على وجه المؤمن، لذا قال عمر بن الخطاب ﵁: «من أصلح سريرته، أصلح الله تعالى علانيته».
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صمّاء، ليس لها باب ولا كوّة، لخرج عمله للناس، كائنا ما كان».
وروى أحمد أيضا وأبو داود عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن الهدي الصالح، والسّمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة».
- ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ، كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ، فَآزَرَهُ
стр. 7771
فَاسْتَغْلَظَ، فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾ أي ذلك الوصف المذكور للصحابة هو وصفهم الذي وصفوا به في التوراة ووصفوا به في الإنجيل، وهم كانوا ضعافا قليلي العدد، فازدادوا وكثروا وتقووا، مثل الزرع الذي أخرج فروخه وفروعه على جوانبه، فاشتد وقوي وأعانه وشدّه، أي إن الزرع قوّى الشط ء، لأنه تغذى منه واحتمى به، وتحول من الدقة إلى الغلظ، واستقام على أعواده، يعجب هذا الزرع الزرّاع لقوّته وحسن منظره، كما هو معروف.
وهذا مثل ضربه الله تعالى للصحابة، كانوا في الابتداء قلّة، ثم زادوا وكثروا وتقووا، كالزرع تكون فراخه في الابتداء ضعيفة، ثم تتقوى تدريجيا حتى يغلظ ساقه.
وقد كثّر الله الصحابة وقواهم ليكونوا غيظا للكافرين.
وهكذا يكون إيمان المسلم إذا دخل في الإسلام ضعيفا، ثم يتقوى بصحبته وملازمته لأهل العلم والإيمان حتى يستوي ويكون مثلهم، وربما أقوى منهم.
- ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ أي وعد الله تعالى الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله ﷺ ، وعملوا صالح الأعمال أن يغفر ذنوبهم، ويجزل أجرهم وثوابهم، ويدخلهم الجنة، ووعد الله حق وصدق وكائن لا محالة، ولن يخلف الله وعده.
وهذا يشمل الصحابة وكل من اقتفى أثرهم، وسار على منهجهم من أفواج الإيمان وجند الإسلام، وتلاحق الأجيال.
روى مسلم في صحيحة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبّوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه».
стр. 7772
فقه الحياة أو الأحكام:
أثبتت الآية صفتي النبوة والرسالة لمحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. ووصفت أصحابه بثماني صفات هي:
١ - ٢: الشدة والصلابة والعنف على الأعداء الكفار، والرحمة والرأفة والرفق والبر بالمؤمنين، فهم أسود غضاب عبوسون في وجه الكفار الذين يعادونهم، ضحوكون بشوشون في وجوه إخوتهم المؤمنين.
٣ - ٤: يمتازون بكثرة العمل وكثرة الصلاة وهي خير الأعمال، مع وصفهم بالإخلاص فيها لله ، واحتساب جزيل الثواب وهو الجنة عند الله تعالى المشتملة على فضل الله وهو سعة الرزق عليهم، ورضاه تعالى عنهم، فهم يطلبون بعملهم المخلص الجنة ورضا الله تعالى.
٥ - علامتهم المميزة لهم النور والضياء في الدنيا والآخرة، والسمت الحسن، والخشوع والتواضع لله تعالى.
٦ - تلك الأوصاف وصفوا بها في كل من التوراة والإنجيل والقرآن.
٧ - كثرة الخير والبركة والنماء فيهم، فإنهم كانوا قلة ضعافا، ثم صاروا كثرة أشداء أقوياء، كمثل الزرع الذي ينبت من حوله الفراخ، ثم تقوى وتشتدّ وتكبر. ولقد فعل الله هذا لمحمد ﷺ وأصحابه ليغيظ بهم الكفار.
٨ - وعدهم الله تعالى جميعا وأمثالهم المتبعين لهم بإحسان وهم المؤمنون الذين أعمالهم صالحة بمغفرة الذنوب والثواب الذي لا ينقطع وهو الجنة. وقد وردت آيات أخرى وأحاديث كثيرة في فضل الصحابة، والنهي عن التعرض لهم بالإساءة، والصحابة كلهم عدول، وهم أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله. وفيما سبق ذكرت بعض الأحاديث، ومن قرأ الآية
стр. 7773
السابقة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [١٨] والآية: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٢٣/ ٣٣] وآيات سورة الحشر: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ.﴾. ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾ [٨ - ٩] من قرأ ذلك عرف مدى ثناء الله عليهم، والشهادة لهم بالصدق والفلاح.
وقال رسول الله ﷺ فيما أخرجه أحمد والشيخان والترمذي عن ابن مسعود: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم».
وقد استدل الإمام مالك ﵀ بهذه الآية ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ.﴾. على تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ﵃، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة ﵃، فهو كافر لهذه الآية، قال ابن كثير: ووافقه طائفة من العلماء ﵃ على ذلك. والظاهر أنهم فسّاق.
قال بعض العلماء عن خلافات الصحابة والاقتتال الذي حدث بينهم:
«تلك دماء قد طهّر الله منها أيدينا، فلا نلوّث بها ألسنتنا، وسبيل ما جرى بينهم كسبيل ما جرى بين يوسف وإخوته».
стр. 7774
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الحجرات
مدنيّة، وهي ثماني عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة الحجرات لأن الله تعالى ذكر فيها تأديب أجلاف العرب الذين ينادون رسول الله ﷺ من وراء الحجرات وهي حجرات (بيوت) نسائه المؤمنات الطاهرات ﵅، وكانت تسعا، لكل واحدة منهن حجرة، منعا من إيذاء النبي ﷺ وتوفيرا لحرمة بيوت أزواجه.
وتسمى أيضا سورة «الأخلاق والآداب» فقد أرشدت إلى آداب المجتمع الإسلامي وكيفية تنظيمه، وأشادت بمكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، ونودي فيها بوصف الإيمان خمس مرات، وأصول تلك الآداب خمسة وهي:
طاعة الله والرسول ﷺ ، وتعظيم شأن الرسول ﷺ ، والتثبت من الأخبار المنقولة، وتحريم السخرية بالناس، وتحريم التجسس والغيبة وسوء الظن.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها وهي سورة الفتح من نواح ثلاث، هي:
١ - في السورة المتقدمة حكم قتال الكفار، وفي هذه حكم قتال البغاة (أهل الثورة الداخلية).
стр. 7775
٢ - ختمت السابقة بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وافتتحت هذه ب ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. تذكيرا لهم بحرمتهم عند الله عند ما وصفهم بكونهم أشداء رحماء، مما يقتضي محافظتهم على هذه الدرجة بطاعة الله تعالى والرسول ﷺ .
٣ - في كلتا السورتين تشريف وتكريم لرسول الله ﷺ ، خصوصا في مطلع كل منهما، والتشريف يقتضي من المؤمنين الرضا بما رضي به الرسول ﷺ من صلح الحديبية، وألا يتركوا شيئا من احترامه قولا وفعلا.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كسابقتها أحكام شرعية لكونهما مدنيتين، وهي أحكام تتعلق بتنظيم المجتمع الإسلامي على أساس متين من التربية القوية، والأخلاق الرصينة، حتى إنها سميت «سورة الأخلاق» فهي في الأمر بمكارم الأخلاق ورعاية الآداب. وآدابها نوعان: خاص وعام.
أما الآداب الخاصة: فهي ماله علاقة بين النبي ﷺ وأمته. وقد ابتدأت السورة بها، فأوجبت طاعة الله تعالى والرسول ﷺ وحذرت من المخالفة.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا.﴾. ثم أمرت بخفض الصوت أثناء خطاب النبي ﷺ إجلالا له وهيبة منه وتعظيما لقدرة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ.﴾. ثم طالبت المؤمنين بخطاب الرسول ﷺ بصفة النبوة والرسالة، لا باسمه وكنيته تعظيما واحتراما له، وجعلت خفض الصوت عند رسول الله ﷺ من التقوى، وذمّت من يناديه من وراء حجرات نسائه كعيينة بن حصن وأشباهه، وذكرت السورة في آخرها ذمّ الامتنان على الله تعالى ورسوله ﷺ بالإيمان: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ.﴾ ..