والله لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده، ويجازي كلا من المخلص والمرائي بما يستحق.
هذا هو المثال الأول لمن ينفق ماله ابتغاء وجه الرحمن وطلب رضوانه، والمثال الثاني لمن ينفق على عكس الأول في سبيل الشيطان والهوى أو لغير وجه الله. وبدأه تعالى بالإنكار والنفي؛ لأن شأن المؤمن المخلص ألا يقصد ذلك، فهو مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي وجه الله، فإذا كان يوم القيامة، وجدها محبطة مبددة متلاشية، فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهى الجنات وأجمعها للثمار، فبلغ الكبر، وله أولاد ضعاف، والجنة معاشهم ومنتعشهم، فهلكت بالصاعقة.
قال البخاري عند تفسير هذه الآية: قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب النبي ﷺ : فيمن ترون هذه الآية نزلت؟: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ..﴾. قالوا: الله أعلم، فغضب عمر وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس ﵄: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي، قل، ولا تحقر نفسك، فقال: ضربت مثلا بعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله (١).
وقال الحسن البصري: هذا مثل، قلّ والله من يعقله من الناس: شيخ كبير، ضعف جسمه، وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته، فجاءها الإعصار فأحرقها، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله، إذا انقطعت عنه الدنيا (٢).
وتوضيح هذا المثل: أتحب أيها المنفق لغير الله أن تكون لك جنة فيها
стр. 807
النخيل والأعناب ومختلف الأثمار، وتجري فيها الأنهار، فتسقيها، وقد علقت الآمال عليها، ورجوت أن تنتفع بها مع صغارك، وأنت في حال الكبر لا تقدر على الكسب، وهم لا يقدرون على شأنك وشأنهم، ولا مورد لك غير هذه الجنة، ثم أصابتها ريح السّموم (١) اللافحة بحرها أو بردها القارس، فأحرقتها وأبادت ثمرها.
هذا حالك إذ أنفقت مالك رياء، أو بالمن والأذى، لن تجد له أية فائدة في يوم القيامة، ولن تجد لعملك غير الحسرة والندامة، وأنت في ذلك اليوم الرهيب في أشد الحاجة إلى نتيجة عملك، وثواب ما بذلت؛ لأن إعصار الرياء، والمنّ والأذى بدّد كل ما فعلته من خير في الظاهر، وهو شر في الحقيقة والباطن.
ومثل هذا البيان الجلي الواضح يبين الله لكم الآيات ودلائل الشريعة وأسرارها وغاياتها وفوائدها لتتفكروا فيها، وتتعظوا بما اشتملت عليه من الأمثال والمعاني والعبر، وتنزلوها على المراد بها، فتقصدوا بنفقاتكم أن تكون خالصة لوجه الله تعالى، دون أن يصاحبها رياء أو منّ وأذى، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ، وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣/ ٢٩]. فقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي في العواقب، فتضعون نفقاتكم في مرضاة الله مع الإخلاص وقصد تثبيت النفس على فعل الخير المحض.
فقه الحياة أو الأحكام:
في الآيتين مثلان واضحان يوجبان التأمل والتفكر والمقارنة، ولا شك بأن كل مؤمن عاقل يختار الموقف الأول، فيجعل نفقته خالصة لوجه الله، لأنها هي التي تفيده وتحقق له الثواب يوم القيامة، ولا يغتر العاقل بمظاهر الدنيا الفانية وسمعتها وشهرتها الزائلة؛ لأن كلام الناس في كل حال مؤذ ومضر، فإن راءى
стр. 808
بعمله ذمّوه وحسدوه ومقتوه، وقد يتهمونه بالتهور والطيش إن كانت نفقته كثيرة، وإن مدحوه فلا قيمة ولا غناء لمديحهم؛ لأن ما عند الله خير وأبقى أو أنفع وأخلد.
والله تعالى بكرمه وفضله ينمي نفقات المخلصين ويكافئهم بالمزيد، كالبستان الذي يثمر ضعفي ثمرته، تقريبا لأذهاننا،
أخرج مسلم ومالك وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه، فيربّيها كما يربّي أحدكم فلوه (١)، أو فصيله، حتى تكون مثل الجبل أو أعظم».
وأما المنفق لغير وجه الله فيتلاشى فضل عمله سراعا في الدنيا، ولا يجد له ثمرة في الآخرة. روي عن ابن عباس وغيره أن هذا-أي الموقف الثاني-مثل ضربه الله تعالى للكافرين والمنافقين، كهيئة رجل غرس بستانا، فأكثر فيه من الثمر، فأصابه الكبر، وله ذرية ضعفاء-يريد صبيانا بنات وغلمانا-فكانت معيشته ومعيشة ذرّيته من ذلك البستان، فأرسل الله على بستانه ريحا فيها نار، فأحرقته، ولم يكن عنده قوة، فيغرسه ثانية، ولم يكن عند بنيه خير، فيعودون على أبيهم. وكذلك الكافر والمنافق إذا ورد إلى الله تعالى يوم القيامة، ليست له كرّة يبعث فيرد ثانية، كما ليست عند هذا قوة فيغرس بستانه ثانية، ولم يكن عند من افتقر إليه عند كبر سنه وضعف ذريته غنىّ عنه.
وقد دل تعليل الإنفاق بعلتين في آية: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ.﴾. على أن نقصد بأعمالنا أمرين:
أولهما-ابتغاء رضوان الله لذاته، تعبدا له.
стр. 809
وثانيهما-تزكية أنفسنا وتطهيرها من الشوائب التي تعوقها عن الكمال، كالبخل والمبالغة في حب المال، وتوطينها على البذل في سبيل الله.
والخلاصة: أن الله في الآية (٢٦٥) ضرب المثل للمخلصين في الإنفاق وفي الآية (٢٦٦) ضرب مثلا آخر للمرائين، والمؤذين والمنّانين، والقصد هو المقارنة والمقابلة بين حال الفريقين، وأن المثل الثاني ليس خاصا بالآخرة أو المرائي، وإنما ينطبق أيضا على حال الدنيا فيشمل المنان والمؤذي.
إنفاق الطيب من الأموال لا الخبيث
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾
الإعراب:
﴿تَيَمَّمُوا﴾ أصله تتيمموا، فكرهوا اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد وهما التاءان فسكنوا التاء الأولى، وأدغموها في الثانية ﴿تُنْفِقُونَ﴾ حال من ضمير تيمموا ﴿إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أن وصلتها: في موضع نصب بآخذيه؛ لأن التقدير: بأن تغمضوا، فلما حذفت الباء اتصل بآخذيه.
البلاغة:
﴿تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ مجاز مرسل يراد به التساهل؛ لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك، أو تشبيه على سبيل الاستعارة.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْفِقُوا﴾ زكوا ﴿مِنْ طَيِّباتِ﴾ جياد وحسان، مفرده طيب أي جيد مستطاب، وضده
стр. 810
الخبيث المستكره ﴿ما كَسَبْتُمْ﴾ من المال ﴿وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي ومن طيبات ما أنبتنا من الحبوب والثمار ﴿وَلا تَيَمَّمُوا﴾ تقصدوا ﴿الْخَبِيثَ﴾ الرديء ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أي الخبيث لو أعطيتموه في حقوقكم ﴿إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ بالتساهل وغض البصر، فكيف تؤدون منه حق الله؟! ﴿غَنِيٌّ﴾ عن نفقاتكم ﴿حَمِيدٌ﴾ مستحق للحمد على نعمه الكثيرة.
سبب النزول:
روى الحاكم والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن البراء بن عازب، قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الناس ممن لا يرغب في الخير، يأتي الرجل بالقنو فيه الشّيص والحشف (١)، وبالقنو قد انكسر، فيعلّقه (٢)، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾.
وروى أبو داود والنسائي والحاكم عن سهل بن حنيف قال: كان الناس يتيممون شر ثمارهم، يخرجونها من الصدقة، فنزلت: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
وروى الحاكم عن جابر قال: أمر النبي ﷺ بزكاة الفطر بصاع من تمر، فجاء رجل بتمر رديء، فنزل القرآن: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ الآية.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يشترون الطعام الرخيص، ويتصدقون به، فأنزل الله هذه الآية.
стр. 811
المناسبة:
بيّن الله في الآيات السابقة ما يجب أن يتصف به المنفق عند الإنفاق من الإخلاص لله، وقصد تزكية النفس، والبعد عن الرياء، وما يجب أن يتحلى به بعد الإنفاق من البعد عن المن والأذى.
ثم بين تعالى هنا صفة المال المبذول: وهو أن يكون من جيد الأموال.
التفسير والبيان:
يا من اتصفتم بالإيمان آمركم أن تنفقوا الطيب الجيد من الأموال، سواء أكان نقودا أم ماشية أم حبوبا وزروعا أم سلعا تجارية وغيرها، كالمعادن والكنوز والركاز (دفين الجاهلية)، كقوله تعالى ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢/ ٣] وأنهاكم أن تقصدوا إلى الخبيث الرديء من أموالكم، فتنفقونه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ولا يقبل ما تكرهه نفوسكم.
والخبيث ينطلق على معنيين: أحدهما-ما لا منفعة فيه، كما
في حديث الشيخين: «كما ينفي الكير خبث الحديد» والثاني-ما تنكره النفس، وهو مقصود الآية: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
وكيف يروق لكم أن تتصدقوا بالخبيث الرديء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم إلا أن تتساهلوا وتتسامحوا فيه تساهل من غض بصره عن شيء فلم ير العيب فيه، ولو كان لأحدكم حق أو دين، فجاءكم دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؟! فحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه.
واعملوا أن الله-وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها-فهو غني عنها وعن إنفاقكم وغني عن جميع خلقه، وإنما يأمركم به لمنفعتكم، ولتحقيق المساواة بين الغني والفقير، وليختبركم فيما تنفقون، فلا تتقربوا إليه بالرديء، وهو أيضا
стр. 812
مستحق للحمد والشكر على جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره ونعمه. ومن الحمد اللائق بجلاله: إنفاق الطيب مما أنعم به.
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآية: وجوب اختيار الطيب الجيد من مكاسب الأموال عند إنفاقها في سبيل الله، سواء أكانت من الزكوات الواجبة أم من الصدقات المندوبة؛ لأن القصد هو التقرب إلى الله تعالى، وادخار الثواب على فعل الخير، وذلك لا يتحقق إلا بجياد الأموال وأطيبها.
والآية خطاب لجميع أمة محمد ﷺ (١)، واختلف العلماء في المعنى المراد بالإنفاق هنا، فقال علي بن أبي طالب وعبيدة السّلمانيّ وابن سيرين: هي الزكاة المفروضة، نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد.
وقال البراء بن عازب والحسن البصري وقتادة: إن الآية في التطوع، ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بمختار جيد.
والظاهر أن الآية عامة تشمل الزكاة والصدقة، لكن الزكاة الأمر فيها على الوجوب، ومخصوصة بالقدر المفروض، وأما التطوع فالأمر فيه على الندب، وليس مخصوصا بقدر معين، فيجوز بالقليل وبالكثير، لكن يختار الجيد، وليس القصد هو الممتاز، فهو الأولى، ولكن الحد الأدنى المطلوب هو الوسط، كما قرر الفقهاء في الزكاة.
ودلت الآية على أن للوالد أن يأكل من كسب ولده؛ لأن
النبي ﷺ قال:
«أولادكم من طيّب أكسابكم، فكلوا من أموال أولادكم هنيئا» (٢).
واستدل أبو حنيفة ﵁ بقوله تعالى: ﴿وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾
стр. 813
على وجوب زكاة العشر فيما سقي بالمطر، ونصف العشر فيما سقي بالبئر ونحوه مما فيه كلفة، في كل ما تخرجه الأرض من أصناف زراعية، قليلا كان أو كثيرا، من غير تقدير بنصاب، ولا تخصيص بنوع معين من الأقوات، فتجب الزكاة عنده في الزروع والثمار كلها، ويعضده
قوله ﷺ : «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية (١) نصف العشر».
وأجيب من قبل الجمهور: بأنه لا متعلق له من الآية؛ لأنها إنما جاءت لبيان محل الزكاة، لا لبيان نصابها أو مقدارها،
وقد بيّن النبي ﷺ الأنصبة بقوله فيما رواه ابن ماجة: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة» (٢).
وهناك أدلة أخرى للفريقين (٣).
ويلاحظ أن الآيات التي تطالب بالإنفاق تختم عادة أو غالبا إما بقوله تعالى: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أو بقوله: ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وذلك يرشدنا إلى أن النفقة جزء مما أنعم الله به من رزق على العباد، وأنه تعالى سيجزيه بها ويضاعفها له أضعافا كثيرة، ويخلف المبذول على المنفق؛ لأنه واسع الفضل والرحمة والعطاء، ويرشدنا أيضا إلى أن القصد هو اختبار الناس فهو لا يأمرهم بالصدقة حين العوز، وإنما حال السعة واليسر، فكل إنسان مكلف حسب طاقته وقدرته على الإنفاق، وهو سبحانه محمود على كل حال، وعلى جميع نعمه،
стр. 814
ومقتضى الحمد والشكر تذكر المحتاج ومواساة الفقير والمسكين، ومما يرغب في النفقة أن اليد العليا-المنفقة-خير من اليد السفلى-الآخذة.
تخويف الشيطان من الفقر والفهم الصحيح للقرآن
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩)﴾
الإعراب:
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَعِدُكُمُ﴾ خبره، وسمي شيطانا (فيعالا) من شطن أي بعد؛ لأنه بعد عن رحمة الله، وقيل في وجه ضعيف: على وزن فعلان: من شاط يشيط: إذا احترق.
البلاغة:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ﴾ وفي قراءة «تشاء» على الخطاب، وهو التفات إذ هو خروج من غيبة إلى خطاب.
المفردات اللغوية:
﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ أي يخوّفكم من الفقر إن تصدقتم، فتمسكون ما بأيدكم، فلا تنفقوه في مرضاة الله، والفقر: سوء الحال وضيق ذات اليد. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ أي يغريكم بالبخل ومنع الزكاة ﴿وَاللهُ يَعِدُكُمْ﴾ على الإنفاق ﴿مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ صفحا من الله عن ذنوبكم. ﴿وَفَضْلاً﴾ رزقا وخلفا منه ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ فضله ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمنفق.
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ العلم النافع المؤدي إلى العمل، المؤثر في النفس، واختلف العلماء في
стр. 815
الحكمة: فقال السدي: هي النبوة. وقال ابن عباس: هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدّمه ومؤخره (أي العلم بأصول الفقه). وقال قتادة ومجاهد: الحكمة: هي الفقه في القرآن. وقال مجاهد: الإصابة في القول والفعل. وقال ابن زيد: الحكمة: العقل في الدّين. وقال مالك بن أنس: الحكمة: التفكر في أمر الله والاتّباع له، أو هي طاعة الله والفقه في الدين والعمل به. وكل هذه الأقوال تشترك في أن الحكمة: هي الفهم الصحيح والعلم النافع واتباع المعلوم المؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة (١).
﴿خَيْراً كَثِيراً﴾ لأن الحكمة أوصلته إلى السعادة الأبدية ﴿وَما يَذَّكَّرُ﴾ يتعظ، وأصله:
يتذكر، فأدغم التاء في الذال ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أصحاب العقول.
التفسير والبيان:
الشيطان عدو الإنسان من قديم، وهو الذي أقسم ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص ٨٢/ ٣٨ - ٨٣] يوسوس للناس ويخوفهم من الفقر إذا تصدقوا أو أنفقوا في سبيل الله ويقول لهم: إن عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا، ويحرضهم ويغريهم على البخل والإمساك إغراء الآمر للمأمور. والفاحش عند العرب:
البخيل. والوعد: يستعمل في الخير والشر، قال الله تعالى: ﴿النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج ٧٢/ ٢٢]. وسمي ذلك التخويف وعدا: مبالغة في الإخبار بتحقق وقوعه، وكأن مجيئه بحسب إرادته، مع العلم بأن الوعد: هو الإخبار بما سيكون من جهة المخبر، والشيطان لم يقل: إني سأفقركم.
ويوضح هذا التخويف:
ما رواه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال:
قال رسول الله ﷺ : «إن للشيطان لمّة (٢) بابن آدم، وللملك لمّة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد
стр. 816
الأخرى، فليتعوذ من الشيطان» ثم قرأ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ، وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً﴾ (١).
والله تعالى في مقابلة إغراءات الشيطان ووساوسه وأمره بالفحشاء (البخل) يعدكم على لسان نبيكم مغفرة بسبب الإنفاق لذنوبكم، وتعويضا وإخلافا في الدنيا لما أنفقتموه، والفضل: المال والخير، والله واسع الرحمة والفضل، فيحقق ما وعدكم به، وهو عليم بما تنفقون، فيجازيكم عليه أحسن الجزاء، كما قال تعالى: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [سبأ ٣٩/ ٣٤]
وروى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» أي أن الأول يعوضه الله بتسهيل أسباب الرزق له، والآخر يذهب ماله.
والله تعالى يؤتي الحكمة من يشاء من عباده، وليست الحكمة على الصحيح النبوة، ولكنها كما قال الجمهور: العلم والفقه والقرآن، فهي لا تختص بالنبوة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، وذلك يرشد إلى تمييز الحقائق من الأوهام، والتفرقة بين الوسواس والإلهام. وآلة الحكمة: العقل، فمن عرف ما في القرآن من أحكام وأسرار، وأدرك بسلامة عقله ما في الإنفاق من فوائد تعود على الأمة بالخير وعلى المنفق بالثواب الجزيل، لم يتأثر بوساوس الشيطان، ولم يتردد في البذل والإنفاق في سبيل الله.
عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا، فسلّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها» (٢).
ومن يوفقه الله للعلم النافع، وعلى التخصيص فهم القرآن والدين، ويرشده
стр. 817
إلى هداية العقل، فقد هدي إلى خيري الدنيا والآخرة، وأدرك الأمور على حقيقتها.
ولا يتعظ بالعلم ويتأثر بالموعظة وينتفع بالتذكار إلا كل ذي عقل سليم يفهم به الخطاب الشرعي ومعنى الكلام الإلهي.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية متصلة بما قبلها، فهي تحث المؤمن على الإنفاق في سبيل الله:
سبيل الخير؛ لأن الله وعد بالمغفرة جزاء الإنفاق، وبالإخلاف والتعويض والإمداد بالفضل الإلهي من المال والرزق، والله تعالى يعطي من سعة، فلا تنفد خزائنه، ويعلم حيث يضع ذلك، ويعلم الغيب والشهادة.
وتحذر الآية من وساوس الشياطين، فإن للشيطان مدخلا في تثبيط الإنسان عن الإنفاق في سبيل الله، وهو مع ذلك يأمر بالبخل والفحشاء وهي المعاصي، والإنفاق فيها.
ومن أعطي الحكمة (العلم النافع الصحيح) وفهم القرآن، فقد أعطي أفضل ما أعطي من جمع كتب علم الأولين من الصحف وغيرها. والآية تحض على العلم وترفع شأن الحكمة، وتهدي إلى استعمال العقل في أشرف ما خلق له. قال بعض الحكماء: من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم: فإنما أعطي أفضل ما أعطي أصحاب الدنيا؛ لأن الله تعالى سمى الدنيا متاعا قليلا، فقال: ﴿قُلْ: مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧/ ٤] وسمّى العلم والقرآن ﴿خَيْراً كَثِيراً﴾.
стр. 818
صدقة السر وصدقة العلن
﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾
الإعراب:
﴿فَنِعِمّا﴾ أصله نعم ما وهي لغة هذيل، ونعم فعل ماض مخصوص للمدح، وفيه ضمير مرفوع، والتقدير: نعم الشيء شيئا إبداؤها، وإبداؤها: هو المقصود بالمدح وهو مرفوع؛ لأنه مبتدأ، وما قبله: الخبر، ثم حذف (إبداء) وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه، فصار الضمير المجرور المتصل ضميرا مرفوعا منفصلا وهو ﴿هِيَ﴾ مرفوعا بالابتداء، لقيامه مقام المبتدأ. و «ما» في موضع نصب على التمييز. ﴿يُكَفِّرُ﴾ بالرفع: استئناف وتقديره: ونحن نكفّر و ﴿مِنْ سَيِّئاتِكُمْ﴾: من للتبعيض، أي شيئا من سيئاتكم. وقيل: من زائدة، والأكثرون على أنها ليست زائدة؛ لأن «من» لا تزاد في الإيجاب، وإنما تزاد في النفي، نحو: ما جاءني من أحد.
البلاغة:
يوجد جناس اشتقاق بين «أنفقتم ونفقة» وبين «نذرتم ونذر». ويوجد طباق بين «تبدوا وتخفوها».
لمفردات اللغوية:
﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ أديتم من زكاة أو صدقة ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ النذر: لغة: العزم على التزام شيء خاص، وشرعا: التزام طاعة تقربا إلى الله تعالى ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ تظهروا الصدقات النوافل أو التطوعات ﴿فَنِعِمّا هِيَ﴾ الأصل: فنعم ما هي، بمعنى شيئا إبداؤها ﴿وَإِنْ تُخْفُوها﴾ تسروها خير لكم من إبدائها وإيتائها الأغنياء والضمير يعود على الصدقات. أما صدقة الفرض (الزكاة) فالأفضل إظهارها ليقتدى به ولئلا يتهم المزكي بالمنع، وإيتاء الفقراء: متعين.
стр. 819
سبب النزول:
قال ابن أبي حاتم في قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ.﴾. الآية أنزلت في أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، أما عمر فجاء بنصف ماله، حتى دفعه إلى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : «ما خلّفت وراءك لأهلك يا عمر؟» قال: خلفت لهم نصف مالي. وأما أبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه، حتى دفعه إلى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : «ما خلّفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟» فقال: عدة الله وعدة رسوله. فبكى عمر ﵁ وقال: بأبي أنت وأمي يا أبابكر، والله ما استبقنا إلى باب خير قط، إلا كنت سابقا (١).
وقال الكلبي: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ الآية، قالوا:
يا رسول الله، صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢).
المناسبة:
بعد أن رغب تعالى في الإنفاق في سبيله، أوضح أن الله يعلم مصرف كل صدقة، سواء أكانت في طاعة أم في معصية، وخيرنا بين إخفاء صدقة التطوع وإظهارها، ولكن الإخفاء هو الأفضل، ويؤيده
حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٣) فكان موضوع الآية الترغيب في إخفاء الصدقات؛ بعدا عن الرياء.
стр. 820
التفسير والبيان:
ما أنفقتم من نفقة، سواء كانت لله أو للرياء أو كانت مصحوبة بالمن أو الأذى أو لم تصحب بهما؛ أو نذرتم نذرا في طاعة (وهو نذر التبرر) أو في معصية (وهو نذر اللجاج والغضب)، فإن الله عالم به ومجاز عليه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهذا ترغيب في الخير وترهيب من الشر. وما للظالمين الذين ظلموا أنفسهم بأن بخلوا بالمال ولم يتصدقوا من أنصار ينصرونهم يوم القيامة، كقوله: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر ١٨/ ٤٠].
وإن تظهروا صدقات التطوع بقصد حمل الناس على فعلها فنعم ما فعلتم، وإن تخفوها، ولم تعلموا بها أحدا، وتعطوها الفقراء، فهو خير لكم بعدا عن الرياء والسمعة، ويمحو عنكم بالصدقة بعض ذنوبكم؛ لأن الصدقة لا تكفر جميع الذنوب أو السيئات.
والله خبير وبصير بكل عمل تعملونه وبكل دقائق الأمور، فهو يعلم السر وأخفى، فيجازيكم على أعمالكم، واحذروا الرياء والإنفاق لغير الله، فلا تخفى عليه نياتكم في الإبداء والإخفاء.
فقه الحياة أو الأحكام:
كانت العرب تكثر من النذور، فذكر الله تعالى النوعين: ما يفعله المرء تبرعا، وما يفعله نذرا أي بإلزامه نفسه.
ويخبر الله تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، ويجازي كل واحد بحسب فعله، خيرا أو شرا، وفي الآية معنى الوعد والوعيد، فمن كان خالص النية، ينفق في طاعة الله فهو مثاب، ومن أنفق رياء أو قرن صدقته بالمن أو الأذى ونحو ذلك، فهو ظالم، يذهب فعله هدرا، ولا يجد له يوم القيامة ناصرا فيه ينقذه من عذاب الله ونقمته. ولا فرق في
стр. 821
مشروعية نذر التبرر بين أن يكون بشرط أو بغير شرط، مثال الأول: أن يقول الناذر: لله علي أن أصوم أو أتصدق بكذا، ومثال الثاني: أن يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بكذا.
وقد اتفق العلماء على وجوب الوفاء بنذر الطاعة، وحرمة فعل المعصية المنذورة، بدليل
ما أخرجه النسائي عن عمران بن الحصين ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : «النذر نذران: فما كان من نذر في طاعة الله تعالى، فذلك لله تعالى، وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله تعالى، فذلك للشيطان، ولا وفاء فيه، ويكفّره ما كفّر اليمين».
وأما نذر المباح كالأكل والركوب واللبس فيخير فيه في رأي جمهور الفقهاء بين الفعل والترك،
لخبر أبي داود: «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى».
وأما المرأة التي نذرت أن تضرب الدف يوم قدوم النبي ﷺ وقول الرسول لها:
أوفي بنذرك، فإن فعلها صار من القرب، لسرور المسلمين بقدومه ﷺ ، وإغاظة الكفار، وإرغام المنافقين.
وذهب جمهور المفسرين إلى أن الآية (٢٧١) في صدقة التطوع، وفيها دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، وكذلك سائر العبادات: الإخفاء أفضل في تطوعها؛ لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فمن تصدق لجهة عامة أو لمشروع خيري، أو لأي أمر عام مثلا، فلا بأس من إعلان صدقته أو مشاركته ومساهمته، لترغيب الناس، وللاقتداء به، وليكون أدعى للتسابق في الخيرات.
ويؤكد التخيير ما
قال رسول الله ﷺ فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر والحاكم عن معاذ: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرّ بالقرآن كالمسرّ بالصدقة». ويؤكد أفضلية الإسرار بصدقة التطوع ما ذكرناه وهو
стр. 822
ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة من حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، ومنهم: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»
وروى أحمد وابن أبي حاتم عن أبي أمامة: «أن أبا ذرّ قال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة سرّ إلى فقير، أو جهد من مقلّ، ثم قرأ الآية:
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾
وروى الطبراني مرفوعا: «إن صدقة السر تطفئ غضب الرب». ودليل إعلان الصدقة المفروضة: ما روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: «جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال: بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها، يقال: بخمسة وعشرين ضعفا.
وأما الصدقة الواجبة (الزكاة): فأكثر العلماء على أن إظهارها أفضل من إسرارها؛ لأن الفرائض لا يدخلها رياء، والنوافل عرضة لذلك،
أخرج مسلم في صحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» ومن هنا قيل: صلاة النفل فرادى أفضل، والجماعة في الفرض أبعد عن التّهمة. بل إن إظهار الفرائض أمر لا بد منه لإقامة شعائر الدين، وفيه الدلالة على قوة الإسلام، كما أن فيه الأخذ والعمل بمبدإ القدوة الحسنة.
وتجوز صدقة التطوع للمسلم والكافر، والبر والفاجر، والفقير والغني، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فقد أطلق كلمة ﴿الْفُقَراءَ﴾ ولم يقيدها بفقراء المسلمين، وجعل الخيرية في إعطائها للفقير، ولم يمنعها عن الغني،
وورد في الصحيحين: «في كل كبد حرّى رطبة أجر» أي أن رحمة جميع المخلوقات مدعاة للثواب. وأما الزكاة المفروضة وزكاة الفطر فهي خاصة بالمسلمين وبالفقراء، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾
ولحديث معاذ حينما أرسله النبي ﷺ واليا إلى اليمن: «خذها من أغنيائهم، وردها في فقرائهم» (١).
стр. 823
والخلاصة: إن الصدقة الواجبة، والإنفاق في المصالح العامة كبناء المدارس والمشافي والدعوة إلى الدين والجهاد، ونفقة التطوع بقصد ترغيب الآخرين في التصدق ينبغي إعلانها، وهو أفضل من الإخفاء. وأما الصدقة على الفقراء لسد حاجاتهم فإسرارها أفضل من إعلانها، سترا لحالهم وحفظا لكرامتهم.
مستحقو الصدقات
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾
الإعراب:
﴿لِلْفُقَراءِ﴾ جار ومجرور: إما مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: الصدقات للفقراء، وإما منصوب لتعلقه بفعل: ﴿وَما تُنْفِقُوا﴾ في الآية السابقة، أي: وما تنفقوا من خير للفقراء، أو متعلق بمحذوف والمعنى اعمدوا للفقراء أو اجعلوها لهم. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ جملة فعلية حال
стр. 824
منصوب من ضمير ﴿أُحْصِرُوا﴾. ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾ جملة فعلية حال من الفقراء، وكذلك: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ و ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً﴾ ويحتمل أن يكون ذلك كله حالا من ضمير ﴿أُحْصِرُوا﴾ ويحتمل أن يكون مستأنفا، فلا يكون له موضع من الإعراب. ومعنى: ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً﴾ أي لا يسألون ولا يلحفون.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ مبتدأ موصول، وتمت الصلة عند قوله: سرا وعلانية: وهما مصدران في موضع الحال من ضمير ﴿يُنْفِقُونَ﴾. ثم أخبر عن المبتدأ بقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ودخلت الفاء في خبر المبتدأ، لتضمن المبتدأ الموصول حرف الشرط، وهذا لا يكون إلا إذا كانت الصلة جملة فعلية، ولم يدخل على عامل يغير معناه نحو ليت ولعل وكأن.
البلاغة:
﴿وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ﴾ خبر بمعنى النهي، أي لا تطلبوا غير ثواب الله من أعراض الدنيا. ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ إطناب بعد قوله: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾. ويوجد طباق بين قوله: ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ وقوله ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾.
المفردات اللغوية:
﴿هُداهُمْ﴾ إدخال الناس في الإسلام، وإنما عليك البلاغ والإرشاد إلى الخير والله هو الهادي إلى الدخول في الإسلام، فالهدى نوعان: هدى التوفيق إلى طريق الخير والسعادة وهو مختص بالله تعالى، وهدى الدلالة والإرشاد إلى الخير وهو مهمة النبي ﷺ . ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ مال ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي ثوابه لأنفسكم لا ينتفع به غيركم ﴿اِبْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ﴾ طلب مرضاته وثوابه ﴿أُحْصِرُوا﴾ منعوا وحبسوا في طاعة الله لجهاد أو تعلم علم ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ يصل إليكم جزاؤه غير منقوص ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ لا تنقصون منه شيئا، وهذه الجملة وجملة ﴿يُوَفَّ﴾ تأكيد للجملة الأولى:
﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾.
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً.﴾. سفرا وسيرا في الأرض للكسب والتجارة والمعاش بسبب شغلهم عنه بالجهاد ﴿التَّعَفُّفِ﴾ إظهار العفة وترك السؤال ﴿بِسِيماهُمْ﴾ علامتهم من التواضع وأثر الجهد ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً﴾ أي لا يسألون الناس أصلا شيئا، ولا يقع منهم إلحاف أي إلحاح: وهو أن يلازم السائل المسؤول حتى يعطيه ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾ خبير، مطلع عليه ومجاز عليه.
стр. 825
سبب النزول:
١ - نزول الآية (٢٧٢):
ورد في سبب نزولها روايات عديدة مضمونها واحد منها: ما رواه النسائي والحاكم والبزار والطبراني وغيرهم عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا (١) لأنسابهم من المشركين، فسألوا، فرخص لهم، فنزلت هذه الآية:
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ الآية.
وروي أن ناسا من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ورضاع، وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام، فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوا عليهم.
وقيل: حجت أسماء بنت أبي بكر، فأتتها أمها تسألها، وهي مشركة، فأبت أن تعطيها، فنزلت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يأمر أن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ الآية، فأمر بالتصدق على كل من سأل من كل دين.
وروى سعيد بن جبير مرسلا عن النبي ﷺ في سبب نزول هذه الآية: أن المسلمين كانوا يتصدّقون على فقراء أهل الذمّة، فلما كثر فقراء المسلمين، قال رسول الله: ﷺ : «لا تتصدّقوا إلا على أهل دينكم» فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام.
وحكى الطبري أن مقصد النبي ﷺ بمنع الصدقة إنما كانوا ليسلموا ويدخلوا في الدين، فقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾.
стр. 826
والخلاصة: إن مضمون سبب نزول هذه الآية: أن من أسلم كره أن يتصدق على قريبه المشرك أو على المشركين أو نهاهم النبي ﷺ من التصدق عليهم فنزلت الآية.
٢ - نزول الآية (٢٧٣):
نزلت في أهل الصّفّة (١): وهم أربعمائة من المهاجرين، أرصدوا لتعلم القرآن والخروج مع السرايا (٢).
٣ - نزول الآية (٢٧٤):
أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ، سِرًّا وَعَلانِيَةً، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ في أصحاب الخيل (٣): وهم الذين يرتبطون الخيل في سبيل الله تعالى، ينفقون عليها بالليل والنهار، سرّا وعلانية، نزلت فيمن لم يرتبطها تخيلا ولا افتخارا.
وروي عن ابن عباس: أن هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ نزلت في علف الخيل. ويدلّ على صحة هذا
حديث أسماء بنت يزيد، قالت: قال رسول الله ﷺ : «من ارتبط فرسا في سبيل الله، فأنفق عليه احتسابا، كان شبعه وجوعه وريّه وظمؤه، وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة».
стр. 827
المناسبة:
أرشدت الآية السابقة المؤمنين إلى إعطاء الفقراء عامة، مسلمين وغير مسلمين، وصرحت هذه الآية بإباحة صدقة التطوع لغير المسلمين، سواء أكانوا مشركين أم من أهل الكتاب (اليهود والنصارى)؛ لأن الله تعالى يرزق المؤمن والكافر من خير الدنيا، وشأن المؤمن أن يتخلّق بأخلاق الله، وأن يكون خيره عاما للناس؛ إشعارا بحبّ الخير والنّفع للبشرية، وإدلالا على توافر صفة الرحمة والمحبة في قلب المسلم لكل إنسان، وإبعادا للعصبية الدّينية التي من شأنها التهديم والتفريق والفتنة، وزرع الأحقاد والضغائن، والتنفير من قبول الإسلام ذاته القائم على التسامح، وترك أمر الهداية للدين لله تعالى، فإن الهداية من الله، وتقتضي الشفقة إعطاء المحتاج أيّا كان دينه.
التفسير والبيان:
ليس عليك أو لا يجب عليك يا محمد أن تقود الناس إلى هداية الإسلام كرها، وإنما عليك البلاغ والإرشاد إلى الدين فقط، فتبشر من أطاع بالجنة، وتنذر من عصى بالنار، وأمر الهداية بمعنى التوفيق إلى الخير والسعادة والاهتداء إلى الإسلام مردّه إلى الله، بما وضع في النفوس من العقول، وما أبانه لهم من سنن وأدلّة ترشدهم إلى الدين الحق، فأمر يا محمد بالصدقة إلى كل من سألها من كل دين.
وثواب الصدقة وإنفاق المال في سبيل الله عائد بذاته لأنفسكم، ولا ينتفع به غيركم في الدنيا والآخرة. أما في الدّنيا فيصون المال، ويحصّن الثروة، ويحميكم من أذى الفقراء بالنّهب والسلب والسرقة؛ لأن الجائع يستبيح لنفسه كل شيء.
وأما في الآخرة فثوابه لكم بدخول الجنة وتكفير بعض السيئات والذنوب.
وإنكم لا تنفقون إلا طلبا لرضوان الله، لا لمصلحة دنيوية أو لإرضاء
стр. 828
الشيطان، وعلى ذلك فلا فرق بين فقير وفقير أيّا كان دينه، ولا داعي للمنّ والأذى، أو الرياء والسمعة؛ لأنك تقصد بنفقتك وجه الله وحده، وفعل الخير المحض، دون انتظار ثناء، أو جزاء الناس في الدّنيا،
قال ﷺ لسعد بن أبي وقاص في الحديث الصحيح: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلاّ أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك» أي فمها.
ثم أكّد سبحانه الآية السابقة: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ بمؤكّدين:
الأول-قوله: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي يصلكم ثوابه كاملا غير منقوص في الآخرة.
الثاني-قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أي لا يضيع عليكم منه شيء، ولا تبخسون منه شيئا، فيكون ذلك البخس ظلما، كقوله تعالى: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء ٤٧/ ٢١].
وكلّ هذا يدل على أن الإنفاق يكون للفقراء عامة، مسلمين أو غير مسلمين، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾.
﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ، لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان ٨/ ٧٦ - ٩].
والأسير في دار الإسلام لا يكون عادة إلا مشركا وقوله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة ٨/ ٦٠].
ويؤيد ذلك
ما روي في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «قال رجل: لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدّثون: تصدّق على زانية، فقال: اللهم لك الحمد: على زانية! لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فوضعها في يد غني، فأصبحوا
стр. 829
يتحدّثون: تصدّق الليلة على غني، قال: اللهم لك الحمد: على غني! لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدّثون: تصدّق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية، وعلى غني، وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زنا، ولعل الغني يعتبر، فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته».
ثم بيّن الله تعالى أحقّ الناس بالصدقة وهم الفقراء بالصفات الخمس التالية:
الصفة الأولى-الإحصار في سبيل الله:
أي الذين حبسوا أنفسهم للجهاد أو العمل في مرضاة الله كطلب العلم؛ إذ لو اشتغلوا بالكسب مثل غيرهم لتعطلت المصلحة العامة، فهم فداء الأمة وحماتها وقادتها الموجهون لها في وقت السّلم والحرب، وفي الشدّة والأزمة أو المحنة، والرفاه والرخاء أو السعادة. وقد عرفنا أن هذه الآية نزلت في أهل الصّفّة: وهم فقراء المهاجرين الذين كانوا حوالي أربعمائة رجل، وكانوا مرابطين في سقيفة المسجد، يتعلمون القرآن في الليل، ويجاهدون في النهار،
عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وقف يوما على أصحاب الصّفّة، فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم، فقال: «أبشروا يا أصحاب الصّفّة، فمن بقي من أمتي على النّعت الذي أنتم عليه، راضيا بما فيه، فإنه من رفقائي».
الصفة الثانية-العجز عن الكسب:
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا يتمكنون من القيام بالسفر أو السّير في البلاد للتجارة والكسب. والضرب في الأرض: هو السّفر، وعجزهم لأسباب عديدة: منها الكبر والشيخوخة، ومنها المرض، ومنها الخوف من العدو، ونحو ذلك من الضرورات.
стр. 830
الصفة الثالثة-التّعفف:
إظهار العفّة والتّرفع عن الطّمع مما في أيدي الناس، حتى إن الجاهل بحقيقة حالهم يظنّهم أغنياء، لعفّتهم وصبرهم وقناعتهم وتعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم. ورد في هذا المعنى حديث متّفق على صحّته
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي تردّه التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين: الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا» (١).
الصفة الرابعة-القرائن المميزة لهم:
﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ أي علامتهم، والتّعرّف عليهم يحتاج إلى فراسة المؤمن (٢)، وخبرة المجرّب، وحنكة ذوي البصيرة والعقل، والتّحرّي عنهم بالسؤال لمن يعرفهم من جيران وأقارب، وربما يستأنس بمظاهر الضّمور والنّحول والضّعف ورثاثة الثياب، وربما لا يكون ذلك دليلا مقنعا، فقد يتظاهر بعضهم بالفقر، وقد يكتسي بعضهم اللباس المعقول لعزّة نفسه، ويكون هو المحتاج، وغيره هو الكاذب.
الصفة الخامسة-عدم السؤال أصلا وعدم الإلحاح في السؤال:
﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً﴾ ومعناه في رأي جمهور المفسرين: أنهم متعففون عن المسألة عفة تامة، ويكون التعفف صفة ثابتة لهم، أي لا يسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح.
стр. 831
وقال قوم: إن المراد نفي الإلحاف، أي إنهم يسألون الناس غير إلحاف، وهذا هو المتبادر إلى الذهن والسابق للفهم، أي يسألون غير ملحفين، فلا يلحّون في المسألة، ولا يكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن المسألة، فقد ألحف في المسألة. وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافا، وهذا شأن أغلب الشّحاذين اليوم.
روى الأئمة، واللفظ لمسلم، عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تلحفوا في المسألة، فو الله لا يسألني أحد منكم شيئا، فتخرج له مسألته مني شيئا، وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته».
ثم ختمت الآية بأنه ما من نفقة صغيرة أو كبيرة إلا ويعلمها الله، ولا يخفى عليه الباعث على النفقة أو النيّة أيضا، فبحسن النية والإخلاص ففي النفقة دون أذى يحسن الجزاء، وبسوء النية يسوء الجزاء. وفي هذا ترغيب في الإنفاق الطيّب، وترهيب من الإنفاق الخبيث.
ثم أوضح الله تعالى ثواب المنفقين وجزاء الإنفاق في جميع الأحوال والأوقات، فمن تصدّق بأمواله ليلا أو نهارا، سرّا أو علانية، ولم يمتنع عن نفقة وقت الحاجة إليها، ومنها النفقة على الأهل، كما دلّ حديث النّبي ﷺ لسعد المتقدّم، فله الأجر الكامل عند ربّه وثوابه على الله لا على أحد سواه، ولا خوف عليه في الآخرة، ولا يتعرّض للحزن أبدا، أي فلا خوف عليه فيما يستقبله من أهوال يوم القيامة، ولا يحزن على ما خلّفه من أولاد ولا على ما فاته من الحياة الدّنيا وزهرتها، فلا يأسف عليها؛ لأنه قد صار إلى ما هو خير له من ذلك.
وإنما قدّم الليل على النهار، والسرّ على العلانية، للإشارة إلى تفضيل صدقة السرّ على صدقة العلانية.
стр. 832
فقه الحياة أو الأحكام:
أباحت الآية دفع صدقة التطوع لأي إنسان كان. أما الصدقة المفروضة (الزكاة) فلا يجزئ بالإجماع دفعها لكافر،
لقوله ﵊ فيما رواه الجماعة عن ابن عباس: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردّها في فقرائكم». وكذلك لا يجوز في رأي الجمهور دفع زكاة الفطر لكافر؛ لأنها طهرة للصيام، فلا تصرف إلى الكافر، كصدقة الماشية والنقود،
وقد قال النّبي ﷺ فيما رواه الدارقطني وغيره عن ابن عمر: «أغنوهم عن سؤال هذا اليوم» يعني يوم الفطر، لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد، وهذا لا يتحقّق في المشركين.
وجوّز أبو حنيفة ﵁ صرف صدقة الفطر إلى غير المسلم من أهل الذّمة، أخذا بعموم الآية في البرّ وإطعام الطّعام وإطلاق الصدقات.
ودلّت آية: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ على أن ثمرة النفقة عائد في الواقع إلى المنفق؛ لأنه سيجد جزاء أوفى على فعله، وأكّد تعالى هذا المعنى في جملتين تاليتين وهما: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ، وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾.
وأرشد قوله تعالى: ﴿وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ﴾ إلى أن النفقة المعتدّ بقبولها إنما هي ما كان ابتغاء وجه الله.
وأبانت آية: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا.﴾. صفات مستحقي النفقة وهم الفقراء، وقد أوضحناها في التفسير المتقدّم. وأن من أدب السؤال عدم الإلحاح في المسألة.
والسؤال في الإسلام محرّم إلا لضرورة، فلا يحلّ للقادر على الكسب بدليل
قوله ﷺ -فيما رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵁:
«لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مرّة سوي». والمرّة: القوة، والسّوي: سليم الأعضاء، والمراد به القادر على الكسب.
стр. 833
ولا تحلّ المسألة إلا لثلاث حددهم
النّبي ﷺ بقوله:
«المسألة لا تحلّ إلا لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دمّ موجع» (١)، والفقر المدقع: هو الشديد، وهو الذي يلصق صاحبه بالدقعاء:
وهي الأرض التي لا نبات فيها، والغرم: ما يلزم أداؤه تكلّفا؛ لا في مقابلة عوض، كالكفالة والنفقة لإصلاح ذات البين ونحوه من أعمال البرّ، كدفع مظلمة وحفظ مصلحة، والمفظع: الشديد، فلمن تحمل ذلك أن يسأل الإعانة على سداد ما غرم، وأما ذو الدّم الموجع: فهو الذي يتحمل الدّية عن الجاني من قريب أو نسيب أو صديق لئلا يقتل، فيتوجع لقتله.
والإلحاح في المسألة مع الغنى عنها حرام لا يحل،
أخرج مسلم عن النّبي ﷺ قال: «من سأل الناس أموالهم تكثّرا، فإنما يسأل جمرا، فليستقلّ أو ليستكثر»، و
أخرج أيضا عن ابن عمر أنّ النّبي ﷺ قال: «لا تزال المسألة بأحدكم، حتى يلقى الله، وليس في وجهه مزعة (٢) لحم»، و
روى أحمد وأبو داود وابن حبان عن سهل ابن الحنظلية عن رسول الله ﷺ قال: «من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من جمر جهنم، قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال:
ما يغديه أو يعشيه».
أما إذا كان السائل محتاجا فلا بأس أن يكرّر المسألة ثلاثا إعذارا وإنذارا، والأفضل تركه. فإن كان المسؤول يعلم بذلك، وهو قادر على ما سئله، وجب عليه الإعطاء، وإن كان جاهلا به، فيعطيه مخافة أن يكون صادقا في سؤاله،
стр. 834
فلا يفلح في ردّه (١).
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ.﴾. مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته، في جميع الأوقات، من ليل أو نهار، وفي جميع الأحوال سرّا أو علانية، لكن تقديم الليل على النهار، والسرّ على العلانية يومئ إلى تفضيل صدقة السرّ على صدقة العلن، كما بيّنا.
الرّبا وأضراره على الفرد والجماعة
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾
стр. 835
الإعراب::
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ﴾ الذين وصلته: مبتدأ، ولا يقومون: خبره. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ مبتدأ وخبره ﴿بِأَنَّهُمْ﴾. ﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ إنما ذكّر: جاء، لثلاثة أوجه:
الأول-حملا على المعنى؛ لأن موعظة بمعنى «وعظ». الثاني-لأن تأنيث موعظة مجازي ليس بحقيقي. الثالث-لوجود الفصل بالهاء.
﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ كان هاهنا تامة بمعنى حدث ووقع، ولا خبر لها، كقول الشاعر:
«إذا كان الشتاء فأدفئوني» أي حدث ووقع، وذو عسرة: عام في حقّ كل أحد. ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف وتقديره: فشأنه أو حاله فنظرة.
﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ مبتدأ، وخبره ﴿لَكُمْ﴾. ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ﴾ يوما: منصوب؛ لأنه مفعول ﴿اِتَّقُوا﴾، وترجعون: جملة فعلية في موضع نصب؛ لأنه صفة يوم. ورجع: يكون لازما ومتعديا، يقال: رجع زيد ورجعته، كما يقال: زاد الشيء وزدته، ونقص ونقصته.
البلاغة:
﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ الأصل أن يقال: الرّبا مثل البيع، ولكنهم قلبوا التّشبيه، فجعلوا المشبّه مكان المشبّه به، على سبيل «التشبيه المقلوب».
ويوجد طباق بين لفظ ﴿أَحَلَّ﴾ و ﴿حَرَّمَ﴾، وبين ﴿يَمْحَقُ﴾ و ﴿يُرْبِي﴾.
﴿كَفّارٍ أَثِيمٍ﴾ كلاهما من صيغ المبالغة، أي عظيم الكفر شديد الإثم.
﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ تنكير «حرب» للتهويل أي بنوع شديد من الحرب.
﴿لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ فيه ما يسمى «الجناس الناقص» لاختلاف شكل الحروف.
المفردات اللغوية:
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ أي يأخذون، عبّر بالأكل عن الأخذ أو الانتفاع بالرّبا؛ لأنه الغرض الأساسى منه، أي أن أغلب حالات الانتفاع هو الأكل. ويشمل ذلك الآخذ والمعطي،
стр. 836
لقوله ﷺ : «لعن رسول الله ﷺ آكل الرّبا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء» (١).
والرّبا في اللغة: الزّيادة، وفي الشرع: زيادة مال مخصوص بلا عوض في معاوضة مال بمال، أو الزّيادة في المعاملة من بيع أو قرض بالنقود والمطعومات في القدر أو الأجل. وهذا في رأي الشافعية، وحصره المالكية في ربا الفضل بالمقتات المدّخر، وأما في ربا النّسيئة فهم كالشافعية.
وعمه الحنفية والحنابلة على كل مكيل وموزون.
﴿لا يَقُومُونَ﴾ أي من قبورهم. ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ يصرعه. ﴿الْمَسِّ﴾ الجنون والصرع.
﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم. ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ وعظ وزجر. ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ أي لا يسترد منه ما أخذه قبل النّهي. ﴿وَأَمْرُهُ﴾ في العفو عنه إلى الله. ﴿وَمَنْ عادَ﴾ إلى أكل الرّبا مشبّها له بالبيع في الحلّ.
﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا﴾ ينقصه ويذهب بركته. ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ يزيدها وينميها ويضاعف ثوابها.
﴿كَفّارٍ﴾ مقيم على كفره بتحليل الرّبا. ﴿أَثِيمٍ﴾ فاجر أي بأكله الرّبا، ومصرّ على الإثم ومبالغ فيه. ﴿لا يُحِبُّ﴾ أي يعاقبه.
﴿اِتَّقُوا اللهَ﴾ أي قوا أنفسكم عقابه. ﴿وَذَرُوا﴾ اتركوا. ﴿فَأْذَنُوا﴾ اعلموا، من أذن بالشيء: علم به. ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ﴾ بغضب منه، وحرب من رسوله: بمعاملتكم معاملة البغاة وقتالكم بالفعل في عصره، واعتباركم أعداء له في كلّ عصر.
﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ رجعتم عنه. ﴿فَلَكُمْ رُؤُسُ﴾ أصول. ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾ لا تأخذون الزّيادة من الغريم. ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ بنقص شيء من رأس المال.
﴿وَإِنْ كانَ﴾ وجد غريم. ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ معسر بفقد المال أو كساد المتاع. ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ له، أي فعليكم تأخيره وانتظاره. ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ وقت اليسر والرّخاء. ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ على المعسر بالإبراء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه خير فافعلوه.
سبب النزول: نزول الآيتين (٢٧٨ - ٢٧٩):
أخرج أبو يعلى في مسنده وابن منده عن ابن عباس قال: بلغنا أن هذه الآية نزلت في بني عمرو بن عوف من ثقيف، وفي بني المغيرة من بني مخزوم، وكان بنو المغيرة يربون لثقيف (٢)، فلما أظهر الله رسوله على مكة، وضع يومئذ
стр. 837
الرّبا كلّه، فأتى بنو عمرو وبنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد، وهو على مكة، فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالرّبا، ووضع عن الناس غيرنا.
فقال بنو عمرو: صالحنا على أن لنا ربانا، فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية والتي بعدها.
وأخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في ثقيف، منهم مسعود، وحبيب، وربيعة، وعبد ياليل بنو عمرو وبنو عمير.
فقالت ثقيف: لا يد لنا-أي لا طاقة لنا-بحرب الله ورسوله، وتابوا، وأخذوا رؤوس أموالهم فقط.
نزول الآية (٢٨٠):
قال الكلبي: قالت بنو عمرو بن عمير لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا، ولكم الرّبا ندعه لكم، فقالت بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة، فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة، فأبوا أن يؤخروهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ الآية.
المناسبة:
كانت الآيات السابقة في النفقة أو الصدقة من المال بغير عوض، تقرّبا إلى الله، وطلبا لمرضاته، وتثبيتا لأنفسهم على الإيمان. وهذه الآيات في المرابين الذين يأخذون المال بلا عوض يقابله، والصدقة يبارك الله فيها، وأما الرّبا فيمحقه الله ويبطل بركته ونماءه، فالمناسبة بين الآيات التّضاد؛ لأن الضدّ أقرب خطورا بالبال من غيره.
التفسير والبيان:
الذين يأخذون الرّبا، ويستحلّونه حبّا في المال وعملا بالأهواء، ويأكلون
стр. 838
أموال الناس بالباطل ومن غير عمل ولا جهد: مثلهم في الاضطراب والقلق وتعذيب الضمير والوجدان والانهماك في الأعمال والدّنيا كمثل المصروعين الذين تتخبطهم الشياطين، وتمسّهم الجنّ، وتضربهم وتصرعهم، وهم في الآخرة-من وقت قيامهم من قبورهم إلى البعث والنشور-أشدّ تخبّطا واضطرابا وتثاقلا في حركاتهم، بسبب ثقل المال الحرام الذي أكلوه من الرّبا، مما جعلهم متميزين عن بقية الناس في تعثرهم وسقوطهم كلما همّوا بالنهوض والقيام، وهذه صورة في غاية القبح والبشاعة، ودليل على ما يحدثه النظام الرأسمالي الرّبوي في العالم المعاصر من هزّات وقلق واضطراب وخوف وأمراض عصبية ونفسية.
وجمهور المفسرين على أن المراد بقوله تعالى: ﴿لا يَقُومُونَ﴾ القيام من قبورهم يوم القيامة إلى بعثهم ونشورهم، فعلامتهم أنهم لا يقومون منها إلا كما يقوم المصروع حال صرعة وتخبّط الشيطان له،
قال ابن عباس-فيما رواه ابن أبي حاتم-: «آكل الرّبا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق».
واقتصر جماعة (وهم ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة ومقاتل بن حيان) على القول: بأنهم لا يقومون يوم القيامة. وإنما عبّر بالقيام؛ لأنه أبرز مظاهر النشاط في ممارسة العمل.
وذلك لأنهم فهموا خطأ وتصوروا باطلا أن الرّبا مثل البيع، أي أن الزّيادة الرّبوية عند حلول أجل الدين آخرا كمثل أصل الثمن في أول العقد؛ لأن العرب كانت لا تعرف إلا ذلك، فكانت إذا حلّ دينها قالت للغريم (المدين): إما أن تقضي، وإما أن تربي، أي تزيد في الدّين، فحرّم الله سبحانه ذلك عليهم.
وبعبارة أخرى: كما يجوز لك أن تبيع الشيء في الحال نقدا بدرهمين، فلماذا لا يصحّ أن تأخذ درهما في وقت الحاجة، ثم تدفع في وقت اليسار درهمين؟! وسبب الزيادتين واحد وهو الأجل.
стр. 839
فردّ الله تعالى عليهم وأبان قياسهم الفاسد بقوله الحق: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ، وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ أي أن البيع لا يكون إلا لحاجة وهو معاوضة لا غبن فيه، والرّبا محض استغلال لحاجة المضطر، وليس له مقابل ولا عوض (١)، فقياسهم فاسد، فمن يشتري شيئا من الطعام ويدفع ثمنه في الحال، هو محتاج إليه في الأكل أو البذر أو أي انتفاع يصون به حياته وجسده، أما من يرابي، فلا يعقد عقد معاوضة، وإنما يأخذ الزّيادة عن أصل الدّين وقت حلول أجل الوفاء بدون مقابلة شيء، بل إن المصارف اليوم تشبه في عملها أفعال الجاهلية بتجميع الفوائد المتراكمة أو المركّبة، وأخذ الفائدة وفائدة الفائدة مع مرور السنوات، فصار حملة أسهم المصرف يأكلون الرّبا أضعافا مضاعفة، وأخذ هذه الزّيادة وتوابعها ظلم موجب للإثم والمعصية الكبيرة.
فمن بلغه تحريم الرّبا، فانتهى عمّا كان يفعله، فله ما سلف أخذه من الرّبا في الجاهلية، وأمره بالعفو عنه أو بالحكم فيه بالعدل، وإسقاط التّبعة عنه يوم القيامة إلى الله تعالى.
ومن عاد إلى أخذ الرّبا بعد تحريمه، فقد استوجب العقوبة، واستحقّ الخلود في نار جهنم. والمراد بالخلود هنا: المكث الطويل إذا كان الفاعل مؤمنا، وعبّر به تغليظا لفعله.
ثم نبّه الله تعالى على أضرار الرّبا وتبديد أثره، فالرّبا يذهب الله بركته، ولا ينميه ولا يزيده في الحقيقة والواقع، وإن زاد المال بسببه في الظاهر، فهو إلى ضياع وفناء. أما الصدقة: فالله ينميها ويبارك فيها، ويضاعف ثوابها، ففي الدنيا ما نقصت صدقة من مال قط، والله يعوّض المتصدّق خيرا في بيع أو شراء أو ارتفاع ثمن أرض أو سلعة أو متاع، وفي الآخرة يجد المتصدق ثواب عمله أضعافا
стр. 840
مضاعفة. ومن مظاهر النّماء المعنوية في الصدقة: أنّ المتصدّق محبوب عند الله وعند الناس، فلا حسد ولا بغض ولا سرقة ولا إيذاء، ومن مظاهر المحق الأدبية في الرّبا: أنّ المرابي مبغوض مكروه عند الله وعند الناس، الكلّ حاسد له وشامت إن ألمّ به أمر مكروه، والكلّ ينتظر له المصير المشؤوم، وهذا أمر ملحوظ في واقع المرابين، فسرعان ما يبدّدون المال، وعاقبتهم تكون في صحّتهم وثروتهم سيئة للغاية، فهم إن بدا عليهم الغنى وقتا ما، فإن الفقر في النهاية هو المحدق بهم غالبا.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيّب، ولا يقبل الله تعالى إلا طيّبا، فإن الله تعالى يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل».
هذا في نماء الصدقة، وأمّا الرّبا فقد عبّرت الآية بالإضافة إلى محقه، بأن الله يعاقب صاحبه ويبغضه، ولا يرضى عن كل من يصرّ على ارتكاب المحرّمات ويحلّها، ويبغض كل كفّار أي متماد مبالغ في كفر ما أنعم الله عليه، فلا ينفق منه في سبيله، ويبغض كل أثيم أي منهمك في ارتكاب الآثام أو المعاصي، فيستغل حاجة المعسرين، ففيه تغليظ أمر الرّبا وإيذان بأنه من فعل الكفار، لا من فعل أهل الإسلام.
ثم قارن الله-كما هو شأن القرآن-فعل الكفار الآثمين بفعل المؤمنين الصالحين، ليظهر الفرق واضحا بين الفريقين، فيكون ذلك أدعى إلى امتناع الجاحد وامتثال المؤمن الصادق. فقال: إن الذين صدقوا بالله ورسوله وبما جاءهم من الأوامر والنواهي، وعملوا الصالحات التي تصلح بها نفوسهم كمواساة المحتاجين، وإنظار المعسرين، وأقاموا الصلاة التي تذكّر المؤمن بربّه وتقرّبه إليه، وأتوا الزكاة المفروضة التي تساهم في تخفيف الفقر ومحبة الناس لبعضهم، لهم
стр. 841
ثواب كامل مدّخر عند ربّهم الذي تعهدهم بالرّعاية في شؤونهم، ولا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات.
وخصّ الله تعالى الصّلاة والزّكاة مع شمول الأعمال الصالحة لهما، اهتماما بشأنهما؛ لأنهما أعظم أركان العبادة العملية.
وبعد هذه المقارنة بين جزائي أكلة الرّبا والمؤمنين العاملين الصالحات، جاء الأمر الصريح القاطع بترك الرّبا والتخلّص من مختلف آثاره، ومضمونه: يا من اتّصفتم بالإيمان المتنافي مع كلّ حرام، قوا أنفسكم عقاب ربّكم على ترك الأوامر وفعل المنهيات، واتركوا ما بقي لكم من الرّبا عند الناس حالا، وإياكم والتعامل به من جديد إن كنتم مؤمنين حقّا، وإلا فلستم بمؤمنين كاملي الإيمان؛ لأن الإيمان طاعة والتزام فلا إيمان مع المعاصي، وهو سلام ورحمة وعطف وصلة، فلا إيمان مع تعاطي الرّبا؛ لأن الرّبا ظلم وجشع واستغلال يتنافى مع الإخاء والإنسانية. ثم ذكر الله الوعيد على المخالفة فقال:
فإن لم تتركوا الرّبا وما بقي منه-والخطاب للمؤمنين-فإنكم محاربون لله ولرسوله أي أعداء خارجون عن شريعته، وهذا معنى قوله: ﴿فَأْذَنُوا﴾ أي اعلموا، وحرب الله: غضبه وانتقامه من أكلة الرّبا، في الدّنيا بإلحاق الضّرر، وفي الآخرة بالعذاب في النار، وحرب رسوله: معاداته، ومن حارب الله ورسوله استحقّ القتال، لتجاوز شرع الله وأحكامه.
وإن رجعتم عن الرّبا امتثالا لأمر الله، فتستحقون رؤوس أموالكم كاملة فقط، لا نقص ولا زيادة، فلا تظلمون أحدا بأخذ الرّبا، ولا تظلمون بنقص شيء من أموالكم.
ثم يأمر الله تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقرر ما يلي:
إن تعاملتم مع فقير معسر. ولم يتمكن من سداد دينه في الأجل المحدد،
стр. 842
فأمهلوه وانتظروه إلى وقت اليسر والرّخاء، حتى يتمكّن من أداء الدّين،
كقوله ﷺ فيما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة: «من نفّس عن مؤمن كربة، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدّنيا والآخرة»، والعسرة: ضيق الحال من جهة عدم المال، والنّظرة:
التّأخير، والميسرة: مصدر بمعنى اليّسر.
وأن تتصدّقوا على المعسر أو الغريم بإبرائه من الدّين كله أو بعضه، فهو خير لكم من الإنظار والتّأجيل، وأكثر ثوابا عند الله، إن كنتم تعلمون أنه خير، ومن علم بشيء عمل به. وفي هذا حثّ على السماحة للمدين المعسر، لما فيه من تعاون وتعاضد وتراحم،
كقوله ﷺ فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي موسى: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا»، و
قوله أيضا-فيما رواه الطّحاوي عن بريدة بن الخصيب-: «من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة، ثم قلت: بكل يوم مثله صدقة؛ قال: بكل يوم صدقة ما لم يحلّ الدّين، فإذا أنظره بعد الحلّ، فله بكل يوم مثله صدقة».
وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من أراد أن تستجاب دعوته، وأن تكشف كربته، فليفرّج عن معسر».
وروى مسلم عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلاّ أنه كان يخالط الناس، وكان موسرا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال: قال الله :
نحن أحقّ بذلك منه، تجاوزوا عنه».
وفي حديث طويل لأبي اليسر (كعب بن عمرو) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول فيما رواه أحمد ومسلم: «من أنظر معسرا أو وضع عنه، أظله الله في ظلّه»، وإنظار المعسر: تأخيره إلى أن يوسر، والوضع عنه: إسقاط الدّين عن ذمّته.
ثم أمر الله تعالى بالتّقوى أمرا عامّا ونبّه خلقه على محاسبتهم يوم القيامة،
стр. 843
وحدد مصير المتّقين وذكرهم بزوال الدنيا وما فيها من أموال، ومضمون ذلك:
اتّقوا واحذروا يوما عظيما ترجعون فيه إلى الله تعالى، فيحاسبكم على ما عملتم، ويجازيكم على ما كسبتم من خير أو شرّ، فيثيبكم على الخير ويعاقبكم على الشّر، ويجازى كل امرئ بما يستحق من خير أو شرّ، ولا تظلمون فلا ينقص من ثوابكم شيئا، ولا يزاد في عقوبتكم، كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء ٤٧/ ٢١].
قال ابن جريج: إنّ آية ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً..﴾. نزلت قبل موت النّبي ﷺ بتسع ليال، ثم لم ينزل بعدها شيء، وقال ابن جبير ومقاتل: بسبع ليال، وروي: بثلاث ليال، أو بثلاث ساعات،
وقال ﵊:
«اجعلوها بين آية الرّبا وآية الدّين».
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: «آخر ما نزل من القرآن كله:
﴿وَاتَّقُوا يَوْماً.﴾. وعاش النّبي ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول».
وروى النسائي وغيره عن عبد الله بن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ فكان بين نزولها وموت النّبي ﷺ واحد وثلاثون يوما.
مراحل تحريم الرّبا:
حرّم الله الرّبا في القرآن كتحريم الخمر في أربعة مواضع، وسار التّحريم في مراحل أربع، الموضع الأول منها مكي، والباقي مدني.
١ - ففي مكّة أنزل الله: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ، فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ [الروم ٣٩/ ٣٠]، وهذا يقابل آية الخمر المكيّة: ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ
стр. 844
النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ [النحل ٦٧/ ١٦]، وفي كلا الآيتين تمهيد للتحريم وتعريض به وإيماء إلى ضرورة تجنّبه.
٢ - ثم قصّ علينا القرآن في المدينة سيرة اليهود الذين حرّم عليهم الرّبا فأكلوه وعاقبهم الله بمعصيتهم، فقال: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ.﴾. (١) [النساء ١٦١/ ٤]، وهذا نظير المرحلة الثانية في تحريم الخمر: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، قُلْ: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ، وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ [البقرة ٢١٩/ ٢]، وكلا الآيتين إنذار بالتّحريم، وتعريض به، وإيذان بعقوبة المخالف.
٣ - ثم نهى تعالى عن الرّبا الفاحش الذي يتزايد حتى يصير أضعافا مضاعفة، وهو ما كان في الجاهلية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً.﴾. [آل عمران ١٣٠/ ٣]. وهذا يشابه المرحلة الثالثة من مراحل تحريم الخمر: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ.﴾. [النساء ٤٣/ ٤]، فكلا الآيتين نهي جزئي صريح، إلا أنّ آية الرّبا نهي عن صورة فاحشة من صور الرّبا وهو الرّبا الجاهلي، وآية الخمر نهي جزئي عن تناول المسكر وقت إرادة الصلاة.
٤ - ثم جاء التّحريم القاطع لكلّ من الرّبا والخمر، أما الرّبا فقد نهى الله عن كل ما يزيد عن رأس مال المدين: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.﴾. الآيات. وأما الخمر فقد أمر الله باجتنابه في كل الأحوال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة ٩٠/ ٥].
стр. 845
وقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ اللام للجنس أي حرّم جنس الرّبا، وليست للمعهود الذهني وهو ربا الجاهلية أو ربا النّسيئة، وإنما يفيد النّص بإلاقه تحريم جميع أنواع الرّبا، مثل إباحة أنواع البيع في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾.
فقه الحياة أو الأحكام:
وفيه بيان نوعي الربا وسبب تحريمه:
تضمّنت الآيات أمورا خمسة: إباحة البيوع، وتحريم الرّبا والحملة الشديدة على أكلة الرّبا، والصبر على المعسر (نظرية الميسرة)، وجزاء الإيمان والعمل الصالح، والأمر بالتقوى والتذكير بزوال الدنيا وإتيان الآخرة.
الموضوع الأول:
إباحة سائر البيوع التي ليس فيها نهي شرعي عنها، والبيع: هو تمليك مال بمال بإيجاب وقبول عن تراض منهما.
الموضوع الثاني:
تحريم الرّبا وإعلان الحرب على أكلته من الله ورسوله: والرّبا في اللغة:
الزيادة مطلقا، يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد. وفي الشرع: فضل مال بدون عوض في معاوضة مال بمال. والرّبا نوعان: ربا النّسيئة وربا الفضل.
وربا النّسيئة: هو الزيادة الفعلية في أحد العوضين بسبب الأجل، أو تأخير تسليم أحد العوضين لأجل بدون زيادة. ويكون إما في القرض أو في البيع.
وصورته في القرض: أن يتمّ إقراض قدر معيّن من المال لزمن محدود كسنة أو شهر، مع اشتراط زيادة عند الوفاء بسبب امتداد الأجل. وهذا هو الذي كان متعارفا في الجاهلية بين العرب، لا يعرفون غيره، فكانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر