← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ثواب كامل مدّخر عند ربّهم الذي تعهدهم بالرّعاية في شؤونهم، ولا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات. وخصّ الله تعالى الصّلاة والزّكاة مع شمول الأعمال الصالحة لهما، اهتماما بشأنهما؛ لأنهما أعظم أركان العبادة العملية. وبعد هذه المقارنة بين جزائي أكلة الرّبا والمؤمنين العاملين الصالحات، جاء الأمر الصريح القاطع بترك الرّبا والتخلّص من مختلف آثاره، ومضمونه: يا من اتّصفتم بالإيمان المتنافي مع كلّ حرام، قوا أنفسكم عقاب ربّكم على ترك الأوامر وفعل المنهيات، واتركوا ما بقي لكم من الرّبا عند الناس حالا، وإياكم والتعامل به من جديد إن كنتم مؤمنين حقّا، وإلا فلستم بمؤمنين كاملي الإيمان؛ لأن الإيمان طاعة والتزام فلا إيمان مع المعاصي، وهو سلام ورحمة وعطف وصلة، فلا إيمان مع تعاطي الرّبا؛ لأن الرّبا ظلم وجشع واستغلال يتنافى مع الإخاء والإنسانية. ثم ذكر الله الوعيد على المخالفة فقال: فإن لم تتركوا الرّبا وما بقي منه-والخطاب للمؤمنين-فإنكم محاربون لله ولرسوله أي أعداء خارجون عن شريعته، وهذا معنى قوله: ﴿فَأْذَنُوا﴾ أي اعلموا، وحرب الله: غضبه وانتقامه من أكلة الرّبا، في الدّنيا بإلحاق الضّرر، وفي الآخرة بالعذاب في النار، وحرب رسوله: معاداته، ومن حارب الله ورسوله استحقّ القتال، لتجاوز شرع الله وأحكامه. وإن رجعتم عن الرّبا امتثالا لأمر الله، فتستحقون رؤوس أموالكم كاملة فقط، لا نقص ولا زيادة، فلا تظلمون أحدا بأخذ الرّبا، ولا تظلمون بنقص شيء من أموالكم. ثم يأمر الله تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقرر ما يلي: إن تعاملتم مع فقير معسر. ولم يتمكن من سداد دينه في الأجل المحدد،

стр. 842

فأمهلوه وانتظروه إلى وقت اليسر والرّخاء، حتى يتمكّن من أداء الدّين، كقوله ﷺ فيما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة: «من نفّس عن مؤمن كربة، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدّنيا والآخرة»، والعسرة: ضيق الحال من جهة عدم المال، والنّظرة: التّأخير، والميسرة: مصدر بمعنى اليّسر. وأن تتصدّقوا على المعسر أو الغريم بإبرائه من الدّين كله أو بعضه، فهو خير لكم من الإنظار والتّأجيل، وأكثر ثوابا عند الله، إن كنتم تعلمون أنه خير، ومن علم بشيء عمل به. وفي هذا حثّ على السماحة للمدين المعسر، لما فيه من تعاون وتعاضد وتراحم، كقوله ﷺ فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي موسى: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا»، و قوله أيضا-فيما رواه الطّحاوي عن بريدة بن الخصيب-: «من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة، ثم قلت: بكل يوم مثله صدقة؛ قال: بكل يوم صدقة ما لم يحلّ الدّين، فإذا أنظره بعد الحلّ، فله بكل يوم مثله صدقة». وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من أراد أن تستجاب دعوته، وأن تكشف كربته، فليفرّج عن معسر». وروى مسلم عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلاّ أنه كان يخالط الناس، وكان موسرا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال: قال الله : نحن أحقّ بذلك منه، تجاوزوا عنه». وفي حديث طويل لأبي اليسر (كعب بن عمرو) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول فيما رواه أحمد ومسلم: «من أنظر معسرا أو وضع عنه، أظله الله في ظلّه»، وإنظار المعسر: تأخيره إلى أن يوسر، والوضع عنه: إسقاط الدّين عن ذمّته. ثم أمر الله تعالى بالتّقوى أمرا عامّا ونبّه خلقه على محاسبتهم يوم القيامة،

стр. 843

وحدد مصير المتّقين وذكرهم بزوال الدنيا وما فيها من أموال، ومضمون ذلك: اتّقوا واحذروا يوما عظيما ترجعون فيه إلى الله تعالى، فيحاسبكم على ما عملتم، ويجازيكم على ما كسبتم من خير أو شرّ، فيثيبكم على الخير ويعاقبكم على الشّر، ويجازى كل امرئ بما يستحق من خير أو شرّ، ولا تظلمون فلا ينقص من ثوابكم شيئا، ولا يزاد في عقوبتكم، كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء ٤٧/ ٢١]. قال ابن جريج: إنّ آية ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً..﴾. نزلت قبل موت النّبي ﷺ بتسع ليال، ثم لم ينزل بعدها شيء، وقال ابن جبير ومقاتل: بسبع ليال، وروي: بثلاث ليال، أو بثلاث ساعات، وقال ﵊: «اجعلوها بين آية الرّبا وآية الدّين». وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: «آخر ما نزل من القرآن كله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً.﴾. وعاش النّبي ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول». وروى النسائي وغيره عن عبد الله بن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ فكان بين نزولها وموت النّبي ﷺ واحد وثلاثون يوما. مراحل تحريم الرّبا: حرّم الله الرّبا في القرآن كتحريم الخمر في أربعة مواضع، وسار التّحريم في مراحل أربع، الموضع الأول منها مكي، والباقي مدني. ١ - ففي مكّة أنزل الله: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ، فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ [الروم ٣٩/ ٣٠]، وهذا يقابل آية الخمر المكيّة: ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ

стр. 844

النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ [النحل ٦٧/ ١٦]، وفي كلا الآيتين تمهيد للتحريم وتعريض به وإيماء إلى ضرورة تجنّبه. ٢ - ثم قصّ علينا القرآن في المدينة سيرة اليهود الذين حرّم عليهم الرّبا فأكلوه وعاقبهم الله بمعصيتهم، فقال: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ.﴾. (١) [النساء ١٦١/ ٤]، وهذا نظير المرحلة الثانية في تحريم الخمر: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، قُلْ: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ، وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ [البقرة ٢١٩/ ٢]، وكلا الآيتين إنذار بالتّحريم، وتعريض به، وإيذان بعقوبة المخالف. ٣ - ثم نهى تعالى عن الرّبا الفاحش الذي يتزايد حتى يصير أضعافا مضاعفة، وهو ما كان في الجاهلية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً.﴾. [آل عمران ١٣٠/ ٣]. وهذا يشابه المرحلة الثالثة من مراحل تحريم الخمر: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ.﴾. [النساء ٤٣/ ٤]، فكلا الآيتين نهي جزئي صريح، إلا أنّ آية الرّبا نهي عن صورة فاحشة من صور الرّبا وهو الرّبا الجاهلي، وآية الخمر نهي جزئي عن تناول المسكر وقت إرادة الصلاة. ٤ - ثم جاء التّحريم القاطع لكلّ من الرّبا والخمر، أما الرّبا فقد نهى الله عن كل ما يزيد عن رأس مال المدين: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.﴾. الآيات. وأما الخمر فقد أمر الله باجتنابه في كل الأحوال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة ٩٠/ ٥].

стр. 845

وقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ اللام للجنس أي حرّم جنس الرّبا، وليست للمعهود الذهني وهو ربا الجاهلية أو ربا النّسيئة، وإنما يفيد النّص بإلاقه تحريم جميع أنواع الرّبا، مثل إباحة أنواع البيع في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾. فقه الحياة أو الأحكام: وفيه بيان نوعي الربا وسبب تحريمه: تضمّنت الآيات أمورا خمسة: إباحة البيوع، وتحريم الرّبا والحملة الشديدة على أكلة الرّبا، والصبر على المعسر (نظرية الميسرة)، وجزاء الإيمان والعمل الصالح، والأمر بالتقوى والتذكير بزوال الدنيا وإتيان الآخرة. الموضوع الأول: إباحة سائر البيوع التي ليس فيها نهي شرعي عنها، والبيع: هو تمليك مال بمال بإيجاب وقبول عن تراض منهما. الموضوع الثاني: تحريم الرّبا وإعلان الحرب على أكلته من الله ورسوله: والرّبا في اللغة: الزيادة مطلقا، يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد. وفي الشرع: فضل مال بدون عوض في معاوضة مال بمال. والرّبا نوعان: ربا النّسيئة وربا الفضل. وربا النّسيئة: هو الزيادة الفعلية في أحد العوضين بسبب الأجل، أو تأخير تسليم أحد العوضين لأجل بدون زيادة. ويكون إما في القرض أو في البيع. وصورته في القرض: أن يتمّ إقراض قدر معيّن من المال لزمن محدود كسنة أو شهر، مع اشتراط زيادة عند الوفاء بسبب امتداد الأجل. وهذا هو الذي كان متعارفا في الجاهلية بين العرب، لا يعرفون غيره، فكانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر

стр. 846

قدرا معيّنا، فإذا حلّ أجل الدّين طولب المدين بكلّ الدّين، فإذا تعذّر الأداء زادوا في الحقّ والأجل، قائلين: إما أن تقضي أو تربي، أي تزيد الدّين مع زيادة الأجل، فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطالب عليه. وهذا هو المستعمل الآن في المصارف المالية، وهو الذي نصّ القرآن الكريم على تحريمه. وقد اتّفق العلماء على أنّه محرّم، وأنه من الكبائر، وأنّ التّحريم لا يقتصر على آخذ الرّبا، وإنما يشتمل الدافع والكاتب والشاهدين، للحديث المتقدم الذي رواه أحمد وغيره عن ابن مسعود: «لعن الله آكل الرّبا وموكله وكاتبه وشاهده». وأما ربا النّسيئة في البيوع: فمثاله: بيع رطل من القمح برطل ونصف يدفع للبائع بعد شهرين، أو بيع صاع من القمح بصاعين من الشعير يدفعان له بعد ثلاثة أشهر، فهو حرام بسبب الزيادة الواضحة، وقد يكون بدون زيادة وهو حرام أيضا كبيع رطل من التمر ناجز تسليمه برطل آخر من التمر مؤجل التسليم، ولا يلجأ لهذا البيع عادة إلا بسبب كون الرّطل الحالي أكثر قيمة في الواقع من المؤخر تسليمه؛ لأن المعيّن خير من الدّين في الذّمة، والمعجّل أكثر قيمة من المؤجّل. وهذا النوع حرام لقوله ﷺ فيما يرويه الشيخان من حديث أسامة: «لا ربا إلا في النسيئة». وربا الفضل في البيوع: هو أن يباع مال مخصوص مع زيادة أحد العوضين على الآخر، كبيع رطل من القمح أو العسل أو التّمر برطلين، وبيع درهم بدرهمين. وهو حرام للحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد الخدري وعبادة بن الصامت ﵄ عن النّبي ﷺ -وأختار هنا ما رواه مسلم-قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه

стр. 847

الأجناس، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» أي مقابضة. وهذا الحديث حينما بلغ ابن عباس الذي كان لا يحرّم إلا ربا النّسيئة، ويجيز ربا الفضل، رجع عن قوله. وأجيب عن حديث: «إنما الرّبا في النّسيئة» بأن القصد منه بيان الرّبا الأشد خطورة، الأكثر وقوعا، أو أنه محمول على حالة التفاضل بين جنسين مختلفين كبيع رطل من القمح برطلين من الشّعير إلى أجل، فإن النّسيئة في ذلك حرام، وأما التفاضل في الحال فليس حراما. وقد يكون ربا الفضل في القرض: وهو الزيادة المشروطة للدّائن بغير مقابل، كأن أقرض خالد عليّا مائة دينار على أن يدفع له في العام القادم مائة وعشرة. والخلاصة: أن الآية دلّت بإطلاقها عن التقييد بربا النّسيئة على تحريم كل من ربا النّسيئة الجاهلي وربا الفضل أيضا بسبب الزيادة، ويحرم أيضا الصلح على خمسمائة حالّة (معجّلة) مثلا مع من عليه ألف مؤجّلة، فإن هذا في معنى ربا الجاهلية الذي كان قرضا مؤجّلا بزيادة مشروطة، فكانت الزّيادة عوضا عن الأجل، وفي مسألة الصلح انتفع المدين بباقي الدّين مقابل إسقاط الأجل، فيصبح منتفعا بزيادة (فضل) من المال بدون عوض مالي. ومن أنواع الرّبا: بيع الدّين بالدّين، روى الدارقطني عن ابن عمر عن النّبي ﷺ : «أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ». والخلاصة: أن قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ مجمل متوقف على ورود البيان، فمن الرّبا ما هو بيع، ومنه ما ليس ببيع وهو ربا الجاهلية: وهو القرض المشروط فيه الأجل وزيادة مال على المستقرض. وهل تحريم الرّبا مقصور على الأصناف الستّة المذكورة في الحديث السابق، أو يقاس عليها ما في معناها؟

стр. 848

قال نفاة القياس وهم الظاهرية: إن الحرمة مقصورة على هذه الأصناف الستّة، لا يزاد عليها. وقال جمهور الفقهاء منهم أئمة المذاهب الأربعة: إن الحرمة غير مقصورة على هذه الأصناف، وإنما تتعدّاها إلى كل شيء هو في معناها، لأن النّص معلل بعلة مفهومة منه، فتتعدى الحرمة إلى كلّ ما توجد فيه العلّة، إذ لا تعقل التّفرقة بين متماثلين، وإنما نصّ الحديث على أصول الأشياء في عصر النّبوّة. فقال الحنفية، والحنابلة في أشهر الروايات الثلاث عندهم: إنّ العلّة هي اتّحاد هذه الأصناف في الجنس والقدر، أي الكيل والوزن، فمتى اتّحد العوضان في الجنس، والقدر الذي يباع به من كيل أو وزن، حرم الرّبا بنوعيه، كبيع الحنطة بالحنطة، والحديد بالحديد، وإذا عدما معا حلّ التفاضل والنّسيئة كبيع الحنطة بالدراهم إلى أجل، وإذا عدم القدر واتّحد الجنس حلّ التفاضل دون النّسيئة، كتفاحة بتفاحتين، وإذا عدم الجنس واتّحد القدر حلّ الفضل دون النّسيئة أيضا كبيع الحنطة بالشّعير. وقال الشافعية، والمالكية في ظاهر المذهب: علّة تحريم الزيادة في الذهب والفضة هي النقدية (أي الثمنية-كونهما ثمنا للأشياء عادة). والعلّة في الطّعام في ربا النّسيئة: هي مجرّد المطعومية، لكن عند المالكية: على غير وجه التداوي، وعند الشافعية: ولو بقصد التداوي، فيحرم هذا الرّبا في الخضار والفاكهة، وأما المأخوذ تداويا فلا ربا فيه عند المالكية، وفيه الرّبا عند الشافعية. وأما علّة ربا الفضل: فقد اختلف هذان المذهبان فيها، فذهب المالكية إلى أنّ العلّة هي اتّحاد الجنس مع الاقتيات والادّخار، فيجري هذا الرّبا في الحبوب كلّها والزّبيب واللحوم والألبان وما يصنع منها، ولا يجري في الخضروات والفواكه

стр. 849

لعدم قابليتها الادّخار، وفي معنى الاقتيات: إصلاح القوت كملح ونحوه من التوابل والخلّ والبصل والثوم والزيت والسّمن. وذهب الشافعية إلى أن العلة في الطعام: هي اتّحاد الجنس والطعمية أي كونها مطعومة، والمطعوم يشمل كل ما يصلح الجسد مما يؤخذ اقتياتا أو تفكها أو تداويا. واتفق الجمهور على منع بيع التمرة الواحدة بالتمرتين والحبة الواحدة من القمح بحبتين، إذ لا فرق بين كثرة المال الربوي وقلته، وأجاز الحنفية هذا البيع، لأنه لا مكيل ولا موزون، فجاز فيه التفاضل. وقال الجمهور: عقد الربا مفسوخ لا يجوز بحال، فيجب فسخ صفقة الربا ولا تصح بحال. وقال الحنفية: بيع الربا فاسد، لأنه بيع جائز بأصله من حيث هو بيع، ممنوع بوصفه من حيث هو ربا، فيسقط الربا ويصح البيع. ويلاحظ أن أكثر البيوع الممنوعة إنما منعت بسبب وجود معنى الزيادة إما في عين المال، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه. وهناك بيوع ممنوعة ليس فيها معنى الزيادة، كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وكالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة. ويلاحظ أيضا أن الجودة والصنعة في الأموال الربوية ملغاة، فجيدها ورديئها سواء، سدا للذرائع، ولا ينظر إلى الصنعة، فالدينار الذهبي المسكوك والدرهم الفضي المسكوك والذهب والفضة غير المسكوكين (التبر) سواء، وكذا الذهب أو الفضة غير المصوغ والمصوغ حليا سواء أيضا، خلافا لما كان يراه معاوية بن أبي سفيان، فقد اتفق العلماء على أن ما ذهب إليه معاوية غير جائز، وليس مستبعدا أن يكون قد خفي عليه ما قد علمه أبو الدرداء وعبادة اللذان جادلا معاوية في خطأ رأيه، لما ثبت عن النبي ﷺ من تحريم التفاضل في بيع الذهب والفضة والمطعومات.

стр. 850

وبناء عليه يجب بيع الشيء بجنسه بوزن مساوله، وإن اختلفا في الصياغة وعدمها، ويصح بيع الذهب أو الفضة بالنقود الورقية الحالية مع التفاضل، لاختلاف الجنس، بشرط التقابض في مجلس العقد لكونهما نقدين، سدا للذرائع، وبسبب تفاوت سعر الذهب والفضة ارتفاعا وانخفاضا بين وقت وآخر، فما يحدث في أسواق الصاغة من بيع وشراء كيلو ذهب مثلا أو سبيكة بوزن معين وبسعر معين دون قبض المبيع ودفع الثمن نقدا: لا يجوز شرعا، درءا للمنازعات. سبب تحريم الربا: الإسلام دين الجهد والعمل، والتعاطف والتراحم، والود والحب والوئام، والصفاء وسلامة النفوس من الأحقاد، والحق والعدل. فلا يجيز كسبا بغير عمل، ويرغب في الصدقة والقرض الحسن، ويحرم استغلال حاجة الضعيف، ويحظر كل ما يؤدي إلى العداوة والبغضاء والمنازعات، ويستأصل الحقد والحسد والجشع والطمع من النفوس، ويوجب أخذ المال من طريق مشروع حلال لا ظلم فيه، ويكره تكديس الثروة في أيدي فئة قليلة من الناس تتحكم في مصائر الآخرين وأقواتهم وتتلاعب باقتصاديات الدولة والأمة. لهذه المبادئ السامية كلها، وحفاظا عليها حرم الله الربا للأضرار التالية: ١ - إنه يعوّد الإنسان على التكسب بدون عمل أو حرفة، كالتجارة أو الصناعة أو الزراعة أو المهنة الشريفة التي اقتضتها ظروف الحياة المعاصرة مثل الطبابة والهندسة والصيدلة والمحاماة بشرط الدفاع عن الحق والعدل وتحامي الدفاع بالباطل، أو تبرئة الجاني أو المجرم. وهذا يجعل المرابين مصاصين لدماء الفئة العاملة الكادحة، ويعتمد في عيشه ودخله على مورد بغير جهد، وذلك مما يستفيده من فوائد الأموال المودعة في المصارف الربوية للإقراض بفائدة.

стр. 851

٢ - والربا هو مجرد كسب من غير عوض، والشرع يحرم أخذ المال ظلما بغير حق شرعي، ويمنع استغلال القوي الضعيف. ٣ - إنه يؤدي إلى زرع الأحقاد والحسد في قلوب الفئة الفقيرة على الأغنياء، ويولد العداوة والبغضاء، ويثير المشاحنات والخصومات بين الناس، إذ هو يقضي على عاطفة التراحم والتعاون، ويجعل الإنسان عبدا للمال، وكأنه ذئب ينقض على ما في جيوب الناس بأسلوب هادئ ماكر خبيث دون إثارة أو معرفة الغريم. ٤ - إنه يقضي على وشائج الصلة بين الناس، ويقطع المعروف بينهم بالقرض الحسن، ويسلب مال الفقير أو المحتاج وهو في أشد حالات الحاجة والعوز، لتسيير شؤون عمله وحياته. ٥ - إن عاقبته العامة تدمير القيم الإنسانية وتوليد الصراع بين الأفراد، والتحكم في الاقتصاد العام للأمة، وعاقبته الخاصة الوقوع في الخراب والفقر والحرمان في نهاية الأمر، إذ يمحق الله الربا، ويربي الصدقات، كما بينا. والخراب يشمل المرابي، كما يشمل دافع الربا، فكثير ما أدى اقتراض المزارعين من المصارف الزراعية إلى بيع أراضيهم لتسديد القروض المصرفية وفوائدها، لأن الزراعة كثيرة النفقات، معرضة للآفات الزراعية، والقحط والجدب. وكذلك أصحاب المعامل وتجار المحلات إذا اقترضوا من المصارف لا يتمكنون غالبا من سداد الديون، ويصبحون عاجزين عنها وبخاصة في السنوات الأولى من العمل والإنتاج، فكيف يسددون أصل الدين مع ما يضم إليه من فوائد؟! والفوائد المصرفية تتضاعف مع مرور السنوات، فتصبح الفوائد تكاد تعادل أصل القرض. ولا فرق في تحريم الربا بين ما يسمى بالقروض الإنتاجية، والقروض

стр. 852

الاستهلاكية، إذ لا يجوز الاقتراض بفائدة إلا لضرورة قصوى، وهي الحالة التي يغلب على الظن فيها الوقوع في الهلاك أو التسيب في الشارع ونحو ذلك من الحالات النادرة التي لا تنطبق على ما يدعيه أصحاب المعامل والمحلات التجارية من ضرورات، وهم يقصدون بذلك إما توسيع دائرة العمل والنشاط، أو دعم المصنع بآلات حديثه مثلا، وكل هذه المزاعم لا تدخل في دائرة الضرورة بحسب ضوابطها الشرعية، ولا تحل الحرام القطعي التحريم. والربا حرام ويبطل ما قبض منه، ولا يجوز أخذ ما زاد على أصل رأس المال، قلّ أو كثر، وقد دلت الآية على ذلك: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ﴾ ودلت أيضا على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر، لكونه سببا في معاداة الله ورسوله، جاء رجل إلى مالك بن أنس ﵁، فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلا سكرانا يتعاقر، يريد أن يأخذ القمر، فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشرّ من الخمر، فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك. فأتاه من الغد، فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد، فقال له: امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه، فلم أر شيئا أشرّ من الربا، لأن الله أذن فيه بالحرب. وسبيل التوبة مما بيد الإنسان من الأموال الحرام إن كانت من ربا، فليردّها على من أربى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضرا، فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه. وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه. الموضوع الثالث-نظرية الميسرة: لما حكم جل وعز لأرباب الربا برؤوس أموالهم عند المدينين، حكم في ذي العسرة بالانتظار إلى حال الميسرة، وذلك أن ثقيفا لما طلبوا أموالهم التي لهم على بني المغيرة، شكوا-أي بنو المغيرة-العسرة، كما بينا في سبب النزول، وقالوا:

стр. 853

ليس لنا شيء، وطلبوا الأجل إلى وقت ثمارهم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾. ودل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ مع قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ﴾ على ثبوت حق المطالبة لصاحب الدين (الدائن) على المدين، وجواز أخذ ماله بغير رضاه، ودل أيضا على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان، كان ظالما، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ﴾ فجعل له المطالبة برأس ماله، فإذا كان له حق المطالبة، فعلى من عليه الدين (المدين) لا محالة وجوب قضائه. ومن كثرت ديونه وطلب غرماؤه مالهم، فللحاكم أن يخلعه عن كل ماله ويترك له ما كان من ضرورته، والمشهور عن مالك أنه يترك له كسوته المعتادة، ما لم يكن فيها فضل، ولا ينزع منه رداؤه إن كان ذلك مزريا به. وفي ترك كسوة زوجته وفي بيع كتبه إن كان عالما خلاف. ولا يترك له مسكن ولا خادم، ولا ثوب جمعة ما لم تقلّ قيمتها، والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾. ويحبس المفلس في قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم حتى يتبين عدمه. ولا يحبس عند مالك إن لم يتّهم أنه غيّب ماله، ولم يتبين لدده أي خصومته ومماطلته. وكذلك لا يحبس إن ثبت عسره، للآية المتقدمة: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ.﴾ .. وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ﴾ يدل على أن الله تعالى ندب بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر، وجعل ذلك خيرا من إنظاره. وقد أوردت سابقا الأحاديث الكثيرة الدالة على فضل إنظار المعسر وإبرائه من الدين، ومدى الثواب العظيم في ذلك عند الله تعالى.

стр. 854

الموضوع الرابع-جزاء الإيمان والعمل الصالح: مدح الحق تعالى المؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، مخبرا عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون، ليكون ذلك في خلال المقارنة مع أكلة الربا أدعى إلى الامتثال، والبعد عن الربا الحرام، وفي هذا تعريض بأكلة الربا وأنهم لو كانوا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لكفوا عن تعاملهم الربوي. والخلاصة: أن الله تعالى أتبع وعيد المرابي بهذا الوعد، وإنما خص الصلاة والزكاة بالذكر مع اندراجهما في الصالحات لمنزلتهما العظمى في الإسلام. الموضوع الخامس-التحذير من أهوال يوم القيامة: ختم الله تعالى آيات الربا بموعظة بالغة، إذا وعاها المؤمن هانت عليه الدنيا ومطامعها وسامح بالمال والنفس، فالدنيا زائلة، والأموال فانية، والآخرة آتية خالدة باقية، والحساب أمام الله أمر حتمي، يجازي كل امرئ بما عمل من خير أو شر، دون بخس أو ظلم أو نقصان، فليحذر المؤمن عقوبة ربه، وليتق الله بامتثال الأوامر الإلهية، واجتناب النواهي ومن أخطرها الربا، فمن التقى وحذر العقوبة لقي خيرا، ونال سعادة دائمة في جنان الخلد الباقية. آية الدين وآية الرهن توثيق الدين المؤجل بالكتابة أو الشهادة أو الرهن ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَاِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾

стр. 855

الإعراب: ﴿كَما عَلَّمَهُ اللهُ﴾ كما: في موضع نصب متعلق بفعل ﴿لْيَكْتُبْ﴾ أو بقوله: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ أو بقوله: ﴿يَأْبَ﴾. ﴿وَلِيُّهُ﴾ الضمير يعود على المدين. ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ﴾: إما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: فالشاهد رجل وامرأتان، وإما مرفوع بتقدير فعل وتقديره: فليكن رجل وامرأتان. ويكون «فليكن» تامة. و ﴿مِنْ رِجالِكُمْ﴾: متعلق باستشهدوا، ومن ابتدائية، أو متعلق بمحذوف صفة لشهيدين، ومن تبعيضية، أي بعض رجالكم المسلمين الأحرار، لأن الكلام في معاملاتهم. ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ في موضعه ثلاثة أوجه: الجر والنصب والرفع، فالجر: على أنه بدل من قوله: ﴿مِنْ رِجالِكُمْ﴾ والنصب على أنه صفة لشهيدين، والرفع على أنه وصف لقوله: رجل وامرأتان. ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ أن: مصدرية في موضع نصب بتقدير فعل، وتقديره: يشهدون أن تضل إحداهما، وقرئ بكسر إن الشرطية ورفع: تذكر.

стр. 856

﴿صَغِيراً أَوْ كَبِيراً﴾ منصوبان على الحال من هاء ﴿تَكْتُبُوهُ﴾ وهي عائدة على الدين. ﴿إِذا ما دُعُوا﴾ ما: زائدة. ﴿أَلاّ تَرْتابُوا﴾ أن وصلتها في موضع نصب بأدنى، وتقديره: وأدنى من ألا ترتابوا، فحذف حرف الجر فاتصل به. ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ أن وصلتها في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. وتجارة: بالنصب خبر تكون الناقصة، واسمها مقدر فيها، والتقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة. وعلى قراءة الرفع: ﴿تَكُونَ﴾ تامة أي تقع. ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾: الكاتب والشهيد إما فاعلان ليضارّ وهو الأحسن، فيكون أصله: يضارر: بكسر الراء. وإما نائب فاعل فيكون أصله: يضارر بفتحها، فأدغمت الراء الأولى في الثانية. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ حال مقدرة، أو مستأنف. ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وقرئ «فرهنّ» وكلاهما جمع رهن عند الأكثرين، وهو مبتدأ، وخبره مقدّر، وتقديره: فرهان مقبوضة تكفي من ذلك. ﴿اُؤْتُمِنَ﴾ أصله أؤتمن على وزن افتعل، إلا أنه أبدلت الهمزة الثانية واوا لسكونها وانضمام ما قبلها، فصار: اؤتمن. ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أن يكون آثم خبر «إن» وقلبه فاعل له، أو أن يكون ﴿قَلْبُهُ﴾ مبتدأ، و ﴿آثِمٌ﴾ خبره، والجملة منهما في موضع رفع خبر إن، أو أن يكون ﴿آثِمٌ﴾ خبر إن، و ﴿قَلْبُهُ﴾: بدل من الضمير المرفوع في ﴿آثِمٌ﴾، بدل بعض من كل. البلاغة: توجد أنواع من الجناس في قوله ﴿تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ و ﴿اِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ و ﴿اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾ و ﴿يُعَلِّمُكُمُ﴾ و ﴿عَلِيمٌ﴾. ويوجد طباق في قوله: ﴿صَغِيراً أَوْ كَبِيراً﴾ و ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ و ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ تضل: أي تنسى. وتشتمل الآية على إطناب في قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ وفي ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ..﴾. ﴿فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ وفي ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾.

стр. 857

وتكرار لفظ الجلالة في جمل ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لتربية المهابة في النفس وتعظيم الأمر. ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ الجمع بين لفظ الجلالة والوصف بالربوبية: للمبالغة في التحذير. المفردات اللغوية: ﴿تَدايَنْتُمْ﴾: داين بعضكم بعضا أي تعاملتم بدين مؤجل ﴿بِدَيْنٍ﴾: أي ببيع مؤجل أو سلم أو قرض، والدين: هو المال الذي يثبت في الذمة ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الأجل: هو الوقت المحدد لانتهاء شيء، والمسمى: الموعد المعلوم أو المحدود بالأيام أو الشهور أو السنين، ويشمل الدين المؤجل: بيع الأعيان إلى أجل، والسلم (السلف)، والقرض ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ ندبا استيثاقا للدين ودفعا للنزاع ﴿وَلْيَكْتُبْ﴾ سند الدين أو كتابه ﴿بِالْعَدْلِ﴾ بالحق في كتابته، أو بالتسوية بين الجانبين، من غير ميل إلى أحدهما، ولا زيادة أو نقص في المال والأجل. ﴿وَلا يَأْبَ﴾ أي لا يمتنع ﴿كَما عَلَّمَهُ اللهُ﴾ أي على الطريق التي علمه الله إياها من كتابة الوثائق، فلا يبخل بها ولا يقصر في شيء ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ أي وليلق على الكاتب ما يكتبه، والإملال والإملاء بمعنى واحد ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ أي الدين، والمراد به هنا المدين، لأنه المشهود عليه، فيقر بكامل الحق، ليعلم ما عليه. ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ في إملائه ﴿وَلا يَبْخَسْ﴾ لا ينقص من الحق شيئا ﴿فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً﴾ مبذرا ﴿ضَعِيفاً﴾ عن الإملاء لصغر أو كبر بأن كان صبيا أو شيخا هرما ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ بأن كان جاهلا أو أخرس أو نحو ذلك. ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ متولي أمره من والد ووصي وقيّم ومترجم ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ اطلبوا أن يشهد على الدين شاهدان ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ لدينه وعدالته. ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ لأجل أن تنسى أو تخطئ إحداهما الشهادة لعدم ضبطها وقلة عنايتها فتذكر إحداهما (الذاكرة) الأخرى (الناسية)، وجملة «تذكر» للتعليل أي لتذكر إن ضلت. وقرئ بكسر إن شرطية، ورفع فعل «تذكر» المستأنف، وهو جواب الشرط، والشرط والجزاء يكونان صفة للنكرة: ﴿وَامْرَأَتانِ﴾. ﴿دُعُوا﴾ إلى تحمل الشهادة وأدائها ﴿وَلا تَسْئَمُوا﴾ تملوا وتضجروا من ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ أي ما شهدتم عليه من الحق، لكثرة وقوع ذلك. ﴿إِلى أَجَلِهِ﴾ وقت حلول أجله. ﴿ذلِكُمْ﴾ أي الكتب ﴿أَقْسَطُ﴾ أعدل ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ أي أعون على إقامتها وأثبت لها، لأنه يذكّرها. ﴿وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا﴾ أي أقرب إلى ألا تشكوا في قدر الدين وأجله

стр. 858

﴿تُدِيرُونَها﴾ أي تقبضونها ولا أجل فيها، والمراد تتعاملون بها يدا بيد. ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ نهي عن وقوع الضرر من الجانبين، فلا يضر الكاتب والشاهد صاحب الحق ومن عليه الحق بتحريف أو زيادة أو نقص، أو امتناع من الشهادة أو الكتابة، ولا يضرهما صاحب الحق بتكليفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة. ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ ما نهيتم عنه ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ خروج عن الطاعة لا حق بكم. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في أمره ونهيه ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ مصالح أموركم. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ أي مسافرين وتداينتم، وبينت السنة جواز الرهن ووجود الكاتب في الحضر. وذكرت حالة السفر؛ لأن التوثيق فيه أشد ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ تستوثقون بها، ودل قوله: مقبوضة على اشتراط القبض في الرهن، والاكتفاء بقبض المرهون من المرتهن أو وكيله. ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ أي أمن الدائن المدين على حقه، فلم يرتهن أو لم يكتب الدين ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ أي المدين ﴿أَمانَتَهُ﴾ دينه ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ في أدائه ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ إذا دعيتم لأدائها ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ خص القلب بالذكر؛ لأنه محل الشهادة، ولأنه إذا أثم تبعه غيره، فيعاقب عليه معاقبة الآثمين. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. المناسبة: لما ذكر الله تعالى الإنفاق وجزاءه الطيب، والربا وقباحته وخطره، أعقبه بذكر القرض الحسن بلا فائدة، والتعامل بالدين المؤجل، وطريق توثيقه وحفظه بالكتابة والشهادة والرهن، وطريق تنميته بالتجارة التي تقتضي السرعة، ففي الصدقة والقرض الحسن تراحم وتعاون، وفي الربا قسوة وطغيان، وفي أحكام التعامل بالدين المؤجل والتجارة الحاضرة غاية الحكمة والمصلحة والعدل؛ إذ من يؤمر بالإنفاق والصدقة والقرض، وينهى عن التعامل بالربا لا بد له من تنمية ماله بالتجارة، وحفظ حقه من الضياع. فتكون مناسبة الآية لما قبلها بيان حالة المداينة الواقعة في المعاوضات الجارية بين الناس، ببيع السلع بالدين المؤجل، بطريقة تحفظ الأموال وتصونها عن الضياع، بعد بيان حكم التعامل بالربا ومنعه، أو أن المراد بيان كيفية حفظ المال الحلال، بعد بيان الإنفاق في سبيل الله وتحريم الربا، اللذين يترتب عليهما نقص المال إما حالا أو مآلا.

стр. 859

وكون هذه الآية أطول آية في القرآن الكريم دليل على أن المال في ذاته ليس مبغوضا عند الله، وعلى أن الإسلام معني باقتصاديات الأمة، وأنه دين ودولة وحياة ونظام مجتمع، وليس دين رهبنة وفقر، وانعزال عن الحياة، فتنظيم التعامل بين الناس، وتبيان طريق حفظ الحقوق، وتعاطي التجارة وتنمية المال، يدل كل ذلك على أن الإسلام دين عمل وجهد وكفاح، وحرص على الكسب والربح من أوجه الحلال، روى أحمد والطبراني من حديث عمرو بن العاص: «نعمّا المال الصالح للمرء الصالح». وأما البذل في المصالح العامة وتحريم الربا فهو عنوان على تضامن الأمة وتراحمها، ونبذها الظلم والاستغلال والكسب من غير جهد وكدّ وعمل. وأما ذمّ الدنيا أو المال في بعض الآيات والأحاديث: فإنما هو عند نسيان جانب الآخرة، واستعباد المال صاحبه، فيبخل في إنفاقه، ولا يبالي في جمعه من طريق حلال أو حرام، قال تعالى: ﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ، وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن ١٥/ ٦٤] وقال سبحانه: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ، وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ، فَتَراهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً، وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد ٢٠/ ٥٧]. و روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم». التفسير والبيان: يا من اتصفتم بالإيمان إذ تعاملتم بالدّين المؤجل في الذمة بيعا أو سلما أو قرضا، كبيع شيء بثمن مؤجل، أو بيع سلعة مؤجلة إلى أجل مسمى مع بيان الجنس والنوع والقدر، بثمن معجل وهو المسمى بالسلم أو السلف، وقرض مبلغ من المال، إذا تعاملتم ببدل مؤجل، فاكتبوا ما يدل على هذا التعامل، مع بيان الأجل بالأيام أو بالأشهر أو بالسنين، أي بكونه معلوما، لا بالتأجيل إلى

стр. 860

الحصاد والدياس مما لا يرفع الجهالة في رأي الجمهور؛ لأن الكتابة أوثق في ضبط المتفق عليه، وأرفع للنزاع. ثم بيّن الله كيفية الكتابة وعين من يتولاها: بأن يكتب كاتب مأمون عادل محايد، فقيه متدين يقظ: الحقّ دون ميل لأحد الجانبين، مع وضوح المعاني، وتجنب الألفاظ المحتملة للمعاني الكثيرة، فهو كالقاضي بين الدائن والمدين. وهذا يدل على اشتراط العدالة في الكاتب. ثم أوصى الكاتب ونهاه عن الإباء: فلا يمتنع أحد من الكتاب عن كتابة وثيقة الدين، ما دام يمكنه ذلك، على الطريقة التي علمه الله في كتابة الوثائق، أو كالتي علمه الله، فالكاف صفة لموصوف محذوف، فلا يزيد ولا ينقص ولا يضر أحدا، والكتابة نعمة من الله عليه، فمن شكرها ألا يمتنع عنها، وإن كانت بأجر، وهذا يدل على اشتراط كون الكاتب عالما بالأحكام الشرعية والشروط المرعية عرفا ونظاما. وقدّم اشتراط العدالة على العلم؛ لأنها أهم من العلم. فالعادل يمكنه تعلم ما تتطلبه كتابة الوثائق، وأما العالم غير العادل فلا يهديه علمه للعدالة، وإنما يفسد ولا يصلح. ودل قوله: ﴿وَلا يَأْبَ﴾ على أن العالم العادل إذا دعي للقيام بالكتابة ونحوها، وجب عليه تلبية الدعوة، ثم أكد الله تعالى النهي عن الإباء بالأمر بالكتابة بالحق، لكون الوثيقة متعلقة بحفظ الحقوق. ثم أرشد الله تعالى إلى أن الذي يتولى إملاء البيانات على الكاتب إنما هو المدين، فإنه المكلف بأداء مضمون الكتابة، ليكون بيانه وإملاؤه حجة عليه، ثم أوصاه تعالى بأمرين: هما تقوى الله في الإملاء، بأن يذكر ما عليه كاملا، وألا ينقص من الحق الذي عليه شيئا. ويلاحظ أن الكاتب أمر بالعدل فلا يزيد ولا ينقص، والمدين نهي عن

стр. 861

النقص فقط؛ لأن هذا هو المنتظر منه أو المتصور منه دون سواه. ثم أوضح تعالى أحوال ناقصي الأهلية، فإن كان المدين (الذي عليه الحق) سفيها أي مبذرا في ماله ناقص العقل والتدبير، أو ضعيفا بأن كان صبيا أو مجنونا أو جاهلا أو هرما لم تساعده قواه العقلية على ضبط الأمور، أو عاجزا عن الإملاء لكونه جاهلا أو ألكن أو أخرس أو معتقل اللسان، أو أعمى، فعلى وليه الذي يتولى أموره من قيّم أو وكيل أو مترجم أن يملي الحق على الكاتب بالعدل والإنصاف، بلا زيادة ولا نقص. ثم جاء دور الإثبات، فأرشد تعالى على سبيل الندب لضبط الوقائع وحفظ الأموال إلى الشهادة على المداينة، ونصاب الشهادة: رجلان أو رجل وامرأتان. وقوله: ﴿مِنْ رِجالِكُمْ﴾ دليل على اشتراط الإسلام والحرية في الشهود؛ لأن الكلام وارد في معاملاتهم. وأما العدالة في الشهود فاشترطوها بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق ٢/ ٦٥]. مقبول الشهادة ومرفوضها: يرى أبو يوسف أن من سلم من الفواحش التي يجب فيها الحدود، وما يجب فيها من العظائم، وأدّى الفرائض، وأخلاق البر فيه أكثر من المعاصي الصغار، قبلت شهادته؛ لأنه لا يسلم عبد من ذنب، ولا تقبل شهادة من ذنوبه أكثر من أخلاق البر، ولا من يلعب الشطرنج يقامر عليها، ولا من يلعب بالحمام ويطيرها، ولا تارك الصلوات الخمس في جماعة استخفافا أو فسقا، لا أن تركها على تأويل، وكان عدلا، ومن يكثر الحلف بالكذب، ولا مداوم على ترك ركعتي الفجر، ولا معروف بالكذب الفاحش، ولا مظهر شتيمة أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا شتام الناس والجيران، ولا من اتهمه الناس بالفسق والفجور، ولا متهم بسب الصحابة حتى يقولوا: سمعناه يشتم.

стр. 862

وقال ابن أبي ليلى وأبو حنيفة: تقبل شهادة أهل الأهواء العدول إلا صنفا من الرافضة وهم الخطابية. وقال محمد: لا أقبل شهادة الخوارج، وأقبل شهادة الحرورية؛ لأنهم لا يستحلون أموالنا، فإذا خرجوا استحلوا (١). واشتراط إسلام الشهود هو مذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) وأجاز الحنفية قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض؛ لأنه ﵊ رجم يهوديين بشهادة اليهود عليهما بالزنى. وقال ابن القيم في (أعلام الموقعين والطرق الحكمية): البينة في الشرع أعم من الشهادة، فكل ما يتبين به الحق كالقرائن القطعية يسمى بيّنة، فلا مانع أن تدخل شهادة غير المسلم في البينة بذلك المعنى، إذا تبين للحاكم الحق بها. وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ مؤكد لاشتراط الإسلام والعدالة؛ لأن المعنى: ممن ترضون دينهم وعدالتهم من الشهداء، أو من النساء؛ وجيء بهذا الوصف لضعف شهادة النساء وقلة ثقة الناس بها، والخطاب يعم جميع الناس، حكاما وغيرهم، ولا بد في رأي الجمهور من ثبوت العدالة للشهود بالتزكية. وقال أبو حنيفة: لا حاجة للتزكية، فكل مسلم ظاهر الإسلام مع السلامة من فسق ظاهر فهو عدل، وإن كان مجهول الحال. وذكر الله تعالى السبب في جعل شهادة المرأتين بشهادة رجل، أي اعتبار العدد في شهادة النساء: وهو التذكير صونا لحكم الشهادة؛ لعدم ضبط المرأة وقلة عنايتها ونسيانها، فتذكر كل منهما الأخرى. وبما أن العلة في الحقيقة هي التذكير، وكان الشأن في النساء النسيان، نزّل النسيان منزلة العلة، أي نزل السبب منزلة المسبب. فقد جرت العادة أن المرأة لا تهتم كثيرا بالمعاملات المالية

стр. 863

ونحوها من المعاوضات، فتكون معلوماتها محدودة، وخبرتها قليلة، واهتمامها بالوقائع المالية ضعيفا، وأما اشتغال النساء في هذا العصر بالمسائل المالية فلا يغير الحكم؛ لأن الأحكام إنما للأعم الأغلب، وبالرغم من إسناد الوظائف المالية للمرأة، فإنها لا تأبه بغير العمل الذي وكّلت به وفوض إليها، فلا تلتفت لما يجري بين الآخرين من منازعات على قضايا مالية، ويظل اهتمامها بالنواحي المالية أو العامة بالرغم من توظفها محصورا بشؤون منزلها أثاثا وترفها ونظافة، وتوفير مواد تموينية، وإعداد طعام وشراب لأسرتها، وتربية أولاد، فكان تذكرها للمعاملات-فيما عدا مشترياتها الخاصة-قليلا. والخلاصة: أن الحكم للأغلب، ولا عبرة بالنادر، والشرع ينظر للمجموع. ثم نبّه القرآن إلى قضية مهمة، فشا بين الناس في عصرنا بل وفي الماضي نقيضها، وهي الإدلاء بالشهادة، فأوصى تعالى الشهود، ونهاهم عن الإباء عن الشهادة أو التقاعس في أدائها وتحملها، كما نهى الكاتب عن الامتناع عن الكتابة، فلا يجوز للشهود الامتناع عن تحمّل الشهادة (أي استيعاب وقائع القضية المشهود عليها) وأدائها أمام القاضي، كقوله تعالى بعدئذ: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة ٢٨٣/ ٢] إذ بالشهادة تثبت الحقوق ويمنع الجور والظلم والتسلط على الضعفاء. ودلت الآية أيضا على أن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم. روى الربيع أن الآية نزلت حين كان الرجل يطوف في القوم الكثير، فيدعوهم إلى الشهادة، فلا يتبعه أحد منهم. ثم عاد إلى أمر الكتابة، فأكد طلبها في عقود المداينات، فنهى عن الملل أو الضجر من كتابة الدين، فلا ينبغي التكاسل أو التقصير أو الاستحياء في كتابة الدين، مهما قلّ، وسواء أكان صغيرا أم كبيرا تطلب كتابته، قطعا للنزاع والشقاق، وحفظا لأصل الحق.

стр. 864

وهذا دليل على اعتبار الكتابة في أدلة الإثبات، وعلى أنها مطلوبة في القليل والكثير إلى أجل الحق، أي وقت وفائه الذي أقر به المدين. ثم بيّن الله تعالى الحكمة من الأوامر والنواهي المتقدمة، وهو أن ذلك البيان الذي أمر به القرآن من الكتابة والإشهاد أعدل في إصابة حكم الله تعالى؛ لأنه يكون إلى الصدق أقرب وعن الكذب أبعد، وهو أيضا أحرى بإقامة العدل بين المتعاملين، وأعون على أداء الشهادة على وجهها الصحيح، وأقرب إلى إزالة الشكوك في تعيين جنس الدين ونوعه وقدره وأجله، فهذه مزايا ثلاث تؤكد العمل بكتابة الدين. وهذا يدل على أن للشاهد طلب وثيقة الدين المكتوب ليتذكر وضعه. ثم خفف القرآن من قيد المطالبة بالكتابة أخذا بما تقتضيه ظروف التجارة من حرية وحركة وسرعة، فأبان أن الكتابة مطلوبة إلا إذا تمت مبادلة العوضين في التجارة وقبضهما في الحال، فلا داعي للكتابة، ولا حرج ولا إثم في تركها حينئذ، إذ لا يترتب عليها شيء من التنازع والتخاصم، وهذا يدل على أن الإسلام متمش مع الواقع، متجاوب مع ما تقتضيه المعاملات من تطور وسرعة ورعاية مصلحة. وإذ لا بأس من عدم الكتابة في التجارة الحاضرة أو التعامل يدا بيد، فيطلب الإشهاد على التبايع؛ لأن اليد الظاهرة التي تحوز الشيء قد لا تكون محقة، فيحدث النزاع والخلاف، فكان الإشهاد أحوط، ويكفي. أما المعاملات والديون المؤجلة والسّلم فتجب كتابتها؛ لأن مرور الزمان قد ينسي بعضها، فيقع التنازع. والمبدأ الواجب اتباعه في علاقة الكاتب والشاهد بالمتعاملين هو عدم المضارّة، فلا يجوز لهما إلحاق ضرر بأحد المتعاملين أو كليهما بزيادة أو نقص أو

стр. 865

تحريف أو ترك الإجابة بالاستفسار عن بعض ظروف الواقعة، أو عما يطلب منهما من توضيح بعض الأمور الغامضة، كما لا يجوز أيضا للمتعاملين إلحاق الضرر أو الأذى بالكاتب أو الشاهد، كتحريف وتغيير بعض الوقائع، أو إهمال الإشارة إلى كلمة أو قيد مثلا، أو محاولة المنع من أداء الشهادة بالترهيب أو الترغيب برشوة أو وعد بمال؛ لأن الإسلام دين الحق والعدل، والله تعالى يأمر بإقامة الحق والعدل كاملا غير منقوص. ويؤيد ذلك الآية التالية: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي أن التحريف والتغيير في الكتابة والشهادة فسق وإثم، أو إن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار، فإن فعلكم هذا فسوق بكم، وخروج عن الطاعة ملتبس بكم. ومنع المضارّة مستفاد من تحليل أصل ﴿يُضَارَّ﴾: فإن كان أصله «يضارر» بكسر الراء الأولى، ثم وقع الإدغام، وفتحت الراء في الجزم لخفة الفتحة، فالمعنى: لا يضر الكاتب ولا الشهيد غيره بترك الإجابة، أو التغيير، والتحريف في الكتابة والشهادة. وإن كان أصله «يضارر» بفتح الراء الأولى، وكذا قرأ ابن مسعود، فالمعنى لا يجوز لطالب الحق أو المطالب به أن يضرّ الكاتب والشهيد، بأن يقهر هما على الانحراف في الكتابة والشهادة. ثم ذكّر تعالى بالقاعدة العتيدة العامة إثر الأمر والنهي وهي التزام التقوى بامتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه، والمعنى: فاتقوا الله في جميع ما أمركم به وما نهاكم عنه، ومن جملة ذلك: ما حذركم منه من الضرار، وهو سبحانه يعلمكم ما فيه صلاح دنياكم وحفظ أموالكم، كما يعلمكم ما يصلح أمر الدين، وهو العليم بكل شيء، لا يخفى عليه حالكم الظاهر والباطن، فإذا شرع شيئا فإنما يشرعه عن علم دقيق شامل بما يدرأ المفاسد ويجلب المصالح، وشرعه كله حكمة وعدل. وختم الآية بهذه الموعظة الحسنة للتذكير بامتثال جميع الأحكام السابقة.

стр. 866

وتكرار لفظ الجلالة في الجمل الثلاث: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ، وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ، وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لتربية المهابة في نفس السامع، ولتقرير استقلال كل منها بحكم معين. ثم انتقل البيان إلى تشريع حكم يتناسب مع السفر، وهو الرهان التي يستوثق بها في الحصول على الدين، فإن إثبات المبايعات المؤجلة بالكتابة والإشهاد عليها أمر ممكن في الحضر، أما في السفر فالغالب عدم التمكن من ذلك، فشرع تعالى ما يناسبه وهو الرهن، ودلت السنة على جوازه في الحضر، فقد أخرج النسائي عن ابن عباس، والشيخان عن عائشة: «أنه ﵊ رهن درعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعا من شعير أخذه لأهله». ومعنى آية الرهان: إن كنتم مسافرين، ولم تجدوا كاتبا يحسن كتابة المداينة، أو لم تسمح ظروف السفر بالجلوس والكتابة، أو لم تجدوا أدوات الكتابة، فاستوثقوا برهن تقبضونه. وتقييد الرهان في الآية بوصف السفر، وعدم وجود الكاتب: بيان للعذر الذي رخص في ترك الكتابة، ووضع الرهن وثيقة للدين محلها. وإنما نص على السفر دون الأعذار الأخرى؛ لأنه هو غالب الأعذار، لا سيما في وقت نزول القرآن، لكثرة المعارك والحروب. ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر، مثل ظرف الليل، وزحمة الأشغال والأعمال، وتهديد حالة الغريم (المدين) بالإفلاس. وأشارت الآية إلى أن عدم وجود الكاتب مقيد بحال السفر، لا في حال الإقامة والحضر. لكن وصف الرهان بكونها مقبوضة: يدل على أنه ما لم يقبض المرهون لا يظهر وجه للتوثق به. واشتراط القبض يستلزم عند الحنفية أن يكون المرهون معينا مفرزا، فلا يجوز لديهم رهن المشاع سواء فيما يقسم وفيما لا يقسم؛ لتعذر

стр. 867

القبض، وأجاز الجمهور رهن المشاع مثل بيعه وهبته، ويسلّم للمرتهن كل الشيء المشترك، ويتم التناوب عليه بطريق المهايأة. ثم عادت الآية إلى تقرير احتمال وجود الثقة والائتمان بين المتعاملين، فصرحت بأنه إن أمن بعض الدائنين بعض المدنيين، لحسن ظنه به، وثقته بأنه لا يجحد الحق ولا ينكره، وهذا هو البيع بالأمانة، فليؤد المدين الذي اؤتمن أمانته أي دينه الذي ائتمنه الدائن عليه، فلم يأخذ منه رهنا، وليكن عند حسن ظن الدائن به، وليتق الله ربه في رعاية حقوق الأمانة، وعدم خيانتها ولا جحودها ولا التأخر في دفعها، فالله خير الشاهدين، وهو أولى أن يتّقى. وسمي الدين أمانة لائتمان المدين عليه بترك الارتهان عليه. وجمع في قوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ بين الألوهية وصفة الربوبية للمبالغة في التحذير من الخيانة التي تغضب الإله المعبود بحق، وربه الذي يربيه ويلي شؤونه ويدبر مصالحه. ثم أكد سبحانه النهي السابق عن الإباء عن أداء الشهادة وتحملها، فنهى عن كتمانها أي إخفائها بالامتناع عن أدائها، مجددا النهي فيما يليق ببيع الأمانة، مع ما فيها من زيادة تزعج الشاهد، وتهدده بعقوبة كتمان الشهادة واستحقاق الإثم، والآثم والفاسق متقاربان، فقال بالمعنى: لا تمتنعوا عن أداء الشهادة إذا احتيج إليها، ومن يكتمها أو يمتنع عنها كان مرتكبا للذنب، مجترحا للمعصية والإثم، وخص القلب بالذكر في تحمل الإثم؛ لأنه مركز الإحساس والشعور ووعي الوقائع وإدراكها، ولأنه أحد الأعضاء التي تقترف ذنبا، كما يسند الزنى إلى العين والأذن ونحوهما، فالإثم قد يكون بعمل القلب كما يكون بعمل بقية الأعضاء، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ، كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ [الإسراء ٣٦/ ١٧] ومن آثام القلب: إضمار السوء وسوء النية والقصد، والحقد والحسد.

стр. 868

وكل ما سبق من أعمال كأداء الشهادة وكتمها وغيرها يعلمه الله، والله بكل شيء عليم وبصير، يجازي عليه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فاحذروا مخالفة الأوامر واقتراف المعاصي، ومنها كتمان الشهادة، واعلموا بما أمركم به، فإن علم الله عام في جميع الأعمال. فقه الحياة أو الأحكام: موضوع آية الدين في توثيق المبايعات المؤجلة والديون والسّلم (١) بالكتابة والشهادة والرهن، فإن لم يكن توثيق برهن أو بكتابة جاز البيع بالأمانة، فالمبايعات في هذه الآية ثلاثة أنواع: بيع بكتابة وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع بالأمانة. قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السّلم خاصة، معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعا. وقال ابن خويز منداد: إنها تضمنت ثلاثين حكما، منها ما يلي: ١ - استدل بها بعض علماء المالكية على جواز التأجيل في القروض، على ما قال مالك؛ إذ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات. وخالف في ذلك الشافعية وقالوا: الآية ليس فيها جواز التأجيل في سائر الديون، وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا كان دينا مؤجلا؛ ثم يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه. ٢ - مشروعية تأجيل الديون، لقوله تعالى: ﴿بِدَيْنٍ﴾: وحقيقة الدين: عبارة عن كل معاملة، كان أحد العوضين فيها نقدا، والآخر في الذمة

стр. 869

نسيئة؛ فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والذين: ما كان غائبا. وتشمل الآية كلا من بيع العين بالدين كبيع كتاب حاضر بثمن مؤجل، وبيع الدين بالعين: وهو السلم. أما بيع العين بالعين كبيع سلعة حاضرة بنقد حاضر فهو جائز، وأما بيع الدين بالدين كبيع صاع من القمح في ذمة إنسان، بصاعين من الشعير في ذمة إنسان آخر، فهو باطل للنهي عنه. ٣ - دل قوله: ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ على أن السلم إلى الأجل المجهول غير جائز، وأكدت السنة ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «من أسلف في تمر، فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (١). وأجمع أهل العلم على مشروعية السلم: وهو أن يسلم الرجل إلى صاحبه في طعام معلوم موصوف، من طعام أرض عامّة لا يخطئ مثلها، بكيل معلوم، إلى أجل معلوم بدنانير أو دراهم معلومة، يدفع ثمن ما أسلم منه قبل أن يفترق العاقدان من مقامهما الذي تبايعا فيه، وسمّيا المكان الذي يقبض فيه الطعام. والسلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، وهو مستثنى من نهيه ﵊ عن بيع ما ليس عندك، وأرخص في السلم، لحاجة الناس إليه، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج أو بيع المفاليس. وأجاز المالكية السّلم إلى الحصاد والجذاذ، إذ ذاك يختص بوقت وزمن معلوم. وأجازوا أيضا تأخير قبض رأس المال (الثمن) يومين أو ثلاثة، بشرط وبغير شرط، لأن ذلك في حكم المقبوض في المجلس، لقرب هذه المدة. ولم يجز باقي الأئمة تأخير شيء من رأس مال السّلم عن مجلس العقد والاتفاق؛ ورأوا أنه كالصرف، وتحرزا من بيع الدّين بالدّين.

стр. 870

وأجاز الشافعي السلم الحالّ، ولم يجزه باقي الأئمة، للحديث المتقدم: «إلى أجل معلوم». ٤ - ودل قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أي الدّين والأجل على مشروعية الاحتجاج بالكتابة. ويقال: أمر بالكتابة، ولكن المراد الكتابة والإشهاد؛ لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة. وهل كتابة الكاتب فرض أو ندب؟ قيل: إنها فرض كفاية، وقيل: فرض عين على الكاتب متى طلب منه، وكان في حال فراغه لقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ وقوله: ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ وقيل: إنه ندب، والصحيح أنه أمر إرشاد، فيجوز له أن يتخلف عن الكتابة، حتى يأخذ أجره؛ إذ لو كانت الكتابة واجبة على الكاتب ما صح الاستئجار بها؛ لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة. ٥ - هل الكتابة والإشهاد واجبان؟ ذهب جماعة إلى أن الكتابة والشهادة على الديون المؤجلة واجبان، بقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ ثم نسخ الوجوب بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾. واختار الطبري أن كتب الديون واجب على أربابها بهذه الآية، بيعا كان أو قرضا، لئلا يقع فيه نسيان أو جحود. وقال الجمهور: الأمر بالكتابة والإشهاد للندب، وهما مندوبان، لحفظ ما يقع بين المتعاقدين إلى حلول الأجل؛ لأن النسيان يقع كثيرا في المدة التي بين العقد وحلول الأجل، وقد تطرأ عوارض من موت أو غيره، فشرع الله الكتابة والإشهاد لحفظ المال وضبط الواقع، ولم ينقل عن الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار أنهم كانوا يتشددون فيهما، بل كانت تقع المداينات والمبايعات بينهم من غير كتابة ولا إشهاد، ولم يقع نكير منهم، فدل ذلك على أن الأمر للندب.

стр. 871

وقرينة صرف ظاهر الأمر من الوجوب إلى الندب منصوص عليها في الآية ذاتها، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾. ٦ - التزام العدل: طالبت الآية بالتزام العدل في الكتابة، وفي الإملاء، وفي إملاء الولي عن السفيه والضعيف، وهذا واضح من قوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ وقوله: ﴿كَما عَلَّمَهُ اللهُ﴾ وقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ وقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾. وهل يحجر على السفيه؟ أجاز الجمهور الحجر على السفيه المبذر من قبل القاضي حتى لا يصبح عالة على الناس، وقال أبو حنيفة: يمنع السفيه من ماله ما لم يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها دفع إليه ماله، وإن لم يؤنس منه رشد؛ لأن الحجر عليه إهدار لآدميته. ٧ - نصاب الشهادة: رجلان أو رجل وامرأتان. وتجوز شهادة النساء مع الرجال عند المالكية في الأموال وتوابعها خاصة، ولا تقبل في أحكام الأبدان مثل الحدود والقصاص، والنكاح والطلاق والرجعة. وتجوز عند الحنفية في الأموال والطلاق والنكاح والرجعة. واتفق الفقهاء على رد الشهادة بسبب التهمة: وهي التي تجلب للمشهود له نفعا أو تدفع عنه ضررا، وترد شهادة أحد الزوجين للآخر في رأي الجمهور، ولا ترد في رأي الشافعية وإنما تقبل لأن عقد الزوجية أمر طارئ ويزول. وقال أبو حنيفة: إن شهادة الأجير غير جائزة لمستأجره في شيء، وإن كان عدلا استحسانا. ولا يجوز في رأي الحنفية القضاء بشاهد ويمين المدعي؛ لأن الله لم يذكر في الآية إلا قسمين وهما: شهادة رجلين، وشهادة رجل وامرأتين، فلا ثالث لهما. وأجاز الجمهور القضاء بشاهد ويمين في الأموال لا في الأبدان، لا باعتباره قسما ثالثا للشهادة، وإنما هو باعتبار اليمين مع الشاهد ترجيحا لجانب المدعي، بدليل ما ثبت عن النبي ﷺ «أنه قضى بشاهد ويمين» (١). وأما عدم ذكر ذلك في

стр. 872

القرآن، فلا يمنع مشروعيته والعمل به، بدليل جواز القضاء بالنكول عند الحنفية، وهو قسم ثالث لم يذكره القرآن. ٨ - ودل قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا﴾ على منع الإباء عن تحمل الشهادة وأدائها وإثباتها عند اللزوم أمام القاضي، وأن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم. وهذا في حال طلب الشهادة، فأما في غير حال طلبها من القاضي فأداؤها مندوب، فقد فرض الله الأداء عند الدعاء (الطلب)، فإذا لم يدع الشاهد، كان أداء الشهادة ندبا؛ لقوله ﵊: «خير الشهداء: الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها» (١). ورأى المالكية في الصحيح أن أداء الشهادة فرض، وإن لم يسألها، إذا خاف على الحق ضياعه أو فوته، حتى لا يضيع الحق، سواء في حقوق الله تعالى، وحقوق الآدميين، لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ﴾ [الطلاق ٢/ ٦٥] وقوله: ﴿إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف ٨٦/ ٤٣] وفي الصحيح عن النبي ﷺ : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» فقد تعين عليه نصره إذا كان مظلوما بأداء الشهادة التي له عنده، إحياء لحقه الذي أماته الإنكار. وذهب الحنفية إلى أن أداء الشهادة في حقوق الله تعالى قبل سؤالها مطلوب، أما في حقوق العباد فلا يشهد الشاهد قبل أن يستشهد، لما أخرجه الصحيحان عن عمران بن حصين: «إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن» وأوّله المالكية وحملوه على شاهد الزور فإنه يشهد بما لم يستشهد، أي بما لم يتحمّله ولا حمّله، أو على الذي يحمله الشّرة على تنفيذ ما يشهد به، فيبادر بالشهادة قبل أن يسألها، فهي شهادة مردودة، أو على الغلمان. واتفق الجميع على أن أداء الشهادة فرض كفاية،

стр. 873

فإذا أداها اثنان واجتزأ بهما الحاكم، سقط الفرض عن الباقين، وإن لم يجتزئ بهما تعينت الشهادة على الآخر. ٩ - الكتابة مندوبة في المبايعات والديون المؤجلة، سواء أكان المؤجل صغيرا أم كبيرا. ولا تطلب الكتابة في التجارة الحاضرة التي يتم فيها التبادل في الحال، ويحدث التقابض في البدلين عقب العقد، إذ يقلّ في العادة خوف التنازع إلا بأسباب غامضة. قال الشافعي: البيوع ثلاثة: بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان، وبيع بأمانة، وقرأ هذه الآية. وكان ابن عمر إذا باع بنقد أشهد، وإذا باع بنسيئة كتب. ١٠ - ودل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ على طلب الإشهاد على صغير ذلك وكبيره، وهل الإشهاد على البيع على الوجوب أو الندب؟ قال أبو موسى الأشعري وابن عمر والضحاك وجماعة من التابعين: هو على الوجوب، أخذا بظاهر الأمر في هذه الآية، ورجحه الطبري. وذهب الشعبي والحسن البصري إلى أن ذلك على الندب والإرشاد، لا على الحتم والإيجاب. وهذا قول مالك والشافعي وأهل الرأي، وزعم ابن العربي أن هذا قول الكافّة، قال: وهو الصحيح، ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا الضحاك. روي عن ابن عباس أنه قال لما قيل له: إن آية الدّين منسوخة قال: لا والله، إن آية الدّين محكمة ليس فيها نسخ، قال: والإشهاد إنما جعل للطمأنينة، وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقا، منها الكتاب، ومنها الرهن، ومنها الإشهاد. ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب، لا بطريق الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد. وما زال الناس يتبايعون حضرا وسفرا، وبرا وبحرا، وسهلا وجبلا من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير

стр. 874

نكير، ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه. ١١ - أداء الشهادة، وكتابة الكاتب يكونان بالحق والعدل، فلا يكتب الكاتب ما لم يمل عليه، ولا يزيد الشاهد في شهادته ولا ينقص منها، فالكاتب والشاهد يعصيان بالزيادة أو النقصان، وذلك من الكذب المؤذي في الأموال والأبدان، وفيه إبطال الحق، وكذلك إذايتهما من الخصوم معصية وخروج عن الصواب من حيث المخالفة لأمر الله بقول الحق، فلا يجوز إلحاق الضرر بهما، ولا إضرارهما المشهود له أو عليه؛ إذ لا مضارّة، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وإن تفعلوا المضارة، فإنه فسوق (أي معصية) حالّ بكم. ١٢ - وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علّمه، أي يجعل في قلبه نورا يفهم به ما يلقى إليه. أما قوله: ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهو إشارة إلى إحاطته تعالى بالمعلومات، فلا يشذ عنه منها شيء، وفيها إشعار بالمجازاة للفاسق والمتقي. ١٣ - دلت آية ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ على مشروعية الرهن في السفر إذا لم يتوافر الإشهاد وكتابة الدين. وجاءت السنة مبينة جواز الرهن في الحضر، كما بيّنا. والرهن: احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى الحقّ من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم. ولا يظهر وجه للتوثق بالمرهون من غير قبضه، وقد اتفق الفقهاء على أن القبض شرط في الرهن، واختلفوا في نوع الشرط، فقال الجمهور: القبض شرط لزوم للرهن، فلا يلزم إلا بالقبض، وما لم يلزم للراهن أن يرجع عنه؛ لأن مشروعية الرهن للتوثق، ولا توثق إلا بالقبض. وقال المالكية: القبض شرط تمام الرهن، أي لكمال فائدته، وليس شرط صحة أو لزوم، فإذا انعقد الرهن لزم

стр. 875

بمجرد العقد، ويجبر الراهن على الإقباض، ومتى قبض تم وكمل، قياسا على سائر العقود، فإنها تلزم بمجرد العقد. والمعتمد لدى المالكية أن الرهن متى رجع إلى الراهن باختيار المرتهن، بطل الرهن. وهو قول أبي حنيفة أيضا، للآية: ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. فإذا خرج عن يد القابض، لم يصدق ذلك اللفظ عليه لغة، فلا يصدق عليه حكما. وقال الشافعي: إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقا، لا يبطل حكم القبض المتقدم. ويصح قبض المرتهن أو وكيله، وقال الجمهور: يصح أيضا قبض عدل (طرف ثالث محايد غير العاقدين) يوضع الرهن في يديه؛ لأنه إذا صار عند العدل، صار مقبوضا لغة وحقيقة؛ لأن العدل نائب عن صاحب الحق، وبمنزلة الوكيل. والعدل أمين غير ضامن، فلو ضاع المرهون منه دون تهاون ولا تقصير، لم يضمنه. ويجوز رهن المشاع عند الجمهور، خلافا للحنفية، كما بينا. ويجوز لدى المالكية خلافا للجمهور رهن ما في الذمة؛ لأنه مقبوض، ومثاله: رجلان تعاملا، ولأحدهما على الآخر دين، فرهنه دينه الذي عليه. قالوا: وكل عرض جاز بيعه جاز رهنه، فيجوز رهن ما في الذمة؛ لأن بيعه جائز، ولأنه مال تقع الوثيقة به، فجاز أن يكون رهنا، قياسا على سلعة موجودة. وقال الجمهور: لا يجوز رهن الدين في الذمة؛ لأنه لا يتحقق إقباضه، والقبض شرط في لزوم الرهن؛ لأنه لا بد أن يستوفي الحق منه عند حلول أجل وفاء الدين المرهون به، ويكون الاستيفاء من مالية المرهون، لا من عينه، ولا يتصور ذلك في الدّين.

стр. 876

ولا يجوز غلق الرهن (١): وهو أن يشترط المرتهن أنه له بحقه، إن لم يأته به عند أجله، وكان هذا من فعل الجاهلية، فأبطله النبي ﷺ بقوله فيما رواه الشافعي والدارقطني وغيرهما عن أبي هريرة: «لا يغلق الرهن من صاحبه، له غنمه، وعليه غرمه». قال الجمهور: منفعة الرهن للراهن، ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن خلا الإحفاظ للوثيقة، فإذا آجر المرتهن المرهون بإذن الراهن أو آجره الراهن بإذن المرتهن، فقد خرج من الرهن ولا يعود. وأجاز الحنابلة انتفاع المرتهن بالرهن مقابل نفقته إذا كان المرهون مركوبا أو محلوبا، لما روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدرّ يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة». انطباعات عامة مستفادة من آية الدين: ١ - إن الذي أمر الله تعالى به في آية الدين من الشهادة والكتابة (٢): قصد به الحفاظ على ووشائج الود والصلة والمحبة وصلاح ذات البين بين الناس، ومنع وقوع التنازع المؤدي إلى فساد علاقات الناس، وسدّ كل المنافذ أمام الشيطان الذي قد يسول للمدين جحود الحق، وتجاوز ما حدّ له الشرع، أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق. ومن أجل هذه الغايات السامية، حرّم الشرع البيوع المجهولة التي تؤدي إلى

стр. 877

الاختلاف والتنازع وفساد العلاقات وإيقاع التضاغن والتباين. وبناء عليه أيضا حرم الله الميسر والقمار وشرب الخمر بقوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة ٩١/ ٥] فمن تأدب بأدب الله في أوامره وزواجره، حاز صلاح الدين والدنيا، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [النساء ٦٦/ ٤]. ٢ - لا ينبغي للإنسان استدانة دين إلا لضرورة قصوى أو حاجة ملحّة؛ لأنه كما روي عنه ﷺ فيما رواه الديلمي في الفردوس عن عائشة، وهو ضعيف: «الدّين همّ بالليل، ومذلّة بالنهار». لما فيه من شغل القلب والبال والهمّ اللازم في قضائه، والتذلل للغريم عند لقائه، وتحمّل منّته بالتأخير إلى حين أوانه. وقد يقع المدين في عجز مستحكم فلا يستطيع وفاء دينه، لذا تعوّذ منه النبي ﷺ فيما يرويه البخاري عن أنس-فقال: «اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل، وضلع الدّين، وغلبة الرجال» قال العلماء: ضلع الدين: هو الذي لا يجد دائنه من حيث يؤديه. وإذا حسنت نية المدين أعانه الله على إيفاء الدين، روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها، أتلفه الله». ٣ - لما أمر الله تعالى بكتابة الدين والإشهاد وأخذ الرهان، كان ذلك نصا قاطعا على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها، وردا على الجهلة المتصوفة ورعاعها الذين لا يرون ذلك، فيخرجون عن جميع أموالهم ولا يتركون كفاية لأنفسهم وعيالهم، ثم إذا احتاج أحدهم أو افتقر عياله، فهو إما أن يتعرض لمنن الإخوان أو لصدقاتهم، أو أن يأخذ من أرباب الدنيا وظلمتهم، وهذا الفعل مذموم منهي عنه.

стр. 878

لله ملك السموات والأرض وإحاطة علمه بكل شيء ومحاسبة العباد على أفعالهم ونواياهم ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ الإعراب: ﴿فَيَغْفِرُ﴾ ومثله ﴿وَيُعَذِّبُ﴾: يجوز فيه الرفع والجزم والنصب، فالرفع على الاستئناف وتقديره: فهو يغفر، والجزم بالعطف على ﴿يُحاسِبْكُمْ﴾، والنصب ضعيف، على تقدير (أن) بعد الفاء، والفعل وما بعده في تأويل المصدر لعطف مصدر على مصدر حملا على المعنى دون اللفظ، كأنه قال: إن يكن إبداء أو إخفاء منكم، فمحاسبة، فغفران منّا. البلاغة: يوجد طباق بين: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا.﴾. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ وبين ﴿فَيَغْفِرُ.﴾. ﴿وَيُعَذِّبُ﴾. المفردات اللغوية: ﴿تُبْدُوا.﴾. تظهروا ما في أنفسكم من السوء والعزم عليه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ تسرّوه ﴿يُحاسِبْكُمْ.﴾. يخبركم به الله يوم القيامة ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ يستر من أراد المغفرة له ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ يعاقب من أراد تعذيبه ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عظيم القدرة على أي شيء، ومنه محاسبتكم وجزاؤكم، قال أبو حيان: لما ذكر المغفرة والتعذيب لمن يشاء، عقب ذلك بذكر القدرة؛ إذ ما ذكر جزء من متعلّقات القدرة. المناسبة: هذه الآية متممة لآخر كل من الآيتين السابقتين وهما: ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ

стр. 879

عَلِيمٌ﴾، ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ودليل على إحاطة علم الله بالأشياء؛ لأن من ملك شيئا وخلقه، فلا بد من أن يعلمه، كقوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤/ ٦٧]، وكذلك من ملك شيئا فله حسابه على أفعاله وما يخفيه صدره، ومنها كتمان الشهادة، وصاحب السلطة المطلقة في شيء وهو الحساب، له الإرادة المطلقة في العفو عمن شاء ممن أخطأ، وعقاب من شاء، وذلك كله مقترن بالقدرة المطلقة على كل شيء. وللآية أمثال كثيرة في القرآن الكريم نحو: ﴿قُلْ: إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ، وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٢٩/ ٣] ونحو: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه ٧/ ٢٠] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ، وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩/ ٤٠]. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى في هذه الآية أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر والسرائر والضمائر وإن دقت وخفيت، وأنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال ابن كثير فلله ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا وتصريفا وعلما، وهو العليم بكل شيء، فإن تظهروا ما في قلوبكم من السوء والعزم عليه، أو تكتموه عن الناس وتخفوه، فالله يحاسبكم عليه ويجازكم به، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وهو يغفر بفضله لمن يشاء من عباده، ويعاقب من يشاء عقابه، ومما يكون عونا على المغفرة توفيق الله عبده إلى التوبة والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ. رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ، وَمَنْ صَلَحَ مِنْ

стр. 880

آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر ٧/ ٤٠ - ٩]. والحساب من الله لعباده: أن يطلعهم على جميع أعمالهم، ثم يسألهم: لم فعلوها؟. فقه الحياة أو الأحكام: تتضمن الآية إنذارا وتخويفا شديدا من الحساب الإلهي، لكون الإنسان مملوكا لله، والله مطلع على كل أفعاله، محاسب له على جليل الأعمال وحقيرها، مما أدى إلى إيقاع الرهبة في النفوس والإشفاق عليها من شدة العذاب، وتفويض أمره مطلقا إلى الله وحده؛ أخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: لما نزل على رسول الله ﷺ : ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ، يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ، ثم جثوا على الرّكب، فقالوا: أي رسول الله، كلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير؟». فلما قرأها القوم وذلّت (لانت) بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ.﴾. الآية. فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ الآية. وظاهر قوله: «نسخها الله» يدل على نسخ هذه الآية بالآية التي بعدها وهي: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ.﴾. وقد فهم بعض المفسرين (١) من ذلك أن هذه الآية
следующие страницы →