فرأى في طريقه ذات يوم دابة أو حية قد حبست الناس، فأخذ حجرا فقال:
اللهم إن كان الراهب أحبّ إليك من الساحر، فاقتلها بهذا الحجر، فقتلها.
وكان ذلك الغلام بعدئذ يتعلّم من الراهب إلى أن صار بحيث يبرئ الأكمه والأبرص، ويشفي من الداء. وعمي جليس للملك فأبرأه، فأبصره الملك فسأله:
من ردّ عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذّبه.
فدل على الغلام، فعذّب الغلام حتى دل على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه، فقدّ بالمنشار، وأتى الغلام، فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته، فدعا فرجف بالقوم فطاحوا ونجا، فذهبوا به إلى قرقور: وهي سفينة صغيرة، فلججوا به ليغرقوه، فدعا، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا ونجا، وقال للملك:
لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد، وتصلبني على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي وتقول: بسم الله ربّ الغلام، ثم ترميني به.
فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فأمر بأخاديد في أفواه السّكك وأوقدت فيها النيران، فمن لم يرجع منهم طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فتقاعست أن تقع فيها، فقال الصبي: يا أمّاه، اصبري فإنك على الحق، وما هي إلا غميضة، فصبرت واقتحمت».
стр. 9032
القسم بأشياء عظام على لعنة أصحاب الأخدود
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾
الإعراب:
﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ ﴿وَالسَّماءِ﴾: قسم، وجوابه إما مقدر محذوف: وهو لتبعثن، أو قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. واختار أبو حيان أن يكون الجواب هو قوله تعالى:
﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ وحذفت اللام أي لقتل، وحسن حذفها كما حسن في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ أي لقد أفلح من زكاها، ويكون الجواب دليلا على لعنة الله على من فعل ذلك وطرده من رحمة الله، وتنبيها لكفار قريش الذين يؤذون المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم على أنهم ملعونون بجامع ما اشتركا فيه من تعذيب المؤمنين. وإذا كان ﴿قُتِلَ﴾ جوابا للقسم، فهي جملة خبرية، وقيل: دعاء، فيكون الجواب غيرها (البحر المحيط: ٤٥٠/ ٨).
﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ أي الموعود به، وحذف للعلم به، وإنما وجب هذا التقدير، لأن ﴿الْمَوْعُودِ﴾ صفة لليوم، ولا بد من أن يعود من الوصف إلى الموصوف ذكر.
﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ، النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ ﴿النّارِ﴾: مجرور على البدل من ﴿الْأُخْدُودِ﴾ بدل الاشتمال.
البلاغة:
﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ تأكيد المدح بما يشبه الذم، كأنه يقول: لا جرم لهم إلا إيمانهم بالله، وهذه مفخرة عظمي.
﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ صيغة مبالغة.
стр. 9033
﴿الْمَوْعُودِ﴾، ﴿وَمَشْهُودٍ﴾، ﴿الْأُخْدُودِ﴾، ﴿الْوَقُودِ﴾ سجع مرصع: وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿الْبُرُوجِ﴾ منازل الكواكب الاثني عشر، وقيل: ﴿الْبُرُوجِ﴾: النجوم العظام، جمع برج: وهو الحصن، أو القصر العالي، أو منزل الكوكب، سميت بروجا لظهورها. والبروج على المعنى الأول اثنا عشر برجا للكواكب السيارة، تسير الشمس مثلا في كل واحد منها شهرا، ويسير القمر في كل واحد منها يومين وثلث يوم، فذلك ثمانية وعشرون منزلة، ويستتر ليلتين، أي يخفى.
ستة من بروج الشمس شمال خط الاستواء، وستة في جنوبه، أما التي في شماله: فهي الحمل والثور والجوزاء والسّرطان والأسد والسّنبلة. وأما التي في جنوبه: فهي الميزان والعقرب والقوس والجدي والدّلو والحوت. وتقطع الشمس الثلاثة الأولى الشمالية في ثلاثة أشهر هي فصل الربيع، أولها ٢١ آذار (مارس) وتقطع الثلاثة الثانية في ثلاثة أشهر أخرى هي فصل الصيف، أولها ٢١ حزيران (يونيو) وتقطع الثلاثة الأولى الجنوبية في ثلاثة أشهر هي فصل الخريف، أولها ٢١ أيلول (سبتمبر) وتقطع الثلاثة الثانية الجنوبية في ثلاثة أشهر أيضا هي فصل الشتاء، أولها ٢٢ من شهر كانون الأول (ديسمبر) (١).
وإذا كان القصد بالبروج الكواكب العظيمة فهي التي لا يحصى عددها، والتي هي ذات أبعاد هائلة عن الأرض، فبعضها لا يصل ضوؤه إلى الأرض إلا بعد مليون ونصف سنة ضوئية، علما بأن الضوء يسير بسرعة ثلاث مائة ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، ويصل إلى القمر في ثانية وثلث، ويجري حول الكرة الأرضية في ثانية واحدة نحو ثمان مرات. والمريخ يبعد عن الأرض ٢٥٦ مليون ميل، وقد أطلقت روسيا مكوكا إلى المريخ في ١٩٨٨/ ٧/١٣ يصل إليه في منتصف عام ١٩٩٠، وأقسم الله بهذه الكواكب حيث نيط بها تغييرات في الأرض بحلول الكواكب فيها.
﴿الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ يوم القيامة. ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ الشاهد في ذلك اليوم على غيره من الخلائق، والمشهود عليه: ما يشهد به الشهود على المجرمين من الجرائم التي فعلوها بالشهود أنفسهم كأصحاب الأخدود أو بغيرهم، وهذا هو الأصح، أو الأنبياء الشاهدين على أممهم، أو مخلوقات الله الظاهرة التي هي عامل الشهادة، الدالة على تمام القدرة الإلهية وعظم الحكمة، وهي مشهودة أيضا لكل ناظر إليها. وقال الأكثرون: الشاهد: يوم الجمعة فإنه يشهد بالعمل فيه، والمشهود: يوم عرفة
стр. 9034
الذي تشهده الناس والملائكة. ﴿قُتِلَ﴾ لعن وهو جواب القسم بتقدير: لقد. ﴿أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ الشق المستطيل المحفور في الأرض، وجمعه أخاديد، وأصحاب الأخدود: قوم جبارون أحرقوا جماعة من المؤمنين في أخدود في نجران اليمن، بعد أن أوقدوا فيه نارا عظيمة، ثم ألقوهم فيها. ﴿النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ أي الأخدود المشتمل على النار ذات الوقود أي ما توقد به، وهو وصف لها بالعظمة وكثرة ما يرتفع به لهبها.
﴿إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ﴾ قاعدون على حافة النار. ﴿وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ أي وهم حضور على تعذيب المؤمنين بالله، بالإلقاء في النار، إن لم يرجعوا عن إيمانهم، ويشهدون على ما يفعلون يوم القيامة حين تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم. ﴿وَما نَقَمُوا﴾ أنكروا وعابوا.
﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالب الذي يخشى عقابه ولا يغلب. ﴿الْحَمِيدِ﴾ المحمود على نعمه وعلى كل حال، والذي يرجى ثوابه. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ شاهد عالم، وهو للإشعار بما يستحق أن يؤمن به ويعبد.
التفسير والبيان:
﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ أي أقسم بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام، وأشهر الأقوال أنها منازل الكواكب، وهي اثنا عشر برجا لاثني عشر كوكبا.
وهي التي تقطعها الشمس في سنة، والقمر في ثمانية وعشرين يوما. أقسم الله بها تنويها بها وتعظيما وتشريفا لها، حيث نيط بها تغيرات في الأرض بحلول الكواكب فيها، فينشأ عنها الفصول الأربعة، وما فيها من حرارة وبرودة، وينشأ عنها عدد السنين والحساب.
وجاء ذكر البروج في آيتين أخريين هما: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ [الحجر ١٦/ ١٥]، وقال تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً، وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ [الفرقان ٦١/ ٢٥].
﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ أي وأقسم بيوم القيامة الموعود به، وبمن يشهد في ذلك اليوم، ومن يشهد عليه. وهذا إن كان ذلك مأخوذا من الشهادة. فإن كان مأخوذا من الحضور بمعنى أن الشاهد هو الحاضر، كقوله:
стр. 9035
﴿عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [الزمر ٤٦/ ٣٩]، فالشاهد: الخلائق الحاضرون للحساب، والمشهود عليه: اليوم، كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣/ ١١] فالله يقسم بالخلائق والعوالم الشاهد منها والمشهود، لما في التأمل بها من تقدير عظمة تدل على الموجد.
والخلاصة: أن الشاهد والمشهود إما من الشهود: الحضور، وإما من الشهادة، والصلة محذوفة، أي مشهود عليه أو به.
﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ. النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ هذا جواب القسم، وهو إخبار أو دعاء على هؤلاء الكفار بالإبعاد من رحمة الله تعالى، أي لعن أصحاب الأخدود المشتمل على النار ذات الحطب الذي توقد به. وهم قوم من الكفار في نجران اليمن طلبوا من المؤمنين بالله أن يرجعوا عن دينهم، فأبوا عليهم، فحفروا لهم في الأرض أخدودا (شقا مستطيلا) وأجّجوا فيه نارا، وأعدّوا لها وقودا يسعرونها به، ثم أرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فلم يقبلوا منهم، فقذفوهم فيها. وقد أشار سبحانه إلى عظم النار إشارة مجملة بقوله:
﴿ذاتِ الْوَقُودِ﴾ أي لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس.
﴿إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ، وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ أي لعنوا حين أحدقوا بالنار، قاعدين على الكراسي عند الأخدود، وهؤلاء الذين حفروا الأخدود، وهم الملك وأصحابه، مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين، من عرضهم على النار ليرجعوا إلى دينهم، ويشهدون بما فعلوا يوم القيامة، حيث تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم.
وهذا أي حضورهم الإحراق دليل على أنهم قوم غلاظ الأكباد قساة القلوب، تمكّن الكفر والباطل منهم، وتجرّدوا عن الإنسانية، وفقدوا الرحمة، ودليل أيضا
стр. 9036
على أن المؤمنين كانوا أشد صلابة من الجبال في دينهم والإصرار على إيمانهم وحقهم في حرية الاعتقاد.
ثم ذكر الله تعالى سبب هذا التعذيب والإحراق بالنار، فقال:
﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي إن هؤلاء الكفار الجبابرة ما أنكروا عليهم ذنبا إلا إيمانهم، ولا عابوا على المؤمنين إلا أنهم صدقوا بالله الغالب الذي لا يغلب، المحمود في كل حال، وهو مالك السموات والأرض، وإليه الأمر كله، ومن كان بهذه الصفات، فهو حقيق بأن يؤمن به ويوحّد، والله شاهد عالم بما فعلوا بالمؤمنين، لا تخفى عليه خافية، ومجازيهم بأفعالهم. وأشار بقوله:
﴿الْعَزِيزِ﴾ إلى أنه لو شاء لمنع أولئك الجبابرة من تعذيب أولئك المؤمنين، ولأطفأ نيرانهم وأماتهم، وأشار بقوله: ﴿الْحَمِيدِ﴾ إلى أن المعتبر عنده سبحانه من الأفعال عواقبها، فهو وإن كان قد أمهل لكنه ما أهمل، فإنه سيثيب المؤمنين، ويعاقب أولئك الكفرة.
وقوله: ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعيد شديد لأصحاب الأخدود، ووعد بالخير لمن عذّب من المؤمنين على دينه، فصبر ولم يتراجع في موقف الشدة.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ﴾ [المائدة ٥٩/ ٥].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - أقسم الله بالسماء وبروجها وهي نجومها العظام أو منازل الكواكب؛ لإناطة تغييرات في الأرض كالفصول الأربعة وبيوم القيامة الذي
стр. 9037
وعدنا به؛ لأنه يوم الفصل والجزاء، وتفرد الله بالحكم والقضاء، وبالشاهد والمشهود، أي الخلائق والعوالم الشاهد منها والمشهود؛ لما في التأمل بها من إدراك عظمة خالقها، أقسم بها على أن أصحاب الأخدود ملعونون مطرودون من رحمة الله.
قال الزمخشري: أنه قيل: أقسم بهذه الأشياء، إنهم ملعونون يعني كفار قريش، كما لعن أصحاب الأخدود، وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان، وإلحاق أنواع الأذى وصبرهم وثباتهم حتى يأنسوا بهم، ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن كفارهم أحقاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش، أي لعنوا، كما قتل أصحاب الأخدود (١).
٢ - أسباب اللعنة على أصحاب الأخدود: أنهم حفروا أخدودا أي شقا مستطيلا في الأرض وأوقدوا فيه نارا عظيمة، ثم ألقوا فيه جماعة المؤمنين، بنجران اليمن في الفترة بين محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وهم يتلذذون ويستمتعون بما تفعل النيران الملتهبة بأجساد هؤلاء المعذّبين، ويحضرون ذلك المنظر الرهيب إلى تمام الإحراق والالتهاب، فهم قوم قساة، مجدّون في التعذيب.
٣ - القصة درس وعظة وتذكير للمؤمنين بالصبر على ما يلاقونه من الأذى والآلام، والمشقات التي يتعرضون لها في كل زمان ومكان ليتأسوا بصبر المؤمنين وتصلبهم في الحق وتمسكهم به، وبذلهم أنفسهم من أجل إظهار دعوة الله.
وليس هذا بمنسوخ، فإن الصبر على الأذى لمن قويت نفسه، وصلب دينه أولى (٢). قال الله تعالى مخبرا عن لقمان: ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ،﴾
стр. 9038
﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ، إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان ١٧/ ٣١]. و
أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر».
ولقد امتحن كثير من أصحاب النبي ﷺ بالقتل والصّلب والتعذيب الشديد، فصبروا ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك، مثل قصة عاصم وخبيب وأصحابهما، وما لقوا من الحروب والمحن والقتل والأسر والحرق وغير ذلك.
٤ - ما أنكر الملك وأصحابه من الذين حرّقوهم إلا إيمانهم بالله العزيز الغالب المنيع، الحميد المحمود على كل حال، مالك السموات والأرض الذي لا شريك له فيهما ولا نديد، وهو عالم بأعمال خلقه، لا تخفى عليه خافية.
عقاب الكفار وثواب المؤمنين
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١)﴾
البلاغة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ.﴾. و ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي.﴾. بينهما مقابلة.
المفردات اللغوية:
﴿فَتَنُوا﴾ ابتلوا واختبروا، والمراد هنا ابتلوهم بالأذى والإحراق. ﴿فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بكفرهم وإحراقهم المؤمنين. ﴿عَذابُ الْحَرِيقِ﴾ هو عذاب جهنم، وهو بيان وتفسير لما سبق.
﴿الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ النجاح الأكبر الذي تصغر الدنيا وما فيها دونه.
стр. 9039
المناسبة:
بعد بيان قصة أصحاب الأخدود وما فعلوه بالمؤمنين من الإحراق بالنار، أتبع الله تعالى ذلك بأحكام الثواب والعقاب، وأوضح ما أعد للكفار من عذاب جهنم، وما أعد للمؤمنين من الثواب الجليل والتنعم بجنان الخلد.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ، وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ﴾ أي إن الذين أحرقوا بالنار المؤمنين والمؤمنات بالله ورسله، ولم يتركوهم أحرارا في دينهم، وأجبروهم إما على الإحراق أو الرجوع عن دينهم، ثم لم يتوبوا من قبيح صنعهم ويرجعوا عن كفرهم، فلهم في الآخرة بسبب كفرهم عذاب جهنم، ولهم عذاب الاحتراق بالنار؛ لأن الجزاء من جنس العمل.
وعذاب الحريق تأكيد لعذاب جهنم، وقيل: إنهما مختلفان في الطبقة، الأول- لكفرهم، والثاني لأنهم فتنوا أهل الإيمان وأحرقوهم بالنار، وهذا عذاب آخر زائد على عذاب كفرهم، وهي نار أخرى عظيمة تتسع كما يتسع الحريق. أو لهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا، لما روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم.
وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ إشارة إلى أنهم لو تابوا إلى الله، وندموا على ما فعلوا، غفر الله لهم. ولكن لم ينقل أن أحدا منهم تاب، بل الظاهر أنهم لم يلعنوا إلا وهم قد ماتوا على الكفر. قال الحسن البصري ﵀: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة.
ثم رغّب الله تعالى وأرشد إلى ما أعدّ للمؤمنين من الثواب العظيم، فقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ أي إن الذين آمنوا وصدقوا بالله ربّا واحدا لا شريك له،
стр. 9040
وبالرسل واليوم الآخر والملائكة والكتب الإلهية، وعملوا صالح الأعمال باتباع أوامره واجتناب نواهيه، ومنهم الذين صبروا على نار الأخدود، وثبتوا على دينهم ولم يرتدوا، لهم بسبب الجمع بين الإيمان والعمل الصالح جنات (بساتين) تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، وذلك الثواب والنعيم المذكور هو الفوز أو الظفر الكبير الذي لا يعدله فوز، ولا يقاربه ولا يدانيه، جزاء إيمانهم وطاعة ربهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل الآيتان في الجملة على حكمين:
الأول-أن الذين حرّقوا المؤمنين بالنار، من أصحاب الأخدود وغيرهم (١)، ثم ماتوا على الكفر، ولم يتوبوا من قبيح صنيعهم، فلهم في الآخرة عذاب جهنم المخزي؛ لكفرهم، ولهم العذاب المحرق؛ لإحراقهم المؤمنين بالنار. وعذاب جهنم وعذاب الحريق إما متلازمان، والغرض من الثاني التأكيد، وإما مختلفان في الدركة: الأول لكفرهم، والثاني؛ لأنهم فتنوا أهل الإيمان. وقيل: الأول في الآخرة، والثاني في الدنيا، أو أن الأول عذاب ببرد جهنم وزمهريرها، والثاني عذاب بحرّها.
وفي هذا تصريح بأن التوبة تسقط أثر الذنب وترفع العقوبة، والله يرغب دائما بها.
الثاني-أن الذين آمنوا أي صدقوا بالله وبرسله، وعملوا الصالحات المأمور بها وتركوا المنهي عنها، لهم جنات (أي بساتين) تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذّة
стр. 9041
للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وذلك الفوز الساحق العظيم الذي لا فوز يشبهه.
وإنما قال تعالى: ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ﴾ ولم يقل «تلك» لأن ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى إخبار الله تعالى بحصول هذه الجنات، وقوله «تلك» إشارة إلى الجنات، وإخبار الله تعالى عن ذلك يدل على كونه راضيا، و ﴿الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾: هو رضا الله، لا حصول الجنة، فاللهم أرضنا وارض عنا يا كريم.
وقصة أصحاب الأخدود، ولا سيما آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ.﴾. تدل على أن المستكره على الكفر بالإهلاك الشديد، الأولى به أن يصبر على ما خوف منه، وأن إظهار كلمة الكفر كالرخصة في ذلك؛
روى الحسن أن مسيلمة أخذ رجلين من أصحاب النبي ﷺ ، فقال لأحدهما: تشهد أني رسول الله؟ فقال: نعم، فتركه، وقال للآخر مثله، فقال: لا، بل أنت كذّاب، فقتله، فقال ﷺ : «أما الذي ترك، فأخذ بالرخصة فلا تبعة عليه، وأما الذي قتل فأخذ بالفضل فهنيئا له» (١).
كمال القدرة الإلهية لتأكيد الوعد والوعيد
والاعتبار بإهلاك الأمم الكافرة السالفة
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾
стр. 9042
الإعراب:
﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ﴿الْمَجِيدُ﴾ بالرفع صفة: ﴿ذُو﴾ أو خبر بعد خبر، وبالجر: إما وصف للعرش، أو صفة: ﴿رَبِّكَ﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ وهذا أولى؛ لأن ﴿الْمَجِيدُ﴾ من صفات الله.
﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ﴾: إما بدل من ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو فعّال، أو خبر بعد خبر.
﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ، فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾: في موضع جر على البدل من ﴿الْجُنُودِ﴾، وقيل: في موضع نصب بتقدير أعني.
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بالجر صفة ﴿لَوْحٍ﴾، وبالرفع صفة ﴿قُرْآنٌ﴾.
البلاغة:
﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ بينهما طباق.
﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾؟ أسلوب التشويق لاستماع ما يأتي والاعتبار به.
﴿لَشَدِيدٌ﴾، ﴿الْغَفُورُ﴾، ﴿الْوَدُودُ﴾، ﴿فَعّالٌ﴾ إلخ: صيغ مبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿بَطْشَ﴾ البطش: هو الأخذ بعنف وشدة، فإذا وصف بالشدة كان نهاية، والمراد بالآية:
أنه تعالى مضاعف عنفه بالكفار بحسب إرادته. ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ يبدئ الخلق ويعيده، فلا يعجزه ما يريد. ﴿الْغَفُورُ﴾ لمن تاب من المذنبين. ﴿الْوَدُودُ﴾ المحب لمن أطاع.
﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ خالقه ومالكه وصاحبه. ﴿الْمَجِيدُ﴾ العظيم الجليل المتعالي، المستحق لكل صفات العلو الكاملة، أو العظيم في ذاته وصفاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة والحكمة. ومجده: علوه وعظمته. ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ لا يعجزه شيء، ويفعل ما يريد.
﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ هل بلغك يا محمد خبر الأقوام أو الجماعات الذين كذبوا الرسل وما حاق بهم؟ وأصل معنى الجنود: العسكر أو الأعوان. والمقصود تسلية النبي ﷺ والصبر على تكذيب قومه، وأمره بأن يحذرهم مثلما أصاب هؤلاء. ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ المراد بفرعون: هو وجنوده، أي هؤلاء هم الجنود: فرعون وأتباعه، وقبيلة ثمود من العرب البائدة، قوم صالح ﵇، أهلكهم الله بكفرهم. وهذا تنبيه لمن كفر بالنبي ﷺ والقرآن ليتعظوا.
стр. 9043
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ لما حدث من إهلاك الأقوام، فلا يرعوون عن تكذيبهم، ومعنى الجملة والإضراب: أن حال كفار قريش أعجب من الأمم السابقة، فإنهم سمعوا قصتهم، ورأوا آثار هلاكهم، وكذبوا أشد من تكذيبهم. ﴿وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ لا يفوتونه، ولا عاصم لهم منه، فهم في قبضته وحوزته. ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عظيم معظم، والمعنى: بل هذا الذي كذبوا به كتاب شريف، وحيد في النظم والمعنى. ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ من الزيادة والنقص، والتغيير والتحريف.
المناسبة:
بعد بيان وعيد الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، ووعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وجزاء كل فريق، أكّد الله تعالى الوعد والوعيد بما يدل على تمام قدرته على ذلك. ثم بيّن أن حال الكفار في كل عصر، مع الأنبياء، شبيه بحال أصحاب الأخدود، في إلحاق أذى الكفار بالمؤمنين، فهم دائما في صراع معهم وعداوة وإيذاء. والقصد من هذا كله ترهيب الكفار، وتثبيت المؤمنين على إيمانهم، وشدّ عزائمهم بالصبر، وتطمينهم بأن كفار قريش سيلقون مثلما أصاب الأقوام السابقة: فرعون وأتباعه وثمود.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي إن جزاء ربك وانتقامه من الجبابرة والظلمة، ومن أعدائه الذين كذبوا رسله، وخالفوا أمره، لشديد عظيم قوي، مضاعف إذا أراد، فإنه تعالى ذو القوة المتين، الذي ما شاء كان، ويكون ما يريد مثل لمح البصر أو هو أقرب. وفي هذا تأكيد للوعيد، وإرهاب لكفار قريش وأمثالهم.
ثم زاد الأمر تأكيدا بقوله:
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ أي إنه تعالى تام القدرة، فهو الذي يبدأ الخلق ويخلقهم أولا في الدنيا، ثم يعيدهم أحياء بعد الموت. أو هو الذي يبدأ البطش
стр. 9044
ويعيده، أي يبطش بالجبابرة في الدنيا والآخرة. وفيه وعيد للكفرة بأنه يعيدهم ليبطش بهم؛ إذ كفروا بنعمة الإبداء إبداء الخلق، وكذبوا بالإعادة.
ثم أكّد الله تعالى الوعد بإيراد خمس صفات لجلاله وكبريائه وهي:
١ - ٢: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ أي والله سبحانه بالغ المغفرة لذنوب عباده المؤمنين إذا تابوا وأنابوا إليه، يغفر ذنب من تاب إليه، وخضع لديه، مهما كان الذنب كبيرا أو صغيرا، وهو تعالى بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه، بليغ الوداد، والمراد به: إيصال الثواب لأهل طاعته على الوجه الأتم، فيكون كقوله تعالى:
﴿يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة ٥٤/ ٥]، أو هو بمعنى مفعول فيكون كقوله: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤/ ٥].
٣ - ٤: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ أي هو تعالى ربّ العرش العظيم العالي على جميع الخلائق، وصاحب الملك والسلطان، والعظيم الجليل المتعالي، صاحب النهاية في الكرم والفضل، وبالغ السمو والعلو.
٥ - ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أي صاحب القدرة المطلقة على فعل ما يريد، فمهما أراد فعل شيء، لا معقّب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقهره، وحكمته وعدله. فإذا أراد إهلاك الظالمين الجاحدين، ونصر المؤمنين الصادقين، فعل دون أن يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يصرفه عنه صارف.
ثم ذكّر الله تعالى الكفار وغيرهم، وسلّى نبيه ﷺ بقصة فرعون وثمود من متأخري الكفار ومتقدميهم، فقال:
﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ: فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أي هل أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم، والتي جندت جنودها لقتالهم؟ أو هل بلغك ما أحلّ الله بهم من البأس، وأنزل عليهم من النقمة بسبب تماديهم في الكفر
стр. 9045
والضلال؟ ومن هؤلاء الجنود وأشهر حديثهم وخبرهم المتعارف: فرعون وجنوده، وقبيلة ثمود من العرب البائدة قوم صالح ﵇. والمراد بحديثهم: ما وقع منهم من الكفر والعناد، وما حلّ بهم من العذاب. والمراد بفرعون: هو وجنوده. أما فرعون وأتباعهم فأغرقهم الله في اليمّ: البحر الأحمر، وأما ثمود الذين عقروا ناقة نبيهم صالح، فدمّر الله بلادهم وأهلكهم بالطاغية أي الصيحة المجاوزة للحدّ في الشدة.
ثم أشار الله تعالى إلى أن هذا شأن الكفار وصنيعهم في كل زمان، فقال:
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ أي فالواقع القائم أن هؤلاء المشركين العرب في تكذيب شديد لك أيها النبي، ولما جئت به، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وفي هذا إضراب عن التذكير بقصة الجنود إلى التصريح بتكذيب كفار قريش.
وبعد تطييب قلب الرسول ﷺ بحكاية أحوال الأولين وموقفهم من الأنبياء، سلاّه بعد ذلك من وجه آخر، فقال:
﴿وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أي إن الله تعالى قادر على أن ينزل بهم ما أنزل بأولئك، قاهر الجبارين لا يفوتونه ولا يعجزونه، فهو مقتدر عليهم، وهم في قبضته لا يجدون عنها مهربا. وهذا دليل على أنه تعالى عالم بهم فيجازيهم، وعلى أنه لا داعي للجزع من تكذيبهم وإصرارهم على الكفر وعنادهم.
ثم ردّ على تكذيبهم بالقرآن، فقال:
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ أي إن هذا القرآن الذي كذبوا به شريف الرتبة في نظمه وأسلوبه حتى بلغ حدّ الإعجاز، متناه في الشرف والكرم والبركة، وليس هو كما يقولون: إنه شعر وكهانة وسحر. وإنما هو كلام الله
стр. 9046
المصون عن التغيير والتحريف، المكتوب في اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة ٧٧/ ٥٦ - ٧٨]. أي أن الكتاب المكنون واللوح المحفوظ واحد.
قال بعض المتكلمين: اللوح شيء يلوح للملائكة، فيقرءونه، وأمثال هذه الحقائق مما يجب به التصديق سمعا، أي أن اللوح المحفوظ شيء أخبرنا الله به، فيجب علينا الإيمان به كما أخبر الله، وإن لم نعرف حقيقته.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن عقاب الله وانتقامه، وأخذه الجبابرة والظلمة لشديد قوي، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى، وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢/ ١١].
٢ - إن الله تعالى بدأ خلق الناس أولا في الدنيا، ثم يعيدهم عند البعث.
٣ - لله تعالى صفات عليا لا تتحقق في غيره، فهو الغفور الستور لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها، الودود المحب لأوليائه، صاحب العرش الأعظم من كل المخلوقات، وصاحب الملك والسلطان المطلق، المجيد البالغ النهاية في الكرم والفضل، السامي القدر المتناهي في علوه، الفعال لما يريد، أي لا يمتنع عليه شيء يريده. قال القفال: فعّال لما يريد على ما يراه، لا يعترض عليه معترض، ولا يغلبه غالب، فهو يدخل أولياءه الجنة، لا يمنعه منه مانع، ويدخل أعداءه النار، لا ينصرهم منه ناصر، ويمهل العصاة على ما يشاء إلى أن يجازيهم، ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء، ويعذب من شاء منهم في الدنيا وفي الآخرة، يفعل من هذه الأشياء ومن غيرها ما يريد (١).
стр. 9047
٤ - قد أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم، وهذا إيناس له وتسلية، والجموع: فرعون وأتباعه وثمود، وذكرا لأن حديثهما مشهور معروف من طريق اليهود في المدينة وغيرهم، فإن ثمود في بلاد العرب، وقصتهم عندهم مشهورة، وإن كانوا من المتقدمين، وأمر فرعون كان مشهورا عند أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك؛ فدلّ الله بهما على أمثالهما في الهلاك.
والواقع أن كفار قريش في تكذيب لرسول الله ﷺ ، كدأب من قبلهم.
٥ - الله يقدر على أن ينزل بكفار مكة في الدنيا ما أنزل بفرعون، والله عالم بهم، فهو يجازيهم في الآخرة.
٦ - ليس القرآن كما زعم المشركون أنه سحر أو كهانة أو شعر، بل هو كتاب متناه في الشرف والكرم والبركة، وهو بيان ما يحتاج إليه الناس من أحكام الدين والدنيا. وهو مكتوب عند الله في لوح، ومحفوظ عند الله من وصول الشياطين إليه.
قال ابن عباس: أول شيء كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ: «إني أنا الله، لا إله إلا أنا، محمد رسولي، من استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر نعمائي، كتبته صدّيقا وبعثته مع الصدّيقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ إلها سواي» (١).
стр. 9048
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الطارق
مكيّة، وهي سبع عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة الطارق تسمية لها بما أقسم الله به في مطلعها بقوله:
﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ ﴿وَالطّارِقِ﴾: هو النجم الثاقب الذي يطلع ليلا، سمي طارقا؛ لأنه يظهر بالليل ويختفي بالنهار. وكذلك الطارق: هو الذي يجيء ليلا.
مناسبتها لما قبلها:
السورة مرتبطة بما قبلها من ناحيتين:
١ - ابتداء السورتين بالحلف بالسماء كسورتي (الانشقاق) و (الانفطار).
٢ - التشابه في الكلام عن البعث والمعاد وعن صفة القرآن للردّ على المشركين المكذّبين به وبالبعث، ففي سورة البروج: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [١٣]، وفي هذه السورة: ﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [٨]، وفي السورة السابقة: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [٢١ - ٢٢]، وفي هذه السورة: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [١٣].
ما اشتملت عليه السورة:
إن محور هذه السورة المكية كغيرها من السور المكية الكلام عن الإيمان
стр. 9049
بالبعث والمعاد والحساب والجزاء، وإثباته بخلق الإنسان من العدم؛ لأن القادر على البدء قادر على الإعادة بعد الموت.
وقد افتتحت السورة بالقسم بالسماء وبالكواكب المضيئة ليلا على أن كل إنسان محفوظ بالملائكة الأبرار: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ.﴾. [الآيات: ١ - ٤].
ثم أقام الله تعالى الدليل على إمكان البعث وقدرته عليه بعد الموت والفناء بخلق الإنسان أول مرة من تراب ثم من نطفة: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ..﴾.
[الآيات: ٥ - ٨].
وأعقبت السورة ذلك ببيان كشف الأسرار في الآخرة على نحو كامل تام، في حالة كون الإنسان بين يدي العدالة الإلهية دون أن يكون له قوة ولا نصير:
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ، فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ﴾ [٩ - ١٠].
وختمت السورة بالقسم الإلهي بالسماء والأرض على صدق القرآن وأنه القول المحكم الفصل بين الحق والباطل، وعلى تهديد الكفار المكذبين به ووعيدهم:
﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ.﴾. [١١ - ١٧].
فضلها:
أخرج الإمام أحمد عن خالد بن أبي حبل العدواني أنه أبصر رسول الله ﷺ في مشرق ثقيف، وهو قائم على قوس أو عصا، حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعته يقول: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ حتى ختمها، قال: فوعيتها في الجاهلية، وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام، قال: فدعتني ثقيف، فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه.
وأخرج النسائي عن جابر بن عبد الله قال: صلّى معاذ المغرب، فقرأ البقرة
стр. 9050
والنساء، فقال النبي ﷺ : «أفتّان أنت يا معاذ! ما كان يكفيك أن تقرأ ب ﴿السَّماءِ وَالطّارِقِ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ ونحوها؟».
القسم على أن لكل نفس حافظا من الملائكة يراقبها
وإثبات إمكان البعث
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠)﴾
الإعراب:
﴿وَما أَدْراكَ﴾ جملة ﴿أَدْراكَ﴾ خبر ﴿ما﴾. ﴿مَا الطّارِقُ﴾ مبتدأ وخبر في محل المفعول الثاني لأدرى.
﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ ﴿لَمّا﴾ بالتخفيف، فتكون ﴿لَمّا﴾ زائدة، و ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي إنه، واللام فارقة، أي إن كل نفس لعليها حافظ.
وبالتشديد، فتكون ﴿إِنْ﴾ بمعنى «ما» النافية، و ﴿لَمّا﴾ بمعنى «إلا» مثل: نشدتك الله لمّا فعلت، أي إلا فعلت، وتقديره: ما كل نفس إلا عليها حافظ.
﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ الهاء في ﴿إِنَّهُ﴾ إما أن تعود على الماء، أي على رجع الماء إلى موضعه من الصلب لقادر، وحينئذ ينصب ﴿يَوْمَ﴾ بتقدير: اذكر؛ لأن رد الماء لا يكون في الآخرة، وإما أن تعود على الإنسان، أي على بعثه لقادر، وهو الظاهر، و ﴿يَوْمَ﴾ ظرف، ولا يجوز أن يتعلق ب ﴿رَجْعِهِ﴾ لأن يؤدي إلى الفصل بين الصلة والموصول بخبر إن، وهو قوله ﴿لَقادِرٌ﴾. وإنما يتعلق بفعل دلّ عليه قوله: ﴿رَجْعِهِ﴾ أي يرجعه يوم تبلى السرائر، أو يتعلق بقوله: ﴿لَقادِرٌ﴾ والوجه الأول أوجه؛ لأن الله قادر في جميع الأوقات، فأي فائدة في تعيين هذا الوقت؟
стр. 9051
البلاغة:
﴿وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ؟﴾ استفهام للتفخيم والتعظيم ورفعة الشأن.
﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ كناية، كنى بالصلب عن الرجل، وبالترائب عن المرأة.
المفردات اللغوية:
﴿وَالسَّماءِ﴾ كل ما علاك فأظلك. ﴿وَالطّارِقِ﴾ النجم الطالع ليلا، وأصله عرفا: كل آت ليلا، أو الذي يجيئك ليلا، ثم استعمل للبادي فيه، وأطلق على النجوم لطلوعها ليلا.
﴿وَما أَدْراكَ﴾ وما أعلمك؟ وفيه تعظيم لشأن الطارق. ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ المضيء، كأنه يثقب الظلام بضوئه، فينفذ فيه، والمراد به كل نجم، أو الثريا. ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ أي ما كل نفس إلا عليها حافظ، أو إن الشأن كل نفس لعليها، إذا جعلت ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، و ﴿حافِظٌ﴾: رقيب وهو الله أو الملائكة تحفظ عملها من خير وشرّ. والجملة على الوجهين جواب القسم، والمراد بالقراءتين واحد.
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ فلينظر نظر اعتبار واتعاظ وتأمل من أي شيء خلق؛ لأن وجود الحافظ يستدعي النظر إلى المبدأ ليعلم صحة قضية إعادته بالبعث، فلا يملي على حافظه إلا ما يسرّه في عاقبته. ﴿خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ﴾ أي ماء مدفوق منصب بدفع وسرعة سواء من الرجل والمرأة في رحمها، والمراد: الممتزج من الماءيين في الرحم، بدليل ما يأتي: ﴿الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾، والجملة جواب الاستفهام في قوله: ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾. ﴿الصُّلْبِ﴾ أي من النخاع الشوكي في ظهر الرجل، ثم ينصب إلى عروق في البيضتين. ﴿وَالتَّرائِبِ﴾ عظام صدر المرأة، جمع تريبة، مثل فصيلة وفصائل، والمراد: من الماء المتكون من الدم في العروق والشعب النازلة إلى الترائب، ويعتبر الصلب والترائب أقرب أوعية المني، فلذلك خصّا بالذّكر.
﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ أي إن الله تعالى على بعث الإنسان بعد موته لقدير، فإذا تأمل الإنسان في أصله، علم أن القادر على خلقه ابتداء، قادر على بعثه. ﴿تُبْلَى﴾ تختبر وتكشف، والمراد: تظهر السرائر وتعرف المكنونات ويميز بين ما طاب من الضمائر وما خفي من الأعمال، وما خبث منهما. ﴿السَّرائِرُ﴾ ضمائر القلوب وما يسرّ فيها من العقائد والنيات وما خفي من الأعمال، جمع سريرة. ﴿فَما لَهُ﴾ ما لمنكر البعث وهو الإنسان الكافر. ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ يمتنع بها من العذاب. ﴿وَلا ناصِرٍ﴾ ينصره ويدفع عنه السوء.
стр. 9052
سبب النزول:
نزول الآية (٥):
﴿فَلْيَنْظُرِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ قال: نزلت في أبي الأشد بن كلدة الجمحي، كان يقوم على الأديم (الجلد)، فيقول: يا معشر قريش: من أزالني عنه فله كذا، ويقول:
إن محمدا يزعم أن خزنة جهنم تسعة عشر، فأنا أكفيكم وحدي عشرة، واكفوني أنتم تسعة.
التفسير والبيان:
﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ، وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ؟ النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ أي قسما بالسماء البديعة، والكوكب النير البادي ليلا، وما أعلمك ما حقيقته؟ إنه النجم المضيء الشديد الإضاءة، كأنه يخرق بشدة ضوئه ظلمة الليل البهيم.
والحلف بالسماء والكواكب والشمس والقمر والليل والنهار التي أكثر الله تعالى في كتابه الحلف بها؛ لأن أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها ومغاربها عجيبة، وفيها دلالة على أن لها خالقا مدبرا ينظم أمرها. وقوله: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ؟﴾ يراد به التهويل والتفخيم، كأن هذا النجم البعيد في آفاق السموات لا يمكن لبشر إدراكه ومعرفة حقيقته، قال سفيان بن عيينة: كل شيء في القرآن: ﴿ما أَدْراكَ﴾ فقد أخبر الله الرسول به، وكل شيء فيه ﴿ما يُدْرِيكَ﴾ لم يخبره به، كقوله: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧/ ٤٢].
والطارق: اسم جنس، وسمي طارقا؛ لأنه يطرق بالليل، ويخفى بالنهار، وكل ما أتاك ليلا فهو طارق.
стр. 9053
وفسّره بقوله: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ أي هو طارق عظيم الشأن، رفيع القدر، وهو الذي يضيء ظلمة الليل، ويهتدي به في ظلمات البر والبحر، وتعرف به أوقات الأمطار وغيرها من أحوال المعايش، وهو الثريا عند الجمهور، وقال الحسن وقتادة وغيرهما: هو عام في سائر النجوم؛ لأن طلوعها بليل، وكل من أتاك ليلا فهو طارق. والظاهر أن المراد جنس النجم الذي يهتدى به في ظلمات البر والبحر.
ويؤيد ذلك
ما جاء في الحديث الصحيح: نهى النبي ﷺ أن يطرق الرجل أهله طروقا، أي يأتيهم فجأة بالليل.
وفي حديث آخر مشتمل على الدعاء:
«أعوذ بك من شرّ طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن».
ثم ذكر الله تعالى المقسم عليه أو جواب القسم بقوله:
﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ أي قسما بالسماء وبالنجم الثاقب، ما كل نفس إلا عليها من الله حافظ، يحرسها من الآفات، وهم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها وفعلها، ويحصون ما تكسب من خير وشرّ، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [الرعد ١١/ ١٣]. والحافظ على الحقيقة هو الله ، وحفظ الملائكة: من حفظه؛ لأنه بأمره.
ولم تبين الآية من هو الحافظ، فقال بعض المفسرين: إن ذلك الحافظ هو الله تعالى، وقال آخرون: إن ذلك الحافظ هم الملائكة، كما قال: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام ٦١/ ٦]، وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ﴾ [الانفطار ١٠/ ٨٢ - ١١]، وقال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٧/ ٥٠ - ١٨]، وقال: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ..﴾. الآية المتقدمة.
قال أبو أمامة: قال النبي ﷺ : «وكّل بالمؤمن
стр. 9054
مائة وستون ملكا يذبّون عنه ما لم يقدر عليه، من ذلك البصر، سبعة أملاك يذبون عنه، كما يذبّ عن قصعة العسل الذباب، ولو وكّل العبد إلى نفسه طرفة عين، لا لاختطفته الشياطين».
ثم نبّه الإنسان إلى مبدأ الخلق ليكون ذلك دليلا على إمكان المعاد، فقال:
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ أي فعلى الإنسان أن يتفكر في كيفية بدء خلقه، ليعلم قدرة الله على ما هو دون ذلك من البعث، إنه خلق من ماء مدفوق مصبوب في الرحم، وهو ماء الرجل وماء المرأة، وقد جعلا ماء واحدا لامتزاجهما، وإنه ماء يخرج من ظهر الرجل في النخاع الشوكي الآتي من الدماغ، ومن بين ترائب المرأة، أي عظام صدرها أو موضع القلادة من الصدر، والولد يتكون من اجتماع الماءين، ثم يستقر الماء المختلط في الرحم، فيتكون الجنين بإرادة الله تعالى، كما قال تعالى:
﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج ٥٠/ ٢٢].
ومعنى خروجه من بين الصلب والترائب: أن أكثره ينفصل من هذين الموضعين لإحاطتهما بسور البدن، والماء في الحقيقة يشترك في تكوينه جميع أجزاء البدن، ويتبلور في الخصية والمبيض في بدء التكوين، وكلاهما يجاور الكلى، ويقع بين الصلب، والترائب، أي ما بين منتصف العمود الفقري تقريبا ومقابل أسفل الضلوع، وكل ذلك آثار عضوية مولدة من الدماغ، والنخاع قناة الدماغ، وهو في الصلب، وله شعب كثيرة نازلة إلى مقدم البدن، وهو الترائب جمع تريبة.
وبعد السؤال والجواب عنه لمعرفة المبدأ الذي هو مقدمة لمعرفة المعاد، والذي ناسب أن يبدأ الله به، ذكر تعالى النتيجة المترتبة على ذلك وهي بيان القدرة على الإعادة، فقال:
стр. 9055
﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ أي إن الله تعالى على رجع الإنسان، أي إعادته بالبعث بعد الموت لقادر؛ لأن من قدر على البداءة قدر على الإعادة، وقد ذكر تعالى هذا الدليل في مواضع متعددة في القرآن الكريم.
وقيل: إنه تعالى على رجع هذا الماء الدافق إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك. والراجح القول الأول بدليل قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾.
ويرجعه يوم القيامة يوم تختبر وتعرف السرائر، أي ما يسرّ في القلوب من العقائد والنيات وغيرها. وحقيقة البلاء في حقه تعالى ترجع إلى الكشف والإظهار، كقوله: ﴿وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [محمد ٣١/ ٤٧].
وكيفية دلالة المبدأ على المعاد: أن حدوث الإنسان إنما كان بسبب اجتماع أجزاء كانت متفرقة في بدن الوالدين، فلما قدر الصانع على جمع تلك الأجزاء المتفرقة حتى خلق منها إنسانا سويا، فإنه بعد موته وتفرق أجزائه، لا بدّ وأن يقدر على جمع تلك الأجزاء، وجعلها خلقا سويا (١).
﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ﴾ أي فما للإنسان حين بعثه من قوة في نفسه يمتنع بها عن عذاب الله، ولا ناصر ينصره، فينقذه مما نزل به، أي فلا قوة ذاتية له، ولا قوة من غيره، لينقذ نفسه من عذاب الله، فهذا نفي للقوة الذاتية والقوة العرضية الخارجية عن الإنسان.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات الكريمات على ما يأتي:
١ - أقسم الله تعالى بالسماء وبالكواكب المنيرة المضيئة على أن لكل نفس حفظة يحفظون عليها رزقها وعملها وأجلها.
стр. 9056
وقد أكثر سبحانه في كتابه الكريم الإقسام بالسموات؛ لأن أحوالها في مطالعها ومغاربها ومسيراتها عجيبة.
٢ - الدليل على إمكان البعث والمعاد هو بدء الخلق للإنسان. ووجه الاتصال أو التعلق بين هذا وبين ما قبله: أن الله تعالى حين ذكر أن على كل نفس حافظا، أتبعه بوصيته للإنسان بالنظر في أول أمره وسنته الأولى، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه؛ فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسرّه في عاقبة أمره.
٣ - خلق الله الإنسان ابن آدم من المني المدفوق، مني الرجل والمرأة المجتمعين، والذي يستقر في رحم المرأة، ولا شك أن الصب فعل الشخص، والفاعل الحقيقي هو الله، فيكون ذلك من الإسناد المجازي الظاهري.
وتكوّن المني من عملية مشتركة تشترك فيها جميع أجزاء الإنسان، وقد عبّر تعالى عن الكل بالأكثر الذي يحسّ به الشخص عادة وهو خروج الماء من بين الصلب أي الظهر، والترائب أي الصدر، جمع تريبة: وهي موضع القلادة من الصدر. والصلب من الرجل، والترائب من المرأة.
٤ - إذا كان الخالق الحقيقي للإنسان أولا هو الله تعالى، فإن الله جلّ ثناؤه قادر على إعادته وبعثه مرة أخرى بعد الموت، في يوم القيامة، وفي اليوم الذي تنكشف فيه السرائر وتبدو وتظهر، ويصبح السرّ علانية، والمكنون مشهورا.
والسرائر: كل ما أسرّ في القلوب من العقائد والنيات، وما أخفي من الأعمال الحسنة أو القبيحة. واختبار هذه السرائر معناه الكشف والإظهار وترجيح الاتجاه الراجح من الأفعال وتمييز المرجوح، فتنجلي الحقائق، ويعرف الصحيح من الفاسد، والحق من الباطل.
٥ - نفى الله سبحانه وجود القوة الذاتية والقوة العرضية الخارجية عن
стр. 9057
الإنسان يومئذ، بقوله: ﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ﴾. والآية دليل على أنه لا قوة للعبد ذلك اليوم، لا من نفسه ولا من غيره، ولا شك في أن نفي القوة زجر وتحذير، ويتجه أولا إلى أصحاب القوة والنفوذ في الدنيا الذين يعتمدون على الأعوان والأنصار، وهناك يوم القيامة يفقدون كل شيء.
القسم على صدق القرآن والرسالة وتهديد الكائدين لهما
﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧)﴾
الإعراب:
﴿رُوَيْداً﴾ مصدر مؤكد لمعنى العامل، مصغر رود أو إرواد على الترخيم.
البلاغة:
﴿السَّماءِ﴾ و ﴿الْأَرْضِ﴾ بينهما طباق، وكذا بين (الفصل.. والهزل).
﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ، وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ سجع رصين يزيد في جمال الأسلوب، ومثله ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَما هُوَ بِالْهَزْلِ﴾.
﴿يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ جناس اشتقاق.
﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ، أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ إطناب بتكرار الفعل مرة أخرى، مبالغة في الوعيد.
المفردات اللغوية:
﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ الرجع: إعادة الشيء إلى ما كان فيه أولا، والمراد به هنا المطر؛ لأنه يعود إلى الأرض من السماء. ﴿ذاتِ الصَّدْعِ﴾ الشّق عن النبات والعيون وغيرهما من كنوز الأرض.
﴿إِنَّهُ﴾ القرآن. ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ يفصل بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام. ﴿وَما هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ باللعب والباطل، فإنه جدّ كلّه.
﴿إِنَّهُمْ﴾ الكفار من أهل مكة وأمثالهم. ﴿يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ يدبرون ويعملون المكايد
стр. 9058
لإطفاء نور الإسلام، وإبطال أمر النبي ﷺ . ﴿وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ أقابلهم بما يعلي أمره، وأدبّر أمرا خفيا لهم، وأستدرجهم للانتقام منهم بحيث لا يحتسبون ولا يعلمون. وليس المقصود بالكيد إذا أسند إلى الله على حقيقته؛ لأن الله تعالى ليس بحاجة إليه، وإنما المراد به جزاء العمل، من قبيل المشاكلة والمشابهة للجرم المرتكب. ﴿فَمَهِّلِ﴾ أنظرهم أو أعطهم مهلة يا محمد، فلا تشتغل بالانتقام منهم، أو لا تستعجل بإهلاكهم. ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ أمهلهم إمهالا يسيرا، أو قليلا أو قريبا، وتكرار الفعل وتغيير بنيته للمبالغة في الوعيد. وقد أخذهم الله تعالى ببدر، وفتح مكة، وتطهرت الجزيرة العربية من رجس الوثنية.
المناسبة:
بعد إثبات توحيد الله وقدرته على خلق الإنسان أولا، وإعادته بالبعث والمعاد، أقسم الله قسما آخر على صحة نزول القرآن من عند الله مشتملا على القول الفصل، وصحة رسالة النبي الكريم الذي نزل عليه الوحي القرآني، ثم أردفه بوعيد المفترين على القرآن والكائدين للرسول ﷺ ، ووعد هذا النبي وكل داع إلى الحق بالفوز والغلبة على الأعداء.
التفسير والبيان:
﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ، وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ، إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ أي قسما آخر بالسماء ذات المطر الذي يجيء ويرجع ويتكرر من السماء، فيحيي الأرض بعد موتها، وينبت النبات، والأرض ذات الصدع: وهو ما تتصدع وتنشق عنه الأرض من النبات والثمار والشجر والمعدن والكنز والثروة النفطية والمائية، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا..﴾. الآية [عبس ٢٦/ ٨٠ - ٣٢] قسما بالسماء والأرض، إن القرآن الكريم لقول حق لا ريب فيه، يفصل بين الحق والباطل، ولم ينزل باللعب واللهو، فهو جدّ حقّ ليس بالهزل، ولا بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، تنزيل من حكيم حميد. فقوله:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ جواب القسم. وسمي المطر رجعا من ترجيع الصوت وهو
стр. 9059
إعادته، لكونه عائدا مرة بعد أخرى، ولأنه ينشأ من تبخر بحار الأرض ثم يعود إلى الأرض.
أخرج الترمذي والدارمي عن علي كرم الله وجهه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله ﵎، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله. وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، وهو الذّكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن لمّا سمعته أن قالوا: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن ١/ ٧٢ - ٢]، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم».
ثم أوعد الله تعالى المكذبين بالقرآن الكائدين للمؤمنين بقوله:
﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً، وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ أي إن الكفار زعماء مكة وأمثالهم يدبرون المكائد للنبي ﷺ لإبطال ما جاء به من الدين الحق، وللصد عن سبيل الله وعن القرآن، بالقول بأن القرآن أساطير الأولين، وبأن محمدا ساحر أو مجنون أو شاعر، ويتآمرون على قتله، كما أخبر تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال ٣٠/ ٨].
ولكني أدبر لهم تدبيرا آخر، فأستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأجازيهم جزاء كيدهم. وقد سمى جزاء الكيد بالاستدراج والإمهال المؤدي إلى زيادة الإثم الموجبة لشدة العذاب كيدا.
стр. 9060
ثم وعد رسوله بالنصر عليهم، وأمره بالصبر والتمهل، فقال:
﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ، أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ أي أخّرهم وأنظرهم، ولا تدع بهلاكهم، ولا تستعجل به، وارض بما يدبره الله لك في أمورهم.
ثم كرر ذلك المعنى للمبالغة، فقال: أمهلهم إمهالا يسيرا قليلا، أو قريبا، وسترى ما يحل بهم من العذاب والنكال، والعقوبة والهلاك، كما قال تعالى:
﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً، ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان ٢٤/ ٣١].
وهذا وعيد شديد، تحقق يوم بدر، ويعقبه عذاب يوم القيامة، وفيه تحذير عن مثل سيرتهم، وترغيب في خلاف طريقتهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - أقسم الله تعالى بالسماء (السحاب) ذات الأمطار النافعة، والأرض ذات الشقوق والصدوع التي تتصدع عن النبات والشجر والثمار والأنهار على أن القرآن يفصل بين الحق والباطل، وأنه جدّ حق ليس بالهزل، أي اللعب والباطل، وأنه منزل من عند الله تعالى، وأن محمدا رسول الله ﷺ .
٢ - أخبر الله تعالى أن أعداء الله يمكرون بمحمد ﷺ وأصحابه مكرا، ويدبرون لهم مكائد إما بالقتل، أو بتوجيه التهم كالطعن بكون محمد ﷺ ساحرا وشاعرا ومجنونا، أو بوصف القرآن بأنه أساطير الأولين.
٣ - يجازي الله أولئك الأعداء على كيدهم إما في الدنيا بالاستدراج إلى المعاصي والمنكرات من حيث لا يعلمون، وإما في الآخرة بإعداد العذاب الأليم المهين لهم. ويدفع الله تعالى في الدنيا أيضا كيد الكفرة عن محمد ﷺ ، وينصره ويعلي دينه.
стр. 9061
والكيد في حق الله تعالى محمول على هذا الجزاء المذكور، تسمية لأحد المتقابلين باسم الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى ٤٠/ ٤٢] وقوله: ﴿نَسُوا اللهَ، فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر ١٩/ ٥٩] وقوله:
﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢/ ٤].
٤ - اقتضت الحكمة الإلهية الرفق والتأني بأعداء الإسلام، فأمر الله نبيه بألا يدعو عليهم، ولا يتعجل إهلاكهم، وأن يرضى بما دبره الله في أمورهم، وأن ينتظر حتى يحل العقاب بهم، فإنهم في المستقبل القريب مهزومون مخذولون، ويتحقق في النهاية النصر للنبي ﷺ وصحبه. ويظل عذاب القيامة محفوظا لهم، وكل ما هو آت قريب.
стр. 9062
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الأعلى
مكيّة، وهي تسع عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة الأعلى، لافتتاحها بقول الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أي نزّه الله عن كل نقص، وصفه بكل صفات التمجيد والتعظيم؛ لأنه العلي الأعلى من كل شيء في الوجود. وتسمى أيضا سورة ﴿سَبِّحِ﴾.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بما قبلها في أن سورة الطارق ذكرت خلق الإنسان في قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ﴾ [٦] وبدء خلق النبات في قوله: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [١١ - ١٢].
وهذه السورة تحدثت بما هو أعم وأشمل من خلق الإنسان وغيره: ﴿خَلَقَ فَسَوّى﴾ [٢] وخلق النبات في قوله: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى، فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى﴾ [٤ - ٥].
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة المكية الحديث عن توحيد الله وقدرته، والقرآن وتيسير حفظه، والأخلاق الكريمة بتهذيب النفس الإنسانية. وقد افتتحت
стр. 9063
بالأمر بتنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه، ووصفه بصفات التعظيم والتمجيد، لخلقه المخلوقات وإتقان الخلق وتناسبه، وإخراجه الأعشاب والنباتات: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى.﴾.
[الآيات ١ - ٥].
ثم تحدثت عن تيسير حفظ القرآن وترسيخه في قلب النبي ﷺ بحيث لا ينساه أبدا، لينقله إلى الناس: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى.﴾. [٦ - ٧].
وأردفت ذلك بأمر النبي ﷺ بالتذكير بالقرآن لإصلاح النفوس وتهذيب الطبائع: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى.﴾. [الآيات ٨ - ١٣].
وختمت السورة ببيان فلاح كل من طهر نفسه من الكفر والشرك والمعاصي، وتذكّر دائما في نفسه جلال الله وعظمته، ولم يؤثر الدنيا على الآخرة، وعرف أن هذه الأصول الاعتقادية والخلقية قديمة جاءت بها جميع الشرائع الإلهية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى.﴾. [١٤ - ١٩].
فضلها:
ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: «هلاّ صليت ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾».
وأخرج الجماعة (أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وبقية أهل السنن) عن النعمان بن بشير: «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾، وربما اجتمعا في يوم واحد، فقرأهما».
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبيّ بن كعب وعبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن أبزى وعائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر
стр. 9064
ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، زادت عائشة: والمعوذتين.
وروى أحمد عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يحبّ هذه السورة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
تنزيه الله تعالى وقدرته وتحفيظه القرآن لنبيه
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨)﴾
الإعراب:
﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى، فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى﴾ إن كانت (جعل) بمعنى (خلق) كان ﴿غُثاءً أَحْوى﴾ منصوبا على الحال. وإن كانت بمعنى (صير) كان ﴿غُثاءً أَحْوى﴾ مفعولا به ثانيا، أي جعله غثاء أسود يابسا، ولا يكون: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ فصلا بين الصلة والموصول؛ لأن قوله: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ داخل في الصلة، والفصل بين بعض الصلة وبعضها مما يتعلق بها غير ممتنع، وإنما الممتنع الفصل بين بعضها وبعض بأجنبي عنها.
﴿فَلا تَنْسى﴾ لا: نافية، لا ناهية، ولهذا ثبتت الألف في قوله: ﴿تَنْسى﴾ والمعنى:
لست ناسيا.
البلاغة:
﴿خَلَقَ فَسَوّى﴾ وقوله: ﴿قَدَّرَ فَهَدى﴾ حذف المفعول ليفيد العموم؛ لأن المراد: خلق كل شيء فسواه، وقدر كل شيء فسواه.
﴿أَخْرَجَ الْمَرْعى، فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى، سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ سجع غير متكلف.
стр. 9065
﴿الْجَهْرَ وَما يَخْفى﴾ بينهما طباق.
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ نزّه اسم الله ربك عما لا يليق به من صفات النقص في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه، واذكره دائما على وجه التعظيم، فإنه الأسمى والأعلى من كل شيء،
جاء في الحديث الذي رواه أحمد وغيره كما سيأتي: «لما نزل: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة ٧٤/ ٥٦] قال ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، فلما نزل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، قال:
اجعلوها في سجودكم، وكانوا يقولون في الركوع: اللهم لك ركعت، وفي السجود: اللهم لك سجدت».
﴿خَلَقَ﴾ أبدع الكائنات. ﴿فَسَوّى﴾ سوى مخلوقه بأن جعله متناسب الأجزاء، غير متفاوت، وعلى نظام كامل. ﴿قَدَّرَ﴾ جعل الأشياء على مقادير مخصوصة، فوضع قدرا لكل حي، وقدّر أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها حسبما تقتضي مدة بقائها. ﴿فَهَدى﴾ عرّفه وجه الانتفاع بما خلق له، وبيّن له طريق الخير والشر بالميول والإلهامات وإقامة الدلائل وإنزال الآيات. ﴿الْمَرْعى﴾ كل ما تخرجه الأرض من العشب والنبات والثمار والزروع. ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بعد خضرته. ﴿غُثاءً﴾ جافا هشيما يابسا. ﴿أَحْوى﴾ أسود.
﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ القرآن على لسان جبريل ﵇ بأن نجعلك قارئا ونلهمك القراءة.
﴿فَلا تَنْسى﴾ ما تقرؤه، بل تحفظه، مع أنك أمي ليكون ذلك آية أخرى على صدق نبوتك، ولا: للنفي لا للنهي. ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ أن تنساه، بنسخ تلاوته وحكمه. ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى﴾ ما ظهر من الأحوال وما بطن، سواء أكان قولا أم فعلا، ومنه الجهر بالقراءة مع جبريل مخافة النسيان والجملة اعتراضية. ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ نوفقك لأعمال الخير التي تؤدي إلى اليسر وسهولة الحياة. وإنما قال: نيسرك، أي نعدّك للطريقة اليسرى في حفظ الوحي أو التدين أو نوفقك لها، لا نيسر لك، عطفا على ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾.
سبب النزول:
نزول الآية (٦):
﴿سَنُقْرِئُكَ﴾:
قال مجاهد والكلبي: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه جبريل بالوحي، لم يفرغ جبريل من آخر الآية، حتى يتكلم النبي ﷺ بأولها، مخافة أن ينساها؛ فنزلت: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ بعد ذلك شيئا، فقد كفيتكه.
стр. 9066
وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس: فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات.
التفسير والبيان:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أي نزّه الله عن كل ما لا يليق به، بقولك:
«سبحان ربي الأعلى». قال القرطبي: والأولى أن يكون الاسم هو المسمى (١).
وقال أبو حيان: الظاهر أن التنزيه يقع على الاسم، أي نزهه عن أن يسمى به صنم أو وثن، فيقال له: ربّ أو إله، وإذا كان قد أمر بتنزيهه اللفظ أن يطلق على غيره، فهو أبلغ، وتنزيه الذات أحرى، وقيل: الاسم هنا بمعنى المسمى، فالاسم: صلة زائدة، والمراد الأمر بتنزيه الله تعالى (٢). والمراد بالأعلى: أن الله هو العالي والأعلى والأجل والأعظم من كل ما يصفه به الواصفون، كما يوصف بالكبير والأكبر.
أخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عقبة بن عامر الجهني: «لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال لنا رسول الله صلّي الله عليه وسلّم: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: اجعلوها في سجودكم».
ثم وصف ذلك الاسم الأعلى بصفات تكون دليلا على وجود الرب وقدرته لمن أراد معرفته، فقال:
١ - ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أي الذي خلق الكائنات جميعها، ومنها الإنسان، وسوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات، فعدل قامته، وناسب بين أجزائه، وجعلها متناسقة محكمة غير متفاوتة ولا مضطربة، للدلالة على إتقانها من إله حكيم مدبر عالم.
стр. 9067
٢ - ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ والذي قدر لكل مخلوق ما يصلح له، فهداه إليه، وعرّفه وجه الانتفاع به، أو قدّر أجناس الأشياء، وأنواعها، وصفاتها، وأفعالها، وأقوالها، وآجالها، فهدى كل واحد منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له، ويسره لما خلقه له، وألهمه أمور دينه ودنياه، وقدّر أرزاق الخلق وأقواتهم، وهداهم لمعايشهم إن كانوا إنسان، ولمراعيهم إن كانوا وحشا، وخلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منه (١).
ونظير الآية كقوله تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه ٥٠/ ٢٠] أي قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه، كما
ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال:
«إن الله قدر مقادير الخلق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء».
والخلاصة: أن التقدير: عبارة عن التصرف في الأجزاء الجسمية، وتركيبها على وجه خاص لأجله يستعد لقبول تلك القوى.
والهداية: عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء، بحيث تكون كل قوة مصدرا لفعل معين، ويحصل من مجموعها إتمام المصلحة.
٣ - ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى، فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى﴾ أي والذي أنبت العشب وما ترعاه الدواب من النبات الأخضر، وأنبت جميع أصناف النبات والزروع ليأكلها الإنسان.
ثم جعل ذلك المرعى بعد أن كان أخضر، غثاء أحوى، أي باليا هشيما جافا، أسود بعد اخضراره؛ لأن الكلأ إذا يبس اسودّ.
стр. 9068
وبما أن التسبيح الذي أمر به النبي ﷺ والذي يليق به هو الذي يرتضيه لنفسه، حرص النبي ﷺ على معرفته وحفظه بقراءة ما أنزله الله تعالى عليه من القرآن، فوعده ربه وبشره بأنه سيقرئه من القرآن ما فيه تنزيهه وأنه لا ينسى، فقال:
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى، إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ أي سنجعلك يا محمد قارئا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرؤه، وقد كان النبي ﷺ إذا نزل عليه جبريل بالقرآن، لم يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم النبي ﷺ بأولها، مخافة أن ينساها، فنزلت هذه الآية، فألهمه الله وعصمه من نسيان القرآن.
ونظير الآية قوله: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه ١١٤/ ٢٠] وقوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦/ ٧٥ - ١٧].
ثم قال: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ أي إنك ستحفظ القرآن المنزل إليك، ولا تنساه، إلا ما شاء الله أن تنساه، فإن أراد أن ينسيك شيئا، فعل. وقيل:
المراد بالاستثناء ما يقع من النسخ، أي لا تنسى ما نقرئك إلا ما يشاء الله رفعه أو نسخه، مما نسخ تلاوته، فلا عليك أن تتركه.
والمعنى الأول أصح؛ قال قتادة: كان رسول الله ﷺ لا ينسى شيئا إلا ما شاء الله. قال أبو حيان: الظاهر أنه استثناء مقصود، وكذلك قال الألوسي:
والظاهر أن النسيان على حقيقته.
ثم أكد الله تعالى الوعد بالإقراء وعدم النسيان إلا ما شاء الله أن ينسيه لمصلحة، فقال:
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى﴾ أي يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء. ومن الجهر: كل ما يفعله الإنسان
стр. 9069
أو يقوله علانية، ﴿وَما يَخْفى﴾: كل ما يسرّه بينه وبين نفسه، مما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالذي وعدك بأنه سيقرؤك ويحفّظك عالم بالجهر والسرّ.
وهذا على الرأي بأن قوله: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ يعني النسخ: يعد تعليلا للنسخ، وإذا كان كذلك، كان وضع الحكم ورفعه واقعا بحسب مصالح المكلفين.
ونظير الآية كثير، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ، وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء ١١٠/ ٢١].
ثم بشره ببشارة أخرى وهو تيسيره، أي توفيقه للأيسر في أحكام الدين والشريعة، فقال:
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أي نسهل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعا سهلا سمحا، ونوفقك للطريقة اليسرى والشريعة السمحة في الدين والدنيا، فلا نشرع لك إلا الأيسر، ولا تختار لأمتك إلا الأسهل الذي لا يصعب على النفوس تحمله والقيام به.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - ينبغي للإنسان تعظيم الله وتمجيده وتنزيهه عن كل ما لا يليق به من صفات النقص في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه.
ويستحب للقارئ إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أن يقول: «سبحان ربي الأعلى» قاله النبي ﷺ وجماعة من الصحابة والتابعين.
وروي أن النبي ﷺ كان يحب هذه السورة، وأكثر السلف كانوا يواظبون على قراءتها في التهجد، ويتعرفون بركتها.
والمقصود بالآية تنزيه الله وتسبيحه بذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه، حتى
стр. 9070
ولو سلمنا أن كلمة ﴿اِسْمَ﴾ ليست صلة زائدة، فإن تسبيح اسمه، أي تنزيهه عما لا يليق، معناه بذاته تعالى وصفاته، أو بأفعاله، أو بأحكامه، فإن العقائد الباطلة والمذاهب الفاسدة لم تنشأ إلا من هذه الفكرة، وهي: هل الاسم نفس المسمى أم لا؟ ٢ - وصف الله تعالى نفسه بصفات كمال ثلاث: هي أنه الذي خلق جميع الخلائق، وجعلها متناسبة الأجزاء، متناسقة التركيب، وجعل الإنسان في أحسن تقويم.
وقدر لكل مخلوق ما يصلح له، فهداه إليه وأرشده لسلوكه، وعرّفه وجه الانتفاع به.
وأنبت العشب وأخرج النبات والزرع، ثم صيّره باليا هشيما جافا أسود.
وهذه الأوصاف تدل على كمال القدرة الإلهية وتمام الحكمة والعلم.
٣ - بشر الله تعالى نبيه ببشارتين:
الأولى-أن يقرأ عليه جبريل الوحي بالقرآن، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه، إلا ما شاء الله أن ينسى، ولكنه لم ينس شيئا منه بعد نزول هذه الآية.
والثانية-التوفيق لأعمال الخير، وتشريع الشريعة اليسرى، وهي الحنيفية السمحة السهلة.
٤ - إن الله تعالى يعلم تمام العلم كل ما يجهر به الإنسان وهو الإعلان من القول والعمل، وكل ما يخفيه، وهو السر، لذا شرع لعباده ما فيه الخير والمصلحة، ورفع عنهم كل ما فيه مشقة وعسر، وحماهم من كل ما فيه ضرر وشر ومفسدة.