← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

الله إيقادا شديدا، قال تعالى: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [البقرة ٢٤/ ٢] وإذا قربت الجنة وأدنيت لأهلها المتقين، كما قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق ٣١/ ٥٠]. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ جواب إذا وما عطف عليها، أي إذا حصل كل ما تقدم من الأحداث، ووقعت هذه الأمور، علمت كل نفس ما أحضرته عند نشر الصحف، وما عملت من خير أو شر، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران ٣٠/ ٣] وقال سبحانه: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة ١٣/ ٧٥]. والآيات من أول السورة إلى هنا شرط، وجوابه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾. وقال الحسن البصري: هذا قسم وجواب له. قال القرطبي: والقول الأول أصح. فقه الحياة أو الأحكام: هذه ظواهر تحدث قبل أو بعد البعث يوم القيامة، فتملأ النفس رهبة، وتثير الخوف والذعر بين الناس، لتبدّل ما كانوا يألفون ويشاهدون، والقصد من تعدادها تخويف البشر والإعداد ليوم القيامة بما يحقق لهم النجاة والأمن والسلامة. فهو إنذار مسبق، ولقد أعذر من أنذر، ولقد تضمن الإنذار مواجهة اثنتى عشرة علامة للقيامة: وهي تكوير الشمس، وانكدار النجوم، وتسيير الجبال، وتعطيل العشار، وحشر الوحوش، وتسجير البحار، وتزويج النفوس، وسؤال الموءودة، ونشر صحف الأعمال، وكشط السماء كما يكشف الإهاب (الجلد) عن الذبيحة، وتسعير الجحيم (إيقادها) وإزلاف الجنة (إدناؤها). وأي رهبة تحدث حينما يذهب ضوء الشمس، فيظلم الكون، وتتهافت النجوم وتتساقط

стр. 8962

وتتناثر، فتزول معالم الجمال، وتقلع الجبال من الأرض وتسير في الهواء، فتكون كثيبا مهيلا، أي رملا سائلا، وتصبح كالعهن، وتكون هباء منثورا، وسرابا لا حقيقة ولا وجود له، كالسراب الذي ليس بشيء، وتعود الأرض قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، أي ارتفاعا، فتزول المتعة بها في عين الرائي. وتهمل النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، بعد العناية بها؛ لأنها أعز ما تكون على العرب، وهذا على وجه المثل؛ لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء، ولكن أراد به المثل، أن هول يوم القيامة لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه. وتحشر الوحوش، أي تجمع حتى يقتص لبعضها من بعض، فيقتصّ للجمّاء من القرناء، ثم يقال لها: كوني ترابا، وهذا هو المعنى الأصح، وقيل: حشرها: موتها وهلاكها، وعلى كل حال، تتعاظم المخاوف من رؤية ما يحدث. وتسجّر البحار، أي توقد إيقادا شديدا، وتصير البحار والأرض كلها بساطا واحدا، بأن يملأ مكان البحار بتراب الجبال، فتزول صورة جمال البحر في مشهد الطبيعة. ويحدث البعث، فتقرن الأرواح بالأجساد، وتسأل البنت المدفونة حية عن سبب وأدها وقتلها، لتوبيخ الفاعل، ولومه على فعله مخافة الحاجة والإملاق (الفقر) أو السبي والاسترقاق ولإلحاق البنات بالملائكة؛ لأنهم كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، وكل ذلك غير مقبول، فإنها قتلت بغير ذنب، وعقاب القاتل النار. وتنشر صحائف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشرّ، تطوى بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته،

стр. 8963

فيعلم ما فيها، فيقول: ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ [الكهف ٤٩/ ١٨]. وتكشط السماء كما يكشط الجلد عن الكبش وغيره، وفي هذا غاية الرهبة. وتوقد النار للكفار ويزداد في إحمائها، وتدنى الجنة وتقرب من المتقين، فيتحدد مصير الخلائق. حين حدوث هذه الوقائع الجسام، تعلم كل نفس علم اليقين ما عملت من خير وشرّ، وتعرف مصيرها. جاء في الصحيحين عن عديّ بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا وسيكلّمه الله، ما بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدّمه، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدّم بين يديه، فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتّقي النار، ولو بشقّ تمرة، فليفعل». الحلف لإثبات صدق الوحي القرآني ونبوة الرسول ﷺ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)﴾ الإعراب: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ جواب القسم؛ لأن معنى ﴿فَلا أُقْسِمُ.﴾. أقسم.

стр. 8964

﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ عطف على جواب القسم. ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿عِنْدَ﴾: متعلق ب ﴿مَكِينٍ﴾. ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ عطف أيضا على جواب القسم. ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ تقديره: إلى أين تذهبون؟ إلا أنه حذف حرف الجر كما حذف من قولهم: ذهبت الشام، أي إلى الشام. ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿لِمَنْ﴾: بدل من قوله ﴿الْعالَمِينَ﴾ بدل بعض من كل. ﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أي ببخيل، وقرئ «بظنين» بالظاء، أي بمتهم. البلاغة: ﴿بِالْخُنَّسِ﴾ و ﴿الْكُنَّسِ﴾ بينهما جناس ناقص. ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ استعارة تصريحية، شبه إقبال النهار وانتشار الضياء بنسمات الهواء العليل، واستعار لفظ التنفس لإقبال النهار بعد الظلام الدامس. ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ كناية، كنى عن محمد ﷺ بلفظ ﴿صاحِبُكُمْ﴾. ﴿أَمِينٍ﴾ و ﴿مَكِينٍ﴾ بينهما جناس ناقص غير تام. ﴿بِالْخُنَّسِ﴾، و ﴿الْكُنَّسِ﴾، و ﴿عَسْعَسَ﴾، و ﴿تَنَفَّسَ﴾ إلخ سجع مرصع وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ أي أقسم، و ﴿فَلا﴾: لتأكيد الخبر. ﴿بِالْخُنَّسِ﴾ بالكواكب الرواجع، من خنس يخنس: إذا تأخر، وواحدها: خانس: أي منقبض مستخفي، فهي التي ترجع في مجراها وراء الشمس، وهي عند الجمهور: الكواكب السيارة كالشمس والقمر وزحل وعطارد والمريخ والزهرة والمشتري. الجواري السيارة التي تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى مع ضوء الشمس. ﴿الْكُنَّسِ﴾ التي تكنس في أبراجها، أي تستتر، فهي تختفي تحت ضوء الشمس، من كنس الظبي أو الوحش: إذا دخل كناسة، وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر، وقيل: المراد الكواكب الخمسة السيارة، فخنوسها: رجوعها إلى أول البرج، وكنوسها: اختفاؤها نهارا تحت ضوء الشمس، وغيبتها في المواضع التي تغيب فيها عن البصر نهارا ثم تظهر ليلا. والخلاصة: أن ﴿بِالْخُنَّسِ﴾ على الأرجح: هي جميع الكواكب، كما جاء في الصحاح؛ لأنها تخنس (تختفي) نهارا، وتختفي عن البصر في المغيب، وتظهر ليلا، ثم تكنس وتستتر في مغيبها تحت الأفق، كما تكنس

стр. 8965

الظباء في المغار، فكل من ﴿بِالْخُنَّسِ﴾ و ﴿الْكُنَّسِ﴾ يختفي بعد ظهوره. والأصح أن معناها النجوم، لذكر الليل والصبح بعد هذا. ﴿عَسْعَسَ﴾ أقبل بظلامه، أو أدبر، فهو من ألفاظ الأضداد. ﴿تَنَفَّسَ﴾ أضاء وظهر نوره. ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ أي إن هذا المقسم عليه وهو القرآن لقول منقول نازل من رسول كريم عزيز على الله تعالى وهو جبريل ﵇، أضيف القول إليه، لنزوله به، وقوله عن الله تعالى. ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ شديد القوى، حافظ. ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ الله تعالى. ﴿مَكِينٍ﴾ ذي مكانة وجاه عند ربّه، يعطيه ما سأل. ﴿مُطاعٍ﴾ تطيعه ملائكة السماء. ﴿ثَمَّ﴾ هنالك. ﴿أَمِينٍ﴾ على الوحي والرسالة. ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ محمد ﷺ ، ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ كما زعمتم. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ رأي محمد ﷺ جبريل على صورته التي خلق عليها. ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ الأفق الواضح، وهو مطلع الشمس الأعلى. ﴿وَما هُوَ﴾ محمد ﷺ . ﴿الْغَيْبِ﴾ الوحي وخبر السماء. ﴿بِضَنِينٍ﴾ ببخيل مقصر بالتعليم والتبليغ، فينتقص منه شيئا، وقرئ: «بظنين»، أي بمتهم. ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ﴾ أي القرآن. ﴿شَيْطانٍ﴾ مسترق السمع. ﴿رَجِيمٍ﴾ مرجوم ملعون مطرود من رحمة الله. ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أيّ طريق تسلكون بعد إنكاركم القرآن وإعراضكم عنه، وقد قامت الحجة عليكم؟ ﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو. ﴿إِلاّ ذِكْرٌ﴾ عظة وعبرة. ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ الإنس والجن. ﴿أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ على الطريق الواضح باتباع الحق. ﴿وَما تَشاؤُنَ﴾ الاستقامة على الحق. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ إلا وقت أن يشاء الله استقامتكم. ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ مالك الخلق كلهم. سبب النزول: نزول الآية (٢٩): ﴿وَما تَشاؤُنَ.﴾.: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سليمان بن موسى قال: لما أنزلت ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال أبو جهل: ذاك إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾. التفسير والبيان: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ أي أقسم بجميع الكواكب التي

стр. 8966

تخنس أي تختفي بالنهار تحت ضوء الشمس، والتي تجري في أفلاكها، وتكنس بالليل، أي تظهر بالليل في أماكنها، كما تظهر الظباء من كنسها، أي بيوتها، وهي جمع كناس: وهو الذي يختفي فيه الوحش. وقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ يراد بها القسم في أسلوب العرب، ويراد بها تأكيد الخبر، كأنه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم. وإنما أقسم سبحانه بهذه الكواكب، لما في تبدل أحوالها من الظهور والخفاء من الدلالة على قدرة مبدعها ومصرّفها. ويرى الجمهور: أن المراد بها الكواكب السيارة كلها، ويرى بعضهم أنها ما عدا الشمس والقمر. ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ أي والليل إذا أقبل بظلامه، لما فيه من الرهبة، وهذا هو الأولى، أو أدبر وولى، لما في إدباره من كشف الغمة. والصبح إذا اقبل وأضاء بنوره الأفق؛ لأنه يقبل بروح نشطة ونسيم عليل. قال ابن كثير: ﴿عَسْعَسَ﴾: أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإدبار أيضا، لكن الإقبال هاهنا أنسب، كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ [الليل ١/ ٩٢ - ٢] وقال تعالى: ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ [الضحى ١/ ٩٣ - ٢] وقال تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾ [الأنعام ٩٦/ ٦]، وغير ذلك من الآيات. وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة ﴿عَسْعَسَ﴾ تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم (١).

стр. 8967

﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ هذا هو المقسم عليه، أي إن القرآن تبليغ رسول كريم، ومقول قاله جبريل ﵇ الشريف الكريم العزيز عند الله، ونزل به من جهة الله سبحانه إلى رسوله ﷺ ، فليس القرآن من كلام البشر، وإنما وصل إلى النبي ﷺ من جبريل الذي تلقاه عن ربّه . ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ هذه أوصاف أربعة أخرى لجبريل ﵇، فهو شديد القوى في الحفظ التام والتبليغ الكامل، وذو رفعة عالية، ومكانة سامية عند الله سبحانه، ومطاع بين الملائكة، يرجعون إليه ويطيعونه، فهو من السادة الأشراف، مؤتمن على الوحي والرسالة من ربّه، وعلى غير ذلك. وإنما قال: ﴿ثَمَّ﴾ أي عند الله، وقرئ «ثم» تعظيما للأمانة وبيانا لأنها أفضل صفاته المعدودة. ووصف جبريل بالأمين تزكية عظيمة من الله لرسوله الملكي وعبده جبريل، كما زكى عبده ورسوله البشرى محمدا ﷺ بقوله: ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾. وبعد بيان أوصاف الرسول الملك، ذكر تعالى وصف المرسل إليه، فقال: ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ أي وليس محمد ﷺ يا أهل مكة بمجنون، كما تزعمون. وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وبأنه أعقل الناس وأكملهم. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ، إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف ١٨٤/ ٧]، وقوله: ﴿قُلْ: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ، إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ ٤٦/ ٣٤]، وقوله: ﴿أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ، وَقالُوا: مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان ١٣/ ٤٤ - ١٤]. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ أي قد رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، له ست مائة جناح، في مطلع أو أفق الشمس الأعلى من قبل المشرق، بحيث

стр. 8968

حصل له علم ضروري (بدهي) بأنه ملك مقرب يطمأن لنزوله بالوحي عليه، لا شيطان رجيم. وهذا كما جاء في سورة النجم: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى، أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى﴾ [١١ - ١٤]. وهذه الرؤية بعد رؤيته في بدء الوحي عند غار حراء حين رآه على كرسي بين السماء والأرض في صورته، له ست مائة جناح. وقيل: هي الرؤية التي رآه فيها عند سدرة المنتهى، وسمي ذلك الموضع أفقا مجازا، وقد كانت له ﵇ رؤية ثانية بالمدينة، وليست هذه (١). ﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أي ليس محمد ﷺ على ما أنزله الله عليه من الوحي وخبر السماء ببخيل مقصر في التعليم والتبليغ، بل يعلّم الخلق كلام الله وأحكامه دون أي انتقاص، وهو ثقة مؤتمن لا يأتي بشيء من عند نفسه، ولا يبدل ولا يغير أي حرف أو معنى فيه. ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ أي وما القرآن بقول شيطان يسترق السمع، مرجوم بالشهب، فالقرآن ليس بشعر ولا كهانة، كما قالت قريش، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء ٢١٠/ ٢٦ - ٢١٢]. ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أي: أيّ طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بيّنت لكم؟ وأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن مع ظهوره ووضوحه وبيان كونه حقا من عند الله تعالى؟ ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ، لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ أي ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين، وتذكير لهم بما ينفعهم، وتحذير لهم عما يضرهم، لمن

стр. 8969

أراد من البشر أن يستقيم على الحق والإيمان والطاعة، فمن أراد الهداية فعليه بهذا القرآن، فإنه مناجاة له وهداية، ولا هداية فيما سواه. قال الزمخشري: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ﴾ بدل من ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ وإنما أبدلوا منهم؛ لأن الذين شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، وإن كانوا موعوظين جميعا. ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي وما تشاؤون الاستقامة ولا تقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله وتوفيقه، فليست المشيئة موكولة إليكم، فمن شاء اهتدى، ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله تعالى ربّ الإنس والجن والعالم كله. آمنت بالله وبما يشاء، فلا يقدر أحد على شيء إلا بما يخلق فيه من قوة، وبما يودع الله فيه من قدرة يتمكن من توجيهها نحو الإيمان والخير أو نحو الكفر والشر، وهذا يعني أن الله أودع في الناس قدرة الاختيار، بدليل الآيات الأخرى التي تنفي الإجبار والإكراه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته من حيوان وجماد، وإن لم يعلم وجه الحكمة في ذلك، كما قال القرطبي (١). ٢ - أقسم الله تعالى بجميع الكواكب التي تخنس (تختفي) بالنهار وعند غروبها، وخنوسها: غيبتها عن البصر بالنهار، والتي تجري في أفلاكها، وتكنس، وكنوسها: ظهورها للبصر في الليل، كما يظهر الظبي أو الوحش من كناسه، ثم تغيب وتستتر في مغيبها تحت الأفق، لما في تحركها وظهورها مرة،

стр. 8970

واختفائها مرة أخرى من الدليل على قدرة خالقها ومصرّفها. وأقسم الله أيضا بالليل إذا أقبل بظلامه لما فيه من السكون والرهبة، وبالصبح إذا أضاء وامتد حتى يصير نهارا واضحا، لما فيه من التفتح والبهجة. والمقسم المحلوف عليه هو أن القرآن الكريم نزل به جبريل: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الواقعة ٨٠/ ٥٦]. وإنما نسب الكلام إلى جبريل ﵇ باعتبار أنه الواسطة بين الله وبين أنبيائه ورسله. ٣ - وصف الله تعالى جبريل ﵇ بخمسة أوصاف، هي: كريم عزيز على الله، ذو قوة في الحفظ وأداء، طاعة الله ومعرفته وترك الإخلال بها، وذو مكانة وجاه عند ربّ العرش، ومطاع بين الملائكة فهو من السادة الأشراف، وأمين على وحي الله ورسالاته، قد عصمه الله من الخيانة والزلل. وقوله: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ.﴾. هذه العندية ليست عندية المكان، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء ١٩/ ٢١] وليست عندية الجهة، بدليل قوله في الحديث: «أنا عند المنكسرة قلوبهم» بل عندية الإكرام والتشريف والتعظيم (١). ٤ - ردّ الله تعالى على المشركين المتقولين بأن محمدا ﷺ ليس بمجنون كما زعموا، بأنهم أعلم الناس بأمره، وبأنه أعقل الناس وأكملهم. ٥ - رأى النبي ﷺ جبريل ﵇ في صورته الحقيقية، له ست مائة جناح بالأفق المبين، أي بمطلع الشمس من قبل المشرق، فهو مبين؛ لأنه ترى الأشياء من جهته، وذلك ليتأكد ويطمئن بأنه ملك مقرب، لا شيطان رجيم. ٦ - أخبر الله تعالى عن نبيّه بأنه لا يضنّ بشيء من الغيب أي الوحي وخبر

стр. 8971

السماء على أحد، وإنما يقوم بتعليمه وتبليغه دون انتقاص شيء منه، قال مجاهد: لا يضنّ عليكم بما يعلم، بل يعلّم الخلق كلام الله وأحكامه. ٧ - بعد وصف كل من الرسول الوسيط جبريل والمرسل إليه بالأمانة في تبليغ الوحي، حسم الأمر في شأن القرآن، فأعلن بأن القرآن ليس بقول شيطان مرجوم ملعون، كما قالت قريش، ولا بقول كاهن ولا مجنون، وإنما هو موعظة وبيان وهداية للخلق أجمعين، لمن أراد أن يستقيم أي يتبع الحق ويقيم عليه. ٨ - حكم الله بعد هذا الوصف على قريش بالضلال والضياع بقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أي فأيّ طريقة تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بيّنت لكم، أو بعد هذه البيانات التي أوضحتها لكم. ٩ - لا يعمل العبد خيرا إلا بتوفيق الله، ولا شرا إلا بخذلانه، وليس للإنسان مشيئة إلا أن يشاء الله تعالى أن يعطيه تلك المشيئة، وفعل الاستقامة موقوف على إرادة الاستقامة. والله هدى بالإسلام، وأضل بالكفر. والاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم صراط الله الذي له ما في السموات والأرض. قال الحسن البصري: والله هدى بالإسلام، وأضل بالكفر. والاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم صراط الله الذي له ما في السموات والأرض. قال الحسن البصري: والله ما شاءت العرب الإسلام حتى شاءه الله لها. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ، وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى، وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [الأنعام: ١١١/ ٦]، وقال سبحانه: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [يونس: ١٠٠/ ١٠]، وقال : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص ٥٦/ ٢٨].

стр. 8972

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الانفطار مكيّة، وهي تسع عشرة آية. تسميتها: سميت سورة (الانفطار)، لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أي انشقت، كما قال سبحانه: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل ١٨/ ٧٣]. مناسبتها لما قبلها: هذه السورة وما قبلها وسورة الانشقاق في وصف يوم القيامة وأهواله وأحواله، كما تقدم. ما اشتملت عليه السورة: هذه السورة المكية كغيرها من السور المكية تتحدث عن أمور في العقيدة، وهي هنا بعض أمارات القيامة وما يصحبها من تبدل في الكون، ووقوع أحداث جسام، ووصف أحوال الأبرار والفجار يوم البعث، كالسورة المتقدمة. ابتدأت بوصف الأحداث الكونية التي ترى في القيامة وهي انشقاق السماء، وانتثار الكواكب، وتفجير البحار، وبعثرة القبور، ثم الإخبار عن علم كل نفس بما قدّمت وأخّرت: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ.﴾. [الآيات: ١ - ٥]. ثم ندّدت بجحود الإنسان نعم ربّه، وبتقصيره في مقابلة الإحسان بالشكر والعرفان: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ.﴾. [الآيات: ٦ - ٨].

стр. 8973

ثم ذكرت سبب هذا الجحود وهو إنكار البعث، وبيّنت أن أعمال الإنسان كلها محفوظة مسجلة عليه، يقوم برصدها ملائكة كرام كاتبون: ﴿كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ.﴾. [الآيات: ٩ - ١٢]. وأردفت ذلك ببيان مصير الناس وانقسامهم إلى فريقين: أبرار وفجّار، وأيلولتهم إلى نعيم أو جحيم: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ.﴾. [الآيات: ١٣ - ١٦]. وختمت السورة بالتحذير من يوم الدّين، أي الجزاء والقيامة، واستقلال كل إنسان بالمسؤولية عن نفسه، وتفرد الله بالحكم والأمر: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ.﴾. [الآيات: ١٧ - ١٩]. والخلاصة: أن الله تعالى ذكر في هذه السورة السعداء والأشقياء ويوم الجزاء وعظم شأن يومه. فضلها: أخرج الإمام أحمد كما تقدم عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ ، قال: «من سرّه أن ينظر إلى القيامة رأي العين، فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، و ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾، و ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾». وأخرج النسائي، وأصل الحديث في الصحيحين عن جابر قال: قام معاذ، فصلى العشاء الآخرة فطوّل، فقال النبي ﷺ : «أفتّان أنت يا معاذ؟ أين كنت عن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿وَالضُّحى﴾ و ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾»؟!

стр. 8974

أمارات القيامة والجزاء على العمل وتوبيخ الإنسان على جحود النعم ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ اِنْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ الإعراب: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿السَّماءُ﴾ فاعل لفعل مقدر يفسره ﴿اِنْفَطَرَتْ﴾؛ لأن ﴿إِذَا﴾ لا تدخل إلا على الفعل. ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ﴾ ﴿ما﴾: استفهامية في موضع رفع، مبتدأ، و ﴿غَرَّكَ﴾: خبره. ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾: ﴿ما﴾: إما زائدة لتفخيم المعنى وتعظيمه، و ﴿فِي﴾ تتعلق ب ﴿رَكَّبَكَ﴾ أي ركّبك في أى صورة شاء، فحذف: ما، أو شرطية، و ﴿شاءَ﴾: فعل الشرط المجزوم ب ﴿ما﴾، و ﴿رَكَّبَكَ﴾: جواب الشرط، و ﴿فِي﴾ حينئذ متعلقة بعامل مقدر؛ لأن ما بعد حرف الشرط لا يعمل فيما قبله، وتقديره: كوّنك في أي صورة. ولا يكون متعلقا ب «عدلك»؛ لأن الاستفهام لا يتعلق بما قبله. البلاغة: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ سجع مرصّع. ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ استعارة مكنية، شبّه الكواكب بجواهر متناثرة متفرقة، وحذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو الانتثار على طريق الاستعارة المكنية. ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ استفهام يراد به التوبيخ والإنكار.

стр. 8975

المفردات اللغوية: ﴿اِنْفَطَرَتْ﴾ انشقت. ﴿اِنْتَثَرَتْ﴾ تساقطت متفرقة. ﴿فُجِّرَتْ﴾ شقّقت جوانبها، فصارت بحرا واحدا. ﴿بُعْثِرَتْ﴾ قلب ترابها الذي وضع على موتاها، وبعث موتاها. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ وما عطف عليها، أي علمت نفس وقت حدوث هذه الأمور، وهو يوم القيامة ما قدمت من الأعمال، وما أخرت منها فلم تعمله بسبب الكسل. ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ﴾ جنس الإنسان. ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ما خدعك وأي شيء جرّأك على عصيانه، و ﴿الْكَرِيمِ﴾ العلي العظيم، وذكر للمبالغة في المنع عن الاغترار. ﴿فَسَوّاكَ﴾ جعل أعضاءك سوية سليمة معدّة لمنافعها. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ جعلك معتدلا متناسب الخلق والأعضاء، فلا تجد تنافرا بينها ولا عيبا فيها، فليست يد أو رجل أطول من الأخرى. ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ أي ركّبك وكوّنك في أي صورة هي من أعجب الصور وأحكمها. سبب النزول: نزول الآية (٦): ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ.﴾. الآية قال: نزلت في أبيّ بن خلف. وقيل: نزلت في أبي الأشدّ بن كلدة الجمحيّ، وقال ابن عباس: الإنسان هنا الوليد بن المغيرة. وروى غالب الحنفي قال: لما قرأ رسول الله ﷺ : ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ قال: «غرّه الجهل». التفسير والبيان: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أي إذا انشقت السماء، كما قال تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل ١٨/ ٧٢]، وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ﴾ [الفرقان ٢٥/ ٢٥]، وقال : ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ

стр. 8976

السَّماءُ، فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ﴾ [الرحمن ٣٧/ ٥٥]، وقال عزّ من قائل: ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ، فَكانَتْ أَبْواباً﴾ [النبأ ١٩/ ٧٨]. وإذا تساقطت الكواكب وتفرقت، وذلك بعد تشقق السماء. ﴿وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي فجّر الله بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا، ثم تسجّر أي توقد فتصير نارا تضطرم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦/ ٨١]. وإذا قلب تراب القبور، وأخرج موتاها، وصار باطنها ظاهرها. وإذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة، فهناك يحصل الحشر والنشر، وبما أن المراد من هذه الآيات بيان تخريب العالم، وفناء الدنيا، فإنه يلاحظ الترتيب، فيبدأ أولا بتخريب السماء التي هي كالسقف، ويلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب، ثم يخرب ما على وجه الأرض التي هي كالبناء، وهو تفجير البحار، ثم تقلب الأرض ظهرا لبطن، وبطنا لظهر، وهو بعثرة القبور. وجواب الشرط قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ أي إذا حدثت الأمور المتقدمة، علمت كل نفس عند نشر الصحف ما قدمت من عمل خير أو شر، وما أخّرت من الأعمال بسبب التكاسل والإهمال، كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة ١٣/ ٧٥]. وبما أن المراد بهذه الأمور يوم القيامة، فيكون المقصود بالآية الأخيرة في الأصح الزجر عن المعصية، والترغيب في الطاعة.

стр. 8977

وبعد بيان تبدل نظام العالم، والإخبار عن وقوع الحشر والنشر، وبّخ الله تعالى الإنسان على تقصيره في عمل الخير، وجحوده النعم، بأن لم يطع أوامر الله شكرا على النعمة، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ أي يا أيها الإنسان المدرك نهاية العالم ما الذي خدعك وجرأك على عصيان ربّك الكريم الذي أنعم عليك في الدنيا، حيث خلقك من نطفة بعد العدم، وجعلك سويا مستقيما، معتدل القامة في أحسن هيئة وشكل، متناسب الأعضاء، لا تفاوت فيها، مزوّدا بالحواس من السمع والبصر، وطاقة العقل والفهم. والأصح أن الآية تتناول جميع العصاة؛ لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت الآية من أجله. وقد وصف الله تعالى نفسه في هذا المقام بالكرم، وهذا الوصف يقتضي الاغترار به، حتى قالت العقلاء: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه. فكان الكرم سبب الاغترار، وإنما وقع الإنكار عليه؛ لأن الإنسان لم يدرك أن كرمه صادر عن الحكمة، وهي تقتضي ألا يهمل وإن أمهل، وأن ينتقم للمظلوم من الظالم ولو بعد حين، وقيل: غرّه، جهله، وقيل: غرّه عدوه المسلّط عليه، وهو الشيطان، وقيل: غرّه عفو الله إذ لم يعاجله بالعقوبة أول مرة. ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ أي ركّبك في أي صورة شاءها من أبهى الصور وأجملها، وأنت لم تختر صورة نفسك، كما قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤/ ٩٥].

стр. 8978

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - إن من علامات يوم القيامة تبدل النظام الكوني، بتشقق السماء، وتساقط الكواكب، وتفجير البحار بعضها في بعضها، حتى تصير بحرا واحدا، ثم توقد حتى تصير نارا تضطرم، وبعثرة القبور وإخراج موتاها منها. ٢ - إذا حدثت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة، حصل الحشر والنشر، وختمت صحائف الأعمال، فعلمت كل نفس ما كسبت، ووجدت ما قدمت من خير أو شر، وحوسبت كل نفس بما عملت، وأوتيت كتابها بيمينها أو بشمالها، فتذكرت عند قراءته جميع أعمالها، ولم يعد ينفعها عمل بعد ذلك. ٣ - مسكين هذا الإنسان لا يشكر نعم ربّه بإطاعة أوامره، ولا يدخر من العمل الصالح ما يفيده في سفينة النجاة في آخرته، وغرّه كرم الله الذي تجاوز عنه في الدنيا، أو حمقه وجهله، أو شيطانه المسلط عليه. أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان أن عمر سمع رجلا يقرأ: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فقال عمر: الجهل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب ٧٢/ ٣٣]. وقيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة بين يديه، فقال لك: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟﴾ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرّني ستورك المرخاة؛ لأن الكريم هو الستّار. ٤ - نعم الله على الإنسان لا تعدّ ولا تحصى، وأهمها ما يتعلق بنفسه، حيث خلقه الله من نطفة ولم يك شيئا، وجعله سليم الأعضاء، منتصب القامة، متناسب الأعضاء، مستعدا لقبول الكمالات، بالسمع والبصر والعقل وغير ذلك، وصوّره في أحسن الصور وأعجبها وأبدعها، واختار له الهيئة الجميلة والشكل البديع، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤/ ٩٥].

стр. 8979

علة الجحود وكتابة الملائكة وانقسام الناس فريقين ﴿كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ (١٩)﴾ الإعراب: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ..﴾. ﴿يَوْمَ﴾: بالنصب على البدل من ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الآية: ١٥] الأول المنصوب. ويقرأ بالرفع على البدل من ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾] [الآية: ١٨] المرفوع، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو يوم لا تملك. البلاغة: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ﴾ سجع مرصع، ومثله: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾. والسجع: هو توافق الفاصلتين في الحرف الأخير، وهو ثلاثة أنواع: مطرف ومتوازي وترصيع. ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ بينهما مقابلة، قابل بين الأبرار والفجار، وبين النعيم والجحيم. وفيها سجع الترصيع: وهو أن يكون في إحدى الفقرتين مثل ما يقابله من الأخرى في الوزن والتقفية وهو من المحسنات اللفظية. والمقابلة من المحسنات المعنوية: وهي أن يؤتي معنيين متوافقين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب، فقد تكون بين اثنين أو ثلاثة أو أكثر. ﴿نَعِيمٍ﴾ و ﴿جَحِيمٍ﴾ التنكير للتعظيم والتهويل. ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ إطناب بإعادة الجملة، لتعظيم هول ذلك اليوم وبيان شدته.

стр. 8980

المفردات اللغوية: ﴿كَلاّ﴾ ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى، فهي كلمة تفيد نفي شيء تقدم، وتحقق غيره. ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ ﴿بَلْ﴾: إضراب إلى بيان ما هو السبب الأصلي في اغترارهم. والمراد. ﴿بِالدِّينِ﴾: الجزاء على الأعمال يوم القيامة. ﴿لَحافِظِينَ﴾ ملائكة حفظة لأعمالكم، يحصون كل ما كان منها من خير أو شر. ﴿كِراماً﴾ عند الله، ووصفهم بذلك لتعظيم الجزاء. ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ يعلمون جميع الأفعال. ﴿الْأَبْرارَ﴾ هم المؤمنون الصادقون في إيمانهم، الذين يفعلون البرّ (الخير) ويتقون الله في كل أفعالهم، جمع برّ. ﴿نَعِيمٍ﴾ جنّة. ﴿الْفُجّارَ﴾ هم الكفار التاركون لما شرع الله لعباده، جمع فاجر. ﴿جَحِيمٍ﴾ نار محرقة. ﴿يَصْلَوْنَها﴾ يدخلونها ويقاسون حرّها. ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يوم الجزاء. ﴿وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ﴾ أي لا يخرجون منها، لخلودهم فيها. ﴿وَما أَدْراكَ﴾ ما أعلمك وعرّفك، وكرر الجملة لتفخيم شأن اليوم وتعظيم هوله، بحيث لا يدركه إنسان. ﴿لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ من المنفعة. ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ أي لا أمر لغيره فيه، فلا يمكّن أحد من التوسط فيه. والمقصود بالآية تقرير شدة هول ذلك اليوم، وتفخيم أمره إجمالا. المناسبة: بعد بيان أمارات الساعة الدالة على صحة القول بالبعث والنشور، وبعد تعداد نعم الله على الإنسان، وجحوده إياها، ذكر الله تعالى علة هذا الجحود وهو التكذيب بالبعث، ثم رغب بالطاعة، وحذر من المعصية بسبب كتابة الحفظة جميع الأعمال، ثم أوضح أن الناس يوم القيامة فريقان: أبرار منعمون، وفجار معذبون مخلّدون في النار، وأن يوم القيامة ذو شدائد وأهوال، تتجرد فيه النفوس من قواها، ويتفرد الله بالحكم والسلطان. التفسير والبيان: ﴿كَلاّ، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ أي ارتدعوا وانزجروا عن الاغترار بكرم الله وجعله ذريعة إلى الكفر به، والواقع أنكم تكذبون بيوم المعاد والحساب

стр. 8981

والجزاء، حيث لا يحملكم الخوف من هذا اليوم على التزام طاعة الله واجتناب معاصيه. ثم زاد في التحذير من العناد والتكذيب بالإخبار أن جميع الأعمال مرصودة على الناس بالملائكة، فقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ أي إن عليكم لملائكة حفظة كراما، فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم، ويعلمون جميع ما تفعلون، كما قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٧/ ٥٠ - ١٨]. وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ : «أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين: الجنابة والغائط. فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط، أو ببعيره، أو ليستره أخوه». ورواه الحافظ أبو بكر البزار، فوصله بلفظ آخر، وأسنده عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ينهاكم عن التعري، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم، الكرام الكاتبين، الذين لا يفارقونكم إلا عند ثلاث حالات: الغائط، والجنابة، والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء، فليستتر بثوبه أو بجرم حائط، أو ببعيره». لذا كره العلماء الكلام عند الغائط والجماع، لمفارقة الملك العبد عند ذلك. ثم ذكر الله تعالى تصنيف الناس العاملين يوم القيامة فريقين نتيجة كتابة الحفظة لأعمال العباد، فقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ، يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ﴾: وهم الذين أطاعوا الله ، ولم يقابلوه بالمعاصي يصيرون إلى دار النعيم وهي الجنة، ﴿وَإِنَّ الْفُجّارَ﴾: وهم الذين كفروا بالله وبرسله، وقابلوا ربّهم بالمعاصي، يصيرون إلى دار الجحيم، وهي النار المحرقة،

стр. 8982

يدخلونها ويقاسون حرها يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به، كما قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى ٧/ ٤٢]. ﴿وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ﴾ أي لا يفارقون الجحيم ولا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة، ولا يخفف من عذابها، بل هم فيها إلى الأبد، ملازمون لها، كما قال تعالى: ﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها﴾ [البقرة ١٦٧/ ٢]. ثم وصف يوم القيامة وصفا إجماليا في غاية التهويل وأكد ذلك مرتين، فقال: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي وما أعلمك وما أعرفك ما يوم الجزاء والحساب، وكرر الجملة تعظيما لشأن يوم القيامة، وتفخيما لقدره، وتهويلا لأمره، مما يستدعي التدبر والتأمل، فلو عرف المرء تلك الأهوال، لما فارق طاعة الله ساعة، وابتعد عن المعصية بعد السماء من الأرض، ولكن الإنسان في غفلة وسهو وتجاهل، يعيش في الآمال، ويعتمد على الأحلام أحيانا، ويهرب من الواقع. ثم حسم الله تعالى الأمر، وأبان حقيقة الموقف، ودور الإنسان فيه، فقال: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ أي إنه اليوم الذي لا يقدر فيه أحد كائنا من كان عليه نفع أحد، ولا خلاصه مما هو فيه، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، ولا يملك أحد القضاء بشيء أو صنع شيء، إلا الله ربّ العالمين، فهو المتفرد بالحكم والسلطان، فبيده الأمر كله، وإليه ترجع الأمور كلها. قال قتادة: والأمر، والله اليوم، لله، ولكنه لا ينازعه فيه يومئذ أحد. ونظير الشطر الأول من الآية قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة ٤٨/ ٢]، وقوله : ﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ

стр. 8983

بِما كَسَبَتْ، لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٧/ ٤٠]، وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤/ ٨٠ - ٣٧]. وجاء في الحديث الثابت الذي أخرجه الترمذي: «يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، لا أملك لكم من الله شيئا». ونظير الشطر الآخر قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [غافر ١٦/ ٤٠]، وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ.﴾. [الحج ٥٦/ ٢٢]، وقوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤/ ١]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - أمر تعالى بأن نرتدع عن الاغترار بحلم الله وكرمه، وأن نتفكر في آيات الله. ٢ - إن منشأ عدم الخوف من الله والتجرؤ على الكفر والعصيان في الحقيقة والواقع هو التكذيب بالجزاء والحساب في يوم القيامة. ٣ - حال الناس مما يثير التعجب، فهم يكذبون بيوم الحساب والجزاء، وملائكة الله موكلون بهم، يكتبون أعمالهم، حتى يحاسبوا بها يوم القيامة. ولا يختلف الحال بين المؤمنين والكفار، فعليهم جميعا الحفظة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ..﴾. [الحاقة ١٩/ ٦٩]، ثم قال: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ [الحاقة ٢٥/ ٦٩]، وفي آية أخرى: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق ١٠/ ٨٤]، فهذا خبر يدل أن الكفار يكون لهم كتاب، ويكون عليهم حفظة.

стр. 8984

سئل سفيان الثوري: كيف تعلم الملائكة أن العبد قد همّ بحسنة أو سيئة؟ قال: إذا همّ العبد بحسنة، وجدوا منه ريح المسك، وإذا همّ بسيئة وجدوا منه ريح النّتن. ٤ - وصف الله تعالى الملائكة الحفظة بصفات أربع: هي كونهم حافظين، وكونهم كراما، وكونهم كاتبين، وكونهم يعلمون ما تفعلون. ووصف الله إياهم بهذه الصفات يدل على أنه تعالى أثنى عليهم وعظم شأنهم، وفي تعظيمهم تعظيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله تعالى من جلائل الأمور، ولولا ذلك لما وكلوا بضبط ما يحاسب عليه كل إنسان. قال بعض العلماء: من لم يزجره من المعاصي مراقبة الله إياه، كيف يرده عنها كتابة الكرام الكاتبين. ٥ - أحوال العاملين ومصيرهم يوم القيامة: إن الأبرار يكونون في جنات النعيم، وإن الفجار يكونون في نيران الجحيم، يدخلونها ويقاسون لهابها وحرها يوم الجزاء والحساب، ويلازمونها إلى أبد الآبدين، فلا يغيبون عنها. وليس صاحب المعصية الكبيرة فاجرا، وإنما الكفار هم الفجرة لا غيرهم كما تقدم، وليس صاحب الكبيرة بفاجر على الإطلاق، لقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٤٢/ ٨٠]. وفي هذا تهديد عظيم للعصاة، حكي أن سليمان بن عبد الملك مرّ بالمدينة، وهو يريد مكة، فقال لأبي حازم: كيف القدوم على الله غدا؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم من سفره على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه، قال: فبكى، ثم قال: ليت شعري ما لنا عند الله! فقال أبو حازم: اعرض عملك على كتاب الله، قال: في أي مكان من كتاب الله؟ قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ قال سليمان: فأين إذن هي رحمة الله؟ فأجابه بقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) [الأعراف ٥٦/ ٧].

стр. 8985

٦ - في يوم القيامة والجزاء والحساب الرهيب لا يستطيع أحد مهما كان أن يقدم منفعة لآخر، والأمر كله حينئذ لله الواحد القهار، لا ينازعه فيه أحد. وفي هذا وعيد عظيم وتهويل جسيم ليوم القيامة، ودليل على أنه لا يغني عن الناس إلا البر والطاعة يومئذ، دون سائر ما كان قد يغني عنهم في الدنيا من مال وولد وأعوان وشفعاء. قال الواسطي في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ إشارة إلى فناء غير الله تعالى، وهناك تذهب الرسالات والكلمات والغايات فمن كانت صفته في الدنيا كذلك، كانت دنياه أخراه. وقال الرازي في قوله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾: هو إشارة إلى أن البقاء والوجود لله، والأمر كذلك في الأزل وفي اليوم، وفي الآخرة، ولم يتغير من حال إلى حال، فالتفاوت عائد إلى أحوال الناظر، لا إلى أحوال المنظور إليه (١).

стр. 8986

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة المطففين مكيّة، وهي ست وثلاثون آية. تسميتها: سميت سورة (المطففين)، لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ وهم الذين يبخسون المكيال والميزان إما بالازدياد إن اقتضوا من الناس، وإما بالنقصان إن قضوهم أو وزنوا أو كالوا لهم. مناسبتها لما قبلها: تتعلق هذه السورة بما قبلها من وجوه أربعة: ١ - قال الله تعالى في آخر السورة المتقدمة واصفا يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ وذلك يقتضي تهديدا عظيما للعصاة، فلهذا أتبعه هنا بقوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ والمراد: الزجر عن التطفيف: والبخس في المكيال والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية. أما الكثير فيظهر، فيمنع منه. ٢ - في كل من السورتين توضيح أحوال يوم القيامة. ٣ - ذكر الله تعالى في السورة السابقة: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ﴾ [١٠ - ١١] وذكر هنا ما يكتبه الحافظون: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [٢٠] يجعل في عليين، أو في سجين.

стр. 8987

٤ - ذكر الله تعالى تصنيف الناس إلى فريقين: أبرار وفجار في كل من السورتين، وذكر مآل كل فريق، إما إلى الجنة، وإما إلى النار. قال أبو حيان: لما ذكر تعالى السعداء والأشقياء ويوم الجزاء وعظم شأن يومه، ذكر ما أعد لبعض العصاة، وذكّرهم بأخس ما يقع من المعصية، وهي التطفيف الذي لا يكاد يجدي شيئا في تثمير المال وتنميته (١). ما اشتملت عليه السورة: عنيت هذه السورة كسائر السور المكية بأمور العقيدة، وعلى التخصيص أحوال يوم القيامة وأهوالها، وعنيت بأمور الأخلاق الاجتماعية، وهي هنا تطفيف الكيل والميزان. بدأت السورة بمطلع مخيف، وهو وعيد المطففين بالعذاب الشديد: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ.﴾. [الآيات ١ - ٦]. ثم أبانت أن كتاب الفجار الأشقياء في ديوان الشر، وفي كتاب مرقوم بعلامة، وأن مصيرهم أسفل السافلين في نار جهنم: ﴿كَلاّ، إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ.﴾. [الآيات ٧ - ١٧]. وأردفت ذلك على سبيل المقارنة والعبرة والجمع بين الترغيب والترهيب ببيان أن صحائف الأبرار في أعلى عليين، وأنها في كتاب مرقوم بعلامة متميزة عن صحائف الفجار: ﴿إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ.﴾. [الآيات ١٨ - ٢٨]. وختمت السورة بوصف موقف المجرمين من المؤمنين، حيث كانوا يستهزئون ويضحكون منهم في الدنيا لإيمانهم وتقواهم ربهم، ثم انعكاس هذا الموقف في الآخرة حيث صار المؤمنون يتضاحكون من الأشقياء المجرمين ويسخرون منهم،

стр. 8988

وينظرون إليهم وهم يعذبون في النار وما يلقونه من النكال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ.﴾. [الآيات ٢٩ - ٣٦]. وعيد المطففين ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦)﴾ الإعراب: ﴿كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ الهاء والميم: إما ضمير منصوب بالفعل، وتقديره: كالوا لهم ووزنوا لهم، فحذفت اللام، فاتصل الفعل به، وإما ضمير مرفوع مؤكد لواو الجماعة في الفعل. قال ابن كثير: والأحسن أن يجعل كالوا ووزنوا متعديا، ويكون (هم) في محل نصب. وقال أبو حيان: كال ووزن مما يتعدى بحرف الجر، فتقول: كلت لك ووزنت لك، ويجوز حذف اللام كقولك: نصحت لك ونصحتك وشكرت لك وشكرتك. ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ الثاني: إما منصوب بفعل مقدر، دل عليه ﴿مَبْعُوثُونَ﴾ اي مبعوثون يوم يقوم الناس، وإما بدل من موضع الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أَلا﴾ هنا: ليست أداة استفتاح، وإنما الهمزة للإنكار والتعجب، و ﴿لا﴾ للنفي. البلاغة: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ تنكير ﴿وَيْلٌ﴾ للتهويل والتفخيم. ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ و ﴿يُخْسِرُونَ﴾ بينهما طباق.

стр. 8989

المفردات اللغوية: ﴿وَيْلٌ﴾ كلمة عذاب، أي شدة عذاب، في الآخرة. ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ المنقصين، جمع مطفّف: وهو المقل حق صاحبه بنقصانه عن الحق، في كيل أو وزن، والمراد بالتطفيف هنا: إما الازدياد إن اقتضوا من الناس، وإما النقصان إن قضوهم. وسمي بذلك لأن ما يبخس شيء حقير طفيف. ﴿اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ﴾ أخذوا منهم حقوقهم. ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ يأخذون الكيل وافيا كاملا. ﴿كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ كالوا لهم أو وزنوا لهم. ﴿يُخْسِرُونَ﴾ ينقصون الكيل أو الوزن. ﴿أَلا يَظُنُّ﴾ يتيقن، وهو استفهام توبيخ وإنكار وتعجب من حالهم، وعبر بالظن؛ لأن من ظن ذلك لم يتجاسر على أمثال هذه القبائح، فكيف بمن تيقنه. ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي يوم القيامة، عظمه لعظم ما يكون فيه. ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ﴾ من قبورهم. ﴿لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي رب الخلائق، والمراد: يوم يقف الناس أمام ربهم لأجل أمره وحكمه وحسابه وجزائه. قال البيضاوي: وفي هذا الإنكار والتعجب، وذكر الظن، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه لله، والتعبير برب العالمين مبالغات في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه. سبب النزول: نزول الآية (١): أخرج النسائي وابن ماجه بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، كانوا من أبخس الناس كيلا، فأنزل الله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل بعد ذلك. وقال السّدّي: كان بالمدينة رجل يكنى أبا جهينة له مكيالان، يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص فنزلت. وهي آخر سورة نزلت بمكة، فهي مكية في قول ابن مسعود والضحاك ومقاتل. ويقال: إنها أول سورة نزلت بالمدينة، فهي مدنية في قول الحسن وعكرمة. روي أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، وكانوا من أخبث الناس كيلا، فنزلت، فأحسنوا الكيل (١). وهذا على أن السورة مدنية، أو قرأها عليهم بعد قدومه إن كانت مكية.

стр. 8990

التفسير والبيان: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ أي عذاب شديد للمنقصين في الكيل أو الوزن، والتطفيف: الأخذ في الكيل أو الوزن شيئا طفيفا، أي نزرا حقيرا أو يسيرا، والمطفف: هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن. قال ابن كثير ﵀: البخس في المكيال والميزان: إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قضاهم، ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ أي هم الذين إذا اكتالوا من الناس وقبضوا لهم، يأخذون حقهم وافيا زائدا، وإذا كالوا أو وزنوا لغيرهم من الناس أو أقبضوهم، ينقصون الكيل أو الوزن. وقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان، فقال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ، ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [الإسراء ٣٥/ ١٧] وقال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ [الأنعام ١٥٢/ ٦] وقال : ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ [الرحمن ٩/ ٥٥]. وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال، بعد أن كرر النصح لهم، فقال تعالى: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود ٨٥/ ١١]. ثم توعد الله تعالى المطففين بقوله: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي ألا يخطر ببال أولئك المطففين أنهم مبعوثون، فمسئولون عما

стр. 8991

يفعلون؟ وأما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي ربهم في يوم عظيم الهول كثير الفزع، جليل الخطب، من خسر فيه أدخل نارا حامية؟ وهو يوم القيامة. إنه يوم يقوم الناس فيه حفاة عراة، في موقف صعب حرج، منتظرين لأمر رب العالمين وجزائه وحسابه. وفي هذا دلالة على عظم ذنب التطفيف، ومزيد إثمه، وشدة عقابه، لما فيه من خيانة الأمانة وأكل حق الغير. وفي الإشارة إليهم بأولئك، وقد ذكرهم عما قريب، تبعيد لهم عن رتبة الاعتبار، بل عن درجة الإنسانية. وفي هذا الإنكار والتعجيب، وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظيم، وقيام الناس فيه لرب العالمين، بيان بليغ لعظم هذا الذنب. ويلاحظ أن المطففين إن كانوا من أهل الإسلام، فالظن بمعنى اليقين أو العلم، وإن كانوا كفارا منكري البعث، فالظن بمعناه الأصلي، والمراد: هب أنهم لا يقطعون بالبعث، أفلا يظنونه أيضا، كقوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية ٣٢/ ٤٥]. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يأتي: ١ - التطفيف: وهو إنقاص حق الآخر في الكيل أو الوزن ونحوهما من المقاييس حرام شرعا، موجب للإثم الشديد والعذاب الأليم في الآخرة، وهو أيضا رذيلة اجتماعية ونقيصة وعيب يطعن في الخلق، ويؤدي إلى ابتعاد الناس عن فاعله. روي أن أهل المدينة كانوا تجارا يطففون، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، يعني بيع الغرر، كالطير في الهواء، فنزلت-على أن السورة مدنية في رأي جماعة-فخرج رسول الله، ﷺ ، فقرأها عليهم، فقال:

стр. 8992

«خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلّط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طفّفوا المكيال إلا منعوا النّبات، وأخذوا بالسّنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر» (١). ٢ - المراد بالتطفيف هنا: الزيادة في الكيل أو الوزن ونحوهما عند استيفاء الحق، ونقص الكيل أو الوزن ونحوهما عند إيفاء الحق. ٣ - قوله تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ توبيخ للمطففين، وإنكار وتعجيب عظيم من حالهم، في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة، فمسئولون عما يفعلون. والظن هنا كما تقدم بمعنى اليقين، أي ألا يوقن أولئك، ولو أيقنوا ما نقصوا في الكيل والوزن. وهذا دليل على أن التطفيف من الكبائر. وهذا الوعيد يتناول من يفعل ذلك، ومن يعزم عليه؛ إذ العزم عليه أيضا من الكبائر (٢). وأكثر العلماء على أن قليل التطفيف وكثيره يوجب الوعيد، وبالغ بعضهم كما تقدم، حتى عدّ العزم عليه من الكبائر. وقال الشيخ أبو القاسم القشيري ﵀: لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ومن لم يرض لأخيه المسلّم ما يرضاه لنفسه، فليس بمنصف، والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه، فهو من هذه الجملة، ومن طلب حق

стр. 8993

نفسه من الناس، ولا يعطيهم حقوقهم، كما يطلب لنفسه، فهو من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس، ولا يطلب من أحد لنفسه حقا (١). ويحكى أن أعرابيا قال لعبد الملك بن مروان: إن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك، وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ووزن؟! ٤ - قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي للعرض والحساب، فيه غاية التخويف؛ لأن جلال الله وعظمته يملآن النفس رهبة وهيبة، والقيام له شيء حقير أمام عظمته وحقه. أما قيام الناس بعضهم لبعض، ففيه خلاف، فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه، وقد روي أن النبي ﷺ قام إلى جعفر بن أبي طالب واعتنقه، وقام طلحة لكعب بن مالك يوم تيب عليه، وقال النبي ﷺ للأنصار، حين طلع عليه سعد بن معاذ فيما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري: «قوموا إلى سيّدكم». وقال أيضا: «من سرّه أن يتمثل له الناس قياما، فليتبوأ مقعده من النار» (٢). قال القرطبي: وذلك يرجع إلى حال الرجل ونيته، فإن انتظر ذلك واعتقده لنفسه، فهو ممنوع، وإن كان على طريق البشاشة والوصلة، فإنه جائز، وبخاصة عند الأسباب، كالقدوم من السفر ونحوه (٣). والخلاصة كما ذكر الرازي: جمع الله سبحانه في هذه الآية أنواعا من التهديد، فقال أولا: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ وهذه الكلمة تذكر عند نزول البلاء، وهذه الكلمة تذكر عند نزول البلاء، ثم قال ثانيا: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ﴾ وهو استفهام بمعنى الإنكار، ثم قال ثالثا:

стр. 8994

﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ والشيء الذي يستعظمه الله لا شك أنه في غاية العظمة، ثم قال رابعا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وفيه نوعان من التهديد: أحدهما-كونهم قائمين مع غاية الخشوع ونهاية الذل والانكسار. والثاني-أنه وصف نفسه بكونه ربا للعالمين (١). ديوان الشر وقصة الفجار ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ الإعراب: ﴿... لَفِي سِجِّينٍ﴾ ﴿سِجِّينٍ﴾: من السجن، وهو الحبس والتضييق، وقيل: النون فيه بدلا من اللام. ﴿كِتابَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو كتاب مرقوم، أي هو في موضع كتاب مرقوم، وكذا التقدير في قوله بعدئذ: ﴿عِلِّيُّونَ﴾ [١٩] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [٢٠] فحذف المبتدأ والمضاف جميعا، وإنما وجب هذا التقدير، لقيام الدليل على أن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ مكان، قال النبي ﷺ : «إنكم لترون أهل عليين، كما يرى الكوكب الذي في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم». وعليين: جمع لا واحد له، كعشرين، سمي به. ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ بدل أو عطف بيان للمكذبين. ﴿ثُمَّ يُقالُ: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿هذَا﴾: في موضع رفع مبتدأ، وخبره ﴿الَّذِي﴾. والجملة في موضع رفع نائب فاعل.

стр. 8995

البلاغة: ﴿كَلاّ، إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ..﴾. و ﴿كَلاّ، إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ..﴾. بينهما مقابلة، حيث قابل بين حال ﴿الفُجّارِ﴾ وحال ﴿الْأَبْرارِ﴾، وبين ﴿سِجِّينٍ﴾ و ﴿عِلِّيِّينَ﴾. المفردات اللغوية: ﴿كَلاّ﴾ للردع والزجر عما هم فيه من التطفيف والتكذيب بالنسبة للكافر أو الغفلة عن البعث والحساب بالنسبة للمؤمن. ﴿كِتابَ الفُجّارِ﴾ كتاب أعمال الكفار، وهو ما يكتب فيه من أعمالهم. ﴿سِجِّينٍ﴾ كتاب جامع لأعمال الفجرة من الثقلين: الشياطين والفسقة والكفرة، فهو ديوان الشر، بدليل قوله تعالى بعدئذ: ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ والمعنى أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان. وقيل: هو مكان في أسفل السافلين، و ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ليس تفسيرا للسجين، بل التقدير: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين، وإن كتاب الفجار مرقوم وموقع. لكن قال الزمخشري: سجين كتاب جامع هو ديوان الشر، دوّن الله فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الجن والإنس، وهو كتاب مرقوم مسطور بيّن الكتابة، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، فالمعنى أن ما كتب من أعمال الفجار مثبّت في ذلك الديوان، وسمي سجينا فعّيلا من السجن وهو الحبس والتضييق؛ لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، فهو اسم علم لا صفة، منقول من وصف كخاتم، وهو منصرف؛ لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف (١). وقال أبو حيان: والظاهر أن سجينا هو كتاب، ولذلك أبدل منه ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ (٢). ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ؟﴾ ما كتاب سجين؟ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ كتاب مسطور بيّن الكتابة، أو معلم، يعلم من رآه أنه لا خير فيه، كما تقدم، يقال: رقم الكتاب: إذا جعل له علامة، وتسمى العلامة رقما. ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بالحق. ﴿مُعْتَدٍ﴾ متجاوز حدود الشرع والنظر والعقل. ﴿أَثِيمٍ﴾ كثير الآثام (أي المعاصي) منهمك في الشهوات المعيبة، صيغة مبالغة. ﴿آياتُنا﴾ القرآن. ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ حكايات وأخبار القدماء، جمع أسطورة، أو اسطارة. ﴿كَلاّ﴾ ردع وزجر لهم عن هذا القول. ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ غطّاها وغلب عليها، أي اسودت من الذنوب، وهو رد لما قالوه وبيان سبب قولهم: وهو حب المعاصي بالانهماك فيها،

стр. 8996

حتى صار ذلك صدا على قلوبهم، فعمّى عليهم معرفة الحق والباطل. والرين: الصدأ. ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من المعاصي، فهو كالصدأ. ﴿كَلاّ﴾ ردع عن الكسب الزائن. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة. ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ فلا يرونه، بخلاف المؤمنين، ومن أنكر الرؤية جعله تمثيلا لإهانتهم بإهانة حجاب الملوك الذين يمنعون عن الدخول عليهم. ﴿لَصالُوا الْجَحِيمِ﴾ لداخلو النار المحرقة وملازموها. ﴿ثُمَّ يُقالُ: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يقول لهم الزبانية: هذا هو العذاب الذي كنتم تكذبون به. المناسبة: بعد بيان عظم ذنب التطفيف، وبيان سببه وهو إنكار البعث والحساب أو الغفلة عنهما، ردعهم الله تعالى عن الأمرين معا، ثم بيّن أن كل ما يعمل من خير أو شر، فإنه مكتوب مسطر عند الله، وأوعد منكري البعث المكذبين به، والقائلين بأن القرآن أساطير الأولين، وليس وحيا من عند الله، ثم زجرهم عن هذه المقولة الباطلة، وأوضح سببها وهو انغماسهم في المعاصي التي حجبت قلوبهم عن رؤية الحق والباطل، فصاروا لا يميزون بين الخير والشر، وأعقب ذلك بيان جزائهم وهو طردهم من رحمة الله ودخولهم نار جهنم وملازمتهم لها. وقدّم ديوان الشر عن ديوان الخير؛ لأن المذكور قبله هو وعيد أهل الفجور، فناسب إيراد حال الأشرار أولا. التفسير والبيان: ﴿كَلاّ، إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ أي ارتدعوا وانزجروا عما أنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، فإن الفجار ومنهم المطففون أعمالهم مكتوبة في ديوان الشر وسجل أهل النار وهو السجين، أو في حبس وضيق شديد، فكلمة ﴿سِجِّينٍ﴾ من السجن: وهو الضيق والحبس. ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ؟ كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي وما أعلمك أنت ولا قومك

стр. 8997

ما هو السجين؟ إنه الكتاب الذي رصدت فيه أسماؤهم، فهو كتاب مسطور بيّن الكتابة، جامع لأعمال الشر الصادر من الشياطين والكفرة والفسقة. وهذا السجل المسمى بالسجين هو السجل الكبير أو العظيم، الذي فيه لكل فاجر صحيفة. وهذا هو الظاهر في معنى كلمة ﴿سِجِّينٍ﴾. وقد عرفنا سابقا أن بعضهم يرى أن السجين هو مكان وهو جهنم وهي أسفل السافلين، لذا قال محمد بن كعب القرظي: قوله تعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ليس تفسيرا لقوله: ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ؟﴾ وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد، ولا ينقص منه أحد (١). وهو رأي النحويين كما تقدم. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أي عذاب شديد يوم القيامة لمن كذب بالبعث والجزاء وبما جاء به الرسل، فهؤلاء المكذبون هم الذين لا يصدقون بوقوع الجزاء، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره. وهذا وعيد للذم لا للبيان؛ لأن كل مكذب فالوعيد يتناوله، سواء كان مكذبا بالبعث أو بسائر آيات الله تعالى. ثم أبان الله تعالى صفات من يكذب بيوم الدين وهي ثلاث، فقال: ﴿وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ، أَثِيمٍ، إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي لا يكذب بيوم الدين إلا من كان متصفا بهذه الصفات الثلاث: وهي أولا-كونه معتديا، أي فاجرا جائرا متجاوزا منهج الحق، ثانيا-أنه أثيم: وهو المنهمك في الإثم في أفعاله، من تعاطي الحرام وتجاوز المباح، وفي أقواله: إن حدّث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر، وثالثا-أنه إذا

стр. 8998

تلي عليه القرآن قال: أساطير الأولين، أي أخبار الأولين المتقدمين وأكاذيبهم وأباطيلهم التي زخرفوها، تلقاها محمد ﷺ من غيره من السابقين، وهذا يعني في زعمهم أن القرآن ليس وحيا من عند الله تعالى. وهذه الصفة الثالثة تشبه قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل ٢٤/ ١٦] وقال سبحانه: ﴿وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها، فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان ٥/ ٢٥] قيل: نزل هذا في الوليد بن المغيرة وأبي جهل ونظرائهما. ثم بيّن الله تعالى أسباب افترائهم على القرآن، فقال: ﴿كَلاّ، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي ارتدعوا وانزجروا عن هذه الأقوال، فليس الأمر كما زعمتم أيها المعتدون الآثمون، ولا كما قلتم: إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله، ووحيه، وتنزيله على رسوله ﷺ ، وإنما السبب هو كثرة الذنوب والخطايا التي حجبت قلوبكم عن الإيمان بالقرآن، والتي كوّنت عليها الرّين الذي منع نفاذ الحق والخير والنور إليها، فأعماها عن رؤية الحقيقة. والرين: يعتري قلوب الكافرين، فقوله: ﴿رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أي غطى عليها. أخرج ابن جرير وأحمد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن العبد إذا أذنب ذنبا، نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تغلف قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله سبحانه في القرآن». قال الحسن البصري عن الران: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب، ويسودّ من الذنوب. والطبع: أن يطبع على القلب، وهو أشد من الرين. ثم أبان الله تعالى أنهم مطرودون من أي رحمة أو تكريم، فقال: ﴿كَلاّ، إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ﴾ أي ليس

стр. 8999

الأمر كما يقولون من أن لهم في الآخرة منزلة حسنى، بل إن هؤلاء الكفار محجوبون عن ربهم يوم القيامة، لا ينظرون إليه كما ينظر المؤمنون، فكما حجبهم في الدنيا عن توحيده بسبب سوء أعمالهم، حجبهم في الآخرة عن رؤيته وكرامته. قال الإمام الشافعي ﵁: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه يومئذ (١). وهذا استدلال بمفهوم الآية، يدل عليه منطوق قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢/ ٧٥ - ٢٣]. ثم إنهم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن هم من أهل النيران، فهم داخلو النار، وملازموها غير خارجين منها، ومقاسو حرها، وصليّ الجحيم أشد من الإهانة وحرمان الكرامة. ويقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ: ﴿ثُمَّ يُقالُ: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي تقول لهم خزنة جهنم وزبانيتها تبكيتا لهم وتوبيخا: هذا هو العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا، فانظروه وذو قوه. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - إن أعمال الفجار العصاة الكفرة مرصودة في كتاب مسطور بيّن الكتاب، معلم بعلامة، ومصيرهم السجن والضيق في جهنم والعذاب المهين. ٢ - هناك شدة وعذاب أليم يوم القيامة للذين يكذبون بيوم الحساب والجزاء والفصل بين العباد.

стр. 9000

٣ - لا يصدر التكذيب بالبعث والآخرة إلا من الفاجر المتجاوز حدود الحق، المعتدي على الخلق في معاملته إياهم، وعلى نفسه، وهو الأثيم العاصي في ترك أمر الله، وهو القائل عن القرآن إذا تلي عليه: إنه أساطير الأولين، أي أحاديثهم وأباطيلهم التي كتبوها وزخرفوها. ٤ - ليس القرآن أساطير الأولين كما زعموا، وإنما هو كلام الله الحق المنزل على قلب نبيه المصطفى ﷺ . وسبب زعمهم كثرة القبائح والمعاصي التي غطت قلوبهم بالران وهو الحجاب الكثيف الذي يحدث بسبب تراكم الذنوب، فمنعتها من رؤية الحق والباطل، والتمييز بين الخير والشر. ٥ - حقا، إن هؤلاء الكفار المنكرين للبعث المكذبين بالقرآن محجوبون عن رؤية ربهم يوم القيامة، فلا ينظر إليهم نظرة رحمة، ولا يرونه، ثم إنهم يلازمون الجحيم (النار المحرقة) فلا يخرجون منها، كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها، وكلما خبت نارها زادهم الله سعيرا، ويقال لهم من خزنة جهنم: هذا هو العذاب الذي كنتم تكذبون به رسل الله في الدنيا. ٦ - قال الزجاج في آية: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾: في هذه الآية دليل على أن الله يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا خسّت منزلة الكفار بأنهم يحجبون. وقال جل ثناؤه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢/ ٧٥ - ٢٣] فأعلم الله جل ثناؤه أن المؤمنين ينظرون إليه، وأعلم أن الكفار محجوبون عنه. وقال مالك بن أنس في هذه الآية: لما حجب أعداءه، فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه.
следующие страницы →