← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

سبب النزول: نزول الآية (٦): ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾: نزلت لما عيّر المشركون المسلمين بالفقر. وأخرج ابن جرير عن الحسن البصري قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ قال رسول الله ﷺ : «أبشروا أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين». التفسير والبيان: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أي قد شرحنا لك صدرك لقبول النبوة، وتحمل أعبائها، وحفظ الوحي. قال الرازي: وقد استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك. والأولى أن يقال كما بينا: الاستفهام تقريري، يراد به إثبات الشرح. والمراد بشرح الصدر تنويره وجعله فسيحا وسيعا رحيبا، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ [الأنعام ١٢٥/ ٦] (١). وقال أبو حيان: شرح الصدر: تنويره بالحكمة وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه، وهو قول الجمهور، والأولى العموم لهذا ولغيره من مقاساة الدعاء إلى الله تعالى وحده، واحتمال المكاره من إذاية الكفار (٢). والأكثرون على أن الشرح أمر معنوي. وقيل: المراد بذلك شرح صدره ليلة الإسراء، كما رواه الترمذي عن مالك بن صعصعة. قال ابن كثير: ولكن لا منافاة، فإن من جملة شرح صدره: الذي فعل بصدره ليلة الإسراء، وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضا (٣).

стр. 9172

وروى أيضا حديث شرح الصدر عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبي بن كعب: أن أبا هريرة كان جريئا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء، لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله، ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسا، وقال: «لقد سألت يا أبا هريرة، إني في الصحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذ بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلي يمشيان، حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأحدهما مسّا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري، ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئا كهيئة العلقة، ثم نبذها، فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة، ثم هزّ إبهام رجلي اليمنى، فقال: أعد وأسلم، فرجعت بها أعدو رقّة على الصغير، ورحمة على الكبير». وفي الصحيح عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة-رجل من قومه: أن النبي ﷺ قال: «فبينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فأتيت بطست من ذهب، فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا» -قال قتادة: قلت: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني-قال: فاستخرج قلبي، فغسل قلبي بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حشي إيمانا وحكمة». والخلاصة من حديث شق الصدر: أن جبريل ﵇ أتى محمدا ﷺ في صغره، وشق صدره، وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علما وإيمانا، ووضعه في صدره.

стр. 9173

وقد طعن بعضهم في هذه الرواية؛ لأن هذه الواقعة حدثت في حال الصغر، وذلك من المعجزات، فلا يجوز أن تتقدم نبوته، ولأن تأثير الغسل في إزالة أوساخ الأجسام، والمعاصي ليست بأجسام، فلا يكون للغسل فيها أثر، ولأنه لا يصح أن يملأ القلب علما، بل الله تعالى يخلق فيه العلوم. وأجاب الإمام فخر الدين الرازي عن ذلك بأن هذا يسمى الإرهاص، وهو مقدمات النبوة وبشائرها، ومثله في حق الرسول ﷺ كثير، ولا يبعد أن يكون غسل الدم الأسود من قلب الرسول ﷺ علامة للقلب الذي يميل إلى المعاصي، ويحجم عن الطاعات، فإذا أزالوه كان ذلك كالعلامة على كون صاحبه معصوما، مواظبا على الطاعات، محترزا عن السيئات، وأيضا فلأن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد (١). ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي حططنا عنك ما كنت تتصور من وجود ذنوب ومعاص أثقلت كاهلك، وأتعبت نفسك، سواء قبل النبوة أم بعدها مما تفعله خلاف الأولى، وهو لا يتفق مع سمو قدرك، ورفعة منزلتك، وعلو شأنك، كالإذن لبعض المنافقين بالتخلف عن الجهاد في موقعة تبوك، وقبول الفداء من أسرى بدر، والعبوس في وجه الأعمى. وقيل: المراد حططنا عنك حمل أعباء النبوة والرسالة، فسهلناها عليك، حتى تيسرت لك. ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أي جعلنا ذكرك مرفوعا عاليا في الدنيا والآخرة، بالنبوة وختم الرسالات بك، وإنزال القرآن العظيم عليك، وتكليف المؤمنين بالقول بعد «أشهد أن لا إله إلا الله»: «أشهد أن محمدا رسول الله» سواء في

стр. 9174

الأذان أم في التشهد أم في الخطبة وغيرها، وأمرهم بالصلاة والسلام عليه، وأمر الله بطاعته، وجعل طاعته طاعة لله تعالى. قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وروى ابن جرير عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أتاني جبريل، فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي». وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي مسألة، وددت أني لم أسأله، قلت: قد كان قبلي أنبياء، منهم من سخّرت له الريح، ومنهم من يحيي الموتى، قال: يا محمد، ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى يا ربّ، قال: ألم أجدك ضالاّ فهديتك؟ قلت: بلى يا ربّ، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أشرح لك صدرك، ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب». وبعد التذكير بهذه النعم، ذكر الله تعالى أن ذلك جار على وفق سنته، من إيراد اليسر بعد العسر، فقال ردّا على المشركين الذين كانوا يعيرون رسول الله ﷺ بالفقر: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ أي إن مع ذلك العسر المذكور سابقا يسرا، وإن مع الضيق فرجا، وقد أكّد تعالى ذلك في الجملة الثانية. وفي هذا بشارة لرسول الله ﷺ وتسلية له أنه سيبدل حاله من فقر إلى غنى، ومن ضعف إلى عزة وقوة، ومن عداوة قومه إلى محبتهم. والأظهر أن المراد باليسرين: الجنس، ليكون وعدا عاما لجميع المكلفين في كل عصر، ويشمل يسر الدنيا ويسر الآخرة، ويسر العاجل والآجل.

стр. 9175

قال الفراء والزجاج: العسر مذكور بالألف واللام، وليس هناك معهود سابق، فينصرف إلى الحقيقة، فيكون المراد بالعسر في اللفظين شيئا واحدا. وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير، فكان أحدهما غير الآخر. يؤيد ذلك ما رواه الحاكم عن ابن مسعود مرفوعا: «لو كان العسر في حجر، لتبعه اليسر حتى يدخل فيه، فيخرجه، ولن يغلب عسر يسرين، إن الله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾». ثم أمره ربه بمهام تتناسب مع مقامه ومع شكر هذه النعم السابقة واللاحقة من اليسر والظفر، فقال: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ أي إذا فرغت من تبليغ الدعوة، أو من الجهاد، أو مشاغل الدنيا وعلاقاتها، فأتعب نفسك في العبادة، واجتهد في الدعاء، واطلب من الله حاجتك، وأخلص لربّك النيّة والرغبة. وهذا دليل على طلب الاستمرار في العمل الصالح والخير والمثابرة على الطاعة؛ لأن استغلال الوقت مطلوب شرعا، وإن الله يكره العبد البطال. ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أي أقبل على الله، واجعل رغبتك إلى الله وحده، وتضرع إليه راهبا من النار، راغبا في الجنة، ولا تطلب ثواب عملك إلا من الله، فإنه الجدير بالتوجه والتضرع إليه، وبالتوكل عليه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - هذه باقة أخرى من نعم الله على نبيه المصطفى ﷺ ، بالإضافة لما ذكر في سورة الضحى السابقة، وهي:

стр. 9176

أولا-شرح الصدر، أي جعله فسيحا رحيبا، قويا عظيما لتحمل أعباء النبوة والرسالة. وثانيا-حطّ الذنوب والمعاصي التي تعد ثقيلة وكبيرة بالنسبة لقدره ومنزلته، وإلا فهي ليست ذنوبا على الحقيقة؛ لأن الأنبياء معصومون منها، ولم يسجد لصنم أو وثن قط، ولم يصدر عنه كفر أصلا قبل النبوة. وهذا يستدعي كمال عقله وروحه، وتبرئته من الوزر الذي ينشأ عن النفس والهوى، وهو معصوم منهما. وثالثا-رفع ذكره وإعلاء شأنه ومقامه في الدنيا والآخرة وتنزيه مقامه عن كل وصم، قال ابن عباس: يقول له: لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطب النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلا عبد الله جلّ ثناؤه، وصدّق بالجنة والنار وكل شيء، ولم يشهد أن محمدا رسول الله، لم ينتفع بشيء، وكان كافرا (١). ٢ - جعل الله تيسيرا ورحمة على العباد يسرين مع كل عسر، قال قوم: إن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرّفا، ثم كرروه، فهو هو، وإذا نكّروه فهو غيره، وهما اثنان، ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر. ٣ - الحثّ على المواظبة على العمل الصالح واستدامته، وعلى عمل الخير والإقبال على فعله، فعلى العاقل ألا يضيع أوقاته في الكسل والدعة، ويحرص بكل قواه على تحصيل ما ينفعه في الدارين.

стр. 9177

٤ - التوكل على الله وحده، والرغبة إليه والتضرع لوجهه الكريم، فإنه أهل التوجه والضراعة، ولا يطلب ثواب العمل الصالح إلا منه سبحانه. قال ابن العربي: روي عن شريح أنه مرّ بقوم يلعبون يوم عيد، فقال: ما بهذا أمر الشارع. وفيه نظر؛ فإن الحبش كانوا يلعبون بالدّرق والحراب في المسجد يوم العيد، والنبي ﷺ ينظر. ودخل أبو بكر بيت رسول الله ﷺ على عائشة وعندها جاريتان من جواري الأنصار تغنّيان، فقال أبو بكر: أمزمارة الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ فقال: دعهما يا أبا بكر، فإنه يوم عيد. وليس يلزم الدّؤوب على العمل، بل هو مكروه للخلق (١).

стр. 9178

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة التين مكيّة، وهي ثماني آيات. تسميتها: سميت سورة التين؛ لأن الله تعالى أقسم في مطلعها بالتين والزيتون، لما فيهما من خيرات وبركات، ومنافع: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ.﴾ .. مناسبتها لما قبلها: ذكر الله تعالى في السورة المتقدمة حال أكمل الناس خلقا وخلقا، وأنه أفضل العالم، ثم ذكر في هذه السورة حال النوع الإنساني وما ينتهي إليه أمره من التدني ودخول جهنم إن عادى رسول الله ﷺ ، أو دخول الجنة إن آمن به وعمل صالحا. ما اشتملت عليه السورة: تضمنت هذه السورة المكية بيان أمور ثلاثة متعلقة بالإنسان وعقيدته: ١ - تكريم النوع الإنساني، حيث خلق الله الإنسان في أحسن صورة وشكل، منتصب القامة، سويّ الأعضاء، حسن التركيب: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ.﴾. [١ - ٤]. ٢ - بيان انحدار مستوى الإنسان وزجّ نفسه في نيران جهنم بسبب كفره بالله تعالى ورسوله ﷺ ، وإنكاره البعث والنشور، بالرغم من توافر الأدلة القاطعة

стр. 9179

على قدرة الله بخلق الإنسان في أحسن تقويم: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [٥]. واستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [٦]. ٣ - إعلان مبدأ العدل المطلق في ثواب المؤمنين، وتعذيب الكافرين: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ، أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ [٧ - ٨]. فضلها: أخرج الجماعة في كتبهم ومالك في موطئه عن البراء بن عازب: كان النبي ﷺ يقرأ في سفره في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه. حال النوع الإنساني خلقا وعملا ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)﴾ الإعراب: ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ ﴿الْأَمِينِ﴾: إما من الأمن أي الآمن، كعليم بمعنى عالم، أو بمعنى المؤمّن؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران ٩٧/ ٣] كحكيم بمعنى محكم، وسميع بمعنى مسمع.

стр. 9180

﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿أَحْسَنِ﴾: صفة لمحذوف، أي في تقويم أحسن. ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ «ما»: استفهامية في موضع رفع مبتدأ، و ﴿يُكَذِّبُكَ﴾: خبره. البلاغة: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ إن أريد موضعهما وهما الشام وبيت المقدس، فهو مجاز مرسل علاقته الحالية بإطلاق الحالّ وإرادة المحل، مثل: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار ١٣/ ٨٢] فالنعيم مجاز، وهو شيء معنوي يحل في الجنة، والجنة محل له، وهو حالّ فيها، فأطلق على سبيل المجاز المرسل الذي علاقته الحالّية. ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ و ﴿أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ بينهما طباق. ﴿فَما يُكَذِّبُكَ؟﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة التوبيخ والعتاب. ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ استفهام تقريري. ﴿بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ بينهما جناس اشتقاق. ﴿الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾، ﴿أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾، ﴿بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ سجع مرصّع. المفردات اللغوية: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ هما الشجرتان المعروفتان، أو الشام وبيت المقدس موضعا إنبات هاتين الشجرتين، أو جبلان بالشام ينبتان المأكولين، قال أبو حيان: والظاهر أن التين والزيتون هما المشهوران بهذا الاسم، وفي الحديث: مدح التين، وأنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس. وقال البيضاوي: خصّهما من بين الثمار بالقسم؛ لأن التين فاكهة طيبة، لا فضل (بقايا) لها، وغذاء لطيف، سريع الهضم، ودواء كثير النفع، فإنه يلين الطبع، ويحلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل رمل المثانة، ويفتح سدّة الكبد والطحال. والزيتون فاكهة وإدام ودواء، وله دهن لطيف، كثير المنافع، مع أنه قد ينبت حيث لا دهنية فيه كالجبال. ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ الجبل الذي كلم الله تعالى موسى عنده، وناجى عليه موسى ربّه، و ﴿سِينِينَ﴾ وسيناء: اسمان للموضع الذي فيه. ومعنى ﴿سِينِينَ﴾: المبارك أو الحسن بالأشجار المثمرة. ﴿الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ مكة المكرمة التي كرمها الله بالكعبة، و ﴿الْأَمِينِ﴾: إما الآمن، أو المأمون فيه، يأمن فيه من دخله. ﴿الْإِنْسانَ﴾ أراد به الجنس. ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ تعديل لصورته وشكله، بأن خصه

стр. 9181

بانتصاب القامة وحسن الصورة واستجماع خواص الكائنات، يقال: قوّم الشيء تقويما: جعله على أعدل وجه وأكمل صورة. والتقويم أيضا: معرفة قدر الشيء وقيمته. ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ﴾ رددنا بعض أفراده وهو الكافر أو بعض الناس. ﴿أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أي جعلناه من أهل النار الذين هم أسفل من كل سافل، وقيل: هو كناية عن الهرم والضعف، وأرذل العمر (أي الخرف) فيكون: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ.﴾. استثناء منقطعا بمعنى لكن. ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع عنهم، جاء في الحديث الذي أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس: «إذا كبر العبد وضعف عن العمل، كتب له أجر ما كان يعمل في شبيبته». ﴿فَما يُكَذِّبُكَ﴾ أيها الكافر. ﴿بَعْدُ﴾ بعد ما ذكر من خلق الإنسان في أحسن صورة، ثم رده إلى أرذل العمر، الدال على القدرة الإلهية على البعث. ﴿بِالدِّينِ﴾ الجزاء بعد البعث والحساب، أي ما يجعلك مكذبا بالبعث ولا جاعل ولا موجب لهذا التكذيب؟ سبب النزول: نزول الآية (٥): ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ.﴾.: أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ قال: هم نفر، ردوا إلى أرذل العمر، على عهد رسول الله ﷺ ، فسئل عنهم حتى سفهت عقولهم، فأنزل الله عذرهم، أن لهم أجرهم الذي عملوا، قبل أن تذهب عقولهم. التفسير والبيان: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ أي قسما بالتين الذي يأكله الناس، وبالزيتون الذي يعصرون منه الزيت، فالمراد من التين والزيتون هذان الشيئان المشهوران، قال ابن عباس: هو تينكم وزيتونكم هذا. وهما كناية عن البلاد المقدسة التي اشتهرت بإنبات التين والزيتون. وإنما أقسم بالتين؛ لأنه غذاء وفاكهة ودواء، فهو غذاء لأنه طعام لطيف، سريع الهضم، لا يمكث في المعدة، يلين الطبع، ويقلل البلغم، ويطهر الكليتين،

стр. 9182

ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمّن البدن، ويفتح مسام الكبد والطحال، وهو خير الفواكه وأحمدها. وكونه دواء لأنه يتداوى به في إخراج فضول البدن، وفي الحديث الحسن الذي رواه ابن السني وأبو نعيم عن أبي ذر، وضعفه السيوطي: «إنه يقطع البواسير، وينفع من النّقرس». وكذلك الزيتون فاكهة وإدام ودواء، يعصر منه الزيت الذي هو إدام غالب لبعض أهل البلاد ودهنهم، ويدخل في كثير من الأدوية، قال تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ، لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور ٣٥/ ٢٤]. وقال ﷺ فيما رواه أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة وهو ضعيف: «كلوا الزيت وادّهنوا به، فإنه من شجرة مباركة». ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ هو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى بن عمران ﵇، وهو طور سيناء. ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ أي مكة المكرمة التي كرمها الله بالكعبة المشرفة، وبميلاد النبي ﷺ وإرساله فيه، سمي أمينا لأنه آمن ومأمون فيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران ٩٧/ ٣]. أقسم الله سبحانه بهذه المواضع الثلاثة؛ لأنها مهابط وحي الله على أولي العزم من الرسل، ومنها أضاءت الهداية للبشر. وجاء في آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء-يعني الذي كلم الله عليه موسى بن عمران-وأشرق من ساعير-يعني جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى- واستعلن من جبال فاران-يعني جبال مكة التي أرسل الله منها محمدا ﷺ . وذكرهم مخبرا عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف منه، ثم بالأشرف منهما. ثم ذكر جواب القسم المحلوف عليه، فقال:

стр. 9183

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أي أقسم بالأشياء الثلاثة المذكورة على أننا خلقنا الإنسان في أحسن صورة وأجمل شكل، منتصب القامة، سويّ الأعضاء، حسن التركيب، يأكل بيده، يتميز بالعلم والفكر والكلام والتدبير والحكمة، فصلح بذلك أن يكون خليفة مستخلفا في الأرض كما أراد الله له. والخلاصة: خلقناه في أحسن تعديل شكلا وانتصابا، كما قال أكثر المفسرين. ذكر القرطبي القصة التالية التي توضح حسن تقويم الإنسان، فقال: كان عيسى بن موسى الهاشمي يحب زوجته حبّا شديدا، فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر؛ فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني! وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح، غدا إلى دار المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعا عظيما، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلّقت؛ إلا رجلا واحدا من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتا. فقال له المنصور: مالك لا تتكلم؟ فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسن الأشياء، ولا شيء أحسن منه. فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك. وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل: أن أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقك. ثم عقب القرطبي على هذا قائلا: فهذا يدلك على أن الإنسان أحسن خلق الله باطنا وظاهرا، جمال هيئة، وبديع تركيب: الرأس بما فيه، والصدر بما جمعه، والبطن بما حواه، والفرج وما طواه، واليدان وما بطشتاه،

стр. 9184

والرجلان وما احتملتاه. ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات جمع فيه (١). لكنه غفل عن هذه المقومات، وأهمل هذه الميزات، وأخذ يعمل بهواه وشهواته، لذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ قيل: إلى النار التي هي أسفل الدرجات إن لم يطع الله ويتبع الرسل، والأولى أن يقال: رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم والضعف، والخرف ونقص العقل، بعد الشباب والقوة، وجمال النطق، وسلامة الفكر. والقول الأول، أي إلى النار بسبب كفر بعض الناس هو قول الحسن ومجاهد وأبي العالية وابن زيد وقتادة، وعلى هذا يكون الاستثناء الآتي: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. استثناء متصلا. والقول الثاني، أي إلى أرذل العمر هو قول ابن عباس وعكرمة والضحاك والنخعي، وعلى هذا يكون الاستثناء التالي منقطعا. وليس المعنى أن كل إنسان يعتريه هذا، بل في الجنس من يعتريه ذلك. واختار ذلك ابن جرير. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي إلا الذين آمنوا بالله ورسله واليوم الآخر، وعملوا صالح الأعمال من أداء الفرائض والطاعات، فلهم ثواب على طاعاتهم دائم غير منقطع. والمعنى كما أشرنا على التفسير الأول وكون الاستثناء متصلا: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بأن جمعوا بين الإيمان والعمل في حال الاستطاعة، فلهم ثواب جزيل، ينجون به من النار أسفل السافلين، وهو الجنة دار المتقين.

стр. 9185

والمعنى على التفسير الثاني وكون الاستثناء منقطعا وهو الراجح لدينا: لكن المؤمنين المتقين، فإن الله يكافئهم بثواب دائم غير منقطع، بسبب صبرهم على ما ابتلوا به من الشيخوخة والهرم والمواظبة على الطاعات بقدر الإمكان، مع ضعف البنية، وفتور الأعضاء، أي أنهم قد يردون إلى أرذل العمر كغيرهم، لكن لهم أجرا كبيرا دائما على أفعالهم. قال الألوسي: المتبادر من السياق الإشارة إلى حال الكافر يوم القيامة، وأنه يكون على أقبح صورة وأبشعها، بعد أن كان على أحسن صورة وأبدعها؛ لعدم شكره تلك النعمة وعمله بموجبها (١). أخرج أحمد والبخاري وابن حبان عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مرض العبد أو سافر، كتب الله تعالى له من الأجر مثلما كان يعمل صحيحا مقيما». وفي رواية عنه: ثم قرأ ﷺ : ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. وأخرج الطبراني عن شدّاد بن أوس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ﵎ يقول: «إذا ابتليت عبدا من عبادي مؤمنا، فحمدني على ما ابتليته، فإنه يقوم من مضجعه كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الربّ : إني أنا قيّدت عبدي هذا، وابتليته، فأجروا له ما كنتم تجرون له قبل ذلك» وهو حديث صحيح. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية: إذا كبر العبد، وضعف عن العمل، كتب له أجر ما كان يعمل في شبيبته. ورأى بعضهم أن الاستثناء متصل حتى على القول الثاني، فلا يردّ المؤمن المتقي إلى أرذل العمر، بدليل ما أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان

стр. 9186

عن ابن عباس قال: من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: إلا الذين قرءوا القرآن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير نحوه، فقال: من جمع القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. ثم وبّخ الكفار على التكذيب بالجزاء بعد البعث، فقال: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ؟﴾ المراد: فأي شيء يلجئك بعد هذه البيانات والأدلة على قدرة الله إلى أن تكون كاذبا، بسبب تكذيب الجزاء؛ لأن كل مكذّب بالحق فهو كاذب؟ فإذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردّك بسبب الكفر أسفل سافلين، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء؟ لقد علمت البدأة، وعرفت أن من قدر على البدأة، فهو قادر على الرجعة بطريق أولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد، وقد عرفت هذا؟ ثم أكّد ما سبق بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ أي أما هو أحكم الحاكمين قضاء وعدلا، الذي لا يجور ولا يظلم، ومن عدله أن يقيم القيامة، فينتصف للمظلوم في الدنيا ممن ظلمه؟! أخرج الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا: «فإذا قرأ أحدكم: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، فأتى على آخرها: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين».

стр. 9187

فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - أقسم الله تعالى بمواضع ثلاثة مقدسة: هي أماكن نبات التين والزيتون، التي هي مقام الأنبياء ومهبط الوحي، وطور سيناء الذي كلم الله عليه موسى، ومكة البلد الحرام الآمن على أنه خلق جنس الإنسان في أحسن تقويم وهو اعتداله واستواء شبابه. ثم يرد بعض النوع الإنساني أسفل سافلين، أي إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القوة، حتى يصير كالصبي في طوره الأول من أطوار الحياة. قال ابن العربي: ولامتنان الباري سبحانه، وتعظيم النعمة أو المنة في التين، وأنه مقتات مدخر، فلذلك قلنا بوجوب الزكاة فيه (١). ٢ - استثنى الله تعالى الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، فإنه تكتب لهم حسناتهم، وتمحى عنهم سيئاتهم، وهم الذين أدركهم الكبر، لا يؤاخذون بما عملوه في كبرهم. ٣ - وبّخ الله الكافر وألزمه الحجة بكفره بالجزاء بعد البعث بقوله فيما معناه: إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردّك إلى أرذل العمر، وينقلك من حال إلى حال، فما يحملك على أن تكذّب بالبعث والجزاء، وقد أخبرك محمد ﷺ به؟ ٤ - أليس الله أتقن الحاكمين صنعا في كل ما خلق، وأنه أحكم الحاكمين قضاء بالحق وعدلا بين الخلق؟! وفي هذا تقدير لمن اعترف من الكفار بالصانع القديم وهو الله تعالى. وهو وعيد للكفار وأنه يحكم عليهم بما هم أهله.

стр. 9188

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة العلق مكيّة، وهي تسع عشرة آية. تسميتها: سميت سورة العلق، وسورة اقرأ، أو ﴿بِالْقَلَمِ﴾؛ لأن الله سبحانه افتتحها بقوله: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾. والعلق: الدم المتجمد على شكل الدودة الصغيرة. مناسبتها لما قبلها: ذكر الله تعالى في سورة التين أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهذا بيان للصورة، وذكر هنا أنه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ وهذا بيان للمادة. وذكر تعالى في هذه السورة من أحوال الآخرة بيانا توضيحيا لما ذكر في السورة السالفة. ما اشتملت عليه السورة: هذه السورة المكية أول شيء نزل من القرآن على قلب النبي ﷺ لبيان الأمور الثلاثة التالية: ١ - بيان حكمة الله في خلق الإنسان من ضعف إلى قوة، والإشادة بما زوّده وأمره به من فضيلة القراءة اقرأ والكتابة ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ لتمييزه على غيره من المخلوقات: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.﴾. [الآيات: ١ - ٥].

стр. 9189

٢ - الإخبار عن مدى طغيان الإنسان وتمرده على أوامر الله، وجحوده نعم الله عليه وغفلته عنها رغم كثرتها في حال توافر الثورة والمال والغنى لديه، فقابل النعمة بالنقمة، وكان الواجب عليه أن يشكر ربّه على فضله، فجحد النعمة وتجبّر واستكبر: ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى.﴾. [الآيات: ٦ - ٨]. ٣ - افتضاح شأن فرعون هذه الأمة أبي جهل الذي كان ينهى رسول الله ﷺ عن الصلاة، انتصارا للأوثان والأصنام، وتوعده بأشد العقاب إن استمر على ضلاله وكفره وطغيانه، وتنبيه الرسول ﷺ إلى عدم الالتفات لما كان يوعده به ويتهدده: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى..﴾. إلى ﴿كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ﴾ [الآيات: ٩ - ١٩]. كيفية نزول هذه السورة-حديث بدء نزول الوحي: نزل صدر هذه السورة أول ما نزل من القرآن الكريم، أما بقية السورة فهو متأخر النزول، بعد انتشار دعوته ﷺ بين قريش، وتحرشهم به وإيذائهم له. أخرج الإمام أحمد والشيخان (البخاري ومسلم) عن عائشة ﵂ قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ : الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء، فيتحنّث فيه-وهو التعبّد-الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى فجأه الوحي، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال: ﴿اِقْرَأْ﴾. قال رسول الله ﷺ : «فقلت: ما أنا بقارئ» قال: فأخذني فغطّني -ضمّني-حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطّني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطّني الثالثة، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني.

стр. 9190

فقال: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ، وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾. قال: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة، فقال: زمّلوني زمّلوني، فزملوه حتى ذهب عنه الرّوع، فقال: يا خديجة، ما لي؟ وأخبرها الخبر، وقال: قد خشيت على نفسي، فقالت له: كلا، أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرّحم، وتصدّق الحديث، وتحمل الكلّ -الضعيف العاجز-وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ قد تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة. ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ بما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعا (١)، ليتني أكون حيّا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجيّ هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا. ثم لم ينشب (٢) ورقة أن توفي، وفتر الوحي، حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا حزنا، غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدّى له جبريل، فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا، فيسكن بذلك جأشه، وتقرّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك. فإذا أوفى بذروة الجبل، تبدّى له جبريل، فقال له مثل ذلك.

стр. 9191

الحكمة في خلق الإنسان وتعليمه القراءة والكتابة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨)﴾ الإعراب: ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾: جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿اِقْرَأْ﴾. ﴿عَلَّمَ﴾ بدل اشتمال من ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ أي علمه به وبدونه من الأمور الكلية والجزئية والجلية والخفية. ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿أَنْ رَآهُ﴾: في موضع نصب على أنه مفعول لأجله، أي لأن رآه، وأصله «رأيه» فتحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. ورأى: يتعدى إلى فعلين؛ لأنه من رؤية القلب، فالمفعول الأول: الهاء، والثاني: ﴿اِسْتَغْنى﴾. وقرئ «رأه» بهمزة من غير ألف بعدها، على أساس حذف لام الفعل مثل ﴿حاشَ لِلّهِ﴾ أو لأن مضارعه «يرى» وقد حذفت عينه بعد نقل حركتها إلى ما قبلها، أو حذفت لسكونها وسكون السين في ﴿اِسْتَغْنى﴾. البلاغة: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ سجع مرصّع. ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ و ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ إطناب بتكرار الفعل، لمزيد الاهتمام بشأن القراءة والعلم. ﴿خَلَقَ﴾ و ﴿عَلَقٍ﴾ بينهما جناس ناقص. ﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ بينهما طباق السلب. ﴿إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب، تهديدا وتحذيرا من عاقبة الطغيان.

стр. 9192

المفردات اللغوية: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ابتدئ قراءة القرآن مفتتحا باسم ربّك، أو مستعينا به. ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ الذي خلق كل شيء. ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾ جنس الإنسان. ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ جمع علقة: وهي قطعة دم يسيرة جامدة، فإذا جرى الدم فهو المسفوح. ﴿اِقْرَأْ﴾ تأكيد للأول. ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ الذي لا يوازيه كريم، الزائد في الكرم على كل كريم، فإنه ينعم بلا غرض. ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ علّم الخط والكتابة بالقلم، وأول من خط به إدريس ﵇. ﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ علم جنس الإنسان بخلق القوى، وإقامة الدلائل، وإنزال الآيات، وبتعليمه الأشياء من غير معلّم كالكتابة والصناعة وغيرها. والمقصود: أنه يعلمك القراءة وإن لم تكن قارئا. وقال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ بلفظ الجمع؛ لأنه أراد بالإنسان الجمع، وكل الناس خلقوا من علق بعد النطفة. والعلقة: قطعة من دم رطب، سميت بذلك؛ لأنها تعلق لرطوبتها بما تمر عليه، فإذا جفّت لم تكن علقة. وقد أبان في هذه الآيات مبدأ خلق الإنسان الذي يدلّ على الأوصاف الإلهية وأهمها بيان وجوده وقدرته تعالى، ثم أشار إلى إثبات العلوم السمعية الموقوفة على النقل والكتابة، ثم إثبات النبوة. ﴿كَلاّ﴾ أي حقا عند بعض المفسرين؛ لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يتوجه إليه الردع، وقال الزمخشري: إنه ردع لمن كفر بنعمة الله عليه وطغى، وهذا معلوم من سياق الكلام، وإن لم يذكر. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ أي: فرد من النوع الإنساني. ﴿لَيَطْغى﴾ يتكبر ويتجاوز الحدّ في العصيان. ﴿أَنْ رَآهُ﴾ لأن رأى نفسه. ﴿اِسْتَغْنى﴾ اغتنى بالمال وغيره، أي صار ذا مال وأعوان يغني بهما، والآية نزلت في أبي جهل، كما سأبيّن. ﴿إِنَّ إِلى رَبِّكَ﴾ يا إنسان. ﴿الرُّجْعى﴾ الرجوع، والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، أي المصير والعودة، والمراد تخويف الإنسان، فإن الله يجازي الطاغي بما يستحقه. سبب النزول: نزول الآية (٦): ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ.﴾.: أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن المنذر وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل لأطأنّ على رقبته، ولأعفرنّ وجهه في التراب، فأنزل الله: ﴿كَلاّ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى﴾ الآيات.

стр. 9193

ثم إنه رأى رسول الله ﷺ في الصلاة، فنكص على عقبيه، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقا من نار، وهولا شديدا. التفسير والبيان: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أي اقرأ مبتدئا باسم ربّك، أو مستعينا باسم ربّك، الذي أوجد وخلق كل شيء. وقد وصف الله لنا نفسه بأنه الخالق للتذكير بأول النعم وأعظمها. والمراد: الأمر من الله لنبيّه بأن يصير قارئا، بقدرة الله الذي خلقه وإرادته، وإن لم يكن من قبل قارئا ولا كاتبا، فمن خلق الكون قادر على أن يوجد فيه القراءة، وإن لم يتعلمها سابقا. ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ أوجد بني آدم من قطعة دم جامد وهي العلقة، التي هي طور من أطوار خلق الجنين، فإنه يبدأ نطفة، ثم يتحول بقدرة الله إلى علقة: وهي كأنها قطعة من الدم الجامد، ثم يكون مضغة: وهي كأنها قطعة لحم، ثم يظهر فيها بقية التخليق من عظام، فلحم، فإنسان كامل الخلقة. ويلاحظ أنه تعالى أطلق الخلق أولا ليتناول كل المخلوقات، ثم خصّ الإنسان بالذّكر لشرفه، أو لعجيب فطرته، أو لأن الآية سيقت من أجله. وإنما قال: باسم ربّك، ولم يقل: باسم الله كما في التسمية المعروفة: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ لأن الربّ: من صفات الفعل، والله: من أسماء الذات، وبما أنه أمره بالعبادة، وصفات الذات لا تستوجب شيئا، وإنما يستوجب العبادة صفات الفعل، فكان ذلك أبلغ في الحثّ على الطاعة، والخلاصة: إنه لم يأت بلفظ الجلالة، لما في لفظ الرّب من معنى الذي ربّاك، ونظر في مصلحتك، وجاء الخطاب ليدل على التأنيس والاختصاص، أي ليس لك ربّ غيره. وإنما أضاف ذاته إلى رسوله، فقال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ للدلالة على أنه له،

стр. 9194

تصل إليه منفعته، أما طاعة العبد فلا تحقق منفعة لله، فإذا أتى بما طلبه منه من طاعة أو توبة، أضافه إلى نفسه بوصف العبودية، فقال: ﴿أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [/الإسراء ١/ ١٧]. وإنما ذكر قوله ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ بعد قوله: ﴿رَبِّكَ﴾ للاستدلال على أنه ربّه، وهو الذي أوجده، فصار موجودا بعد أن كان معدوما، والخلق والإيجاد تربية، وكذلك جاء بصفة الخالق، أي المنشئ للعالم، للإتيان بصفة لا يمكن للأصنام شركة فيها، فيكون ردّا على العرب التي كانت تسمي الأصنام أربابا. ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ أي افعل ما أمرت به من القراءة، وربّك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم من كل كريم، ومن كرمه: تمكينك من القراءة وأنت أمّي. وإنما كرر كلمة ﴿اِقْرَأْ﴾ للتأكيد، ولأن القراءة لا تتحقق إلا بالتكرار والإعادة. وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ لإزاحة المانع، وإزالة العذر الذي اعتذر به النبي ﷺ لجبريل حين طلب منه بقوله: ﴿اِقْرَأْ﴾، فقال: ما أنا بقارئ. والأوجه: أن يراد بقوله الأول: ﴿اِقْرَأْ﴾: أوجد القراءة، وبالثاني: استعن باسم ربّك. ثم قرن القراءة بالكتابة، فقال: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ أي علّم الإنسان الكتابة بالقلم، فهو نعمة عظيمة من الله ، وواسطة للتفاهم بين الناس كالتعبير باللسان ولولا الكتابة لزالت العلوم، ولم يبق أثر لدين، ولم يصلح عيش، ولم يستقر نظام، فالكتابة قيد العلوم والمعارف، ووسيلة ضبط أخبار الأولين ومقالاتهم، وأداة انتقال العلوم بين الأمم والشعوب، فتبقى المعلومات، ثم يبنى عليها ويزاد إلى ما شاء الله، فتنمو

стр. 9195

الحضارات، وتسمو الأفكار، وتحفظ الأديان، وتنشر الهداية. وجاء في الأثر: «قيدوا العلم بالكتابة» (١). لهذا بدأت دعوة الإسلام بالترغيب في القراءة والكتابة، وبيان أنها من آيات الله في خلقه، ومن رحمته بهم، وكانت معجزة محمد ﷺ الخالدة، وهو العربي الأميّ، قرآنا يتلى، وكتابا يكتب، وأنه بذلك نقل أمته من حال الأميّة والجهل إلى أفق النور والعلم، كما قال تعالى ممتنا بذلك: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ، يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة ٢/ ٦٢]. ثم أبان عموم فضله وكثرة نعمه، فقال: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي علّم الله الإنسان بالقلم كثيرا من الأمور ما لم يعلم بها، فلا عجب أن يعلمك الله أيها النبي القراءة، وكثيرا من العلوم، لنفع أمتك. ورد في الأثر: «من عمل بما علم، ورّثه الله علم ما لم يكن يعلم» (٢). ثم ردع الإنسان على طغيانه حال الغنى، فقال: ﴿كَلاّ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ أي ارتدع وانزجر أيها الإنسان، عن كفرك بنعمة الله عليك، وتجاوزك الحدّ في العصيان، لأن رأيت نفسك مستغنيا بالمال والقوة والأعوان. وقيل: المراد بالآية: حقا إن أمر الإنسان عجيب، يستذل ويضعف حال الفقر، ويطغى ويتجاوز الحدّ في المعاصي ويتكبّر ويتمرد حتى أحسّ بنفسه القدرة والثروة. وأكثر المفسرين على أن المراد بالإنسان هنا أبو جهل وأمثاله.

стр. 9196

ثم أنذر بالعقاب في الآخرة، فقال: ﴿إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أي إن الرجوع والمصير إلى الله وحده، لا إلى غيره، فهو الذي يحاسب كل إنسان على ماله من أين جمعه، وأين صرفه. ويلاحظ أن هذا الكلام جاء على طريقة الالتفات إلى خطاب الإنسان، تهديدا له، وتحذيرا من عاقبة الطغيان. روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود: منهومان لا يشبعان: صاحب العلم، وصاحب الدنيا، ولا يستويان، فأما صاحب العلم فيزداد رضا الرحمن، وأما صاحب الدنيا، فيتمادى في الطغيان، ثم قرأ عبد الله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ وقال للآخر: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ وقد روي هذا مرفوعا إلى رسول الله ﷺ : «منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - بيان قدرة الله تعالى بالخلق، فهو الخالق، والتنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة: قطعة دم جامد رطب غير جاف. وهذه الآيات الكريمات أول شيء نزل من القرآن، وهن أول رحمة من الله لعباده وأول نعمة أنعم الله بها عليهم. ٢ - أمر الله سبحانه الرسول ﷺ بأن يقرأ القرآن باسم ربّه الذي خلق، واسم الذي علّم الإنسان ما لم يعلم. ٣ - أمر الله تعالى أيضا بتعلم القراءة والكتابة؛ لأنهما أداة معرفة علوم الدين والوحي، وإثبات العلوم السمعية ونقلها بين الناس، وأساس تقدم العلوم والمعارف والآداب والثقافات، ونمو الحضارة والمدنية.

стр. 9197

٤ - من كرم الله تعالى وفضله: أن الإنسان ما لم يكن يعلمه، لينقله من ظلمة الجهل إلى نور العلم، فقد شرّفه وكرّمه بالعلم، وبه امتاز أبو البرية آدم على الملائكة، والعلم إما بالفكر والذهن، وإما باللسان، وإما بالكتابة بالبنان. قال قتادة: القلم نعمة من الله تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش. وفضائل الكتابة والخط كثيرة، فحيث منّ الله على الإنسان بالخط والتعليم، مدح ذاته بالأكرمية، فقال: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ أي علّم الإنسان بواسطة القلم، أو علّمه الكتابة بالقلم. مع أنه سبحانه حين عدد على الإنسان نعمة الخلق والتسوية وتعديل الأعضاء الظاهرة والباطنة، وصف نفسه بالكرم قائلا: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ، ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ، فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار ٦/ ٨٢ - ٧]. جاء في الحديث الصحيح: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فكتب ما يكون إلى يوم القيامة، فهو عنده في الذّكر فوق عرشه» (١). وكانت أمّية الرسول ﷺ ثم تعليمه من الله أثبت لمعجزته بين العرب الأميين، وأقوى في حجته. ٥ - أخبر الله تعالى عن طبع ذميم في الإنسان وهو أنه ذو فرح وأشر، وبطر وطغيان إذا رأى نفسه قد استغنى، وكثر ماله. لذا هدده الله وتوعده ووعظه ليضبط طغيانه ويوقف تهوره بإخباره بأنه إلى الله المصير والمرجع، وسيحاسب كل إنسان على ماله، من أين جمعه، وفيم صرفه وأنفقه.

стр. 9198

وأصل نزول الآية في أبي جهل عند أكثر المفسرين، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل فقال: يا محمد تزعم أنه من استغنى طغى؛ فاجعل لنا جبال مكة ذهبا، لعلنا نأخذ منها، فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك. فأتاه جبريل ﵇ فقال: «يا محمد خيّرهم في ذلك، فإن شاؤوا فعلنا بهم ما أرادوه، فإن لم يسلموا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدة». فعلم رسول الله ﷺ أن القوم لا يقبلون ذلك؛ فكفّ عنهم إبقاء عليهم (١). ٦ - أول السورة يدل على مدح العلم، وآخرها يدل على مذمة المال، وكفى بذلك مرغبا في الدين، ومنفرا عن الدنيا والمال (٢). صور أخرى من الطغيان وتهديد الطغاة ووعيدهم ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى (١٤) كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاُسْجُدْ وَاِقْتَرِبْ (١٩)﴾ الإعراب: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿أَرَأَيْتَ﴾: يقرأ بالهمز على الأصل، وبالتخفيف بجعل الهمزة بين الهمزة والألف؛ لأن حركة الهمزة فتحة، وتخفيف الهمزة: أن تجعل بين الهمزة والحرف الذي

стр. 9199

حركتها منه. وتقرأ بالإبدال: بجعل الهمزة ألفا تشبيها لها بما إذا كانت ساكنة، مفتوحا ما قبلها، وليس لقياس. و ﴿الَّذِي يَنْهى﴾: مفعول أول لأرأيت الأول وأ رأيت الثاني مكرر للتأكيد ولطول الكلام. وقوله: ﴿إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى﴾ مع ما عطف عليه مفعول ثان له. وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب الشرط الثاني وهو قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾. ويجوز أن يكون ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثالث أيضا مكررا. وجواب الشرط بالحقيقة هو ما تدل عليه هذه الجملة الاستفهامية وهي: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ كأنه قيل: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أو كذب وتولى، فإن الله مجازيه. ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ نون نسفعن نون التوكيد الخفيفة، وتكتب بالألف عند البصريين كالتنوين، وبالنون عند الكوفيين، وهي مكتوبة في المصحف بالألف، كمذهب البصريين، مثل: ﴿وَلَيَكُوناً مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [يوسف ٣٢/ ١٢] وليس في القرآن لهما نظير. ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾: بدل من الناصية، وهذا بدل النكرة من المعرفة. ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ أي أهل مجلسه، أهل ناديه، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. البلاغة: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً﴾؟ كناية، كنى بالعبد عن رسول الله ﷺ ، ولم يقل: ينهاك تفخيما لشأنه وتعظيما لقدره. و ﴿أَرَأَيْتَ﴾ استفهام للإنكار والتعجب، وهي بمعنى أخبرني. ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى﴾؟ استفهام للتعجيب من حال الناهي الذي ينهى. ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ مجاز عقلي، أسند الكذب والخطأ إلى الناصية مجازا، والمراد صاحبها؛ لأنه السبب. ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ مجاز مرسل علاقته المحلية، أي أهل ناديه، بإطلاق المحل وإرادة الحال. المفردات اللغوية: ﴿أَرَأَيْتَ﴾؟ أي أخبرني، وهي في المواضع الثلاثة للتعجب، والمراد من الاستخبار: إنكار الحال المستخبر عنها وتقبيحها، مثل: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ؟﴾ [الماعون ١/ ١٠٧]. ﴿الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلّى﴾ الناهي: هو أبو جهل، والعبد: هو النبي ﷺ . والمعنى: أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله، أو كان آمرا بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد، وكذلك إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الدين الصحيح كما نقول نحن؟!

стр. 9200

وقيل: أرأيت إن كان المنهي على الهدى أو أمر بالتقوى؟ وأو: للتقسيم. ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ﴾ الناهي النبيّ؟ ﴿وَتَوَلّى﴾ عن الإيمان. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾؟ أي ألم يدر بأن الله يرى ويشاهد ما يصدر منه، فيجازيه عليه؟ أي أعجب منه يا مخاطب من حيث نهيه عن الصلاة، ومن حيث إن المنهي عن الهدى آمر بالتقوى، ومن حيث إن الناهي مكذب متول عن الإيمان؟! والخطاب في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ للرسول ﷺ على وجه التعجب. وفيه أنه ﷺ كان يقول: «اللهم أعزّ الإسلام بعمر، أو بأبي جهل بن هشام» وكأنه تعالى قال له: يا محمد كنت تظن أنه يعزّ به الإسلام، وهو ينهى عن الصلاة التي هي أول أركان الإسلام. وكان يلقب بأبي الحكم، فقيل له: كيف يليق به هذا اللقب، وهو ينهى العبد عن خدمة ربه، ويأمره بعبادة الجماد؟! وجواب شرط: ﴿إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى﴾ محذوف تقديره: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى، ألم يعلم بأن الله يرى، أي فإن الله مجازيه. ﴿كَلاّ﴾ ردع للناهي. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ عما هو فيه أو عليه من الكفر، واللام: لام القسم. ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ﴾ لنأخذن بناصيته، ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: الجذب بشدة، والناصية: شعر الجبهة، والمراد بذلك: القهر والإذلال بأنواع العذاب. ﴿كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ وصفها بالكذب والخطأ، والمراد صاحبها، بالإسناد المجازي للمبالغة. ﴿نادِيَهُ﴾ أي أهل ناديه، والنادي: المجلس أو مكان اجتماع القوم للتحدث فيه، ولا يسمى ناديا حتى يكون فيه أهله. ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ ليجروه إلى النار، و ﴿الزَّبانِيَةَ﴾ الملائكة الغلاظ الشداد جمع زبنية وزبني، قال ابن عباس فيما ذكره أحمد: «لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا». ﴿كَلاّ﴾ ردع للناهي أيضا. ﴿لا تُطِعْهُ﴾ يا محمد في ترك الصلاة، واثبت أنت على طاعتك. ﴿وَاسْجُدْ﴾ ودم على سجودك، وصل لله. ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ تقرب إلى ربك بطاعته. سبب النزول: نزول الآية (٩): ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي، فجاءه أبو جهل، فنهاه، فأنزل الله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلّى﴾ إلى قوله: ﴿كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾.

стр. 9201

نزول الآية (١٧): ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾: أخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يصلّي، فجاءه أبو جهل، فقال: ألم أنهك عن هذا؟ فزجره النبي ﷺ ، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ وهو حسن صحيح كما قال الترمذي. المناسبة: بعد أن أبان سبحانه في مطلع السورة مظاهر القدرة الإلهية، وعدد نعمه ومننه العظمى على الإنسان بتعليمه القراءة والكتابة وما لم يعلم، ذكر السبب الحقيقي لكفر الإنسان وطغيانه وبغيه وهو حب الدنيا والثورة والاغترار بها، مما شغله عن النظر في آيات الله وشكر نعمه. ثم ذكر صورا أخرى من طغيان الإنسان وهي النهي عن الصلاة والعبادة، وهل يأمر بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان؟ وتكذيبه بالحق والتولي عن الدين والإيمان. وناسب بعد هذا تهديده ووعيده بالعقاب الشديد والنكال الأليم يوم العرض والحساب، من غير أن يجد نصيرا ينصره أو معينا يمنعه من العذاب. وختمت السورة بأمر النبي ﷺ بعدم طاعة هذا الطاغية، والإقبال على عبادة ربه، والتقرب إليه بالطاعة. التفسير والبيان: أخبر الله تعالى عن حالات قبيحة جدا من أحوال الطغاة وهي: ١ - ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى، عَبْداً إِذا صَلّى﴾؟ أي أخبرني عن حال هذا الطاغية المغرور وهو أبو جهل وأمثاله، كيف يجرأ على أن ينهى عبدا هو محمد

стр. 9202

رسول الله ﷺ وأتباعه عن أداء الصلاة والعبادة لله رب العالمين، ويريد طاعته في عبادة الأوثان، وترك عبادة الخالق الرزاق؟ وتنكير كلمة ﴿عَبْداً﴾ يدل على كونه كاملا في العبودية. والمراد بالآية: ما أجهل من ينهى أشد الخلق عبودية عن الصلاة، وذلك مذموم عند العقلاء. روي أن عليا ﵁ رأى في المصلّى أقواما يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم؟ فقال: أخشى أن أدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلّى﴾ فلم يصرح بالنهي عن الصلاة. وأخذ أبو حنيفة منه هذا الأدب الجميل حين قال أبو يوسف: أيقول المصلي حين يرفع رأسه من الركوع: اللهم اغفر لي؟ فقال: يقول: ربنا لك الحمد، ويسجد، ولم يصرح بالنهي عن الدعاء (١). ٢ - ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى؟﴾ أي أخبرني أيضا عن حال هذا الطاغية الناهي، إن كان على طريق سديد فيما ينهى عنه من عبادة الله تعالى، أو هل هو آمر بالتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان، كما يعتقد؟ والأكثرون على أن الخطاب للنبي ﷺ أيضا، ليكون الكلام على نسق واحد. وقيل: الخطاب للكافر، والمعنى: أرأيت يا كافر إن كانت صلاة هذا العبد المنهي هدى، ودعاؤه إلى الدين أمرا بالتقوى، أتنهاه مع ذلك؟ والتقوى: الإخلاص والتوحيد والعمل الصالح الذي تتقى به النار. ويتصور هذا كأن الظالم والمظلوم حضرا عند الحاكم، أحدهما المدعي، والآخر المدعى عليه، ثم خاطب هذا مرة، أي في الكلام الأول: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ وهذا مرة أي في الكلام الثاني: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى.﴾ ..

стр. 9203

٣ - ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ أي أخبرني يا محمد عن حال هذا الكافر أبي جهل إن كذب بدلائل التوحيد الظاهرة، ومظاهر القدرة الباهرة، وبما جاء به رسول الله، وأعرض عن الإيمان بدعوتك؟ والجواب فيما دل عليه ما يأتي: ألم يعلم بعقله أن الله يرى منه هذه الأعمال القبيحة، وأنه سيجازيه ويحاسبه على جرائمه؟ وهذا على رأي الأكثرين في أن الخطاب في ﴿أَرَأَيْتَ﴾ في المواضع الثلاثة للنبي ﷺ . فإن كان الخطاب للكافر فالمراد بالآية الثالثة: إن كان محمد كاذبا أو متوليا عن الحق، ألا يعلم أن خالقه يراه حتى ينتهي، فلا يحتاج إلى نهيك؟ قال العلماء: هذه الآية وإن نزلت في حق أبي جهل، إلا أن كل من ينهى عن طاعة الله فهو شريك في وعيد أبي جهل. ثم جاء الزجر والتهديد والوعيد بصيغ مختلفة مبالغ فيها، وبعضها أشد من بعض: ١ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ أي أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه ويطلع على أحواله، وسيجازيه بها أتم الجزاء، فكيف اجترأ على ما اجترأ عليه؟! ٢ - ﴿كَلاّ، لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ أي ليرتدع وينزجر هذا الناهي عن البرّ والعبادة لله تعالى، فوالله لئن لم ينته عما هو عليه ولم ينزجر عن الشقاق والعناد، لنأخذن بناصيته، ولنجرّنه إلى النار. والناصية: شعر مقدم الرأس، وصاحبها كاذب خاطئ مستهتر بفعل الخطايا والذنوب. وفي هذا توعد شديد، وتهديد أكيد عن طغيان هذا الطاغية.

стр. 9204

٣ - ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أي فليدع هذا الناهي أهل ناديه أي قومه وعشيرته، ليستنصر بهم ويعينوه، والنادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم أو الأهل والعشيرة، فإنه إن دعاهم لنصرته، تعرض لسخط ربه وعقابه الأشد، وسندعو له حينئذ الزبانية، أي الملائكة الغلاظ الشداد، ليأخذوه ويلقوه في نار جهنم. وفي هذا تحدّ بالغ. روي أن أبا جهل قال لرسول الله ﷺ : أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟! فنزلت، كما تقدم. وروى البخاري والترمذي والنسائي وابن جرير عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ النبي ﷺ فقال: «لئن فعل لأخذته الملائكة». ٤ - ﴿كَلاّ، لا تُطِعْهُ، وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ أي إياك يا محمد أن تجامل هذا الطاغية في شيء، أو تطيعه فيما دعاك إليه من ترك الصلاة كما قال: ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم ٨/ ٦٨]، وصل لله غير مكترث به، ولا مبال بتهديده أو نهيه، وتقرب إلى الله سبحانه بالطاعة والعبادة، فذلك يكسبك قوة وعزة، ومنعة وهيبة في قلوب الأعداء، والعبادة هي الحصن والوقاية، وطريق النجاة والنجاح والنصر. وقوله: ﴿كَلاّ﴾ ردع لأبي جهل عن قبائح أحواله وأفعاله. والمراد بنهي النبي ﷺ عن طاعة أبي جهل: قطع كل الصلات والعلاقات معه، والمراد بالأمر بالسجود: أن يزداد غيظ الكافر. وهذا تهكم بهذا الطاغية، واستخفاف به، وتعريض بأن الله عاصم نبيه وحافظه.

стр. 9205

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - وصف الله تعالى أبا جهل وأمثاله من الطغاة المتمردين المتكبرين بأنه ينهى الرسول ﷺ وأتباعه عن عبادة الله تعالى، وأنه فيما يأمر به من عبادة الأوثان ليس على طريق سديدة، ولا على منهج الهدى، ولا من الآمرين بالتقوى، أي التوحيد والإيمان والعمل الصالح، وأنه في الحقيقة مكذب بكتاب الله ، ومعرض عن الإيمان. ٢ - هدد الله تعالى هذا الطاغية بالحشر والنشر، فإن الله تعالى عالم بجميع المعلومات، حكيم لا يهمل، عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فلا بد أن يجازي كل أحد بما عمل. وفي هذا تخويف شديد للعصاة، وترغيب قوي لأهل الطاعة. وهذه الآية، وإن نزلت في حق أبي جهل، فكل من نهى عن طاعة الله، فهو شريك أبي جهل في هذا الوعيد، كما تقدم. ولا يعترض عليه بالمنع من الصلاة في الدار المغصوبة، والأوقات المكروهة؛ لأن المنهي عنه غير الصلاة، وهو المعصية. كذلك لا يعترض عليه بمنع الزوجة عن صوم التطوع وعن الاعتكاف؛ لأن ذلك لاستيفاء مصلحة الزوج بإذن الله، لا بغضا بعبادة ربه. ٣ - زاد الله تعالى في الزجر والوعيد لذلك الطاغية أبي جهل وأمثاله: بأنه إن لم ينته عن أذى محمد ليأخذن الله بناصيته (مقدم شعر رأسه) وليذلّنه ويجرّنه إلى نار السعير؛ لأن ناصية أبي جهل كاذبة في قوله، خاطئة في فعلها، والخاطئ

стр. 9206

معاقب مأخوذ، والمخطئ (١) غير مؤاخذ. والمراد أن صاحب تلك الناصية كاذب خاطئ، كما يقال: نهاره صائم، وليله قائم، أي هو صائم في نهاره، قائم في ليله. ٤ - تحدى الله تعالى هذا الطاغية مع التهكم والتوبيخ بأن يطلب أهل مجلسه وعشيرته، ليستنصر بهم، فإنه إذا فعل أحضر الله الزبانية الملائكة الغلاظ الشداد لإلقائه في نار السعير. ٥ - بالغ الله تعالى في زجر هذا الكافر عن كبريائه، ونفى قدرته على تحقيق تهديده، وحقّره وأبان صغر شأنه وعجز نفسه، فليس الأمر كما يظنه أبو جهل، ولا تطعه يا محمد فيما دعاك إليه من ترك الصلاة، وصل لله، وتقرب إلى جنابه بالطاعة والتعبد. وإنما عبّر عن الصلاة لله بقوله ﴿وَاسْجُدْ﴾ لما روى عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه، وأحبه إليه، جبهته في الأرض، ساجدا لله». وعند مسلم عن أبي هريرة: «أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء». وإنما كان ذلك؛ لأن السجود على الأرض نهاية العبودية والذلة، ولله غاية العزة، وله العزة التي لا مقدار لها، فكلما بعدت من صفته، قربت من جنته، ودنوت من جواره في داره. جاء في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: «أما الركوع فعظموا فيه الرب. وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قمن (٢) أن يستجاب لكم» (٣).

стр. 9207

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة القدر مكيّة، وهي خمس آيات. تسميتها: سميت سورة القدر أي العظمة والشرف تسمية لها بصفة ليلة القدر الذي أنزل الله فيها القرآن، فقال سبحانه: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي في ليلة عظيمة القدر والشرف. مناسبتها لما قبلها: أمر الله تعالى في سورة العلق نبيه ﷺ بقراءة القرآن باسم ربه الذي خلق، واسم الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، ثم أبان في هذه السورة زمن البدء في نزول القرآن، وهو ليلة القدر ذات الشرف الرفيع والقدر العالي بسبب نزول القرآن فيها. ما اشتملت عليه السورة: تحدثت هذه السورة المكية عن تاريخ بدء نزول القرآن الكريم، وعن فضل ليلة القدر على سائر الأيام والليالي والشهور، لنزول الملائكة وجبريل فيها بالأنوار والأفضال والبركات والخيرات على عباد الله المؤمنين الصالحين، من لدن أرحم الراحمين الذي يفيض بها على من يشاء.

стр. 9208

معنى نزول القرآن في ليلة القدر: معنى نزول القرآن في ليلة القدر، مع العلم بأنه نزل منجّما مقسّطا على مدى ثلاث وعشرين سنة: أنه ابتدأ إنزاله ليلة القدر؛ لأن بعثة النبي ﷺ كانت في رمضان. وذلك لأن الله تعالى قال في هذه السورة: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وقال في سورة الدخان: ﴿حم، وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ، فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْراً مِنْ عِنْدِنا، إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [١ - ٦]. وأما قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ، وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾ [١٨٥] فمعناه أنه ابتدأ نزول القرآن في شهر رمضان المبارك. وأما آية الأنفال: ﴿.. وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ [٤١] فلا تعني تحديد موعد نزول القرآن، وإنما تذكّر المؤمنين بما أنزل على محمد ﷺ يوم بدر في السابع عشر من رمضان من الآيات المتعلقة بأحكام القتال، والملائكة، والنصر. وسمي يوم بدر يوم الفرقان لأنه فرق فيه بين الحق والباطل. بدء نزول القرآن وفضائل ليلة القدر ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾

стр. 9209

الإعراب: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾ يراد بالهاء القرآن، وأضمره وإن لم يجر له ذكر، للعلم به. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فيه صفة محذوفة، تقديره: خير من ألف شهر، لا ليلة قدر فيه، فحذف الصفة. ﴿سَلامٌ هِيَ.﴾. ﴿هِيَ﴾: مبتدأ، و ﴿سَلامٌ﴾: خبره المقدم. ﴿حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي إلى مطلع الفجر. ويقرأ أيضا ﴿مَطْلَعِ﴾ بكسر اللام، والقياس هو الفتح؛ لأنه من طلع يطلع، بضم عين المضارع، والكسر على خلاف القياس. البلاغة: ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ إطناب لذكرها ثلاث مرات، للتفخيم وزيادة العناية بها. ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ استفهام بقصد التفخيم والتعظيم. ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ ذكر الخاص بعد العام، ذكر جبريل بعد الملائكة، للتنويه بقدره. ﴿الْقَدْرِ﴾، ﴿شَهْرٍ﴾، ﴿أَمْرٍ﴾، ﴿الْفَجْرِ﴾ سجع مرصع: وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ القرآن، أضمره من غير سابقة ذكر له، للعلم به، والشهادة بأنه غني عن التصريح والتعريف، وقد عظّمه بإسناد إنزاله إليه، وعظّم الوقت الذي نزل فيه بقوله: ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. ﴿أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي ابتدأ إنزاله فيها، أو أنزله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا على السفرة الكرام البررة، ثم كان جبريل ينزل به على رسول الله ﷺ منجّما مقسطا على التدريج في ثلاث وعشرين سنة. قال ابن العربي: وهذا باطل؛ ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد ﵉ واسطة. ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي ما أعلمك يا محمد ما هذه الليلة، والاستفهام لتعظيم شأنها، وسميت بذلك لشرفها، أو لتقدير الأمور فيها، كما قال تعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان ٤/ ٤٤]. ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليس فيها ليلة قدر، فالعمل الصالح فيها خير منه في ألف شهر ليست فيها. ﴿تَنَزَّلُ﴾ أي تتنزل إلى الأرض أو السماء الدنيا، أو تقربهم إلى المؤمنين.

стр. 9210

﴿وَالرُّوحُ﴾ جبريل ﵇. ﴿فِيها﴾ في الليلة. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بأمره. ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي كل أمر قضاه الله فيها لتلك السنة إلى قابل، وقوله: ﴿مِنْ﴾ سببية، بمعنى الباء أي من أجل كل أمر قدّر في تلك السنة. والآية: ﴿تَنَزَّلُ﴾ لبيان سبب تفضيلها على ألف شهر. ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ أي ما هي إلا سلامة، والمعنى: لا يقدر الله فيها إلا السلامة، وأما في غيرها فيقضي بالسلامة والبلاء، أو لكثرة سلام الملائكة فيها على كل مؤمن ومؤمنة. ﴿حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي إلى وقت مطلعه أو طلوعه. سبب النزول: نزول الآية (١): أخرج الترمذي والحاكم وابن جرير عن الحسن بن علي أن ليلة القدر خير من ألف شهر، ونزول السورة هي بسبب ما ساءه من حكم بني أمية الذي دام ألف شهر، ولكنه حديث غريب ومنكر جدا. وأخرج ابن أبي حاتم والواحدي عن مجاهد: أن رسول الله ﷺ ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ التي لبس ذلك الرجل السلاح فيها في سبيل الله. نزول الآية (٣): أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، فعمل ذلك ألف شهر، فأنزل الله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ عملها ذلك الرجل. التفسير والبيان: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي إننا نحن الله بدأنا إنزال القرآن في ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، كما قال الله : ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ
следующие страницы →