معاقب مأخوذ، والمخطئ (١) غير مؤاخذ. والمراد أن صاحب تلك الناصية كاذب خاطئ، كما يقال: نهاره صائم، وليله قائم، أي هو صائم في نهاره، قائم في ليله.
٤ - تحدى الله تعالى هذا الطاغية مع التهكم والتوبيخ بأن يطلب أهل مجلسه وعشيرته، ليستنصر بهم، فإنه إذا فعل أحضر الله الزبانية الملائكة الغلاظ الشداد لإلقائه في نار السعير.
٥ - بالغ الله تعالى في زجر هذا الكافر عن كبريائه، ونفى قدرته على تحقيق تهديده، وحقّره وأبان صغر شأنه وعجز نفسه، فليس الأمر كما يظنه أبو جهل، ولا تطعه يا محمد فيما دعاك إليه من ترك الصلاة، وصل لله، وتقرب إلى جنابه بالطاعة والتعبد.
وإنما عبّر عن الصلاة لله بقوله ﴿وَاسْجُدْ﴾ لما
روى عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه، وأحبه إليه، جبهته في الأرض، ساجدا لله».
وعند مسلم عن أبي هريرة: «أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء».
وإنما كان ذلك؛ لأن السجود على الأرض نهاية العبودية والذلة، ولله غاية العزة، وله العزة التي لا مقدار لها، فكلما بعدت من صفته، قربت من جنته، ودنوت من جواره في داره.
جاء في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال:
«أما الركوع فعظموا فيه الرب. وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قمن (٢) أن يستجاب لكم» (٣).
стр. 9207
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة القدر
مكيّة، وهي خمس آيات.
تسميتها:
سميت سورة القدر أي العظمة والشرف تسمية لها بصفة ليلة القدر الذي أنزل الله فيها القرآن، فقال سبحانه: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي في ليلة عظيمة القدر والشرف.
مناسبتها لما قبلها:
أمر الله تعالى في سورة العلق نبيه ﷺ بقراءة القرآن باسم ربه الذي خلق، واسم الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، ثم أبان في هذه السورة زمن البدء في نزول القرآن، وهو ليلة القدر ذات الشرف الرفيع والقدر العالي بسبب نزول القرآن فيها.
ما اشتملت عليه السورة:
تحدثت هذه السورة المكية عن تاريخ بدء نزول القرآن الكريم، وعن فضل ليلة القدر على سائر الأيام والليالي والشهور، لنزول الملائكة وجبريل فيها بالأنوار والأفضال والبركات والخيرات على عباد الله المؤمنين الصالحين، من لدن أرحم الراحمين الذي يفيض بها على من يشاء.
стр. 9208
معنى نزول القرآن في ليلة القدر:
معنى نزول القرآن في ليلة القدر، مع العلم بأنه نزل منجّما مقسّطا على مدى ثلاث وعشرين سنة: أنه ابتدأ إنزاله ليلة القدر؛ لأن بعثة النبي ﷺ كانت في رمضان.
وذلك لأن الله تعالى قال في هذه السورة: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وقال في سورة الدخان: ﴿حم، وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ، فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْراً مِنْ عِنْدِنا، إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [١ - ٦].
وأما قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ، وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾ [١٨٥] فمعناه أنه ابتدأ نزول القرآن في شهر رمضان المبارك.
وأما آية الأنفال: ﴿.. وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ [٤١] فلا تعني تحديد موعد نزول القرآن، وإنما تذكّر المؤمنين بما أنزل على محمد ﷺ يوم بدر في السابع عشر من رمضان من الآيات المتعلقة بأحكام القتال، والملائكة، والنصر. وسمي يوم بدر يوم الفرقان لأنه فرق فيه بين الحق والباطل.
بدء نزول القرآن وفضائل ليلة القدر
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾
стр. 9209
الإعراب:
﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾ يراد بالهاء القرآن، وأضمره وإن لم يجر له ذكر، للعلم به.
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فيه صفة محذوفة، تقديره: خير من ألف شهر، لا ليلة قدر فيه، فحذف الصفة.
﴿سَلامٌ هِيَ.﴾. ﴿هِيَ﴾: مبتدأ، و ﴿سَلامٌ﴾: خبره المقدم.
﴿حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي إلى مطلع الفجر. ويقرأ أيضا ﴿مَطْلَعِ﴾ بكسر اللام، والقياس هو الفتح؛ لأنه من طلع يطلع، بضم عين المضارع، والكسر على خلاف القياس.
البلاغة:
﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ إطناب لذكرها ثلاث مرات، للتفخيم وزيادة العناية بها.
﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ استفهام بقصد التفخيم والتعظيم.
﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ ذكر الخاص بعد العام، ذكر جبريل بعد الملائكة، للتنويه بقدره.
﴿الْقَدْرِ﴾، ﴿شَهْرٍ﴾، ﴿أَمْرٍ﴾، ﴿الْفَجْرِ﴾ سجع مرصع: وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْزَلْناهُ﴾ القرآن، أضمره من غير سابقة ذكر له، للعلم به، والشهادة بأنه غني عن التصريح والتعريف، وقد عظّمه بإسناد إنزاله إليه، وعظّم الوقت الذي نزل فيه بقوله:
﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾.
﴿أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي ابتدأ إنزاله فيها، أو أنزله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا على السفرة الكرام البررة، ثم كان جبريل ينزل به على رسول الله ﷺ منجّما مقسطا على التدريج في ثلاث وعشرين سنة. قال ابن العربي: وهذا باطل؛ ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد ﵉ واسطة. ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي ما أعلمك يا محمد ما هذه الليلة، والاستفهام لتعظيم شأنها، وسميت بذلك لشرفها، أو لتقدير الأمور فيها، كما قال تعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان ٤/ ٤٤].
﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليس فيها ليلة قدر، فالعمل الصالح فيها خير منه في ألف شهر ليست فيها. ﴿تَنَزَّلُ﴾ أي تتنزل إلى الأرض أو السماء الدنيا، أو تقربهم إلى المؤمنين.
стр. 9210
﴿وَالرُّوحُ﴾ جبريل ﵇. ﴿فِيها﴾ في الليلة. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بأمره. ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي كل أمر قضاه الله فيها لتلك السنة إلى قابل، وقوله: ﴿مِنْ﴾ سببية، بمعنى الباء أي من أجل كل أمر قدّر في تلك السنة. والآية: ﴿تَنَزَّلُ﴾ لبيان سبب تفضيلها على ألف شهر.
﴿سَلامٌ هِيَ﴾ أي ما هي إلا سلامة، والمعنى: لا يقدر الله فيها إلا السلامة، وأما في غيرها فيقضي بالسلامة والبلاء، أو لكثرة سلام الملائكة فيها على كل مؤمن ومؤمنة. ﴿حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي إلى وقت مطلعه أو طلوعه.
سبب النزول:
نزول الآية (١):
أخرج الترمذي والحاكم وابن جرير عن الحسن بن علي أن ليلة القدر خير من ألف شهر، ونزول السورة هي بسبب ما ساءه من حكم بني أمية الذي دام ألف شهر، ولكنه حديث غريب ومنكر جدا.
وأخرج ابن أبي حاتم والواحدي عن مجاهد: أن رسول الله ﷺ ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ التي لبس ذلك الرجل السلاح فيها في سبيل الله.
نزول الآية (٣):
أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، فعمل ذلك ألف شهر، فأنزل الله:
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ عملها ذلك الرجل.
التفسير والبيان:
﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي إننا نحن الله بدأنا إنزال القرآن في ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، كما قال الله : ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ
стр. 9211
مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان ٣/ ٤٤] وهي في شهر رمضان؛ لقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة ١٨٥/ ٢]. ثم أتممنا إنزاله بعد ذلك منجما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الحاجة وما تقتضيه الوقائع والحوادث، تبيانا للحكم الإلهي فيها. قال الزمخشري ﵀: عظّم الله القرآن من ثلاثة أوجه:
أحدها-أن أسند إنزاله إليه، وجعله مختصا به دون غيره، والثاني-أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه، والثالث-الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه (١).
ثم ذكر الله تعالى فضائل تلك الليلة، فقال:
١ - ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي وما أعلمك ما ليلة القدر؟ وهذا لتفخيم شأنها وتعظيم قدرها، وبيان مدى شرفها، وسميت بذلك؛ لأن الله تعالى يقدر فيها ما شاء من أمره إلى السنة القابلة، أو لعظيم قدرها وشرفها. قال الزمخشري: معنى ليلة القدر: ليلة تقدير الأمور وقضائها، من قوله تعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان ٤/ ٤٤].
وقدرها أيضا: أن العمل فيها، وهي ليلة واحدة، خير من العمل في ألف شهر.
أخرج الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: لما حضر رمضان قال رسول الله ﷺ : «قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، في ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم».
стр. 9212
وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه».
٢ - ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي تهبط الملائكة وجبريل من السموات إلى الأرض بكل أمر ومن أجل كل أمر قدّر في تلك الليلة إلى قابل،
قال النبي ﷺ : «إن الله يقدّر المقدّر في ليلة البراءة، فإذا كان ليلة القدر يسلّمها إلى أربابها». ولا يفعلون شيئا إلا بإذن الله؛ لقوله تعالى:
﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم ٦٤/ ١٩]. والروح: هو جبريل ﵇ خص بالذكر لزيادة شرفه، فيكون من باب عطف الخاص على العام.
ومن فوائد نزول الملائكة: أنهم يرون في الأرض من أنواع الطاعات ما لم يروه في سكان السموات، ويسمعون أنين العصاة الذي هو أحب إلى الله من زجل المسبّحين، فيقولون: تعالوا نسمع صوتا هو أحب إلى ربنا من تسبيحنا.
ولعل للطاعة في الأرض خاصية في هذه الليلة، فالملائكة أيضا يطلبونها طمعا في مزيد الثواب، كما أن الرجل يذهب إلى مكة لتصير طاعاته هناك أكثر ثوابا.
٣ - ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي هذه الليلة المحفوفة بالخير بنزول القرآن وشهود الملائكة، ما هي إلا سلامة وأمن وخير وبركة كلها، لا شرّ فيها، من غروب الشمس حتى وقت طلوع الفجر، يستمر فيها نزول الخير والبركة، ونزول الملائكة بالرحمة فوجا بعد فوج إلى طلوع الفجر.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يأتي:
١ - بدأ نزول القرآن العظيم في ليلة القدر من ليالي رمضان المبارك.
стр. 9213
٢ - ليلة القدر هي ليلة الشرف والتعظيم، وليلة الحكم والتقدير، يقدّر الله فيها ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة؛ من أمر الموت والأجل والرزق وغيره، ويسلّمه إلى مدبّرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبرائيل ﵈.
٣ - العمل في ليلة القدر خير من العمل في ألف أشهر ليس فيها ليلة القدر، وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر.
٤ - تهبط الملائكة من كل سماء، ومن سدرة المنتهى، وجبريل حيث مسكنه على وسطها إلى الأرض، ويؤمّنون على دعاء الناس، إلى وقت طلوع الفجر. وهم ينزلون في ليلة القدر بأمر ربهم من أجل كل أمر قدّره الله وقضاه في تلك السنة إلى قابل، كما قال ابن عباس: وهذه الآية دالة على عصمة الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم ٦٤/ ١٩] وقال سبحانه:
﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٧/ ٢١].
٥ - تلك الليلة ليلة أمن وسلام، وخير وبركة من الله تعالى، فلا يقدّر الله في تلك الليلة إلا السلامة، وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا والسلامة، وهي ليلة ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة. وليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا أذى. وهي خير كلها ليس فيها شر إلى مطلع الفجر. والخلاصة: اشتملت هذه الليلة على الخيرات والبركات وتقدير الأرزاق، والمنافع الدينية والدنيوية.
يؤيد هذا
ما أخرجه الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «ليلة القدر في العشر البواقي، من قامهن ابتغاء حسبتهن، فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهي ليلة وتر: تسع أو سبع أو خامسة أو ثالثة أو آخر ليلة».
стр. 9214
تعيين ليلة القدر:
الذي عليه أكثر العلماء أنها ليلة سبع وعشرين من رمضان، كل عام؛ لحديث زرّ بن حبيش الذي أخرجه مسلم والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، قال: قلت لأبيّ بن كعب: إن أخاك عبد الله بن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن! لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين؛ ولكنه أراد ألا يتّكل الناس، ثم حلف لا يستثني (١): أنها ليلة سبع وعشرين. قال: قلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالآية التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ ، أو بالعلامة: أن الشمس تطلع يومئذ لا شعاع لها.
والجمهور على أن هذه الليلة باقية في كل عام، ومختصة برمضان.
أماراتها أو علاماتها:
من علاماتها أن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها.
روى أبو داود الطيالسي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: «ليلة سمحة طلقة، لا حارّة ولا باردة، وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء».
وروى ابن أبي عاصم النبيل بإسناده عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: «إني رأيت ليلة القدر، فأنسيتها، وهي في العشر الأواخر من لياليها، وهي طلقة بلجة، لا حارّة ولا باردة، كأن فيها قمرا، لا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها».
وروي أن النبي ﷺ خرج ليخبر عن ليلة القدر، فوجد رجلين يتنازعان، فنسي الخبر.
стр. 9215
الحكمة في إخفائها بين الليالي:
الحكمة في إخفاء ليلة القدر كالحكمة في إخفاء وقت الوفاة، ويوم القيامة، حتى يرغب المكلف في الطاعات، ويزيد في الاجتهاد، ولا يتغافل، ولا يتكاسل، ولا يتكل. ومن الإشفاق أيضا ألا يعرفها المكلف بعينها لئلا يكون بالمعصية فيها خاطئا متعمدا. وإذا اجتهد العبد في طلب ليلة القدر بإحياء الليالي المظنونة، باهى الله تعالى ملائكته، ويقول: كنتم تقولون فيهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها، وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ فهذا جدّهم في الأمر المظنون، فكيف لو جعلتها معلومة لهم؟ فهنالك يظهر سر قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾.
فضائلها:
أوجز الله تعالى كما تقدم بيان فضائلها بقوله سبحانه: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها﴾. والآية الأولى فيها بشارة عظيمة وفيها تهديد عظيم، أما البشارة: فهي أنه تعالى ذكر أن هذه الليلة خير، ولم يبين قدر الخيرية. وأما التهديد: فهو أنه تعالى توعد صاحب الكبيرة بالدخول في النار، وأن إحياء مائة ليلة من القدر، لا يخلصه عن ذلك العذاب المستحق، بتطفيف حبة واحدة، فدل ذلك على تعظيم حال الذنب والمعصية (١).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة كما تقدم: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدّم من ذنبه».
وقال الشعبي: وليلها كيومها، ويومها كليلها. وقال الفرّاء: لا يقدر الله في ليلة القدر إلا السعادة والنعم، ويقدّر في غيرها البلايا والنقم. وقال سعيد بن المسيب في الموطأ: من شهد العشاء من ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها. ومثله ومثل ما تقدمه لا يدرك بالرأي.
стр. 9216
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة البيّنة
مدنيّة، وهي ثماني آيات.
تسميتها:
سميت سورة البيّنة؛ لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ، حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي مفارقين ما هم عليه من الكفر، منتهين زائلين عن الشرك، حتى تأتيهم الحجة الواضحة، وهي ذلك المنزل الذي يتلوه رسول الله ﷺ ، وتسمى أيضا سورة البرية، أو: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾.
مناسبتها لما قبلها:
هذه السورة كالعلة لما قبلها، فكأنه لما قال سبحانه: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قيل: لم أنزل القرآن؟ فقيل: لأنه لم يكن الذين كفروا منفكّين عن كفرهم، حتى تأتيهم البينة، فهي كالعلة لإنزال القرآن، المشار إليه في سورة القدر المتقدمة.
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة المدنية تحدثت عن الأمور الثلاثة التالية:
١ - بيان علاقة أهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمشركين برسالة
стр. 9217
النبي ﷺ ، وموقفهم منها، وإقلاعهم عن كفرهم بسببها: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. [الآيات ١ - ٤].
٢ - تحديد الهدف الجوهري من الدين والإيمان وهو إخلاص العبادة لله : ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.﴾. [٥].
٣ - توضيح مصير كل من الكفار المجرمين الأشقياء شر البرية، والمؤمنين الأتقياء السعداء خير البرية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ.﴾.
[٦ - ٨].
فضلها:
أخرج الإمام أحمد عن مالك بن عمرو بن ثابت الأنصاري قال: «لما نزلت: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ إلى آخرها، قال جبريل:
يا رسول الله، إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيّا، فقال النبي ﷺ لأبيّ: إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة، قال أبيّ: وقد ذكرت ثمّ يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فبكى أبيّ».
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك قال:
قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ قال: وسماني لك؟ قال: نعم، فبكى».
وأخرج أحمد والترمذي عن أبي بن كعب قال: إن رسول الله ﷺ قال لي:
«إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ.﴾. فقرأ فيها: ولو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه لسأل ثانيا، ولو سأل ثانيا فأعطيه لسأل ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير المشركة
стр. 9218
ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيرا فلن يكفره» وقال الترمذي:
حسن صحيح.
لا تكليف بلا بيان ولا عقوبة دون إنذار
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾
الإعراب:
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾: معطوف على ﴿أَهْلِ الْكِتابِ﴾ و ﴿مُنْفَكِّينَ﴾: خبر كان.
﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا﴾ ﴿رَسُولٌ﴾: بدل مرفوع من ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ قبله، أو على تقدير مبتدأ محذوف، تقديره هي رسول، وقرئ: رسولا بالنصب على الحال.
﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي الملة القيمة، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، ولولا هذا التقدير، لكان ذلك يؤدي إلى أن يكون ذلك إضافة الشيء إلى نفسه، وذلك لا يجوز.
﴿مُخْلِصِينَ﴾ منصوب على الحال.
البلاغة:
﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ثم قال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ إجمال ثم تفصيل.
﴿يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ استعارة تصريحية في لفظ ﴿مُطَهَّرَةً﴾ حيث شبه تنزه الصحف عن الباطل بطهارتها عن الأنجاس.
﴿الْبَيِّنَةُ﴾، ﴿الْقَيِّمَةِ﴾، ﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾، ﴿شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ توافق الفواصل، وهو من المحسنات البديعية.
стр. 9219
المفردات اللغوية:
﴿مِنْ﴾ للبيان. ﴿أَهْلِ الْكِتابِ﴾ اليهود والنصارى. ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ عبدة الأوثان والأصنام. ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ منتهين عن كفرهم، زائلين عما هم عليه، مفارقين له. ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ الحجة الواضحة التي يتميز بها الحق من الباطل، مأخوذة من البيان: وهو الظهور، والمراد هنا: الرسول أو القرآن، فإنه مبين للحق. ﴿صُحُفاً﴾ جمع صحيفة: وهي ما يكتب فيه. ﴿مُطَهَّرَةً﴾ خالية من الباطل، مبرّأة من الضلال والزور.
﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ في الصحف مكتوبات مستقيمة ناطقة بالحق، أي إن الرسول يتلو مضمون الكتب، وهو القرآن. ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ عما كانوا عليه، بأن آمن بعضهم بالقرآن، وكفر به بعضهم. ﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ الدليل الواضح الدال على الحق، وهو الرسول ﷺ أو القرآن الجائي به معجزة له.
﴿وَما أُمِرُوا﴾ في كتبهم كالتوراة والإنجيل. ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ﴾ أي إلا أن يعبدوه، فحذفت (أن) وزيدت اللام. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ جاعلين الدين له وحده نقيّا من الشرك، لا يشركون به. والإخلاص: الإتيان بالعمل خالصا لله تعالى دون إشراك به. والدين: العبادة.
﴿حُنَفاءَ﴾ مائلين عن الباطل والعقائد الزائغة، جمع حنيف: وهو في الأصل المائل المنحرف عن الشيء إلى غيره، والمراد هنا: المستقيمين على دين إبراهيم ودين محمد حين مجيئه. ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ دين الملة المستقيمة.
التفسير والبيان:
أرسل الله تعالى رسوله محمدا ﷺ لجميع العالمين من الإنس والجن، ولجميع الأمم والشعوب في عصره والعصور التالية له، ولكل أهل الملل والأديان، حتى أهل الكتاب والمشركين الذين بعدوا عن الدين الصحيح، لذا قال تعالى:
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي لم يكن الذين جحدوا رسالة النبي ﷺ وأنكروا نبوته، من اليهود والنصارى وعبدة الأصنام والأوثان من مشركي العرب وغيرهم، منتهين عما هم عليه من الكفر، مفارقين لكفرهم الموروث، حتى تأتيهم الحجة الواضحة، وهي رسول الله ﷺ أو القرآن الكريم.
стр. 9220
والمراد إخبار الله تعالى عن الكفار أنهم لن ينتهوا عن كفرهم وشركهم بالله، حتى يأتيهم الرسول ﷺ وما جاء به من القرآن، فإنه بيّن لهم ضلالتهم وجهالتهم، ودعاهم إلى الإيمان.
ثم أوضح المراد بالبيّنة فقال:
﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً، فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي تلك البينة هي محمد ﷺ الذي أرسله رحمة للعالمين، يقرأ عليهم ما تتضمنه صحف القرآن، المطهرة من الخلط والكذب، والشبهات والكفر، والتحريف واللّبس، بل فيها الحق الصريح الذي يبين لأهل الكتاب والمشركين كل ما يشتبه عليهم من أمور الدين، وفيها الآيات والأحكام المكتوبة المستقيمة المستوية المحكمة، دون زيغ عن الحق، وإنما هي صلاح ورشاد، وهدى وحكمة، كما قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصّلت ٤٢/ ٤١] وقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً، قَيِّماً لِيُنْذِرَ.﴾. [الكهف ١/ ١٨ - ٢].
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٢/ ٨٠ - ١٦].
ثم أبان تفرّق الكتابيين، فقال:
﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي لا تتأسف يا محمد على الكتابيين، فإن تفرقهم واختلافهم لم يكن لاشتباه الأمر عليهم، بل كان بعد وضوح الحق، وظهور الصواب، ومجيء الدليل المرشد إلى الدين الحق والبينة الواضحة وهو محمد ﷺ الذي جاء بالقرآن موافقا لما في أيديهم من الكتاب بنعته ووصفه، فلما بعث الله محمدا، تفرقوا في الدين، فآمن به بعضهم، وكفر آخرون، وكان عليهم أن يتفقوا على طريقة واحدة، من اتباع
стр. 9221
دين الله، ومتابعة الرسول الذي جاءهم من عند الله، مصدّقا لما معهم.
ونظير الآية: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ، وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٠٥/ ٣]. وقد أعذر من أنذر، كما قال تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال ٤٢/ ٨].
وجاء في الحديث المروي من طرق: «إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي» (١).
ثم وبّخهم على انحرافهم عن الهدف الجوهري من الدين وهو إخلاص العبادة لله، فقال:
﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ، وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي إنهم تفرقوا واختلفوا، مع أنهم لم يؤمروا في التوراة والإنجيل أو في القرآن الذي جاءهم من عند الله إلا بعبادة الله وحده، وتكون عبادتهم خالصة لا يشركون به شيئا، ويخلصون العبادة لله ، مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، ويفعلون الصلوات على الوجه الذي يريده الله في أوقاتها، ويعطون الزكاة لمستحقيها عن طيب نفس عند حلول وقتها. وهذا الذي أمروا به يقتضي الاتحاد والاتفاق، لا الشقاق والافتراق، ولم يجيء محمد ﷺ إلا بمثل ما أمر به الرسل من ذلك، ومنهجه اتباع ملة إبراهيم ﵇ الذي مال عن وثنية أهل زمانه إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله كما قال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ [النحل ١٢٣/ ١٦].
وذلك الدين: وهو إخلاص العبادة، وترك كل ما يعبد من دونه، وأداء
стр. 9222
الصلوات لله في أوقاتها، وبذل الزكاة للمحتاجين، هو دين الملة المستقيمة.
وقوله: ﴿وَما أُمِرُوا﴾ أي وما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي، أي أن المشروع في حقهم مشروع في حقنا. والأولى أن يكون المراد كما ذكر الرازي: وما أمر أهل الكتاب في القرآن أو على لسان محمد ﷺ إلا بهذه الأشياء، لأن الآية على هذا التقدير تفيد شرعا جديدا، وحمل كلام الله على ما يكون أكثر فائدة أولى، ولقوله تعالى: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي محمد ﷺ ، ولأن الله تعالى ختم الآية بقوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ وهو شرع محمد ﷺ .
وهذه الآية دالة على أن التفرق والكفر فعلهم بدليل قوله: ﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. والمقصود من هذه الآية تسلية الرسول ﷺ ، أي لا يحزنك أو لا يغمّنك تفرقهم، فليس ذلك لقصور في الحجة، بل لعنادهم، وهكذا كان سلفهم تفرقوا في السبت وعبادة العجل بعد قيام البينة عليهم، فهي عادة قديمة لهم.
وقوله: ﴿لِيَعْبُدُوا﴾ اللام في موضع (أن) أي إلا أن يعبدوا، والعرب تجعل اللام في موضع (أن) في الأمر والإرادة كثيرا، مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦/ ٤] وقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا﴾ [الصف ٨/ ٦١] وقال في الأمر: ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ [الأنعام ٧١/ ٦].
وبما أن الإخلاص: عبارة عن النية الخالصة، والنية معتبرة، فقد دلت الآية على أن كل مأمور به، فلا بد وأن يكون منويا. قالت الشافعية: بما أن الوضوء مأمور به في قوله تعالى: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦/ ٥] ودلت هذه الآية على أن كل مأمور يجب أن يكون منويا، فيلزم من مجموع الآيتين وجوب كون الوضوء منويا. وعلى هذا لا بد في المأمورات من
стр. 9223
النية: بأن يقصد الشخص بعمله وجه الله. أما المنهيات فإن تركها بدون نية لم يؤجر في تركها، وإن تركها ابتغاء وجه الله، كان مأجورا على تركها، وأما المباحات كالأكل والنوم، فإن فعلها بغير نية لم يؤجر، وإن فعلها بقصد وجه الله والتقوي بها على الطاعة، كان له فيها أجر.
واللام في قوله تعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ﴾ تدل على مذهب أهل السنة حيث قالوا: العبادة ما وجبت لكونها مفضية إلى ثواب الجنة أو إلى البعد عن عقاب النار، بل لأجل أنك عبد، وهو رب، فلو لم يكن هناك ثواب ولا عقاب البتة، ثم أمرك بالعبادة، وجبت لمحض العبودية. وفيها أيضا إشارة إلى أنه من عبد الله للثواب والعقاب، فالمعبود في الحقيقة هو الثواب والعقاب، والحق واسطة.
والعبادة هي التذلل، ومن زعم أنها الطاعة فقد أخطأ؛ لأن جماعة عبدوا الملائكة والمسيح والأصنام، وما أطاعوهم. والعبادة بهذا المعنى لا يستحقها إلا من يكون واحدا في ذاته وصفاته الذاتية والفعلية.
والإخلاص: هو أن يأتي بالفعل خالصا لداعية واحدة، ولا يكون لغيرها من الدواعي تأثير في الدعاء إلى ذلك الفعل. وقوله: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ تنبيه على ما يجب من تحصيل الإخلاص من ابتداء الفعل إلى انتهائه، والمخلص: هو الذي يأتي بالحسن لحسنه، والواجب لوجوبه، فيأتي بالفعل مخلصا لربه، لا يريد رياء ولا سمعة ولا غرضا آخر، بل قالوا: لا يجعل طلب الجنة مقصودا ولا النجاة عن النار مطلوبا، وإن كان لا بد من ذلك. وقالوا أيضا: من الإخلاص: ألا يزيد في العبادات عبادة أخرى لأجل الغير، مثل الواجب من الأضحية شاة، فإذا ذبحت اثنتين: واحدة لله، وواحدة للأمير، لم يجز؛ لأنه شرك.
стр. 9224
ثم إن هذه الآية: ﴿وَما أُمِرُوا.﴾. دليل على أن الإيمان عبارة عن مجموع القول والاعتقاد والعمل؛ لأن الله تعالى ذكر العبادة المقرونة بالإخلاص وهو التوحيد، ثم عطف عليه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم أشار إلى المجموع بقوله:
﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - للإسلام وشارعه فضل على جميع الأمم والخلائق، فلولاه لما عرف إيمان صحيح، ولا دين حق.
٢ - من هذه الفضائل والمزايا: أن أهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمشركين عبدة الأوثان والأصنام لم يصيروا منتهين عن كفرهم، مائلين أو زائلين عنه إلا بمجيء البينة وهي الحجة الواضحة، وهي محمد ﷺ بما جاء به من القرآن العظيم، حجة الله على عباده، ومعجزة رسوله مدى الحياة، وهو الذي يتلو منه على أسماع البشر صحفا مطهرة من الزور والشك والنفاق والضلالة، كما قال ابن عباس، وفي تلك الصحف مكتوبات مستقيمة مستوية محكمة، مستقلة بالدلائل.
والصحف: القراطيس التي يكتب فيها القرآن، المطهر من النقائص، ومسّ المحدث إياه. ومعنى تلاوة الصحف: إملاؤه إياها.
عن جعفر الصادق ﵁: أنه ﷺ كان يقرأ من الكتاب، وإن كان لا يكتب، ولعل هذا من معجزاته.
٣ - تقتضي الآية الأولى: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ أن أهل الكتاب منهم كافر، ومنهم
стр. 9225
مؤمن ليس بكافر. أما المشركون فلا ينقسمون هذه القسمة، وكلهم كفار؛ لأن كلمة ﴿مِنْ﴾ هنا ليست للتبعيض، بل للتبيين، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ [الحج ٣٠/ ٢٢] فقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ بيان للذين كفروا، والمراد أن الكفار فريقان: بعضهم أهل الكتاب ومن يجري مجراهم كالمجوس، وبعضهم مشركون. وكلمة ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ وصف لأهل الكتاب؛ لأن النصارى مثلثة، وعامة اليهود مشبّهة، وهذا كله شرك.
٤ - في الآية الأولى أحكام شرعية هي:
أولا-أنه تعالى فسر قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأهل الكتاب وبالمشركين، وهذا يقتضي كون الكل واحدا في الكفر، لذا قال العلماء: الكفر كله ملة واحدة، فالمشرك يرث اليهودي وبالعكس.
ثانيا-أن العطف أوجب المغايرة، فلذلك نقول: الذمي ليس بمشرك.
وقال ﷺ عن المجوس فيما أخرجه الشافعي عن عبد الرحمن بن عوف: «سنّوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» فأثبت التفرقة بين الكتابي والمشرك. لكن قوله: «غير ناكحي» إلخ، زيادة ضعيفة.
ثالثا-نبّه بذكر الكتاب على أنه لا يجوز الاغترار بأهل العلم؛ إذ قد حدث في أهل القرآن مثلما حدث في الأمم الماضية (١).
٥ - خص الله تعالى أهل الكتاب بظهور التفرق فيهم دون غيرهم، وإن اشتركوا مع بقية الكفار في الكفر؛ لأنه مظنون بهم علم، فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف.
٦ - حدثت ظاهرة تفرق أهل الكتاب بعد البعثة النبوية، وذلك أنهم كانوا
стр. 9226
مجتمعين متفقين على نبوته، فلما بعث محمد ﷺ ، جحدوا نبوته وتفرقوا، فمنهم من كفر بغيا وحسدا، ومنهم من آمن، كقوله تعالى: ﴿وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ١٤/ ٤٢].
٧ - ما أمر هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل والقرآن إلا أن يوحّدوا الله تعالى، ويخلصوا له العبادة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [الزّمر ١١/ ٣٩] وأن يكونوا حنفاء، أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام المرضي وحده عند الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران ١٩/ ٣] وأن يقيموا الصلاة بحدودها في أوقاتها، ويعطوا الزكاة عند حلول أجلها، وذلك الدين الذي أمروا به دين القيمة، أي الدين المستقيم، أو دين الملة القيمة، أو دين الأمة القيمة القائمة بالحق.
٨ - قوله تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ دليل على وجوب النية في العبادات؛ فإن الإخلاص من عمل القلب، وهو الذي يراد به وجه الله تعالى، لا غيره.
٩ - الإخلاص لبّ العبادة،
جاء في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري، تركته وشركه».
وعيد الكفار ووعد الأبرار وجزاء الفريقين
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾
стр. 9227
الإعراب:
﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ ﴿خالِدِينَ﴾ منصوب على الحال من ضمير مقدر، تقديره: يجزونها خالدين فيها. و ﴿أَبَداً﴾ ظرف زمان مستقبل يتعلق ب ﴿خالِدِينَ﴾ وأما (قط) فللماضي، تقول: والله لا أكلمه أبدا، وما كلمته قط.
البلاغة:
﴿شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ و ﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ بينهما طباق.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ.﴾. الآية، و ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ.﴾. الآية فيهما مقابلة بين عذاب الكفار الفجار، وبين نعيم المؤمنين الأبرار.
المفردات اللغوية:
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ ماكثين فيها يوم القيامة على الدوام، بتقدير الله تعالى، ويلاحظ أن اشتراك أهل الكتاب والمشركين في جنس العذاب لا يوجب اشتراكهما في نوعه، فربما اختلف لتفاوت كفرهما. ﴿شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ الخليقة أو الخلق، وقرئ: البريئة بالهمز على الأصل. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ إقامة. ﴿﵃﴾ بطاعته، وهو زيادة على جزائهم. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بثوابه وفضله وهو أقصى أمانيهم. ﴿ذلِكَ﴾ أي المذكور من الجزاء والرضوان. ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ خاف عقابه، فانتهى عن معصية الله تعالى، فإن الخشية ملاك الأمر، والباعث على كل خير.
قال البيضاوي عن وعد المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. فيه مبالغات: تقديم المدح، وذكر الجزاء المؤذن بأن ما منحوا في مقابلة ما وصفوا به، والحكم عليه بأنه من عند ربهم، وجمع جنات، وتقييدها إضافة ووصفا بما يزداد لها نعيما، وتأكيد الخلود بالتأبيد (١).
المناسبة:
بعد بيان موقف الكفار والمشركين من دعوة النبي ﷺ ، ذكر الله تعالى وعيد الكفار، ووعد الأبرار وجزاء الفريقين، وقدم وعيد أهل الكتاب على المشركين؛ لأنه ﷺ كان يقدّم حق الله على حق نفسه، ولهذا حين كسروا رباعيته في غزوة أحد
قال: «اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون» وحيث فاتته
стр. 9228
صلاة العصر يوم الخندق
قال: «ملأ الله بطونهم وقبورهم نارا» فقال الله تعالى:
كما قدّمت حقي على حقك، فأنا أيضا أقدم حقك على حقي، فمن ترك الصلاة طول عمره لم يكفر، ومن طعن فيك بوجه يكفر، ثم إن أهل الكتاب طعنوا فيك، فقدّمتهم في الوعيد على المشركين الذين طعنوا فيّ. ثم إن أهل الكتاب أولى بالإيمان بالرسول محمد ﷺ ، فهم في الجملة يؤمنون بدين، ويقرون بنبي آخر الزمان، وعلاماته في كتبهم، فطعنهم به في غير محله، فاستحقوا التقديم في الوعيد لذلك (١).
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن مآل الفجار الكفار فيقول:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ، خالِدِينَ فِيها، أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي إن الذين خالفوا كتب الله المنزلة، وأنبياء الله المرسلة، من اليهود والنصارى وعبدة الأصنام، مآلهم يوم القيامة في نار جهنم المستعرة، يصيرون إليها، ماكثين فيها على الدوام، لا يخرجون منها ولا يموتون فيها، وهم حالا شر الخليقة التي برأها الله وذرأها؛ لأنهم تركوا الحق حسدا وبغيا، فسيكونون شر الخليقة مصيرا. والسبب في أنه لم يقل هنا خالدين فيها أبدا، كما فعل في الأبرار؛ لأن رحمته أزيد من غضبه. وقوله: ﴿هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ لإفادة النفي والإثبات، أي هم دون غيرهم.
ثم أخبر الله تعالى عن حال الأبرار، فقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ أي إن الذين آمنوا بقلوبهم بربهم وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا الصالحات بأبدانهم، هم أفضل الخلق حالا ومآلا.
стр. 9229
وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين الأبرار على الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾.
ثم ذكر جزاءهم فقال:
﴿جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً، ﵃، وَرَضُوا عَنْهُ، ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي جزاؤهم يوم القيامة عند خالقهم ومالكهم على الإيمان والعمل الصالح جنات أو بساتين إقامة دائمة تجري من تحت أشجارها وغرفها الأنهار، ماكثين فيها على الدوام، لا يخرجون منها، ولا يرحلون عنها، ولا يموتون، بل هم دائمون في نعيمها، مستمرون في لذاتها إلى الأبد، لا نهاية لنعيمهم. وكلمة الجزاء تفيد معنيين:
أحدهما-أن يعطيه الجزاء الوافر من غير نقص، والثاني-أنه تعالى يعطيه ما يقع به الكفاية؛ لأن الجزاء اسم لما يقع به الكفاية، فلا يبقى في نفسه شيء إلا ويحققه له، كما قال: ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت ٣١/ ٤١]. وقوله:
﴿تَجْرِي﴾ إشارة إلى أن الماء الجاري ألطف من الراكد.
﵃؛ لأنهم أطاعوا أمره، وقبلوا شرائعه، ورضوا عنه، بما منحهم من الثواب والفضل العميم، وتحقيق المطالب مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وهذا الجزاء والرضوان حاصل لمن خاف الله واتقاه حق تقواه، وعبده كأنه يراه، وانتهى عن معاصيه بسبب ذلك الخوف.
وفي ذلك تحذير من خشية غير الله، وتنفير من إشراك غيره به في جميع الأعمال، وترغيب في تقوى الله ورهبته، حتى يصبح العمل خالصا لله وحده.
كما أن فيه إيماء إلى أن شرط أداء العبادة كالصوم والصلاة: خشية الله والخشوع له.
стр. 9230
أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بخير البرية؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما كانت هيعة استوى عليه، ألا أخبركم بخير البرية؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: رجل في ثلّة من غنمه، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة. ألا أخبركم بشر البرية؟ قالوا: بلى، قال: الذي يسأل بالله ولا يعطى به».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - استحق أهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمشركون عبدة الأصنام بسبب كفرهم بالإسلام ثلاث عقوبات: دخول نار جهنم، والخلود فيها، ووصفهم بأنهم دون غيرهم هم شر البرية وشر خلق الله.
وقوله في وعيدهم: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وفي آية الرعد: ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ إشارة كما تقدم إلى كمال كرمه وسعة رحمته، كما قال في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة: سبقت رحمتي غضبي.
٢ - قال العلماء: آية الوعيد هذه مخصوصة في صورتين:
إحداهما-أن من تاب منهم وأسلم، خرج من الوعيد.
والثانية-أن من مضى من الكفرة يجوز ألا يدخل فيها؛ لأن فرعون كان شرا منهم.
٣ - استحق الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح أربعة أنواع من الجزاء: وصفهم بأنهم خير البرية، ودخول جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، والخلود فيها أبدا، ورضوان الله عليهم أي رضا أعمالهم، ورضاهم عن الله، أي رضاهم بثواب الله تعالى.
стр. 9231
٤ - وعملوا الصالحات: والخلود في الجنة خير من الجنة، ورضا الله خير من الجنة. إما من مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا أو مقابلة الفرد بالفرد، فلا مكلف يأتي بجميع الصالحات، بل لكل مكلف حظ، فحظ الغني الإعطاء، وحظ الفقير الأخذ، كما لو قال لامرأتيه: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما كذا، فيحمل على أن يدخل كل واحدة منهما دارا على حدة.
٥ - احتج بعضهم بقوله: ﴿أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ أي الخليقة ويؤيده قراءة الهمز على تفضيل البشر على الملائكة، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعا، قال: أتعجبون من منزلة الملائكة من الله، والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة، أعظم من ذلك، وقرأ هذه الآية. والجواب بأن الملائكة أيضا داخلون في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو المراد بالبرية:
بنو آدم؛ لأن اشتقاقها من البري: وهو التراب، لا من برأ الله الخلق، فلا يدخل الملائكة في الآية البتة.
٦ - قوله: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ مع قوله: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ [فاطر ٢٨/ ٣٥] ظاهر في أن العلماء بالله هم خير البرية، اللهم اجعلنا منهم.
стр. 9232
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الزلزلة
مدنيّة، وهي ثماني آيات.
تسميتها:
سميت سورة الزلزلة أو الزلزال لافتتاحها بالإخبار عن حدوث الزلزال العنيف قبيل يوم القيامة: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾. وهي سورة مدنية، وقال ابن كثير: هي مكية.
مناسبتها لما قبلها:
لما ذكر الله تعالى في آخر سورة البيّنة وعيد الكافر ووعد المؤمن وأن جزاء الكافرين نار جهنم، وجزاء المؤمنين جنات، بيّن هنا وقت ذلك الجزاء وبعض أماراته وهو الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها، فكأنه قيل: متى يكون ذلك؟ فقال: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ أي يكون يوم زلزلة الأرض. ثم إنه تعالى أراد أن يزيد في وعيد الكافر، فقال: أجازيه حينما تزلزل الأرض، مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران ١٠٦/ ٣]. ثم ذكر ما للطائفتين، فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ.﴾. [١٠٦]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [١٠٧]. ثم جمع بينهما هنا في آخر السورة بذكر الذرّة من الخير والشر.
ما اشتملت عليه السورة:
أسلوب هذه السورة المدنية وموضوعها يشبه أسلوب وموضوع السور المكية، لإخبارها عن أهوال القيامة وشدائدها.
стр. 9233
وقد اشتملت على مقصدين:
١ - بيان حدوث الزلزال والاضطراب الشديد للأرض يوم القيامة، فينهار كل ما عليها، ويخرج الناس الموتى من بطنها من قبورهم، وتشهد حينئذ على كل إنسان بما عمل على ظهرها: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ [الآيات: ١ - ٥].
٢ - الحديث عن ذهاب الخلائق لموقف العرض والحساب، ثم مجازاتهم على أعمالهم، وقسمتهم فريقين: سعيد إلى الجنة، وشقي إلى النار: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً.﴾. [٦ - ٨].
سبب نزولها:
كان الكفار يسألون كثيرا عن الساعة ويوم الحساب، فيقولون: ﴿أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ؟﴾ [القيامة ٦/ ٧٥]. ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؟ [الملك ٢٥/ ٦٧]. ﴿مَتى هذَا الْفَتْحُ﴾؟ (١) [السجدة ٢٨/ ٣٢] ونحو ذلك، فأبان لهم في هذه السورة علامات القيامة فحسب، ليعلموا أن علم ذلك عند الله، ولا سبيل إلى تعيين ذلك اليوم للعرض والحساب والجزاء.
فضلها:
أخرج الترمذي وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو قال: «أتى رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: أقرئني يا رسول الله، قال له: اقرأ ثلاثا من ذوات الراء، فقال له الرجل: كبر سني واشتد قلبي وغلظ لساني، قال: فاقرأ من ذوات حم، فقال مثل مقالته الأولى، فقال: اقرأ ثلاثا من المسبّحات، فقال مثل مقالته، فقال الرجل: ولكن أقرئني يا رسول الله سورة جامعة، فأقرأه ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ حتى إذا فرغ منها، قال الرجل: والذي بعثك
стр. 9234
بالحق نبيا، لا أزيد عليها أبدا، ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ : أفلح الرويجل، أفلح الرويجل، ثم قال: عليّ به، فجاءه، فقال له:
أمرت بيوم الأضحى، جعله الله عيدا لهذه الأمة، فقال له الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى، فأضحّي بها؟ قال: لا (١)، ولكنك تأخذ من شعرك، وتقلّم أظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فذاك تمام أضحيتك عند الله ».
وأخرج الترمذي-وقال: هذا حديث حسن-عن أنس بن مالك: «أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: هل تزوجت يا فلان؟ قال: لا والله يا رسول الله، ولا عندي ما أتزوج!! قال: أليس معك: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾؟ قال: بلى، قال: ثلث القرآن، قال: أليس معك: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، تزوج».
أمارة القيامة والجزاء على الخير والشر
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾
стр. 9235
الإعراب:
﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿إِذا﴾ ظرف، والعامل فيه إما ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ﴾ أو ﴿تُحَدِّثُ﴾ ويكون ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ تكرارا وبدلا من ﴿إِذا﴾، وتقديره: إذا زلزلت الأرض تحدث أخبارها. و ﴿زِلْزالَها﴾: منصوب على المصدر، بكسر الزاي الأولى، ولو فتح لكان اسما، وقيل:
هو بالفتح أيضا مصدر.
﴿أَشْتاتاً﴾ منصوب على الحال من ﴿النّاسُ﴾ جمع (شتّ) وهو المتفرق.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ.﴾. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ.﴾. من في الموضعين: شرطية في موضع رفع بالابتداء.
و ﴿يَرَهُ﴾: خبره.
البلاغة:
﴿زِلْزالَها﴾ الإضافة للتهويل. و ﴿زُلْزِلَتِ﴾ ﴿زِلْزالَها﴾ بينهما جناس الاشتقاق.
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ﴾ إظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير والتوكيد.
﴿وَقالَ الْإِنْسانُ: ما لَها﴾؟ استفهام للتعجب والاستغراب أو الاستهجان.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ بينهما مقابلة.
﴿زِلْزالَها﴾، ﴿أَثْقالَها﴾، ﴿أَوْحى لَها﴾، ﴿أَخْبارَها﴾، ﴿ما لَها﴾ سجع مرصع من المحسنات البديعية.
﴿أَوْحى لَها﴾ تضمين، ضمن ذلك معنى الإذن والأمر لها.
المفردات اللغوية:
﴿زُلْزِلَتِ﴾ الزلزال: التحريك والاضطراب الشديدان، وذلك يحصل عند النفخة الأولى أو الثانية أو الممكّن لها في الحكمة الإلهية. ﴿أَثْقالَها﴾ الأثقال في الأصل: أمتعة البيت، كما قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ.﴾. [النحل ٧/ ١٦] جمع ثقل: متاع البيت، والمراد هنا: ما في جوف الأرض من الكنوز والدفائن والأموات، وتخرج أثقالها: تلقيها على ظهرها. ﴿وَقالَ الْإِنْسانُ:﴾
﴿ما لَها﴾ يتساءل الإنسان عما يبهره من الأمر الفظيع وإنكارا لتلك الحالة، وقيل: المراد بالإنسان:
الكافر بالبعث، فإن المؤمن يعلم ما لها. ﴿تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ تخبر بما عمل عليها من خير وشر.
وهي تحدّث الخلق إما بلسان الحال وهو ما لأجله زلزالها وإخراجها، أو ينطقها الله فتخبر بما عمل عليها. وهو جواب ﴿إِذا﴾
جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي عن أبي هريرة: «تشهد على كل عبد أو أمة بكل ما عمل على ظهرها».
стр. 9236
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ﴾ أي تحدّث بسبب أن ربك ﴿أَوْحى لَها﴾ أمرها بذلك، والوحي: الإلهام بخفاء، يقال: أوحى له وإليه، ووحي له وإليه: كلّمه خفية أو ألهمه. ﴿يَصْدُرُ النّاسُ﴾ يخرجون من قبورهم إلى موقف الحساب. ﴿أَشْتاتاً﴾ متفرقين متمايزين بحسب مراتبهم وأعمالهم.
﴿لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ يروا جزاء أعمالهم من الجنة أو النار، ﴿ذَرَّةٍ﴾ الذرة: الهباء الذي يرى في ضوء الشمس الداخل من نافذة، أو النملة الصغيرة، و ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ زنة نملة أو هباء، وهو مثل في الصغر. ﴿خَيْراً يَرَهُ﴾ يرى ثوابه. ﴿شَرًّا يَرَهُ﴾ يرى جزاءه. وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ.﴾.
تفصيل ﴿لِيُرَوْا﴾.
سبب النزول:
نزول الآية (٨، ٧):
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ.﴾.: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ الآية، كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل، إذا أعطوه، وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير: الكذبة، والنظرة، والغيبة، وأشباه ذلك، ويقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر، فأنزل الله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
وقد سمّى رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ.﴾.
الجامعة الفاذّة، حين سئل عن زكاة الحمر،
فقال فيما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: «ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الفاذّة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١)».
وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين، وذلك أنه لما نزل:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ كان أحدهما يأتيه السائل، فيسأل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة، ويقول: ما هذا بشيء، وإنما نؤجر على ما نعطي.
стр. 9237
وكان أحدهما يتهاون بالذنب الصغير، ويقول: لا شيء عليّ من هذا، فرغب الله تعالى في القليل من الخير؛ لأنه يوشك أن يكثر، وحذر من الذنب اليسير، فإنه يوشك أن يعظم، فلهذا
قال النبي ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم: «اتقوا النار ولو بشقّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيّبة».
التفسير والبيان:
﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ أي إذا تحركت الأرض من أسفلها حركة شديدة، واضطربت اضطرابا هائلا حتى يتكسر كل شيء عليها، كما قال تعالى:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج ١/ ٢٢] وقال سبحانه: ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة ٤/ ٥٦].
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ ألقت ما في جوفها من الأموات والدفائن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ، وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق ٣/ ٨٤ - ٤].
وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا».
وتخرج الأرض الأموات في النفخة الثانية.
﴿وَقالَ الْإِنْسانُ: ما لَها؟﴾ أي قال كل فرد من أفراد الإنسان لما يبهره أمرها ويذهله خطبها: ما لهذه الأرض، ولأي شيء زلزلت، وأخرجت أثقالها؟ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ أي في ذلك الوقت المضطرب، وقت الزلزلة، تخبر الأرض بأخبارها، وتحدّث بما عمل عليها من خير وشر، ينطقها الله
стр. 9238
سبحانه، لتشهد على العباد. قال ابن عباس في الآية: قال لها ربها: قولي، فقالت.
أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي-واللفظ له-عن أبي هريرة قال:
«قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها أن تقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها» (١). وقال الطبري: إن هذا تمثيل، والمراد أنها تنطق بلسان الحال، لا بلسان المقال.
ثم أبان الله تعالى مصدر هذه الواقعة، فقال:
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ أي تحدّث أخبارها بوحي الله وإذنه لها بأن تتحدث وتشهد. فقوله: ﴿أَوْحى لَها﴾ أي أذن لها وأمرها، أو أوحى إليها أي ألهمها.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ أي في هذا اليوم المضطرب وفي يوم الخراب المدمر، يصدر الناس من قبورهم إلى موقف الحساب، مختلفي الأحوال، فبعضهم آمن، وبعضهم خائف، وبعضهم بلون أهل الجنة، وبعضهم بلون أهل النار، ليريهم الله أعمالهم معروضة عليهم. هذا ما يراه بعض المفسرين كالشوكاني. فالصدر على هذا الرأي: هو قيامهم للبعث بعد أن كانوا مدفونين في الأرض، و ﴿أَشْتاتاً﴾ فرقا مؤمن وكافر وعاص، سائرون إلى العرض، ليروا أعمالهم.
وقال آخرون كابن كثير: يرجعون عن موقف الحساب أشتاتا، أي أنواعا وأصنافا، ما بين شقي وسعيد، مأمور به إلى الجنة، ومأمور به إلى النار،
стр. 9239
ليجازوا بما عملوه في الدنيا من خير وشر، فيكون المراد بقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ ليروا جزاء أعمالهم وهو الجنة والنار، ولهذا قال:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ أي فمن يعمل في الدنيا وزن نملة صغيرة أو هباء لا يرى إلا في ضوء الشمس، والمراد أي عمل مهما كان صغيرا، فإنه يجده يوم القيامة في كتابه، ويلقى جزاءه، فيفرح به، أو يراه بعينه معروضا عليه. وكذلك من يعمل في الدنيا أي شيء من الشر ولو كان حقيرا أو قليلا، يجد جزاءه يوم القيامة، فيسوؤه. والذرّ كما تقدم: ما يرى في شعاع الشمس من الهباء، أو هو النملة الصغيرة.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء ٤٧/ ٢١] وقوله سبحانه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ، فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ، وَيَقُولُونَ: يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها، وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف ٤٩/ ١٨].
وفي صحيح البخاري عن عدي مرفوعا: «اتقوا النار ولو بشقّ تمرة، ولو بكلمة طيبة»
وفي الصحيح له أيضا: «لا تحقرنّ من المعروف شيئا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تلقى أخاك، ووجهك إليه منبسط»
وفي الصحيح أيضا: «يا معشر نساء المؤمنات لا تحقرنّ جارة لجارتها، ولو فرسن شاة» يعني ظلفها.
وفي الحديث الآخر الذي أخرجه أحمد والبخاري في التاريخ والنسائي عن حوّاء بنت السكن: «ردّوا السائل، ولو بظلف محرق».
وأخرج الإمام أحمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة استتري من النار، ولو بشق تمرة، فإنها تسدّ من الجائع مسدّها من الشبعان».
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس قال: «كان أبو بكر يأكل مع النبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ
стр. 9240
مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ فرفع أبو بكر يده، وقال: يا رسول الله، إني أجزى بما عملت من مثقال ذرة من شر، فقال: يا أبا بكر، ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذرّ الشر، ويدخر الله لك مثاقيل ذرّ الخير، حتى توفّاه يوم القيامة».
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «لما نزلت: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ وأبو بكر الصديق ﵁ قاعد، فبكى، فقال له رسول الله ﷺ : ما يبكيك يا أبا بكر؟ قال: يبكيني هذه السورة، فقال له رسول الله ﷺ : لولا أنكم تخطئون وتذنبون، فيغفر الله لكم، لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون، فيغفر لهم».
حسنات الكافر: قال ابن عباس: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرا أو شرا إلا أراه الله تعالى إياه، فأما المؤمن فيغفر له سيئاته، ويثاب بحسناته. وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته.
وعلى هذا يعاقب الكافر بسبب كفره، وأما حسناته فتنفعه في الدنيا، كدفع شر أو ضرر عنه، وأما في الآخرة فلا تفيده، ولا تنجيه من عذاب الكفر الذي يخلد به في النار، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان ٢٣/ ٢٥].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - من أمارات الساعة: الزلزلة الشديدة للأرض، وإخراج الأرض أثقالها، أي ما في جوفها من الدفائن والأموات. قالوا: إنها عند النفخة الأولى تتزلزل، فتلفظ بالكنوز والدفائن، وعند النفخة الثانية ترجف فتخرج الأموات أحياء، كالأم تلد حيا.
٢ - لا شك بأن الإنسان في وقت الزلازل والبراكين يرتجف ويخاف
стр. 9241
ويتساءل: ما للأرض زلزلت، ما لها أخرجت أثقالها؟ وهي كلمة تعجيب.
٣ - إذا زلزلت الأرض تخبر يومئذ بما عمل عليها من خير أو شر، ومعنى تحديث الأرض عند أبي مسلم الأصفهاني: يومئذ يتبين لكل أحد جزاء عمله، فكأنها حدثت بذلك، كقولك: الدار تحدثنا بأنها كانت مسكونة، فكذا انتقاض الأرض بسبب الزلزلة تحدث أن الدنيا قد انقضت، وأن الآخرة قد أقبلت.
وقال الطبري: تبين أخبارها بالرّجة والزلزلة وإخراج الموتى.
وقال الجمهور: المعنى أن الله تعالى يجعل الأرض حيوانا عاقلا ناطقا ويعرفها جميع ما عمل أهلها، فحينئذ تشهد لمن أطاع، وعلى من عصى،
قال ﷺ في حديث الترمذي عن أبي هريرة: «إن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل عمل عمل عليها» ثم تلا هذه الآية (١).
٤ - الذي تخبر به الأرض: إما أعمال العباد على ظهرها، كما
جاء في حديث الترمذي عن أبي هريرة المتقدم: «أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا، وكذا، قال: فهذه أخبارها».
أو أنها تخبر بما أخرجت من أثقالها، كما
جاء في حديث ابن ماجه عن ابن مسعود عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا كان أجل العبد بأرض أو ثبته الحاجة إليها، حتى إذا بلغ أقصى أثره، قبضه الله، فتقول الأرض يوم القيامة: ربّ هذا ما استودعتني».
أو أنها تحدث بقيام الساعة إذا قال الإنسان: ما لها؟ وهذا قول ابن مسعود، فتخبر أن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرة قد أتى، فيكون ذلك منها جوابا لهم عند سؤالهم، ووعيدا للكافر، وإنذارا للمؤمن (٢).
стр. 9242
٥ - في يوم الزلزلة يذهب الناس من مخارج قبورهم إلى الموقف، بعضهم إثر بعض، أو يرجعون وينصرفون من موقف الحساب إلى موضع الثواب والعقاب فرقا فرقا، ليروا صحائف أعمالهم، أو جزاء أعمالهم وهو الجنة أو النار، وما يناسب كلاّ منهما.
ويؤيد هذا
قول النبي ﷺ : «ما من أحد يوم القيامة إلا ويلوم نفسه، فإن كان محسنا فيقول: لم لا ازددت إحسانا؟ وإن كان غير ذلك يقول: لم لا نزعت عن المعاصي (١)؟ وهذا عند معاينة الثواب والعقاب.
٦ - كل من يعمل في الدنيا عملا خيرا صغيرا أو كبيرا، يره بعينه أو يره الله إياه يوم القيامة، وكل من يعمل في الدنيا عملا شرا مهما كان قليلا، يره بنفسه أو يره الله إياه يوم القيامة. أو أن المراد: يجد جزاءه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
أما الكافر كما تقدم فحسناته في الآخرة محبطة بكفره وترد في وجهه، ويجد عقاب ما فعل من كفر أو شر، فيعذب بسيئاته، أي أن عموم الآية قائم، ولكن لا تقبل حسنات الكفار.
قال ابن مسعود عن آية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ.﴾.: هذه أحكم آية في القرآن.
وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية. قال كعب الأحبار: لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزّبور والصّحف: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وكان النبي ﷺ -كما تقدم- يسمي هذه الآية الجامعة الفاذّة.
стр. 9243
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة العاديات
مكيّة، وهي إحدى عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة العاديات؛ لأن الله افتتحها بالقسم بالعاديات: وهي خيل المجاهدين المسرعة في لقاء العدو.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر المناسبة بين السورتين من وجهين:
١ - هناك تناسب وعلاقة واضحة بين قوله تعالى في الزلزلة: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ [٢] وقوله في هذه السورة: ﴿إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ﴾.
٢ - لما ختمت السورة السابقة ببيان الجزاء على الخير والشر، وبّخ الله تعالى الإنسان على جحوده نعم ربه، وإيثاره الحياة الدنيا على الآخرة، وترك استعداده للحساب في الآخرة بفعل الخير والعمل الصالح، وترك الشر والعصيان.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة المكية مقاصد ثلاثة:
١ - القسم الإلهي بخيل المجاهدين على أن الإنسان كفور جحود لنعم ربه عليه، وأنه مقدر شاهد على ذلك: ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً.﴾. [١ - ٧].
стр. 9244
٢ - التحدث عن غريزة الإنسان في حبه الشديد للثروة والمال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [٨].
٣ - الحض على فعل الخير والعمل الصالح الذي ينفع الإنسان حين رجوع الخلائق إلى الله للحساب والجزاء، والتهديد بالعقاب الشديد يوم القيامة:
﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ.﴾. [٩ - ١١].
جحود النعم والبخل لحب الخير وإهمال الاستعداد للآخرة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾
الإعراب:
﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً، فَالْمُورِياتِ قَدْحاً﴾: ﴿ضَبْحاً﴾: منصوب على المصدر في موضع الحال، وهو صوت أنفاس الخيل حين عدوها، و ﴿قَدْحاً﴾: مصدر مؤكد؛ لأن الموريات بمعنى القادحات.
﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾: ﴿صُبْحاً﴾: منصوب على الظرف، وأثرن: عطف على قوله: ﴿فَالْمُغِيراتِ﴾ لأن المعنى: اللاتي أغرن صبحا، فأثرن به نقعا، أي جاز عطف الفعل على الاسم لأنه في تأويل الفعل. وهاء ﴿بِهِ﴾ تعود إلى المكان، وقد دل الحال عليه.
﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ جواب القسم، ولام ﴿لِرَبِّهِ﴾ يتعلق ب (كنود) أي إن الإنسان لكنود لربه. وقد حسّن دخول لام الجر تقديمه على اسم الفاعل، كما مع الفعل الذي يشبه في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف ١٥٤/ ٧] وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف ٤٣/ ١٢].
стр. 9245
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ أي، وإنه لأجل حب المال لبخيل، واللام تتعلق ب (شديد) أي وإنه لشديد لأجل حب المال، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ﴾ العامل في ﴿إِذا بُعْثِرَ﴾: ما دل عليه: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾. ولا يجوز أن يعمل فيه (خبير) لأنه لا يجوز أن يعمل ما بعد ﴿إِنَّ﴾ فيما قبلها، ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿يَعْلَمُ﴾ لأن الإنسان لا يطلب منه العلم في الآخرة، وإنما في الدنيا.
و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف عمل فيه ﴿لَخَبِيرٌ﴾ وجاز أن يعمل فيما قبله؛ لأن اللام في تقدير التقديم، بخلاف ﴿إِنَّ﴾.
البلاغة:
﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ التأكيد بإن واللام لزيادة التقرير والبيان.
﴿لَشَهِيدٌ﴾ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ بينهما جناس ناقص، وكذلك بين ﴿ضَبْحاً﴾ و ﴿صُبْحاً﴾.
﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ﴾ استفهام إنكاري للتهديد والوعيد.
﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ تضمين، ضمن لفظ ﴿لَخَبِيرٌ﴾ معنى المجازاة، أي يجازيهم على أعمالهم.
﴿لَشَهِيدٌ﴾، ﴿لَشَدِيدٌ﴾، ﴿الصُّدُورِ﴾، ﴿الْقُبُورِ﴾ سجع مرصع.
المفردات اللغوية:
﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ أقسم بخيل المجاهدين تعدو، فتضبح ضبحا، قال أبو حيان: والظاهر أن المقسم به هو جنس العاديات، ﴿وَالْعادِياتِ﴾ الخيل التي تعدو وتسرع في العدو أي الجري جمع عادية. والضّبح: صوت أنفاس الخيل حين العدو أو الجري. ﴿فَالْمُورِياتِ﴾ الخيل القادحات التي توري النار، أي تخرجها، جمع مورية، والإيراء: إخراج النار بزند ونحوه. ﴿قَدْحاً﴾ القدح:
إخراج النار، ويلاحظ أن الخيل إذا ركضت أو سارت في أرض ذات حجارة بالليل تقدح شرارة من النار بحوافرها. ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً﴾ الخيل التي تغير أو تهجم على العدو بإغارة أصحابها، وقت الصبح، جمع مغيرة.
﴿فَأَثَرْنَ بِهِ﴾ هيجن بمكان عدوهن، أو بذلك الوقت وهو الصبح. ﴿نَقْعاً﴾ غبارا، بشدة حركتهن. ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ توسطن بذلك الوقت أو بالعدو أو بالنقع جمعا من جموع الأعداء، أي صرن وسط الجمع.