← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ولا يجوز غلق الرهن (١): وهو أن يشترط المرتهن أنه له بحقه، إن لم يأته به عند أجله، وكان هذا من فعل الجاهلية، فأبطله النبي ﷺ بقوله فيما رواه الشافعي والدارقطني وغيرهما عن أبي هريرة: «لا يغلق الرهن من صاحبه، له غنمه، وعليه غرمه». قال الجمهور: منفعة الرهن للراهن، ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن خلا الإحفاظ للوثيقة، فإذا آجر المرتهن المرهون بإذن الراهن أو آجره الراهن بإذن المرتهن، فقد خرج من الرهن ولا يعود. وأجاز الحنابلة انتفاع المرتهن بالرهن مقابل نفقته إذا كان المرهون مركوبا أو محلوبا، لما روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدرّ يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة». انطباعات عامة مستفادة من آية الدين: ١ - إن الذي أمر الله تعالى به في آية الدين من الشهادة والكتابة (٢): قصد به الحفاظ على ووشائج الود والصلة والمحبة وصلاح ذات البين بين الناس، ومنع وقوع التنازع المؤدي إلى فساد علاقات الناس، وسدّ كل المنافذ أمام الشيطان الذي قد يسول للمدين جحود الحق، وتجاوز ما حدّ له الشرع، أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق. ومن أجل هذه الغايات السامية، حرّم الشرع البيوع المجهولة التي تؤدي إلى

стр. 877

الاختلاف والتنازع وفساد العلاقات وإيقاع التضاغن والتباين. وبناء عليه أيضا حرم الله الميسر والقمار وشرب الخمر بقوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة ٩١/ ٥] فمن تأدب بأدب الله في أوامره وزواجره، حاز صلاح الدين والدنيا، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [النساء ٦٦/ ٤]. ٢ - لا ينبغي للإنسان استدانة دين إلا لضرورة قصوى أو حاجة ملحّة؛ لأنه كما روي عنه ﷺ فيما رواه الديلمي في الفردوس عن عائشة، وهو ضعيف: «الدّين همّ بالليل، ومذلّة بالنهار». لما فيه من شغل القلب والبال والهمّ اللازم في قضائه، والتذلل للغريم عند لقائه، وتحمّل منّته بالتأخير إلى حين أوانه. وقد يقع المدين في عجز مستحكم فلا يستطيع وفاء دينه، لذا تعوّذ منه النبي ﷺ فيما يرويه البخاري عن أنس-فقال: «اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل، وضلع الدّين، وغلبة الرجال» قال العلماء: ضلع الدين: هو الذي لا يجد دائنه من حيث يؤديه. وإذا حسنت نية المدين أعانه الله على إيفاء الدين، روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها، أتلفه الله». ٣ - لما أمر الله تعالى بكتابة الدين والإشهاد وأخذ الرهان، كان ذلك نصا قاطعا على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها، وردا على الجهلة المتصوفة ورعاعها الذين لا يرون ذلك، فيخرجون عن جميع أموالهم ولا يتركون كفاية لأنفسهم وعيالهم، ثم إذا احتاج أحدهم أو افتقر عياله، فهو إما أن يتعرض لمنن الإخوان أو لصدقاتهم، أو أن يأخذ من أرباب الدنيا وظلمتهم، وهذا الفعل مذموم منهي عنه.

стр. 878

لله ملك السموات والأرض وإحاطة علمه بكل شيء ومحاسبة العباد على أفعالهم ونواياهم ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ الإعراب: ﴿فَيَغْفِرُ﴾ ومثله ﴿وَيُعَذِّبُ﴾: يجوز فيه الرفع والجزم والنصب، فالرفع على الاستئناف وتقديره: فهو يغفر، والجزم بالعطف على ﴿يُحاسِبْكُمْ﴾، والنصب ضعيف، على تقدير (أن) بعد الفاء، والفعل وما بعده في تأويل المصدر لعطف مصدر على مصدر حملا على المعنى دون اللفظ، كأنه قال: إن يكن إبداء أو إخفاء منكم، فمحاسبة، فغفران منّا. البلاغة: يوجد طباق بين: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا.﴾. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ وبين ﴿فَيَغْفِرُ.﴾. ﴿وَيُعَذِّبُ﴾. المفردات اللغوية: ﴿تُبْدُوا.﴾. تظهروا ما في أنفسكم من السوء والعزم عليه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ تسرّوه ﴿يُحاسِبْكُمْ.﴾. يخبركم به الله يوم القيامة ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ يستر من أراد المغفرة له ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ يعاقب من أراد تعذيبه ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عظيم القدرة على أي شيء، ومنه محاسبتكم وجزاؤكم، قال أبو حيان: لما ذكر المغفرة والتعذيب لمن يشاء، عقب ذلك بذكر القدرة؛ إذ ما ذكر جزء من متعلّقات القدرة. المناسبة: هذه الآية متممة لآخر كل من الآيتين السابقتين وهما: ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ

стр. 879

عَلِيمٌ﴾، ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ودليل على إحاطة علم الله بالأشياء؛ لأن من ملك شيئا وخلقه، فلا بد من أن يعلمه، كقوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤/ ٦٧]، وكذلك من ملك شيئا فله حسابه على أفعاله وما يخفيه صدره، ومنها كتمان الشهادة، وصاحب السلطة المطلقة في شيء وهو الحساب، له الإرادة المطلقة في العفو عمن شاء ممن أخطأ، وعقاب من شاء، وذلك كله مقترن بالقدرة المطلقة على كل شيء. وللآية أمثال كثيرة في القرآن الكريم نحو: ﴿قُلْ: إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ، وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٢٩/ ٣] ونحو: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه ٧/ ٢٠] ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ، وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩/ ٤٠]. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى في هذه الآية أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر والسرائر والضمائر وإن دقت وخفيت، وأنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال ابن كثير فلله ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا وتصريفا وعلما، وهو العليم بكل شيء، فإن تظهروا ما في قلوبكم من السوء والعزم عليه، أو تكتموه عن الناس وتخفوه، فالله يحاسبكم عليه ويجازكم به، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وهو يغفر بفضله لمن يشاء من عباده، ويعاقب من يشاء عقابه، ومما يكون عونا على المغفرة توفيق الله عبده إلى التوبة والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ. رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ، وَمَنْ صَلَحَ مِنْ

стр. 880

آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر ٧/ ٤٠ - ٩]. والحساب من الله لعباده: أن يطلعهم على جميع أعمالهم، ثم يسألهم: لم فعلوها؟. فقه الحياة أو الأحكام: تتضمن الآية إنذارا وتخويفا شديدا من الحساب الإلهي، لكون الإنسان مملوكا لله، والله مطلع على كل أفعاله، محاسب له على جليل الأعمال وحقيرها، مما أدى إلى إيقاع الرهبة في النفوس والإشفاق عليها من شدة العذاب، وتفويض أمره مطلقا إلى الله وحده؛ أخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: لما نزل على رسول الله ﷺ : ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ، يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ، ثم جثوا على الرّكب، فقالوا: أي رسول الله، كلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير؟». فلما قرأها القوم وذلّت (لانت) بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ.﴾. الآية. فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ الآية. وظاهر قوله: «نسخها الله» يدل على نسخ هذه الآية بالآية التي بعدها وهي: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ.﴾. وقد فهم بعض المفسرين (١) من ذلك أن هذه الآية

стр. 881

منسوخة؛ لأنها تثبت الحساب على الوساوس وخواطر النفوس. والراجح أن الآية غير منسوخة، وأن المراد من قوله: «نسخها الله»: أزال ما أخافهم، وأن آية: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ ليست ناسخة، ولكنها موضحة، أيدها الحديث الذي رواه الجماعة في كتبهم الستة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلّم أو تعمل»، وقد قال ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد: إن الآية محكمة مخصوصة، وهي في معنى الشهادة التي نهى الله عن كتمها، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب. ويدل على منع القول بالنسخ الأدلة التالية: ١ - إن قوله تعالى: ﴿يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ خبر، والأخبار لا تنسخ عند جمهور الأصوليين. ٢ - إن كسب القلب وعمله مما دل الكتاب والسنة والإجماع والقياس على ثبوته والجزاء عليه، ظهر أثره على الجوارح أم لم يظهر، كقوله تعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥/ ٢] وقوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ، كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ [الإسراء ٣٦/ ١٧]. ٣ - إن الوساوس العارضة وحديث النفس الذي لا يصل إلى درجة القصد الثابت والعزم الراسخ لا يدخل في مفهوم الآية، كما قال المحققون. ٤ - إن تكليف ما ليس في الوسع ينافي الحكمة الإلهية. ٥ - لا يظهر معنى للنسخ وهو تغيير الحكم لتغير مصلحة المكلفين؛ لأن ما في النفس لا يتغير ولا يختلف باختلاف الأزمنة والأحوال.

стр. 882

وأما قول الصحابة والتابعين بالنسخ فهو مما يتفق مع علو مرتبة هؤلاء وكمالهم، حتى إنهم ليجدون أن وسوسة النفس مما تخضع للحساب، وهم يريدون التطهر من كل آثار الإثم، لذا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. فتحرجهم من باب كمال التزكية وتمام الطهاوة واعتقاد النقص في أنفسهم. الإيمان برسالات الرسل والتكليف بالطاقة ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)﴾ الإعراب: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إما معطوف على ﴿الرَّسُولُ﴾ فكأنه قال: آمن الرسول والمؤمنون. وإما مبتدأ، و ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ ثان، و ﴿آمَنَ بِاللهِ﴾: خبره، والجملة من المبتدأ والخبر: خبر المبتدأ الأول. والعائد من الجملة إليه محذوف، وتقديره: كلهم آمن بالله. وقال: ﴿آمَنَ﴾: بالإفراد، ولم يقل: آمنوا بالجمع، حملا على لفظ كل. وأضيف ﴿بَيْنَ﴾ إلى ﴿أَحَدٍ﴾؛ لأن المراد به هاهنا الكثرة؛ لأن «أحدا» في سياق النفي يدل على الكثرة، كقوله تعالى: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ.﴾. ثم قال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما﴾ [البقرة ١٠٢/ ٢]. إذ لا تجوز إضافة ﴿بَيْنَ﴾ إلى الواحد.

стр. 883

﴿غُفْرانَكَ﴾ منصوب على المصدر بفعل مقدر تقديره: اغفر لنا غفرانك، أو نسألك غفرانك، وحذف للعلم به لوجود الدلالة عليه. البلاغة: يوجد طباق بين ﴿كَسَبَتْ﴾ في الخير و ﴿اِكْتَسَبَتْ﴾ في الشر. ويوجد جناس اشتقاق بين ﴿آمَنَ.﴾. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وهناك إطناب في قوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. وإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي آمنوا بالله ورسله. المفردات اللغوية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ صدّق النبي محمد ﷺ ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ من القرآن ﴿وَرُسُلِهِ﴾ يقولون ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ أي في الرسالة والتشريع، فلا نفضل بعضهم على بعض في ذلك، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض ﴿سَمِعْنا﴾ ما أمرنا به سماع قبول وتدبر ﴿الْمَصِيرُ﴾ المرجع بالبعث. ﴿وُسْعَها﴾ طاقتها: وهو ما تسعة قدرة الإنسان من غير حرج ولا عسر. ﴿كَسَبَتْ﴾ من الخير وثوابه ﴿مَا اكْتَسَبَتْ﴾ من الشر أي وزره، فلا يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا بما لا يكسبه مما وسوست به نفسه ﴿لا تُؤاخِذْنا﴾ تعاقبنا ﴿أَوْ أَخْطَأْنا﴾ تركنا الصواب لا عن عمد، كما آخذت به من قبلنا ﴿إِصْراً﴾ أمرا أو حملا يثقل علينا حمله أو يشق تحمله ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ أي بني إسرائيل، من قتل النفس في التوبة، وإخراج ربع المال في الزكاة، وقرض موضع النجاسة. ﴿ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ أي ما لا قدرة لنا عليه من التكاليف والبلاء، فالتكليف بما يطاق: هو ما يمكن الإتيان به ولو بمشقة معتادة متحملة، والتكليف بما لا يطاق: هو ما لا يدخل في مكنة الإنسان وقدرته، بأن اقترن بمشقة زائدة غير معتادة. ﴿وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا﴾ الرحمة أمر زائد على المغفرة ﴿مَوْلانا﴾ مالكنا وسيدنا ومتولي أمورنا. جاء في الحديث الذي يرويه مسلم عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية، فقرأها ﷺ ، قال الله عقب كل كلمة: قد فعلت. سبب النزول: سبق بيان سبب نزول هذه الآية فيما رواه مسلم وأحمد عن أبي هريرة في بحث «فقه الحياة» في الآية السابقة. وروى مسلم وغيره عن ابن عباس نحوه.

стр. 884

المناسبة: بدأ الله تعالى هذه السورة بالكلام على القرآن والمؤمنين ومقارنتهم بالكافرين، ولا سيما أخبار اليهود، ثم أرشد تعالى إلى كثير من الأحكام كالصيام والحج والطالق، ثم أرشد تعالى إلى كثير من الأحكام كالصيام والحج والطلاق، ومحاجة الضالين، وختم السورة بالكلام عن إيمان الرسول محمد ﷺ والمؤمنين بالكتب السماوية وبالرسل الكرام دون تفريق أو تفضيل في أصل الرسالة والتشريع، وكان مسك الختام إبداء ما تفضل الله به على هذه الأمة من التكاليف السمحة السهلة التي لا ضيق ولا حرج فيها، وأن الإيمان وأهله منصور على الكفر وأعوانه، إذا صح وصدقت العزيمة وتوافر الإخلاص والصدق وتنفيذ الأحكام الشرعية. فضل هاتين الآيتين: ورد في السّنة النّبوية أحاديث كثيرة تشير إلى فضائل هاتين الآيتين، منها: ما رواه البخاري عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»، و رواه مسلم عن أبي مسعود الأنصاري بلفظ: «من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه». ومنها: ما رواه الإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن نبيّ قبلي». وروى ابن مردويه عن علي قال: «لا أرى أحدا عقل الإسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز أعطيه نبيّكم ﷺ من تحت العرش». ومنها: ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: «بينا رسول الله ﷺ وعنده جبريل إذ سمع نقيضا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد

стр. 885

فتح من السماء، ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النّبي ﷺ ، فقال له: أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته». التفسير والبيان: أخبر الله تعالى عن نبيّه ﷺ وعن المؤمنين بالإيمان بأصول الاعتقاد فقال: صدّق الرسول محمد والمؤمنون برسالته، بالذي أنزل على قلب محمد ﷺ من ربّه، من العقائد والأحكام تصديق يقين واطمئنان. قال النّبي ﷺ لما نزلت عليه هذه الآية فيما رواه الحاكم في مستدركه: «حقّ له أن يؤمن». كلّ منهم آمن بوجود الله ووحدانيته وتمام حكمته في خلقه، وبوجود الملائكة الذين لهم مهام عديدة منها السفارة بالوحي بين الله ورسله، وبالرّسل الكرام الذين أنزل الله عليهم كتبا وصحفا لهداية البشر، قائلين جميعا: لا نفرق بين الرّسل في الرّسالة والتّشريع من حيث المبدأ، وأن دعوتهم واحدة هي الإقرار بوجود الله ووحدانيته والدّعوة إلى مكارم الأخلاق. وأما التّفضيل بين الرّسل في آية سابقة: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣/ ٢]، إنما هو في مزايا أخرى غير الرّسالة والتّشريع. وفي هذا إشارة إلى فضيلة المؤمنين على غيرهم من أهل الكتاب الذين يؤمنون ببعض الرّسل ويكفرون بالبعض الآخر. وقال المؤمنون: بلّغنا الرّسول بالوحي، فسمعنا القول سماع تدبّر وفهم وقبول، وأطعنا الأوامر إطاعة إذعان وانقياد، معتقدين أن كل أمر ونهي إنما هو لسعادة الدّنيا والآخرة. ويسألون الله تعالى المغفرة بالسّتر في الدّنيا وترك الجزاء في الآخرة، فأنت المتصرف في أمورنا وإليك المرجع والمآب، فتفعل فينا ما تشاء. قال جبريل: «إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل: ﴿لا يُكَلِّفُ

стр. 886

اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ إلى آخر الآية». لا يكلّف الله أحدا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى ورأفته بهم، وهذه الآية هي التي أوضحت للصحابة ما أشفقوا منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ أي أنه تعالى وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذّب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلّف به الإنسان، علما بأن كراهية وسوسة السّوء من الإيمان. ومنع التّكاليف الشّاقة والتّكليف باليسير مشار إليه في كثير من آي القرآن، نحو: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥/ ٢]، ونحو: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨/ ٢٢]. وللنّفس الإنسانيّة من الأعمال التي تدخل تحت التّكليف المحتمل غير الشّاق ما كسبت من خير وما اكتسبت من شرّ، ولها الثواب على الخير، وعليها العقاب على الشّر. وأضيف الاكتساب إلى الشّر لبيان أنه يحتاج إلى تكلّف وعناء وتخطيط ومصادمة الطبيعة والأعراف، أما الخير فلا يحتاج إلى جهد كثير؛ لأنه مما أودع الله في طبع الإنسان، وترتاح النفس لفعله، ولا يحتاج إلى حذر وتدبير، ويقدم الإنسان عليه كلما صفت نفسه وأحسّت بضعفها أمام الخالق، وبفقرها إليه يوم المحنة الكبرى وكشف الحساب الدّقيق الشامل الرّهيب أمام الله والنّاس. ثم أرشد الله تعالى عباده إلى هذا الدّعاء، وقد تكفّل لهم بالإجابة وهو: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ أي إن تركنا فرضا نسيانا، أو فعلنا حراما ناسين، أو أخطأنا الصواب في العمل جهلا منا بوجهه الشرعي، فلا تعاقبنا عليه، يؤيده ما رواه ابن ماجه والبيهقي والطبراني والحاكم عن أبي ذرّ

стр. 887

وابن عباس وثوبان أنّ النّبي ﷺ قال: «إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». - ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً، كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ أي لا تكلّفنا من الأعمال الشاقة، وإن أطقناها، كما كلفت الأمم الماضية قبلنا كبني إسرائيل الذين كانت توبتهم بقتل التائب نفسه، وإيجاب ربع المال في الزّكاة، وقطع موضع النّجاسة من الثوب إذا تنجّس. أما رسالة النّبي ﷺ ففيها التّخفيف والتّيسير والسّماحة والسّهولة؛ لأنه نبيّ الرحمة المهداة للأمم قاطبة، روى الخطيب وغيره عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «بعثت بالحنيفية السّمحة». - ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ أي من التكليف والمصائب والبلاء، فلا تبتلينا بما لا قدرة لنا عليه من الفتن. ﴿وَاعْفُ عَنّا﴾ فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا. ﴿وَاغْفِرْ لَنا﴾ فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على عيوبنا وأعمالنا القبيحة. ﴿وَارْحَمْنا﴾ فيما يستقبل، فجنبنا بتوفيقك الوقوع في ذنب آخر. ويلاحظ أن عدم المؤاخذة على النسيان والخطأ يستتبع العفو، وأن عدم حمل الإصر (الحرج والحمل الثقيل) يستوجب المغفرة، وأن عدم تحميل ما لا يطاق يتطلب الرحمة. - ﴿أَنْتَ مَوْلانا﴾ متولي أمورنا ومالكنا، وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التّكلان، ولا حول ولا قوّة إلا بك. - ﴿فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك ورسالة نبيّك، وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدّنيا والآخرة. وكان معاذ ﵁ إذا فرغ من هذه السورة قال: آمين.

стр. 888

وقد تكفّل الله بالإجابة، ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «قال الله: نعم»، و عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «قال الله: قد فعلت». فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيتان على ما يلي: ١ - الإيمان لا يتجزّأ: فالمؤمن يجب عليه الإيمان بكل ما أوحى الله به، والمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا ربّ سواه، ويصدقون بجميع الأنبياء والرّسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارّون، راشدون، مهديون، هادون إلى سبيل الخير. وليس المؤمنون كاليهود والنصارى الذين يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض. ٢ - الإيمان يستلزم الطاعة: المؤمن بالله يؤمن بصدق لقائه، ويسمع ويطيع أوامره، ويتجنّب نواهيه، فلا يقصر في واجب، ولا ينغمس في معصية، فذلك يتصادم مع الإيمان. ٣ - الإسلام دين اليسر: فهو يمتاز بقلّة التّكاليف والفرائض والواجبات، وبيسر تكاليفه، وعدم التّكليف بالشّاق من الأعمال، فلا تكليف فوق الطاقة، وإنما التّكليف بحسب الوسع والقدرة، والطاعة على قدر الطاقة، فقد يكلّفنا الله بأمور فيها شيء من المشقّة لكنها معتادة متحمّلة مقدور عليها، كثبوت الواحد للعشرة من الكفار في مبدأ الإسلام حينما كان المسلمون قلّة، وهجرة الإنسان وخروجه من وطنه، ومفارقة أهله ووطنه وعادته، أما المشقات الثّقيلة والأمور المؤلمة فهي مرفوعة عنا، وكان بعضها على الأمم السابقة، كتكليفهم بقتل أنفسهم

стр. 889

للتوبة، وقرض موضع النّجاسة كالبول من ثيابهم وجلودهم، فلله الحمد والمنّة، والفضل والنّعمة. والخلاصة: إن قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ نصّ على أن الله تعالى لا يكلّف أحدا ما لا يقدر عليه ولا يطيقه، ولو كلّف أحدا ما لا يقدر عليه ولا يستطيعه، لكان مكلّفا له ما ليس في وسعه. وهذا أصل عظيم في الدّين وركن من أركان الإسلام. هذا من حيث الواقع الفعلي، أما من حيث الجواز العقلي، فلم يمنع الأشاعرة من تكليف ما لا يطاق، فهو جائز عقلا وإن لم يقع شرعا. ٤ - المسؤولية الشخصية: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦/ ٢]: للإنسان ما كسب من الحسنات، وعليه ما اكتسب من السّيئات، مثل قوله: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦]، ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦]. روى ابن مردويه عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ آخر سورة البقرة وآية الكرسي، ضحك، وقال: إنهما من كنز الرحمن تحت العرش»، وإذا قرأ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣/ ٤]، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾ [النجم ٣٩/ ٥٣ - ٤١] استرجع واستكان. ٥ - ودلّت آية ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ على أنه يطلق على أفعال العباد الكسب والاكتساب، وعلى أن من قتل غيره بمثقّل كحجر وخشب، أو بخنق أو تغريق، فعليه ضمانه قصاصا أو دية، خلافا لأبي حنيفة الذي جعل ديته على العاقلة (القبيلة) وذلك يخالف الظاهر. ودلّت على أن سقوط القصاص عن الأب بقتل ولده لا يقتضي سقوطه عن شريكه، فالقود واجب على

стр. 890

شريك الأب في رأي المالكية خلافا لأبي حنيفة، وعلى شريك المخطئ خلافا للشافعي وأبي حنيفة، ودلّت أيضا على وجوب الحدّ على المرأة العاقلة البالغة إذا مكنت مجنونا من نفسها. ٦ - رفع الإثم عن الخطأ والنسيان: دلّت الآية على أن الإثم مرفوع حال الخطأ والنسيان. وأما الأحكام الدّنيوية المتعلّقة بهما فالصّحيح أنها تختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتّفاق كالغرامات والدّيات والصّلوات المفروضات، وقسم يسقط باتّفاق كالقصاص والنّطق بكلمة الكفر. وقسم ثالث مختلف فيه كمن أكل ناسيا في رمضان أو حنث ساهيا. وهذا يدل على أن أحكام العباد وحقوق الناس ثابتة، كما سنبيّن في سورة النساء. خلاصة أهم الأحكام في سورة البقرة المسمّاة «فسطاط القرآن»: أولا-العقائد: ١ - دعوة جميع الناس إلى عبادة الله تعالى. ٢ - تحريم اتّخاذ الأنداد والشركاء مع الله. ٣ - إثبات الوحي والرّسالة بالقرآن وتحدّي الناس بالإتيان بسورة من مثله. ٤ - أساس الدّين: توحيد الله، وإثبات البعث ومحاجة الكافرين الضالين في ذلك. ثانيا-الأحكام العملية الفرعية: ١ - إباحة الأكل من الطّيّبات. ٢ - الحفاظ على حق الحياة بتشريع القصاص والقتال في سبيل الله.

стр. 891

٣ - أحكام أركان الإسلام: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج والعمرة. ٤ - إنفاق المال في سبيل الله تحقيقا للتّكافل الاجتماعي في الإسلام. ٥ - تحريم الخمر والميسر والرّبا. ٦ - الولاية على اليتامى ومخالطتهم في المعيشة. ٧ - أحكام الزواج من طلاق ورضاع وعدّة ونفقة. ٨ - الوصية الواجبة. ٩ - كتابة وثيقة الدّين والإشهاد عليه والرّهان وكتمان الشهادة ونصاب الشهادة المطلوب في المعاملات. ١٠ - أداء الأمانة. ١١ - صيغة الدّعاء المطلوبة في التّشريع.

стр. 892

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة آل عمران هي السّورة الثالثة، وهي سورة مدنيّة وآياتها مائتان. نزلت بعد الأنفال مدى صلتها بسورة البقرة: هناك أوجه اتّصال وشبه ومقارنة بين السورتين: البقرة وآل عمران، وهي ما يأتي: ١ - موقف الناس من القرآن: بدئت السورتان بذكر القرآن (أو الكتاب) وحدد موقف الناس منه، ففي البقرة: ذكر حال المؤمنين وغير المؤمنين به، وفي آل عمران: ذكر موقف الزائغين الذين يتصيّدون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وموقف الرّاسخين في العلم الذين يؤمنون بمحكمه ومتشابهه، قائلين: كلّ من عند ربّنا. ٢ - عقد التّشابه بين خلق آدم وخلق عيسى: ففي البقرة تذكير بخلق آدم، وفي آل عمران تذكير بخلق عيسى، وتشبيه الثاني بالأول في خلق غير معتاد. ٣ - محاجّة أهل الكتاب: في السورة الأولى: إفاضة في محاجّة اليهود وبيان عيوبهم ونقائصهم ونقضهم العهود، وفي الثانية: إيجاز في محاجّة النصارى، لتأخرهم في الوجود عن اليهود. ٤ - تعليم صيغة الدّعاء في ختام كلّ منهما: في الأولى دعاء يناسب بدء الدّين ويمسّ أصل التّشريع وبيان خصائصه في قلّة التّكاليف ودفع الحرج والأخذ باليسر والسماحة، وفي الثانية: دعاء بالتّثبيت على الدّين وقبول دعوة الله إلى الإيمان، وطلب الثواب عليه في الآخرة.

стр. 893

٥ - إثبات الفلاح للمؤمنين: ختمت السورة الثانية بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وهو ما بدئت به السّورة الأولى بقوله تعالى واصفا المؤمنين: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ما اشتملت عليه السورة: تضمّنت هذه السّورة الكلام على جانبي العقيدة والتّشريع، أما العقيدة: فقد أثبتت الآيات وحدانية الله، والنّبوة، وصدق القرآن، وإبطال شبهات أهل الكتاب حول القرآن والنّبي محمد ﷺ ، وإعلان كون الدّين المقبول عند الله هو الإسلام، ومناقشة النصارى في شأن المسيح وألوهيته والتكذيب برسالة الإسلام، واستغرقت المناقشة قرابة نصف السورة، كما استغرقت سورة البقرة ما يزيد عن ثلثها في مناقشة اليهود وتعداد قبائحهم وجرائمهم، بالإضافة إلى ما تضمنته هذه السّورة من تقريعاتهم، والتحذير من مكائد أهل الكتاب. وأما التّشريع: فقد أبانت الآيات بعض أحكام الشرع مثل فرضية الحج والجهاد وتحريم الرّبا وجزاء مانع الزّكاة، وبعض الدروس والعبر والعظات من غزوتي بدر وأحد، والتّنديد بمواقف أهل النّفاق. ثم ختمت السورة بما يناسب الجانبين، فطالبت بالتّفكير والتّدبّر في خلق السّموات والأرض وما فيهما من عجائب وأسرار، وأوصت بالصبر على الجهاد والمرابطة في سبيل الله، ليحظى الإنسان برتبة الفلاح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. سبب التّسمية: سميت السورة سورة آل عمران لإيراد قصة أسرة عمران والد مريم أم عيسى فيها، وإعداد مريم التي نذرتها أمها للعبادة، وتسخير الله الرّزق لها في المحراب

стр. 894

واصطفائها وتفضيلها على نساء عالمي زمانها، وتبشيرها بإنجاب عيسى صاحب المعجزات (١) وسميت آل عمران والبقرة بالزّهراوين؛ لأنّهما النّيّرتان الهاديتان قارئهما للحقّ بما فيهما من أنوار، أي معان، أو لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة، أو لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم، روى أبو داود وابن ماجه وغيرهما عن أسماء بن يزيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾، والتي في آل عمران: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾». فضلها: أخرج مسلم عن النّواس بن سمعان قال: سمعت النّبي ﷺ يقول: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران»، و أخرج أيضا عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرؤوا الزّهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجّان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة» (٢).

стр. 895

إثبات التوحيد وإنزال الكتاب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الم (١) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ (٤) إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ الإعراب: ﴿الم﴾: أحرف مقطعة مبنية غير معربة، وكذلك سائر حروف الهجاء في أوائل السور، كما قلنا أول البقرة، إلا أنه فتحت الميم هاهنا لسكونها وسكون اللام بعدها. وأما قول من قال: إنها فتحت لالتقاء الساكنين، ففاسد؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب فتحها في ﴿الم ذلِكَ الْكِتابُ﴾ وفي ﴿حم﴾ وفي ﴿ن﴾ وفي كل حرف من حروف التهجي التي في أوائل السور. ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾: الله: مبتدأ، ولا إله: مبتدأ ثان، وخبره محذوف وتقديره: لا إله معبود إلا هو، والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن المبتدأ الأول. و «هو» مرفوع لوجهين: أحدهما- لكونه مرفوعا على البدل من موضع: لا إله، والثاني: لكونه خبر: لا إله. ويجوز جعل الجملة في موضع نصب على الحال من الله تعالى، أو حال من ضمير ﴿نَزَّلَ﴾. ﴿بِالْحَقِّ﴾ جار ومجرور في موضع نصب على الحال وعامله فعل مقدر وتقديره: نزل عليك الكتاب كائنا بالحق. ﴿مُصَدِّقاً﴾ حال من ضمير الحق، وتقديره: نزّل عليك الكتاب محققا مصدقا لما بين يديه. وكلتا الحالين مؤكدة.

стр. 896

﴿التَّوْراةَ﴾ في مذهب البصريين على وزن فوعلة، وأصله: وورية، فأبدلت الواو الأولى تاء، وقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مبني؛ لأنه مقطوع عن الإضافة ﴿هُدىً﴾ حال بمعنى هادين من الضلالة. البلاغة: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ عبر عن القرآن بالكتاب، لكمال تفوقه على بقية الكتب السماوية. ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كناية عما تقدمه من الكتب السماوية، وعبر بذلك لصلته الوثيقة بها ولظهوره واشتهاره. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ﴾ أي أنزل سائر ما يفرق بين الحق والباطل، وهو من باب عطف العام على الخاص، حيث ذكر الكتب الثلاثة أولا، ثم عمّ الكتب كلها. المفردات اللغوية: ﴿الم﴾ الحروف المقطعة في أوائل السور للتنبيه مثل ألا ويا، لتنبيه المخاطب إلى ما يلقى بعدها ﴿إِلهَ﴾ الإله هو المعبود بحق ﴿الْحَيُّ﴾ ذو الحياة، وهي صفة تستلزم الاتصاف بالعلم والإرادة ﴿الْقَيُّومُ﴾ القائم على كل شيء بحفظه ورعايته. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْكِتابَ﴾ القرآن مقترنا بالحق أي الصدق في أخباره فكل ما فيه حق لا شك فيه. ونزل: تفيد التدرج، والقرآن نزل في نيف وعشرين سنة بحسب الحوادث. ﴿التَّوْراةَ﴾ كلمة عبرية معناها الشريعة، وتشتمل على خمسة أسفار هي «سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر تثنية الاشتراع» ويقول اليهود: إن موسى كتبها، ويسميها النصارى: العهد القديم أو العتيق، وفيها حكاية قصص الأنبياء وتاريخ بني إسرائيل قبل المسيح. ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ كلمة يونانية، معناها التعليم الجديد أو البشارة. ويسمى العهد الجديد، ويشتمل في سيرة المسيح ﵇ وبعض تعاليمه على أربعة أناجيل هي إنجيل متى ويوحنا ومرقس ولوقا وعلى أعمال الرسل (الحواريين) ورسائل بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب، ورؤيا يوحنا، وهي كلها مكتوبة بعد قرن أو قرنين من وفاة المسيح، وليس لها سند متصل إلى كاتبها. والتوراة في عرف القرآن: ما أنزل الله على موسى، والإنجيل: ما أوحاه الله إلى عيسى ﵇، وفيه البشارة بمحمد ﷺ وأنه هو الذي يتمم الشريعة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ تنزيله ﴿هُدىً﴾ هادين من الضلالة ﴿لِلنّاسِ﴾ ممن تبعهما. وعبر عن

стр. 897

التوراة والإنجيل بأنزل، وعن القرآن بنزّل؛ لأنهما نزلا دفعة واحدة، وأما القرآن فنزل تدريجيا، والتعبير عن الوحي بالتنزيل أو بالإنزال للإشارة بأن منزلة الموحي أعلى من منزلة الموحى إليه، فتكرار ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ﴾ ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ﴾ لاختلاف الإنزال بآيات الله وكيفيته وزمانه، والله كرر اسمه تعالى تفخيما؛ لأن في ذكر الظاهر من التفخيم ما ليس في ذكر المضمر. ﴿الْفُرْقانَ﴾ ما يفرق بين الحق والباطل كالدلائل والبراهين، وهو عموم بعض خصوص ليعم ما عدا الكتب الثلاثة. ﴿بِآياتِ اللهِ﴾ القرآن وغيره ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره، فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ عقاب شديد ممن عصاه، لا يقدر على مثله أحد. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ كائن في الأرض ولا في السماء، لعلمه بما يقع في العالم من كلي وجزئي، وخصهما بالذكر؛ لأن الحس لا يتجاوزهما. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ﴾ التصوير: جعل الشيء على صورة لم يكن عليها، والأرحام: جمع رحم، وهو مستودع الجنين من المرأة ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وطبائع وأخلاق وغير ذلك. ﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري وابن إسحاق وابن المنذر (١) أن هذه الآيات إلى بضع وثمانين آية نزلت في وفد نصارى نجران، وفدوا على رسول الله ﷺ ، وكانوا نحو ستين راكبا، فيهم أربعة عشر من أشرافهم، وعلى رأسهم أميرهم ووزيرهم وحبرهم، وخاصموه في عيسى ابن مريم، وقالوا له: من أبوه؟ وتكلم منهم ثلاثة، فمرة قالوا: عيسى ابن مريم إله؛ لأنه يحيي الموتى؛ وتارة هو ابن الله، إذ لم يكن له أب؛ وتارة هو ثالث ثلاثة لقوله تعالى: «قلنا، وفعلنا» ولو كان واحدا، لقال: قلت وفعلت.

стр. 898

وقالوا على الله الكذب والبهتان، فقال لهم النبي ﷺ : ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى أتى عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي قيّم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا: لا. قال: فإن ربنا صوّر في الرّحم كيف شاء، وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته، كما تضع المرأة ولدها، ثم غذّي كما يغذّى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟ قالوا: بلى. قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا، فأنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران، إلى بضعة وثمانين آية منها. التفسير والبيان: بدأ الله تعالى السورة بإثبات التوحيد أساس الدين لينفي عقيدة التثليث، ثم أبان أنه تعالى أنزل الكتب على الأنبياء، وأن عيسى نبي مثلهم فهو منزل عليه، وأن الله هو صاحب القدرة المطلقة الذي يصور في الأرحام، ليرد على ولادة عيسى من غير أب، إذ الولادة من غير أب ليست دليلا على الألوهية، فآدم مخلوق من غير أب ولا أم، والخالق هو الإله، والمخلوق عبد كيفما خلق. ألم: الحروف المقطعة لتحدي العرب بالإتيان بشيء من مثل القرآن، ما دام هو مكوّنا من لغتهم ومن الحروف التي ينطقون بها وتتركب منها كلماتهم. الله لا معبود بحق في الوجود سواه؛ لأنه الخالق المسيطر على الكون والنفوس، ولأنه مصدر الخير ودافع الضر، الحي الدائم الحياة التي لا أول ولا نهاية لها، القائم على خلقه بالتدبير والتصريف، وعلى السموات والأرض قبل خلق عيسى، فكيف قامت ودبّرت قبل وجوده وبعد موته؟!

стр. 899

والله هو الذي نزّل القرآن عليك يا محمد بالحق الذي لا شك ولا شبهة فيه، مصدقا ومؤيدا ما تقدمه من الكتب المنزلة على الأنبياء السابقين، وهو تصديق إجمالي لا تفصيلي في أصل الوحي وأصل الرسالة الداعية إلى توحيد الإله ومكارم الأخلاق، والإخبار والبشارة، فهي تصدقه بما أخبرت به وبشرت قديما، وهو يصدقها؛ لأنه طابق ما أخبرت به وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد ﷺ وإنزال القرآن العظيم عليه. وأنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى من قبل القرآن، هداية للناس في زمانهما، وإرشادا، فالله هو الذي أنزل الوحي والشرائع قبل وجود عيسى وبعده، وليس عيسى مصدر الوحي، وإنما هو كغيره من الأنبياء متلقّ للوحي، فكيف يكون إلها؟! وأنزل الله الفرقان: وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بالدلائل والبينات الواضحات، والبراهين القاطعات. إن الذين كفروا بآيات الله الواضحة الدالة على توحيده وتنزيهه عما لا يليق، أي جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل، لهم عذاب شديد يوم القيامة بسبب كفرهم، والله منيع الجناب عظيم السلطان، ذو انتقام ممن كذب بآياته وخالف رسله الكرام، ينفذ بعزته مراده، وينتقم ممن خالف وحيه. وإن الله لا يخفى عليه شيء في الكون، فيعلم حال الصادق في إيمانه، وحال الكافر والمنافق والمكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. وعيسى وغيره لا يعلم شيئا من ذلك، فكيف يكون إلها؟ والله هو الذي يخلق الإنسان في الرحم كما يشاء، ذكرا أو أنثى، حسنا وقبيحا وغير ذلك من الطبائع والألوان والمقادير والسلامة والعاهة، وعيسى وغيره لا يصوّر أحدا في رحم ولا يخلق شيئا، بل هو مصوّر مخلوق في رحم أمه،

стр. 900

وخارج منه، فكيف يكون إلها؟ لا إله إلا هو العزيز الحكيم: أي هو الخالق الموجد المستحق للألوهية وحده لا شريك له، الواحد الأحد الفرد الصمد، المنزه عن الوالد والولد، العزيز الذي لا يغلب، الحكيم المنزه عن العبث الذي يضع الأمور في محالّها على وفق الحكمة. وهذا دليل صريح بأن عيسى عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر؛ لأن الله صوّره في الرحم، وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلها، كما زعمت النصارى؟ وقد تدرج خلقه، وتنقل من حال إلى حال، كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ، خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ، فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر ٦/ ٣٩]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن الله تعالى هو الذي أنزل الكتب السماوية على الأنبياء، وأن هذه الكتب يصدّق بعضها بعضا؛ لأن غايتها واحدة، وهدفها واحد وهو إرشاد الناس إلى الحق، والإقرار بتوحيد الإله، والاعتراف بوجوده. وإنزال الكتب، والخلق والإيجاد في الأرحام، والعلم بغيب السماء والأرض دون أن يخفى عليه شيء كلي أو جزئي: أدلة وبراهين ثلاثة قاطعة تثبت الألوهية لله وحده، دون مشاركة أحد من خلقه له، أو اتصاف بشر بما يزعم المبطلون من ألوهية إنسان مخلوق ضعيف بحاجة إلى الخالق في كل أموره، سبحانه لا إله إلا هو، أي لا خالق ولا مصوّر سواه، وذلك دليل على وحدانيته، فكيف يكون عيسى إلها مصوّرا وهو بشر مصوّر؟!

стр. 901

المحكم والمتشابه في القرآن ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩)﴾ الإعراب: ﴿مِنْهُ آياتٌ﴾ جار ومجرور في موضع نصب على الحال من الكتاب، وتقديره: أنزل عليك الكتاب كائنا منه آيات. وآيات: فاعل لاسم الفاعل: كائن، المقدر. ومحكمات: صفة لآيات. ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ﴾: جملة اسمية في موضع رفع صفة لآيات أيضا. ﴿وَأُخَرُ﴾ معطوف على قوله: آيات محكمات. وأخر: ممنوع من الصرف للوصف والعدل، معدول عن آخر. ﴿وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ إما مبتدأ، وخبره: آمنا به، وإما عطف على الله تعالى، فكأنه قال: لا يعلم تأويله إلا الله ويعلمه الراسخون. والهاء في تأويله: تعود على المتشابه. البلاغة: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ﴾ استعارة، شبّه أصول الآيات المحكمات بالأم، وسائر الآيات يتبعها أو يتعلق بها، كما يتعلق الولد بأمه. ﴿وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ استعارة أيضا، شبه المتمكنين في العلم بالأشياء الثقيلة الراسخة في الأرض.

стр. 902

المفردات اللغوية: ﴿مُحْكَماتٌ﴾ واضحات الدلالة، لا خلاف في معناها، من أحكم الشيء: وثقه وأتقنه، مفردها محكم: وهو ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره ﴿أُمُّ الْكِتابِ﴾ أصله المعتمد عليه في الأحكام ﴿مُتَشابِهاتٌ﴾ هي التي لم يظهر معناها ولم يتضح، بل خالف ظاهر اللفظ المعنى المراد، كأوائل السور. وقال القرطبي: المتشابه: ما استأثر الله بعلمه دون خلقه، ولم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مثل وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدجال، والدابة التي تكلم الناس إذا وقع القول عليهم، ونحو ذلك. وجعل الكتاب في آية أخرى: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ كله محكما: بمعنى أنه ليس فيه عيب، وفي آية أخرى: ﴿كِتاباً مُتَشابِهاً﴾ كله متشابها: بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق. فلكل آية معنى خاص غير الآخر، فلا تعارض بين الآيات. ﴿زَيْغٌ﴾: ميل عن الحق إلى الأهواء الباطلة ﴿اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ﴾: طلب الفتنة لجهالهم بوقوعهم في الشبهات واللبس ﴿وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: تفسيره ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ تفسيره ومعرفة حقيقته وبيان ما يؤول إليه في الواقع ﴿الرّاسِخُونَ﴾: المتمكنون في العلم المتفقهون في الدين المتأكدون منه، وهو أبلغ من قول: والثابتون في العلم ﴿آمَنّا بِهِ﴾ أي بالمتشابه أنه من عند الله ولا نعلم معناه ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾: أي كل من المحكم والمتشابه من عند الله. ﴿وَما يَذَّكَّرُ﴾ يتعظ ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أصحاب العقول. ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أي ويقولون أيضا إذا رأوا من يتبعه: ربنا لا تمل قلوبنا عن الحق بابتغاء تأويله الذي لا يليق بنا، كما أزغت قلوب أولئك. ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا﴾ أرشدتنا إليه ﴿وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ﴾ من عندك ﴿رَحْمَةً﴾ عناية إلهية وتوفيقا وتثبيتا على الحق. ﴿جامِعُ النّاسِ﴾ جمع الناس: حشرهم للحساب والجزاء ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك في وقوعه، وهو يوم القيامة؛ لأنك أخبرت به، وقولك الحق، فتجازي الناس بأعمالهم، كما وعدت بذلك. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ موعده بالبعث فيه. فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة. والغرض من الدعاء بذلك: بيان أن همهم أمر الآخرة، ولذلك سألوا الثبات على الهداية، لينالوا ثوابها. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أن في القرآن آيات محكمات وآيات متشابهة في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فالمحكم العبارة: هو الواضح الدلالة التي لا التباس فيها

стр. 903

على أحد، والمتشابه: هو الذي لم يظهر معناه ولم يتضح المراد منه بسبب التعارض بين ظاهر اللفظ والمعنى المراد منه، أو هو ما استأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة. وهذا الإخبار للرد على النصارى الذين يستدلون ببعض آيات القرآن التي يفيد ظاهرها تميز عيسى على غيره من البشر. والمراد بالكتاب هنا: القرآن باتفاق المفسرين. والمحكم: مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ وما بعدها من الآيات [الأنعام ١٥١/ ٦ - ١٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ والآيات الثلاث بعدها من سورة [الإسراء ٢٣/ ١٧ - ٢٦] وقوله في شأن عيسى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الزخرف ٥٩/ ٤٣]. فهذه الآيات وأمثالها وهي تمثل أغلب القرآن في تبيان أحكام الفرائض وأصول الاعتقاد والأمر والنهي والحلال والحرام، كلها واضحة الدلالة على المعنى المراد ولا تحتمل أي معنى آخر، هي أم الكتاب أي أصل القرآن وعماده ومعظمه، وغيرها متفرع عنها تابع لها، فإن اشتبه علينا آية منها، ردت إلى المحكم وحملت عليه، كقوله تعالى في شأن عيسى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء ١٧١/ ٤] يحمل على قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف ٥٩/ ٤٣] وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران ٥٩/ ٣] أي أننا نؤمن بأن كل الآيات من عند الله، وأنه لا ينافي الأصل المحكم. والمتشابه: مثل قوله تعالى في عيسى ﵇ ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء ١٧١/ ٤]، وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران ٥٥/ ٣]

стр. 904

وقوله تعالى عن ذاته: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه ٥/ ٢٠] وقوله: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح ١٠/ ٤٨]. فهذه الآيات تحتمل عدة معان، ويخالف ظاهر اللفظ فيها المعنى المراد، فربما وافقت المحكم، وربما وافقت شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد. فليس لكم أيها النصارى الاحتجاج بأمثال هذه الآيات التي هي من المتشابه الذي يحتمل أكثر من معنى، وإنما عليكم الوقوف عند محكم التنزيل، مثل قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ، وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء ١٧٢/ ٤]. ومعنى المتشابه والمحكم هنا يختلف عن معناه في آيات أخرى، فقد وصف القرآن كله بالمحكم في قوله تعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود ١/ ١١] والمراد أنه ليس فيه عيب وأنه كلام حق فصيح الألفاظ صحيح المعاني، أحكم نظمه وأتقن، واشتمل على الحكمة، ووصف القرآن أيضا بالمتشابه في قوله: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً﴾ [الزمر ٢٣/ ٣٩] والمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق والهداية، والسلامة من التناقض والاختلاف، كما قال: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ، لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء ٨٢/ ٤]. فأما الذين في قلوبهم زيغ، أي ضلال وميل عن الحق إلى الباطل، فيتبعون أهواءهم، فيأخذون بالمتشابه الذي يتمسكون به، ويمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، ويتركون المحكم الذي لا التباس فيه، بقصد إيقاع الناس في الفتنة في الدين وإضلال أتباعهم، إيهاما لهم أنهم يحتجون على مزاعمهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ

стр. 905

إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف ٥٩/ ٤٣] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩/ ٣]. وهم يفعلون ذلك أيضا بقصد تأويل القرآن على غير حقيقته، وتحريفه على ما يريدون، متبعين أهواءهم وتقاليدهم وموروثاتهم، وتاركين الأصل المحكم الذي بني عليه الاعتقاد، وهو عبودية عيسى لله وإطاعته إياه. روى مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ تلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ، مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ، هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ الآية، ثم قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّاهم الله، فاحذروهم». وروى ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه، فآمنوا به». وما يعلم تأويل المتشابه إلا الله، فهو مما استأثر الله بعلمه، أو ما خالف ظاهر اللفظ فيه المراد منه، فلا يعلم حقيقته إلا الله. ويرى جماعة من الصحابة كأبي بن كعب وعائشة وابن عباس وابن عمر الوقوف على لفظ الجلالة، فلا يعلم تأويل المتشابه إلا الله، وأما الراسخون في العلم فكلام مستأنف، يقولون: آمنا به؛ لأنه تعالى وصفهم بالتسليم المطلق لله تعالى، والعارف بالشيء لا يعبر عنه بالتسليم المطلق أو المحض. ويرى جمهرة من الصحابة كابن عباس، وتبعهم كثير من المفسرين (١) وأهل

стр. 906

الأصول أنه لا يوقف على لفظ الجلالة، والراسخون معطوف عليه، على معنى: لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. قال ابن عباس: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. فالمتشابه يعلمه الراسخون؛ لأن الله تعالى ذم الذين يبتغون التأويل بقصد الفتنة والإضلال، ذاهبين فيه إلى ما يخالف المحكم، والراسخون في العلم ليسوا كذلك، فهم أهل اليقين الثابت الذي لا اضطراب فيه، إذ يفهمون المتشابه بما يتفق مع المحكم. وأما قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ: آمَنّا﴾ فهو كلام مستأنف، لا ينافي العلم، فهم يجعلون المحكم هو الأساس، ويؤمنون بأن كلا من المحكم والمتشابه من عند الله، وكلاهما حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر، ويدل لذلك أن النبي ﷺ دعا لابن عباس بقوله: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل». والحكمة من وجود المتشابه مع العلم بأن القرآن نزل هاديا للناس: هو تمييز الصادق الإيمان من ضعيفة، وبيان فضيلة الراسخين في العلم الذين ينظرون ويبحثون؛ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به، وإن لم يعلموا بحقائق الأشياء، ولهذا قال تعالى: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها الصحيح أولو العقول السليمة، والفهوم المستقيمة. ووصف النبي ﷺ الراسخين في العلم- فيما يرويه ابن أبي حاتم عن عبيد الله بن يزيد التابعي الذي أدرك أنسا وأبا أمامة وأبا الدرداء: أن رسول الله ﷺ سئل عن الراسخين في العلم، فقال: «من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم». ثم ذكر دعاء هؤلاء الراسخين للثبات على فهم المتشابه وهو: ١ - ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا.﴾. الآية، أي إن الراسخين في العلم المؤمنين بالمتشابه يطلبون من الله الثبات على الهداية، والحفظ من الزيغ بعد الهداية،

стр. 907

وهبة الرحمة والفضل من الله، والتوفيق إلى الخير والسداد، إنك أنت الوهاب. قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يدعو: «يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك» قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء، فقال: «ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه». ٢ - ﴿رَبَّنا، إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ..﴾. أي ربنا إنك تجمع الناس للجزاء في يوم لا شك فيه، ووعدك الحق الذي لا يخلف. وتعليمنا هذا الدعاء لنشعر بالخوف من تسرّب الزيغ الذي يسلب الرحمة في ذلك اليوم. وفي هذا إقرار بالبعث يوم القيامة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن آيات القرآن أكثرها محكم، وبعضها متشابه، وأن المتشابه لا يعلم المراد منه إلا الله والمتمكنون من العلم، لكن علمهم الله طريق العصمة من الزيغ في فهم المتشابه بدعاءين: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا..﴾. ﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ..﴾. وأما الزائغون فيتبعون المتشابه. وقد أوردت أمثلة من المحكم والمتشابه، وأبنت المراد منهما على الأصح، وسأذكر أمثلة أخرى للمتشابه. نماذج من المتشابه: روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: ما هو؟ قال: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون ١٠١/ ٢٣] وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات ٢٧/ ٣٧]. وقال: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ [النساء ٤٢/ ٤] وقال:

стр. 908

﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣/ ٦] فقد كتموا في هذه الآية. وفي النازعات: ﴿أَمِ السَّماءُ بَناها..﴾. [النازعات ٢٧/ ٧٩] إلى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ [النازعات ٣٠/ ٧٩]، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ..﴾. [فصلت ٩/ ٤١] إلى قوله: ﴿أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ فذكر في هذا خلق الأرض قبل خلق السماء. وقال: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾. ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾. ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ فكأنه كان ثم مضى. فقال ابن عباس: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم في ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأما قوله: ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين؛ فختم الله على أفواههم، فتنطق جوارحهم بأعمالهم، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا، وعنده يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وخلق الله الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء، فسوّاهن سبع سماوات في يومين، ثم دحا الأرض أي بسطها، فأخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين آخرين؛ فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾. فخلقت الأرض في أربعة أيام، وخلقت السماء في يومين. وقوله: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ يريد نفسه ذلك، أي لم يزل ولا يزال كذلك؛ فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد. ويحك! فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله (١).

стр. 909

متبعو المتشابه: متبعو المتشابه إما أن يتبعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوامّ، كما فعلته الزنادقة والقرامطة (١) الطاعنون في القرآن؛ وإما أن يتبعوه طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسّمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة، مما ظاهره الجسمية، حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم، وصورة مصوّرة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلك! أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها. أو يكثروا السؤال عنها. فهذه أربعة أقسام: أما القسم الأول: فلا شك في كفرهم، ويقتلون في رأي المالكية من غير استتابة، وأما القسم الثاني: فالصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام، وحكمهم كالمرتدين، يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا. وأما القسم الثالث: فاختلفوا في جواز تأويلها، فمذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها، ويؤمنون بها كما جاءت وهو الأولى. ومذهب آخرين: إبداء تأويلاتها وحملها على مقتضى اللسان العربي من غير قطع بتعيين مجمل منها. وقد قيل: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم. وأما القسم الرابع: فيعزرون تعزيرا بليغا.

стр. 910

عاقبة الكفار المغرورين بالمال والولد ومثال ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣)﴾ الإعراب: ﴿كَدَأْبِ..﴾. الكاف إما مرفوع خبر مبتدأ محذوف وتقديره: دأبهم كدأب، وإما منصوب بفعل مقدر تقديره: يتوقّدون توقّد آل فرعون، دل عليه ما قبله وهو: فأولئك هم وقود النار. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إما مرفوع مبتدأ والخبر: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾، وإما مجرور بالعطف على ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾. ﴿فِئَةٌ﴾ إما مرفوع خبر مبتدأ محذوف تقديره: إحداهما فئة، وإما مجرور بدل من ﴿فِئَتَيْنِ﴾ ﴿وَأُخْرى﴾ يجوز فيه الرفع والجر بالعطف على ﴿فِئَةٌ﴾ بالرفع ولأجر. وجملة ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ حال من كاف ﴿لَكُمْ﴾ أو صفة لأخرى بالرفع أو الجر البلاغة: ﴿مِنَ اللهِ﴾ فيه إيجاز بالحذف أي من عذاب الله ﴿شَيْئاً﴾ التنكير للتقليل، أي لن تنفعهم أي نفع ولو قليلا. ﴿وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ﴾ الجملة اسمية للدلالة على ثبوت الأمر وتحققه. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ﴾ التفات من الحضور إلى الغيبة، والأصل: (فأخذناهم). ﴿لَكُمْ آيَةٌ﴾ قدم الجار والمجرور للاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر. وتنكير آية للتفخيم والتهويل، أي آية عظيمة، ومثله تنكير «ورضوان». ويوجد جناس اشتقاق بين ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ و ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾.

стр. 911

المفردات اللغوية: ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ تنفع. ﴿مِنَ اللهِ﴾ أي من عذاب الله. ﴿وَقُودُ النّارِ﴾: ما توقد به النار من حطب أو فحم ونحوهما. ﴿كَدَأْبِ﴾ كعادة، أي دأبهم كدأب. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أهلكهم بها، والجملة مفسرة لما قبلها. ﴿الْمِهادُ﴾ الفراش. ﴿آيَةٌ﴾ علامة على صدق ما يقول الرسول. ﴿اِلْتَقَتا﴾ يوم بدر للقتال. ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ ضعفي المسلمين، بل أكثر منهم، إذ كانوا نحو ألف، والمسلمون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا. ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ أي رؤية ظاهرة معاينة. ﴿يُؤَيِّدُ﴾ يقوي. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور. ﴿لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ لذوي البصائر، أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنوا. سبب النزول: نزول الآية (١٢ - ١٣): روى أبو داود في سننه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ، لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا، فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش، كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك، والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١) المناسبة: ذكر الله تعالى في مطلع السورة مبدأ التوحيد والكتب الناطقة به وبخاصة القرآن وإيمان العلماء الراسخين به كله، ثم ذكر حال الكفرة وسبب كفرهم وهو اغترارهم في الدنيا بالمال والولد، وبيّن أنها لن تغني عنهم شيئا في الآخرة والدنيا.

стр. 912

وضرب على ذلك المثل بغزوة بدر حيث التقى جند الإيمان والرحمن بجند الكفر والشيطان، فانتصرت الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكثيرة، فلم تنفعهم كثرة الأموال والأولاد والسلاح. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار يوم القيامة، وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ، إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا، وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ، وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة ٨٥/ ٩]. وقد كانوا يقولون: نحن أكثر أموالا وأولادا، وما نحن بمعذبين، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾ [سبأ ٣٧/ ٣٤]. ومعنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي كذبوا بآياته ورسله وخالفوا كتابه ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه، وذلك يشمل وفد نجران والنصارى واليهود والمشركين، وكل كافر. فهؤلاء كلهم لن تنجيهم أموالهم ولا أولادهم، وأولئك المبعدون هم وقود النار وأهلها، وحطبها الذي تسجر به وتوقد به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨/ ٢١]. وصنيعهم وحالهم في تكذيب محمد ﷺ وشريعته كحال آل فرعون ومن قبلهم من المؤتفكات كقبائل عاد وثمود، كذبوا بآيات الله، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، والله شديد العقاب قوي العذاب. ثم هددهم الله وتوعدهم بالعقاب في الدنيا، فقال: قل يا محمد للكافرين ومنهم اليهود ستغلبون في الدنيا، وتحشرون يوم القيامة إلى جهنم وبئس المهاد الذي

стр. 913

مهدتم لأنفسكم، أي يا معشر اليهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم. والآية أي الدلالة والعلامة على أنكم مغلوبون، وأن الله معزّ دينه، وناصر رسوله: التقاء جماعتين، إحداهما معتزة بكثرة مالها، مغترة بعددها، كافرة بالله، تقاتل في سبيل الشيطان، وهم مشركو قريش يوم بدر؛ والأخرى فئة قليلة العدد، مؤمنة بالله، تقاتل في سبيل الله، وهم المسلمون في معركة بدر. فقد كان المؤمنون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا، معهم فرسان، وست أدرع، وثمانية سيوف، وأكثرهم رجالة مشاة. وكان الكافرون نحو ألف، أي ثلاثة أمثال المسلمين في الواقع. روى محمد بن إسحاق عن عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ ، لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدّة قريش، قال: كثير، قال: «كم تنحرون كل يوم؟» قال: يوما تسعا ويوما عشرا، قال النبي ﷺ : «القوم: ما بين تسعمائة إلى ألف». لكن في رأي العين-وهي الرؤية المكشوفة الظاهرة لهم كسائر المعاينات- دلت الآية على أن الكافرين كانوا مثلي المسلمين فقط، أي ضعفيهم في العدد، وإن كانوا ثلاثة أمثالهم في العدد، لأن الله قللهم في أعينهم، حتى يقاتل الرجل المسلم رجلين، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ، بِإِذْنِ اللهِ، وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الانفعال ٦٦/ ٨] أي أن الله تعالى أراهم الكفار على غير عدتهم، لتقوى قلوبهم بذلك، وليطلبوا الإعانة من ربهم ؛ ورأى المشركون المؤمنين مثلي عددهم ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع. هذا في بدر، أيد الله المؤمنين بنصره، وكذلك صدق الله وعده، فقتل

стр. 914

المسلمون يهود بني قريظة الذين خانوا العهد، ونقضوا الميثاق، ودخلوا مع المشركين في غزوة الأحزاب (أو الخندق)؛ وأجلى المسلمون بني النضير المعتدين على حرمات الإسلام والمسلمين، وفتحوا خيبر، وفرضوا الجزية على من عداهم حينما قاتلوا المسلمين وبدؤوهم بالعدوان. والله دائما يؤيد ويدعم بمعونته من يشاء، كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في عين العدو، وتقليل الأعداء في عين المسلمين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً، وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ، لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً ١، وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال ٤٤/ ٨] وقال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ.﴾. [آل عمران ١٢٣/ ٣]. إن في هذا النصر الحاصل في بدر مع قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم عظة لمن عقل وتدبر، وأعمل البصيرة والفكر، ليهتدي به إلى حكم الله وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، بشرط نصرة دين الله، كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد ٧/ ٤٧] وقوله: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧/ ٣٠] والمؤمن: هو من يشهد له القرآن بإيمانه، لا من يدعي الإيمان بلسانه، وأخلاقه وأعماله تكذب دعواه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشد الآيات إلى مبادئ ثلاثة كبري في ميزان الله وهي: ١ - تأكد وقوع العذاب للكفار في نار جهنم، دون أن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا.

стр. 915

٢ - الشأن والعادة المقررة: توجيه المؤاخذة وإيقاع العقاب الشديد بسبب الذنوب والتكذيب بآيات الله المتلوة، فلا يختلف الحكم بين كفار قريش وبين آل فرعون ومن قبله من قوم لوط وعاد وثمود غيرهم، كما قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا.﴾. وقال: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ. النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ [غافر ٤٥/ ٤٠ - ٤٦] وقال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.﴾. [الانفعال ٥٤/ ٨]. ٣ - النصر منوط بإرادة الله على وفق الحكمة الإلهية، ولمكافأة المؤمنين الممتثلين أوامر ربهم، وليست موازين النصر بالكثرة العددية أو بالتفوق في السلاح، وإنما بمقدار الإيمان والثقة بالله، فقد ينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤٩/ ٢] ودلت الآية على صحة نبوة النبي ﷺ من وجهين: الأول-غلبة الفئة القليلة العدد الفئة الكثيرة العدد، وذلك على خلاف مجرى العادة، لما أمدهم الله به من الملائكة. والثاني-أن الله تعالى كان قد وعدهم إحدى الطائفتين، وأخبر النبي ﷺ المسلمين قبل اللقاء بالظفر والغلبة، وقال: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وكان كما وعد الله وأخبر به النبي ﷺ . محبة الشهوات في الدنيا ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾
следующие страницы →