← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.

стр. 8996

حتى صار ذلك صدا على قلوبهم، فعمّى عليهم معرفة الحق والباطل. والرين: الصدأ. ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من المعاصي، فهو كالصدأ. ﴿كَلاّ﴾ ردع عن الكسب الزائن. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة. ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ فلا يرونه، بخلاف المؤمنين، ومن أنكر الرؤية جعله تمثيلا لإهانتهم بإهانة حجاب الملوك الذين يمنعون عن الدخول عليهم. ﴿لَصالُوا الْجَحِيمِ﴾ لداخلو النار المحرقة وملازموها. ﴿ثُمَّ يُقالُ: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يقول لهم الزبانية: هذا هو العذاب الذي كنتم تكذبون به. المناسبة: بعد بيان عظم ذنب التطفيف، وبيان سببه وهو إنكار البعث والحساب أو الغفلة عنهما، ردعهم الله تعالى عن الأمرين معا، ثم بيّن أن كل ما يعمل من خير أو شر، فإنه مكتوب مسطر عند الله، وأوعد منكري البعث المكذبين به، والقائلين بأن القرآن أساطير الأولين، وليس وحيا من عند الله، ثم زجرهم عن هذه المقولة الباطلة، وأوضح سببها وهو انغماسهم في المعاصي التي حجبت قلوبهم عن رؤية الحق والباطل، فصاروا لا يميزون بين الخير والشر، وأعقب ذلك بيان جزائهم وهو طردهم من رحمة الله ودخولهم نار جهنم وملازمتهم لها. وقدّم ديوان الشر عن ديوان الخير؛ لأن المذكور قبله هو وعيد أهل الفجور، فناسب إيراد حال الأشرار أولا. التفسير والبيان: ﴿كَلاّ، إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ أي ارتدعوا وانزجروا عما أنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، فإن الفجار ومنهم المطففون أعمالهم مكتوبة في ديوان الشر وسجل أهل النار وهو السجين، أو في حبس وضيق شديد، فكلمة ﴿سِجِّينٍ﴾ من السجن: وهو الضيق والحبس. ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ؟ كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي وما أعلمك أنت ولا قومك

стр. 8997

ما هو السجين؟ إنه الكتاب الذي رصدت فيه أسماؤهم، فهو كتاب مسطور بيّن الكتابة، جامع لأعمال الشر الصادر من الشياطين والكفرة والفسقة. وهذا السجل المسمى بالسجين هو السجل الكبير أو العظيم، الذي فيه لكل فاجر صحيفة. وهذا هو الظاهر في معنى كلمة ﴿سِجِّينٍ﴾. وقد عرفنا سابقا أن بعضهم يرى أن السجين هو مكان وهو جهنم وهي أسفل السافلين، لذا قال محمد بن كعب القرظي: قوله تعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ليس تفسيرا لقوله: ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ؟﴾ وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد، ولا ينقص منه أحد (١). وهو رأي النحويين كما تقدم. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أي عذاب شديد يوم القيامة لمن كذب بالبعث والجزاء وبما جاء به الرسل، فهؤلاء المكذبون هم الذين لا يصدقون بوقوع الجزاء، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره. وهذا وعيد للذم لا للبيان؛ لأن كل مكذب فالوعيد يتناوله، سواء كان مكذبا بالبعث أو بسائر آيات الله تعالى. ثم أبان الله تعالى صفات من يكذب بيوم الدين وهي ثلاث، فقال: ﴿وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ، أَثِيمٍ، إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي لا يكذب بيوم الدين إلا من كان متصفا بهذه الصفات الثلاث: وهي أولا-كونه معتديا، أي فاجرا جائرا متجاوزا منهج الحق، ثانيا-أنه أثيم: وهو المنهمك في الإثم في أفعاله، من تعاطي الحرام وتجاوز المباح، وفي أقواله: إن حدّث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر، وثالثا-أنه إذا

стр. 8998

تلي عليه القرآن قال: أساطير الأولين، أي أخبار الأولين المتقدمين وأكاذيبهم وأباطيلهم التي زخرفوها، تلقاها محمد ﷺ من غيره من السابقين، وهذا يعني في زعمهم أن القرآن ليس وحيا من عند الله تعالى. وهذه الصفة الثالثة تشبه قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل ٢٤/ ١٦] وقال سبحانه: ﴿وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها، فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان ٥/ ٢٥] قيل: نزل هذا في الوليد بن المغيرة وأبي جهل ونظرائهما. ثم بيّن الله تعالى أسباب افترائهم على القرآن، فقال: ﴿كَلاّ، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي ارتدعوا وانزجروا عن هذه الأقوال، فليس الأمر كما زعمتم أيها المعتدون الآثمون، ولا كما قلتم: إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله، ووحيه، وتنزيله على رسوله ﷺ ، وإنما السبب هو كثرة الذنوب والخطايا التي حجبت قلوبكم عن الإيمان بالقرآن، والتي كوّنت عليها الرّين الذي منع نفاذ الحق والخير والنور إليها، فأعماها عن رؤية الحقيقة. والرين: يعتري قلوب الكافرين، فقوله: ﴿رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أي غطى عليها. أخرج ابن جرير وأحمد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن العبد إذا أذنب ذنبا، نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تغلف قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله سبحانه في القرآن». قال الحسن البصري عن الران: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب، ويسودّ من الذنوب. والطبع: أن يطبع على القلب، وهو أشد من الرين. ثم أبان الله تعالى أنهم مطرودون من أي رحمة أو تكريم، فقال: ﴿كَلاّ، إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ﴾ أي ليس

стр. 8999

الأمر كما يقولون من أن لهم في الآخرة منزلة حسنى، بل إن هؤلاء الكفار محجوبون عن ربهم يوم القيامة، لا ينظرون إليه كما ينظر المؤمنون، فكما حجبهم في الدنيا عن توحيده بسبب سوء أعمالهم، حجبهم في الآخرة عن رؤيته وكرامته. قال الإمام الشافعي ﵁: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه يومئذ (١). وهذا استدلال بمفهوم الآية، يدل عليه منطوق قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢/ ٧٥ - ٢٣]. ثم إنهم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن هم من أهل النيران، فهم داخلو النار، وملازموها غير خارجين منها، ومقاسو حرها، وصليّ الجحيم أشد من الإهانة وحرمان الكرامة. ويقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ: ﴿ثُمَّ يُقالُ: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي تقول لهم خزنة جهنم وزبانيتها تبكيتا لهم وتوبيخا: هذا هو العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا، فانظروه وذو قوه. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - إن أعمال الفجار العصاة الكفرة مرصودة في كتاب مسطور بيّن الكتاب، معلم بعلامة، ومصيرهم السجن والضيق في جهنم والعذاب المهين. ٢ - هناك شدة وعذاب أليم يوم القيامة للذين يكذبون بيوم الحساب والجزاء والفصل بين العباد.

стр. 9000

٣ - لا يصدر التكذيب بالبعث والآخرة إلا من الفاجر المتجاوز حدود الحق، المعتدي على الخلق في معاملته إياهم، وعلى نفسه، وهو الأثيم العاصي في ترك أمر الله، وهو القائل عن القرآن إذا تلي عليه: إنه أساطير الأولين، أي أحاديثهم وأباطيلهم التي كتبوها وزخرفوها. ٤ - ليس القرآن أساطير الأولين كما زعموا، وإنما هو كلام الله الحق المنزل على قلب نبيه المصطفى ﷺ . وسبب زعمهم كثرة القبائح والمعاصي التي غطت قلوبهم بالران وهو الحجاب الكثيف الذي يحدث بسبب تراكم الذنوب، فمنعتها من رؤية الحق والباطل، والتمييز بين الخير والشر. ٥ - حقا، إن هؤلاء الكفار المنكرين للبعث المكذبين بالقرآن محجوبون عن رؤية ربهم يوم القيامة، فلا ينظر إليهم نظرة رحمة، ولا يرونه، ثم إنهم يلازمون الجحيم (النار المحرقة) فلا يخرجون منها، كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها، وكلما خبت نارها زادهم الله سعيرا، ويقال لهم من خزنة جهنم: هذا هو العذاب الذي كنتم تكذبون به رسل الله في الدنيا. ٦ - قال الزجاج في آية: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾: في هذه الآية دليل على أن الله يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا خسّت منزلة الكفار بأنهم يحجبون. وقال جل ثناؤه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢/ ٧٥ - ٢٣] فأعلم الله جل ثناؤه أن المؤمنين ينظرون إليه، وأعلم أن الكفار محجوبون عنه. وقال مالك بن أنس في هذه الآية: لما حجب أعداءه، فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه.

стр. 9001

وقال الشافعي: لما حجب قوما بالسخط، دل على أن قوما يرونه بالرضا. ثم قال: أما والله، لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده في الدنيا. ديوان الخير وقصة الأبرار ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ الإعراب: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ ﴿عَيْناً﴾: تمييز، أو حال من ﴿تَسْنِيمٍ﴾؛ لأنها بمعنى جارية، على أن (تسنيما) اسم للماء الجاري من علو الجنة، فهو معرفة، تقديره: ومزاجه من الماء جاريا من علو، أو منصوب ب ﴿تَسْنِيمٍ﴾ وهو مصدر، مثل: ﴿أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ أي ومزاجه من ماء تسنيم عينا، أو منصوب بتقدير (أعني عينا) أو منصوب على المدح و ﴿يَشْرَبُ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الموضع لقوله: ﴿عَيْناً﴾. وباء ﴿بِهَا﴾ إما زائدة، أي يشربها بمعنى: يشرب منها، أو بمعنى فيها. البلاغة: ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ تفخيم وتعظيم لمراتب الأبرار. ﴿فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ جناس اشتقاق. ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ، عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ إطناب بذكر أوصاف المتقين ومقر نعيمهم.

стр. 9002

﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ تشبيه بليغ، أي كالمسك في الطيب والبهجة، فحذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه. المفردات اللغوية: ﴿كَلاّ﴾ حقا، أو ردع وزجر عن الباطل. ﴿كِتابَ الْأَبْرارِ﴾ ما يكتب من أعمال المؤمنين الصادقين في إيمانهم. ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ لمثبت في ديوان الخير، فهو إما أنه الكتاب الجامع لأعمال الخير من الملائكة ومؤمني الثقلين، بدليل تفسيره بعدئذ: ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ، كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ وإما أنه مكان عال في الجنة. ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ؟﴾ ما أعلمك ما كتاب عليين. ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ مسطور بيّن الكتابة أو معلم بعلامة. ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ يحضرونه فيحفظونه، وهم الملائكة. ﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾ جنة. ﴿عَلَى الْأَرائِكِ﴾ السرر أو الأسرّة في الحجال، والحجال: جمع حجلة وهي كالقبة، ولا تطلق الأريكة على السرير إلا إذا كان في حجلة وهي الكلّة. ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ما أعطوا من نعيم يسرّهم. ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ بهجة التنعم وحسنه وبريقه. ﴿رَحِيقٍ﴾ شراب خالص لا غش فيه، وهو أجود الخمر غير المسكرة. ﴿مَخْتُومٍ﴾ ختم إناؤه بالمسك، لا يفكه إلا الأبرار تكريما لهم. ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ ختام إنائه المسك، مكان الطين أو غيره. ﴿فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ فليتسارع أو فليستبق المتسابقون بالمبادرة إلى طاعة الله تعالى، وليجاهدوا النفوس، ليلحقوا بالركب المتقدم من العالمين المخلصين. وأصل التنافس: التنازع في الشيء بغية أن ينفرد به أحد المتنازعين دون غيره، أي يضن به. ﴿وَمِزاجُهُ﴾ ما يمزج به أو يخلط، فالمزاج والمزج: الشيء الذي يمزج بغيره، والمزج: خلط أحد الشيئين بالآخر. ﴿تَسْنِيمٍ﴾ عين من ماء تجري من الأعلى إلى الأسفل، وهو أشرف شراب في الجنة. ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ يشرب منها، أو ضمن يشرب معنى يلتذ، و ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ هم الأبرار السابق ذكرهم. المناسبة: بعد بيان حال المطففين وحال الفجار المكذبين بيوم الدين، وتبيين درجتهم يوم القيامة، أتبعه ببيان حال الأبرار الذين آمنوا بالله ورسله واليوم الآخر، وعملوا صالحا في الدنيا، والتعريف بمنزلتهم عند الله، وأن الله رصد أعمالهم في كتاب مرقوم هو ﴿عِلِّيُّونَ﴾ وأن لهم الجزاء الحسن على إحسانهم في الدنيا، حتى

стр. 9003

يتبين أن كتاب الأبرار ضد كتاب الفجار بجميع معانيه، فيقبل العاقل على مقوّمات الأولين، ويبتعد عن محاكاة الآخرين. التفسير والبيان: ﴿كَلاّ، إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي حقا، إن كتاب الأبرار وهم المؤمنون المخلصون العاملون المطيعون مرصود في كتاب بيّن مسطور، أو في أعالي الجنة، ومصيرهم إلى الجنة، وهم بخلاف الفجار، وهو بخلاف سجين. ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ؟ كِتابٌ مَرْقُومٌ، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي وما أعلمك يا محمد أي شيء هو عليون؟ ويراد بذلك تفخيم أمره وتعظيم شأنه، إنه كتاب مسطور، سطرت فيه أسماؤهم وأعمالهم، وهو السجل الكبير، الذي تحضره الملائكة وتحفظه ويرونه كما يحفظ اللوح المحفوظ، أو يشهدون بما فيه يوم القيامة. ثم أبان الله تعالى حالهم فقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ، عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ أي إن أهل الطاعة لفي تنعم عظيم يوم القيامة، وفي جنات الخلود، على الأسرّة التي في الحجال (ذات القبب الساترة) ينظرون إلى ما أعده الله لهم من أنواع النعيم في الجنة، وإلى ما لهم من الكرامات المادية والمعنوية، أما الماديات فهي مختلف أنواع الأطعمة الشهية والأشربة الهنية والحور العين والمراكب الفارهة والمساكن الفخمة، وأما المعنويات فأنساهم بالله ورؤيتهم له ورضاه عنهم وشعورهم بالأمن والطمأنينة والسعادة الأبدية. ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أي إذا رأيتهم عرفت آثار النعمة والترف والسرور والدعة في وجوههم، التي تتلألأ بالنور والحسن والبياض،

стр. 9004

والبهجة والرونق؛ لأن الله تعالى زاد في جمالهم وفي ألوانهم ما لا يصفه واصف، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس ٣٨/ ٨٠ - ٣٩]. ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ، خِتامُهُ مِسْكٌ، وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ أي يسقون من الخمر التي لا غش فيها ولا يشوبها شيء يفسدها، وقد ختم إناؤها بالمسك فلا يفكه إلا الأبرار، ويكون آخر طعمه ريح المسك، وفي ذلك فليرغب الراغبون، وليتسابق المتسابقون بالمبادرة إلى طاعة الله باتباع أوامره، واجتناب نواهيه. وهذا يعني أن التسابق أو التنافس يكون فيما يؤدي إلى النعيم، لا إلى الجحيم، كما قال تعالى: ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ [الصافات ٦١/ ٣٧]. أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري مرفوعا إلى النبي ﷺ قال: «أيما مؤمن سقى مؤمنا شربة ماء على ظمأ، سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مؤمن كسا مؤمنا ثوبا على عري، كساه الله من خضر الجنة». ﴿وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ، عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي ومزاج ذلك الرحيق وهو ما يخلط به من تسنيم، وهو شراب ينصب عليهم من علوّ، وهو أشرف شراب الجنة. ويسقون الرحيق أو التسنيم من عين جارية من الأعلى إلى الأسفل يمزجون بها كؤوسهم، وهي التي يشرب منها الأبرار المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين مزجا. سئل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ فقال: هذا مما قال الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧/ ٣٢].

стр. 9005

فقه الحياة أو الأحكام: يتبين من الآيات ما يأتي: ١ - إن صحف أعمال الأبرار مدونة في السجل الكبير وهو الكتاب المسطر البيّن الكتابة، الذي يتميز بعلامته الخاصة، ويشهد عمل الأبرار مقربو كل سماء من الملائكة. وهذه أضداد كتاب الفجار. وبالمقارنة بينهما يتبين أن العلو والفسحة والضياء والطهارة من علامات السعادة، والسفل والضيق والظلمة من علامات الشقاوة. والمقصود من وضع كتاب الفجار في أسفل السافلين وفي أضيق المواضع: إذلال الفجار وتحقير شأنهم. والمقصود من وضع كتاب الأبرار في أعلى عليين وشهادة الملائكة لهم بذلك: إجلالهم وتعظيم شأنهم (١). ٢ - بعد أن عظم الله تعالى كتاب الأبرار عظم منزلتهم، فأبان أنهم في نعيم الجنة. ووصف كيفية ذلك النعيم بأمور ثلاثة: أولها-على الأرائك ينظرون، أي على الأسرة في الحجال ينظرون إلى ما أنعم الله به عليهم، من الكرامات ومن أنواع النعم في الجنة من الحور العين والولدان، وأنواع الأطعمة والأشربة والملابس والمراكب وغيرها، قال ﷺ : «يلحظ المؤمن، فيحيط بكل ما آتاه الله، وإن أدناهم يتراءى له مثل سعة الدنيا». ثانيها-تعرف في وجوههم نضرة النعيم، أي بهجته وغضارته ونوره، والنظر المقرون بالنضرة هو رؤية الله ، على ما قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢/ ٧٥ - ٢٣].

стр. 9006

ثالثها-يسقون من رحيق مختوم، أي يسقون من شراب لا غشّ فيه، والرحيق: صفوة الخمر، وخمر الجنة غير مسكرة، كما قال تعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات ٤٧/ ٣٧]. وقال : ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة ١٩/ ٥٦]. وهذا النوع من الخمر يختلف عن النوع الآخر الذي يجري في الأنهار، المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد ١٥/ ٤٧] لكن هذا المختوم أشرف وأفضل من الجاري. وللرحيق صفات أربع هي: الأولى-أنه شراب مختوم قد ختم عليه تكريما له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان. الثانية-ختامه مسك، أي عاقبته المسك، بمعنى أن يختم له آخره بريح المسك. قال الفراء: الختام آخر كل شيء. الثالثة-أنه محل التنافس والتنازع لرفعته وطيبه، والمراد: فليرغب الراغبون به إلى المبادرة إلى طاعة الله . الرابعة-ومزاجه من تسنيم، أي مزاج ذلك الرحيق الذي يخلط به من تسنيم، وهو شراب ينصب عليهم من علوّ، وهو أشرف شراب في الجنة. وأصل التسنيم في اللغة: الارتفاع، فهي عين ماء تجري من علو إلى أسفل، ومنه سنام البعير لعلوّه من بدنه، وكذلك تسنيم القبور. قال عبد الله بن مسعود ﵁: تسنيم: عين في الجنة يشرب بها المقرّبون صرفا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين، فتطيب. وقال ابن عباس كما تقدم في قوله : ﴿وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾: هذا

стр. 9007

مما قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. لذا قال تعالى بعدئذ: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي يشرب منها أهل جنة عدن، وهم أفاضل أهل الجنة، صرفا وهي لغيرهم مزاج. ويلاحظ أنه تعالى لما قسم المكلفين في سورة الواقعة إلى ثلاثة أقسام: المقربون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، وذكر كرامة المذكورين في هذه السورة بأنه يمزج شرابهم من عين يشرب بها المقربون، علمنا أن المذكورين هنا هم أصحاب اليمين. وهذا يدل على أن الأنهار متفاوتة في الفضيلة، فتسنيم أفضل أنهار الجنة، والمقربون أفضل أهل الجنة (١). سوء معاملة الكفار للمؤمنين في الدنيا ومقابلتهم بالمثل في الآخرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ الإعراب: ﴿عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ، هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ﴾ في موضع نصب ب ﴿يَنْظُرُونَ﴾. وقيل: لا موضع لها من الإعراب؛ لأنها مستأنفة. وقرئ: «هل ثوّب»: بإدغام اللام في ﴿هَلْ﴾ في الثاء، وبإظهارها، من أدغم، فلما بينهما من المناسبة؛ لأنهما من حروف اللسان والثنايا العليا.

стр. 9008

البلاغة: ﴿يَكْسِبُونَ﴾ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ ﴿يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ﴿يَفْعَلُونَ﴾ سجع مرصع، وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ هم رؤساء قريش ومشركو مكة: أبو جهل والوليد بن المغيرة وأمثالهما. ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أي يضحكون استهزاء من عمّار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين. ﴿وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ﴾ مروا بالمؤمنين. ﴿يَتَغامَزُونَ﴾ يغمز بعضهم بعضا ويشيرون بأعينهم بالجفن والحاجب استهزاء. والغمز: إرخاء الجفن والحاجب استهزاء وسخرية، أو لغرض آخر يعبر به عن شيء بين الناس، إما خير أو شر، وأكثر ذلك إنما يكون على سبيل الخبث. ﴿اِنْقَلَبُوا﴾ رجعوا. ﴿فَكِهِينَ﴾ معجّبين بذكرهم المؤمنين أي ينسبونهم إلى الضلال، وقرئ: فاكهين، أي ملتذين بالسخرية منهم، والمعنى في القرائتين واحد. ﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ﴾ أي رأوا المؤمنين. ﴿لَضالُّونَ﴾ ينسبونهم إلى الضلال، لإيمانهم بمحمد ﷺ . ﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ﴾ وما أرسل الكفار على المؤمنين. ﴿حافِظِينَ﴾ لهم أو لأعمالهم، أي رقباء يهيمنون على أعمالهم، شاهدين عليها، يشهدون برشدهم وضلالهم. ﴿فَالْيَوْمَ﴾ أي يوم القيامة. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ يهزؤون بهم حين يرونهم أذلاّء مغلولين في النار، ﴿عَلَى الْأَرائِكِ﴾ على الأسرة في الحجال في الجنة. ﴿يَنْظُرُونَ﴾ من منازلهم إلى الكفار، وهم يعذبون، فيضحكون منهم، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا. ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ جوزي، من التثويب والإثابة: المجازاة، أي هل أثيبوا؟ ﴿ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ نعم. سبب النزول: نزول الآية (٢٩): ذكر العلماء في سبب النزول وجهين: الأول-أن المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أكابر المشركين كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل السّهمي، كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين ويستهزئون بهم.

стр. 9009

الثاني-جاء علي بن أبي طالب ﵁ في نفر من المسلمين، فسخر منهم المنافقون، وضحكوا، وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم، فقالوا: رأينا اليوم الأصلع، فضحكوا منه، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل عليّ إلى رسول الله ﷺ (١). المناسبة: بعد بيان قصة الفجار وقصة الأبرار وما أعد لكل فئة في الآخرة، حكى الله تعالى بعض قبائح أفعال الكافرين في الدنيا بالاستهزاء بالمؤمنين، ومعاملتهم بالمثل في الآخرة، جزاء ما فعلوا في الدنيا. والمقصود منه تسلية المؤمنين وتقوية قلوبهم. التفسير والبيان: حكى الله تعالى عن رؤساء الشرك وأمثالهم أربعة أشياء من المعلومات القبيحة، فقال: ١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أي إن كفار قريش ومن وافقهم على الكفر كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤمنين، ويسخرون منهم. وهكذا شأن الأقوياء والأغنياء في كل عصر يسخرون من المؤمنين المصلّين أو الفقراء المتأدبين بآداب الإسلام والقرآن، ويهزؤون من المتدينين ومن دينهم، اعتمادا منهم على قوتهم، أو سلطتهم ونفوذهم، أو ثروتهم وغناهم. قال ابن عباس في تفسير ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا..﴾.: هو الوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والعاص بن هشام، وأبو جهل، والنضر بن الحارث. وأولئك الذين آمنوا من أصحاب محمد ﷺ مثل عمار، وخبّاب، وصهيب، وبلال.

стр. 9010

٢ - ﴿وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ أي وإذا مر الكفار بالمؤمنين يتغامزون عليهم محتقرين لهم، يعيرونهم بالإسلام، ويعيبونهم به. والتغامز: صيغة تفاعل تقتضي المشاركة، من الغمز: وهو الإشارة بالجفن والحاجب استهزاء، ويكون الغمز أيضا بمعنى العيب، يقال: غمزة: إذا عابه، وما في فلان غميزة، أي ما يعاب به، والمعنى: أنهم يشيرون إليهم بالأعين استهزاء، ويعيبونهم، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء يتعبون أنفسهم، ويحرمونها لذاتها، ويخاطرون بأنفسهم في طلب ثواب لا يتيقنونه. ٣ - ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ أي وإذا رجع الكفار إلى أهلهم في منازلهم من مجالسهم في السوق، رجعوا معجبين بما هم فيه، متلذذين به، يتفكهون بما فعلوا بالمؤمنين، وبما قاموا به من استهزاء وطعن فيهم، واستهزاء بهم، ووصفهم بالسخف والطيش وضعف الرأي وقلة العقل. ٤ - ﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا: إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أي وإذا رأى المشركون المؤمنين، ووصفوهم بالضلال؛ لكونهم على غير دينهم وعقائدهم الموروثة، ولاتباعهم محمّدا، وتمسكهم بما جاء به، وتركهم التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب لا يدرى: هل له وجود أم لا. فرد الله تعالى عليهم ما قالوه بقوله: ﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ أي وما بعث هؤلاء المجرمون من قبل الله رقباء على المؤمنين، يحفظون عليهم أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم، ولا كلّفوا بهم؟ وإنما كلفوا بالنظر في شؤون أنفسهم. ثم قرر الله تعالى مبدأ المعاملة بالمثل في الآخرة، تسلية للمؤمنين وتقوية قلوبهم، فقال:

стр. 9011

﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أي ففي اليوم الآخر يوم القيامة، يضحك المؤمنون ويهزؤون من الكفار حين يرونهم أذلاّء مغلوبين، قد نزل بهم ما نزل من العذاب، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، معاملة بالمثل، وتبيانا أن الكفار الجاحدين هم في الواقع سفهاء العقول والأحلام، خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. وكلمة ﴿فَالْيَوْمَ﴾ دليل على أن التكلم واقع في يوم القيامة. ﴿عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ أي ينظر المؤمنون إلى أعداء الله، وهم يعذبون في النار، والمؤمنون متنعمون على الأرائك. وهذا دائم خالد لا يعادل بشيء من المؤقت الفاني. ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي هل أثيب وجوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والطعن والتنقيص، أم لا؟ نعم، قد جوزي الكفار أتم الجزاء بما كان يقع منهم في الدنيا من الضحك من المؤمنين والاستهزاء بهم. والثواب: من ثاب يثوب: إذا رجع، فالثواب: ما يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويستعمل في الخير والشر. والاستفهام بمعنى التقرير للمؤمنين، أي هل جوزوا بها؟. فقه الحياة أو الأحكام: استدل العلماء بالآيات على ما يأتي: ١ - الكفار دائما في عداوة وحقد وتغاير مع المؤمنين، فلا يلتقي الإيمان مع الكفر، ولا الدين الصحيح مع الضلال، ولا الأخلاق العالية مع الأخلاق المرذولة. فقد كان يصدر من المشركين ألوان متعددة من أذى المؤمنين، منها ما ذكرته هذه الآيات: وهو الاستهزاء والسخرية من المؤمنين، وتعييبهم والطعن بهم وتعييرهم بالإسلام، والتفكه بذكر المسلمين بالسوء أمام أهاليهم،

стр. 9012

والعجب بما هم فيه من الشرك والمعصية والتنعم بالدنيا، وقولهم بأن المؤمنين في ضلال لتركهم دين الآباء والأجداد واتباعهم محمدا ﷺ ، وتركهم التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب غير مؤكد الحصول. ٢ - قوبل الكفار في الآخرة بمثل فعلهم وقولهم، تسلية للمؤمنين، وتثبيتا لهم على الإسلام، وتصبرا على متاعب التكاليف، وأذية الأعداء، في أيام معدودة، لنيل ثواب لا نهاية له ولا غاية، ففي الآخرة يهزأ المؤمنون من الكفار ويضحكون منهم، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، بسبب الضر والبؤس، فضحك المؤمنون منهم بسبب ما هم فيه من أنواع العذاب والبلاء. قال قتادة في قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾: ذكر لنا أن كعبا كان يقول: إن بين الجنة والنار كوىّ، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ كان له في الدنيا، اطلع من بعض الكوى؛ قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٥٥/ ٣٧] قال: ذكر لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي. ويدخل المؤمنون الجنة، وأجلسوا على الأرائك ينظرون إلى الكفار، كيف يعذبون في النار، وكيف يصطرخون فيها، ويدعون بالويل والثبور، ويلعن بعضهم بعضا. ويقال على سبيل التهكم: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩/ ٤٤] والمعنى: كأنه تعالى يقول للمؤمنين: هل جازينا الكفار على عملهم الذي كان من جملته ضحكهم بكم واستهزاؤهم بطريقتكم، كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة؟ فيكون هذا القول زائدا في سرورهم؛ لأنه يقتضي زيادة في تعظيمهم والاستخفاف بأعدائهم.

стр. 9013

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الانشقاق مكيّة، وهي خمس وعشرون آية. تسميتها: سميت سورة الانشقاق؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ أي تشققت وتصدعت مؤذنة بخراب العالم، ومنذرة بهول يوم القيامة. مناسبتها لما قبلها: السور الأربعة: الانشقاق وما قبلها وهي سور المطففين والانفطار والتكوير كلها في صفة حال يوم القيامة، ذكرت على ترتيب ما يقع فيه، فغالب ما وقع في التكوير، وجميع ما وقع في الانفطار يقع في صدر يوم القيامة، وأغلب ما ذكر في المطففين في أحوال الأشقياء الفجار والمتقين الأبرار في الآخرة، وعنيت سورة الانشقاق بالجمع بين ما يحدث من مقدمات ومشاهد الآخرة الرهيبة وبين ما يعقب ذلك من الحساب اليسير لأهل اليمين والحساب العسير لأهل الشمال. وفي السورة المتقدمة ذكر مقر كتب الحفظة، وفي هذه ذكر كيفية عرضها يوم القيامة. ما اشتملت عليه السورة: محور السورة كالسور المكية الأخرى: شؤون العقيدة، وتصوير أهوال

стр. 9014

القيامة. وقد بدئت ببيان بعض التبدلات الكونية الخطيرة عند قيام الساعة: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ.﴾. [الآيات: ١ - ٥]. وأردفت ذلك حال الإنسان في موقف العرض والحساب يوم القيامة، وانقسام الناس فريقين: أهل اليمين وأهل الشمال: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ، إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ..﴾. [الآيات: ٦ - ١٥]. ثم أقسم الله بالشفق والليل والقمر على ملاقاة المشركين في القيامة أهوالا شديدة، وأحوالا عصيبة: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ..﴾. [الآيات: ١٦ - ١٩]. وختمت السورة بتوبيخ المشركين والكفار والملاحدة والوجوديين وأمثالهم على عدم إيمانهم بالله تعالى، وبإنذارهم بالعذاب الأليم، والتنبيه على نجاة المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، ومنحهم الثواب الدائم المستمر الذي لا ينقطع ولا ينقص: ﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ..﴾. [الآيات: ٢٠ - ٢٥]. والخلاصة: أن السورة اشتملت على مقصدين: بيان ما يلاقيه الإنسان من نتائج أعماله يوم القيامة، وانحصار المصير إما في جنات النعيم وإما في نيران الجحيم. فضلها: أخرج مسلم والنسائي: أن أبا هريرة قرأ بهم: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها. وأخرج البخاري ومسلّم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة (العشاء) فقرأ: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد، فقلت له، فقال: سجدت خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد بها، حتى ألقاه.

стр. 9015

وزاد النسائي عن أبي هريرة نفسه قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. أهوال يوم القيامة وانقسام الناس فريقين ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥)﴾ الإعراب: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿إِذَا﴾ ظرف، والعامل فيه جوابه، وجوابه إما مقدر، أي بعثتم، أو جوابه: ﴿أَذِنَتْ﴾ والواو فيها زائدة، والتقدير: إذا السماء انشقت أذنت. وقيل: جوابه: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ﴾ على تقدير: فيا أيها الإنسان، فحذفت الفاء، أو جوابه: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾. ﴿ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي أنه، وقد سدت مسد مفعولي ﴿ظَنَّ﴾. و ﴿ظَنَّ﴾ وما عملت فيه: في موضع رفع خبر: إن. البلاغة: ﴿السَّماءُ﴾ و ﴿الْأَرْضُ﴾ بينهما طباق.

стр. 9016

﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ و ﴿أَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾ بينهما مقابلة. ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ..﴾. إلخ سجع مرصع: وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿اِنْشَقَّتْ﴾ تشققت وتصدعت. ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها﴾ استمعت له، وانقادت لتأثير قدرته حين أراد انشقاقها، انقياد المطواع الذي يأذن للأمر، والأذن: هو الاستماع للشيء والإصغاء إليه (١). ويكون انشقاقها بالغمام، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ﴾ [الفرقان ٢٥/ ٢٥]. ﴿وَحُقَّتْ﴾ وحق لها أن تسمع وتطيع وتنقاد. ﴿مُدَّتْ﴾ بسطت واتسعت رقعتها بزوال جبالها وآكامها وأبنيتها. ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها﴾ من الموتى والكنوز إلى ظاهرها. ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ تكلفت في الخلو أقصى جهدها، حتى لم يبق في باطنها شيء. ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها﴾ سمعت وأطاعت في ذلك، أي في الإلقاء والتخلية. ﴿وَحُقَّتْ﴾ حق لها أن تسمع وتطيع، وذلك كله يوم القيامة. وجواب ﴿إِذَا﴾ وما عطف عليها محذوف دل عليه ما بعده تقدير: لقي الإنسان عمله، أو بعثتم. ﴿كادِحٌ﴾ جاهد ومجدّ في عملك. ﴿إِلى رَبِّكَ﴾ إلى لقاء ربك، وهو الموت. ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ ملاق عملك من خير أو شر يوم القيامة. ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ أعطي كتاب عمله. ﴿بِيَمِينِهِ﴾ هو المؤمن. ﴿حِساباً يَسِيراً﴾ سهلا لا يناقش فيه، بأن يعرض عليه عمله، كما في حديث الصحيحين، ثم يتجاوز عنه، وفي الحديث المذكور: «من نوقش الحساب عذّب». ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ أي يرجع في الجنة إلى عشيرته المؤمنين، مسرورا بحسابه اليسير. ﴿مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾ هو الكافر، يؤتى كتاب عمله بشماله من وراء ظهره، قيل: يغل يمناه إلى عنقه، ويجعل يسراه وراء ظهره. ﴿فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً﴾ ينادي عند رؤية ما فيه هلاكه، قائلا: يا ثبوراه، وهو الهلاك. ﴿وَيَصْلى سَعِيراً﴾ يقاسي نارا مستعرة، ويدخل نارا شديدة. ﴿إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ كان في عشيرته في الدنيا فرجا بطرا باتباعه لهواه. ﴿يَحُورَ﴾ يرجع، والمراد: أنه لن يرجع إلى ربه. ﴿بَلى﴾ أي بلى يحور ويرجع إليه، فهو إيجاب لما بعد ﴿لَنْ﴾ أي جواب لما بعد النفي، أي نعم يرجع. ﴿إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً﴾ عالما بأعماله وبرجوعه إليه، فلا يهمله، بل يرجعه ويجازيه.

стр. 9017

التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن أهوال يوم القيامة وأماراتها بقوله: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ أي إذا تشققت السماء وتصدعت مؤذنة بخراب العالم، وانشقاقها من علامات القيامة، وأطاعت ربها وانقادت له فيما أمر، وحق لها أن تطيع أمره وتنقاد وتسمع؛ لأنه العظيم القاهر الذي لا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شيء، وخضع له كل شيء. ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ، وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ أي وإذا الأرض بسطت وسوّيت ووسّعت بزوال جبالها وآكامها. ونسفها حتى صارت قاعا صفصفا. ولفظت وأخرجت ما فيها من الأموات والكنوز، وطرحتهم إلى ظهرها، وخلت خلوا تاما عما فيها، وتخلت إلى الله وتبرأت من كل من فيها، ومن أعمالهم. ونظير الآية: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ، فَقُلْ: يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً، فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً، لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه ١٠٥/ ٢٠ - ١٠٧]. ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ أي استمعت وأطاعت أوامر ربها، وحق لها أن تتخلى وتستمع لما يريد ربها أن يأمرها به؛ لأنها واقعة في قبضة القدرة الإلهية. وجواب ﴿إِذَا﴾ محذوف لإرادة التهويل على الناس، والتقدير: إذا حدث ما حدث، رأيتم أعمالكم من خير أو شر. ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ أي يا أيها الإنسان، والمراد به الجنس الذي يشمل المؤمن والكافر، إنك عامل في هذه الحياة ومجاهد ومجدّ في عملك، ومصير سعيك وعملك إلى ربك أو إلى لقائه بالموت، وإنك ستلقى ما عملت من خير أو شر، أو سوف تلقى ربك بعملك. والكدح: جهد النفس في العمل حتى تأثرت.

стр. 9018

روى أبو داود الطيالسي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «قال جبريل: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت، فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه». فقوله: ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ يعود الضمير إلى العمل من خير أو شر، وقيل: يعود الضمير على قوله ﴿رَبِّكَ﴾ أي فملاق ربك، ومعناه: فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك. ثم ذكر أحوال الناس وانقسامهم إلى فريقين يوم القيامة، فقال: الفريق الأول-المؤمنون: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً، وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ أي فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه وهم المؤمنون، فإنه يحاسب حسابا سهلا، بأن تعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله ويتجاوز عنها، من غير أن يناقشه الحساب، فذلك هو الحساب اليسير. روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نوقش الحساب عذّب، قالت: فقلت: أفليس الله تعالى قال: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ﴾ ... ﴿يَسِيراً﴾؟ قال: ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العرض، ومن نوقش الحساب يوم القيامة عذّب». وهذا الذي يعطى كتابه بيمينه ويحاسب حسابا يسيرا بالعرض يرجع إلى أهله وعشيرته في الجنة مغتبطا فرحا مسرورا بما أعطاه الله وما أوتي من الخير والكرامة. روى الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه قال: «إنكم تعملون أعمالا لا تعرف، ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله، فمسرور أو مكظوم». ونظير الآية قوله: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، فَيَقُولُ: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة ١٩/ ٦٩ - ٢١].

стр. 9019

الفريق الثاني-الكافرون: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً، وَيَصْلى سَعِيراً﴾ أي وأما من أعطي كتاب أعماله بشماله من وراء ظهره؛ حيث تثنى يده خلفه، ويعطى كتابه بها، وتكون يمينه مغلولة إلى عنقه، فإذا قرأ كتابه، نادى يا ثبوراه، أي بالهلاك والخسار، ثم يدخل جهنم، ويصلى حرّ نارها وشدتها. ونظير الآية قوله: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ، فَيَقُولُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ، يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ، ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة ٢٥/ ٦٩ - ٢٩]. ثم ذكر الله تعالى سببين لعذابه فقال: ١ - ﴿إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ أي إنه كان في الدنيا فرحا لا يفكر في العواقب، ولا يخاف مما أمامه، وإنما يتبع هواه، ويركب شهواته، بطرا أشرا لعدم خطور الآخرة بباله، فأعقبه ذلك الفرح اليسير حزنا طويلا. ٢ - ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أي إن سبب ذلك السرور والبطر ظنه بأنه لا يرجع إلى الله، ولا يبعث للحساب والعقاب، ولا يعاد بعد الموت. ثم رد الله عليه ظنه قائلا: ﴿بَلى، إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً﴾ أي بلى إنه سيحور ويرجع إلى ربه، وسيعيده الله كما بدأه، ويجازيه على أعماله خيرها وشرها، فإن الله ربه كان به وبأعماله عالما خبيرا، لا يخفى عليه منها شيء أو خافية. وفي هذا إشارة إلى أنه لا بد من دار للجزاء غير دار التكليف؛ لأن ذلك مقتضى العلم التام والقدرة والحكمة.

стр. 9020

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات الكريمات على ما يأتي: ١ - من علامات القيامة: أولا-تصدع السماء وتفطرها بالغمام، والغمام مثل السحاب الأبيض، وثانيا-بسط الأرض ودكّ جبالها، وإخراج أمواتها، وتخليها عنهم، وكل من السماء والأرض تصغي وتسمع وتنقاد وتخضع لأمر ربها، وحق لها أن تسمع أمره. ٢ - يكدح كل إنسان ويتعب في حياته، ثم يرجع يوم القيامة بعمله إلى ربه رجوعا لا محالة، فملاق ربه، أو ملاق عمله. قال قتادة: يا ابن آدم، إن كدحك لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله، فليفعل، ولا قوة إلا بالله. وهذا دليل على أن الدنيا دار عناء وتعب ولا راحة ولا فرح فيها. ٣ - الناس فريقان يوم القيامة: سعداء مؤمنون وأشقياء كفار، أما الفريق الأول: فهم الذين يعطون كتب أعمالهم بأيمانهم، ويعرضون على ربهم عرضا لا مناقشة فيه، ويتجاوز الله عنهم، ويرجعون إلى عشيرتهم مسرورين، فاللهم اجعلنا منهم. وأما الفريق الثاني: فهم الذين يتناولون كتب أعمالهم بشمائلهم مباشرة، أو بشمائلهم من وراء ظهورهم، فينادون بالهلاك على أنفسهم، فيقول الواحد منهم: يا ويلاه، يا ثبوراه، والثبور: الهلاك والخسارة، ثم يدخلون النار حتى يصلوا حرّها. وسبب خسار هذا الفريق: البطر في الدنيا، وإنكار المعاد والحساب والجزاء والثواب والعقاب، والله خبير بهم، عليم بأن مرجعهم إليه. والفرح المنهي عنه: ما يتولد من البطر والترفه، لا الذي يكون من الرضى

стр. 9021

بالقضاء ومن حصول بعض الكمالات والفضائل النفسية؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ:﴾ ﴿بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨/ ١٠]. قال ابن زيد: وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن والبكاء والشفقة في الدنيا، فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة، وقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ، فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا، وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور ٢٦/ ٥٢ - ٢٧]. ثم قال: ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا والضحك فيها والتفكه، فقال: ﴿إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. ٤ - قوله تعالى: ﴿بَلى﴾ أي ليبعثن: دليل على الجزم بوقوع البعث، وأنه دار العدل المطلق الذي ينال فيه كل إنسان جزاء عمله خيرا أو شرا. تأكيد وقوع القيامة وما يتبعها من الأهوال ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اِتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾ الإعراب: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ أي حالا بعد حال، و ﴿عَنْ﴾ تأتي بمعنى «بعد» ومنه قولهم: سادوا كابرا عن كابر، أي بعد كابر. وتركبن: أصله تركبونن، حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال والواو لالتقاء الساكنين.

стр. 9022

﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾ وعامله معنى الفعل الذي تعلقت به اللام في ﴿لَهُمْ﴾. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إما استثناء متصل من الجنس، فيكون ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في موضع نصب، لأنه استثناء من الهاء والميم في ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ وإما استثناء منقطع الجنس، فيكون منصوبا؛ لأن الاستثناء المنقطع منصوب. البلاغة: ﴿وَسَقَ﴾ و ﴿اِتَّسَقَ﴾ بينهما جناس ناقص. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ كناية، كنّى به عن الشدة والأهوال التي يتعرض لها الإنسان. ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أسلوب تهكمي، استعمال البشارة في موضع الإنذار تهكم وسخرية بالكفار. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ، وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ، لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ سجع مرصّع: وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات، كما تقدم. المفردات اللغوية: ﴿بِالشَّفَقِ﴾ الجمرة التي ترى في الأفق الغربي بعد غروب الشمس، وعن أبي حنيفة ﵁: إنه البياض الذي يليها، سمي به لرقته، مأخوذ من الشفقة. ﴿وَسَقَ﴾ ضمّ وجمع وستر جميع ما دخل عليه من الدواب وغيرها. ﴿اِتَّسَقَ﴾ اجتمع وتم نوره وصار بدرا وذلك في منتصف الشهر القمري، وهو ما يعرف بظاهرة القمر الأزرق. ويرى الفلكيون أنه يمكن أن يكتمل القمر بدرا مرتين في شهر واحد في أوربا وآسيا لوجود القمر في نصف الكرة الغربي، على مدى ١٢ عاما بين كل ١٩ عاما، وآخر مرة اكتمل فيها القمر بدرا في الحادي والثلاثين من تموز (يوليو) عام ١٩٨٥ م، وسوف يكتمل القمر بدرا في المرة القادمة في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) عام ١٩٩٠ م. ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ لتلاقنّ. ﴿طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ حالا بعد حال، متطابقين في الشدة، والطبق: الحال المطابقة لغيرها، والمراد: مرور الكفار بأحوال بعد أحوال هي طبقات في الشدة، بعضها أشد من بعض، وهي الموت وما بعده من الحياة من أحوال القيامة. ﴿فَما لَهُمْ﴾ أي الكفار ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيّ مانع لهم عن الإيمان بيوم القيامة؟ ﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يخضعون، بأن يؤمنوا بالقرآن لإعجازه. ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ بالقرآن والبعث وغيرهما. ﴿يُوعُونَ﴾ يجمعون في صدورهم من الشرك أو الكفر والمعصية والتكذيب والإعراض وأعمال السوء من حسد وبغي وعداوة. ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ البشارة:

стр. 9023

الإخبار بما يسرّ، والمراد هنا الإخبار عن العذاب تهكما واستهزاء بهم. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ﴾ أي لكن فهو استثناء منقطع، ويصح كونه استثناء متصلا أي من تاب وآمن منه. ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع ولا منقوص ولا يمن به عليهم، يقال: فلان منّ الحبل: إذا قطعه. المناسبة: بعد بيان أحوال الناس وانقسامهم فريقين يوم القيامة: سعداء وأشقياء، أكد الله تعالى وقوع يوم القيامة وما يتبعها من الأهوال بالقسم بآيات واضحة في الكون: وهي الشفق والليل والقمر على أن البعث كائن لا محالة، وأن الناس يتعرضون لشدائد الأهوال. ثم حكى تعالى بعض عجائب الناس أنهم لا يؤمنون بالقرآن وبالبعث، ولا يخضعون لآي القرآن العظيم، عنادا منهم واستكبارا، فيجازون أشد العذاب، إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فله الثواب الدائم غير الممنون به عليه. التفسير والبيان: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ، وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ أي يقسم الله تعالى بالشفق الذي هو الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت العشاء، وبالليل الأسود البهيم وما جمع وضم، وستر كل ما كان منتشرا ظاهرا في النهار، وبالقمر إذا اجتمع وتكامل وصار بدرا في منتصف كل شهر قمري. والقسم بهذه الأشياء دليل على تعظيمها وتعظيم قدر مبدعها. ولا أقسم: قسم، وأما حرف (لا) فهو نفي ورد لكلام سابق قبل القسم، وهنا رد الله تعالى على المشرك الذي ظن أن لن يحور، بأنه سيرجع ويبعث، وأبطل ظنه، ثم أقسم بعده بالشفق. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ جواب القسم، أي لتصادفن أحوالا بعد أحوال، هي طبقات في الشدة، بعضها أشد من بعض، وهي الموت وما بعده من

стр. 9024

مواطن القيامة وأهوالها، ثم يكون المصير الأخير: الخلود في الجنة أو في النار. ونظير الآية قوله: ﴿بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ، ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن ٧/ ٦٤]. وقوله: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً﴾ [المزمل ١٧/ ٧٣]. ثم أنكر الله تعالى على الكفار استبعادهم البعث، فقال: ﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي فأي شيء أو فماذا يمنعهم عن الإيمان بصحة البعث والقيامة، وبمحمد ﷺ ، وبما جاء به القرآن، مع وجود موجبات الإيمان بذلك، من الأدلة الكونية القاطعة الدالة على قدرة الله على كل شيء، والمعجزات الظاهرة الدالة على صدق النبي ﷺ وصدق الوحي القرآني المنزل عليه. وهذا استفهام إنكار، وقيل: تعجب، أي اعجبوا منهم في ترك الإيمان مع هذه الآيات. ﴿وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ أي وأيّ مانع لهم من سجودهم وخضوعهم عند قراءة القرآن الذي دل إعجازه على كونه منزلا من عند الله تعالى؟! ويكون سجودهم إعظاما وإكراما واحتراما لآي القرآن، بعد أن علموا كونه معجزا، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة. قد احتج أبو حنيفة ﵀ بالآية على وجوب السجود، فإنه ذم لمن سمعه، ولم يسجد. ثم أبان الله تعالى سبب عدم إيمانهم بالله تعالى ورسوله ﷺ واليوم الآخر، فقال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ أي والواقع أن الكفار يكذبون بالكتاب المشتمل على إثبات التوحيد والبعث والثواب والعقاب، إما حسدا للرسول ﷺ ، وإما خوفا من ضياع المنافع والمراكز والمناصب

стр. 9025

والرياسات، وإما عنادا وإمعانا في البقاء على تقليد الآباء والأجداد والأسلاف. والله أعلم من جميع الخلائق بما يضمرونه أو يكتمونه في أنفسهم من التكذيب، وأعلم بأسباب الإصرار على الشرك أو الكفر، وجمع الأعمال الصالحة والسيئة. ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي فأخبرهم أيها النبي بأن الله قد أعدّ لهم عذابا أليما. واستعمال البشارة التي هي في الأصل لما هو سار، في الإخبار عن العذاب تهكم واستهزاء بهم. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي لكن الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله ﷺ واليوم الآخر، وخضعوا للقرآن الكريم، وعملوا بما جاء به، والتزموا صالح الأعمال بأعضائهم، لهم في الدار الآخرة ثواب غير مقطوع ولا منقوص، ولا يمنّ به عليهم، كما قال تعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨/ ١١]. والاستثناء منقطع في رأي الزمخشري. وقال الأكثرون: معناه إلا من تاب منهم وعمل صالحا، فله الثواب العظيم. وفي هذا ترغيب شديد بالإيمان والطاعة، وزجر عن الكفر والمعصية. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - أقسم الله بالشفق (وهو حمرة السماء التي تكون عند مغيب الشمس حتى تأتي صلاة العشاء الآخرة) وبالليل وما جمع وضم ولفّ، وبالقمر إذا اجتمع وتم واستوى، على وقوع البعث والقيامة وما يتبعها من أهوال عظام وشدائد ضخام.

стр. 9026

٢ - ماذا يمنع الكفار عن الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ واليوم الآخر والقرآن بعد ما وضحت لهم الآيات وقامت الدلالات؟! وماذا يمنعهم عن الخضوع والسجود للقرآن عند سماعه، بعد ما عرفوا أنه معجز، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة؟! وهذا توبيخ على أنهم لا ينظرون في الدلائل حتى يورثهم الإيمان والسجود عند تلاوة القرآن. ٣ - جمهور العلماء على أن هذه الآية: ﴿وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ موضع سجدة تلاوة، بدليل ما تقدم في الصحيح عن أبي هريرة أنه قرأ: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها. وقال الإمام مالك: إنها ليست من عزائم السجود، لأن المعنى: لا يذعنون ولا يطيعون في العمل بواجباته. وعقب على ذلك ابن العربي ونقله عنه القرطبي قائلا: والصحيح أنها منه، أي من عزائم السجود، وهي رواية المدنيين عنه، أي عن مالك، وقد اعتضد فيها القرآن والسنة (١). ٤ - الواقع أن الكفار يكذبون الدلائل الموجبة للإيمان وتوابعه، وإن كانت جلية ظاهرة، وتكذيبهم بها إما لتقليد الأسلاف، أو عنادا، أو حسدا، أو خوفا من أنهم لو أظهروا الإيمان، لفاتتهم مناصب الدنيا ومنافعها. والله عالم بما يضمرونه في أنفسهم من التكذيب والشرك والعناد وسائر العقائد الفاسدة والنيات الخبيثة، فهو يجازيهم على ذلك.

стр. 9027

٥ - صرح الله تعالى بوعيدهم قائلا لنبيه: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي موجع في جهنم على تكذيبهم، أي جعل ذلك بمنزلة البشارة تهكما واستهزاء بهم. ٦ - استثنى الله تعالى من الوعيد السابق الذين صدقوا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ ، وعملوا الصالحات، أي أدّوا الفرائض المفروضة عليهم، فلهم ثواب غير منقوص ولا مقطوع، ولا يمنّ عليهم به. والاستثناء منقطع عند الزمخشري كما بينا، ولا بأس بكونه متصلا، كأنه قال: إلا من آمن منهم، فله أجر غير مقطوع، أو هو من المنة. وذكر ناس من أهل العلم أن قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ليس استثناء، وإنما هو بمعنى الواو، كأنه قال: والذين آمنوا.

стр. 9028

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة البروج مكيّة، وهي اثنتان وعشرون آية. تسميتها: سميت سورة البروج، لافتتاحها بقسم الله بالسماء ذات البروج: وهي منازل الكواكب السيارة في أثناء سيرها، تنويها بها لاشتمالها على الظهور والغياب. مناسبتها لما قبلها: تتعلق السور بما قبلها من وجوه ثلاثة: ١ - التشابه في الافتتاح بذكر السماء، ولهذا ورد في الحديث ذكر السماوات مرادا بها السور الأربع، كما قيل في المسبّحات. وتلك السور هي الانفطار والانشقاق، والبروج، والطارق. ٢ - اشتمال السورتين على وعد المؤمنين، ووعيد الكافرين، والتنويه بعظمة القرآن. ٣ - تضمنت السورة السابقة أن الله عليم بما يجمع المشركون في صدورهم للنبي ﷺ والمؤمنين معه من أنواع الأذى المادي، كالضرب والقتل والتعذيب في حر الشمس، والأذى المعنوي، من حقد وحسد، وعداوة، ومكر، وخوف على فوت المنافع، وذكر في هذه السورة أن هذا شأن من تقدمهم من الأمم الكافرة الفاجرة. وفي هذا عظة للمشركين وتثبيت للمؤمنين.

стр. 9029

ما اشتملت عليه السورة: أبرزت هذه السورة المكية جانبا مهما من جوانب العقيدة وهو التضحية في سبيل الإيمان والاعتقاد، ممثلا في قصة (أصحاب الأخدود). افتتحت السورة الكريمة بالقسم بالسماء ذات منازل الكواكب، وبيوم القيامة، وبالأنبياء الذين يشهدون على أممهم، على إهلاك وتدمير وإبادة المجرمين، الذين أحرقوا جماعة من المؤمنين والمؤمنات في النار ليفتنوهم عن دينهم: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ..﴾. [الآيات: ١ - ٩]. وأعقبت ذلك بوعيد هؤلاء العتاة الطغاة، وإنذارهم بعذاب جهنم، وبوعد المؤمنين بالجنان. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ..﴾. [الآيتان: ١٠ - ١١]. وختمت السورة بإظهار عظمة الله وجليل صفاته وقدرته على الانتقام من أعدائه، والاتعاظ بقصة الطاغية فرعون الجبار: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ..﴾. [الآيات: ١٢ - ٢٢]. فضلها: أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العشاء الآخرة ب ﴿ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ و ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾. وأخرج أحمد عن أبي هريرة أيضا أن رسول الله ﷺ أمر أن يقرأ بالسموات في العشاء. سبب نزولها والحكمة منها: المقصود من هذه السورة تسلية النبي ﷺ وأصحابه عن إيذاء الكفار، ببيان أن سائر الأمم السابقة كانوا كأهل مكة، مثل أصحاب الأخدود في نجران اليمن،

стр. 9030

ومثل فرعون وثمود، وكان كل الكفار سواء في التكذيب، فانتقم الله منهم؛ لأنهم جميعا في قبضة القدرة الإلهية: ﴿وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾. وهذا شيء مثبت في اللوح المحفوظ ممتنع التغيير؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. وسبب نزول هذه السورة التي تدور على قصة أصحاب الأخدود: ما رواه مسلم في صحيحة وأحمد والنسائي، وموجزها: أن أحد ملوك الكفار وهو ذو نواس اليهودي واسمه زرعة بن تبّان أسعد الحميري، بلغه أن بعض رعيته آمن بدين النصرانية (١)، فسار إليهم بجنود من حمير، فلما أخذوهم خيّروهم بين اليهودية والإحراق بالنار، فاختاروا القتل، فشقوا لهم الأخدود، وأضرموا فيه النار، ثم قالوا للمؤمنين: من رجع منكم عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في النار، فصبروا، فألقوهم في النار، فاحترقوا، والملك وأصحابه ينظرون. قيل: قتل منهم عشرين ألفا، وقيل: اثني عشر ألفا، وقال الكلبي: كان أصحاب الأخدود سبعين ألفا. والخلاصة: أن ذا نواس آخر ملوك حمير، وكان مشركا، قتل أصحاب الأخدود الذين كانوا نصارى، وكانوا قريبا من عشرين ألفا (٢). تفصيل القصة-قصة الساحر والراهب والغلام: المعتمد من قصص أصحاب الأخدود: ما جاء في الصحاح عن النبي ﷺ : «أنه كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضمّ إليه غلاما ليعلّمه السّحر، وكان في طريق الغلام راهب يتكلّم بالمواعظ لأجل الناس، فمال قلب الغلام إلى حديثه،

стр. 9031

فرأى في طريقه ذات يوم دابة أو حية قد حبست الناس، فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان الراهب أحبّ إليك من الساحر، فاقتلها بهذا الحجر، فقتلها. وكان ذلك الغلام بعدئذ يتعلّم من الراهب إلى أن صار بحيث يبرئ الأكمه والأبرص، ويشفي من الداء. وعمي جليس للملك فأبرأه، فأبصره الملك فسأله: من ردّ عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذّبه. فدل على الغلام، فعذّب الغلام حتى دل على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه، فقدّ بالمنشار، وأتى الغلام، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته، فدعا فرجف بالقوم فطاحوا ونجا، فذهبوا به إلى قرقور: وهي سفينة صغيرة، فلججوا به ليغرقوه، فدعا، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا ونجا، وقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي وتقول: بسم الله ربّ الغلام، ثم ترميني به. فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فأمر بأخاديد في أفواه السّكك وأوقدت فيها النيران، فمن لم يرجع منهم طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فتقاعست أن تقع فيها، فقال الصبي: يا أمّاه، اصبري فإنك على الحق، وما هي إلا غميضة، فصبرت واقتحمت».

стр. 9032

القسم بأشياء عظام على لعنة أصحاب الأخدود ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾ الإعراب: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ ﴿وَالسَّماءِ﴾: قسم، وجوابه إما مقدر محذوف: وهو لتبعثن، أو قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. واختار أبو حيان أن يكون الجواب هو قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ وحذفت اللام أي لقتل، وحسن حذفها كما حسن في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ أي لقد أفلح من زكاها، ويكون الجواب دليلا على لعنة الله على من فعل ذلك وطرده من رحمة الله، وتنبيها لكفار قريش الذين يؤذون المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم على أنهم ملعونون بجامع ما اشتركا فيه من تعذيب المؤمنين. وإذا كان ﴿قُتِلَ﴾ جوابا للقسم، فهي جملة خبرية، وقيل: دعاء، فيكون الجواب غيرها (البحر المحيط: ٤٥٠/ ٨). ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ أي الموعود به، وحذف للعلم به، وإنما وجب هذا التقدير، لأن ﴿الْمَوْعُودِ﴾ صفة لليوم، ولا بد من أن يعود من الوصف إلى الموصوف ذكر. ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ، النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ ﴿النّارِ﴾: مجرور على البدل من ﴿الْأُخْدُودِ﴾ بدل الاشتمال. البلاغة: ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ بينهما جناس اشتقاق. ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ تأكيد المدح بما يشبه الذم، كأنه يقول: لا جرم لهم إلا إيمانهم بالله، وهذه مفخرة عظمي. ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ صيغة مبالغة.

стр. 9033

﴿الْمَوْعُودِ﴾، ﴿وَمَشْهُودٍ﴾، ﴿الْأُخْدُودِ﴾، ﴿الْوَقُودِ﴾ سجع مرصع: وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿الْبُرُوجِ﴾ منازل الكواكب الاثني عشر، وقيل: ﴿الْبُرُوجِ﴾: النجوم العظام، جمع برج: وهو الحصن، أو القصر العالي، أو منزل الكوكب، سميت بروجا لظهورها. والبروج على المعنى الأول اثنا عشر برجا للكواكب السيارة، تسير الشمس مثلا في كل واحد منها شهرا، ويسير القمر في كل واحد منها يومين وثلث يوم، فذلك ثمانية وعشرون منزلة، ويستتر ليلتين، أي يخفى. ستة من بروج الشمس شمال خط الاستواء، وستة في جنوبه، أما التي في شماله: فهي الحمل والثور والجوزاء والسّرطان والأسد والسّنبلة. وأما التي في جنوبه: فهي الميزان والعقرب والقوس والجدي والدّلو والحوت. وتقطع الشمس الثلاثة الأولى الشمالية في ثلاثة أشهر هي فصل الربيع، أولها ٢١ آذار (مارس) وتقطع الثلاثة الثانية في ثلاثة أشهر أخرى هي فصل الصيف، أولها ٢١ حزيران (يونيو) وتقطع الثلاثة الأولى الجنوبية في ثلاثة أشهر هي فصل الخريف، أولها ٢١ أيلول (سبتمبر) وتقطع الثلاثة الثانية الجنوبية في ثلاثة أشهر أيضا هي فصل الشتاء، أولها ٢٢ من شهر كانون الأول (ديسمبر) (١). وإذا كان القصد بالبروج الكواكب العظيمة فهي التي لا يحصى عددها، والتي هي ذات أبعاد هائلة عن الأرض، فبعضها لا يصل ضوؤه إلى الأرض إلا بعد مليون ونصف سنة ضوئية، علما بأن الضوء يسير بسرعة ثلاث مائة ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، ويصل إلى القمر في ثانية وثلث، ويجري حول الكرة الأرضية في ثانية واحدة نحو ثمان مرات. والمريخ يبعد عن الأرض ٢٥٦ مليون ميل، وقد أطلقت روسيا مكوكا إلى المريخ في ١٩٨٨/ ٧/١٣ يصل إليه في منتصف عام ١٩٩٠، وأقسم الله بهذه الكواكب حيث نيط بها تغييرات في الأرض بحلول الكواكب فيها. ﴿الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ يوم القيامة. ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ الشاهد في ذلك اليوم على غيره من الخلائق، والمشهود عليه: ما يشهد به الشهود على المجرمين من الجرائم التي فعلوها بالشهود أنفسهم كأصحاب الأخدود أو بغيرهم، وهذا هو الأصح، أو الأنبياء الشاهدين على أممهم، أو مخلوقات الله الظاهرة التي هي عامل الشهادة، الدالة على تمام القدرة الإلهية وعظم الحكمة، وهي مشهودة أيضا لكل ناظر إليها. وقال الأكثرون: الشاهد: يوم الجمعة فإنه يشهد بالعمل فيه، والمشهود: يوم عرفة

стр. 9034

الذي تشهده الناس والملائكة. ﴿قُتِلَ﴾ لعن وهو جواب القسم بتقدير: لقد. ﴿أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ الشق المستطيل المحفور في الأرض، وجمعه أخاديد، وأصحاب الأخدود: قوم جبارون أحرقوا جماعة من المؤمنين في أخدود في نجران اليمن، بعد أن أوقدوا فيه نارا عظيمة، ثم ألقوهم فيها. ﴿النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ أي الأخدود المشتمل على النار ذات الوقود أي ما توقد به، وهو وصف لها بالعظمة وكثرة ما يرتفع به لهبها. ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ﴾ قاعدون على حافة النار. ﴿وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ أي وهم حضور على تعذيب المؤمنين بالله، بالإلقاء في النار، إن لم يرجعوا عن إيمانهم، ويشهدون على ما يفعلون يوم القيامة حين تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم. ﴿وَما نَقَمُوا﴾ أنكروا وعابوا. ﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالب الذي يخشى عقابه ولا يغلب. ﴿الْحَمِيدِ﴾ المحمود على نعمه وعلى كل حال، والذي يرجى ثوابه. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ شاهد عالم، وهو للإشعار بما يستحق أن يؤمن به ويعبد. التفسير والبيان: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ أي أقسم بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام، وأشهر الأقوال أنها منازل الكواكب، وهي اثنا عشر برجا لاثني عشر كوكبا. وهي التي تقطعها الشمس في سنة، والقمر في ثمانية وعشرين يوما. أقسم الله بها تنويها بها وتعظيما وتشريفا لها، حيث نيط بها تغيرات في الأرض بحلول الكواكب فيها، فينشأ عنها الفصول الأربعة، وما فيها من حرارة وبرودة، وينشأ عنها عدد السنين والحساب. وجاء ذكر البروج في آيتين أخريين هما: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ [الحجر ١٦/ ١٥]، وقال تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً، وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ [الفرقان ٦١/ ٢٥]. ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ أي وأقسم بيوم القيامة الموعود به، وبمن يشهد في ذلك اليوم، ومن يشهد عليه. وهذا إن كان ذلك مأخوذا من الشهادة. فإن كان مأخوذا من الحضور بمعنى أن الشاهد هو الحاضر، كقوله:

стр. 9035

﴿عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [الزمر ٤٦/ ٣٩]، فالشاهد: الخلائق الحاضرون للحساب، والمشهود عليه: اليوم، كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣/ ١١] فالله يقسم بالخلائق والعوالم الشاهد منها والمشهود، لما في التأمل بها من تقدير عظمة تدل على الموجد. والخلاصة: أن الشاهد والمشهود إما من الشهود: الحضور، وإما من الشهادة، والصلة محذوفة، أي مشهود عليه أو به. ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ. النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ هذا جواب القسم، وهو إخبار أو دعاء على هؤلاء الكفار بالإبعاد من رحمة الله تعالى، أي لعن أصحاب الأخدود المشتمل على النار ذات الحطب الذي توقد به. وهم قوم من الكفار في نجران اليمن طلبوا من المؤمنين بالله أن يرجعوا عن دينهم، فأبوا عليهم، فحفروا لهم في الأرض أخدودا (شقا مستطيلا) وأجّجوا فيه نارا، وأعدّوا لها وقودا يسعرونها به، ثم أرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فلم يقبلوا منهم، فقذفوهم فيها. وقد أشار سبحانه إلى عظم النار إشارة مجملة بقوله: ﴿ذاتِ الْوَقُودِ﴾ أي لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس. ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ، وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ أي لعنوا حين أحدقوا بالنار، قاعدين على الكراسي عند الأخدود، وهؤلاء الذين حفروا الأخدود، وهم الملك وأصحابه، مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين، من عرضهم على النار ليرجعوا إلى دينهم، ويشهدون بما فعلوا يوم القيامة، حيث تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم. وهذا أي حضورهم الإحراق دليل على أنهم قوم غلاظ الأكباد قساة القلوب، تمكّن الكفر والباطل منهم، وتجرّدوا عن الإنسانية، وفقدوا الرحمة، ودليل أيضا
следующие страницы →