وقيل: الشفع يوم النحر لأنه عاشر الأيام، والوتر يوم عرفة لأنه تاسع الأيام، وقيل: الشفع: يوما التشريق الأول والثاني اللذان يجوز التعجل فيهما بالنفر من منى، والوتر: اليوم الثالث.
﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ وقسما بالليل إذا جاء وأقبل ثم ذهب وأدبر، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر ٣٣/ ٧٤]، وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾، [التكوير ١٧/ ٨١] أي أقبل ظلامه، أو أدبر، فكما في إقبال الصبح من عظيم النفع، في الظلام نفع أيضا، حيث تهدأ النفوس، وتستريح من عناء العمل، ثم في ذهابه نفع أيضا حيث يستعان بالراحة التي ارتاحها الجسم للعمل في النهار، ومجابهة المتاعب والأعمال.
﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ أي أليس في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لكل ذي عقل أو لبّ؟ والحجر: العقل، فمن كان ذا عقل ولبّ، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق بأن يقسم به.
ثم ذكر الله تعالى بعض قصص الأمم السالفة للمثل والعبرة، فقال:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ أي ألم تعلم أيها الإنسان المخاطب، كيف أهلك الله قبيلة عاد الأولى، وهم ولد عاد بن حوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇، وتلقب أيضا بإرم، فإرم: اسم آخر لعاد الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى﴾ [النجم ٥٠/ ٥٣]، ويقال لمن بعدهم عاد الأخرى. ومساكنهم الأحقاف بلاد الرمال بين عمان وحضرموت، ونبيهم هود ﵇.
وقد كانوا أهل عمد وخيام عالية في الربيع، ثم يرجعون إلى منازلهم إذا هاج النبت، وكانوا طوال القامة، ذوي أجسام قوية شديدة، وأشد الناس في زمانهم خلقة، وأقواهم بطشا، ولم يوجد في البلاد كلها مدينة محكمة البنيان ذات
стр. 9102
أعمدة طوال منحوتة كمدينتهم، والصواب لم يوجد مثل تلك القبيلة في الطول والشدة والقوة كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ، وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً، فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف ٦٩/ ٧]، وقال سبحانه: ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَقالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ، هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصّلت ١٥/ ٤١].
وجواب القسم المبدوء به في أول السورة محذوف تقديره: لتعذبن يا كفار أهل مكة وأمثالكم، وقد دلّ على الجواب هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ؟﴾ وما بعدها.
وضمير ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها﴾ على الصواب عائد على القبيلة، أي لم يخلق مثل عاد تلك القبيلة في البلاد، يعني في زمانهم، وليس على العماد لارتفاعها كما قال ابن زيد؛ لأنه لو كان المراد ذلك لقال: التي لم يعمل مثلها في البلاد، وإنما قال: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ (١).
﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ﴾ أي وقبيلة ثمود قوم صالح ﵇ الذين قطعوا الصخر ونحتوه، وبنوا بالأحجار بيوتا يسكنون فيها، وقصورا وأبنية عظيمة، في الحجر ما بين الشام والحجاز، أو وادي القرى، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ﴾ [الشعراء ١٤٩/ ٢٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر ٨٢/ ١٥].
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ﴾ أي وحاكم مصر في عهد موسى ﵇، الذي هو صاحب المباني العظيمة، ومنها الأهرام التي بناها الفراعنة لتكون قبورا
стр. 9103
لهم، وسخّروا في بنائها شعوبهم. وقيل: الأوتاد: الجنود والعساكر والجموع والجيوش التي تشدّ ملكه.
والتعبير بالأوتاد عن الأبنية يشير إلى هياكلهم العظيمة التي لها شكل الأوتاد المقلوبة، فهي عريضة القاعدة، ثم تصير رفيعة دقيقة في رأسها.
﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ﴾ أي هؤلاء الذين سبق ذكرهم وهم عاد وثمود وفرعون الذين تجاوزوا في بلادهم الحدّ في الظلم والجور، وتمردوا وعتوا، واغتروا بقوتهم، وأكثروا الفساد فيها بالكفر والمعاصي وظلم العباد.
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ أي فأنزل الله تعالى على تلك الطوائف نوعا من العذاب الشديد، مشبها ما أوقعه بهم بالسوط المؤلم الذي يستعمل في تطبيق العقوبات. وقد ذكر نوع عقوباتهم تفصيلا في سورة الحاقة [الآيات: ٥ - ١٠].
ثم ذكر الله تعالى سبب العذاب وهو الجريمة، فقال:
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ أي إن الله يرصد عمل كل إنسان، فلا يفوته شيء، حتى يجازيه عليه بالخير خيرا، وبالشر شرّا، ولا يهمل منه شيئا قلّ أو كثر، صغر أو كبر. والمرصاد: المكان الذي يرقب فيه الرصد.
والغرض من تكرار هذه القصص في مواضع مختلفة من القرآن الكريم هو التذكير بها، والعظة والعبرة منها، إما بالاستدلال على قدرته تعالى، وإما ببيان قهره العباد، وإما بإنذارهم وتخويفهم، ليدركوا أن ما جرى على شخص أو قوم، يجري على النظير والمثيل.
стр. 9104
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - حتمية عذاب الكفار، فقد أقسم الله تعالى بالفجر أي الصبح أو بصلاة الفجر، وبالليالي العشر من ذي الحجة، وبالشفع والوتر أي الزوج والفرد من الأشياء كلها؛ لأن الموجودات لا تخلو من هذين القسمين، فتكون كقوله:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة ٣٨/ ٦٩ - ٣٩]، وبالليل إذا يسري أي يمضي كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر ٣٣/ ٧٤] والمراد عموم الليل كله، أقسم الله بهذه الأشياء على أنه ليعذبن الكفار.
وإقسام الله تعالى بهذه الأمور ينبئ عن شرفها، وأن فيها فوائد دينية ودنيوية، مثل كونها دلائل باهرة على التوحيد، أو توجب الحثّ على الشكر (١). قال القرطبي: قد يقسم الله تعالى بأسمائه وصفاته لعلمه، ويقسم بأفعاله لقدرته؛ كما قال تعالى: ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ [الليل ٣/ ٩٢] ويقسم بمفعولاته، لعجائب صنعه؛ كما قال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ [الشمس ١/ ٩١]، ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ [الشمس ٥/ ٩١]، ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ [الطارق ١/ ٨٦] (٢).
٢ - أكّد الله تعالى ما أقسم به وأقسم عليه بقوله: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ أي بل في ذلك مقنع لذي لبّ وعقل، فالمراد بالاستفهام تقرير أن هذه المذكورات لشرفها وعظم شأنها يحق أن يؤكد بمثلها المقسم عليه، وهو تعذيب الكفار، كمن ذكر حجة باهرة، ثم قال: هل فيما ذكرته حجة؟ يريد أنه
стр. 9105
لا حجة فوق هذا. ومن هنا قال بعضهم: فيه دليل على أنه تعالى أراد ربّ هذه الأشياء، ليكون غاية في القسم.
٣ - ذكر الله تعالى للعبرة، ولتسلية النبي ﷺ قصة ثلاث فرق على سبيل الإجمال؛ لأنهم أعلام في القوة والشدة والتجبر، وهم عاد الأولى أو إرم ذات الأبنية المرفوعة على العمد، ومعنى إرم: القديمة، والتي لم يخلق مثل تلك القبيلة في زمنها في البلاد، قوة وشدة، وعظم أجساد، وطول قامة.
وثمود قوم صالح ﵇ الذين قطعوا الصخر ونحتوه، وبنوا به البيوت العظيمة بوادي القرى، قال المفسرون: أول من نحت الجبال والصور والرخام:
ثمود، فبنوا من المدائن ألفا وسبع مائة مدينة كلها من الحجارة، ومن الدور والمنازل ألفي ألف وسبع مائة ألف، كلها من الحجارة.
وفرعون حاكم مصر ذو الأوتاد أي صاحب الأبنية الشاهقة، أو الجنود الكثيرة أو الأوتاد الأربعة لتعذيب الناس.
٤ - هؤلاء الطوائف الثلاث: عاد وثمود وفرعون طغوا في البلاد، أي تجاوزوا الحدّ في الظلم والعدوان، وتمرّدوا وعتوا، فأكثروا فيها الفساد، أي الجور والأذى، فعاقبهم الله عقابا شديدا، وصبّ عليهم سوط عذاب، أي أفرغ عليهم وألقى نوعا من العذاب الشديد عليهم؛ لأن الجزاء من جنس العمل.
وفيه إشارة إلى أن عذاب الدنيا بالنسبة إلى عذاب الآخرة كالسوط بالنسبة إلى القتل مثلا، ثم أشار إلى عذاب الآخرة أو إليه مع عذاب الدنيا بقوله:
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ أي يمهل ولكنه لا يهمل، ويرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه به.
стр. 9106
توبيخ الإنسان على قلة اهتمامه بالآخرة وفرط تماديه في الدنيا
﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا اِبْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمّا إِذا مَا اِبْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾
الإعراب:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ﴾ .. ﴿فَيَقُولُ: رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ ﴿الْإِنْسانُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿فَيَقُولُ.﴾.
خبر المبتدأ، وأتى بالفاء لأن في «أما» معنى الشرط بالإنعام. والظرف المتوسط: ﴿إِذا مَا ابْتَلاهُ..﴾. في تقدير التأخير، كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل: ربي أكرمني وقت ابتلائه.
﴿وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ إما أن يكون ﴿طَعامِ﴾ بمعنى إطعام، فيكون اسما أقيم مقام المصدر، مثل: سلمت عليه سلاما، أي تسليما، وكلمته كلاما، أي تكليما، وإقامة الاسم مقام المصدر كثيرة في كلام العرب، وإما أن يكون التقدير فيه: ولا تحضون على إطعام طعام المسكين، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
البلاغة:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ..﴾. وقوله: ﴿وَأَمّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ.﴾. بينهما مقابلة، قابل بين ﴿أَكْرَمَنِ﴾ و ﴿أَهانَنِ﴾، وبين توسعة الرزق وتضييقه.
﴿كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ فيه التفات من ضمير الغائب إلى الخطاب زيادة في التوبيخ والعتاب. والأصل أن يقال: كلا بل لا يكرمون.
المفردات اللغوية:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ﴾ متصل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ قال البيضاوي: كأنه قيل:
إنه لبالمرصاد في الآخرة، فلا يريد إلا السعي لها، فأما الإنسان فلا يهمه إلا الدنيا ولذاتها. ﴿إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ اختبره بالغنى واليسر. ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ بالجاه والمال. ﴿فَيَقُولُ: رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ فضّلني بما أعطاني، وصيّرني مكرما، يتمتع بالنعيم.
стр. 9107
﴿إِذا مَا ابْتَلاهُ﴾ بالفقر والتقتير ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ ضيّقه. ﴿أَهانَنِ﴾ أذلني وبادرني بالإهانة، وهذا لقصور نظره وسوء تفكيره، فإن التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين، والتوسعة قد تؤدي إلى الانهماك في حبّ الدنيا.
ولذلك ذمّه على قوليه السابقين وردعه بقوله: ﴿كَلاّ﴾ كلمة للردع والزجر، أي ليس الإكرام بالغنى، والإهانة بالفقر، وإنما هو بالطاعة والمعصية، والكفار لا يتنبهون لذلك.
﴿لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ لا يحسنون إليهم مع غناهم. ﴿وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ لا يحثون أنفسهم أو غيرهم على إطعام المسكين، وقراءة حفص: ﴿تُكْرِمُونَ﴾، و ﴿تَحَاضُّونَ﴾.
﴿لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ لا يحسنون إليهم مع غناهم. ﴿وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ لا يحثون أنفسهم أو غيرهم على إطعام المسكين، وقراءة حفص: ﴿تُكْرِمُونَ﴾، و ﴿تَحَاضُّونَ﴾. ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ﴾ الميراث. ﴿أَكْلاً لَمًّا﴾ شديدا ذا لم، أي جمع بين الحلال والحرام، فإنهم لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أنصباءهم. ﴿وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا﴾ حبّا كثيرا.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أنه بمرصد من أعمال بني آدم، يراقبهم ويجازيهم، عقّبه بتوبيخ الإنسان على قلة اهتمامه بأمر الآخرة، وفرط تماديه في إصلاح المعاش الدنيوي، كأنه قيل: إن الله يؤثر الآخرة ويرغّب فيها، وأما الإنسان فلا يهمه إلا الدنيا ولذاتها وشهواتها، فإذا صار في راحة قال: ربي أكرمني ورفعني، وإن فقد الراحة قال: ربي أهانني وأذلني.
وبعد بيان خطأ الإنسان في تصوره واعتقاده هذا، زجر الناس عن تقصيرهم وارتكابهم المنكرات، ونبّه لما هو شرّ من ذلك، وهو أنه يكرمهم بكثرة المال، ثم لا يؤدون حق الله فيه، فلا يحسنون إلى اليتامى والمساكين، ويتناهبون الميراث دون إعطاء النساء والصبيان حقوقهم، ويحصرون على جمع المال حرصا شديدا.
التفسير والبيان:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ، فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ: رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ أي إن الإنسان مخطئ في تفكيره أنه إذا امتحنه ربّه واختبره بالنعم، فأكرمه
стр. 9108
بالمال، ووسع عليه الرزق، فيقول: ربي أكرمني وفضلني واصطفاني ورفعني وعافاني من العقوبة، معتقدا أن ذلك هو الكرامة، فرحا بما نال، وسرورا بما أعطي، غير شاكر الله على ذلك، ولا مدرك أن ذلك امتحان له من ربّه.
والمراد بالإنسان الجنس، وليس الكافر فقط، ويوجد هذا في كثير من أهل الإسلام (١).
والمقصود من الآية أن الله ينكر على الإنسان ويوبخه في اعتقاده أنه إذا وسع الله عليه في الرزق ليختبره فيه، كان ذلك إكراما من الله له، وليس كذلك، بل هو ابتلاء وامتحان، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون ٥٥/ ٢٣ - ٥٦].
ونظيره أيضا قوله تعالى في صفة الكفار: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ [الروم ٧/ ٣٠]، وقوله أيضا: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١٠/ ٢٢].
والخلاصة: أن الغنى والثروة أو الجاه والسلطة ليس دليلا على رضا الله عن العبد؛ لأن ذلك لا قيمة له عند الله تعالى.
ثم ذكر الجانب الآخر وهو أن الفقر والتقتير ليس دليلا على سخط الله على العبد، فقال: ﴿وَأَمّا إِذا مَا ابْتَلاهُ، فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ: رَبِّي أَهانَنِ﴾ أي وأما إذا ما اختبره وامتحنه بالفقر والتقتير، وضيّق عليه رزقه ولم يوسعه له، فيقول: ربي أهانني وأذلني. وهذا خطأ أيضا فلا يصح أن يعتقد أن ذلك إهانة له وإذلال لنفسه.
стр. 9109
فالإنسان مخطئ في الحالين؛ لأن سعة الرزق لا تدل على أحقية العبد لها، بدليل ما نشاهده من غنى الكفار وثروة الفساق والعصاة.
وضيق الرزق ليس دليلا على عدم الاستحقاق، بدليل ما نراه من فقر بعض الأنبياء وأكابر المؤمنين والصلحاء والعلماء.
والكرامة عند الله للطائع الموفق لعمل الآخرة، والإهانة والخذلان عند الله للعاصي غير الموفق للطاعة وعمل أهل الجنة، وليست سعة الدنيا كرامة ورفعة، ولا ضيقها إهانة ومذلة، وإنما الغنى اختبار للغني هل يشكر، والفقر اختبار له هل يصبر (١).
ونظرا للخطأ في الحالين ردع الله الإنسان بقوله:
﴿كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ أي ردع وزجر للإنسان القائل في الحالتين السابقتين ما قال، فليس الأمر كما زعم، فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين، فإذا كان غنيا، شكر الله على نعمته، وإذا كان فقيرا صبر.
وبعد أن ذمّهم على قبح الأقوال، ذمّهم على قبح الأفعال الذي هو شرّ من سابقه، وهو أنه يكرمهم بكثرة المال، ثم لا يؤدون حق الله فيه، فأنتم أيها الأغنياء الموسرون لا تكرمون اليتيم ولا تحسنون إليه، ولا تحضون أنفسكم أو غيركم على إطعام المساكين، ولا يحث بعضكم بعضا على صلة الفقراء، ولا تأمرون بعضكم بعضا بالإحسان إلى المحتاجين.
وفي قوله: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ أمر بإكرام الأيتام، كما
جاء في
стр. 9110
الحديث الذي رواه عبد الله بن المبارك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم، يحسن إليه، وشرّ بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بأصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا».
وروى أبو داود عن سهل بن سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» وقرن بين أصبعيه: الوسطى والتي تلي الإبهام. قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيما في حجر أمية بن خلف، وكان يدفعه عن حقه، فنزلت.
فترك إكرام اليتيم: ترك برّه، ودفعه عن حقه الثابت له في الميراث، وأخذ ماله منه.
﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أي وإنكم تأكلون الميراث أكلا شديدا، وجمعا من أي جهة حصل، من حلال أو حرام.
وتحبون المال حبّا كثيرا فاحشا، والجمّ: الكثير، قال بعضهم:
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا... وأيّ عبد لك لا ألّما
والخلاصة: أنكم تؤثرون الدنيا على الآخرة، والله يحب السعي للآخرة، وترك الإفراط والمغالاة والتمادي في حبّ الدنيا وملذاتها.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - يخطئ الإنسان في فهم حال الغنى والفقر، فليس الغنى وبسط الرزق دليلا على الإكرام والتفضيل والاصطفاء، كما أن الفقر ليس دليلا على الإهانة والإذلال.
فالكرامة عند الله والهوان ليس بكثرة الحظ في الدنيا وقلته، وإنما الكرامة
стр. 9111
عنده أن يكرم الله العبد بطاعته وتوفيقه، المؤدي إلى حظ الآخرة، وإن وسّع عليه في الدنيا حمده وشكره.
والله لا يريد من عبده إلا الطاعة والسعي للعاقبة الآخرة، وأما الإنسان فلا يريد ذلك، ولا يهمه إلا الدنيا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها.
٢ - أكّد تعالى المعنى السابق بكلمة ﴿كَلاّ﴾ للرد على سوء فهم الإنسان، وزجرا وردعا له عن اعتقاده وتصوره السابق، فليس الأمر كما يظنّ، بأن الغنى لفضله، والفقر لهوانه، وإنما الغنى والفقر من تقدير الله وقضائه، وعلى العبد أن يحمد الله على الفقر والغنى.
جاء في الحديث: «يقول الله :
كلا، إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا، ولا أهين من أهنت بقلتها، إنما أكرم من أكرمت بطاعتي، وأهين من أهنت من أهنت بمعصيتي» (١).
٣ - أخبر الله تعالى عما كان الناس يصنعونه من ترك برّ اليتيم ومنعه من الميراث، وأكل ماله إسرافا وبدارا أن يكبروا، وأنهم لا يأمرون أهليهم بإطعام مسكين يجيئهم، وأكلهم ميراث اليتامى والنساء والصبيان أكلا شديدا وجمعا شاملا، ومحبتهم المال حبّا جمّا، كثيرا، فقد كان أهل الشرك لا يورّثون النساء ولا الصبيان، بل يأكلون ميراثهم مع ميراثهم، وتراثهم مع تراثهم، وكانوا يجمعون المال دون تفرقة بين الحلال والحرام.
وهذا ما يشيع الآن كثيرا في العالم، بل بين المسلمين أنفسهم.
стр. 9112
حال الإنسان الحريص على الدنيا والمترفع عنها يوم القيامة
﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَاُدْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾
الإعراب:
﴿إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ جواب ﴿إِذا﴾ قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ﴾.
و ﴿دَكًّا دَكًّا﴾: منصوب على المصدر المؤكد، وكرر للتأكيد.
﴿صَفًّا صَفًّا﴾ منصوب على المصدر، في موضع الحال، أي مصطفين أو ذوي صفوف كثيرة.
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ﴾ ﴿بِجَهَنَّمَ﴾: في موضع رفع نائب فاعل.
و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ الأول: ظرف متعلق ب ﴿جِيءَ﴾، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ الثاني: إما بدل من ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ الأول، أو يتعلق ب ﴿يَتَذَكَّرُ﴾.
﴿لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ، وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾ قرئ ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ بكسر الذال وفتحها، وبكسر الثاء وفتحها، فمن قرأ بكسر الذال والثاء، كان تقديره: لا يعذّب أحد أحدا عذابا مثل عذابه، ولا يوثق أحد أحدا وثاقا مثل وثاقه، والهاء تعود على الله تعالى، وإن لم يذكر، لدلالة الحال عليه. و ﴿عَذابَهُ﴾ و ﴿وَثاقَهُ﴾: منصوبان على المصدر، والمصدر مضاف إلى الفاعل، و ﴿أَحَدٌ﴾ فاعل مرفوع.
ومن قرأ بفتحهما كان تقديره: لا يعذّب أحد مثل عذابه، ولا يوثق أحد مثل وثاقه، والهاء تعود على الإنسان، لتقدم ذكره، والمصدر مضاف إلى المفعول، و ﴿أَحَدٌ﴾: نائب فاعل.
﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ حالان.
стр. 9113
البلاغة:
﴿يَتَذَكَّرُ﴾ و ﴿الذِّكْرى﴾ بينهما جناس اشتقاق، وكذا بين ﴿لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ﴾ وبين ﴿وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ﴾.
﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ الإضافة إلى الله للتشريف.
المفردات اللغوية:
﴿كَلاّ﴾ ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم: وهو التقصير في أداء الحقوق. ﴿إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ زلزلت حتى يتهدم كل بناء عليها وينعدم، دكّا بعد دكّ حتى صارت الجبال والتلال هباء منبثا، وأرضا مستوية. والدّكّ: الهدم والتسوية للشيء المرتفع، قال المبرد: الدكّ:
حطّ المرتفع بالبسط، واندك سنام البعير: إذا انفرش في ظهره، ومنه الدكان لاستوائه في الانفراش. وجواب ﴿إِذا﴾ هو قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ..﴾ ..
﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ أمر ربّك وظهرت آيات قدرته وآثار قهره. ﴿وَالْمَلَكُ﴾ الملائكة.
﴿صَفًّا صَفًّا﴾ مصطفين أو ذوي صفوف كثيرة بحسب منازلهم ومراتبهم. ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ كشفت للناظرين بعد الغيبة، مثل قوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ [النازعات ٣٦/ ٧٩]. ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ﴾ يتذكر معاصيه، أو يتعظ؛ لأنه يعلم قبحها، فيندم عليها. ﴿وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ أي ومن أين له فائدة التذكر، وقد فات الأوان؟ وهو استفهام بمعنى النفي، أي لا ينفعه تذكره ذلك، واستدل به على عدم قبول التوبة في الآخرة. ﴿يَقُولُ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ أي يقول مع ذكره: يا ليتني قدمت لحياتي هذه الخير والإيمان، أو وقت حياتي في الدنيا، و ﴿يا﴾: للتنبيه.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ، وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي لا يتولى أحد عذاب الله ووثاقه يوم القيامة سواه، إذ الأمر كله له، ولا يعذّب أحد مثل تعذيبه، ولا يوثق مثل إيثاقه، والوثاق: الشدّ والربط بالسلاسل والأغلال. وضمير ﴿عَذابَهُ﴾ و ﴿وَثاقَهُ﴾ للكافر.
﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾ أي يقال لها عند الموت ما يأتي. ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ المستقرة الثابتة المتيقنة بالحق، الآمنة وهي المؤمنة التي اطمأنت بذكر الله. ﴿اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ﴾ ارجعي إلى ثوابه وتكريمه، وأمره وإرادته. ﴿راضِيَةً﴾ بالثواب. ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عند الله بعملك، أي جامعة بين الوصفين. ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ في جملة أو في زمرة عبادي الصالحين المقرّبين المكرّمين.
﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ معهم.
стр. 9114
سبب النزول:
نزول الآية (٢٧):
﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ.﴾.: أخرج ابن أبي حاتم عن بريدة في قوله:
﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ قال: نزلت في حمزة.
وأخرج أيضا عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: من يشتري بئر رومة، يستعذب بها، غفر الله له، فاشتراها عثمان، فقال: هل لك أن تجعلها سقاية للناس؟ قال: نعم، فأنزل الله في عثمان: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ..﴾ ..
المناسبة:
بعد أن أنكر الله على الناس تصورهم عن الغنى والفقر، وأفعالهم المنكرة، بالحرص على الدنيا، وإيثارها على الآخرة، وترك المواساة منها، وجمعها دون تفرقة بين حلال أو حرام، ردعهم عن ذلك، وأخبر عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، وأبان أنهم يندمون حين لا ينفع الندم: ﴿يَقُولُ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ فإن الآخرة دار جزاء لا دار عمل، ثم ذكر تحسر المقصر في طاعة الله يوم القيامة: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ، وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾.
وبعد بيان حال هذا الإنسان الحريص على الدنيا، ذكر الله تعالى حال المؤمن المخلص المترفع عنها، المتسامي بطبعه إلى مراتب الكمال، فيكون جزاؤه دخول الجنان في زمرة الصالحين المقربين من عباد الله تعالى.
التفسير والبيان:
﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ أي زجرا وردعا لأقوالكم وأفعالكم هذه، ولا ينبغي أن يكون هكذا عملكم في الحرص على الدنيا، وترك المواساة
стр. 9115
منها، وجمع الأموال فيها من حيث تتهيأ، دون تفرقة بين حلال وحرام، وتوهم ألا حساب ولا جزاء.
وسيأتي يوم القيامة وما يقع فيه من الأهوال الرهيبة، وتظهر فيه أوصاف ثلاثة، فتدكّ الأرض دكّا بعد دكّ، أي تكسر وتدق، وتتزلزل وتتحرك تحركا بعد تحريك، وتهدّ جبالها حتى تستوي مع سطح الأرض، فتسوّى الأرض والجبال، ويقوم الناس من قبورهم. وقوله: ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ يدل على تكرار الدكّ حتى صارت الجبال هباء منبثا.
﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ أي وجاء الله لفصل القضاء بين عباده، وتصدر أوامره وأحكامه بالجزاء والحساب، وتظهر آيات قدرته وآثار قهره، ويقف الملائكة مصطفين صفوفا للحراسة والحفظ والهيبة.
وهذه هي الصفة الثانية من صفات ذلك اليوم.
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ أي وكشفت للناظرين بعد غيبتها وتحجبها عنهم، كما قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء ٩١/ ٢٦]، وقال أيضا: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ [النازعات ٣٦/ ٧٩]. وهذه هي الصفة الثالثة من صفات ذلك اليوم.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ، وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى، يَقُولُ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ أي في ذلك اليوم يندم الإنسان على ما قدّم في الدنيا من الكفر والمعاصي، وعلى ما عمل من أعمال السوء، وكيف تنفعه الذكرى؟ أي لا تنفعه، فقد فات الأوان، وإنما كانت تنفعه الذكرى لو تذكر الحق قبل حضور الموت.
ويقول مبينا تذكره: يا ليتني قدمت الخير والعمل الصالح لحياتي الأخروية الدائمة الباقية، فهي الحياة الأخيرة لأهل النار ولأهل الجنة جميعا. ويصح جعل اللام بمعنى الوقت، أي وقت حياتي في الدنيا.
стр. 9116
قال الرازي: فيه دليل على أن قبول التوبة على الله لا يجب عقلا. والواقع أن الآية ليست في هذا الجانب، لأنه لا يلزم من عدم قبول التوبة في الآخرة عدم قبولها في دار التكليف في الدنيا، كإيمان اليأس.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ، وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾ هذا جواب الشرط السابق في ﴿إِذا دُكَّتِ.﴾. أي فيومئذ لا يتولى أحد تعذيب العصاة وحسابهم وجزاءهم ووثاقهم، ولا يعذب أحد مثل عذاب الله، ولا يوثق أحد الكافر بالسلاسل والأغلال كوثاق الله.
وفي هذا ترغيب بالعمل الصالح والإيمان، وترهيب من الكفر والعصيان.
ثم ذكر حال الإنسان المترفع عن أطماعه وملذاته وشهواته في الدنيا وبشارة الأبرار، فقال: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي يقول الله للمؤمن، بذاته أو على لسان ملك: يا أيتها النفس الموقنة بالإيمان والحق وتوحيد الله، التي لا يخالجها شك في صدق عقيدتها، وقد رضيت بقضاء الله وقدره، ووقفت عند حدود الشرع، فتجيء يوم القيامة مطمئنة بذكر الله، ثابتة لا تتزعزع، آمنة مؤمنة غير خائفة، ارجعي إلى ثواب ربك الذي أعطاك. وإلى محل كرامته الذي منحك إياه، راضية بهذا الثواب عما عملت في الدنيا، وبما حكم الله، ومرضية عند الله، كما قال تعالى: ﴿﵃، وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البيّنة ٨/ ٩٨] وهذه هي صفة أرباب النفوس الكاملة.
فادخلي في زمرة عبادي الصالحين، وكوني في جملتهم، وادخلي معهم جنتي، فتلك هي الكرامة لا كرامة سواها، جعلنا الله من أهلها، والظاهر العموم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت به الآية.
стр. 9117
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - زجر الله الناس وردعهم عن انكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها، فإن من يفعل ذلك يندم يوم تدكّ الأرض ولا ينفع الندم.
٢ - وصف الله يوم القيامة بصفات ثلاث هي:
الأولى-دكّ الأرض، أي زلزلتها وتحريكها بشدة تحريكا بعد تحريك، ومرة بعد مرة.
الثانية-مجيء أمر الله وقضائه وآياته العظيمة واصطفاف الملائكة صفوفا، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ، وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠/ ٢].
الثالثة-بروز جهنم وانكشافها وظهورها للناس بعد احتجابها عنهم.
٣ - في يوم القيامة يتعظ الكافر ويتوب، كما يتعظ من حرصه على الدنيا دون الآخرة، ولكن من أين له الاتعاظ والتوبة والمنفعة، وقد فرط فيها في الدنيا. ويقول نادما متأسفا: يا ليتني قدمت في الدنيا عملا صالحا لحياتي الأخيرة التي لا موت فيها.
٤ - لا يعذّب أحد كعذاب الله، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال أحد كوثاق الله، وهذه كناية ترجع إلى الله تعالى، في حق المجرمين من الخلائق، تعني أن السلطان المطلق في الحساب والجزاء لله، ولا يخرج أحد عن قبضة الله وسلطانه.
٥ - أما النفس الزكية المطمئنة بالإيمان والعمل الصالح وبوعد الله دون خوف ولا فزع، فيقال لها: ارجعي إلى رضوان ربّك وجنته، راضية بما أعطاك الله من النعم، مرضية عند الله بما قدمت من عمل. وهذا الخطاب والنداء يكون عند الموت أو الاحتضار، كما ذكر المفسرون، وتتمة المقالة: فادخلي في زمرة عباد الله الصالحين، وادخلي جنتي دار الأبرار المقربين.
стр. 9118
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة البلد
مكيّة، وهي عشرون آية.
تسميتها:
سميت سورة البلد؛ لأن الله تعالى أقسم في فاتحتها بالبلد الحرام (مكة) الذي شرفه الله بالبيت العتيق، وجعله قبلة المسلمين، تعظيما لشأنه.
مناسبتها لما قبلها:
ترتبط السورة بما قبلها من وجهين:
١ - ذم الله تعالى في السورة السابقة (الفجر) من أحب المال، وأكل التراث، ولم يحض على طعام المسكين، وذكر في هذه السورة الخصال التي تطلب من صاحب المال من فك الرقبة (إعتاق العبيد) والإطعام في يوم المسغبة (المجاعة).
٢ - ختم الله تعالى السورة المتقدمة ببيان حال النفس المطمئنة في الآخرة، وذكر هنا طريق الاطمئنان، وحذّر من ضده وهو الكفر بآيات الله ومخالفة أوامر الرحمن.
ما اشتملت عليه السورة:
محور هذه السورة المكية الحديث عن سعادة الإنسان وشقاوته، ومنهجه في اختيار أحد الطريقين. بدأت بالقسم بالبلد الحرام-مكة أم القرى، التي يأمن
стр. 9119
الناس فيها، تنبيها على عظمة قدرها، سواء في حال الإحرام أو الحل، وتنويها بموطن النبي ﷺ وتعظيم تحريم إيذائه في البلد الأمين، ثم ذكرت المقسم عليه وهو أن حال الإنسان في الدنيا في نصب وتعب: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ.﴾.
[الآيات ١ - ٤].
وأردفت ذلك بالإخبار عن خلق ذميم في الإنسان وهو اغتراره بقوته، مما حدا بكفار مكة الذين اغتروا بقوتهم أن يعاندوا الحق، ويكذبوا رسول الله ﷺ ، وينفقوا أموالهم في المفاسد والشرور، وهو شأن المفتونين المغرورين بمالهم وغناهم: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ.﴾.
[الآيات ٥ - ٧].
ثم ذكّرت الإنسان بما أنعم الله عليه من العينين واللسان والشفتين وبيان طريق الخير والشر له، واختياره أحد السبيلين بعقله وإرادته: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ.﴾. [الآيات ٨ - ١٠].
ثم أبانت للإنسان ما يعترضه من الأهوال والمصاعب يوم القيامة وطريق اجتيازها بالإيمان والعمل الصالح وإنفاق المال في جهات البر والخير، ليكون من الأبرار السعداء أهل اليمين: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ..﴾. [الآيات ١١ - ١٨].
وقابلت ذلك بتوضيح منهج الأشقياء الفجار أهل الشمال، وهو الكفر بآيات الله، فيتميز المؤمنون عن الكفار، ويتبين مآل الفريقين إما إلى الجنة أو إلى النار: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا.﴾. [١٩ - ٢٠].
стр. 9120
ابتلاء الإنسان بالتعب واغتراره بقوته وماله
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾
الإعراب:
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ.﴾. أن مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي أنه.
البلاغة:
﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ أي أقسم بهذا البلد، وزيادة ﴿لا﴾ لتأكيد الكلام وتأكيد القسم، تقول: لا والله ما قلت كذا، أي والله. وهذا مستفيض في لغة العرب.
﴿وَوالِدٍ وَما وَلَدَ﴾ بينهما جناس اشتقاق، فكل من الوالد والولد مشتق من الولاد.
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ استفهام إنكاري للتوبيخ، وكذا قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾.
﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ، وَوالِدٍ وَما وَلَدَ، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿لا أُقْسِمُ﴾ أي أقسم. ﴿بِهذَا الْبَلَدِ﴾ مكة. ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ أي وأنت يا محمد حلال وحالّ مقيم فيه، أقسم سبحانه بالبلد الحرام، وحال كون النبي ﷺ مقيم فيه، إظهارا لمزيد فضله، وإشعارا بأن شرف المكان بشرف أهله. وهذه الجملة وما بعدها اعتراض بين القسم والمقسم عليه وهو قوله بعدئذ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾.
﴿وَوالِدٍ وَما وَلَدَ﴾ أي وأقسم بكل والد كآدم أو إبراهيم وغيرهما، وبكل مولود من أي شيء آخر، والمراد: أن الله أقسم ببلد النبي ﷺ الذي هو مسقط رأسه، وحرم أبيه إبراهيم، ومنشأ أبيه
стр. 9121
إسماعيل، وبمن ولد فيه. والتنكير للتعظيم، كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ [آل عمران ٣٦/ ٣] أي بأي شيء وضعت، يعني موضوعا عظيم الشأن.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ جنس الإنسان. ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أي خلقناه مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد، والتعب والنصب، والإنسان لا يزال في شدائد مبدؤها ظلمة الرحم ومضيقه ومنتهاها الموت وما بعده، وهو تسلية وتثبيت للرسول ﷺ مما كان يكابده من قريش، وبعث له على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته.
﴿أَيَحْسَبُ﴾ أيظن الإنسان. ﴿أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ أي أنه يغتر بقوته، ويعتقد ألا أحد ينتقم منه ولكن الله قادر عليه، كأبي الأشد بن كلدة، فإنه كان يبسط تحت قدمه أديم عكاظي، ويجذبه عشرة، فينقطع، ولا تزلّ قدماه. ﴿يَقُولُ: أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً﴾ أي وأنه يقول: أنفقت مالا كثيرا. من تلبد الشيء: إذا اجتمع، على عداوة محمد، أو سمعة ومفاخرة.
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ فيما أنفقه، فيعلم قدره، والله عالم بقدره، وأنه ليس مما يتكثر به، ومجازيه على فعله السيء.
سبب النزول:
نزول الآية (٥):
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ﴾: روي أن هذه الآية: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ؟﴾ نزلت في أبي الأشدّ بن كلدة الجمحي، الذي كان مغترا بقوته البدنية. قال ابن عباس: كان أبو الأشدّين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالا كثيرا، وهو في ذلك كاذب.
نزول الآية (٦):
﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ.﴾.:
قال مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل، أذنب، فاستفتى النبي ﷺ ، فأمره أن يكفّر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفّارات والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغيانا منه، أو أسفا عليه، فيكون ندما منه.
стр. 9122
التفسير والبيان:
﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ، وَوالِدٍ وَما وَلَدَ﴾ أي أقسم بالبلد الحرام وهو مكة، تنبيها على كرامة أم القرى وشرفها عند الله تعالى؛ لأن فيها بيته الحرام قبلة المسلمين، وهي بلد إسماعيل ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وفيها مناسك الحج. وقوله: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ قسم مؤكد وليس نفيا للقسم، كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا، ولا والله لأفعلن كذا.
أقسم بهذا البلد في حال كون الساكن فيها حلالا مقيما بها وهو محمد ﷺ وكل من دخله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران ٩٧/ ٣] تشريفا لك، وتعظيما لقدرك؛ لأنه قد صار بإقامتك فيه عظيما شريفا، ولا شك أن الأمكنة تشرف بأهلها. والحل: الحلال.
ورد في الحديث المتفق على صحته: «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره ولا يختلى خلاه، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب».
والمراد أن مكة عظيمة القدر في كل حال، حتى في حال اعتقاد الكفار أنك حلال لا حرمة لك، فلا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك. وفي هذا تقريع وتوبيخ لهم.
وأقسم بكل والد ومولود من الإنسان والحيوان، تنبيها على عظم آية التناسل والتوالد، ودلالتها على قدرة الله وحكمته وعلمه.
ثم ذكر المقسم عليه، فقال:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ أي لقد خلقنا الإنسان مغمورا بالتعب والنصب، وفي مكابدة المشاقّ والشدائد، فهو لا يزال في تلك المكابدة بدءا من
стр. 9123
الولادة، إلى المتاعب المعيشية والأمراض الطارئة، ثم إلى الموت وما يتبعه في قبره والبرزخ وآخرته من شدائد ومتاعب وأهوال.
وفيه تثبيت لرسول الله ﷺ ، وحمله على احتمال مكائد أهل مكة، وصبره على المشاق والمتاعب، فذلك لا يخلو منه إنسان، وفيه لوم لهم على عداوته.
ثم وبخ الإنسان على الاغترار بقوته، فقال:
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ؟﴾ أي أيظن ابن آدم أن لن يقدر عليه، ولا ينتقم منه أحد، فإن الله هو القادر على كل شيء.
ثم لام الإنسان على الإنفاق مراءاة، فقال:
﴿يَقُولُ: أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً﴾ أي أنفقت مالا كثيرا مجتمعا بعضه على بعض. والمراد أن الإنسان يقول في يوم القيامة: أنفقت مالا كثيرا فيما كان يسميه أهل الجاهلية مكارم، ويدعونه معالي ومفاخر.
ثم عابه على جهله، فقال:
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ؟﴾ أي أيظن الإنسان والمدعي النفقة في سبيل الخير أن الله سبحانه لم يطلع عليه، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه؟
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - أقسم الله تعالى بالبلد الحرام-مكة أم القرى، وبالوالد والمولود كآدم وذريته، وكل أب وولده، وما يتوالده الحيوان، على أنه خلق الإنسان مغمورا في شدة وعناء من مكابدة الدنيا.
стр. 9124
ولله أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته لتعظيمها، والمراد تعظيم البلد الحرام المشتمل على البيت العتيق، وكونه بلد إسماعيل ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ووجود مناسك الحج فيه ومنشأ كل بركة وخير، وتظل الحرمة لهذا البلد، وإن اعتقد كفار مكة أن محمدا ﷺ حلال لهم، لا حرمة له.
والقسم بالوالد والولد ونسلهم؛ لأنهم أعجب ما خلق الله تعالى على وجه الأرض؛ لما فيهم من التّبيان والنطق والتدبير، وفيهم الأنبياء والدّعاة إلى الله تعالى.
٢ - وبخ الله تعالى الإنسان على بعض الأفكار والاعتقادات والتصورات، كظنه ألا قدرة لأحد عليه، وإنفاقه المال الكثير مراءاة، أو مضايقة من أداء الواجبات المالية الخيرية، وجهله بأن الله عالم به مطلع على جميع أقواله وأفعاله، وسائله عن ماله من أين كسبه، وفي أي شيء أنفقه؟ إن الله قادر على كل شيء من الإنسان والحيوان والجماد والنبات، عالم بقصد كل إنسان حين ينفق ما ينفق رياء وافتخارا وحبا للانتساب إلى المعالي والمكارم، أو معاداة لرسول الله ﷺ ، ويرى كل أحد فيما يعمل ويجني ويكتسب وينفق.
مبدأ الاختيار وطريق النجاة في الآخرة
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾
стр. 9125
الإعراب:
﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أي لم يقتحم، و (لا) في الماضي مثل (لم) في المستقبل، كقوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى﴾ [القيامة ٣١/ ٧٥] أي لم يصدق ولم يصلّ، وكقول الشاعر أبي خراش الهذلي:
إن تغفر اللهم تغفر جمّا... وأي عبد لك لا ألمّا
أي لم يلمّ.
﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيماً﴾ ﴿مَا الْعَقَبَةُ﴾:
تقديره: ما اقتحام العقبة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. و ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: اقتحامها فك رقبة. ﴿أَوْ إِطْعامٌ﴾: عطف عليه، و ﴿يَتِيماً﴾: مفعول ﴿إِطْعامٌ﴾ وهو مصدر (أطعم) أي أن أطعم يتيما.
﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسم كان: ضمير مستتر تقديره هو، أي ثم كان مقتحمها من الذين آمنوا. وإنما قال ﴿ثُمَّ﴾ وإن كان الإيمان مقدما في الرتبة عن العمل؛ لأن ﴿ثُمَّ﴾ إذا عطفت جملة على جملة لا تفيد الترتيب، بخلاف ما إذا عطفت مفردا على مفرد، فهي ليست هنا للتراخي في الزمان إذ شرط الأعمال الحسنة الإيمان، وإنما التراخي في الذكر والبيان.
البلاغة:
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ؟﴾ استفهام تقريري للتذكير بالنعم، أي جعلنا له، وفيه مراعاة الفواصل.
﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ؟﴾ الاستفهام للتهويل والتعظيم. و ﴿الْعَقَبَةُ﴾: استعارة تبعية لهذا العمل الشاق على النفس من حيث هو بذل مال، تشبيه بعقبة الجبل: وهو ما صعب منه، أي أن العقبة: الطريق الوعر في الجبل، أستعير للأعمال الصالحة ذات المشقة.
﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ استعارة، استعار النجدين لطريقي الخير والشر أو السعادة والشقاوة، وأصل النجد: الطريق المرتفع.
﴿مَقْرَبَةٍ﴾ و ﴿مَتْرَبَةٍ﴾ جناس ناقص لتغير بعض الحروف.
﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ ﴿هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ بينهما مقابلة.
стр. 9126
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ يبصر بهما، أي جعلنا له. ﴿وَلِساناً﴾ يترجم به عما يريد ضميره.
﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب وغيرها. ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ بينا له طريقي الخير والشر أو السعادة والشقاوة، وأصل النجد: المكان المرتفع.
﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ فهلا اجتازها أو دخلها بسرعة وشدة، والعقبة: الطريق الصعب في الجبل.
والمراد: مجاهدة النفس لفعل الخير وترك الشر.
﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ وما أعلمك ما اقتحام العقبة؟ والجملة اعتراضية لتعظيم شأنها أي لم تدر صعوبتها وثوابها. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ إعتاقها من الرق، أو المعاونة عليه. ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ مجاعة. ﴿ذا مَقْرَبَةٍ﴾ قرابة في النسب. ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ذا فقر، يقال: ترب فلان: إذا افتقر، أي أصبحت يده ملصقة بالتراب لفقره، والمراد: هم المطروحون على ظهر الطريق قعودا على التراب، لا بيوت لهم. وإنما ذكر الإعتاق والإطعام لما فيهما من مجاهدة النفس.
﴿ثُمَّ﴾ عطف على ﴿اِقْتَحَمَ﴾ و ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب الذكري لا الزماني، والمعنى: وكان وقت الاقتحام مؤمنا. ﴿وَتَواصَوْا﴾ أوصى ونصح بعضهم بعضا. ﴿بِالصَّبْرِ﴾ على الطاعة، وعن المعصية. ﴿بِالْمَرْحَمَةِ﴾ الرحمة على الناس. ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوفون بهذه الصفات. ﴿أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ اليمين، وأصحاب طريق النجاة والسعادة. ﴿الْمَشْأَمَةِ﴾ الشمال، أصحاب طريق الشقاء.
﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة مغلقة عليهم.
المناسبة:
بعد توبيخ الإنسان وذمه على طبائع غريبة وعجيبة، أقام الله تعالى الدليل على كمال قدرته بخلق الأعين واللسان والشفتين والعقل المميز بين الخير والشر، ومنحه الخيار للإنسان ليثبت ذاتيته، ويتحرر من عبودية أهوائه وشهواته، وليعرف البشر أنه تعالى مصدر لأفضل ما يتمتعون به من البصر والنطق والعقل.
ثم بيّن الله تعالى أنه كان على الإنسان بعدئذ أن يشكر هذه النعم، ويختار طريق الخير والسعادة، فيبادر إلى الإيمان والعمل الصالح، ومنه إعتاق أو تحرير الرقاب، وإطعام الأيتام الأقارب والمساكين المحتاجين، والتواصي بالرحمة على الناس، وأدى اختيار الإنسان بالتالي إلى أن يكون من أحد الفريقين:
стр. 9127
أصحاب اليمين والسعادة ومآلهم إلى الجنة، وأصحاب الشمال والشقاوة ومآلهم إلى النار.
التفسير والبيان:
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ﴾ أي ألم أمنحك أيها الإنسان الجاهل المغرور بقوتك، المرائي بعملك بإنفاق المال طلبا للشهرة والسمعة، أمنحك العينين اللتين تبصر بهما، واللسان الذي تنطق به، والشفتين اللتين تستر بهما ثغرك، وتستعين بهما على الكلام وأكل الطعام، وجمالا لوجهك وفمك، والمراد أنني أنا الله الذي منحتك القدرة على البصر والنطق أو الكلام.
﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي ألم نبين لك ونعرفك طريق الخير والشر، فأودعنا في فطرتك السليمة أداة التمييز بينهما، وجعلنا لك من العقل والفكر ما تستطيع به إدراك محاسن الخير، ومفاسد الشر وأبعاد كل منهما. وعبّر عن هذين الطريقين بالنجدين: وهما الطريقان المرتفعان، للدلالة على صعوبتهما وعورتهما، واحتياجهما إلى مجاهدة النفس لعبورهما بشدة وسرعة.
لذا أردفه ببيان وجوب اختيار الأفضل وشكر تلك النعم، فقال تعالى:
﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ أي فهلا نشط واخترق الموانع المانعة من طاعة الله، من تسويل النفس واتباع الهوى والشيطان، وهلا جاهد نفسه لاجتياز الطريق الصعب، وأي شيء أعلمك ما اقتحام العقبة؟ استفهام للتفخيم والتعظيم.
ثم أرشد إلى طريق اقتحامها فقال:
﴿فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أي إن اقتحام العقبة ودخولها يكون بإعتاق الرقبة من العبودية، وتخليصها من إسار الرق، أو المعاونة عليه، أو إطعام في يوم المجاعة الذي يعز
стр. 9128
فيه الطعام اليتيم القريب: وهو الصغير الذي فقد أباه، وكان قريبا في نسبه من المطعم، أو إطعام المسكين المحتاج الذي لا شيء له، ولا قدرة على كسب المال لضعفه وعجزه، كأنه ألصق يده بالتراب، لفقد المال.
فمن حرر الرقبة أو أطعم اليتيم أو المسكين في يوم المجاعة، كان طائعا لله، نافعا عباده، فهو من أصحاب اليمين. وهذا مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان.
قال الصاوي على الجلالين: إنما قيّد الإطعام بيوم المجاعة؛ لأن إخراج المال فيه أشد على النفس. وقد يستدل بقوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ للشافعي:
أن المسكين أسوأ حالا من الفقير، وأنه قد يكون بحيث يملك شيئا، وإلا وقع قوله: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ تكرارا. وقد استدل أبو حنيفة بتقديم العتق على أنه أفضل من الصدقة، وعند بعضهم بالعكس لأن في الصدقة إنقاذ النفس من الهلاك؛ فإن الغذاء قوام البدن، وأما الفك فهو تخليص من القيد في الأغلب.
أخرج أحمد عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق رقبة مؤمنة، فهي فكاكه من النار».
وأخرج أحمد أيضا عن البراء بن عازب قال:
«جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، علّمني عملا يدخلني الجنة، فقال: لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النّسمة وفكّ الرّقبة، فقال: يا رسول الله، أو ليستا بواحدة؟ قال: لا، إن عتق النسمة:
أن تنفرد بعتقها، وفكّ الرقبة: أن تعين في عتقها».
وأخرج أحمد والترمذي والنسائي عن سلمان بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان:
صدقة وصلة».
﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ، وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي قام
стр. 9129
بالأفعال الخيرية السابقة بعد أن آمن بالله ورسوله وكتبه واليوم الآخر، فإن هذه القربات إنما تنفع بشرط الإيمان، فكان من جملة المؤمنين العاملين صالحا:
المتواصين بالصبر على أذى، وعلى الرحمة بهم، كما
قال النبي ﷺ في الحديث الثابت: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (١)
وفي الحديث الآخر: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» (٢).
والصبر يكون أيضا على طاعة الله، وعن المعاصي، وعلى المصائب والبلايا.
والرحمة على عباد الله ترقق القلب، ومن كان رقيق القلب، عطف على اليتيم والمسكين، واستكثر من فعل الخير بالصدقة.
ثم ذكر الله تعالى جزاء هؤلاء مبشرا بهم، فقال:
﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي أولئك المتصفون بهذه الصفات هم من أصحاب اليمين، وهم أصحاب الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ، ما أَصْحابُ الْيَمِينِ؟ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، وَماءٍ مَسْكُوبٍ، وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ، وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٢٧/ ٥٦ - ٣٤].
ثم ذكر أضداد هؤلاء للمقارنة والعبرة، فقال:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ، عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي والذين جحدوا بآياتنا التنزيلية والآيات الكونية الدالة على قدرتنا، هم أصحاب الشمال، وعليهم نار مطبقة مغلقة، وأصحاب الشمال هم أهل النار المشؤومة كما قال تعالى: ﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ، فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ.﴾. [الواقعة ٤١/ ٥٦ - ٤٤].
стр. 9130
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - جيء بآيات ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ للتذكير بنعم الله تعالى على الإنسان من البصر والنطق والجمال والعقل والفكر المميز بين الحق والباطل وبيان طريقي الخير والشر، وللدلالة على كمال قدرة الله تعالى، ولبيان مبدأ اختيار الإنسان للإيمان والكفر أو السعادة والشقاوة أو الخير والشر، كما قال تعالى: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ، إِمّا شاكِراً، وَإِمّا كَفُوراً﴾ [الدهر ٣/ ٧٦].
٢ - إن هذه النعم تقتضي الشكر عليها والاستعداد للنجاة في الآخرة، بالإيمان والعمل الصالح الشامل للتواصي بالصبر على التكاليف الشرعية، بطاعة الله وعن معصيته وعلى البلايا والمحن، والتواصي بالمرحمة على الخلق أي التعاطف والتراحم، وتحرير الرقاب (العبيد) وإطعام اليتامى والأرامل والمساكين.
وإخراج المال في وقت القحط والضرورة والجوع أثقل على النفس، وأوجب للأجر، لذا قال: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ كقوله: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة ١٧٧/ ٢] وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً﴾ [الدهر ٨/ ٧٦].
والإيمان شرط قبول هذه الأعمال الخيرية، وإنما أخر للترقية من الأدنى إلى الأعلى، والترتيب ذكري، لا زماني.
وهؤلاء أصحاب اليمين أهل الجنة، وهم الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم.
ويلاحظ أنه ذكر في باب الكمال أمرين: فك الرقبة والإطعام، والإيمان، وفي باب التكميل شيئين: التواصي بالصبر على الوظائف الدينية، والتواصي
стр. 9131
بالتراحم، وكل من النوعين مشتمل على تعظيم أمر الله، والشفقة على خلق الله، إلا أنه في الأول قدم جانب الخلق، وفي الثاني قدم جانب الحق (١).
٣ - ذكر الله تعالى للمقابلة والمقارنة والعظة أصحاب الشمال بعد أصحاب اليمين، والفريق الأول هم الذين كفروا بالقرآن، وهم الذين يأخذون كتبهم بشمائلهم، ومصيرهم إلى النار التي تطبق وتغلق أبوابها عليهم.
стр. 9132
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الشمس
مكيّة، وهي خمس عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة الشمس لافتتاحها بالقسم الإلهي بالشمس المنيرة المضيئة لآفاق النهار.
مناسبتها لما قبلها:
ترتبط السورة بما قبلها من وجهين:
١ - ختم الله سبحانه سورة البلد بتعريف أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، ثم أوضح المراد من الفريقين في سورة الشمس بعمل كل منهما حيث قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾.
٢ - أبان الله تعالى في آخر آيات السورة السابقة مصير أو مآل الكفار في الآخرة وهو النار، وذكر تعالى في أواخر هذه السورة عقاب بعض الكفار في الدنيا، وهو الهلاك، فاختتمت السابقة بشيء من أحوال الكفار في الآخرة، واختتمت هذه بشيء من أحوالهم في الدنيا.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة الكلام عن موضوعين مهمين هما:
١ - الإقسام بالمخلوقات الكونية العظيمة في العالم العلوي والسفلي وآلة التفكر
стр. 9133
في ذلك وهو النفس على أحوال النفس الإنسانية، ودور الإنسان في تهذيبها، وتعويدها الأخلاق الفاضلة ليفوز وينجو، أو إهمالها وتركها بحسب هواها فيخيب.
٢ - ضرب المثل بثمود لمن دسّ نفسه وأهملها، فتمادت في الطغيان، فنزل بها العقاب الشديد وأهلكها ودمرها عيانا في الدنيا.
والخلاصة: المقصود من هذه السورة الترغيب في الطاعات، والتحذير من المعاصي.
جزاء إصلاح النفس وإهمالها
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها (١٠)﴾
الإعراب:
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ الواو الأولى واو القسم، وسائر الواوات عطف عليها، وجواب القسم:
إما مقدر، وهو لتبعثن، أو هو ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ أي لقد أفلح من زكاها، وحذفت اللام لطول الكلام. وقال الزمخشري: تقدير الجواب: ليدمدمن الله على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ كما دمدم على ثمود، أي أطبق عليهم العذاب؛ لأنهم كذبوا صالحا، وأما ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها..﴾. فكلام تابع لقوله: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.
﴿إِذا﴾ في المواضع الثلاثة لمجرد الظرفية والعامل فيها فعل القسم.
﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ ﴿ما﴾ إما مصدرية، أي وبنائها، أو بمعنى الذي، أي والذي
стр. 9134
بناها، وهو الأحسن أو بمعنى من أي ومن بناها، وقد جاءت (ما) بمعنى (من) قال أهل الحجاز للرعد: سبحان ما سبّحت له، أي سبحان من سبّحت له.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ ﴿دَسّاها﴾ أصله: دسّسها، فاجتمعت الأمثال، فوجد الاستثقال، فأبدل من السين الأخيرة ياء، كما قالوا: قصّيت أظفاري، في قصصت، فصار (دسيها) ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
البلاغة:
الشمس والقمر بينهما طباق، وكذا بين ﴿اللَّيْلِ﴾ ﴿وَالنَّهارِ﴾ وبين ﴿فُجُورَها وَتَقْواها﴾.
﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها﴾ مقابلة بينها وبين ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ وكذا بين ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ وبين ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾. والطباق والمقابلة من المحسنات البديعية، كما هو معروف.
في السورة كلها سجع مرصع وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿وَضُحاها﴾ قال مجاهد: هو ارتفاع الضوء وكماله، وقال أبو حيان: المعروف في اللغة أن الضحى هو بعيد طلوع الشمس قليلا، فإذا زاد فهو الضّحاء-بالمد وفتح الضاد: إلى الزوال.
﴿تَلاها﴾ تبعها، أي أن القمر يتبع الشمس طالعا عند غروبها. ﴿جَلاّها﴾ أي جلّى الشمس وكشفها وأتم وضوحها.
﴿يَغْشاها﴾ يغشى الشمس فيغطي ضوءها بظلمته، أي يزيله ويحجبه. ﴿وَالسَّماءِ﴾ كل ما علاك وارتفع فوق رأسك فهو سماء، والمراد به الكون الذي فوقك، وفيه الكواكب. ﴿وَما بَناها﴾ أي ومن رفعها، وجعل كل كوكب بمنزلة لبنة من بناء سقف، قال الزمخشري والبيضاوي:
وإنما أوثرت على (من) لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها.
﴿طَحاها﴾ بسطها، مثل دحاها.
﴿سَوّاها﴾ أحكم خلقتها وتسويتها وتعديل أعضائها بخلق القوى والغرائز فيها، وجعل وظيفة لكل منها. ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ عرّفها وأفهمها، وبيّن لها طريق الخير والشر.
والفجور: الفسوق والشر وكل ما يؤدي إلى الخسارة والهلاك. والتقوى: التزام جادة الاستقامة، وإتيان ما يحفظ النفس من سوء العاقبة.
стр. 9135
﴿أَفْلَحَ﴾ فاز ونجا وأدرك المطلوب. ﴿مَنْ زَكّاها﴾ طهرها من الذنوب، وهذّبها ونمّاها بالعلم والعمل، وهو جواب القسم. ﴿خابَ﴾ خسر. ﴿دَسّاها﴾ أهمل تهذيبها، والتدسية:
النقص والإخفاء، فمن فعل الشر والمعصية، أنقص نفسه عن مرتبة الكمال، وأخفاها بالذنوب والمعاصي، وهي ضد التزكية.
التفسير والبيان:
أقسم الله تعالى في مطلع هذه السورة بسبعة أشياء، فقال:
١ - ٢ - ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها، وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ أي أقسم بالشمس المضيئة نفسها، سواء غابت أم طلعت؛ لأنها شيء عظيم أبدعها الله، وأقسم بضوئها وضحاها وهو وقت ارتفاع الشمس بعد طلوعها إذا تم ضوؤها؛ لأنه مبعث حياة الأحياء.
وأقسم بالقمر المنير إذا تبع الشمس في الطلوع بعد غروبها، وبخاصة في الليالي البيض: وهي الليالي الثالثة عشرة إلى السادسة عشرة وقت امتلائه وصيرورته بدرا بعد غروب الشمس إلى الفجر. وهذا قسم بالضوء وقت الليل كله.
٣ - ٤ - ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ أي وأقسم بالنهار إذا جلّى الشمس وكشفها وأظهر تمامها، ففي اكتمال النهار كمال وضوح الشمس، وأقسم بالليل إذا يغشى الشمس ويغطي ضوءها بظلمته، فيزيل الضوء وتغيب الشمس، وتظلم الدنيا في نصف الكرة الأرضية، ثم تطلع في النصف الآخر.
وفي هذا التبدل والتغير رد على المشركين الذين يؤلهون الكواكب، والثنوية الذين يقولون بأن للعالم إلهين اثنين: النور والظلمة؛ لأن الإله لا يغيب ولا يتبدل حاله.
стр. 9136
وبعد التنويه بعظم هذه الأشياء الكونية، ذكر الله تعالى صفات حدوثها، فقال:
٥ - ٦ - ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها، وَالْأَرْضِ وَما طَحاها﴾ أي وأقسم بالسماء وبناء الله تعالى لها بالكواكب، كأن كل كوكب لبنة في سقف أو قبّة تحيط بالأرض وأهلها. وأقسم بالأرض كوكب الحياة البشرية والذي بسطها من كل جانب، وجعلها ممهدة موطأة للسكنى مثل قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ [النازعات ٣٠/ ٧٩] أي بسطها، والطحو كالدحو وهو البسط، ثم مكّن الناس من الانتفاع بها ظاهرا بالنبات، وباطنا بالمعادن والثروات. ونظير الآية: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً، وَالسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة ٢٢/ ٢].
وختم الأشياء المحلوف بها بالنفس البشرية التي خلقت هذه الأشياء من أجلها، وكونها أداة الانتفاع بها ووسيلة ترقي الحياة وتقدمها، فقال:
٧ - ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ أي وأقسم بالنفس الإنسانية، والذي خلقها سوية، مستقيمة، على الفطرة القويمة، وتسويتها:
إعطاء قواها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن، وهي الحواس الظاهرة والباطنة، والقوى الطبيعية، أي تعديل أعظائها، وتزويدها بطاقات وقوى ظاهرية وباطنية متعددة، وتحديد وظيفة لكل عضو فيها.
ثم إنه تعالى عرّف هذه النفس وأفهمها ما هو شر وفجور، وما هو خير وتقوى، وما فيهما من قبح وحسن، لتمييز الخير من الشر، كما قال تعالى:
﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠] أي علمناه وعرفناه سلوك طريقي الخير والشر. ويعضده ما بعده: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾.
وهذا قول المعتزلة، وقال أهل السنة: الضميران في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَها﴾ وقوله: ﴿وَهَدَيْناهُ﴾ لله تعالى، والمعنى: قد سعدت نفس زكاها الله تعالى،
стр. 9137
وخلقها طاهرة، وخابت نفس دسّاها الله، وخلقها كافرة فاجرة (١).
والظاهر التفسير الأول، بدليل ما قال ابن كثير: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾: أي فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي بيّن لها ذلك، وهداها إلى ما قدّر لها (٢). وقال ابن عباس: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ بيّن لها الخير والشر (٣). وهذا دليل على مبدأ الاختيار للإنسان.
ثم ذكر الله تعالى جزاء ما تختاره النفس، فقال:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ أي قد فاز بكل مطلوب، وظفر بكل محبوب من زكى نفسه فهذبها ونمّاها وأعلاها بالتقوى والعمل الصالح، وقد خسر من أضل نفسه وأغواها وأهملها وأخملها، ولم يهذبها، ولم يتعهدها بالطاعة والعمل الصالح. وهذا جواب القسم الذي افتتحت به السورة.
روى الطبراني عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا مرّ بهذه الآية:
﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ وقف وقال: «اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها».
وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ:
﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾: قال: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها».
وروى الإمام أحمد عن عائشة: أنها فقدت النبي ﷺ من مضجعه، فلمسته بيدها، فوقعت عليه، وهو ساجد، وهو يقول: «رب أعط نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليها ومولاها».
стр. 9138
وروى أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله ﷺ يقول:
«اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن والبخل وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليها ومولاها. اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، وعلم لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها» قال زيد: كان رسول الله ﷺ يعلمناهن ونحن نعلمكموها.
فقه الحياة أو الأحكام:
أقسم الله تعالى بسبعة أشياء: لقد أفلح وفاز من زكى نفسه بالطاعة، وخسرت نفس أهملها صاحبها وتركها تنغمس في المعصية.
والأشياء السبعة: هي الشمس وضوؤها وإشراقها، وهو قسم ثان، والقمر إذا تبع بالطلوع الشمس بعد غروبها، فاستوى واستدار، وكان مثلها في الضياء والنور، والنهار إذا جلّى أو كشف الشمس، أي أبان بضوئه جرمها، والليل إذا يغشى الشمس، أي يذهب بضوئها عند غروبها، والسماء وبنيانها وبانيها وهو الله، والأرض ومن طحاها أي بسطها، والنفس الإنسانية وتسويتها ومن سوّاها وهو الله ، بأن عدّلها وزوّدها بالأعضاء المتناسبة، وبالقوى العضلية والفكرية والحسية، وعرّفها طريق الفجور والتقوى، وسلوك سبيل الخير والشر، والطاعة والمعصية.
وقد أقسم الله بهذه المخلوقات لما فيها من عجائب الصنعة الدالة عليه، وأراد أن ينبه عباده دائما بأن يذكر في القسم أنواع مخلوقاته المتضمنة للمنافع العظيمة، حتى يتأمل المكلف فيها، ويشكر عليها؛ لأن الذي يقسم الله تعالى به يحصل له وقع في القلب، فتكون الدواعي إلى تأمله أقوى (١).
стр. 9139
العظة بقصة ثمود
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ اِنْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)﴾
الإعراب:
﴿فَسَوّاها، وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ سوّاها: تعود على الدمدمة، ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ في موضع نصب على الحال، وتقديره: سوّاها غير خائف عاقبتها.
البلاغة:
﴿ناقَةَ اللهِ﴾ الإضافة للتكريم والتشريف.
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ تهويل، فالتعبير بالدمدمة يدل على هول العذاب.
المفردات اللغوية:
﴿بِطَغْواها﴾ أي بسبب طغيانها، والطغوى والطغيان: تجاوز الحد المعتاد. ﴿إِذِ انْبَعَثَ﴾ حين أسرع أو قام، وهو ظرف لكذّبت أو طغوى. ﴿أَشْقاها﴾ أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف، الشخص الذي عقر الناقة. ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ صالح ﵇. ﴿ناقَةَ اللهِ﴾ أي ذروا ناقة الله، واحذروا التعرض لها وعقرها. ﴿وَسُقْياها﴾ شربها الخاص بها في يومها، فلا تذودوها عنها.
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فيما حذرهم من حلول العذاب إن فعلوا. ﴿فَعَقَرُوها﴾ نحروها أو ذبحوها.
﴿فَدَمْدَمَ﴾ فأطبق عليهم العذاب. ﴿فَسَوّاها﴾ سوى الدمدمة عليهم أي عمهم بها، فلم يفلت منها صغير ولا كبير. ﴿عُقْباها﴾ عاقبتها وتبعتها. أي عاقبة الدمدمة.
المناسبة:
بعد الحلف بأشياء عظيمة على فوز من زكّى نفسه وهذبها وطهرها من الذنوب، وخيبة وخسار من أهملها وتركها تعيث في الأرض فسادا بفعل المعاصي، وترك فعل الخير، وعظهم الله تعالى بقصة ثمود، لقربها من ديار
стр. 9140
العرب، ليحذروا معاندة الرسول ﷺ وتكذيبه، وإلا حلّ بهم ما حلّ بأمثالهم من الأمم السابقة.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم صالحا ﵇، بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي، فيقول:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها، إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها﴾ أي كذبت قبيلة ثمود نبيها صالحا ﵇ بسبب طغيانها وبغيها، فإنه الذي حملها على التكذيب.
والطغيان: مجاوزة الحد في المعاصي.
وذلك حين قام أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف، أحيمر ثمود، فعقر الناقة، بتحريض قومه ورضاهم بما يفعل، فكان عقرها دليلا على تكذيبهم جميعا لنبيهم، وبرهانا على صدق رسالته إذ حلّ بهم العذاب الذي أوعدهم به.
ونظير الآية: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ، فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر ٢٩/ ٥٤]. وكان أشقى ثمود عزيزا فيهم، شريفا في قومه، نسيبا رئيسا مطاعا، كما
ذكر أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله ﷺ ، فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها، فقال: «إذ انبعث أشقاها، انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه، مثل أبي زمعة».
ثم يذكر الله تعالى ما توعدهم به رسولهم على فعلهم، فيقول:
«فقال لهم رسول الله: ناقة الله، وسقياها» أي فقال لهم أي للجماعة الأشقياء النبي صالح ﵇: ذروا ناقة الله واحذروا التعرض لها أو أن تمسوها بسوء، واتركوها وتناولها شربها من الماء المخصص لها، فإن لها شرب يوم، ولكم شرب يوم معلوم، ولا تتعرضوا لها يوم شربها.