← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.

стр. 9066

وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس: فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات. التفسير والبيان: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أي نزّه الله عن كل ما لا يليق به، بقولك: «سبحان ربي الأعلى». قال القرطبي: والأولى أن يكون الاسم هو المسمى (١). وقال أبو حيان: الظاهر أن التنزيه يقع على الاسم، أي نزهه عن أن يسمى به صنم أو وثن، فيقال له: ربّ أو إله، وإذا كان قد أمر بتنزيهه اللفظ أن يطلق على غيره، فهو أبلغ، وتنزيه الذات أحرى، وقيل: الاسم هنا بمعنى المسمى، فالاسم: صلة زائدة، والمراد الأمر بتنزيه الله تعالى (٢). والمراد بالأعلى: أن الله هو العالي والأعلى والأجل والأعظم من كل ما يصفه به الواصفون، كما يوصف بالكبير والأكبر. أخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عقبة بن عامر الجهني: «لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال لنا رسول الله صلّي الله عليه وسلّم: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: اجعلوها في سجودكم». ثم وصف ذلك الاسم الأعلى بصفات تكون دليلا على وجود الرب وقدرته لمن أراد معرفته، فقال: ١ - ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أي الذي خلق الكائنات جميعها، ومنها الإنسان، وسوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات، فعدل قامته، وناسب بين أجزائه، وجعلها متناسقة محكمة غير متفاوتة ولا مضطربة، للدلالة على إتقانها من إله حكيم مدبر عالم.

стр. 9067

٢ - ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ والذي قدر لكل مخلوق ما يصلح له، فهداه إليه، وعرّفه وجه الانتفاع به، أو قدّر أجناس الأشياء، وأنواعها، وصفاتها، وأفعالها، وأقوالها، وآجالها، فهدى كل واحد منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له، ويسره لما خلقه له، وألهمه أمور دينه ودنياه، وقدّر أرزاق الخلق وأقواتهم، وهداهم لمعايشهم إن كانوا إنسان، ولمراعيهم إن كانوا وحشا، وخلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منه (١). ونظير الآية كقوله تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه ٥٠/ ٢٠] أي قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله قدر مقادير الخلق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». والخلاصة: أن التقدير: عبارة عن التصرف في الأجزاء الجسمية، وتركيبها على وجه خاص لأجله يستعد لقبول تلك القوى. والهداية: عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء، بحيث تكون كل قوة مصدرا لفعل معين، ويحصل من مجموعها إتمام المصلحة. ٣ - ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى، فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى﴾ أي والذي أنبت العشب وما ترعاه الدواب من النبات الأخضر، وأنبت جميع أصناف النبات والزروع ليأكلها الإنسان. ثم جعل ذلك المرعى بعد أن كان أخضر، غثاء أحوى، أي باليا هشيما جافا، أسود بعد اخضراره؛ لأن الكلأ إذا يبس اسودّ.

стр. 9068

وبما أن التسبيح الذي أمر به النبي ﷺ والذي يليق به هو الذي يرتضيه لنفسه، حرص النبي ﷺ على معرفته وحفظه بقراءة ما أنزله الله تعالى عليه من القرآن، فوعده ربه وبشره بأنه سيقرئه من القرآن ما فيه تنزيهه وأنه لا ينسى، فقال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى، إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ أي سنجعلك يا محمد قارئا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرؤه، وقد كان النبي ﷺ إذا نزل عليه جبريل بالقرآن، لم يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم النبي ﷺ بأولها، مخافة أن ينساها، فنزلت هذه الآية، فألهمه الله وعصمه من نسيان القرآن. ونظير الآية قوله: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه ١١٤/ ٢٠] وقوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦/ ٧٥ - ١٧]. ثم قال: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ أي إنك ستحفظ القرآن المنزل إليك، ولا تنساه، إلا ما شاء الله أن تنساه، فإن أراد أن ينسيك شيئا، فعل. وقيل: المراد بالاستثناء ما يقع من النسخ، أي لا تنسى ما نقرئك إلا ما يشاء الله رفعه أو نسخه، مما نسخ تلاوته، فلا عليك أن تتركه. والمعنى الأول أصح؛ قال قتادة: كان رسول الله ﷺ لا ينسى شيئا إلا ما شاء الله. قال أبو حيان: الظاهر أنه استثناء مقصود، وكذلك قال الألوسي: والظاهر أن النسيان على حقيقته. ثم أكد الله تعالى الوعد بالإقراء وعدم النسيان إلا ما شاء الله أن ينسيه لمصلحة، فقال: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى﴾ أي يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء. ومن الجهر: كل ما يفعله الإنسان

стр. 9069

أو يقوله علانية، ﴿وَما يَخْفى﴾: كل ما يسرّه بينه وبين نفسه، مما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالذي وعدك بأنه سيقرؤك ويحفّظك عالم بالجهر والسرّ. وهذا على الرأي بأن قوله: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ يعني النسخ: يعد تعليلا للنسخ، وإذا كان كذلك، كان وضع الحكم ورفعه واقعا بحسب مصالح المكلفين. ونظير الآية كثير، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ، وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء ١١٠/ ٢١]. ثم بشره ببشارة أخرى وهو تيسيره، أي توفيقه للأيسر في أحكام الدين والشريعة، فقال: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أي نسهل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعا سهلا سمحا، ونوفقك للطريقة اليسرى والشريعة السمحة في الدين والدنيا، فلا نشرع لك إلا الأيسر، ولا تختار لأمتك إلا الأسهل الذي لا يصعب على النفوس تحمله والقيام به. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - ينبغي للإنسان تعظيم الله وتمجيده وتنزيهه عن كل ما لا يليق به من صفات النقص في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه. ويستحب للقارئ إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أن يقول: «سبحان ربي الأعلى» قاله النبي ﷺ وجماعة من الصحابة والتابعين. وروي أن النبي ﷺ كان يحب هذه السورة، وأكثر السلف كانوا يواظبون على قراءتها في التهجد، ويتعرفون بركتها. والمقصود بالآية تنزيه الله وتسبيحه بذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه، حتى

стр. 9070

ولو سلمنا أن كلمة ﴿اِسْمَ﴾ ليست صلة زائدة، فإن تسبيح اسمه، أي تنزيهه عما لا يليق، معناه بذاته تعالى وصفاته، أو بأفعاله، أو بأحكامه، فإن العقائد الباطلة والمذاهب الفاسدة لم تنشأ إلا من هذه الفكرة، وهي: هل الاسم نفس المسمى أم لا؟ ٢ - وصف الله تعالى نفسه بصفات كمال ثلاث: هي أنه الذي خلق جميع الخلائق، وجعلها متناسبة الأجزاء، متناسقة التركيب، وجعل الإنسان في أحسن تقويم. وقدر لكل مخلوق ما يصلح له، فهداه إليه وأرشده لسلوكه، وعرّفه وجه الانتفاع به. وأنبت العشب وأخرج النبات والزرع، ثم صيّره باليا هشيما جافا أسود. وهذه الأوصاف تدل على كمال القدرة الإلهية وتمام الحكمة والعلم. ٣ - بشر الله تعالى نبيه ببشارتين: الأولى-أن يقرأ عليه جبريل الوحي بالقرآن، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه، إلا ما شاء الله أن ينسى، ولكنه لم ينس شيئا منه بعد نزول هذه الآية. والثانية-التوفيق لأعمال الخير، وتشريع الشريعة اليسرى، وهي الحنيفية السمحة السهلة. ٤ - إن الله تعالى يعلم تمام العلم كل ما يجهر به الإنسان وهو الإعلان من القول والعمل، وكل ما يخفيه، وهو السر، لذا شرع لعباده ما فيه الخير والمصلحة، ورفع عنهم كل ما فيه مشقة وعسر، وحماهم من كل ما فيه ضرر وشر ومفسدة.

стр. 9071

التذكير وتزكية النفس والعمل للآخرة ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)﴾ الإعراب: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ جواب ﴿إِنْ﴾ دل عليه ما قبله وهو ﴿فَذَكِّرْ﴾ وقام مقامه وسد مسده. البلاغة: ﴿لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ بينهما طباق. ﴿فَذَكِّرْ﴾ و ﴿الذِّكْرى﴾ بينهما جناس اشتقاق. ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ بينهما مقابلة. المفردات اللغوية: ﴿فَذَكِّرْ﴾ التذكير: تنبيه الإنسان إلى شيء علمه ثم غفل عنه، والمراد هنا التذكير والوعظ بالقرآن. ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ معنى اشتراط النفع إما لأن النبي ﷺ كان قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم، فلم يزدادوا إلا عتوا وطغيانا، فقيل له هذا بعد إلزام الحجة بتكرار التذكير، وإما أن يكون ظاهره شرطا ومعناه ذم المخاطبين واستبعاد تأثير الذكرى فيهم. وعلى كل فإن التذكير مطلوب وإن لم ينفع، فقد ينفع البعض، وقد أخبر تعالى أن المنتفع بالتذكير هو من يخشى الله سبحانه. ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى﴾ أي سيتعظ وينتفع بالذكرى من يخاف الله تعالى، وهو إما مصدق بالله وبالبعث أو متردد في ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ [ق ٤٥/ ٥٠]. ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ يتجنب الذكرى الكافر، فإنه أشقى من الفاسق. ﴿الَّذِي

стр. 9072

يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى﴾ الذي يدخل ويذوق حر نار الآخرة، و ﴿النّارَ الْكُبْرى﴾ أسفل دركات الجحيم والصغرى: نار الدنيا. ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ أي لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة هنيئة تنفعه ويسعد. ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ فاز ونجا. ﴿تَزَكّى﴾ تطهر من الكفر والمعصية بالإيمان والتقوى. ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ بقلبه ولسانه، أو كبر تكبيرة الإحرام. ﴿فَصَلّى﴾ صلاته المفروضة. ﴿تُؤْثِرُونَ﴾ تفضلون الدنيا على الآخرة. ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ الآخرة المشتملة على الجنة خير من الدنيا وأدوم لا ينقطع نعيمها. ﴿إِنَّ هذا﴾ فلاح من تزكى وكون الآخرة خيرا وأبقى. ﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ المنزلة قبل القرآن. ﴿صُحُفِ إِبْراهِيمَ﴾ وهي عشر صحف. ﴿وَمُوسى﴾ وهي أيضا عشر صحف غير التوراة. المناسبة: بعد التبشير بالبشارتين السابقتين: وهما حفظ القرآن وعدم نسيانه، والتيسير والتوفيق للشريعة السهلة السمحة، ولأعمال الخير، أمر الله نبيه بتذكير الخلق بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ودعوتهم إلى الحق، وبيّن من ينتفع بالذكرى وهو من يخاف الله، ومن يعرض عنها وهو من يعصي الله، ويكون في قعر جهنم. وبعد وعيد المعرضين عن العظة بالقرآن، ذكر الله تعالى وعد من طهر نفسه من الكفر والشرك والرذائل، وندّد بمن يؤثر الدنيا على الآخرة، مع أن الخير في تفضيل الآخرة على الدنيا، وأخبر بأن أصول الدعوات الدينية واحدة، فما في القرآن من عظات هو ما في صحف إبراهيم وموسى. التفسير والبيان: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى﴾ أي عظ يا محمد الناس بالقرآن، وأرشدهم إلى سبل الخير، واهدهم إلى شرائع الدين، وذكّر حيث تنفع الذكرى، والناس نوعان: فريق تنفعه الموعظة، وفريق لا تنفعه، وإنما الذي

стр. 9073

ينتفع ويتعظ بما تبلّغه يا محمد من كان يخاف الله تعالى بقلبه، ويعلم أنه ملاقيه. وأما من أصر على الكفار والعناد، وتمادى في الجحود والإنكار، فلا فائدة في تذكيره. قال ابن كثير: ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله (١)، أخرج مسلّم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أنت بمحدّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة». وروى الديلمي في الفردوس عن علي، والبخاري موقوفا قوله: «حدّثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذّب الله ورسوله». وقال عيسى ﵇: «لا تضعوا الحكمة في غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، وكن كالطبيب يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع». وقوله: ﴿سَيَذَّكَّرُ.﴾. إيماء إلى أن ما جاء به الرسول ﷺ صار من الوضوح بحيث لا يحتاج إلا إلى التذكير فحسب. والخلاصة: أن التذكير مشروط بالانتفاع. وهناك اتجاه آخر في تفسير الآية، وهو أن التذكير مطلوب، وإن لم ينفع، ولا يكون التعليق بالشرط في قوله: ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ مرادا، وإنما هو لتصوير وبيان الواقع، مثل آيات كثيرة أخرى، منها قوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور ٣٣/ ٢٤]. قال الرازي: إن الناس في أمر المعاد ثلاثة أقسام: القاطع بصحته، والمتردد فيه، والجاحد له، والفريقان الأولان ينتفعان بالتذكير والتخويف. وكثير من المعاندين إنما يجحدون باللسان فقط، فتبين أن أكثر الخلق ينتفعون بالوعظ، والمعرض نادر، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر

стр. 9074

كثير، فلهذا وجب تعميم التذكير، وإن كان لا ينتفع بالتذكير إلا البعض الذين علم الله انتفاعهم به، ونحن لا نعلمهم، فبعد أن أمر الله نبيه بالتذكير، بيّن في قوله: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى﴾ الذي تنفعه الذكرى من هو (١). ثم أوضح الله تعالى من الناحية الواقعية عدم جدوى التذكير بالنسبة للمعاندين، فقال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى، الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى، ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ أي ويتجنب الذكرى ويبعد عنها الأشقى من الكفار، لعناده وإصراره على الكفر بالله، وانهماكه في معاصيه. لذا فإنه يقاسي حر نار جهنم ويدخلها ويذوق وبالها، فهي النار العظيمة، ونار الدنيا هي النار الصغرى، أو أن النار الكبرى: دركات جهنم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء ١٤٥/ ٤]. والذي يصلى النار الكبرى يخلد في عذابها، فلا يموت فيها، فيستريح مما هو فيه من العذاب، ولا يحيا حياة طيبة هنيئة ينتفع أو يسعد بها، كما قال تعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ [فاطر ٣٦/ ٣٥]. وسبب تخصيص الكافر بالذكر: أن الفاسق لم يتجنب التذكير بالكلية، فيكون القرآن ساكتا عن الشقي الذي هو أهل الفسق. وبعد وعيد الأشقياء الذين أعرضوا عن ذكرى القرآن، ذكر وعد السعداء الذين يعنون بتزكية نفوسهم وتطهيرهم من الشرك والتقليد في العبادة ودنس الرذائل، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ أي قد فاز ونجا من العذاب من تطهّر من الشرك، فآمن بالله ووحّده وعمل بشرائعه، وتعهد نفسه بالتزكية

стр. 9075

والتهذيب والتطهير من الرذائل والمفاسد والأخلاق الوضيعة، وتابع ما أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ . وذكر بلسانه اسم ربه بالتوحيد والإخلاص، وتذكر ربه العظيم في قلبه، فأقام الصلوات الخمس المفروضة في أوقاتها، ابتغاء رضوان الله، وطاعة لأمر الله، وامتثالا لشرع الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ، وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال ٢/ ٨]. وروى أبو بكر البزار عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى.﴾. قال: «من شهد أن لا إله إلا الله، وخلع الأنداد، وشهد أني رسول الله». وفي قوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قال: «هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها». ثم وبّخ المؤثرين الدنيا، المهملين أمر الآخرة، فقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أي لا تفعلون ما أمرتم به سابقا، بل تؤثرون اللذات الفانية في الدنيا، والآخرة ونعيمها أفضل وأدوم من الدنيا، وثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى، فإن الدنيا دار فانية، والآخرة شريفة باقية، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى، ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد؟!! أخرج الإمام أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له». وأخرج أحمد أيضا عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى». ثم أبان الله تعالى وحدة الشرائع في أصولها وآدابها العامة، فقال: ﴿إِنَّ هذا

стр. 9076

لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى، صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ أي إن كل ما ذكر من فلاح من تزكى، وما بعده من تذكر اسم الله، وإيثار الناس للدنيا، ثابت في صحف إبراهيم العشر؛ وكذا صحف موسى العشر غير التوراة، فقد تتابعت كتب الله أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا. والمراد أن ذلك مذكور بالمعنى لا باللفظ في صحف جميع الأنبياء التي منها صحف إبراهيم وموسى، فمعنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف، فهو في الأولى وفي آخر الشرائع، وتقدير الآية: إن هذا لفي الصحف الأولى التي منها صحف إبراهيم وموسى. وإنما خصت هذه الصحف بالذكر لشهرتها بين العرب. ونظير الآية قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٩٦/ ٢٦]. أخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر عن أبي ذر ﵁: «أنه سأل رسول الله ﷺ قائلا: كم أنزل الله من كتاب؟ فقال: مائة وأربعة كتب، منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسون صحيفة، وعلى إدريس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان». وجاء في صحف إبراهيم: «ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه، عارفا بزمانه، مقبلا على شأنه». روى الآجرّي وغيره من حديث أبي ذرّ المتقدم قال: قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: «كانت أمثالا كلّها: أيها الملك المتسلّط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردّها ولو كانت من فم كافر. وكان فيها أمثال: وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، يفكر فيها في صنع الله إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب.

стр. 9077

وعلى العاقل أن يكون طالبا لثلاث: تزود لمعاد، ومرمّة لمعاش، ولذة في غير محرّم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شانه، حافظا للسانه. ومن عدّ كلامه من عمله، قلّ كلامه إلا فيما يعنيه. قال: قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى؟ قال: كانت عبرا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح! وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب. وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها!! وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم هو لا يعمل!! قال: قلت: يا رسول الله، فهل في أيدينا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك؟ قال: نعم اقرأ يا أبا ذر: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى، بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى، إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى، صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ والله تعالى أعلم بصحة هذا الحيث كما قال الألوسي. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - المطلوب تذكير الناس وموعظتهم، سواء نفعت الذكرى أم لم تنفع، ولكنها في النهاية لا تنفع إلا المؤمنين الذين يخشون الله ربهم، قال الحسن البصري: الذكرى تذكرة للمؤمن، وحجة على الكافر. وقال الجرجاني: التذكير واجب وإن لم ينفع. ٢ - يتجنب الذكرى عادة ويبعد عنها الشقي في علم الله الكافر، الذي يصلى ويدخل النار الكبرى، أي العظمى، وهي السفلى من أطباق النار، أو أن نار جهنم هي الكبرى، والصغرى نار الدنيا.

стр. 9078

وإذا دخلها الكافر خلّد فيها إلى الأبد، فلا يموت فيستريح من العذاب، ولا يحيا حياة تنفعه. ٣ - قد نجا وفاز كل من تطهر من الشرك بالإيمان، وجنّب نفسه رذائل الأخلاق، وعمل بما يرضي ربه من الأعمال الصالحات، وذكر ربه بلسانه وقلبه فصلى الفرائض. ٤ - احتج بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ على أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسماء الله ، والمسألة خلافية بين الفقهاء. واحتجوا بها أيضا على وجوب تكبيرة الافتتاح، واحتج أبو حنيفة ﵀ بالآية على أن تكبيرة الافتتاح ليست من الصلاة؛ لأن الصلاة معطوفة عليها، والعطف يستدعي المغايرة. وأجيب بما روي عن ابن عباس: أن المراد ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه، فصلى له. ٥ - يؤثر بعض الناس أو أغلبهم الدنيا، ويترك الاستعداد للآخرة، والآية: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ إشارة إلى الزجر عن الالتفات إلى الدنيا، والترغيب في الآخرة وفي ثواب الله تعالى، وهذه أمور لا يجوز أن تختلف باختلاف الشرائع. ٦ - الشرائع الإلهية متفقة في أصولها الاعتقادية والأخلاقية وتوجيه العبادة الخالصة لله ، وهذه نماذج من وحدة الشرائع: وجوب تزكية النفس وتطهيرها من الشرك والكفر ودنس الرذائل، ووجوب التذكر الدائم لله وإقامة الصلوات المفروضة في أوقاتها، وضرورة الاستعداد للآخرة وإيثار ثوابها على ملذات الدنيا الفانية. بل إن ما في السورة كله من التوحيد والنبوة والوعد والوعيد كان ثابتا في صحف الأنبياء الأقدمين؛ لأنها قواعد كلية لا تتغير بتغير الأزمان.

стр. 9079

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الغاشية مكيّة، وهي ست وعشرون آية. تسميتها: سميت سورة الغاشية، لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ والغاشية: من أسماء يوم القيامة، وهي الداهية التي تغشى الناس بأهوالها، والاستفهام للتهويل وتفخيم شأنها. مناسبتها لما قبلها: هذه السورة تفصيل وتبسيط لما جاء في سورة الأعلى من أوصاف المؤمن والكافر والجنة والنار إجمالا، فلما قال تعالى في الأعلى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى، الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى﴾ إلى قوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [الآيات: ١٠ - ١٧] فصل ذلك في هذه السورة بقوله: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ، تَصْلى ناراً حامِيَةً.﴾. [الآيات: ٢ - ٧] ثم ذكر صفات وأحوال المؤمنين في الآيات: [٨ - ١٦]. ولما قال تعالى في الأعلى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أبان صفة الجنة في الآيات السابقة أكثر من صفة النار، تحقيقا لمعنى الخيرية. ما اشتملت عليه السورة: تتحدث هذه السورة المكية عن أصول الاعتقاد في موضوعات ثلاثة وهي: أ-وصف أهوال القيامة، وما يلقاه الكافر والمؤمن فيها من الشقاء والسعادة، وو صف أهل الجنة وأهل النار.

стр. 9080

٢ - إثبات وحدانية الله وقدرته وحكمته وعلمه بدليل خلق السماء والإبل والجبال والأرض وغيرها من عجائب الصنعة الإلهية. ٣ - ختمت السورة الكريمة بخاتمة تشبه خاتمة السورة المتقدمة وهي تذكير الناس بالرجوع إلى الله للحساب والجزاء، وأمر الرسول ﷺ أصالة بالتذكير بما أنزل إليه من الشرائع والأحكام. فضلها: تقدم في فضل السورة السابقة ما أخرجه مسلم وأهل السنن عن النعمان بن بشير: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، والغاشية في الجمعة والعيدين. وأخرج الإمام مالك ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن النعمان بن بشير أيضا: بم كان رسول الله ﷺ يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة؟ قال: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾. هول القيامة وأحوال أهل النار ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾ الإعراب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ المرفوع مبتدأ، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لوقوعه في موضع التنويع. وقيل: لأن تقدير الكلام أصحاب وجوه، والخبر ما بعد، والظرف متعلق به. ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ صفة للطعام أو للضريع. البلاغة: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ؟﴾ أسلوب التشويق والتهويل، وهو استفهام أريد به التقرير ولفت النظر إلى هذا الحديث.

стр. 9081

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ أي أصحابها وهم الكفار، فهو مجاز مرسل بإطلاق الجزء وهو الوجوه وإرادة الكل وهي الذوات. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ و ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ، لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ فيهما مقابلة بين وجوه الأبرار ووجوه الفجار. المفردات اللغوية: ﴿الْغاشِيَةِ﴾ يوم القيامة، وهي الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وأهوالها. ﴿خاشِعَةٌ﴾ ذليلة. ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ تعمل عملا في الدنيا، تتعب فيه وهو لا ينفعها يومئذ، أو تتعب في النار بجر السلاسل والأغلال وخوضها، فقوله: ﴿ناصِبَةٌ﴾ تعبة من (نصب فلان): تعب، والنصّب: التعب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الانشراح ٧/ ٩٤] أي إذا فرغت من الصلاة، فاتعب في الدعاء. ﴿تَصْلى ناراً﴾ تدخلها، يقال: صلي النار: قاسى حرها، وقرئ تصلى: بضم التاء. ﴿حامِيَةً﴾ متناهية في الحر. ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ العين: ينبوع الماء، والآنية: الشديدة الحرارة. ﴿ضَرِيعٍ﴾ نوع من الشوك لا ترعاه دابة لخبثه وضره وشدة مرارته، أما الرطب منه وهو الشّبرق فترعاه الإبل ما دام رطبا، والمراد: طعامهم مما يتحاماه الإبل ويتعافاه. ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ لا يتحقق به أحد هذين الأمرين المقصودين من الطعام. التفسير والبيان: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ؟﴾ أي هل بلغك يا محمد حديث القيامة وعلمت خبره، وسميت غاشية: لأنها تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها، والمراد: لم يأتك سابقا حديث هذه الداهية، وقد أتاك الآن فاستمع، فلا يراد من التعبير حقيقة الاستفهام، وإنما يراد منه تشويق السامع إلى استماعه، وتعجيبه مما سيذكر بعده. والمعنى: قد جاءك يا محمد حديث الغاشية. ثم ذكر أحوال الناس فيه وانقسامهم إلى فريقين: أشقياء وسعداء، وبدأ بوصف الأشقياء؛ لأن مبني السورة على التخويف، كما ينبئ عنه لفظ الغاشية، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ أي أصحاب وجوه، والمراد

стр. 9082

بالوجه الذات، أي أصحابها، وأصحاب الوجوه وهم الكفار، تكون في ذلك اليوم ذليلة خاضعة لما هي فيه من العذاب، ونسب الخشوع والذل إلى الوجوه؛ لأن أثره يظهر عليها، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة ١٢/ ٣٢] وقوله: ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ، يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥/ ٤٢]. وقد كان أصحابها في الدنيا يعملون عملا كثيرا، ويتعبون أنفسهم في العبادة، ولا أجر لهم عليها؛ لما هم عليه من الكفر والضلال؛ والإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ شرط قبول الأعمال. والآية في القسّيسين وعبّاد الأوثان وكل مجتهد نشط في كفره (١). ثم ذكر جزاء هؤلاء في يوم القيامة: ﴿تَصْلى ناراً حامِيَةً، تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ، لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ، لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ أي تدخل تلك الوجوه نارا شديدة الحرارة، وتقاسي حرها، وتعذب بها، لخسارة أعمالها، وتسقى إذا عطشوا من ماء عين أي ينبوع، آنية، أي متناهية في حرها، فهي لا تطفئ لهم عطشا. وليس لهم طعام يتغذون به إلا الضريع: وهو شوك يابس شديد المرارة والضر، يقال له في لغة أهل الحجاز الشّبرق إذا كان رطبا، فإذا يبس فهو الضريع، وهو سم، وشر الطعام، وأبشعه وأخبثه. ولا يحصل به مقصود ولا يندفع به محذور، فلا يسمن آكله، ولا يدفع عنه الجوع. وإنما قدم المشروب على الضريع المطعوم؛ لأن الماء لأهل النار أهم، ويغلب عليهم العطش إذا أثر فيهم حر النار.

стр. 9083

وهناك طعام آخر لأهل النار وهو الغسلين والزقّوم، قال تعالى: ﴿وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة ٣٦/ ٦٩] وقال: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان ٤٣/ ٤٤ - ٤٤]. ذكر الحافظ أبو بكر البرقاني عن أبي عمران الجوني قال: مرّ عمر بن الخطاب ﵁ بدير راهب، فناداه: يا راهب، فأشرف، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله في كتابه: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ، تَصْلى ناراً حامِيَةً﴾ فذاك الذي أبكاني. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - القيامة يوم رهيب، يغشى الناس فيه غاشية شديدة من الأهوال والمخاوف. ٢ - تكون وجوه الكفار في ذلك اليوم ذليلة بالعذاب، خاضعة للعقاب، وقد كان أصحابها في الدنيا يعملون ويتعبون أنفسهم؛ لأن الآخرة ليست دار عمل، مثل عبدة الأوثان وأصحاب الصوامع والرهبان وغيرهم، خشعت وجوههم لله، وعملت ونصبت في أعمالها من غير نفع لهم في الآخرة؛ لأن أعمالهم مبنية على غير أساس من الدين الحنيفي القائم على التوحيد الخالص والإخلاص الكامل لله ، والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له، قال تعالى واصفا عمل هؤلاء: ﴿قُلْ: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ، فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً، ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا، وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ [الكهف ١٠٣/ ١٨ - ١٠٦].

стр. 9084

٣ - ومكانهم هو النار الشديدة الحر، ومشروبهم هو ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي من ينبوع ماء متناه في الحرارة، ومطعومهم الضريع الذي لا يسمن آكله، ولا يدفع الجوع عنه. جاء في الخبر عن ابن عباس: (الضريع: شيء يكون في النار يشبه الشّوك، أمرّ من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرّا من النار) (١). وقال العلماء: إن للنار دركات، وأهلها على طبقات؛ فمنهم من طعامه الزّقوم، ومنهم من طعامه غسلين، ومنهم من طعامه ضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصّديد: ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر ٤٤/ ١٥]. ووجود النبت في النار ليس ببدع من قدرة الله، كوجود بدن الإنسان والعقارب والحيات فيها. قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قال المشركون على سبيل التعنت: إن إبلنا لتسمن بالضّريع، فنزلت: ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ أي ليس فيه منفعة الغذاء، ولا الاسمان ودفع الجوع. وهذا دليل على أن طعامهم ليس من جنس طعام الإنس، ولكن من جنس الشوك الذي ترعاه الإبل ما دام رطبا، فإذا يبس، نفرت عنه؛ لأنه سم قاتل. ودليل أيضا على تكذيب الله لهم في قولهم: «يسمن الضريع». والخلاصة: أن وصف أحوال النار على النحو المذكور يستدعي الفرار منه، وإبعاد النفس عن موجبات هذا العذاب، من العقيدة الفاسدة، والعمل الخاسر، ولا عقيدة صحيحة إلا بتوحيد الله والإيمان بالقرآن والرسول محمد ﷺ ، ولا عمل مقبول إلا على وفق ما جاء به الإسلام. ولا أقول هذا لأني مسلم، وإنما هذا الذي صح دليله.

стр. 9085

أحوال المؤمنين المخلصين أهل الجنة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾ الإعراب: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ التاء للخطاب، والفعل مبني للمعلوم (للفاعل) و ﴿لاغِيَةً﴾ مفعول ﴿تَسْمَعُ﴾ و ﴿لاغِيَةً﴾ مصدر كالعافية والعاقبة. وقرئ بضم التاء ورفع ﴿لاغِيَةً﴾ على أن الفعل مبني للمجهول (لما لم يسم فاعله) و ﴿لاغِيَةً﴾ مرفوع؛ لأنه نائب فاعل. ومن قرأ القراءة الثانية، ذكّر اللاغية إما لأنه أراد بها اللغو، وهو مذكر، وإما لأنه فصل بين الفعل والفاعل، مثل: حسن اليوم دارك، واضطرم الليلة نارك، وحضر القاضي اليوم امرأة. وإذا جاز التذكير مع المؤنث الحقيقي، فمع غير الحقيقي أولى. البلاغة: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ، فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ، لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ سجع رصين غير متكلّف. المفردات اللغوية: ﴿ناعِمَةٌ﴾ ذات بهجة وحسن، أو متنعمة. ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أي راضية في الآخرة بعملها الذي عملته في الدنيا، وهو طاعة الله، لما رأت ثوابه. ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ عالية المكان والقدر؛ لأن الجنة درجات، كما أن النار دركات. ﴿لاغِيَةً﴾ لغوا وهذيانا لا فائدة فيه، وكذبا وبهتانا. ﴿عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ ينبوع ماء جار. ﴿سُرُرٌ﴾ جمع سرير: وهو ما يجلس أو ينام عليه. ﴿مَرْفُوعَةٌ﴾ رفيعة ذاتا وقدرا ومحلا. ﴿وَأَكْوابٌ﴾ جمع كوب: إناء لا عروة له. ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ معدّة ومهيأة لشربهم وبين أيديهم. ﴿وَنَمارِقُ﴾ وسائد، جمع نمرقة-بضم النون وفتحها-وبالكسر في لغة ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ اصطف بعضها بجنب بعض للاستناد إليها ﴿وَزَرابِيُّ﴾ بسط فاخرة، وطنافس لها خمل، جمع زربي

стр. 9086

-بكسر الزاي أو زربيّة: وأصل الزرابي: أنواع النبات الأحمر والأصفر والأخضر ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ مبسوطة مفرّقة في المجالس. المناسبة: بعد بيان وعيد الكفار الأشقياء، وبيان حالهم ومكانهم وطعامهم وشرابهم، ذكر الله تعالى أحوال المؤمنين السعداء، وما وعدهم به ربهم، واصفا ثوابهم وأهل الثواب، ثم وصف دار الثواب، لترغيب الناس بأعمالهم، وتشويقهم لما يلاقونه من فضل ربهم. التفسير والبيان: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ، لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أي ووجوه يوم القيامة ذات نعمة وبهجة ونضرة وحسن، يعرف النعيم فيها، أو متنعمة، كما قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين ٢٤/ ٨٣] وهي وجوه السعداء، لما شاهدوا من عاقبة أمرهم، وقبول عملهم، فهي لعملها الذي عملته في الدنيا راضية، أي رضيت عملها؛ لأنها قد أعطيت من الأجر من أرضاها، كما قال تعالى: ﴿﵃، وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة ٨/ ٩٨]. والخلاصة: أن الله تعالى وصف أهل السعادة والثواب بوصفين: أحدهما-في ظاهرهم وهو قوله: ﴿ناعِمَةٌ﴾ أي ذات بهجة وحسن، أو متنعمة. والثاني-في باطنهم وهو قوله: ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾. ثم وصف دار الثواب وهي الجنة بسبعة أوصاف: ١ - ٢ - ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ، لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ أي إن أصحاب الوجوه الناعمة وهم المؤمنون السعداء في جنة رفيعة المكان، بهية الوصف، آمنة

стр. 9087

الغرفات؛ لأن الجنة منازل ودرجات بعضها أعلى من بعض، كما أن النار دركات بعضها أسفل من بعض. ولا تسمع في كلام أهل الجنة كلمة لغو وهذيان؛ لأنهم لا يتكلمون إلا بالحكمة وحمد الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم، ولأن الجنة منزل أحباب الله، ومنازل الصفاء لا تتعكر باللغو والكذب والبهتان، كما قال تعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٣/ ٥٢] وقال: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً﴾ [مريم ٦٢/ ١٩] وقال: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلاّ قِيلاً: سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة ٢٥/ ٥٦ - ٢٦]. ٣ - ٤ - ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ، فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أي في الجنة ينبوع أو عين ماء تجري مياهها وتتدفق بأنواع الأشربة المستلذة الصافية، وليس المراد بها عينا واحدة باعتبارها نكرة في سياق الإثبات، وإنما هذا جنس، يعني فيها عيون جاريات. وفيها أسرة عالية مفروشة بما هو ناعم الملمس، كثيرة الفرش، مرتفعة السّمك، إذا جلس عليها المؤمن استمتع بها ورأى رياض الجنة ونعيمها، كما قال تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٤/ ٥٦]. وفي ذلك غاية التشريف والتكريم. ٥ - ٧ - ﴿وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ أي وفيها أواني الشرب وأقداح الخمر غير المسكرة معدة مرصودة بين أيديها، يشربون منها متى أرادوا، وفيها ووسائد (مخدات) مصفوفة بعضها إلى بعض، للجلوس عليها أو الاستناد إليها، وفيها بسط مبسوطة في المجالس، وطنافس (سجّاد) لها خمل رقيق ناعم، مفرّقة في المجالس، كثيرة، تغري بالجلوس عليها، ويستمتع الناظر إليها، وفيها معاني الأبهة والفخامة.

стр. 9088

فقه الحياة أو الأحكام: وصف الله تعالى أهل السعادة والثواب، ودار الثواب بأوصاف جميلة رائعة الجمال والمتعة، لإغراء الناس بها وترغيبهم في الحصول عليها إذا عملوا عمل أصحابها المستحقين لها. أما أهل الثواب فلهم صفتان: ظاهرية وباطنية، فوجوه المؤمنين ذات نعمة وبهجة ونضرة، ولعملها الذي عملته في الدنيا راضية في الآخرة، حيث أعطيت الجنة بعملها. وأما دار الثواب فلها صفات سبع كما تقدم: الأولى-في جنة عالية، أي مرتفعة، وعالية القدر؛ لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. الثانية-لا تسمع فيها كلاما ساقطا غير مرضي، ولا تسمع فيها كلمة لغو. الثالثة-فيها عين شراب جارية على وجه الأرض، من غير أخدود، وتجري لهم كلما أرادوا، بماء مندفق وبأنواع الأشربة اللذيذة من خمر وعسل ولبن. الرابعة-فيها سرر عالية المكان، مرتفعة السماء. الخامسة-فيها أكواب، أي كيزان لا عرى لها، أو أباريق وأوان، والإبريق: هو ما له عروة وخرطوم، والكوب: إناء ليس له عروة ولا خرطوم. السادسة-فيها نمارق، أي وسائد مصفوفة واحدة إلى جنب الأخرى. السابعة-فيها البسط المبسوطة، والطنافس التي لها خمل رقيق، والكثيرة المتفرقة في المجالس.

стр. 9089

إثبات قدرة الله تعالى على البعث وغيره والتذكير بأدلة ذلك ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)﴾ الإعراب: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿كَيْفَ﴾ حال مقدم من ضمير ﴿خُلِقَتْ﴾، والجملة بدل اشتمال من الإبل. ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ، إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ﴾ قرئ ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ على الأصل، وقرئ بالصاد، بإبدال السين صادا، لتوافق الطاء في الاستعلاء والإطباق، مثل ﴿وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة ٢٤٧/ ٢] وأصله: (بسطة) فأبدل من السين صادا، لتوافق الطاء في الإطباق، وكذلك قالوا: الصراط في السراط، وصطر في سطر. و ﴿إِلاّ مَنْ تَوَلّى﴾: في موضع نصب على استثناء من غير الجنس أي استثناء منقطع، وقيل: هو استثناء من الجنس، أي استثناء متصل، وتقديره: إنما أنت مذكر الناس إلا من تولى وكفر. ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ﴾ بتخفيف الباء، آب يئوب إيابا، نحو: قام يقوم مقاما، وأصله: إوابا وقواما، وقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وقرئ ﴿إِيابَهُمْ﴾ بتشديد الياء، قال أبو الفتح ابن جني: يجوز أن يكون أراد: إوّابا، إلا أنه قلبت الواو ياء استحسانا طلبا للخفة، لا وجوبا، مثل اجلوّذ اجلياذا، وإن كان المشهور: اجلواذا. البلاغة: ﴿فَذَكِّرْ﴾ ﴿مُذَكِّرٌ﴾ بينهما جناس الاشتقاق، وكذا بين ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾ و ﴿الْعَذابَ﴾. ﴿إِلَيْنا إِيابَهُمْ﴾ ﴿عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ يوجد بينهما طباق في الحرف.

стр. 9090

المفردات اللغوية: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ﴾ ينظر أهل مكة ونحوهم نظر اعتبار. ﴿الْإِبِلِ﴾ الجمال، جمع بعير، ولا وأحد لها من لفظه كنساء وقوم. ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ خلقا يدل على كمال قدرة الله تعالى وحسن تدبيره، بأن جعلت أداة لحمل الأثقال إلى البلاد النائية، مع احتمال العطش عشرا فأكثر وخصت بالذكر؛ لأنها أعجب ما عند العرب من هذا النوع، وبدئ بها لأنهم أكثر مخالطة لها من غيرها. ﴿وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ بلا عمد وأمسكها بما فيها من الكواكب. ﴿وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ فهي راسخة لا تميل وهي أعلام للسائرين. ﴿سُطِحَتْ﴾ بسطت حتى صارت مهادا موطأة للإقامة عليها. قرئت الأفعال الأربعة بالبناء للمجهول، وحذف المفعول المنصوب أي خلقتها رفعتها نصبتها، والمعنى: أفلا ينظرون إلى أنواع المخلوقات من المركبات وغيرها، ليعرفوا كمال قدرة الخالق ووحدانيته، فلا ينكروا اقتداره على البعث، ولذلك عقب به أمر المعاد، ورتب عليه الأمر بالتذكير. ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أي فذكرهم نعم الله ودلائل توحيده وعظهم والفت نظرهم إلى الكون كله، وما عليك ألا ينظروا أو لم يتذكروا، فإنما عليك البلاغ فقط. ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بمسلّط، لإجبارهم على ما تريد ﴿إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ﴾ لكن من تولى وكفر بالقرآن ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ﴾ عذاب الآخرة، وهو في آية سابقة ﴿النّارَ الْكُبْرى﴾ والأصغر عذاب الدنيا بالقتل والأسر. ﴿إِيابَهُمْ﴾ رجوعهم بعد الموت. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ في المحشر، وتقديم الخبر في الجملتين الأخيرتين للتخصيص، والمبالغة في الوعيد. سبب النزول: نزول الآية (١٧): ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ.﴾.: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد عن قتادة قال: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. المناسبة: بعد أن حكم الله تعالى بمجيء يوم القيامة، وقسم الناس فيها إلى فريقين: أشقياء وسعداء، وو صف أحوال الفريقين، أقام الدليل على وجوده ووحدانيته

стр. 9091

وقدرته بما يشاهدونه من آثار القدرة من السماء العالية، والأرض التي يسكنون فيها، والإبل التي ينتفعون بها في نقل الأحمال والانتفاع بلحومها وأوبارها وألبانها، والجبال الراسيات التي ترشد السالكين، فيستدلون بذلك على قدرته تعالى على بعث الأجساد والمعاد وصحة عقيدة التوحيد. ثم أمر نبيه ﷺ أن يذكّرهم بهذه الأدلة والبراهين وأمثالها، لينظروا فيها، وليصبر على معارضتهم، فإنما بعث لذلك دون غيره. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته ووجوده وتوحيده، فيقول: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ؟﴾ أي كيف يصح للمشركين إنكار البعث والمعاد واستبعاد وقوع ذلك، وهم يشاهدون الإبل التي هي غالب مواشيهم وأكبر المخلوقات في بيئتهم، كيف خلقها الله على هذا النحو البديع، من عظم الجثة، ومزيد القوة، وبديع الأوصاف، فهي خلق عجيب، وتركيب غريب، ومع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للولد الصغير، وتؤكل، وينتفع بوبرها، ويشرب لبنها، وتصبر على الجوع والعطش. وبدأ تعالى التنبيه بها؛ لأن غالب دواب العرب كانت الإبل، وأيضا مرافق الإبل أكثر من مرافق الحيوانات الأخر؛ فهي مأكولة، ولبنها مشروب، وتصلح للحمل والركوب، وقطع المسافات البعيدة عليها، والصبر على العطش، وقلة العلف، وكثرة الحمل، وهي معظم أموال العرب. ﴿وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ وألا يشاهدون السماء كيف رفعت فوق الأرض بلا عمد؟ كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ؟﴾ [ق ٦/ ٥٠].

стр. 9092

﴿وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أي جعلت منصوبة قائمة مرفوعة على الأرض، فإنها ثابتة راسية لئلا تميد الأرض بأهلها، والنظر إليها مبعث هيبة وتعجب، ويستفيد من وجودها وتسلسلها السالكون في البراري والقفار، والأعجب من هذا أن كثيرا من الينابيع المائية تنبع منها، وفيها منافع كثيرة ومعادن وفيرة، ويقتطع منها أحجار ضخمة، ورخام ذو ألوان مختلفة بديعة. ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ كيف بسطت ومدّت ومهّدت، ليستقر عليها ساكنوها، وينتفعوا بما فيها من خيرات ومعادن دفينة، وما تخرجه من نباتات وزروع وأشجار متنوعة، بها قوام الحياة والمعيشة. وتسطيح الأرض إنما هو بالنسبة للناظر والمقيم عليها، ولا يعني ذلك أنها ليست بكرة؛ لأن الكرة-كما ذكر الرازي-إذا كانت في غاية العظمة يكون كل قطعة منها كالسطح (١). وإنما ذكرت هذه المخلوقات دون غيرها؛ لأنها أقرب الأشياء إلى الإنسان الناظر فيها، فهو يشاهد صباح مساء بعيره، ويرى السماء التي تظلله، والجبال التي تجاوره، والأرض التي تقلّه. ثم أمر الله نبيه ﷺ بالتذكير بهذه الأدلة، فقال: ﴿فَذَكِّرْ، إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أي فذكر يا محمد الناس بما أرسلت به إليهم، وعظهم وخوفهم، والفت نظرهم إلى ضرورة التأمل بهذه الأدلة والبراهين وأمثالها الدالة على قدرة الله على كل شيء، ومنها البعث والمعاد، وليس عليك إلا التذكير فقط، فإنما بعثت لهذا الغرض، ولا سلطان ولا سيطرة لك عليهم لحملهم على أن يؤمنوا بالله وبرسالتك، ولجبرهم على ما تريد، فإن

стр. 9093

آمنوا فقد اهتدوا، وإن أعرضوا فقد ضلوا وكفروا، كما قال سبحانه: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد ٤٠/ ١٣]. وقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ تأكيد لمهمة التذكير فقط، وتقرير لها، ونظير الآية قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ؟﴾ [يونس ٩٩/ ١٠] وقوله: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ [ق ٤٥/ ٥٠]. روى أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله » ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (١). ﴿إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ﴾ أي لكن من تولى عن الوعظ والتذكير، وكفر بالحق بقلبه ولسانه، فيعذبه الله في الآخرة عذاب جهنم الدائم، عدا عذاب الدنيا من قتل وأسر واغتنام مال؛ لأنه إذا كان لا سلطان لك عليهم، فإن الله هو المسيطر عليهم، لا يخرجون عن قبضته وقوته وسلطانه. أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي: مرّ على خالد بن يزيد بن معاوية، فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله ﷺ ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا كلكم يدخل الجنة، إلا من شرد على الله شراد البعير عن أهله». ثم أكد الله تعالى وقوع البعث والحساب والعذاب، فقال: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ أي إن إلينا مرجعهم ومصيرهم،

стр. 9094

ونحن نحاسبهم على أعمالهم بعد رجوعهم إلى الله بالبعث، إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ، فلا مفر للمعرضين، ولا خلاص للمكذبين من العقاب. وفائدة تقديم الظرف أو الجار والمجرور في الموضعين الحصر والتشديد بالوعيد، أي ليس مرجعهم إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام وإيفاء جزاء كل طائفة، وأن حسابهم ليس بواجب إلا عليه بمقتضى الحكمة البالغة، وهو الذي يحاسب على الصغير والكبير (١). فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - ذكّر الله تعالى الناس بصنعته وقدرته، وأنه قادر على كل شيء، بعد أن ذكر أمر أهل الدارين، فتعجب الكفار من ذلك، فكذبوا وأنكروا. وقد ذكّرهم بخلق الإبل؛ لأنها كثيرة في العرب، وبخلق السماء ورفعها عن الأرض بلا عمد، وبخلق الجبال الراسيات المنصوبة على الأرض، بحيث لا تزول، وبخلق الأرض كيف بسطت ومدت ومهدت لأهلها كي يستطيعوا العيش عليها بقرار وأمان. ٢ - أمر الله تعالى نبيه ﷺ بتذكير قومه وعظتهم وتخويفهم، وطمأنه بأنه مجرد واعظ، ليس بمسلّط عليهم، فيقتلهم، أو يجبرهم على الإيمان برسالته. ٣ - حذر الله تعالى من مخالفة دعوة النبي ﷺ ورسالته، فأنذر كل من تولى عن الوعظ والتذكير بالعذاب الأكبر في الآخرة، وهو عذاب جهنم الدائم، ووصف العذاب بالأكبر؛ لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والأسر والقتل. وهذا على أن الاستثناء منقطع، وقيل: هو استثناء متصل، والمعنى: لست

стр. 9095

بمسلط إلا على من تولى وكفر، فأنت مسلّط عليه بالجهاد، والله يعذبه بعد ذلك العذاب الأكبر، فلا نسخ في الآية على هذا التقدير. والأظهر في رأي بعض المفسرين أن يكون الاستثناء متصلا، لا باعتبار الحال، فإن السورة مكية، ولكن بالنظر إلى الاستقبال، أي إلا المصرّين على الإعراض والكفر، فإنك تصير مأمورا بقتالهم، مستوليا عليهم بالغلبة والقهر (١). والظاهر لدي أن يكون الاستثناء منقطعا، أي لست بمصيطر ولا بمستول عليهم، ولكن من تولى وكفر، فإن لله الولاية والقهر عليه، فهو يعذبه العذاب الأكبر في الآخرة، بعد العذاب الأصغر في الدنيا وهو القتل والسبي، كما قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة ٢١/ ٣٢]. وهذا ما سار عليه أغلب المفسرين، مشيرين إلى القول الثاني بصيغة (قيل) المفيدة للتضعيف. ٤ - تضمنت السورة في خاتمتها ما يصلح للوعد والوعيد والترغيب والترهيب، فإن مصير جميع الناس ورجوعهم بعد الموت إلى الله ، وحسابهم إليه وحده. والحساب وإن كان حقا لله تعالى، ولا يجب على المالك أن يستوفي حق نفسه، إلا أنه تعالى جعل الحساب واجبا عليه، إما بحكم وعده الذي لا خلف فيه، وإما بمقتضى الحكمة والعدل، فإنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم، لكان ذلك شبيها بكونه تعالى راضيا بذلك الظلم، وتعالى الله عنه، فلهذا السبب كانت المحاسبة واجبة (٢).

стр. 9096

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الفجر مكيّة، وهي ثلاثون آية. تسميتها: سميت سورة الفجر، لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ وهو قسم عظيم بفجر الصبح المتبلج نوره كل يوم على أن الكفار سيعذبون حتما. مناسبتها لما قبلها: تتعلق السورة الكريمة بما قبلها من وجوه ثلاثة: ١ - إن القسم الصادر في أولها كالدليل على صحة ما ختمت به السورة التي قبلها من قوله ﷻ : ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾. ٢ - تضمنت السورة السابقة قسمة الناس إلى فريقين: أشقياء وسعداء، أصحاب الوجوه الخاشعة، وأصحاب الوجوه الناعمة، واشتملت هذه السورة على ذكر طوائف من الطغاة: عاد وثمود وفرعون الذين هم من الفريق الأول، وطوائف من المؤمنين المهتدين الشاكرين نعم الله، الذين هم في عداد الفريق الثاني، فكان الوعد والوعيد حاصلا في السورتين. ٣ - إن جملة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ.﴾. في هذه السورة مشابهة لجملة: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ..﴾. في السورة المتقدمة.

стр. 9097

ما اشتملت عليه السورة: اشتملت السورة على أغراض ستة: ١ - القسم الإلهي بالفجر والعشر الأوائل من ذي الحجة والشفع والوتر والليل على أن عذاب الكفار واقع حتما لا مفر منه: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الآيات: ١ - ٥]. ٢ - إيراد قصص بعض الأمم الظالمة البائدة المكذبة رسل الله، كعاد وثمود وقوم فرعون، لضرب المثل، وبيان ما حل بهم من العذاب بسبب طغيانهم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ.﴾. [الآيات: ٦ - ١٤]. ٣ - بيان أن الحياة ابتلاء للناس بالخير والشر، والغنى والفقر، والتعرف على طبيعة الإنسان في حب المال، وتوضيح أن كثرة النعم على عبد ليست دليلا على إكرام الله له، ولا الفقر وضيق العيش دليلا على إهانته: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ.﴾. [الآيات: ١٥ - ٢٠]. ٤ - وصف يوم القيامة وأهواله وشدائده: ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا.﴾. [الآيات: ٢١ - ٢٣]. ٥ - بيان انقسام الناس إلى فريقين في الآخرة: سعداء وأشقياء، وتمني الأشقياء العودة إلى الدنيا: ﴿يَقُولُ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي.﴾. [الآيات: ٢٤ - ٢٦]. ٦ - الإخبار عن ظفر السعداء بالنعيم العظيم في جنان الله: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ.﴾. [الآيات: ٢٧ - ٣٠]. فضلها: روى النسائي عن جابر قال: صلّى معاد صلاة، فجاء رجل، فصلّى معه،

стр. 9098

فطوّل، فصلّى في ناحية المسجد، ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذا، فقال: منافق، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فسأل الفتى، فقال: يا رسول الله، جئت أصلي معه، فطوّل علي، فانصرفت وصليت في ناحية المسجد، فعلفت ناقتي، فقال رسول الله ﷺ : «أفتّان يا معاذ؟ أين أنت من: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾، ﴿وَالْفَجْرِ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾». حتمية عذاب الكفار وجزاء بعضهم في الدنيا ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)﴾ الإعراب: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيالٍ عَشْرٍ..﴾. هذا قسم، وجوابه: إما قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ أو محذوف مقدر تقديره: لتبعثن. والأولى أن يكون جواب القسم محذوفا وهو ليعذبن، كما ذكر في الكشاف (٣٣٥/ ٣) أي وربّ هذه الأشياء ليعذبن الكفار، وقد دلّ عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ.﴾. إلى قوله: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾. ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ﴾ ﴿إِرَمَ﴾: مجرور على البدل، أو عطف البيان، ولا يجوز أن يكون وصفا أو نعتا؛ لأنه ليس مشتقا. و ﴿إِرَمَ﴾: ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، ودليل التأنيث وصفها بقوله: ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾.

стр. 9099

البلاغة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ استفهام تقريري، لتفخيم شأن الأمور المقسم بها. ﴿الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ بينهما طباق. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ استعارة، شبّه العذاب الشديد النازل بهم بالسوط المؤلم، واستعمل الصبّ للإنزال. ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ سجع رصين غير متكلف، وكذا قوله: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ﴾. المفردات اللغوية: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ قسم بالوقت الذي ينبلج فيه نور الصبح كل يوم؛ لتبديد حجب الظلام، وظهور النور وما يتبعه من الاستعداد والذهاب لقضاء الحوائج وتحقيق المنافع وطلب الرزق، وهو مثل القسم في قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير ١٨/ ٨١] وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ﴾ [المدثر ٣٤/ ٧٤]. ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ عشر ذي الحجة، وتنكيرها للتعظيم. ﴿وَالشَّفْعِ﴾ الزوج. ﴿وَالْوَتْرِ﴾ الفرد من تلك الليالي، والمراد: والأشياء كلها شفعها ووترها، وكلمة «الوتر»: بفتح الواو وكسرها. ﴿يَسْرِ﴾ أي يسري بمعنى إذا يمضي، كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر ٣٣/ ٧٤]. ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ أي هل في ذلك القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لكل ذي عقل؟ كأنه يقول: إن هذا لقسم عظيم عند ذوي العقول، فمن كان عاقلا أدرك أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيها دلالة على توحيده وقدرته. وجواب القسم محذوف، أي لتعذبن أيها الكفار. والحجر: العقل، سمي بذلك؛ لأنه يمنع من الوقوع فيما لا ينبغي. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تعلم يا محمد. ﴿بِعادٍ﴾ هي قبيلة عربية بائدة، من أولاد عاد بن عوض بن إرم بن سام بن نوح ﵇، قوم هود ﵇، سموا باسم أبيهم كما سمي بنو هاشم باسمه، وتلقب عاد بإرم أيضا. ﴿إِرَمَ﴾ عطف بيان لعاد على تقدير مضاف، أي سبط إرم، و ﴿إِرَمَ﴾: هي عاد الأولى. ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ ذات البناء الرفيع، سكان الخيام العالية، وهذا كناية عن الغنى والبسطة، وكانت منازلهم بالرمال في الأحقاف بلاد الرمال بين عمان وحضرموت جنوب جزيرة العرب. ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ في بطشهم وقوتهم.

стр. 9100

﴿وَثَمُودَ﴾ قبيلة من العرب البائدة أيضا من ولد كاتر بن إرم بن سام، كانت تسكن بالحجر بين الشام والحجاز، وهم قوم صالح ﵇. ﴿جابُوا الصَّخْرَ﴾ قطعوا الصخر ونحتوه واتخذوه بيوتا. ﴿بِالْوادِ﴾ وادي القرى. ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ﴾ حاكم مصر في عهد موسى ﵇، صاحب المباني العظيمة الثابتة ثبوت الأوتاد: جمع وتد، وهو ما يدق في الأرض. ﴿طَغَوْا﴾ تجبروا في البلاد وتجاوزوا الحد في الظلم، صفة للمذكورين: عاد وثمود وفرعون. ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ﴾ بالقتل والتعذيب والمنكرات. ﴿فَصَبَّ﴾ أفرغ وألقى وأنزل بهم العقوبة متتابعة. ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أي نوع عذاب ينزل بهم، وأصل السوط: الجلد الذي يضفر ليضرب به. ﴿لَبِالْمِرْصادِ﴾ أي يرصد أعمال العباد فلا يفوته شيء منها، ليجازيهم عليها. وأصل المرصاد: مكان الرصّد أو الراصد، والرصّد: من يرصد الأمور، أي يترقبها ليعرف ما فيها من خير أو ضرر، ويطلق أيضا على الحارس، ويطلق على الواحد والجمع والمؤنث، والترصد: الترقب. التفسير والبيان: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ أي قسما من الله بالفجر، أي الصبح الذي يظهر فيه الضوء، وينبلج النور؛ لأنه وقت انفجار الظلمة عن الليل، كل يوم، وما يترتب عليه من اليقظة والاستعداد لجلب المنافع وتحقيق المصالح بالانتشار في الأرض وطلب الرزق من الإنسان والحيوان، كما في قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير ١٨/ ٨١]، وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ﴾ [المدثر ٣٤/ ٧٤]. وقيل: المراد: القسم بصلاة الفجر. وقسما بالليالي العشر من ذي الحجة ذات الفضيلة؛ ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعا: «ما من أيام العمل الصالح أحبّ إلى الله فيهنّ من هذه الأيام-يعني عشر ذي الحجة-قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء». ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ أي والزوج والفرد من كل الأشياء، ومنها هذه الليالي، أي بما حوته من زوج وفرد.

стр. 9101

وقيل: الشفع يوم النحر لأنه عاشر الأيام، والوتر يوم عرفة لأنه تاسع الأيام، وقيل: الشفع: يوما التشريق الأول والثاني اللذان يجوز التعجل فيهما بالنفر من منى، والوتر: اليوم الثالث. ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ وقسما بالليل إذا جاء وأقبل ثم ذهب وأدبر، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر ٣٣/ ٧٤]، وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾، [التكوير ١٧/ ٨١] أي أقبل ظلامه، أو أدبر، فكما في إقبال الصبح من عظيم النفع، في الظلام نفع أيضا، حيث تهدأ النفوس، وتستريح من عناء العمل، ثم في ذهابه نفع أيضا حيث يستعان بالراحة التي ارتاحها الجسم للعمل في النهار، ومجابهة المتاعب والأعمال. ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ أي أليس في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لكل ذي عقل أو لبّ؟ والحجر: العقل، فمن كان ذا عقل ولبّ، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق بأن يقسم به. ثم ذكر الله تعالى بعض قصص الأمم السالفة للمثل والعبرة، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ أي ألم تعلم أيها الإنسان المخاطب، كيف أهلك الله قبيلة عاد الأولى، وهم ولد عاد بن حوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇، وتلقب أيضا بإرم، فإرم: اسم آخر لعاد الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى﴾ [النجم ٥٠/ ٥٣]، ويقال لمن بعدهم عاد الأخرى. ومساكنهم الأحقاف بلاد الرمال بين عمان وحضرموت، ونبيهم هود ﵇. وقد كانوا أهل عمد وخيام عالية في الربيع، ثم يرجعون إلى منازلهم إذا هاج النبت، وكانوا طوال القامة، ذوي أجسام قوية شديدة، وأشد الناس في زمانهم خلقة، وأقواهم بطشا، ولم يوجد في البلاد كلها مدينة محكمة البنيان ذات

стр. 9102

أعمدة طوال منحوتة كمدينتهم، والصواب لم يوجد مثل تلك القبيلة في الطول والشدة والقوة كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ، وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً، فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف ٦٩/ ٧]، وقال سبحانه: ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَقالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ، هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصّلت ١٥/ ٤١]. وجواب القسم المبدوء به في أول السورة محذوف تقديره: لتعذبن يا كفار أهل مكة وأمثالكم، وقد دلّ على الجواب هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ؟﴾ وما بعدها. وضمير ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها﴾ على الصواب عائد على القبيلة، أي لم يخلق مثل عاد تلك القبيلة في البلاد، يعني في زمانهم، وليس على العماد لارتفاعها كما قال ابن زيد؛ لأنه لو كان المراد ذلك لقال: التي لم يعمل مثلها في البلاد، وإنما قال: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ (١). ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ﴾ أي وقبيلة ثمود قوم صالح ﵇ الذين قطعوا الصخر ونحتوه، وبنوا بالأحجار بيوتا يسكنون فيها، وقصورا وأبنية عظيمة، في الحجر ما بين الشام والحجاز، أو وادي القرى، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ﴾ [الشعراء ١٤٩/ ٢٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر ٨٢/ ١٥]. ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ﴾ أي وحاكم مصر في عهد موسى ﵇، الذي هو صاحب المباني العظيمة، ومنها الأهرام التي بناها الفراعنة لتكون قبورا

стр. 9103

لهم، وسخّروا في بنائها شعوبهم. وقيل: الأوتاد: الجنود والعساكر والجموع والجيوش التي تشدّ ملكه. والتعبير بالأوتاد عن الأبنية يشير إلى هياكلهم العظيمة التي لها شكل الأوتاد المقلوبة، فهي عريضة القاعدة، ثم تصير رفيعة دقيقة في رأسها. ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ﴾ أي هؤلاء الذين سبق ذكرهم وهم عاد وثمود وفرعون الذين تجاوزوا في بلادهم الحدّ في الظلم والجور، وتمردوا وعتوا، واغتروا بقوتهم، وأكثروا الفساد فيها بالكفر والمعاصي وظلم العباد. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ أي فأنزل الله تعالى على تلك الطوائف نوعا من العذاب الشديد، مشبها ما أوقعه بهم بالسوط المؤلم الذي يستعمل في تطبيق العقوبات. وقد ذكر نوع عقوباتهم تفصيلا في سورة الحاقة [الآيات: ٥ - ١٠]. ثم ذكر الله تعالى سبب العذاب وهو الجريمة، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ أي إن الله يرصد عمل كل إنسان، فلا يفوته شيء، حتى يجازيه عليه بالخير خيرا، وبالشر شرّا، ولا يهمل منه شيئا قلّ أو كثر، صغر أو كبر. والمرصاد: المكان الذي يرقب فيه الرصد. والغرض من تكرار هذه القصص في مواضع مختلفة من القرآن الكريم هو التذكير بها، والعظة والعبرة منها، إما بالاستدلال على قدرته تعالى، وإما ببيان قهره العباد، وإما بإنذارهم وتخويفهم، ليدركوا أن ما جرى على شخص أو قوم، يجري على النظير والمثيل.

стр. 9104

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - حتمية عذاب الكفار، فقد أقسم الله تعالى بالفجر أي الصبح أو بصلاة الفجر، وبالليالي العشر من ذي الحجة، وبالشفع والوتر أي الزوج والفرد من الأشياء كلها؛ لأن الموجودات لا تخلو من هذين القسمين، فتكون كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة ٣٨/ ٦٩ - ٣٩]، وبالليل إذا يسري أي يمضي كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر ٣٣/ ٧٤] والمراد عموم الليل كله، أقسم الله بهذه الأشياء على أنه ليعذبن الكفار. وإقسام الله تعالى بهذه الأمور ينبئ عن شرفها، وأن فيها فوائد دينية ودنيوية، مثل كونها دلائل باهرة على التوحيد، أو توجب الحثّ على الشكر (١). قال القرطبي: قد يقسم الله تعالى بأسمائه وصفاته لعلمه، ويقسم بأفعاله لقدرته؛ كما قال تعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ [الليل ٣/ ٩٢] ويقسم بمفعولاته، لعجائب صنعه؛ كما قال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ [الشمس ١/ ٩١]، ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ [الشمس ٥/ ٩١]، ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ [الطارق ١/ ٨٦] (٢). ٢ - أكّد الله تعالى ما أقسم به وأقسم عليه بقوله: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ أي بل في ذلك مقنع لذي لبّ وعقل، فالمراد بالاستفهام تقرير أن هذه المذكورات لشرفها وعظم شأنها يحق أن يؤكد بمثلها المقسم عليه، وهو تعذيب الكفار، كمن ذكر حجة باهرة، ثم قال: هل فيما ذكرته حجة؟ يريد أنه

стр. 9105

لا حجة فوق هذا. ومن هنا قال بعضهم: فيه دليل على أنه تعالى أراد ربّ هذه الأشياء، ليكون غاية في القسم. ٣ - ذكر الله تعالى للعبرة، ولتسلية النبي ﷺ قصة ثلاث فرق على سبيل الإجمال؛ لأنهم أعلام في القوة والشدة والتجبر، وهم عاد الأولى أو إرم ذات الأبنية المرفوعة على العمد، ومعنى إرم: القديمة، والتي لم يخلق مثل تلك القبيلة في زمنها في البلاد، قوة وشدة، وعظم أجساد، وطول قامة. وثمود قوم صالح ﵇ الذين قطعوا الصخر ونحتوه، وبنوا به البيوت العظيمة بوادي القرى، قال المفسرون: أول من نحت الجبال والصور والرخام: ثمود، فبنوا من المدائن ألفا وسبع مائة مدينة كلها من الحجارة، ومن الدور والمنازل ألفي ألف وسبع مائة ألف، كلها من الحجارة. وفرعون حاكم مصر ذو الأوتاد أي صاحب الأبنية الشاهقة، أو الجنود الكثيرة أو الأوتاد الأربعة لتعذيب الناس. ٤ - هؤلاء الطوائف الثلاث: عاد وثمود وفرعون طغوا في البلاد، أي تجاوزوا الحدّ في الظلم والعدوان، وتمرّدوا وعتوا، فأكثروا فيها الفساد، أي الجور والأذى، فعاقبهم الله عقابا شديدا، وصبّ عليهم سوط عذاب، أي أفرغ عليهم وألقى نوعا من العذاب الشديد عليهم؛ لأن الجزاء من جنس العمل. وفيه إشارة إلى أن عذاب الدنيا بالنسبة إلى عذاب الآخرة كالسوط بالنسبة إلى القتل مثلا، ثم أشار إلى عذاب الآخرة أو إليه مع عذاب الدنيا بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ أي يمهل ولكنه لا يهمل، ويرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه به.
следующие страницы →