← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.

стр. 9136

وبعد التنويه بعظم هذه الأشياء الكونية، ذكر الله تعالى صفات حدوثها، فقال: ٥ - ٦ - ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها، وَالْأَرْضِ وَما طَحاها﴾ أي وأقسم بالسماء وبناء الله تعالى لها بالكواكب، كأن كل كوكب لبنة في سقف أو قبّة تحيط بالأرض وأهلها. وأقسم بالأرض كوكب الحياة البشرية والذي بسطها من كل جانب، وجعلها ممهدة موطأة للسكنى مثل قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ [النازعات ٣٠/ ٧٩] أي بسطها، والطحو كالدحو وهو البسط، ثم مكّن الناس من الانتفاع بها ظاهرا بالنبات، وباطنا بالمعادن والثروات. ونظير الآية: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً، وَالسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة ٢٢/ ٢]. وختم الأشياء المحلوف بها بالنفس البشرية التي خلقت هذه الأشياء من أجلها، وكونها أداة الانتفاع بها ووسيلة ترقي الحياة وتقدمها، فقال: ٧ - ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ أي وأقسم بالنفس الإنسانية، والذي خلقها سوية، مستقيمة، على الفطرة القويمة، وتسويتها: إعطاء قواها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن، وهي الحواس الظاهرة والباطنة، والقوى الطبيعية، أي تعديل أعظائها، وتزويدها بطاقات وقوى ظاهرية وباطنية متعددة، وتحديد وظيفة لكل عضو فيها. ثم إنه تعالى عرّف هذه النفس وأفهمها ما هو شر وفجور، وما هو خير وتقوى، وما فيهما من قبح وحسن، لتمييز الخير من الشر، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠] أي علمناه وعرفناه سلوك طريقي الخير والشر. ويعضده ما بعده: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾. وهذا قول المعتزلة، وقال أهل السنة: الضميران في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَها﴾ وقوله: ﴿وَهَدَيْناهُ﴾ لله تعالى، والمعنى: قد سعدت نفس زكاها الله تعالى،

стр. 9137

وخلقها طاهرة، وخابت نفس دسّاها الله، وخلقها كافرة فاجرة (١). والظاهر التفسير الأول، بدليل ما قال ابن كثير: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾: أي فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي بيّن لها ذلك، وهداها إلى ما قدّر لها (٢). وقال ابن عباس: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ بيّن لها الخير والشر (٣). وهذا دليل على مبدأ الاختيار للإنسان. ثم ذكر الله تعالى جزاء ما تختاره النفس، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ أي قد فاز بكل مطلوب، وظفر بكل محبوب من زكى نفسه فهذبها ونمّاها وأعلاها بالتقوى والعمل الصالح، وقد خسر من أضل نفسه وأغواها وأهملها وأخملها، ولم يهذبها، ولم يتعهدها بالطاعة والعمل الصالح. وهذا جواب القسم الذي افتتحت به السورة. روى الطبراني عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا مرّ بهذه الآية: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ وقف وقال: «اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها». وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾: قال: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها». وروى الإمام أحمد عن عائشة: أنها فقدت النبي ﷺ من مضجعه، فلمسته بيدها، فوقعت عليه، وهو ساجد، وهو يقول: «رب أعط نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليها ومولاها».

стр. 9138

وروى أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن والبخل وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليها ومولاها. اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، وعلم لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها» قال زيد: كان رسول الله ﷺ يعلمناهن ونحن نعلمكموها. فقه الحياة أو الأحكام: أقسم الله تعالى بسبعة أشياء: لقد أفلح وفاز من زكى نفسه بالطاعة، وخسرت نفس أهملها صاحبها وتركها تنغمس في المعصية. والأشياء السبعة: هي الشمس وضوؤها وإشراقها، وهو قسم ثان، والقمر إذا تبع بالطلوع الشمس بعد غروبها، فاستوى واستدار، وكان مثلها في الضياء والنور، والنهار إذا جلّى أو كشف الشمس، أي أبان بضوئه جرمها، والليل إذا يغشى الشمس، أي يذهب بضوئها عند غروبها، والسماء وبنيانها وبانيها وهو الله، والأرض ومن طحاها أي بسطها، والنفس الإنسانية وتسويتها ومن سوّاها وهو الله ، بأن عدّلها وزوّدها بالأعضاء المتناسبة، وبالقوى العضلية والفكرية والحسية، وعرّفها طريق الفجور والتقوى، وسلوك سبيل الخير والشر، والطاعة والمعصية. وقد أقسم الله بهذه المخلوقات لما فيها من عجائب الصنعة الدالة عليه، وأراد أن ينبه عباده دائما بأن يذكر في القسم أنواع مخلوقاته المتضمنة للمنافع العظيمة، حتى يتأمل المكلف فيها، ويشكر عليها؛ لأن الذي يقسم الله تعالى به يحصل له وقع في القلب، فتكون الدواعي إلى تأمله أقوى (١).

стр. 9139

العظة بقصة ثمود ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ اِنْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)﴾ الإعراب: ﴿فَسَوّاها، وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ سوّاها: تعود على الدمدمة، ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ في موضع نصب على الحال، وتقديره: سوّاها غير خائف عاقبتها. البلاغة: ﴿ناقَةَ اللهِ﴾ الإضافة للتكريم والتشريف. ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ تهويل، فالتعبير بالدمدمة يدل على هول العذاب. المفردات اللغوية: ﴿بِطَغْواها﴾ أي بسبب طغيانها، والطغوى والطغيان: تجاوز الحد المعتاد. ﴿إِذِ انْبَعَثَ﴾ حين أسرع أو قام، وهو ظرف لكذّبت أو طغوى. ﴿أَشْقاها﴾ أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف، الشخص الذي عقر الناقة. ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ صالح ﵇. ﴿ناقَةَ اللهِ﴾ أي ذروا ناقة الله، واحذروا التعرض لها وعقرها. ﴿وَسُقْياها﴾ شربها الخاص بها في يومها، فلا تذودوها عنها. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فيما حذرهم من حلول العذاب إن فعلوا. ﴿فَعَقَرُوها﴾ نحروها أو ذبحوها. ﴿فَدَمْدَمَ﴾ فأطبق عليهم العذاب. ﴿فَسَوّاها﴾ سوى الدمدمة عليهم أي عمهم بها، فلم يفلت منها صغير ولا كبير. ﴿عُقْباها﴾ عاقبتها وتبعتها. أي عاقبة الدمدمة. المناسبة: بعد الحلف بأشياء عظيمة على فوز من زكّى نفسه وهذبها وطهرها من الذنوب، وخيبة وخسار من أهملها وتركها تعيث في الأرض فسادا بفعل المعاصي، وترك فعل الخير، وعظهم الله تعالى بقصة ثمود، لقربها من ديار

стр. 9140

العرب، ليحذروا معاندة الرسول ﷺ وتكذيبه، وإلا حلّ بهم ما حلّ بأمثالهم من الأمم السابقة. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم صالحا ﵇، بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي، فيقول: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها، إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها﴾ أي كذبت قبيلة ثمود نبيها صالحا ﵇ بسبب طغيانها وبغيها، فإنه الذي حملها على التكذيب. والطغيان: مجاوزة الحد في المعاصي. وذلك حين قام أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف، أحيمر ثمود، فعقر الناقة، بتحريض قومه ورضاهم بما يفعل، فكان عقرها دليلا على تكذيبهم جميعا لنبيهم، وبرهانا على صدق رسالته إذ حلّ بهم العذاب الذي أوعدهم به. ونظير الآية: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ، فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر ٢٩/ ٥٤]. وكان أشقى ثمود عزيزا فيهم، شريفا في قومه، نسيبا رئيسا مطاعا، كما ذكر أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله ﷺ ، فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها، فقال: «إذ انبعث أشقاها، انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه، مثل أبي زمعة». ثم يذكر الله تعالى ما توعدهم به رسولهم على فعلهم، فيقول: «فقال لهم رسول الله: ناقة الله، وسقياها» أي فقال لهم أي للجماعة الأشقياء النبي صالح ﵇: ذروا ناقة الله واحذروا التعرض لها أو أن تمسوها بسوء، واتركوها وتناولها شربها من الماء المخصص لها، فإن لها شرب يوم، ولكم شرب يوم معلوم، ولا تتعرضوا لها يوم شربها.

стр. 9141

﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ أي فكذبوه في تحذيره إياهم من العذاب، ولم يبالوا بما أنذرهم به من العقاب، فعقر الأشقى الناقة، وجميع قومه رضوا بما فعل. أو كذبوه فيما جاءهم به، فأعقبهم ذلك أن عقروا الناقة التي أخرجها الله لهم من الصخرة آية لهم وحجة عليهم. ثم يبين ما عوقبوا به، فيقول: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ، فَسَوّاها، وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أي فأطبق عليهم العذاب وأهلكهم، وغضب عليهم فدمر عليهم، فسوّى الدمدمة عليهم، وعمّهم بها، أي فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء، فاستوت على صغيرهم وكبيرهم. قال قتادة: بلغنا أن أحيمر ثمود لم يعقر الناقة حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم، فسواها. وقد فعل الله ذلك بهم، وأهلكهم، غير خائف هذا الأشقى من عاقبة ولا تبعة، أي فإنه تجرأ على عقر الناقة دون أن يخاف الذي عقرها عاقبة إهلاك قومه، وعاقبة ما صنع، والمراد بذلك أنه أقدم على عقرها، وهو كالآمن من نزول الهلاك به وبقومه. وقال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة. قال ابن كثير: وهذا القول أولى لدلالة السياق عليه. وقال أبو حيان: الظاهر عود الضمير إلى أقرب مذكور، وهو ﴿رَبُّهُمْ﴾ أي لا درك عليه تعالى في فعله بهم، لا يسأل عما يفعل، قال ابن عباس والحسن، وفيه ذم لهم وتعقبة لآثارهم. والمراد أن الله لا يخاف عاقبة ما فعل بهم؛ لأنه عادل في حكمه. وقال الزمخشري: ولا يخاف الله عاقبتها وتبعتها، كما يخاف كل معاقب من الملوك، فيبقي بعض الإبقاء. ويجوز أن يكون الضمير لثمود، على معنى: فسوّاها بالأرض أو في الهلاك، ولا يخاف عقبى هلاكها.

стр. 9142

فقه الحياة أو الأحكام: هذا خبر قاطع من الله العلي القدير، أخبرنا به عن قبيلة ثمود التي تجاوزت الحد بطغيانها وهو خروجها عن الحد في العصيان. وذلك حين نهض أشقاها لعقر الناقة، واسمه قدار بن سالف. ولكنّ رسولهم صالحا ﵇ حذرهم عاقبة فعلهم، وقال لهم: احذروا عقر ناقة الله، وذروها، كما قال: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً، فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ، وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ، فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف ٧٣/ ٧] وذروها وشربها المخصص لها في يومها. فإنهم لما اقترحوا الناقة، وأخرجها الله لهم من الصخرة، جعل لهم شرب يوم من بئرهم، ولها شرب يوم مكان ذلك، فشقّ عليهم. وكذبوا صالحا ﵇ في قوله لهم: «إنكم تعذّبون إن عقرتموها» فعقرها الأشقى، وأضيف العقر إلى الكل بقوله: ﴿فَعَقَرُوها﴾ لأنهم رضوا بفعله. والجرم وهو العقر وتكذيب النبي يستدعيان بلا شك عقابا صارما، فكان العقاب أن أهلكهم الله، وأطبق عليهم العذاب بذنبهم الذي هو الكفر والتكذيب. والعقر، وسوّى عليهم الأرض، أو سوى الدمدمة والإهلاك عليهم؛ لأن الصيحة أهلكتهم فأتت على صغيرهم وكبيرهم. والعبرة من ذلك أن الله فعل بهم ما فعل غير خائف أن تلحقه تبعة الدمدمة من أحد، كما قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد. وهاء ﴿عُقْباها﴾ ترجع إلى الفعلة. وقال السدّي والضحاك والكلبي: ترجع إلى العاقر، أي لم يخف الذي عقرها عقبى ما صنع.

стр. 9143

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الليل مكيّة، وهي إحدى وعشرون آية. تسميتها: سميت سورة الليل لافتتاحها بإقسام الله تعالى بالليل إذا يغشى، أي يغطي الكون بظلامه، ويستر الشمس والنهار والأرض والوجود بحجابه. مناسبتها لما قبلها: لما ذكر في سورة الشمس قبلها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ ذكر هنا من الأوصاف ما يحصل به الفلاح، وما تحصل به الخيبة بقوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى﴾ ﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى.﴾. فهي كالتفصيل لما قبلها. ولما كانت سورة الليل نازلة في بخيل، افتتحت بالليل الذي هو ظلمة. ما اشتملت عليه السورة: محور السورة سعي الإنسان وعمله وجزاؤه في الآخرة. افتتحت السورة بالقسم بالليل والنهار وخالق الذكر والأنثى على أن عمل الناس مختلف، فمنهم التقي ومنهم الشقي، ومنهم المؤمن ومنهم الفاجر: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى.﴾. [الآيات ١ - ٤].

стр. 9144

ثم أوضحت أن الناس فريقان، وحددت منهج وطريق كل فريق، وجزاء كل منهم في الآخرة: أهل الإيمان والسعادة والجنة: وهم الذين بذلوا المال وصدقوا بوعد الله في الآخرة، وأهل الكفر والشقاوة والنار: وهم الذين بخلوا بالأموال واستغنوا عن ربهم ، وأنكروا ما وعد الله به من الجنة: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى.﴾. [الآيات ٥ - ١٠]. وأعقبت ذلك ببيان عدم جدوى المال في الآخرة، وأن الله واضع دستور الهداية، وأنه مالك الدنيا والآخرة: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ [١١ - ١٣] ودلّ هذا التحذير من عذاب الله والإنذار بالنار على أنه العقاب المستحق لكل من كذب بآيات الله تعالى وبرسوله ﷺ : ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى.﴾. [١٤ - ١٦]. يبذل ماله في طرق الخير مخلصا لوجه الله، دون قصد مكافأة أحد، ولا لمصلحة دنيوية عند إنسان، وذلكم المثال هو أبو بكر الصديق ﵁: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى.﴾. [الآيات ١٧ - ٢١]. فضلها: تقدم حديث جابر في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لمعاذ: «فهلاّ صلّيت ب: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾».

стр. 9145

اختلاف مسعى الناس ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى (٤) فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاِسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى (١١)﴾ الإعراب: ﴿إِذا يَغْشى﴾، ﴿إِذا تَجَلّى﴾ ﴿إِذا﴾ في الموضعين: لمجرد الظرفية، والعامل فيها فعل القسم. ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ ﴿ما﴾: فيها ثلاثة أوجه كما في السورة السابقة. ﴿وَما بَناها﴾ إما أن تكون مصدرية، أو بمعنى الذي وهو الأولى، أو بمعنى (من). ويجوز الجر في الذكر والأنثى على البدل من ﴿ما﴾. ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ جواب القسم. ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ﴾ ﴿ما﴾: نافية. البلاغة: ﴿اللَّيْلِ﴾ و ﴿النَّهارِ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ وبين (اليسرى، والعسرى) وبين ﴿صَدَّقَ﴾ و ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ و ﴿أَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ بينهما مقابلة، والمقابلة والطباق من المحسنات البديعية. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ بينهما جناس اشتقاق. ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى﴾ حذف المفعول لإفادة التعميم وإطالة التأمل.

стр. 9146

المفردات اللغوية: ﴿يَغْشى﴾ يغطي كل شيء بظلامه. ﴿تَجَلّى﴾ ظهر وانكشف. ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ أي والقادر الذي خلق آدم وحواء وكل ذكر وأنثى في الإنسان والحيوان والنبات. ﴿سَعْيَكُمْ﴾ عملكم أو مسعاكم. ﴿لَشَتّى﴾ مختلف متفرق، جمع شتيت: وهو المتباعد عن غيره. واختلاف المنهج والمسعى إما بالعمل للجنة بالطاعة، أو للنار بالمعصية. ﴿أَعْطى﴾ بذل المال. ﴿وَاتَّقى﴾ التزم الأوامر وفعل الخير، واجتنب النواهي والشر. ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ بالكلمة أو الخصلة الحسنى-صفة تأنيث الأحسن، وهي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، والجنة والثواب، وكل فضيلة. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ نهيئه للحالة التي هي أيسر عليه وأهون والتي تؤدي إلى الخير، وذلك في الدنيا والآخرة، كدخول الجنة. ﴿بَخِلَ﴾ أمسك المال وشح به ولم يؤد حق الله فيه. ﴿وَاسْتَغْنى﴾ عن ربه وعن الثواب. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ نهيئه للحالة السيئة في الدنيا والآخرة التي لا تنتج إلا شرا. ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ﴾ لا يفيده ماله وغناه. ﴿إِذا تَرَدّى﴾ هوى وسقط في النار أو في القبر. سبب النزول: نزول الآية (٥): ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى.﴾.: أخرج ابن جرير والحاكم عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر ﵁ يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه (أبو قحافة): أي بني! أراك تعتق أناسا ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالا جلداء، يقومون معك. ويمنعونك، ويدفعون عنك، فقال: أي أبت، إنما أريد ما عند الله، فنزلت هذه الآيات فيه: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى.﴾. إلى آخر السورة. نزول الآية (٨): ﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ﴾: قال ابن عباس: نزلت في أمية بن خلف.

стр. 9147

التفسير والبيان: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى، وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ أي أقسم بالليل حين يغطي بظلامه كل ما كان مضيئا، وبالنهار متى ظهر وانكشف ووضح، لزوال ظلمة الليل، والقادر العظيم الذي خلق الذكر والأنثى من جميع الأجناس، من الناس وغيرهم، كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً﴾ [النبأ ٨/ ٧٨]. ولم يذكر مفعول ﴿يَغْشى﴾ للعلم به، وقيل: يغشى النهار، أو الخلائق أو الأرض أو كل شيء بظلمته. ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ هذا هو المحلوف عليه جواب القسم، أي إن أعمال العباد مختلفة متباعدة، فمن فاعل خيرا، ومن فاعل شرا، وبعض الأعمال ضلال وبعضها هدى، وبعضها يوجب الجنة، وبعضها يوجب النار. ويقرب من هذه الآية قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر ٢٠/ ٥٩] وقوله: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً، لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة ١٨/ ٣٢] وقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية ٢١/ ٤٥]. ثم فصل أحوال الناس وقسمتهم فريقين، فقال: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أي فأما من بذل ماله في وجوه الخير، واتقى محارم الله التي نهى عنها، وصدق بموعود الله الذي وعده عوضا عن الإيمان والنفقة الخيرية، فإنا نسهل عليه كل ما كلّف به من الأفعال والتروك، ونهيئه للخطة السهلة التي تؤدي به إلى الخير، ونيسر له الإنفاق في سبيل الخير والعمل بطاعة الله.

стр. 9148

﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى، وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ أي وأما من بخل بماله، فلم يبذله في سبل الخير، واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، وزهد في الأجر والثواب وفضل الله، وكذّب بالجزاء في الدار الآخرة، فسنهيئه للخصلة العسرى والطريقة الصعبة التي لا تنتج إلا شرا، حتى تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، حتى يصل إلى النار، ولا يغني عنه شيئا ماله الذي بخل به، إذا سقط في جهنم. ويلاحظ أن التيسير والبشارة في الأصل على الشيء المفرح والسّاتر، لكن إذا جمع في الكلام بين خير وشر، جاء التيسير والبشارة فيهما جميعا. أخرج البخاري ومسلّم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بقيع الغرقد في جنازة، فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ثم قرأ: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾. وهناك أحاديث كثيرة في هذا المعنى (١). فقه الحياة أو الأحكام: أقسم الله بالليل حينما يغطّي كل شيء بظلامه، وبالنهار إذا انكشف ووضح وظهر، وبالذي خلق الذكر والأنثى؛ فيكون قد أقسم بنفسه ، على أن عمل الناس مختلف في الجزاء، فبعضهم مؤمن وبر، وكافر وفاجر، ومطيع وعاص، وبعضهم في هدى أو في ضلال، وبعضهم ساع في فكاك نفسه من النار، وبعضهم بائع نفسه فموبقها في المعاصي، كما ذكر الثعلبي من قوله ﷺ : «الناس غاديان: فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها».

стр. 9149

ثم أوضح سبحانه معنى اختلاف الأعمال المذكور من العاقبة المحمودة والمذمومة، والثواب والعقاب، وذكر فريقين: الأول-من بذل ماله في سبيل الله، وأعطى حق الله عليه، واتقى المحارم والمنكرات، وصدّق بوعد الله بالعوض على عطائه، فالله يهيئ له الطريق اليسرى السهلة للوصول إلى غايته، ويرشده لأسباب الخير والصلاح، حتى يسهل عليه فعلها. جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا». والثاني-من ضنّ بما عنده، فلم يبذل خيرا، وكذلك بتعويض الله، فالله يسهل طريقه للشر، ويعسّر عليه أسباب الخير والصلاح، حتى يصعب عليه فعلها. قال العلماء: ثبت بهذه الآية: ﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ.﴾. وبقوله تعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة ٣/ ٢] وقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة ٢٧٤/ ٢] إلى غير ذلك من الآيات أن الجود من مكارم الأخلاق، والبخل من أرذلها، والجواد: هو الذي يعطي في موضع العطاء، والبخيل: هو الذي يمنع في موضع العطاء، فكل من استفاد بما يعطي أجرا وحمدا، فهو الجواد، وكل من استحق ذما أو عقابا، فهو البخيل، والمسرف المذموم، وهو من المبذّرين الذين جعلهم الله إخوان الشياطين، وأوجب الحجر عليهم (١). ولا يفيد هذا البخيل ماله إذا مات أو صار في القبر أو سقط في جهنم.

стр. 9150

قد أعذر من أنذر ﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)﴾ الإعراب: ﴿يَتَزَكّى﴾ بدل من ﴿يُؤْتِي﴾ أو حال من فاعله. ﴿إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ ﴿اِبْتِغاءَ﴾ منصوب لأنه استثناء منقطع، وهو قول أكثر النحويين؛ لأن الابتغاء ليس من جنس النعمة، أي لكن ابتغاء. البلاغة: ﴿الْأَشْقَى﴾ و ﴿الْأَتْقَى﴾ بينهما طباق. ﴿لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ سجع رصين غير متكلف. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ علينا الإرشاد إلى الحق، بموجب قضائنا، أو بمقتضى حكمتنا. ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ أي لله الآخرة والدنيا، نعطي ما نشاء لمن نشاء، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ، ولا يضرنا ترك الاهتداء. ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾ خوفتكم. ﴿تَلَظّى﴾ تتلظى أي تتوقد وتتلهب. ﴿لا يَصْلاها﴾ لا يدخلها ولا يحترق بها إلى الأبد. ﴿إِلاَّ الْأَشْقَى﴾ الشقي الكافر كأبي جهل وأمية بن خلف، أما الفاسق وإن دخلها فلا يلزمها. ﴿كَذَّبَ﴾ كذب النبي فيما جاء به. ﴿وَتَوَلّى﴾ أعرض عن الإيمان والطاعة لربه. ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾ يبعد عنها. ﴿الْأَتْقَى﴾ التقي الذي اتقى الكفر والمعاصي. ﴿يَتَزَكّى﴾ يتطهر بأن يخرجه لله تعالى، لا رياء ولا سمعة، فيكون زاكيا عند الله. ﴿تُجْزى﴾ تكافأ وتجازى. ﴿إِلاَّ﴾ لكن فعل ذلك. ﴿اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ أي طلب ثواب الله. ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ بما يعطاه من الثواب في الجنة. والآية تشمل كل من فعل مثل هذا، فيبعد عن النار ويثاب.

стр. 9151

سبب النزول: نزول الآية (١٧): ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا.﴾.: أخرج ابن أبي حاتم عن عروة: أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة، كلهم يعذب في الله، وفيه نزلت: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ إلى آخر السورة. نزول الآية (١٩): ﴿وَما لِأَحَدٍ.﴾.: روى عطاء عن ابن عباس قال: إن بلالا لما أسلّم، ذهب إلى الأصنام فسلح عليها، وكان عبدا لعبد الله بن جدعان، فشكا إليه المشركون ما فعل، فوهبه لهم، ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم، فأخذوه وجعلوا يعذبونه في الرمضاء، وهو يقول: أحد فمرّ به رسول الله ﷺ فقال: ينجيك أحد أحد. ثم أخبر رسول الله ﷺ أبا بكر: أن بلالا يعذّب في الله، فحمل أبو بكر رطلا من ذهب، فابتاعه به. فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك إلا ليد كانت لبلال عنده، فأنزل الله تعالى: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ (١). وأخرج البزار عن ابن الزبير قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى.﴾. إلى آخرها، في أبي بكر الصديق. المناسبة: بعد أن عرّف الله تعالى أن سعي الناس شتى في العواقب، وبيّن ما للمحسن من اليسرى وما للمسيء من العسرى، أخبر أنه قد قام بما عليه من البيان والدلالة، والترغيب والترهيب، والإرشاد والهداية، وأعلم أنه مالك الدنيا

стр. 9152

والآخرة، ولا يزيد في ملكه اهتداء الناس، ولا يضره ترك اهتداءهم بهداه، ويعطي ما يشاء لمن يشاء، فتطلب سعادة الدارين منه. ثم أنذر الناس جميعا بعذاب النار، وأبان من يصلاها ويحترق بها، ومن يبعد عنها ويسلّم من عذابها، وقد أعذر من أنذر. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ أي علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال، والحلال من الحرام، والحق من الباطل، والخير من الشر، من طريق الأنبياء وإنزال الكتب التي فيها تشريع الأحكام، وتبيان العقائد والعبادات والأخلاق وأنظمة المعاملات. ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ أي لنا كل ما في الآخرة، وكل ما في الدنيا، نتصرف به كيف نشاء، فمن أراد شيئا من الدارين، فليطلبه منا، نهب ونعطي ما نشاء لمن نشاء، ولا يضرنا ترك الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤهم، بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم أيها الناس. ومن ملك الدنيا والآخرة وكان هو المتصرف فيهما، كان هديه وشرعه هو الذي يجب اتباعه. ثم حذر من سلوك طريق النار، فقال: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى، لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ أي لقد خوفتكم نارا عظيمة شديدة تتوهج وتتلهب، لا يدخلها ويذوق حرها إلا الكافر الذي كذب الحق الذي جاءت به الرسل، وكذب رسول الله ﷺ فيما جاء به عن ربه، وأعرض عن الإيمان بالله واتباع شرائعه وأحكامه، وطاعة أوامره. وأبان سبيل النجاة من النار، فقال: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أي وسيباعد عن النار

стр. 9153

المتقي للكفر والمعاصي اتقاء بالغا، قال الواحدي كما مر: الأتقى أبو بكر الصديق في قول جميع المفسرين، أي إنها نزلت فيه، وإلا فحكمها عام. وهذا الأتقى هو الذي ينفق ماله ويعطيه في وجوه الخير، طالبا أن يكون عند الله زكيا متطهرا نقيا من الذنوب، لا يريد بذلك رياء ولا سمعة، ولا مديحا وثناء من الناس. روى الإمام أحمد والبخاري عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة: رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه». وروى مسلم الحديث بلفظ آخر: «إن أهون أهل النار عذابا: من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل، ما يريد أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا». وروى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل النار إلا شقي، قيل: ومن الشقي؟ قال: الذي لا يعمل بطاعة ولا يترك لله معصية». وروى أحمد أيضا والبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». ثم ذكر صفة الإخلاص في العمل، فقال: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى، وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾» أي لا يتصدق بماله مقابل نعمة لأحد من الناس عليه، يكافئه عليها، وإنما يريد بذلك طلب رضوان الله ومثوبته، لا لمكافأة نعمة، وتالله لسوف يرضى بما نعطيه من الكرامة والجزاء العظيم.

стр. 9154

جاء في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله، دعته خزنة الجنة: يا عبد الله هذا خير، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما على من يدعى منها ضرورة، فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: نعم وأرجو أن تكون منهم». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - اقتضت حكمة الله تعالى ورحمته بعباده أن يبين لهم كل ما هو رشاد وهداية موصلة إلى جنته ورضاه، وقد تعهد الله بذلك لبيان أحكام الحلال والحرام، والطاعة والمعصية. ٢ - لله تعالى ملك الدنيا والآخرة، وهو المتصرف فيهما، ومانح ثوابهما، يعطي ما يشاء لمن يشاء، فمن طلبهما من غير مالكهما ومن غير المتصرف فيهما، فقد أخطأ الطريق. ولا يضره عصيان العاصين، ولا ينفعه طاعة المطيعين، وإنما يعود ضره أو نفعه إليهم. ٣ - حذر الله تعالى بعد هذه البيانات الوافية من نار جهنم التي تتوهج وتتوقد، ولا يجد صلاها وهو حرها على الدوام إلا الشقي الكافر الذي كذّب نبي الله محمدا ﷺ ، وأعرض عن الإيمان. ٤ - سيكون بعيدا من النار المتقي المعاصي، الخائف من عذاب الله، وصفة الأتقى أو المتقي: هو الذي يعطي ماله طالبا أن يكون عند الله زاكيا طاهرا متطهرا من الآثام والذنوب، لا يطلب بذلك رياء ولا سمعة، ولا مكافأة لأحد، بل يتصدق به مبتغيا به وجه الله تعالى، قاصدا ثوابه ورضاه، ولسوف يرضى عن الله، ويرضى الله عنه، فيكون راضيا مرضيا. وهو وعد كريم من رب رحيم.

стр. 9155

والخلاصة: أن كلا من الأتقى والأشقى يشمل قسمين، فالأتقى: يشمل المؤمن البار الذي ابتعد عن الفواحش كلها، والمؤمن الذي يذنب أحيانا فيتوب ويندم، وثواب كل منهما الجنة. والأشقى: يشمل الكافر الجاحد بالله وبرسله وبما أنزل عليه، والمسلم الذي آمن في قلبه بالله ورسله، ولكنه يصر على بعض المعاصي والسيئات ولا يتوب منها، وهذا دليل على نقص تصديقه، بدليل قوله ﷺ فيما أخرجه ابن ماجه: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن». والأول مخلّد في النار، والثاني معذب فيها على وفق مشيئة الله، ثم يخرج إلى الجنة. وأما صفة الأتقى والأشقى فهو كلام وارد على سبيل المبالغة. قال الزمخشري: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين، فقيل: ﴿الْأَشْقَى﴾ وجعل مختصا بالصلي، كأن النار لم تخلق إلا له، وقيل: ﴿الْأَتْقَى﴾ وجعل مختصا بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر ﵁ (١). أخرج الإمام أحمد وابن ماجه وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل النار إلا من شقي، قيل: ومن الشقي؟ قال: الذي لا يعمل لله تعالى طاعة، ولا يترك لله تعالى معصية».

стр. 9156

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الضحى مكيّة، وهي إحدى عشرة آية. تسميتها: سميت سورة الضحى تسمية لها باسم فاتحتها، حيث أقسم الله بالضحى: وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس، تنويها بهذا الوقت المهم الذي هو نور، ولأنها نزلت في شأن النبي ﷺ ، فافتتحت بالضحى. ولما كانت سورة الليل نازلة في بخيل، افتتحت بالليل. مناسبتها لما قبلها: هذه السورة متصلة بسورة الليل من وجهين: ١ - ختمت سورة الليل بوعد كريم من الله تعالى بإرضاء الأتقى في الآخرة، وقال تعالى في سورة الضحى مؤكدا وعده لنبيه ﷺ بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾. ٢ - ذكر تعالى في السورة السابقة: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ ثم عدد الله تعالى نعمه على سيد الأتقياء في هذه السورة وهو محمد ﷺ . ما اشتملت عليه السورة: موضوع سورة الضحى المكية الحديث عن شخصية النبي ﷺ . وقد تضمنت أربعة مقاصد:

стр. 9157

١ - ابتدأت بالقسم الإلهي العظيم على أن الله ما قلا رسوله ولا أبغضه، ولا هجره ولا تركه، وإنما هو محل العناية الربانية، وهو عظيم القدر عند الله تعالى: ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى..﴾. [الآيات: ١ - ٤]. ٢ - بشّره ربه بالعطاء الجمّ في الآخرة ومنه الشفاعة العظمى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [٥]. ٣ - عددت نعم الله على نبيه منذ صغره: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى..﴾. [الآيات: ٦ - ٨]. ٤ - ختمت بإيصائه بفضائل ثلاث: العطف على اليتيم، وصلة المسكين، وشكر النعمة العظمى وهي النبوة وغيرها من هذه النعم المذكورة: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ، وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [٩ - ١١]. فضلها: ثبت عن الإمام الشافعي أنه يسن التكبير بأن يقول «الله أكبر» أو «الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر» عقب قراءة سورة والضحى وخاتمة كل سورة بعدها. وذكر القراء في مناسبة التكبير: أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله ﷺ وفتر مدة، ثم جاء الملك، فأوحى إليه: ﴿وَالضُّحى، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ السورة بتمامها، كبّر فرحا وسرورا. قال ابن كثير: ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف.

стр. 9158

نعم الله تعالى على النبي محمد ﷺ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ الإعراب: ﴿وَالضُّحى﴾ قسم، وجواب القسم: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ والتوديع: مبالغة في الودع؛ لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك. وقرئ: ﴿وَدَّعَكَ﴾ أي تركك. و ﴿ما قَلى﴾ أي ما قلاك أي ما أبغضك، فحذف الكاف وهي مفعول، كما حذف الكاف التي هي المفعول من قوله: ﴿فَآوى﴾ أي فآواك، وفي قوله: ﴿فَأَغْنى﴾ أي فأغناك، والحذف للتخفيف كثير. وهنا حذفت المفاعيل رعاية للفواصل. ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾ دخلت اللام على «سوف» دون السين؛ لأن «سوف» أشبهت الاسم؛ لأنها على ثلاثة أحرف. ولما دخلت اللام عليها علم أنها لام قسم، لا لام ابتداء، لأن لام الابتداء لا تدخل على «سوف». و ﴿يُعْطِيكَ﴾ فعل متعد إلى مفعولين، وحذف هنا أحدهما، وتقديره: ولسوف يعطيك ربك ما تريده، فترضى. وهو من الأفعال التي يجوز الاقتصار فيها على أحد المفعولين دون الآخرة، فيجوز أن تقول في (أعطيت زيدا درهما): (أعطيت زيدا). ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ﴾ ﴿وَأَمَّا السّائِلَ﴾ ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ﴿الْيَتِيمَ﴾ مفعول ﴿تَقْهَرْ﴾، و ﴿السّائِلَ﴾ مفعول ﴿تَنْهَرْ﴾، والباء في ﴿بِنِعْمَةِ﴾ تتعلق ب ﴿فَحَدِّثْ﴾ والفاء في ﴿فَلا تَقْهَرْ﴾، و ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾، و ﴿فَحَدِّثْ﴾ جواب ﴿أَمَّا﴾ في هذه المواضع؛ لأن فيها معنى الشرط. البلاغة: ﴿لَلْآخِرَةُ﴾ و ﴿الْأُولى﴾ بينهما طباق أي بين الآخرة والدنيا.

стр. 9159

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى﴾ مقابلة بينها وبين ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾. ﴿تَقْهَرْ﴾ و ﴿تَنْهَرْ﴾ جناس ناقص لتغير الحرف الثاني من الكلمة. ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى، وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى، وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى﴾ سجع مرصّع: وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿وَالضُّحى﴾ وقت ارتفاع الشمس أول النهار. ﴿وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ سكن وغطى بظلامه الأشياء. وإنما قدم ذكر الليل في السورة السابقة، وأخره في هذه السورة، للتنويه بفضيلة كل واحد من الليل والنهار، فالليل له فضيلة السبق، وللنهار فضيلة النور، فيقدم هذا تارة، وهذا تارة أخرى. وإنما حلف بالضحى والليل فقط للتنويه بقيمة الزمان الذي يدل عليه مرور النهار والليل. وخص وقت الضحى بالذكر؛ لأنه وقت اجتماع الناس، وكمال الأنس بعد وحشة زمان الليل. وذكر الضحى وهو ساعة من النهار، وذكر الليل كله إشارة إلى أن ساعة من النهار في الإنتاج توازي جميع الليل، كما أن محمدا إذا قورن بغيره يوازي جميع الأنبياء (١). ﴿ما وَدَّعَكَ﴾ ما قطعك أو فارقك قطع المودّع أو مفارقته، وقرئ ﴿وَدَّعَكَ﴾ بالتخفيف، أي تركك. وهو جواب القسم. ﴿وَما قَلى﴾ ما أبغضك ربك، والقلى: شدة الكره، وقد نزل هذا لما قال الكفار عند تأخر الوحي عنه خمسة عشر يوما: إن ربه ودعه وقلاه. ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى﴾ لما فيها من الكرامات، ولأنها باقية خالصة عن الشوائب، والدنيا فانية مشوبة بالمضارّ. وهذا تنويه بقدر النبي ﷺ وإعداده للنبوة، ومواصلته بالوحي والكرامة في الدنيا، والإخبار بعلو منزلته في الآخرة، فإنه لا يزال يتصاعد في الرفعة والكمال. ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ يعطيك ربك في الآخرة من الخيرات عطاء جزيلا، فترضى به، وهو وعد شامل بالعطاء الجزيل، ومنه الشفاعة العظمى، فقال ﷺ فيما رواه الخطيب في تلخيص المتشابه: «إذن لا أرضى، وواحد من أمتي في النار». وهذا تمام جواب القسم بمثبتين بعد منفيين. ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ﴾ استفهام تقرير، أي وجدك ﴿يَتِيماً﴾ بفقد أبيك قبل ولادتك أو بعدها. ﴿فَآوى﴾ ضمك إلى عمك أبي طالب. وهذا وما بعده تعداد لما أنعم الله به على نبيه محمد ﷺ ، تنبيها على أنه كما أحسن إليه فيما مضى، يحسن إليه فيما يستقبل. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ لا يمكن حمل الضلال هنا على ما يقابل الهدى؛ لأن الأنبياء معصومون من ذلك، قال العلماء: إنه ما كفر

стр. 9160

بالله طرفة عين، وإنما المراد بالضلال: الخطأ في معرفة أحكام الشرائع، فهداه إلى مناهجها وكيفياتها. والمراد: الحيدة عن معالم الشريعة الحنيفية، كقوله تعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ﴾ [الشورى ٥٢/ ٤٢]. ﴿عائِلاً﴾ فقيرا. ﴿فَأَغْنى﴾ بالقناعة بربح التجارة وغيرها، جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». ﴿فَلا تَقْهَرْ﴾ فلا تستذله وتستضعفه بأخذ ماله أو بتسخيره ونحو ذلك. ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾ تزجره لفقره. ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ أي نعمته عليك بالنبوة وغيرها. ﴿فَحَدِّثْ﴾ أخبر واشكر مولاك سبب النزول: نزول الآية (١) وما بعدها: أخرج الشيخان وغيرهما عن جندب قال: اشتكى النبي ﷺ ، فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة، فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ، وَما قَلى﴾. وأخرج سعيد بن منصور والفريابي عن جندب قال: أبطأ جبريل على النبي ﷺ ، فقال المشركون: قد ودّع محمد، فنزلت. وأخرج الحاكم عن زيد بن أرقم قال: مكث رسول الله ﷺ أياما لا ينزل عليه جبريل، فقالت أم جميل امرأة أبي لهب: ما أرى صاحبك إلا قد ودّعك وقلاك، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحى.﴾. الآيات. وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن شداد: أن خديجة قالت للنبي ﷺ : ما أرى ربك إلا قد قلاك، فنزلت. والخبر مرسل، ورواته ثقات. قال الحافظ ابن حجر: فالذي يظهر أن كلا من أم جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أم جميل قالته شماتة، وخديجة قالته توجعا. والخلاصة: أبطأ جبريل ﵇ على النبي ﷺ ، فقال المشركون: قلاه الله وودّعه؛ فنزلت الآية.

стр. 9161

نزول الآية (٤): ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ.﴾.: أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «عرض عليّ ما هو مفتوح لأمتي بعدي، فسرّني» فأنزل الله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى﴾ وإسناده حسن. نزول الآية (٥): أخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل والطبراني وغيرهم عن ابن عباس قال: عرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته كفرا كفرا-أي قرية قرية- فسرّ به، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾. التفسير والبيان: ﴿وَالضُّحى، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ أي قسما بالضحى: وقت ارتفاع الشمس أول النهار، والمراد به النهار، لمقابلته بالليل، وبالليل إذا سكن وغطى بظلمته النهار مثلما يسجّى الرجل بالثوب، ما قطعك ربك قطع المودّع، وما تركك، ولم يقطع عنك الوحي، وما أبغضك وما كرهك، كما يزعم بعضهم أو تتوهم في نفسك. وهذه الواقعة تدل على أن القرآن من عند الله؛ إذ لو كان من عنده لما توقف. ثم بشره بأن مستقبله أفضل من ماضيه، فقال: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى﴾ أي وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار، إذا فرض انقطاع الوحي وحصل الموت، وكذلك فإن أحوالك الآتية خير لك من الماضية، وأن كل يوم تزداد عزا إلى عز، ومنصبا إلى منصب، فلا تظن أني قليتك، بل تكون كل يوم يأتي أسمى وأرفع، فإني أزيدك رفعة وسموا، وإن شرف الدنيا يصغر عنده كل شرف، ويتضاءل بالنسبة إليه كل مكرمة في الدنيا.

стр. 9162

أخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود قال: اضطجع رسول الله ﷺ على حصير، فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه، وقلت: يا رسول الله، ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئا، فقال رسول الله ﷺ : «ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب، ظلّ تحت شجرة، ثم راح وتركها». وبشره بعطاء جزيل فقال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ أي ولسوف يمنحك ربك عطاء جزيلا ونعمة كبيرة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فهو الفتح في الدين، وأما في الآخرة فهو الثواب والحوض والشفاعة لأمتك، فترضى به. وهذا دليل على تحقيق العلو والسمو في الدارين، فيعلو دينه على كل الأديان، ويرتفع قدره على جميع الأنبياء والناس بالشفاعة العظمى يوم العرض الأكبر يوم القيامة. وإنما أتى بحرف التوكيد والتأخير، ليفيد بأن العطاء كائن لا محالة، وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة. ثم عدد الله تعالى نعمه على رسوله ﷺ قبل إرساله، وكأنه قال: ما تركناك وما قليناك قبل أن اخترناك واصطفيناك، فتظن أنا بعد الرسالة نهجرك ونخذلك، فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى، وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى، وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى﴾ أي ألم يجدك ربك يتيما لا أب لك، فجعل لك مأوى تأوي إليه، وهو بيت جدك عبد المطلب وعمك أبي طالب، فإنه فقد أباه وهو في بطن أمه، أو بعد ولادته، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب، وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب، إلى أن توفي، وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة.

стр. 9163

ووجدك غافلا عن أحكام الشرائع حائرا في معرفة أصح العقائد، فهداك لذلك، كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا، ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ الآية [الشورى ٥٢/ ٤٢]. ووجدك فقيرا ذا عيال لا مال لك، فأغناك بربح التجارة في مال خديجة، وبما منحك الله من البركة والقناعة، أخرج الشيخان في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه». روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى، وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى، وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ قبل أن يبعثه الله . ثم أمره ربه ببعض الأخلاق الاجتماعية وبشكره على هذه النعم، فقال: ١ - ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أي كما كنت يتيما فآواك الله، فلا تستذل اليتيم وتهنه وتتسلط عليه بالظلم لضعفه، بل أدّه حقه، وأحسن إليه، وتلطف به، واذكر يتمك. لذا كان رسول الله ﷺ يحسن إلى اليتيم ويبره ويوصي باليتامى خيرا. ٢ - ﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أي وكما كنت ضالا، فهداك الله، فلا تنهر السائل المسترشد في العلم، وطلب المال، ولا تزجره، بل أجبه أورد عليه ردا جميلا. ٣ - ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أي تحدث بنعمة ربك عليك، واشكر هذه النعمة وهي النبوة والقرآن، وما ذكر في الآيات، والتحدث بنعمة الله

стр. 9164

شكر، فكما كنت عائلا فقيرا، فأغناك الله، فتحدث بنعمة الله عليك، كما جاء في الدعاء النبوي المأثور: «واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين عليها، قابليها، وأتمها علينا». وأخرج أبو داود والترمذي وصححه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - أقسم الله بالضحى، أي بالنهار، وبالليل إذا سكن، على أنه ما ترك نبيه وما أبغضه منذ أحبه. قال ابن جريج: احتبس عنه الوحي اثني عشر يوما. وقال ابن عباس: خمسة عشر يوما. وقيل: خمسة وعشرين يوما. وقال مقاتل: أربعين يوما. قال الرازي: هذه الواقعة تدل على أن القرآن من عند الله، إذ لو كان من عنده لما امتنع (١). كما تقدم. ٢ - بشر الله نبيه ببشارتين عظيمتين: الأولى-أنه جعل أحواله الآتية خيرا له من الماضية، ووعده بأنه سيزيده كل يوم عزا إلى عز، وجعل ما عنده في الآخرة حين مرجعه إليه، خيرا له مما عجل له من الكرامة في الدنيا. والثانية-أنه سيعطيه غاية ما يتمناه ويرتضيه في الدنيا بالنصر والتفوق وغلبة دينه على الأديان كلها، وفي الآخرة بالثواب والحوض والشفاعة. روى الخطيب أنه ﷺ ، لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ قال: «إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار»، كما تقدم.

стр. 9165

والخلاصة: آية ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ..﴾. عدة كريمة شاملة لما أعطاه الله في الدنيا من كمال النفس وعلوم الأولين والآخرين، وظهور الأمر وإعلاء الدين بالفتوحات وانتشار الدعوة في المشارق والمغارب، ولما ادخر له ﵇ في الآخرة من الكرامات التي لا يعلمها إلا هو . وورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن النبي ﷺ تلا قول الله في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ، فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم ٣٦/ ١٤] وقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨/ ٥] فرفع يديه، وقال: اللهم أمتي أمتي، وبكى؛ فأتاه جبريل ﵊، فسأله، فأخبره ﷺ بما قال، وهو أعلم؛ فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد، فقال: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك». ٣ - عدد الله تعالى نعمه ومننه على نبيه محمد ﷺ ، وذكر منها في السورة ثلاثا هي الإيواء بعد اليتم، والهدى بعد الغفلة، والإغناء بعد الفقر. أما الإيواء فقد تكفله بعد موت أبيه وأمه جده عبد المطلب، ثم عمه أبو طالب فكفله وآزره، ودفع عنه الأذى. وأما الهدى فهو بيان القرآن والشرائع، فهداه الله إلى أحكام القرآن وشرائع الإسلام، بعد الجهل بها والغفلة عنها. وليس معنى الضلالة الكفر أو كونه على دين قومه؛ لأن الأنبياء معصومون عن ذلك. واتفق جمهور العلماء على أنه ﷺ ما كفر بالله لحظة واحدة. وقالت المعتزلة: هذا غير جائز عقلا، لما فيه من التنفير.

стр. 9166

وأما الإغناء فهو الإمداد بالفضل والمال والرزق بالتجارة في مال خديجة ﵂. وفي زمان الرسالة أغناه بمال أبي بكر، ثم بمال الأنصار بعد الهجرة، ثم بالغنيمة. والحكمة في اختيار اليتم له: أن يعرف قدر اليتامى، ويقوم بحقهم وصلاح أمرهم. ثم إن اليتم والفقر نقص في حق الناس عادة، فلما صار محمد ﵊ نبيا ورسولا، وأكرم الخلق، مع هذين الوصفين، كان ذلك قلبا للعادة، فكان من جنس المعجزات. ٤ - أدّب الله نبيه محمدا ﷺ بأن يتعامل مع الخلق مثل معاملة الله معه، فأمره بألا يظلم اليتيم، ويدفع إليه حقه، ويذكر أنه كان يتيما مثله. ودلت الآية على طلب اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه، حتى قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم. وروي عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ قسوة قلبه، فقال: «إن أردت أن يلين، فامسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين» وفي الصحيح الذي رواه البخاري وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى. ونهى الله تعالى نبيه ﷺ عن زجر السائل وعن إغلاظ القول له، وأمره بأن يردّه ببذل يسير، أو ردّ جميل، وأن يتذكر فقره. روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنعن أحدكم السائل، وأن يعطيه إذا سأل، ولو رأى في يده قلبين (١) من ذهب». وقال النبي ﷺ أيضا: «ردّوا السائل ببذل يسير، أو ردّ جميل، فإنه يأتيكم من ليس من الإنس ولا من الجن، ينظر كيف صنيعكم فيما خوّلكم الله» (٢).

стр. 9167

وأمر الله تعالى رسوله ﷺ بشكر نعمة الله عليه وهي النبوة والرسالة، وإنزال القرآن الكريم عليه. ويكون الشكر بنشر ما أنعم الله عليه، والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها شكر لها. ويلاحظ أنه تعالى نهاه عن شيئين وأمره بواحد: نهاه عن قهر اليتيم جزاء لما أنعم به عليه في قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى﴾. ونهاه عن نهر السائل في مقابلة قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى﴾. وأمره بتحديث نعمة ربه، وهو في مقابلة قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾. قال العلماء المحققون: التحديث بنعم الله تعالى جائز مطلقا، بل مندوب إليه إذا كان الغرض أن يقتدي به غيره، أو أن يشيع شكر ربه بلسانه، وإذا لم يأمن على نفسه الفتنة والإعجاب، فالستر أفضل. وإنما أخر التحديث تقديما لمصلحة المخلوقات على حق الله؛ لأن الله غني وهم المحتاجون، ولهذا رضي لنفسه بالقول فقط. وروي عن الشافعي أنه رأى التكبير سنة في خاتمة ﴿وَالضُّحى﴾ إلى آخر القرآن؛ لأنه حين انقطع الوحي كما تقدم، وأنزلت السورة، قال رسول الله ﷺ : «الله أكبر» تصديقا لما أتى به القرآن. وهذا التكبير ليس بقرآن؛ لأنه لم ينقل كالقرآن نقلا متواترا بسورة وآياته وحروفه، دون زيادة ولا نقصان. وقال العلماء: لا نقول: إنه لا بد لمن ختم أن يفعله، ولكنه من فعل فقد أحسن، ومن ترك فلا حرج. ولفظ التكبير إما بأن يقول: «الله أكبر» أو يقول: «لا إله إلا الله والله أكبر».

стр. 9168

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الشرح، أو: الانشراح مكيّة، وهي ثماني آيات. تسميتها: سميت سورة الشرح أو الانشراح أو ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ لافتتاحها بالخبر عن شرح صدر النبي ﷺ أي تنويره بالهدى والإيمان والحكمة، وجعله فسيحا رحيبا واسعا، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ، يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ [الأنعام ١٢٥/ ٦]. مناسبتها لما قبلها: هي شديدة الاتصال بسورة الضحى، لتناسبهما في الجمل والموضوع؛ لأن فيهما تعداد نعم الله تعالى على نبيه ﷺ ، مع تطمينه وحثه على العمل والشكر، حيث قال في السورة السابقة: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى.﴾. وأضاف هنا وعطف: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.﴾ .. ولهذا ذهب بعض السلف إلى أنهما سورة واحدة بلا بسملة بينهما، والأصح المتواتر كونهما سورتين، وإن اتصلتا معنى. ما اشتملت عليه السورة: موضوع هذه السورة كسابقتها الحديث عن شخصية النبي ﷺ وما أمده الله به من نعم عظيمة، تستحق الحمد والشكر.

стр. 9169

وقد اشتملت على أمور أربعة: ١ - تعداد نعم ثلاث أنعم الله بها على نبيه المصطفى ﷺ وهي شرح صدره بالحكمة والإيمان، وتطهيره من الذنوب والأوزار، ورفع منزلته ومقامه وقدره في الدنيا والآخرة: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [١ - ٤] وذلك بقصد تسلية الرسول ﷺ وإيناسه عما يلقاه من أذى قومه الشديد في مكة والطائف وغيرهما. ٢ - وعد الله له بتيسير المعسر، وتفريج الكرب عليه، وإزالة المحن والشدائد، وتبشيره بقرب النصر على الأعداء: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [٥ - ٦]. ٣ - أمره بمواظبة العبادة والتفرغ لها بعد القيام بتبليغ الرسالة؛ شكرا لله على ما أنعم عليه: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [٧]. ٤ - أمره بعد كل شيء بالتوكل على الله وحده، والرغبة فيما عنده: ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [٨]. نعم الله على نبيه وما أمره به ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ البلاغة: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ استفهام تقريري للتذكير بنعم الله، أي قد شرحنا لك صدرك.

стр. 9170

﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ استعارة تمثيلية، شبه الذنوب بحمل ثقيل يرهق كاهل حامله بطريق التمثيل. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ تنكير اليسر للتعظيم والتفخيم، كأنه قال: يسرا عظيما. ﴿الْعُسْرِ﴾ و «اليسر» بينهما جناس ناقص. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ إطناب بتكرير الجملة، لتثبيت معناها في النفوس، وبما أن العسر معروف فهو مفرد، واليسر منكر فهو متعدد، أي مع كل عسر يسران، فالعسر الأول عين الثاني، واليسر تعدد. ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ سجع مرصع مراعاة لرؤوس الآيات. وكذا في قوله: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ وهو من المحسنات البديعية. المفردات اللغوية: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ألم نفسح ونبسط ونوسع لك يا محمد صدرك، حتى وسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق، بما أودعنا فيه من الحكمة والإيمان والنبوة، وأزلنا عنه ضيق الجهل. والعرب تطلق سعة الصدر وعظمه على الحلم والقوة، فهو كناية عن السرور وانبساط النفس وراحة البال وسعة الأفق. وهو استفهام تقرير، أي قد شرحنا وأفسحنا. ﴿وَضَعْنا﴾ حططنا وأزلنا وخففنا عنك. ﴿وِزْرَكَ﴾ حملك الثقيل. ﴿أَنْقَضَ﴾ أثقل، حتى سمع له نقيض أي صوت. وهذا كقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ٢/ ٤٨]. وليس المراد بالذنوب المعاصي والآثام، فإن الرسل معصومون من ارتكاب الذنوب، وإنما المراد ما فعله اجتهادا مما هو خلاف الأولى، كإذنه للمنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك، وأخذ الفداء من أسرى بدر، وعبوسه في وجه الأعمى ونحو ذلك. وقيل: المراد من قوله: ﴿وِزْرَكَ﴾ تخفيف أعباء النبوة والرسالة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، وأداء واجباتها وحفظ حقوقها، فسهل الله تعالى ذلك عليه، وحط عنه ثقلها، بأن صارت يسيرة له. ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ بالنبوة وغيرها، كأن جعلتك تذكر مع ذكري في الأذان والإقامة والتشهد والخطبة وغيرها. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ﴾ الشدة والضعف والفقر ونحوها من المضايقات ﴿يُسْراً﴾ سهولة وتوفيقا للاهتداء والطاعة، وقد قاسى النبي ﷺ من كثير من الكفار، وعانى منهم الشدائد، ثم حصل له اليسر، بنصره عليهم. ﴿فَإِذا فَرَغْتَ﴾ من أداء الرسالة وتبليغ الناس بها. ﴿فَانْصَبْ﴾ أتعب في الدعاء والعبادة. ﴿فَارْغَبْ﴾ تضرع وتوكل، واجعل رغبتك بالله في جميع شؤونك.

стр. 9171

سبب النزول: نزول الآية (٦): ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾: نزلت لما عيّر المشركون المسلمين بالفقر. وأخرج ابن جرير عن الحسن البصري قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ قال رسول الله ﷺ : «أبشروا أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين». التفسير والبيان: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أي قد شرحنا لك صدرك لقبول النبوة، وتحمل أعبائها، وحفظ الوحي. قال الرازي: وقد استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك. والأولى أن يقال كما بينا: الاستفهام تقريري، يراد به إثبات الشرح. والمراد بشرح الصدر تنويره وجعله فسيحا وسيعا رحيبا، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ [الأنعام ١٢٥/ ٦] (١). وقال أبو حيان: شرح الصدر: تنويره بالحكمة وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه، وهو قول الجمهور، والأولى العموم لهذا ولغيره من مقاساة الدعاء إلى الله تعالى وحده، واحتمال المكاره من إذاية الكفار (٢). والأكثرون على أن الشرح أمر معنوي. وقيل: المراد بذلك شرح صدره ليلة الإسراء، كما رواه الترمذي عن مالك بن صعصعة. قال ابن كثير: ولكن لا منافاة، فإن من جملة شرح صدره: الذي فعل بصدره ليلة الإسراء، وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضا (٣).

стр. 9172

وروى أيضا حديث شرح الصدر عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبي بن كعب: أن أبا هريرة كان جريئا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء، لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله، ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسا، وقال: «لقد سألت يا أبا هريرة، إني في الصحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذ بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلي يمشيان، حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأحدهما مسّا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري، ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئا كهيئة العلقة، ثم نبذها، فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة، ثم هزّ إبهام رجلي اليمنى، فقال: أعد وأسلم، فرجعت بها أعدو رقّة على الصغير، ورحمة على الكبير». وفي الصحيح عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة-رجل من قومه: أن النبي ﷺ قال: «فبينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فأتيت بطست من ذهب، فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا» -قال قتادة: قلت: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني-قال: فاستخرج قلبي، فغسل قلبي بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حشي إيمانا وحكمة». والخلاصة من حديث شق الصدر: أن جبريل ﵇ أتى محمدا ﷺ في صغره، وشق صدره، وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علما وإيمانا، ووضعه في صدره.

стр. 9173

وقد طعن بعضهم في هذه الرواية؛ لأن هذه الواقعة حدثت في حال الصغر، وذلك من المعجزات، فلا يجوز أن تتقدم نبوته، ولأن تأثير الغسل في إزالة أوساخ الأجسام، والمعاصي ليست بأجسام، فلا يكون للغسل فيها أثر، ولأنه لا يصح أن يملأ القلب علما، بل الله تعالى يخلق فيه العلوم. وأجاب الإمام فخر الدين الرازي عن ذلك بأن هذا يسمى الإرهاص، وهو مقدمات النبوة وبشائرها، ومثله في حق الرسول ﷺ كثير، ولا يبعد أن يكون غسل الدم الأسود من قلب الرسول ﷺ علامة للقلب الذي يميل إلى المعاصي، ويحجم عن الطاعات، فإذا أزالوه كان ذلك كالعلامة على كون صاحبه معصوما، مواظبا على الطاعات، محترزا عن السيئات، وأيضا فلأن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد (١). ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي حططنا عنك ما كنت تتصور من وجود ذنوب ومعاص أثقلت كاهلك، وأتعبت نفسك، سواء قبل النبوة أم بعدها مما تفعله خلاف الأولى، وهو لا يتفق مع سمو قدرك، ورفعة منزلتك، وعلو شأنك، كالإذن لبعض المنافقين بالتخلف عن الجهاد في موقعة تبوك، وقبول الفداء من أسرى بدر، والعبوس في وجه الأعمى. وقيل: المراد حططنا عنك حمل أعباء النبوة والرسالة، فسهلناها عليك، حتى تيسرت لك. ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أي جعلنا ذكرك مرفوعا عاليا في الدنيا والآخرة، بالنبوة وختم الرسالات بك، وإنزال القرآن العظيم عليك، وتكليف المؤمنين بالقول بعد «أشهد أن لا إله إلا الله»: «أشهد أن محمدا رسول الله» سواء في

стр. 9174

الأذان أم في التشهد أم في الخطبة وغيرها، وأمرهم بالصلاة والسلام عليه، وأمر الله بطاعته، وجعل طاعته طاعة لله تعالى. قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وروى ابن جرير عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أتاني جبريل، فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي». وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي مسألة، وددت أني لم أسأله، قلت: قد كان قبلي أنبياء، منهم من سخّرت له الريح، ومنهم من يحيي الموتى، قال: يا محمد، ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى يا ربّ، قال: ألم أجدك ضالاّ فهديتك؟ قلت: بلى يا ربّ، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أشرح لك صدرك، ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب». وبعد التذكير بهذه النعم، ذكر الله تعالى أن ذلك جار على وفق سنته، من إيراد اليسر بعد العسر، فقال ردّا على المشركين الذين كانوا يعيرون رسول الله ﷺ بالفقر: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ أي إن مع ذلك العسر المذكور سابقا يسرا، وإن مع الضيق فرجا، وقد أكّد تعالى ذلك في الجملة الثانية. وفي هذا بشارة لرسول الله ﷺ وتسلية له أنه سيبدل حاله من فقر إلى غنى، ومن ضعف إلى عزة وقوة، ومن عداوة قومه إلى محبتهم. والأظهر أن المراد باليسرين: الجنس، ليكون وعدا عاما لجميع المكلفين في كل عصر، ويشمل يسر الدنيا ويسر الآخرة، ويسر العاجل والآجل.

стр. 9175

قال الفراء والزجاج: العسر مذكور بالألف واللام، وليس هناك معهود سابق، فينصرف إلى الحقيقة، فيكون المراد بالعسر في اللفظين شيئا واحدا. وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير، فكان أحدهما غير الآخر. يؤيد ذلك ما رواه الحاكم عن ابن مسعود مرفوعا: «لو كان العسر في حجر، لتبعه اليسر حتى يدخل فيه، فيخرجه، ولن يغلب عسر يسرين، إن الله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾». ثم أمره ربه بمهام تتناسب مع مقامه ومع شكر هذه النعم السابقة واللاحقة من اليسر والظفر، فقال: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ أي إذا فرغت من تبليغ الدعوة، أو من الجهاد، أو مشاغل الدنيا وعلاقاتها، فأتعب نفسك في العبادة، واجتهد في الدعاء، واطلب من الله حاجتك، وأخلص لربّك النيّة والرغبة. وهذا دليل على طلب الاستمرار في العمل الصالح والخير والمثابرة على الطاعة؛ لأن استغلال الوقت مطلوب شرعا، وإن الله يكره العبد البطال. ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أي أقبل على الله، واجعل رغبتك إلى الله وحده، وتضرع إليه راهبا من النار، راغبا في الجنة، ولا تطلب ثواب عملك إلا من الله، فإنه الجدير بالتوجه والتضرع إليه، وبالتوكل عليه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - هذه باقة أخرى من نعم الله على نبيه المصطفى ﷺ ، بالإضافة لما ذكر في سورة الضحى السابقة، وهي:
следующие страницы →