← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 9241–9280 · переход к 9246.

стр. 9241

ويتساءل: ما للأرض زلزلت، ما لها أخرجت أثقالها؟ وهي كلمة تعجيب. ٣ - إذا زلزلت الأرض تخبر يومئذ بما عمل عليها من خير أو شر، ومعنى تحديث الأرض عند أبي مسلم الأصفهاني: يومئذ يتبين لكل أحد جزاء عمله، فكأنها حدثت بذلك، كقولك: الدار تحدثنا بأنها كانت مسكونة، فكذا انتقاض الأرض بسبب الزلزلة تحدث أن الدنيا قد انقضت، وأن الآخرة قد أقبلت. وقال الطبري: تبين أخبارها بالرّجة والزلزلة وإخراج الموتى. وقال الجمهور: المعنى أن الله تعالى يجعل الأرض حيوانا عاقلا ناطقا ويعرفها جميع ما عمل أهلها، فحينئذ تشهد لمن أطاع، وعلى من عصى، قال ﷺ في حديث الترمذي عن أبي هريرة: «إن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل عمل عمل عليها» ثم تلا هذه الآية (١). ٤ - الذي تخبر به الأرض: إما أعمال العباد على ظهرها، كما جاء في حديث الترمذي عن أبي هريرة المتقدم: «أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا، وكذا، قال: فهذه أخبارها». أو أنها تخبر بما أخرجت من أثقالها، كما جاء في حديث ابن ماجه عن ابن مسعود عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا كان أجل العبد بأرض أو ثبته الحاجة إليها، حتى إذا بلغ أقصى أثره، قبضه الله، فتقول الأرض يوم القيامة: ربّ هذا ما استودعتني». أو أنها تحدث بقيام الساعة إذا قال الإنسان: ما لها؟ وهذا قول ابن مسعود، فتخبر أن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرة قد أتى، فيكون ذلك منها جوابا لهم عند سؤالهم، ووعيدا للكافر، وإنذارا للمؤمن (٢).

стр. 9242

٥ - في يوم الزلزلة يذهب الناس من مخارج قبورهم إلى الموقف، بعضهم إثر بعض، أو يرجعون وينصرفون من موقف الحساب إلى موضع الثواب والعقاب فرقا فرقا، ليروا صحائف أعمالهم، أو جزاء أعمالهم وهو الجنة أو النار، وما يناسب كلاّ منهما. ويؤيد هذا قول النبي ﷺ : «ما من أحد يوم القيامة إلا ويلوم نفسه، فإن كان محسنا فيقول: لم لا ازددت إحسانا؟ وإن كان غير ذلك يقول: لم لا نزعت عن المعاصي (١)؟ وهذا عند معاينة الثواب والعقاب. ٦ - كل من يعمل في الدنيا عملا خيرا صغيرا أو كبيرا، يره بعينه أو يره الله إياه يوم القيامة، وكل من يعمل في الدنيا عملا شرا مهما كان قليلا، يره بنفسه أو يره الله إياه يوم القيامة. أو أن المراد: يجد جزاءه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. أما الكافر كما تقدم فحسناته في الآخرة محبطة بكفره وترد في وجهه، ويجد عقاب ما فعل من كفر أو شر، فيعذب بسيئاته، أي أن عموم الآية قائم، ولكن لا تقبل حسنات الكفار. قال ابن مسعود عن آية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ.﴾.: هذه أحكم آية في القرآن. وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية. قال كعب الأحبار: لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزّبور والصّحف: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وكان النبي ﷺ -كما تقدم- يسمي هذه الآية الجامعة الفاذّة.

стр. 9243

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة العاديات مكيّة، وهي إحدى عشرة آية. تسميتها: سميت سورة العاديات؛ لأن الله افتتحها بالقسم بالعاديات: وهي خيل المجاهدين المسرعة في لقاء العدو. مناسبتها لما قبلها: تظهر المناسبة بين السورتين من وجهين: ١ - هناك تناسب وعلاقة واضحة بين قوله تعالى في الزلزلة: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ [٢] وقوله في هذه السورة: ﴿إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ﴾. ٢ - لما ختمت السورة السابقة ببيان الجزاء على الخير والشر، وبّخ الله تعالى الإنسان على جحوده نعم ربه، وإيثاره الحياة الدنيا على الآخرة، وترك استعداده للحساب في الآخرة بفعل الخير والعمل الصالح، وترك الشر والعصيان. ما اشتملت عليه السورة: تضمنت هذه السورة المكية مقاصد ثلاثة: ١ - القسم الإلهي بخيل المجاهدين على أن الإنسان كفور جحود لنعم ربه عليه، وأنه مقدر شاهد على ذلك: ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً.﴾. [١ - ٧].

стр. 9244

٢ - التحدث عن غريزة الإنسان في حبه الشديد للثروة والمال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [٨]. ٣ - الحض على فعل الخير والعمل الصالح الذي ينفع الإنسان حين رجوع الخلائق إلى الله للحساب والجزاء، والتهديد بالعقاب الشديد يوم القيامة: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ.﴾. [٩ - ١١]. جحود النعم والبخل لحب الخير وإهمال الاستعداد للآخرة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ الإعراب: ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً، فَالْمُورِياتِ قَدْحاً﴾: ﴿ضَبْحاً﴾: منصوب على المصدر في موضع الحال، وهو صوت أنفاس الخيل حين عدوها، و ﴿قَدْحاً﴾: مصدر مؤكد؛ لأن الموريات بمعنى القادحات. ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾: ﴿صُبْحاً﴾: منصوب على الظرف، وأثرن: عطف على قوله: ﴿فَالْمُغِيراتِ﴾ لأن المعنى: اللاتي أغرن صبحا، فأثرن به نقعا، أي جاز عطف الفعل على الاسم لأنه في تأويل الفعل. وهاء ﴿بِهِ﴾ تعود إلى المكان، وقد دل الحال عليه. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ جواب القسم، ولام ﴿لِرَبِّهِ﴾ يتعلق ب (كنود) أي إن الإنسان لكنود لربه. وقد حسّن دخول لام الجر تقديمه على اسم الفاعل، كما مع الفعل الذي يشبه في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف ١٥٤/ ٧] وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف ٤٣/ ١٢].

стр. 9245

﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ أي، وإنه لأجل حب المال لبخيل، واللام تتعلق ب (شديد) أي وإنه لشديد لأجل حب المال، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ﴾ العامل في ﴿إِذا بُعْثِرَ﴾: ما دل عليه: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾. ولا يجوز أن يعمل فيه (خبير) لأنه لا يجوز أن يعمل ما بعد ﴿إِنَّ﴾ فيما قبلها، ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿يَعْلَمُ﴾ لأن الإنسان لا يطلب منه العلم في الآخرة، وإنما في الدنيا. و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف عمل فيه ﴿لَخَبِيرٌ﴾ وجاز أن يعمل فيما قبله؛ لأن اللام في تقدير التقديم، بخلاف ﴿إِنَّ﴾. البلاغة: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ التأكيد بإن واللام لزيادة التقرير والبيان. ﴿لَشَهِيدٌ﴾ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ بينهما جناس ناقص، وكذلك بين ﴿ضَبْحاً﴾ و ﴿صُبْحاً﴾. ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ﴾ استفهام إنكاري للتهديد والوعيد. ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ تضمين، ضمن لفظ ﴿لَخَبِيرٌ﴾ معنى المجازاة، أي يجازيهم على أعمالهم. ﴿لَشَهِيدٌ﴾، ﴿لَشَدِيدٌ﴾، ﴿الصُّدُورِ﴾، ﴿الْقُبُورِ﴾ سجع مرصع. المفردات اللغوية: ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ أقسم بخيل المجاهدين تعدو، فتضبح ضبحا، قال أبو حيان: والظاهر أن المقسم به هو جنس العاديات، ﴿وَالْعادِياتِ﴾ الخيل التي تعدو وتسرع في العدو أي الجري جمع عادية. والضّبح: صوت أنفاس الخيل حين العدو أو الجري. ﴿فَالْمُورِياتِ﴾ الخيل القادحات التي توري النار، أي تخرجها، جمع مورية، والإيراء: إخراج النار بزند ونحوه. ﴿قَدْحاً﴾ القدح: إخراج النار، ويلاحظ أن الخيل إذا ركضت أو سارت في أرض ذات حجارة بالليل تقدح شرارة من النار بحوافرها. ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً﴾ الخيل التي تغير أو تهجم على العدو بإغارة أصحابها، وقت الصبح، جمع مغيرة. ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ﴾ هيجن بمكان عدوهن، أو بذلك الوقت وهو الصبح. ﴿نَقْعاً﴾ غبارا، بشدة حركتهن. ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ توسطن بذلك الوقت أو بالعدو أو بالنقع جمعا من جموع الأعداء، أي صرن وسط الجمع.

стр. 9246

﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ أي لكفور جحود نعمة الله تعالى عليه، والمراد به جنس الإنسان المتحدث عنه، وقيل: المراد به هنا: الكافر. ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي وإنه على كنوده لشاهد، يشهد على نفسه بصنعه، لظهور أثره عليه. ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ المال؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ [البقرة ١٨٠/ ٢]. ﴿لَشَدِيدٌ﴾ لبخيل، أو لشديد الحب له، فيبخل به. ﴿بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ﴾ أثير وأخرج ما في القبور من الموتى، أي بعثوا. ﴿وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ﴾ جمع محصلا وأظهر وبيّن ما في القلوب من الكفر والإيمان، والشر والخير والعزائم والنوايا، وتخصيص ذلك؛ لأن القلوب هي الأصل. ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ لعالم، فيجازيهم على كفرهم. ويلاحظ أنه أعيد الضمير: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ﴾ جمعا، نظرا لمعنى الإنسان. وهذه الجملة: دلت على مفعول يعلم، أي إنا نجازيه حينئذ. وتعلق (خبير) ب ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مع أنه تعالى خبير دائما بكل شيء؛ لأنه يوم المجازاة. سبب النزول: نزول الآية (١): أخرج البزار وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ خيلا، ولبثت شهرا، لا يأتيه منها خبر، فنزلت: ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾. التفسير والبيان: ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً، فَالْمُورِياتِ قَدْحاً، فَالْمُغِيراتِ﴾ أي قسما بالخيل التي تجري وتعدو بفرسانها المجاهدين في سبيل الله إلى العدو، ويسمع لها حينئذ صوت زفيرها الشديد وأنفاسها المتصاعدة، بسبب شدة الجري. وتخرج شرر النار بحوافرها أثناء الجري بسبب اصطكاك نعالها بالصخر أو الحجر؛ وتغير أو تهجم على العدو وقت الصباح. ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ فهيجن في الصبح أو مكان معترك الخيول غبارا يملأ الجو، ثم توسطن بعدوهن جمعا من الأعداء، اجتمعوا في مكان، ففرّقنه أشتاتا.

стр. 9247

وإنما أقسم الله تعالى بالخيل؛ لأن لها في الركض (العدو) من الخصال الحميدة ما ليس لسائر الدواب، ولأن الخيل في نواصيها الخير (١) إلى يوم القيامة، ولأنها وسيلة الغزو عند العرب، ولا تكاد تخلو في الأغلب من الخطور ببالهم. والمراد إعلاء شأنها في نفوس المؤمنين، ليعنوا بتربيتها، وليتدربوا عليها من أجل الجهاد في سبيل الله، وليعتادوا على معالي الأمور، وظواهر الجد والعمل. وفي هذا القسم ترغيب باقتناء الخيل لهذه الأغراض النبيلة، لا للسمعة والمفاخرة والرياء. وعلى هذا فاللام في العاديات للعهد، ويحتمل وهو الظاهر كما تقدم عن أبي حيان أن تكون للجنس وليست أل فيه للعهد، ويدخل فيها خيل الجهاد والسرية دخولا أولياء. وجواب القسم المحلوف عليه هو: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ أي إن الإنسان كفور بطبعه للنعمة، كثير الجحد لها، وعدم الإقرار بمقتضاها الموجب لشكر الخالق المنعم، والخضوع لشرعه وأحكامه، إلا من جاهد نفسه، وعقل أمر الدنيا والآخرة، فأقبل على الطاعة والفضيلة، وأحجم عن المعصية والرذيلة. والظاهر أن المراد بالإنسان هو الجنس، والأكثرون على أن الإنسان هو الكافر؛ لقوله بعد ذلك: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ﴾. لكنهم قالوا أيضا: ويحتمل أن يراد أن جنس الإنس مفطور على ذلك إلا من عصمه الله بلطفه وتوفيقه، وقوله: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ﴾ يجوز أن يكون توبيخا على أنه لا يعمل بعلمه. ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي وإن الإنسان على كونه كنودا جحودا لشهيد

стр. 9248

يشهد على نفسه بالجحد والكفران، أي بلسان حاله، وظهور أثر ذلك عليه في أقواله وأفعاله بعصيان ربه، كما قال تعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة ١٧/ ٩]. وقال قتادة وسفيان الثوري: وإن الله على ذلك لشهيد. ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ أي وإن الإنسان بسبب حبه للمال لبخيل به، أو أن حبه للمال قوي، فتراه مجدّا في طلبه وتحصيله، متهالكا عليه. فصار هناك رأيان في المعنى: أحدهما-وإنه لشديد المحبة للمال، والثاني-وإنه لحريص بخيل بسبب محبة المال، قال ابن كثير: وكلاهما صحيح. ثم هدد الإنسان وتوعده إذا ظل بهذه الصفات، فقال: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ، إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أي أفلا يدري الجاحد إذا أخرج أو نثر ما في القبور من الأموات، وأبرز وأظهر ما يسرّ الناس في نفوسهم من النوايا والعزائم، والخير والشر، إن رب هؤلاء المبعوثين لخبير بهم، مطلع على جميع أحوالهم، لا تخفى عليه منهم خافية في ذلك اليوم وفي غيره، ومجازيهم في ذلك اليوم على جميع أعمالهم أوفر الجزاء، ولا يظلمون مثقال ذرة. فإذا علموا ذلك ووعوه، فعليهم ألا يشغلهم حب المال عن شكر ربهم وعبادته والعمل للآخرة. وخص أعمال القلوب بالذكر؛ لأن أعمال الأعضاء الأخرى تابعة لأعمال القلب؛ فإنه لولا البواعث والإرادات في القلوب، لما حصلت أفعال الجوارح. وأعاد الضمير في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ﴾ بصيغة الجمع؛ لأن الإنسان في معنى الجمع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢/ ١٠٣] ثم قال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [٣].

стр. 9249

وإنما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مع أنه تعالى عالم بأحوال الناس في كل وقت، للتأكيد على أنه عالم بذلك يوم المجازاة. وعبّر عن المجازاة بالخبرة والعلم المحيط بهم ولأعمالهم؛ لأن القصد هو التهديد، كما قال تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ [آل عمران ١٨١/ ٣] مع أن كتابة أقوالهم وأفعالهم حاصلة فعلا، وإنما أراد أننا سنجازيهم بما قالوا الجزاء المناسب. فيكون قوله تعالى: ﴿لَخَبِيرٌ﴾ وهو تعالى خبير دائما فيه تضمين (خبير) معنى مجاز لهم في ذلك اليوم (١). وهذه الآية تدل على كونه تعالى عالما بالجزئيات الزمانيات؛ لأنه تعالى نص على كونه عالما بكيفية أحوالهم في ذلك اليوم، فيكون منكر ذلك كافرا. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: ١ - أقسم سبحانه بالخيل التي تشغل بها أذهان العرب عادة على رداءة جبلة الإنسان من قلة الشكر والصبر، والحرص على المال، بحيث يكاد يشغله عن تحصيل الكمال الحقيقي، وعن العمل للمعاد الذي إليه مآل العباد. فقد طبع الإنسان على كفران النعمة، وحب المال وبخله به، وعليه أن يروض نفسه على ما يكون له به النجاة والسعادة. ٢ - ثم وبخ الله تعالى بالعلم التام الأزلي الأبدي الشامل لأحوال مبدأ الإنسان ومعاده، والتوبيخ أو التهديد مدعاة للعقلاء إلى التأمل في المصير المحتوم، والاستعداد للآخرة بزاد التقوى والفضيلة، والبعد عن العصيان والمخالفة والرذيلة.

стр. 9250

ولا يختلف العلم وقت المجازاة بالأعمال والأقوال والأحوال عن العلم الأزلي لله تعالى بذلك، وإنما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ للتأكيد على شمول العلم في الماضي والحاضر والمستقبل، ولأن الجزاء منوط بالعمل السابق، فيكون تخصيصه دالا على التذكر وعدم النسيان، وعلى التزام العدل وتوافر العلم وقت الجزاء.

стр. 9251

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة القارعة مكيّة، وهي إحدى عشرة آية. تسميتها: سميت سورة القارعة لبدء السورة بها تهويلا وتخويفا، كابتداء سورة الحاقة، والقارعة من أسماء يوم القيامة كالحاقة والطامّة والصاخّة والغاشية ونحو ذلك. وسميت بهذا؛ لأنها تقرع القلوب بهولها. مناسبتها لما قبلها: ختمت السورة السابقة بوصف يوم القيامة: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ، إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وأعقبتها هذه السورة برمّتها بالحديث عن القيامة ووصفها الرهيب وأهوالها المخيفة. ما اشتملت عليه السورة: موضوع هذه السورة المكية التخويف بأهوال القيامة، وهي كلها تدور حول الموضوع نفسه. فقد بدأت بالحديث عن أهوال القيامة وشدائدها، وانتشار الناس فيها من قبورهم كالفراش المتطاير: ﴿الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ.﴾. [١ - ٤]. ثم أشارت إلى بعض أمارات الساعة وهو نسف الجبال وجعلها كالصوف

стр. 9252

المندوف، مما يوجد الذعر والهلع والتأثر الشديد في قلوب الناس: ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [٥]. وكانت خاتمتها الإخبار عن نصب موازين الحساب التي توزن بها أعمال الناس، فثقيل الميزان بالحسنات إلى الجنة، وخفيف الميزان بالسيئات إلى النار: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ.﴾. [٦ - ١١]. أهوال القيامة وأماراتها وميزان الحساب فيها ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)﴾ الإعراب: ﴿الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ﴾ ﴿الْقارِعَةُ﴾: مبتدأ. و ﴿مَا﴾: مبتدأ ثان، وما بعده خبره. ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ ﴿ما﴾ الأولى: مبتدأ، وما بعدها خبره. و ﴿ما﴾ الثانية: المبتدأ، وخبرها في محل المفعول الثاني ل «أدراك». ﴿يَوْمَ﴾ ظرف عامله تقرع، دل عليه القارعة. ﴿كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ في موضع نصب؛ لأنه خبر ﴿يَكُونُ﴾. وكذلك ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ في موضع نصب؛ لأنه خبر ﴿يَكُونُ﴾. ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ الفاء: جواب (أما) التي فيها معنى الشرط. وهو: مبتدأ، و ﴿فِي عِيشَةٍ﴾: ظرف في موضع رفع؛ لأنه خبر المبتدأ. و ﴿راضِيَةٍ﴾: أي مرضي بها، وهو مما جاء على وزن فاعل، ويراد به مفعول.

стр. 9253

البلاغة: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾؟ الاستفهام للتفخيم والتهويل، وكذلك: ﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ﴾؟. ﴿الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير للتخويف والإرهاب، والأصل أن يقال: القارعة ما هي؟ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ تشبيه مرسل مجمل، ذكر فيه أداة التشبيه، وحذف وجه الشبه، وهو: في الكثرة والانتشار، والضعف والهوان. ومثله: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ أي في تطايرها وخفة تناثرها. ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ بينهما مقابلة. ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ مجاز عقلي إذا أريد بالراضية اسم الفاعل، أي راض بها صاحبها. ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ.﴾. ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ.﴾. فيهما احتباك: وهو أن يحذف في كلّ نظير ما أثبته في الآخرة، حذف من الأول (فأمه الجنة) وذكر فيها ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وحذف من الثانية (فهو في عيشة ساخطة) وذكر ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾. ﴿الْقارِعَةُ﴾، ﴿راضِيَةٍ﴾، ﴿هاوِيَةٌ﴾، ﴿ما هِيَهْ﴾، ﴿حامِيَةٌ﴾ سجع مرصّع. المفردات اللغوية: ﴿الْقارِعَةُ﴾ من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لأنه تقرع القلوب والأسماع بأهوالها وأفزاعها الشديدة، من القرع: الضرب بشدة. ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ ما أعلمك، وهو زيادة تهويل لها. ﴿كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ أي كالفراش المنتشر المتفرق في الكثرة والانتشار، والذلة والاضطراب، يموج بعضهم في بعض للحيرة، إلى أن يدعوا للحساب. والفراش: طائر معروف أحمق يتهافت على النار. ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ كالصوف المندوف في خفة سيرها وتبددها، حتى تستوي مع الأرض. ﴿ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ بأن رجحت حسناته على سيئاته. ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ذات رضا أو مرضية لصاحبها في الجنة. ﴿خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ بأن رجحت سيئاته على حسناته. ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فمسكنه أو مأواه الذي يأوي إلى نار جهنم. ﴿ما هِيَهْ﴾ ما هي النار؟ وهاء هيه للسكت تثبت وصلا ووقفا. والهاوية: من أسماء جهنم. ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أي هي نار شديدة الحرارة.

стр. 9254

التفسير والبيان: ﴿الْقارِعَةُ، مَا الْقارِعَةُ، وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾؟ ﴿الْقارِعَةُ﴾ من أسماء القيامة؛ لأنها تقرع القلوب بالفزع، وأي شيء هي، وما أعلمك ما شأن القارعة؟ وقوله: ﴿مَا الْقارِعَةُ﴾ لتعظيم شأنها وتفخيمه، وقوله: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ تأكيد لشدة هولها، وتعظيم أمرها، وتهويل شأنها. ثم فسر ذلك وأبان زمانها وأماراتها، فقال: ١ - ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ أي يوم يخرج الناس من القبور، يسيرون على غير هدى في كل اتجاه، شأنهم في ذلك، كالحشرة الطائرة المعروفة المنتشرة المتفرقة. أو كجميع الحشرات الطائرة، كالبعوض والجراد، فهم في انتشارهم وتفرقهم وذهابهم ومجيئهم بسبب حيرتهم مما هم فيه، كأنهم فراش مبثوث، أي متفرق منتشر، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر ٧/ ٥٤]. قال الزمخشري: شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب، كما يتطاير الفراش إلى النار. ٢ - ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ أي وتصير الجبال كالصوف ذي الألوان المختلفة، المندوف الذي نقش بالندف؛ لأنها تتفتت وتتطاير، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير ٣/ ٨١] وقوله سبحانه: ﴿وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ [المزمّل ١٤/ ٧٣]. وفي ذكر هاتين الأمارتين تخويف للناس وتحذير شديد. ثم ذكر الجزاء على الأعمال وأحوال الناس وتفرقهم فريقين إجمالا، فقال: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أي أما من ثقلت موازينه بأن رجحت حسناته أو أعماله الصالحة على سيئاته، فهو في عيشة مرضية

стр. 9255

يرضاها صاحبها في الجنة. والعيشة: كلمة تجمع النعم التي في الجنة. ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ، فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ، وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ، نارٌ حامِيَةٌ﴾ أي وأما من رجحت سيئاته على حسناته، أو لم تكن له حسنات يعتد بها، فمسكنه أو مأواه جهنم. وسماها أمه؛ لأنه يأوي إليها كما يأوي الطفل إلى أمه، وسميت جهنم هاوية وهي الهالكة؛ لأنه يهوي فيها مع عمق قعرها، ولأنها نار عتيقة. ونحن نؤمن بالميزان كما ورد في القرآن، دون أن ندري كيفية وزنه وتقديره. وما أعلمك ما هذه النار؟ والاستفهام للتهويل والتخويف، ببيان أنها خارجة عن المعهود، بحيث لا يدرى كنهها. قال الزمخشري: هيه ضمير الداهية التي دل عليها قوله: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أو ضمير هاوية، والهاء للسكت، وإذا وصل القارئ حذفها. هي نار شديدة الحرارة، انتهى حرها وبلغ في الشدة إلى الغاية، فهي حارة شديدة الحرارة، قوية اللهب والسعير. وهذا دليل على قوتها التي تفوق جميع النيران. أخرج مالك والبخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية؟ فقال: إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا». وأخرج أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم». وأخرج أحمد أيضا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أهون أهل النار عذابا: من له نعلان، يغلي منهما دماغه».

стр. 9256

وثبت في الصحيحين: «إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم». فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - القيامة ذات أهوال وشدائد ومخاوف تهز القلوب وتقرع الأسماع، لا يعلم أحد بكنهها؛ لأنها في الشدة بحيث لا يتصورها عقل أحد، وكيفما قدرت فهو أعظم من تقديرك، كأنه تعالى قال: قوارع الدنيا في جنب تلك القارعة كأنها ليست بقوارع، ونار الدنيا في جنب نار الآخرة كأنها ليست بنار. وفي هذا تحذير شديد وإرهاب لا مثيل له. قال مقاتل: إنها تقرع أعداء الله بالعذاب، وأما أولياؤه فهم من الفزع آمنون. ٢ - وصف الله يوم القيامة بأمرين: الأول-كون الناس فيه كالفراش المتفرق المنتشر، وهو الحيوان الذي يتهافت في النار. الثاني-صيرورة الجبال فيه كالصوف ذي الألوان، المندوف، الذي ينفش بعضه عن بعضه. ويلاحظ أنه تعالى وصف تغير الأحوال على الجبال من وجوه أربعة: أولها-أن تصير قطعا، كما قال: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ، فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة ١٤/ ٦٩]. وثانيها-أن تصير كثيبا مهيلا، كما قال: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً، وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل ٨٨/ ٢٧].

стр. 9257

وثالثها-ثم تصير كالعهن المنفوش، وهي أجزاء كالذر الداخل من النافذة. ورابعها-تصير سرابا، كما قال: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ، فَكانَتْ سَراباً﴾ [النبأ ٢٠/ ٧٨] (١). ٣ - يقسم الناس يوم القيامة إلى قسمين بحسب ثقل موازين أعمالهم وخفتها، فأما من رجحت حسناته على سيئاته فهو في الجنة في عيشة مرضية، وأما من رجحت سيئاته على حسناته فهو في نار حامية شديدة الحرارة. وقوله: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ إشارة إلى أن سائر النيران بالنسبة إلى نار الآخرة غير حامية. وهذا القدر كاف في التنبيه على قوة سخونتها. والموازين جمع ميزان، فيؤتى بحسنات المطيع في أحسن صورة، فإذا رجح، فله الجنة، ويؤتى بسيئات الكافر في أقبح صورة، فيخف وزنه، فيدخل النار. وقال المتكلمون: إن نفس الحسنات والسيئات لا يصح وزنهما، بل المراد أن الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات توزن، أو يجعل النور علامة الحسنات، والظلمة علامة السيئات. قال أبو بكر ﵁: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم، وحقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا. وقال مقاتل: إنما كان كذلك؛ لأن الحق ثقيل، والباطل خفيف (٢).

стр. 9258

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة التكاثر مكيّة، وهي ثماني آيات. تسميتها: سميت سورة التكاثر؛ لقوله تعالى: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ أي شغلكم التفاخر بالأموال والأولاد والأعوان. مناسبتها لما قبلها: أخبرت سورة القارعة عن بعض أهوال القيامة، وجزاء السعداء والأشقياء، ثم ذكر في هذه السورة علة استحقاق النار وهو الانشغال بالدنيا عن الدين، واقتراف الآثام، وهددت بالمسؤولية في الآخرة عن أعمال الدنيا. ما اشتملت عليه السورة: موضوع هذه السورة المكية ذم العمل للدنيا فقط، والتحذير من ترك الاستعداد للآخرة. لذا تناولت مقاصد ثلاثة: ١ - بيان انشغال الناس بملذات الحياة ومغرياتها، والغفلة حتى يأتي الموت: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ، حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ [١ - ٢]. ٢ - الإنذار بالسؤال عن جميع الأعمال في القيامة: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [٣ - ٤].

стр. 9259

٣ - التهديد برؤية الجحيم يقينا، ومجابهة أهوال النار، والسؤال عن نعيم الدنيا: ﴿كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ.﴾. [٥ - ٨]. سبب نزول السورة: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن بريدة في قوله: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾، قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار، في بني حارثة وبني الحارث، تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان بن فلان وفلان؟ وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبور، ومثل فلان، وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ، حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل. التفاخر في الدنيا والسؤال عن الأعمال ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ الإعراب: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَلاّ﴾: حرف معناه الزجر والردع، وليس اسما للفعل، لتضمنه معنى ارتدع، كما أن (صه) اسم فعل لدلالته على السكوت. ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ ﴿لَوْ﴾: حرف يمتنع به الشيء لامتناع غيره، وجوابه محذوف، وتقديره: لو علمتم لما ألهاكم، و ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾: منصوب على المصدر.

стр. 9260

﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ بفتح التاء، فهو فعل ثلاثي، عدّي إلى مفعول واحد وهو ﴿الْجَحِيمَ﴾. وقرئ بضم التاء، فتكون الواو نائب فاعل، و ﴿الْجَحِيمَ﴾: مفعول به ثان، وهو فعل رباعي، عدّي بالهمزة إلى مفعولين، وهو في الأصل يتعدى إلى مفعول واحد؛ لأنه من رؤية العين. و ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ مصدر؛ لأن رأى وعاين بمعنى واحد. ﴿لَتُسْئَلُنَّ﴾ حذف منه نون الرفع لتوالي النونات وواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين. البلاغة: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ خبر أريد به التذكير والتوبيخ واللوم. ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ التكرار للتهديد والإنذار، وعطف ب ﴿ثُمَّ﴾ للتنبيه على أن الثاني أبلغ من الأول. ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ حذف جواب ﴿لَوْ﴾ للتهويل والتفخيم، أي لرأيتم ما يدهش ويفزع. ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها﴾ إطناب بتكرار الفعل، لبيان شدة الهول. ﴿حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ كناية، كنّى بزيارة القبور عن الموت، أي حتى متّم. ﴿النَّعِيمِ﴾ ﴿الْجَحِيمَ﴾ طباق. ﴿تَعْلَمُونَ﴾، ﴿الْيَقِينِ﴾ توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات، وكذا بين ﴿الْجَحِيمَ﴾ و ﴿النَّعِيمِ﴾. المفردات اللغوية: ﴿أَلْهاكُمُ﴾ شغلكم، واللهو: الانصراف إلى ما يدعو إليه الهوى. ﴿التَّكاثُرُ﴾ التفاخر بالأموال والأولاد والرجال. ﴿حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ أي حتى متّم ودفنتم في القبور. ﴿كَلاّ﴾ ردع وزجر. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ سوء عاقبة تفاخركم عند النزع وفي القبر وفي الآخرة. ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ علم الأمر المتيقن، أي لو علمتم يقينا عاقبة التفاخر ما اشتغلتم به. والعلم اليقيني: ما نشأ عن اعتقاد مطابق للواقع عن عيان أو دليل قطعي ثابت، دل عليه العقل الصحيح أو النقل الثابت عن النبي ﷺ . ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ النار، جواب قسم محذوف آكد به الوعيد، للتفخيم. ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها﴾ تأكيد. ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ أي عيانا هي اليقين نفسه. ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ﴾ في موقف الحساب، و ﴿ثُمَّ﴾ هنا للترتيب الإخباري. ﴿عَنِ النَّعِيمِ﴾ ما يلتذ به في الدنيا من الصحة والفراغ والأم والطعام والشراب وغير ذلك.

стр. 9261

سبب النزول: تقدم سبب نزول السورة عن ابن أبي حاتم. وأخرج ابن جرير عن علي قال: كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ إلى ﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في عذاب القبر. وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن الشّخّير قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وهو يقول: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت». وقال مسلم في صحيحة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأمضى، وما سوى ذلك فذاهب، وتاركه للناس». التفسير والبيان: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ، حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ أي شغلكم التفاخر والتباهي بالأموال والأولاد والأعوان، والاعتناء بكثرتها وتحصيلها، شغلكم عن طاعة الله والعمل للآخرة، حتى أدرككم الموت، وأنتم على تلك الحال. أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان، ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله». وأخرج أحمد وصاحبا الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ قال: «يهرم ابن آدم، ويبقى معه اثنتان: الحرص والأمل».

стр. 9262

أما زيارة القبور، فمباحة بالآداب الشرعية، بأن يبدأ الزائر السلام على صاحب القبر عند رأسه، ثم يتجه إلى القبلة ويدعو الله بالرحمة والمغفرة للميت ولنفسه وللمسلمين، أخرج ابن ماجه عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور، فإنها تزهّد في الدنيا، وتذكّر الآخرة» وهو صحيح، وأخرج الحاكم في صحيحة عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها ترقّ القلب، وتدمع العين، وتذكّر الآخرة، ولا تقولوا هجرا». وهذا دليل على أنها تمنع إذا كانت مصحوبة بمنكرات، كالاختلاط والفتن والنواح. ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي ردعا وزجرا لكم عن هذا التكاثر المقيت الذي يؤدي إلى التقاطع والتدابر والأحقاد والضغائن، وإهمال العمل للآخرة، وخير الأمة، وتصحيح السلوك والأخلاق. وستعلمون عاقبة ذلك يوم القيامة. قال الزمخشري: ﴿كَلاّ﴾ ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون الدنيا جميع همه، ولا يهتم بدينه. والجملة الثانية كررت للتأكيد والتغليظ والوعيد والزجر. ﴿كَلاّ، لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أي ارتدعوا عن هذا اللهو بالدنيا، فإنكم لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علما يقينا، لانشغلتم عن التكاثر والتفاخر، ولبادرتم إلى صالح الأعمال، ولما ألهاكم التباهي عن أمر الآخرة العظيم والإعداد لها. وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي لو علمتم لما ألهاكم. وهذا زيادة في الزجر واللوم عن الانهماك في الدنيا، والاغترار بمظاهر الحياة الفارغة الزائلة. وليس الكلام مجرد وعظ، وإنما الخطر الداهم يقتضي عمق التأمل والتفكر في مستقبل الآخرة، وذلك لا يتوافر عادة بغير إيمان قوي، وقلب واع سليم. وتكرار لفظ ﴿كَلاّ﴾ المفيدة للزجر، للدلالة على استحقاق ضرر آخر

стр. 9263

غير العذاب. وقال الحسن: ﴿كَلاّ﴾ بمعنى حقا كأنه قيل: حقا لو تعلمون علم اليقين. ثم فسر الوعيد فقال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ أي لتشاهدن النار في الآخرة، والمراد ذوق عذابها وهذا جواب قسم محذوف. وهو توعد بحال رؤية النار التي إذا زفرت زفرة واحدة، خرّ كل ملك مقرّب، ونبي مرسل، على ركبتيه من المهابة، والعظمة، ومعاينة الأهوال الجسام. ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ أي ثم لترون الجحيم الرؤية التي هي نفس اليقين، وهي المشاهدة والرؤية بأعينكم، فإياكم الوقوع فيما يؤدي إلى النار من اقتراف المعاصي والسيئات، وارتكاب الموبقات والمنكرات. ثم أكد السؤال عن الأعمال للتحذير فقال: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أي إنكم سوف تسألون عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة، وتسألون عن أنواع نعيم الدنيا من أمن وصحة وفراغ ومأكول ومشروب ومسكن وغير ذلك من النعم، قال الزمخشري: ﴿عَنِ النَّعِيمِ﴾ عن اللهو والتنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه. وقال الرازي: والأظهر أن الذي يسأل عن النعيم هم الكفار، وفي قول آخر: أنه عام في حق المؤمن والكافر، واحتجوا بأحاديث منها: روي عن عمر أنه قال: «أي نعيم نسأل عنه يا رسول الله، وقد أخرجنا من ديارنا وأموالنا؟ فقال ﷺ : ظلال المساكن والأشجار والأخبية التي تقيكم من الحر والبرد، والماء البارد في اليوم الحار».

стр. 9264

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن محمود بن لبيد قال: «لما نزلت ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ فقرأها النبي ﷺ حتى بلغ ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالوا: يا رسول الله، أي نعيم نسأل عنه؟ وإنما هما الأسوان: الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟ قال: أما إن ذلك سيكون». وثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». أي أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه، فهو مغبون. وعن النبي ﷺ فيما رواه الترمذي عن أبي برزة: «لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به». وأخرج البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجه عن عبيد الله بن محصن: أن رسول الله ﷺ قال: «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها». وأخرج ابن جرير ومسلم وأهل السنن عن أبي هريرة ﵁ قال: «بينما أبو بكر وعمر جالسان إذ جاءهما النبي ﷺ ، فقال: ما أجلسكما هاهنا؟ قالا: والذي بعثك بالحق، ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع، قال: والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره، فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار (١)، فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبي ﷺ : أين فلان؟ فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء، فجاء صاحبهم يحمل قربته، فقال: مرحبا ما زار العباد شيء أفضل من نبي، زارني اليوم، فعلق قربته بكرب نخلة، وانطلق فجاءهم بعذق، فقال النبي ﷺ : ألا كنت اجتنيت؟ فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم، ثم أخذ الشفرة، فقال له النبي ﷺ : إياك والحلوب، فذبح لهم يومئذ فأكلوا، فقال لهما

стр. 9265

النبي ﷺ : لتسألن عن هذا يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، فلم ترجعوا حتى أصبتم، هذا، فهذا من النعيم». والظاهر أن السؤال عن النعيم للعموم لأجل لام الجنس إلا أن سؤال الكافر للتوبيخ؛ لأنه عصى وكفر، وسؤال المؤمن للتشريف، فإنه أطاع وشكر. والظاهر أن هذا السؤال في موقف الحساب، وهو متقدم على مشاهدة جهنم، ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ الترتيب في الأخبار، ثم أخبركم أنكم تسألون. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - يحذر الله تعالى من ترك العمل الصالح والاستعداد للآخرة، ويوبخ الذين تشغلهم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتى يموتوا ويدفنوا في المقابر. والتوبيخ عام يشمل التفاخر بكل شيء من الأموال والأولاد، والقبائل والعشائر، والسلطة والجاه، والرجال والأعوان، فهو يتضمن التفاخر بالنفس وهي العلوم والأخلاق الفاضلة، والتفاخر بالبدن وهو الصحة والجمال، والتفاخر بالأمور الخارجية وهي المال والجاه والأعوان والأقرباء والأصدقاء. ٢ - لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة، وزيارتها من أعظم الدواء للقلب القاسي؛ لأنها تذكّر الموت والآخرة. وذلك يحمل على قصر الأمل، والزهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها، كما تقدم في الأحاديث الثابتة. وجاء في الترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ لعن زوّارات القبور. ورأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي ﷺ في زيارة القبور، فلما رخّص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء، لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن.

стр. 9266

والخلاصة: زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء، مختلف فيه للنساء، أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد الكبيرات فمباح لهن ذلك. وجائز لجميعهن إذا انفردن بالخروج عن الرجال. وإذا حدثت فتنة من اجتماع الرجال والنساء، فلا يحل ولا يجوز. ٣ - قال العلماء: ينبغي لعلاج القلب ثلاثة أمور: طاعة الله، والإكثار من ذكر الموت (هاذم اللذات) وزيارة قبور أموات المسلمين. ٤ - كرر الله تعالى في هذه السورة الوعيد بعد الوعيد، للتأكيد والتغليظ على ثبوت عذاب القبر وعذاب الآخرة، وأن ما وعدنا به من البعث وتوابعه حق وصدق. ثم أعاد تعالى الزجر والتنبيه على أنه إن لم يفعل الناس العمل الصالح، وترك التفاخر بالأموال والأولاد والرجال، يندمون، ويستوجبون العقاب. ٥ - أتى الله تعالى بوعيد آخر بقسم محذوف: والله لترون الجحيم في الآخرة، وهذا خطاب للكفار الذين وجبت لهم النار، وقيل: الخطاب عام، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ [مريم ٧١/ ١٩] فهي للكفار دار، وللمؤمنين ممر. ثم أخبر تعالى عن رؤية الجحيم رؤية مشاهدة بالأعين، وبعيون القلوب والأفئدة. ٦ - يسأل الناس يوم القيامة عن ألوان النعيم في الدنيا، من ظلال المساكن والأشجار، وطيب الحياة والرفاهية، والصحة والفراغ، والأمن والستر ونحو ذلك. والكل يسألون، ولكن سؤال الكفار توبيخ؛ لأنه قد ترك الشكر، وسؤال المؤمن سؤال تشريف؛ لأنه شكر، وهذا النعيم في كل نعمة. ويكون السؤال في موقف الحساب، وقيل: بعد الدخول في النار توبيخا لهم، والأول هو الظاهر.

стр. 9267

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة العصر مكيّة، وهي ثلاث آيات. تسميتها: سميت سورة العصر لقسم الله به في مطلعها بقوله: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ﴿وَالْعَصْرِ﴾: الدهر، لاشتماله على الأعاجيب، من سرّاء وضرّاء، وصحة وسقم، وغنى وفقر، وعز وذل، وانقسامه إلى أجزاء: سنة وشهر ويوم وساعة ودقيقة وثانية. مناسبتها لما قبلها: لما بيّن في السورة المتقدمة أن الاشتغال بأمور الدنيا والتهالك عليها مذموم، أراد أن يبين في هذه السورة ما يجب الاشتغال به من الإيمان والأعمال الصالحات، وهو ما يعود إلى النفس، ومن التواصي بالخيرات وكفّ النفس عن المناهي أو المعاصي، وهو ما يعود إلى المجتمع. والخلاصة: بعد أن قال: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ وهدد بتكرار: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بيّن حال المؤمن والكافر. ما اشتملت عليه السورة: هذه السورة المكية الموجزة توضح أصول الإسلام الكبرى، ودستور الحياة الإنسانية. فقد أقسم الله تعالى بالعصر الذي هو الدهر أو الزمان المشتمل على العجائب

стр. 9268

والدال على قدرة الله وحكمته البالغة على خسارة الإنسان إلا من اتصف بالأوصاف الأربعة، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي مع الآخرين بالحق، والتواصي بالصبر والمصابرة. فضلها: ذكر الرواة أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب، وذلك بعد ما بعث رسول الله ﷺ ، وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟! فقال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ، وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ففكر مسيلمة هنيهة، ثم قال: وقد أنزل علي مثلها، فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر (١)، وإنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفر نقر. ثم قال كيف ترى يا عمرو: فقال له عمرو: والله لتعلم أني أعلم أنك تكذب. وذكر الطبراني عن عبيد الله بن حفص قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا لم يفترقا، إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر، إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر. وأخرجه البيهقي عن أبي حذيفة. وقال الشافعي ﵀: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم.

стр. 9269

رسالة الحياة أو حال المؤمن والكافر ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ الإعراب: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ قسم، وجوابه: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ والمراد بالإنسان: الجنس، ولهذا استثنى منه: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾. ﴿وَتَواصَوْا﴾ أصله «تواصيوا» إلا أنه تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فانقلبت ألفا، فاجتمع ساكنان: الألف والواو بعدها، فحذفوا الألف لالتقاء الساكنين. البلاغة: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ أي الناس بدليل الاستثناء، فهو إطلاق البعض وإرادة الكل. ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ التنكير للتعظيم، أي في خسر عظيم. ﴿وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ، وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ إطناب بتكرار الفعل، لزيادة العناية به. ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ بعد قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ خاص بعد عام، فإن الصبر داخل في عموم الحق، إلا أنه خصصه بالذكر للاهتمام به بعينه. ﴿الْعَصْرِ﴾، ﴿بِالصَّبْرِ﴾، ﴿خُسْرٍ﴾ سجع عفوي غير متكلف، وهو من المحسنات البديعية. المفردات اللغوية: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ والدهر، أقسم الله به لاشتماله على الأعاجيب، وقيل: صلاة العصر، أو وقت العصر من بعد الزوال إلى الغروب. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ جنس الإنسان فالتعريف للجنس. ﴿خُسْرٍ﴾ خسارة أو خسران في تجارته، والتنكير للتعظيم. والخسارة: النقصان وضياع رأس المال. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا، ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة الدائمة، فليسوا في خسران.

стр. 9270

﴿بِالْحَقِّ﴾ وهو الشيء الثابت الذي لا يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل، أو هو ما أرشد إليه دليل قاطع، أو عيان ومشاهدة، أو شرع صحيح جاء به نبي معصوم. والتواصي بالحق: أن يوصي الناس بعضهم بعضا بما لا مجال لإنكاره من إيمان وخير وفضيلة. ﴿بِالصَّبْرِ﴾ قوة في النفس تدعو إلى احتمال المشقة في العمل. والتواصي بالصبر: أن يوصي الناس بعضهم بعضا به، ويحث الواحد غيره عليه. وقد اكتفى سبحانه ببيان سبب الربح دون الخسران لأنه المقصود، وما عداه يؤدي إلى الخسران والنقص. التفسير والبيان: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أي قسما بالعصر وهو الدهر أو الزمان الذي يمر به الناس؛ لما فيه من العبر وتقلبات الليل والنهار، وتعاقب الظلام والضياء، وتبدل الأحداث والدول، والأحوال والمصالح، مما يدل على وجود الصانع وعلى توحيده وكمال قدرته، أقسم بذلك على أن الإنسان في خسارة وهلاك ونقص وضلال عن الحق، في المتاجر والمساعي، وصرف الأعمال في أعمال الدنيا، إلا من استثناهم الله فيما يأتي. وإقسام الله بالدهر دليل على شرفه وأهميته، لذا قال ﷺ فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة: «لا تسبّوا الدهر، فإن الله هو الدهر». والآية كما ذكر الرازي كالتنبيه على أن الأصل في الإنسان أن يكون في الخسران والخيبة. وقيل: المراد بالعصر: صلاة العصر، أو وقتها تعظيما لها، ولشرفها وفضلها، ولهذا فسّر بها الصلاة الوسطى عند كثير من العلماء. وفيه إشارة إلى أن عمر الدنيا الباقي هو ما بين العصر إلى المغرب، فعلى الإنسان أن يشتغل بتجارة لا خسران فيها، فإن الوقت قد ضاق، وقد لا يمكن تدارك ما فات. والمراد بالإنسان: الجنس، واللام لام الجنس وهو الراجح. وقيل: اللام في الإنسان لمعهود معين، كما روي عن ابن عباس أنه أراد جماعة من المشركين

стр. 9271

كالوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطّلب. قال أبو حيان: والعصر، والإنسان: اسم جنس يعم، ولذلك صح الاستثناء منه. ثم استثنى من جنس الإنسان عن الخسران ما يأتي: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا، وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ، وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي إن الإنسان لفي خسارة وضياع ونقصان وهلاك إلا الذين جمعوا بين الإيمان بالله والعمل الصالح، فإنهم في ربح، لا في خسر؛ لأنهم عملوا للآخرة، ولم تشغلهم أعمال الدنيا عنها، فآمنوا بقلوبهم، وعملوا بجوارحهم (أعضائهم). وإلا الذين وصّى بعضهم بعضا بالأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره: وهو الإيمان بالله والتوحيد، والقيام بما شرعه الله، واجتناب ما نهى عنه. والحق خلاف الباطل، ويشمل جميع الخيرات وما يلزم فعله، أو هو أداء الطاعات، وترك المحرّمات. قال الزمخشري: وهو الخير كله، من توحيد الله وطاعته واتباع كتبه ورسله، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة. وإلا الذين أوصى بعضهم بعضا بالصبر على فرائض الله، وعن معاصي الله، وعلى أقداره وبلاياه. والصبر يشمل احتمال الطاعات، واجتناب المنكرات، وتحمل المصائب والأقدار، وأذي الذي يأمرونه بالمعروف، وينهونه عن المنكر. فقه الحياة أو الأحكام: دلت السورة على ما يأتي: ١ - الإنسان وإن ربح الثورة الكبيرة والمال الوفير، فهو في خسارة محققة، إن لم يعمل للآخرة عملا طيبا صحيحا. ٢ - أقسم الله تعالى على هذا الحكم بأي عصر أو زمان، لما فيه من التنبيه

стр. 9272

بتصرف الأحوال وتبدّلها، وما فيها من الدلالة على الصانع ووحدانيته وكمال قدرته ومزيد حكمته التي تظهر أحيانا بعد مرور الزمان. والعصر في الحلف بالأيمان مختلف في تقديره عند الفقهاء، فقال مالك: من حلف ألا يكلم رجلا عصرا، يحمل على السنة؛ لأنه أكثر ما قيل فيه، وذلك على أصله في تغليظ المعنى في الأيمان. وقال الشافعي: يبرّ بساعة، إلا أن تكون له نية، أو يفسره بما يحتمله، وذلك حملا على الأقل المتيقن المراد بالعصر. ٣ - حكم الله تعالى بالوعيد الشديد؛ لأنه حكم بالخسارة على جميع الناس إلا من كان آتيا بأشياء أربعة أو متصفا بصفات أربع، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. فدلّ ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور، وعناصر الإيمان ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. والعمل الصالح: أداء الفرائض واجتناب المعاصي، وفعل الخير. والتواصي بالحق: أن يوصي بعضهم بعضا بالأمر الثابت، ويحث بعضهم بعضا على توحيد الله، والعمل بالقرآن، والدعوة إلى الدين والنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يحب المرء لغيره ما يحب لنفسه. قال عمر ﵁: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. والتواصي بالصبر: أن يوصي الناس بعضهم بعضا على طاعة الله ، والصبر عن معاصيه، والرضا بالقضاء والقدر في المصائب والمحن. ٤ - قال الإمام الرازي ﵀: دلت الآية على أن الحق ثقيل، وأن المحن تلازمه، فلذلك قرن به التواصي (١).

стр. 9273

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الهمزة مكيّة، وهي تسع آيات. تسميتها: سميت سورة الهمزة لبدئها بقول الله ﵎: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ والهمزة: الذي يغتاب الناس ويطعن بهم بقول أو فعل أو إشارة، واللمزة: الذي يعيب الناس بإشارة الحاجب والعين. قال ابن عباس: الهمزة: المغتاب، واللمزة: العياب. مناسبتها لما قبلها: بعد أن ذكر الله تعالى في السورة المتقدمة أن جنس الإنسان في خسران ونقص وهلكة، أبان في هذه السورة حال الخاسر وأراد به تبيان الخسران بمثال واحد. ما اشتملت عليه السورة: هذه السورة المكية في علاج مشكلة خلقية مستعصية بين الناس وهي الطعن في الآخرين بالغيبة أثناء غيابهم، أو بالعيب حال حضورهم. وقد بدأت بالإخبار عن العذاب الشديد لكل عيّاب طعّان للناس، ينتقص الآخرين ويزدريهم ويسخر بهم: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [١]. ثم ذمّت السورة الذين يحصرون على جمع الأموال في الدنيا، كأنهم مخلدون فيها: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ..﴾. [٢ - ٣].

стр. 9274

وختمت بردع الفريقين السابقين، وأنبأتهم بمصيرهم الأسود وهو النبذ في الحطمة: نار جهنم. سبب نزولها: قال عطاء والكلبي والسّدي: نزلت في الأخنس بن شريق، كان يلمز الناس ويغتابهم، وبخاصة رسول الله ﷺ . وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي ﷺ من ورائه، ويطعن عليه في وجهه. وروي أيضا أن أمية بن خلف كان يفعل ذلك. وقال محمد بن إسحاق والسهيلي: ما زلنا نسمع أن هذه السورة نزلت في أمية بن خلف (١). وقد روى ذلك ابن جرير عن عثمان وابن عمر. قال أبو حيان: ونزلت في الأخنس بن شريق، أو العاص بن وائل، أو جميل بن معمر، أو الوليد بن المغيرة، أو أمية بن خلف: أقوال، ويمكن أن تكون نزلت في الجميع، وهي مع ذلك عامة فيمن اتصف بهذه الأوصاف (٢). وعلى هذا فاللفظ عام، وإن كان في الأصل يشير إلى شخص معين، وكذلك قوله تعالى في سورة ن: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ.﴾. [١٠ - ١٥]، فإنه سبحانه تابع في سرد الصفات حتى علم أنه يريد في الأصل إنسانا بعينه. والقاعدة العامة عند المحققين والأصوليين: أن خصوص السبب لا ينافي عموم اللفظ. وهذه السورة تشتمل على سدس من مقاصد القرآن، وهو حكاية أقوال الجاحدين.

стр. 9275

الطعّان العيّاب للناس وجزاؤه ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ الإعراب: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالاً.﴾. ﴿الَّذِي﴾: إما في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: وهو الذي، أو في موضع نصب بفعل مقدر، أي أعني، أو في موضع على البدل من «كل». ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ بفتح الذال، أراد به: الذي جمع، والأصل في الذال أن تكون ساكنة لبناء الفعل المضارع، لدخول نون التوكيد، إلا أنه حركت الذال لالتقاء الساكنين، وكان الفتح أولى لأنه أخف الحركات. ومن قرأ بضم الذال، أراد به: المال والهمزة واللمزة. وقرئ: «لينبذان» بألف التثنية، وأراد به المال وصاحبه. وهو جواب قسم محذوف، أي ليطرحن. ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ ﴿عَمَدٍ﴾: بفتح العين والدال، أراد به اسم الجمع، وقرئ «عمد» بضمتين، وأراد به جمع عمود، كرسول ورسل. البلاغة: ﴿هُمَزَةٍ، لُمَزَةٍ﴾ من صيغ المبالغة، على وزن: فعلة، كنومة، وعيبة وسحرة وضحكة. ﴿جَمَعَ مالاً﴾ تنكير ﴿مالاً﴾ للتفخيم، أي جمع مالا كثيرا. ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ الاستفهام للتفخيم والتهويل لنار جهنم، و ﴿الْحُطَمَةِ﴾: من صيغ المبالغة. ﴿هُمَزَةٍ﴾، ﴿لُمَزَةٍ﴾ جناس ناقص أو غير تام. ﴿عَدَّدَهُ﴾، ﴿أَخْلَدَهُ﴾، ﴿الْمُوقَدَةُ﴾، ﴿مُمَدَّدَةٍ﴾ سجع مرصع، لتوافق الفواصل.

стр. 9276

المفردات اللغوية: ﴿وَيْلٌ﴾ خزي وعذاب شديد، ويراد به الندم والتقبيح. ﴿هُمَزَةٍ﴾ مغتاب طعّان في أعراض الناس وكراماتهم. ﴿لُمَزَةٍ﴾ عيّاب يعيب عادة بالحاجب أو العين أو اليد أو الرأس تحقيرا للناس وترفعا عليهم. ﴿عَدَّدَهُ﴾ عدّه مرة بعد أخرى تلذذا به، أو جعله عدّة للنوازل وحوادث الدهر. ﴿يَحْسَبُ﴾ يظن لجهله. ﴿أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ جعله خالدا في الدنيا، لا يموت. ﴿كَلاّ﴾ ردع وزجر. ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ ليطرحنّ وليرمين بإهانة وتحقير، وهو جواب قسم محذوف. ﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾ نار جهنم، سميت لذلك؛ لأنها تحطم كل ما ألقي فيها، من الحطم: وهو الكسر. ﴿الْمُوقَدَةُ﴾ المسعّرة. ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ تعلو أوساط القلوب، وتحيط بها، وخصت الأفئدة بالذكر؛ لأنها محل العقائد الزائغة ومنشأ الأعمال الفاسدة القبيحة. ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة مغلقة عليهم، من أوصدت الباب: إذا أغلقته. ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ في أعمدة طويلة، فتكون النار داخل العمد، جمع عمود. التفسير والبيان: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ أي خزي وعذاب شديد لكل من يغتاب الناس ويطعن بهم أو يعيبهم في حضورهم، قال مقاتل: إن الهمزة: الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة: الذي يغتاب في الوجه. وقال ابن عباس: ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ طعان معياب. ثم ذكر أوصافا أخرى له: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ﴾ أي أن ذلك الهمزة اللمزة الذي يزدري الناس ويحتقرهم ويترفع عليهم بسبب إعجابه بما جمع من المال وأحصاه، وظن أن له به الفضل على غيره، كقوله تعالى: ﴿جَمَعَ فَأَوْعى﴾ [المعارج ١٨/ ٧٠]. ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ أي يظن أن ماله يضمن له الخلود ويتركه حيّا مخلدا لا يموت؛ لشدة إعجابه بما يجمعه من المال، فلا يعود يفكر بما بعد الموت.

стр. 9277

ثم ردّ الله عليه أوهامه وزجره على مزاعمه، فقال: ﴿كَلاّ، لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ أي زجرا له وردعا، فليس الأمر كما زعم ولا كما حسب، بل ليلقين ويطرحن هذا الذي جمع ماله هو وماله في النار التي تحطم أو تهشم كل ما يلقى فيها. ثم هوّل عليه شأن النار وعرفها له، فقال: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ، نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ﴾ أي وما أعلمك ما هذه النار، وأي شيء هي؟ فكأنها لا تدركها العقول، هي نار الله الموقدة المستقرة بأمر الله سبحانه، التي لا تخمد أبدا. وفائدة وصف جهنم بالحطمة مناسبتها لحال المتكبر المتجبر بماله، المترفع على غيره، فهي تكسر كسرا كل ما يلقى فيها، لا تبقي ولا تذر. وإضافة ﴿نارُ اللهِ﴾ للتفخيم، أي هي نار، لا كسائر النيران. ثم وصف النار بأوصاف ثلاثة هي: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ، فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ أي التي تعلو القلوب وتغشاها بحرها الشديد، وتحرقهم وهم أحياء. والقلوب أشد أجزاء البدن تألما، وخصت بالذكر لأنها محل العقائد الزائغة، والنيات الخبيثة، وسوء الأخلاق من الكبر واحتقار الناس، والأعمال القبيحة. وهي عليهم مطبقة، مغلقة عليهم أبوابها جميعا، فلا منافذ، ولا يستطيعون الخروج منها، كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد ٢٠/ ٩٠]، وقال سبحانه: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ، أُعِيدُوا فِيها.﴾. [الحج ٢٢/ ٢٢].

стр. 9278

وهي أيضا كائنة في أعمدة ممددة طويلة موثّقة. قال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم، ثم شدّت بأوتاد من حديد، فلا يفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم روح. والآية تفيد المبالغة في العذاب بقوله: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ أي أنه موضع له قعر عميق جدا كالبئر، وأن أبوابها لا تفتح ليزيد في حسرتهم، وتغلق إغلاقا محكما للتيئيس من الخروج منها، وممددة في أعمدة دائمة اللهب، فلا أمل في إطفائها أو تخفيف شدة حرارتها. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - الخزي والعذاب والهلكة لكلّ مغتاب عيّاب طعّان للناس. قال النّبي ﷺ : «شرار عباد الله تعالى المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون البراء العيب» (١). ٢ - كأن سبب الهمز واللمز والترفع على الناس وازدرائهم هو المال وطول الأمل، لأن الغنى يورث الإعجاب والكبر، وعدّ المال من غير ضرورة دليل على المتعة النفسية والزخرفة الدنية، والانشغال عن السعادة الباقية، ولأن المال يطول الأمل، ويمنّي بالأماني البعيدة، حتى أصبح لفرط غفلة صاحب المال يحسب أن ماله يتركه خالدا في الدنيا. ٣ - ردع الله تعالى عن كل هذه المزاعم والتحسبات، فالمال لا يرفع القدر، ولا يقتضي الطعن بالآخرين، وليس المال كما يظن مخلّدا في الدنيا، بل المخلّد هو العلم والعمل، كما قال علي ﵁: مات خزّان المال، وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر.

стр. 9279

٤ - حدد الله تعالى عقاب الهمزة اللمزة جامع المال حبّا فيه لذاته، وهو الطرح أو الإلقاء في نار جهنم التي تحطم كل ما يلقى فيها، وهي نار الله الموقدة غير الخامدة، التي أعدها الله للعصاة، والتي تأكل جميع ما في الأجساد، حتى تبلغ الفؤاد، ثم يخلقون خلقا جديدا، فترجع تأكلهم. وهي مغلقة الأبواب، مطبقة عليهم، حال كونهم موثقين بأعمدة، وهي في أعمدة طوال تلتف بهم من كل جانب. روى خالد بن أبي عمران عن النّبي ﷺ : [أن النار تأكل أهلها، حتى إذا اطلعت على أفئدتهم-أي تعلوها وتغلبها-انتهت، ثم إذا صدروا تعود، فذلك قوله تعالى: ﴿نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾].

стр. 9280

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الفيل مكيّة، وهي خمس آيات. تسميتها: سميت سورة الفيل لافتتاحها بالتذكير بقصة أصحاب الفيل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ﴾؟ أي ألم تعلم علم اليقين ماذا صنع ربّك العظيم القدير بأبرهة الحبشي قائد اليمن وأتباعه الذين أرادوا هدم البيت الحرام؟! مناسبتها لما قبلها: ذكر الله تعالى في السورة السابقة الهمزة حال الهمزة اللمزة الذي جمع مالا، وتعزز بماله، وأفاد تعالى أن المال لا يغني من الله شيئا، ثم ذكر في هذه السورة الدليل على ذلك، بإيراد قصة أصحاب الفيل الذين كانوا أشدّ منهم قوة، وأكثر مالا، وأعظم عتوا، وقد أهلكهم الله بأصغر الطير وأضعفه، ولم يغن عنهم مالهم ولا عددهم ولا قوتهم شيئا. ما اشتملت عليه السورة: هذه السورة المكية مقصورة على بيان قصة أصحاب الفيل الذين اعتمدوا على قوتهم وما لهم وقدرتهم على البطش بجيش جرار لا يقهر، ثم أبادهم الله عن بكرة أبيهم، حينما أرادوا هدم الكعبة، بقصف من الحجارة الربانية المعلقة بأرجل طير
следующие страницы →