المفردات اللغوية:
﴿وَيْلٌ﴾ خزي وعذاب شديد، ويراد به الندم والتقبيح. ﴿هُمَزَةٍ﴾ مغتاب طعّان في أعراض الناس وكراماتهم. ﴿لُمَزَةٍ﴾ عيّاب يعيب عادة بالحاجب أو العين أو اليد أو الرأس تحقيرا للناس وترفعا عليهم. ﴿عَدَّدَهُ﴾ عدّه مرة بعد أخرى تلذذا به، أو جعله عدّة للنوازل وحوادث الدهر.
﴿يَحْسَبُ﴾ يظن لجهله. ﴿أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ جعله خالدا في الدنيا، لا يموت. ﴿كَلاّ﴾ ردع وزجر. ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ ليطرحنّ وليرمين بإهانة وتحقير، وهو جواب قسم محذوف. ﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾ نار جهنم، سميت لذلك؛ لأنها تحطم كل ما ألقي فيها، من الحطم: وهو الكسر.
﴿الْمُوقَدَةُ﴾ المسعّرة. ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ تعلو أوساط القلوب، وتحيط بها، وخصت الأفئدة بالذكر؛ لأنها محل العقائد الزائغة ومنشأ الأعمال الفاسدة القبيحة. ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة مغلقة عليهم، من أوصدت الباب: إذا أغلقته. ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ في أعمدة طويلة، فتكون النار داخل العمد، جمع عمود.
التفسير والبيان:
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ أي خزي وعذاب شديد لكل من يغتاب الناس ويطعن بهم أو يعيبهم في حضورهم، قال مقاتل: إن الهمزة: الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة: الذي يغتاب في الوجه. وقال ابن عباس: ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ طعان معياب.
ثم ذكر أوصافا أخرى له:
﴿الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ﴾ أي أن ذلك الهمزة اللمزة الذي يزدري الناس ويحتقرهم ويترفع عليهم بسبب إعجابه بما جمع من المال وأحصاه، وظن أن له به الفضل على غيره، كقوله تعالى: ﴿جَمَعَ فَأَوْعى﴾ [المعارج ١٨/ ٧٠].
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ أي يظن أن ماله يضمن له الخلود ويتركه حيّا مخلدا لا يموت؛ لشدة إعجابه بما يجمعه من المال، فلا يعود يفكر بما بعد الموت.
стр. 9277
ثم ردّ الله عليه أوهامه وزجره على مزاعمه، فقال:
﴿كَلاّ، لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ أي زجرا له وردعا، فليس الأمر كما زعم ولا كما حسب، بل ليلقين ويطرحن هذا الذي جمع ماله هو وماله في النار التي تحطم أو تهشم كل ما يلقى فيها.
ثم هوّل عليه شأن النار وعرفها له، فقال:
﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ، نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ﴾ أي وما أعلمك ما هذه النار، وأي شيء هي؟ فكأنها لا تدركها العقول، هي نار الله الموقدة المستقرة بأمر الله سبحانه، التي لا تخمد أبدا.
وفائدة وصف جهنم بالحطمة مناسبتها لحال المتكبر المتجبر بماله، المترفع على غيره، فهي تكسر كسرا كل ما يلقى فيها، لا تبقي ولا تذر.
وإضافة ﴿نارُ اللهِ﴾ للتفخيم، أي هي نار، لا كسائر النيران.
ثم وصف النار بأوصاف ثلاثة هي:
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ، فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ أي التي تعلو القلوب وتغشاها بحرها الشديد، وتحرقهم وهم أحياء. والقلوب أشد أجزاء البدن تألما، وخصت بالذكر لأنها محل العقائد الزائغة، والنيات الخبيثة، وسوء الأخلاق من الكبر واحتقار الناس، والأعمال القبيحة.
وهي عليهم مطبقة، مغلقة عليهم أبوابها جميعا، فلا منافذ، ولا يستطيعون الخروج منها، كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد ٢٠/ ٩٠]، وقال سبحانه: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ، أُعِيدُوا فِيها.﴾. [الحج ٢٢/ ٢٢].
стр. 9278
وهي أيضا كائنة في أعمدة ممددة طويلة موثّقة. قال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم، ثم شدّت بأوتاد من حديد، فلا يفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم روح.
والآية تفيد المبالغة في العذاب بقوله: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ أي أنه موضع له قعر عميق جدا كالبئر، وأن أبوابها لا تفتح ليزيد في حسرتهم، وتغلق إغلاقا محكما للتيئيس من الخروج منها، وممددة في أعمدة دائمة اللهب، فلا أمل في إطفائها أو تخفيف شدة حرارتها.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - الخزي والعذاب والهلكة لكلّ مغتاب عيّاب طعّان للناس.
قال النّبي ﷺ : «شرار عباد الله تعالى المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون البراء العيب» (١).
٢ - كأن سبب الهمز واللمز والترفع على الناس وازدرائهم هو المال وطول الأمل، لأن الغنى يورث الإعجاب والكبر، وعدّ المال من غير ضرورة دليل على المتعة النفسية والزخرفة الدنية، والانشغال عن السعادة الباقية، ولأن المال يطول الأمل، ويمنّي بالأماني البعيدة، حتى أصبح لفرط غفلة صاحب المال يحسب أن ماله يتركه خالدا في الدنيا.
٣ - ردع الله تعالى عن كل هذه المزاعم والتحسبات، فالمال لا يرفع القدر، ولا يقتضي الطعن بالآخرين، وليس المال كما يظن مخلّدا في الدنيا، بل المخلّد هو العلم والعمل، كما قال علي ﵁: مات خزّان المال، وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر.
стр. 9279
٤ - حدد الله تعالى عقاب الهمزة اللمزة جامع المال حبّا فيه لذاته، وهو الطرح أو الإلقاء في نار جهنم التي تحطم كل ما يلقى فيها، وهي نار الله الموقدة غير الخامدة، التي أعدها الله للعصاة، والتي تأكل جميع ما في الأجساد، حتى تبلغ الفؤاد، ثم يخلقون خلقا جديدا، فترجع تأكلهم.
وهي مغلقة الأبواب، مطبقة عليهم، حال كونهم موثقين بأعمدة، وهي في أعمدة طوال تلتف بهم من كل جانب.
روى خالد بن أبي عمران عن النّبي ﷺ : [أن النار تأكل أهلها، حتى إذا اطلعت على أفئدتهم-أي تعلوها وتغلبها-انتهت، ثم إذا صدروا تعود، فذلك قوله تعالى: ﴿نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾].
стр. 9280
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الفيل
مكيّة، وهي خمس آيات.
تسميتها:
سميت سورة الفيل لافتتاحها بالتذكير بقصة أصحاب الفيل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ﴾؟ أي ألم تعلم علم اليقين ماذا صنع ربّك العظيم القدير بأبرهة الحبشي قائد اليمن وأتباعه الذين أرادوا هدم البيت الحرام؟!
مناسبتها لما قبلها:
ذكر الله تعالى في السورة السابقة الهمزة حال الهمزة اللمزة الذي جمع مالا، وتعزز بماله، وأفاد تعالى أن المال لا يغني من الله شيئا، ثم ذكر في هذه السورة الدليل على ذلك، بإيراد قصة أصحاب الفيل الذين كانوا أشدّ منهم قوة، وأكثر مالا، وأعظم عتوا، وقد أهلكهم الله بأصغر الطير وأضعفه، ولم يغن عنهم مالهم ولا عددهم ولا قوتهم شيئا.
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة المكية مقصورة على بيان قصة أصحاب الفيل الذين اعتمدوا على قوتهم وما لهم وقدرتهم على البطش بجيش جرار لا يقهر، ثم أبادهم الله عن بكرة أبيهم، حينما أرادوا هدم الكعبة، بقصف من الحجارة الربانية المعلقة بأرجل طير
стр. 9281
صغار، وجعلهم كعصف مأكول، أي كبقايا الزرع بعد الحصاد الذي تأكله الماشية، وتعصف به الريح في كل مكان.
أضواء من التاريخ على قصة أصحاب الفيل:
كان على اليمن قائد من قبل أصحمة النجاشي (ملك الحبشة) واسمه أبرهة بن الصباح الأشرم جدّ النجاشي الذي عاصر النّبي ﷺ قد بنى كنيسة عظيمة سمّاها «القلّيس» ليصرف إليها حج العرب، فقام رجل من كنانة وتغوط فيها ليلا، فأغضبه ذلك، وأقسم ليهدمن الكعبة، مستغلا هذا الحادث، ومريدا في الواقع فتح مكة لربط اليمن ببلاد الشام، وتوسيع بلاد النصرانية.
فجهز جيشا عظيما، مصحوبا بفيلة كثيرة قيل: اثنا عشر، وقيل: ألف، زيادة في الإرهاب والتخويف، وسار حتى وصل إلى «المغمّس» موضع قرب مكة، فأرسل إلى أهل مكة يخبرهم أنه لم يأت لحربهم، وإنما جاء لهدم الكعبة، فاستعظموا الأمر، وفزعوا له، وأرادوا محاربته، فرأوا ألا طاقة لهم بأبرهة وجنوده، واعتصموا بالجبال ينظرون ماذا يحدث، واثقين بأن للبيت ربّا يحميه.
ولما اقترب الجيش من مكة أمر أبرهة بنهب أموال العرب، وكان فيها إبل لعبد المطلب بن هاشم جدّ النّبي ﷺ ، فاستاقها الجند، وكان عددها مائتي بعير، وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وأمره أن يأتيه بأشرف قريش وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدّوه عن البيت، فجاء حناطة، فدلوه على عبد المطلب بن هاشم، وبلّغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه وبينه، فو الله ما عندنا دفع عنه، فقال له حناطة: فاذهب معي إليه، فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجلّه، وكان عبد المطلب رجلا جسيما حسن المنظر، فنزل أبرهة عن سريره،
стр. 9282
وأجلسه معه على البساط، وسأله عن حاجته، فقال: حاجتي أن يردّ عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي.
فتعجب أبرهة، وقال: أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه؟! فقال له عبد المطلب: إني أنا ربّ الإبل، وإن للبيت ربّا سيمنعه عنك، قال: ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك (١). وكان قد عرض عبد المطلب ومن معه من أشراف العرب على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم، وردّ أبرهة على عبد المطلب إبله، ثم رجع وأتى باب البيت ومعه نفر من قريش، وأخذوا بحلقة باب الكعبة يدعون الله، ويستنصرونه على أبرهة وجنده.
ثم زحف الجيش نحو البيت ودخلوا مكة، وكان معه فيل عظيم اسمه «محمود» كلما وجهوه إلى جهة الحرم، برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى جهة اليمن أو إلى سائر الجهات هرول.
وفي اليوم التالي وبينما عبد المطلب يدعو، التفت، فإذا هو بطير من نحو اليمن جهة البحر، فقال: والله إنها لطير غريبة، ما هي بنجدية ولا تهامية.
وكان مع كل طائر أحجار تحملها بمناقيرها وأرجلها، فألقتها عليهم، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك. وفرّ الجيش هاربين نحو اليمن، يتساقطون في الطريق، وأصيب أبرهة في جسده، وبدأت أنامله تسقط أنملة أنملة، ولحمه يتساقط، حتى قدموا به «صنعاء» فمات شرّ ميتة (٢).
стр. 9283
وكان لهذه الهزيمة أثر كبير في التاريخ وبين العرب، فأعظموا قريشا، وقالوا: هم أهل الله، قاتل الله عنهم، وكفاهم العدو، وازدادوا تعظيما للبيت، وإيمانا بمكانه عنه الله (١).
وأراد الله بهذا الحادث تعظيم بيته، وإعلاء شأنه، وتهيئة أمة العرب لحمل رسالة الإسلام إلى العالم كله.
وكان ذلك الحدث التاريخي المهم في عام ميلاد النّبي ﷺ ، سنة ٥٧٠ م، أي كان بين عام الفيل ومبعث النّبي ﷺ أربعون سنة. وكان قد بقي بمكة جمع شاهدوا تلك الواقعة، وقد بلغت حدّ التواتر حينئذ، فما ذاك إلا إرهاص للرسول ﷺ .
قصة أصحاب الفيل
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾
الإعراب:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ معناه الإيجاب أي قد علمت؛ لأن همزة الاستفهام لما دخلت على ﴿لَمْ﴾ وهي حرف نفي، والاستفهام كالنفي، اجتمع نفيان، فلما دخل النفي على النفي، انقلبت إيجابا.
و ﴿كَيْفَ﴾: في موضع نصب بفعل بعده، ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿تَرَ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإنما يعمل فيه ما بعده. وجملة ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ سدت مسدّ مفعولي ﴿تَرَ﴾ لأنها من رؤية القلب بمعنى العلم، نحو: رأيت الله غالبا. و ﴿رَبُّكَ﴾: فاعل ﴿فَعَلَ﴾.
стр. 9284
﴿طَيْراً أَبابِيلَ﴾ إما جمع لا واحد له من لفظه كأساطير، أو واحده «إبّيل» أو إبّول، كعجاجيل وحدها عجّول.
﴿كَعَصْفٍ﴾ في موضع نصب، على أنه مفعول ثان ل ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ أي صيّرهم.
البلاغة:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ.﴾. الاستفهام للتقرير والتعجيب، أي أعجب.
﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ إشادة بقدرة الله تعالى، والخطاب للنبي ﷺ بقوله ﴿رَبُّكَ﴾ تشريف له.
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ تشبيه مرسل مجمل، ذكرت الأداة، وحذف وجه الشبه.
﴿الْفِيلِ﴾، ﴿تَضْلِيلٍ﴾، ﴿أَبابِيلَ﴾، ﴿سِجِّيلٍ﴾، ﴿مَأْكُولٍ﴾ توافق الفواصل في الحرف الأخير.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي تعلم، والخطاب للرسول ﷺ ، وهو إن لم يشهد تلك الواقعة، لكنه شاهد آثارها، وسمع بالتواتر أخبارها، فكأنه رآها، فإنها من الإرهاصات؛ لأنها وقعت في السنة التي ولد فيها الرسول ﷺ . ﴿بِأَصْحابِ الْفِيلِ﴾ أصحاب الفيل العظيم الذي كان اسمه «محمود». وهم أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي، وجيشه الذين أرادوا هدم الكعبة لصرف الحجاج العرب عن مكة إلى كنيسة بناها أبرهة بصنعاء، وسماها «القلّيس». فحين توجهوا لهدم الكعبة، أرسل الله عليهم ما قصه في هذه السورة.
﴿أَلَمْ يَجْعَلْ﴾ أي جعل. ﴿كَيْدَهُمْ﴾ مكرهم وتدبيرهم بتخريب الكعبة وتعطيلها. ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ تضييع وإبطال وهلاك وخسارة. ﴿طَيْراً﴾ ما طار في الهواء، صغيرا أو كبيرا.
﴿أَبابِيلَ﴾ جماعات متفرقة. ﴿سِجِّيلٍ﴾ طين متحجر. ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ كورق زرع يبقى بعد الحصاد، أكلته الدواب وداسته وأفنته، أو كتبن أكلته الدواب وراثته.
التفسير والبيان:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ﴾ ألم تعلم علم اليقين، وكأنك شاهدت الواقعة، بما صنع ربّك العظيم القدير بأصحاب الفيل، حيث دمرهم الله، وحمى بيته الحرام، أفلا يجدر بقومك أن يؤمنوا بالله؟! وقد شاهد أناس
стр. 9285
منهم الواقعة، حيث أقبل قوم من النصارى الأحباش الذين ملكوا اليمن، إلى الحجاز، يريدون تخريب الكعبة، فلما قربوا من مكة، وأرادوا دخولها، أرسل الله عليهم جماعات من الطيور محمّلة بحجارة، ألقوها عليهم، فأهلكتهم.
﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ أي أفسد خطتهم ومؤامرتهم، والمعنى: ألم تر أن ربك جعل مكرهم وتدبيرهم وسعيهم في تخريب الكعبة، واستباحة أهلها، في تضليل عما قصدوا إليه، وفي ضياع وإبطال، حتى لم يصلوا إلى البيت، ولا إلى ما أرادوا بكيدهم، بل أهلكهم الله تعالى. والكيد: هو إرادة مضرة بالغير على الخفية.
وإذا علم قومك هذا الأمر، فليخافوا أن يعاقبهم الله بعقوبة مماثلة، ما داموا يصرون على الكفر بالله تعالى وبرسوله ﷺ وكتابه الكريم، ويصدون الناس عن سبيل الإيمان الحق بالله .
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ أي وبعث الله عليهم جماعات متفرقة من الطيور السود، جاءت من قبل البحر فوجا فوجا، مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، لا يصيب شيئا إلا دمره وهشمه.
وهي حجارة صغيرة من طين متحجر، كالحمصة وفوق العدسة، فإذا أصاب أحدهم حجر منها، خرج به الجدري أو الحصبة، حتى هلكوا.
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أي فجعلهم فضلات وبقايا مثل ورق الزرع أو الشجر إذا أكلته الدواب، ثم راثته، فأهلكهم جميعا.
أخرج البخاري أنه: «لما أطل رسول الله ﷺ يوم الحديبية على الثنية التي تهبط به على قريش، بركت ناقته، فزجروها، فألحت، فقالوا: خلأت
стр. 9286
القصواء، أي حرنت، فقال رسول الله ﷺ : ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل». ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألوني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها، ثم زجرها، فقامت».
وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فيبلّغ الشاهد الغائب».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - هذا الخطاب، وإن كان للنبي ﷺ ، ولكنه عام، أي ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل؟ أي قد رأيتم ذلك، وعرفتم موضع منتي عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟! ٢ - دلت الواقعة على قدرة الله الصانع وعلمه وحكمته، وعلى شرف محمد ﷺ ؛ لأنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة، تأسيسا لنبوتهم، وإرهاصا لها، ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله (١). قال أبو حيان: كان صرف ذلك العدوّ العظيم عام مولده السعيد ﷺ إرهاصا بنبوته؛ إذ مجيء تلك الطيور على الوصف المنقول من خوارق العادات، والمعجزات المتقدمة بين أيدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد ظلل (أحبط) كيدهم، وأهلكهم بأضعف جنوده، وهي الطير التي ليست من عادتها أنها تقتل (٢).
٣ - دلت القصة أيضا على تكريم الله للكعبة، وإنعامه على قريش بدفع
стр. 9287
العدو عنهم، فكان يجب عليهم المبادرة إلى الإيمان برسالة محمد ﷺ ، وعبادة الله، وشكره على نعمائه.
٤ - كان إرسال الطير عليهم إرهاصا للنبي ﷺ ، وأما بعد تقرير نبوته فلم يكن هناك حاجة إلى الإرهاص، لذا لم يعذب الحجّاج بتخريب البيت، ولأنه لم يكن قاصدا التخريب، وإنما أراد شيئا آخر، وهو قتل ابن الزبير.
٥ - شبه تدميرهم وإهلاكهم وصيرورتهم بعد قصف الطير بالحجارة بصورة قبيحة حقيرة، تدل على حقارة كفرهم، وصغار نفوسهم، وهوانهم على الله، وتلك الصورة ورق يابس أو تبن تعصف به الريح، أكلته الدواب وراثته، أي كفضلات البهائم، وذلك يدل أيضا على فنائهم التام؛ لأنه أراد تشبيه تقطيع أوصالهم بتفريق أجزاء الروث.
إلا أن هذا التشبيه جاء على منهج القرآن في أدبه الرفيع، مثل قوله تعالى في تشبيه عيسى وأمه: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة ٧٥/ ٥].
وإنما سلط الله العذاب على أصحاب الفيل، ولم يسلطه على كفار قريش الذين ملؤوا الكعبة أوثانا؛ لأن أصحاب الفيل قصدوا التخريب، وهذا تعد على حق العباد، ووضع الأوثان فيها قصدوا به التقرب إلى الله، وهو مع ذلك تعدّ على حق الله تعالى، وحق العباد مقدّم على حق الله تعالى.
٦ - قال ابن مسعود: لما رمت الطير بالحجارة، بعث الله ريحا، فضربت الحجارة فزادتها شدّة، فكانت لا تقع على أحد إلا هلك، ولم يسلم منهم إلا رجل من كندة، فقال:
فإنك لو رأيت ولم تريه... لدى جنب المغمّس ما لقينا
خشيت الله إذ قد بث طيرا... وظلّ سحابة مرّت علينا
وباتت كلّها تدعو بحق... كأن لها على الحبشان دينا
стр. 9288
ويروى أنها لم تصبهم كلهم، لكنها أصابت من شاء الله منهم. وقد تقدم في القصة التاريخية أن أميرهم أبرهة رجع وشرذمة قليلة معه، فلما أخبروا بما رأوا هلكوا. وذلك للعبرة والعظة.
٧ - قال ابن إسحاق: لما ردّ الله الحبشة عن مكة، عظّمت العرب قريشا وقالوا: أهل الله، قاتل عنهم، وكفاهم مؤونة عدوهم؛ فكان ذلك نعمة من الله عليهم.
стр. 9289
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة قريش
مكيّة، وهي أربع آيات.
تسميتها:
سميت سورة قريش تذكيرا لهم بنعم الله عليهم في مطلع السورة: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.﴾ ..
مناسبتها لما قبلها:
ترتبط السورة بما قبلها من وجهين:
١ - كلتا السورتين تذكير بنعم الله على أهل مكة، فسورة الفيل تشتمل على إهلاك عدوهم الذي جاء لهدم البيت الحرام أساس مجدهم وعزهم، وهذه السورة تذكر نعمة أخرى اجتماعية واقتصادية، حيث حقق الله بينهم الألفة واجتماع الكلمة، وأكرمهم بنعمة الأمن والاستقرار، ونعمة الغنى واليسار والإمساك بزمام الاقتصاد التجاري في الحجاز، بالقيام برحلتين صيفا إلى الشام وشتاء إلى اليمن.
٢ - هذه السورة شديدة الاتصال بما قبلها، لتعلق الجار والمجرور في أولها بآخر السورة المتقدمة: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.﴾. أي لإلف قريش أي أهلك الله أصحاب الفيل، لتبقى قريش، ولذا كانتا في مصحف أبيّ سورة واحدة. ولكن في المصحف الإمام فصلت هذه السورة عن التي قبلها، وكتب بينهما: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾.
стр. 9290
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة المكية تعداد نعم الله العظمى على قريش أهل مكة، حيث جمع الله كلمتهم، وحقق الألفة والتئام الشمل بينهم: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ومكّنهم من التنقل وحرية التجارة إلى اليمن شتاء، وإلى الشام صيفا، لتوفير الثروة والغنى: ﴿إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ﴾.
وهيّأ لهم في البلد الآمن الحرام نعمة الأمن والاطمئنان والاستقرار دون نزاع من أحد: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.
فضلها:
روى البيهقي في كتاب الخلافيات عن أم هانئ بنت أبي طالب: أن رسول الله ﷺ قال: «فضّل الله قريشا بسبع خلال: أني منهم، وأن النبوة فيهم، والحجابة والسقاية فيهم، وأن الله نصرهم على الفيل، وأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم، وأن الله أنزل فيهم سورة من القرآن، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾». قال ابن كثير: وهو حديث غريب.
التذكير بنعم الله على قريش
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾
стр. 9291
الإعراب:
﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ﴾ اللام في «إيلاف» إما متعلقة بفعل مقدر، تقديره: اعجبوا لإيلاف قريش، أو متعلقة بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ﴾ أي لأجل هذا، أو متعلقة بقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ آخر سورة الفيل.
و ﴿إِيلافِهِمْ﴾: مجرور على البدل من «إيلاف» الأولى، و «إيلاف» مصدر رباعي، وهو ألف يؤلف إيلافا. وقرئ «إلا فهم» على أنه مصدر فعل ثلاثي، وهو (ألف يألف إلافا).
و ﴿قُرَيْشٍ﴾ إن أردت به الحي صرفته، وإن أردت به القبيلة لم تصرفه.
و ﴿رِحْلَةَ﴾ منصوب؛ لأنه معمول المصدر المضاف وهو إيلافهم، مثل ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ﴾ [البقرة ٢٥١/ ٢] [الحج ٤٠/ ٢٢].
البلاغة:
﴿الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ﴾ بينهما طباق، وكذلك بين ﴿جُوعٍ﴾ و ﴿خَوْفٍ﴾.
﴿رَبَّ هذَا الْبَيْتِ﴾ الإضافة للتكريم والتشريف.
﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ وقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ﴾ تقديم ما حقه التأخير، والأصل: ليعبدوا ربّ هذا البيت، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فقدم الإيلاف تذكيرا بالنعمة.
﴿جُوعٍ﴾ ﴿خَوْفٍ﴾ التنكير لبيان شدتهما، أي جوع وخوف شديدين.
المفردات اللغوية:
﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ يقال: آلف الشيء إيلافا، وألف إلافا وإلفا، أي لزمه وعكف عليه، مع الأنس به وعدم النفور منه، قال الزمخشري: متعلق بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين، ودخلت الفاء على ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ لما في الكلام من معنى الشرط؛ إذ المعنى: أن نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه لأجله. و ﴿قُرَيْشٍ﴾ مجموعة القبائل من ولد النضر بن كنانة. منقول من تصغير قرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن، شبهوا بها؛ لأنها تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، وصغر الاسم للتعظيم. وقال أبو حيان: سموا بذلك لتجمعهم بعد التفرق، جمعهم قصي بن كلاب في الحرم، والتقريش: التجمع والالتئام.
﴿إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ﴾ أي بسبب إلفهم الارتحال إلى اليمن في الشتاء، وإلى الشام في الصيف كل عام، يستعينون بالرحلتين للتجارة على المقام بمكة، لخدمة البيت الذي هو فخرهم
стр. 9292
ومجدهم. والرحلة: ارتحال القوم، بشد الرحال للمسير. ﴿الْبَيْتِ﴾ الكعبة. ﴿أَطْعَمَهُمْ﴾ وسّع لهم في الرزق. ﴿مِنْ جُوعٍ﴾ ﴿مِنْ خَوْفٍ﴾ أي من أجل جوع وخوف. ﴿وَآمَنَهُمْ﴾ جعلهم في أمن وسلامة في الأموال والأنفس. ﴿مِنْ خَوْفٍ﴾ خوف أصحاب الفيل، أو التخطف في بلدهم ومسايرهم. وكان يصيبهم الجوع لعدم الزرع بمكة، وخافوا جيش الفيل.
سبب النزول:
نزول الآية (١):
أخرج الحاكم وغيره عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: قال رسول الله ﷺ : «فضّل الله قريشا بسبع خصال» الحديث المتقدم، وفيه:
نزلت فيهم سورة لم يذكر فيها أحد غيرهم: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾.
التفسير والبيان:
﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ﴾ أي فلتعبد قريش ربها، شكرا له، لأجل إيلافهم (أي جعلهم يألفون، ويسّر لهم ذلك) رحلتين: رحلة إلى اليمن شتاء لجلب العطور والبهارات الآتية من الهند والخليج، وكونها في الشتاء؛ لأنها بلاد حارّة، ورحلة إلى الشام في الصيف، لجلب الحبوب الزراعية، وكونها في الصيف؛ لأنها بلاد باردة، وكانت قريش في مكة تعيش بالتجارة، ولولا هاتان الرحلتان لم يتمكنوا من المقام بها، ولولا الأمن بجوار البيت، لم يقدروا على التصرف، وكانوا لا يغار عليهم؛ لأن العرب يقولون: قريش أهل بيت الله . وكل هذا الاحترام والإجلال لقريش أهل مكة من الله الذي هيأه لهم بواسطة البيت الحرام، فكان عليهم الإقرار بهذه النعمة، وإفراد الله بالعبادة والتعظيم.
وصريح محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن هذه السورة متعلقة
стр. 9293
بما قبلها؛ لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل، وأهلكنا أهله لإيلاف قريش، أي لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين.
وعلى كل حال فهاتان نعمتان: نعمة صد أصحاب الفيل، ونعمة جوار البيت الحرام والائتلاف فيه، فإن لم يعبدوا الله لسائر نعمه، فليعبدوه لهاتين النعمتين. وقد عرّفهم سبحانه بأنه ربّ هذا البيت، بالرغم من أوثانهم التي يعبدونها حول الكعبة، فميّز نفسه عنها، وبالبيت تشرفوا على سائر العرب، وهم يدركون هذا ويقرّون به. وكانت الإشارة إلى البيت في السورة لإفادة التعظيم.
قال الرازي ﵀ عند قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ﴾: اعلم أن الإنعام على قسمين: أحدهما-دفع الضرر، والثاني-جلب النفع، والأول أهم وأقدم، ولذلك قالوا: دفع الضرر عن النفس واجب، أما جلب النفع، فإنه غير واجب، فلهذا السبب بيّن الله تعالى نعمة دفع الضرر في سورة الفيل، ونعمة جلب النفع في هذه السورة، ونظرا لهاتين النعمتين العظيمتين أمرهم ربهم بعبادته والعبودية له وأداء الشكر على ذلك: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ﴾ (١).
والعبادة: هي التذلل والخضوع للمعبود على غاية ما يكون، وهي تحقق معنى العبودية.
ثم ذكر الله تعالى نعما أخرى على قريش، وصف بهما رب هذا البيت، فقال:
- ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ أي هو ربّ البيت، وهو الذي أطعمهم من جوع ووسّع لهم في الرزق ويسّر لهم سبيله، بسبب هاتين الرحلتين، فخلّصهم من جوع شديد كانوا فيه قبلهما.
стр. 9294
- ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ أي وتفضل عليهم بالأمن والاستقرار، فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنما ولا ندا ولا وثنا، قال ابن كثير: ولهذا من استجاب لهذا الأمر، جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة.
ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً، يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ، فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ، فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ. وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ، فَكَذَّبُوهُ، فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ [النحل ١١٢/ ١٦ - ١١٣] (١).
وكانت العرب يغير بعضها على بعض، ويسبي بعضها بعضا، فأمنت قريش كما تقدم من ذلك لمكان الحرم، كما آمنهم من خوف الحبشة مع الفيل؛ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً، وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾؟ [العنكبوت ٦٧/ ٢٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
أمر الله تعالى في هذه السورة قريشا وهم أولاد النضر بن كنانة بعبادة وتوحيد ربهم الذي أنعم عليهم بهذه النعم الكثيرة ومنها:
١ - إهلاك أصحاب الفيل وصدهم عن مكة، كما أهلكوا أيضا لأجل كفرهم، وفي هذا دفع لضرر عظيم مؤكد الحصول لولا عناية الله وحمايته، وتوفير أيضا للأمن والسلامة والاطمئنان بجوار البيت الحرام.
٢ - نعمة الرزق وتوفير الحاجة والكفاية بسبب ارتحالهم إلى اليمن شتاء وإلى الشام صيفا لجلب مختلف أنواع التجارات من الأطعمة والثياب، مع أمنهم من إغارة العرب عليهم؛ لأنهم أهل بيت الله وجبرانه.
стр. 9295
٣ - نعمة الأمن من المخاوف، سواء في داخل مكة حيث جعل الله لهم مكة بلدا آمنا، ويتخطف الناس من حولهم، أو في خارجها عند ما يتنقلون للتجارة والكسب.
والكسب.
٤ - نعمة وجود البيت الحرام أو الكعبة المشرفة محل التعظيم والتقديس من العرب، وأساس مجدهم وعزهم، فإنهم شرّفوا بالبيت على سائر العرب، فذكّرهم الله بهذه النعمة.
والخلاصة: إن نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه لهذه النعمة الظاهرة وهي إيلافهم رحلتين.
روى ابن أبي حاتم عن أسماء بنت يزيد بن السكن أم سلمة الأنصارية، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل لكم قريش: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾».
وروى عنها أيضا: قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ﴾ ويحكم يا معشر قريش، اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع، وآمنكم من خوف».
واستدل الإمام مالك بالسورة على أن الزمان قسمان: شتاء وصيف، ولم يجعل لهما ثالثا، فالشتاء نصف السنة، والصيف نصفها.
واستدل العلماء بهذا أيضا على جواز تصرف الرجل في الزمانين بين محلّين، يكون حالهما في كل زمان أنعم من الآخر، كالجلوس في المجلس البحري في الصيف، وفي القبلي في الشتاء، وفي اتخاذ أدوات التبريد صيفا، ووسائل الدفء شتاء.
شتاء.
стр. 9296
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الماعون
مكيّة، وهي سبع آيات.
مكيتها أو مدنيتها:
هذه السورة مكية في قول الجمهور، مدنية في قول ابن عباس وقتادة، وقال هبة الله المفسر الضرير: نزل نصفها بمكة في العاصي بن وائل، ونصفها بالمدينة في عبد الله بن أبي المنافق.
تسميتها:
سميت سورة الماعون، لأن الله تعالى ذم في نهايتها المدنية الذين يمنعون الماعون: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ [٧] كالساهين عن الصلاة، والمنافقين.
والماعون: ما يستعيره الجار من جاره من أدوات الطبخ، كالقدر والملح والماء، وآلات الحراثة والزرع، كالفأس والدلو، ووسائل الخياطة كالإبرة والخيط ونحو ذلك من كل ما يستعان وينتفع به من المنافع السريعة. وتسمى أيضا سورة الدّين للنعي في مطلعها المكي على الذي يكذب بالدّين، أي الجزاء الأخروي.
مناسبتها لما قبلها:
ترتبط السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة:
١ - ذم الله في السورة السابقة سورة قريش الجاحدين لنعمة الله
стр. 9297
الذين ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ وذم في هذه السورة من لم يحضّ على طعام المسكين.
٢ - أمر الله في السورة المتقدمة بعبادته وحده وتوحيده: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ﴾ وذم في هذه السورة الذين هم عن صلاتهم ساهون، وينهون عن الصلاة.
٣ - عدّد الله تعالى في السورة الأولى نعمه على قريش، وهم مع ذلك ينكرون البعث، ويجحدون الجزاء في الآخرة، وأتبعه هنا بتهديدهم وتخويفهم من عذابه لإنكار الدّين، أي الجزاء الأخروي.
ما اشتملت عليه السورة:
تحدثت هذه السورة المكية في مطلعها عن الكافر، وفي نهايتها المدنية عن المنافق.
أما مطلعها فهو في ذمّ الكافر المكذب بيوم الحساب والجزاء: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ووصفته بصفتين: الأولى-انتهاره وزجره وطرده اليتيم، والثانية-عدم الحض أو الحث على إطعام المسكين، فلم يحسن في عبادة ربه، ولم يفعل الخير لغيره.
وأما خاتمتها فهي في ذم المنافق الذي أظهر الإسلام وأخفى الكفر، ووصفته بصفات ثلاث: الأولى-الغفلة عن الصلاة، والثانية-مراءاته الناس بعمله، والثالثة-منعه الماعون الذي يستعان وينتفع به بين الجيران، فهو لا يعمل لله، بل يرائي في عمله وصلاته.
وتوعدت الفريقين بالخزي والعذاب والهلاك، ولفتت الأنظار إليهم بأسلوب الاستهجان والاستغراب والتعجيب من صنيعهم.
стр. 9298
الكافر المنكر الجزاء الأخروي والمنافق المرائي بعمله
وعقاب كل منهما
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)﴾
الإعراب:
﴿أَرَأَيْتَ﴾ بالهمزة على الأصل، وهو في الأظهر عند ابن الأنباري من رؤية العين، لا من رؤية القلب، فيتعدى إلى مفعول واحد، وليس في الآية إلا مفعول واحد. وقرئ أرأيت بتخفيف الهمزة، بجعلها بين الهمزة والألف؛ لأن حركتها الفتح. وقرئ رأيت بحذف الهمزة الأولى للتخفيف، كما حذف في المضارع، نحو «يرى». وقال أبو حيان: الظاهر أن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ هنا هي التي بمعنى أخبرني، فتتعدى لاثنين، أحدهما ﴿الَّذِي﴾ والآخر محذوف تقديره: أليس مستحقا عذاب الله؟ أو: من هو؟ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿فَوَيْلٌ﴾ مبتدأ: و ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾ خبره. و ﴿الَّذِينَ﴾ صفة الخبر، و ﴿هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ صلته. ولم تحصل الفائدة بالخبر، بل بما وقع صلة الصفة، وهو قوله ﴿ساهُونَ﴾ وهذا يسمى الخبر الموطئ: وهو أن معتمد الفائدة إنما كان بصفة الخبر، لا بالخبر. مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ، تَجْهَلُونَ﴾ [النمل ٥٥/ ٢٧] فإن قوله: ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿قَوْمٌ﴾ خبره، ومعتمد الفائدة على صفة الخبر، لا عليه، لأن قوله:
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ﴾ لم تحصل به الفائدة، للعلم بأنهم قوم، وإنما حصلت الفائدة بقوله: ﴿تَجْهَلُونَ﴾.
البلاغة:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ استفهام يراد به تشويق السامع إلى الخبر والتعجيب منه.
﴿فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ إيجاز بالحذف، حذف منه الشرط، أي إن أردت أن تعرفه فذلك الذي يدعّ اليتيم.
стр. 9299
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ذم وتوبيخ، ووضع الظاهر موضع الضمير، والأصل ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾ زيادة في التقبيح؛ لأنهم مع التكذيب ساهون عن الصلاة.
﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ جناس ناقص.
﴿ساهُونَ﴾ ﴿يُراؤُنَ﴾ ﴿الْماعُونَ﴾: توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات، وكذلك ﴿بِالدِّينِ﴾ ﴿الْمِسْكِينِ﴾ ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿أَرَأَيْتَ﴾ أي هل عرفت وعلمت؟ وهو استفهام معناه التعجب وتشويق السامع إلى معرفة ما يذكر بعده. ﴿بِالدِّينِ﴾ بالجزاء والحساب. والمعنى العام للدين: هو النظام الإلهي للحياة المشتمل على الخضوع لما وراء المحسوس بآثار الكون الدالة على وجود الله ووحدانيته، وبعثة الرسل، والتصديق بعالم الآخرة. ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ أي يدفعه بعنف عن حقه، ويزجره زجرا عنيفا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣/ ٥٢].
﴿وَلا يَحُضُّ﴾ لا يحث نفسه وأهله وغيرهم من الناس. ﴿عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ إطعام.
﴿فَوَيْلٌ﴾ خزي وعذاب وهلاك. ﴿ساهُونَ﴾ غافلون عن الصلاة، يؤخرونها عن وقتها.
﴿يُراؤُنَ﴾ في الصلاة وغيرها، يرون الناس أعمالهم ليروهم الثناء عليها، والرياء: المصانعة وفعل الشيء لغير وجه الله، إرضاء للناس. ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ كل ما يستعان وينتفع به كالإبرة والفأس والقدر والقصعة.
سبب النزول:
نزول الآية (١):
﴿أَرَأَيْتَ﴾ قال ابن عباس: نزلت في العاص بن وائل السّهمي وقال السّدّي: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقيل: في أبي جهل، كان وصيا ليتيم، فجاءه عريانا يسأله من مال نفسه، فدفعه. وقال ابن جريج: نزلت في أبي سفيان، وكان ينحر في كل أسبوع جزورا، فطلب منه يتيم شيئا، فقرعه بعصاه؛ فأنزل الله هذه السورة.
стр. 9300
نزول الآية (٤):
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾: أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ قال: نزلت في المنافقين كانوا يراءون المؤمنين بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ويمنعونهم العاريّة، أي الشيء المستعار.
التفسير والبيان:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي أأبصرت يا محمد الذي يكذب بالحساب والجزاء؟ أو بالمعاد والجزاء والثواب. وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ وإن كان في صورة استفهام، لكن الغرض بمثله المبالغة في التعجب. وهذا مثال آخر لكون الإنسان في خسر.
﴿فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ أي هو الذي يدفع اليتيم عن حقه دفعا شديدا، ويزجره زجرا عنيفا، ويظلمه حقه ولا يحسن إليه، وقد كان عرب الجاهلية لا يورّثون النساء والصبيان.
ولا يحث نفسه ولا أهله ولا غيرهم على إطعام المسكين المحتاج، بخلا بالمال، كما قال تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر ١٧/ ٨٩ - ١٨] أي الفقير الذي لا يملك شيئا، أو لا يجد كفايته.
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ أي فخزي وعذاب للمنافقين الذي يؤدون الصلاة أحيانا تظاهرا، والذين هم غافلون عنها، غير مبالين بها، لا يرجون بصلاتهم ثوابا إن صلوا، ولا يخافون عليها عقابا إن تركوا، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها، وإذا كانوا مع المؤمنين صلوا رياء، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا.
ولم يقل: في صلاتهم ساهون؛ لأن السهو في أثناء الصلاة مغتفر معفو عنه لأنه غير اختياري، وإنما قال: عن صلاتهم ساهون بتأخيرها عن وقتها رأسا، أو فعلها مع قلة مبالاة بها، كقوله: ﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى،
стр. 9301
يُراؤُنَ النّاسَ﴾ [النساء ١٤٢/ ٤]. ويجوز أن يطلق لفظ «المصلين» على تاركي الصلاة، بناء على أنهم من جملة المكلفين بالصلاة.
﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾ أي إن أولئك الساهين عن صلاتهم هم الذين يراءون الناس بصلاتهم إن صلوا، أو يراءون الناس بكل ما عملوا من أعمال البر، ليثنوا عليهم. قال الزمخشري: المراءاة: هي مفاعلة من الإراءة؛ لأن المرائي يري الناس عمله، وهم يرونه الثناء عليه، والإعجاب به.
روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ : «من سمّع الناس بعمله، سمّع الله به سامع خلقه، وحقّره، وصغّره».
﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ أي يمنعون العارية وفعل الخير، و ﴿الْماعُونَ﴾ اسم لكل ما يتعاوره الناس بينهم، من الدّلو والفأس والقدّوم والقدر ومتاع البيت، وما لا يمنع عادة، كالماء والملح، مما ينسب مانعة إلى الخسة ولؤم الطبع وسوء الخلق.
فهؤلاء المنافقون لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه، حتى ولا بإعارة ما ينتفع به ويستعان به، مع بقاء عينه، ورجوعه إليهم، وهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى.
روى النسائي وغيره عن عبد الله بن مسعود قال: كل معروف صدقة، وكنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدّلو والقدر.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - ذم المكذب بالجزاء والحساب في الآخرة، واللفظ عام لا يقتصر على من كان سبب نزول الآية.
стр. 9302
٢ - من صفات المكذب بالجزاء الأخروي وقبائحه: زجر اليتيم وطرده ودفعه عن حقه وظلمه وقهره، وترك الخير وعدم الحث أو عدم الأمر على إطعام الفقير والمسكين، من أجل بخله وتكذيبه بالجزاء. وليس الذم عاما، حتى يتناول من تركه عجزا، ولكنهم كانوا يبخلون مع الغنى، ويعتذرون لأنفسهم.
٣ - الويل، أي العذاب والتهديد العظيم لمن فعل ثلاثة أمور: أحدها- السهو عن الصلاة، وثانيها-فعل المراءاة، وثالثها-منع الماعون.
وقد جمع المنافقون الأوصاف الثلاثة: ترك الصلاة، والرياء، والبخل بالمال.
والسهو عن الصلاة: تركها رأسا، أو فعلها مع قلة المبالاة بها كما تقدم.
أما السهو في الصلاة فهو أمر غير اختياري، فلا يدخل تحت التكليف.
وقد ثبت أنه ﷺ سها في الصلاة، وشرع سجود السهو لمن سها. وكذلك سها الصحابة.
وحقيقة الرياء: طلب ما في الدنيا بالعبادة، وطلب المنزلة في قلوب الناس، وللرياء أنواع، وأولها: تحسين السّمت (الهيئة) مع إرادة الجاه وثناء الناس. وثانيها: لبس الثياب القصار أو الخشنة، ليأخذ بذلك هيبة الزهد في الدنيا. وثالثها: الرياء بالقول بإظهار السخط على أهل الدنيا، وإظهار الوعظ والتأسف على ما يفوته من فعل الخير والطاعة.
ورابعها: إظهار الصلاة والصدقة، أو تحسين الصلاة لأجل رؤية الناس له (١).
стр. 9303
والفرق بين المنافق والمرائي: أن المنافق هو المظهر للإيمان المبطن للكفر، والمرائي: المظهر ما ليس في قلبه من زيادة خشوع ليعتقد فيه من يراه أنه متدين (١).
وقال العلماء: لا بأس بالإراءة إذا كان الغرض الاقتداء، أو نفي التهمة.
واجتناب الرياء صعب إلا على من راض نفسه، وحملها على الإخلاص. ومن هنا
قال رسول الله ﷺ : «الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء، في الليلة المظلمة، على المسح الأسود» (٢) أي البلاس المصنوع من الشعر.
والماعون عند أكثر المفسرين: اسم جامع لما لا يمنع في العادة، ويسأله الفقير والغني في أغلب الأحوال، ولا ينسب سائله إلى لؤم، بل ينسب مانعة إلى اللؤم والبخل، كالفأس والقدر والدّلو والمقدحة والغربال والقدوم، ويدخل فيه الماء والملح والنار، لما روى ابن ماجه عن أبي هريرة: «ثلاثة لا يمنعن: الماء والنار والملح». ومن ذلك أن يلتمس جارك الخبز من تنورك، أو أن يضع متاعه عندك يوما أو نصف يوم (٣). وقيل: منع الماعون: منع زكاة أموالهم.
وبالرغم من أن هذه الأوصاف واضحة في المنافقين، فإن بعضها قد يوجد في المسلم الصادق الإسلام، وحينئذ يلحقه جزء من التوبيخ، كالصلاة إذا تركها، ومنع الماعون إذا تعين، ويكون منعا قبيحا مخلاّ بالمروءة في غير حال الضرورة.
٤ - في الآيتين حول السهو عن الصلاة ومنع الماعون إشارة إلى أن الصلاة لله ، والماعون للخلق أو للناس، فمن ترك الصلاة لم يراع جانب تعظيم أمر الله، ومن منع الماعون لم يراع جانب الشفقة على خلق الله، وهذا كمال الشقاوة، نعوذ بالله منها.
стр. 9304
والخلاصة: وصف الله الكفار والمنافقين في هذه السورة بأربع صفات:
البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع الزكاة والخير.
стр. 9305
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الكوثر
مكيّة، وهي ثلاث آيات.
مكيتها أو مدنيتها:
هذه السورة مكية في المشهور وقول الجمهور، وقال الحسن وعكرمة وقتادة: مدنية، وهو رأي ابن كثير.
تسميتها:
سميت سورة الكوثر لافتتاحها بقول الله تعالى مخاطبا نبيه ﷺ : ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ أي الخير الكثير الدائم في الدنيا والآخرة، ومنه: نهر الكوثر في الجنة.
مناسبتها لما قبلها:
وصف الله الكفار والمنافقين الذين يكذبون بالدين أي بالجزاء الأخروي بأربع صفات: البخل في قوله: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ وترك الصلاة في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾. والرياء أو المراءاة في الصلاة في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾ ومنع الخير والزكاة في قوله:
﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾.
وذكر الله تعالى في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعا للنبي ﷺ ، فذكر أنه أعطاه الكوثر في مقابلة البخل في قوله: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ أي الخير الكثير الدائم، فأعط أنت الكثير ولا تبخل، وأمره بالمواظبة على الصلاة: ﴿فَصَلِّ﴾ أي دم على الصلاة في مقابلة ترك الصلاة، وأمره
стр. 9306
بالإخلاص في الصلاة في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ أي لرضا ربك، لا لمراءاة الناس، في مقابلة المراءاة في الصلاة، وأمره بالتصدق بلحم الأضاحي على الفقراء، في مقابلة منع الماعون (١).
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة المكية الحديث عن مقاصد ثلاثة هي:
١ - بيان فضل الله الكريم وامتنانه على نبيه الرحيم بإعطائه الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومنه نهر الكوثر في الجنة.
٢ - أمر النبي وكذا أمته بالمواظبة على الصلاة، والإخلاص فيها، ونحر الأضاحي شكرا لله تعالى.
٣ - بشارة الرسول ﷺ بنصره على أعدائه، وبخزيهم وإذلالهم وحقارتهم، بسبب انقطاعهم عن كل خير في الدنيا والآخرة.
فضلها:
أخرج الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: «أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة، فرفع رأسه مبتسما، إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله ﷺ : إنه أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾.
﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى ختمها، فقال: أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم، فأقول:
يا رب، إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».
وأخرج مسلم-واللفظ له-وأبو داود والنسائي عن أنس قال: «بينا
стр. 9307
رسول الله ﷺ بين أظهرنا في المسجد، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسما، قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: لقد أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ:
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي ، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم في السماء، فيختلج (١) العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدث بعدك».
سبب نزول السورة:
أخرج البزار وغيره بسند صحيح عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة، فقالت له قريش: أنت سيدهم، ألا ترى هذا المنصبر المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السقاية، وأهل السدانة! قال:
أنتم خير منه، فنزلت: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن عكرمة قال: لما أوحي إلى النبي ﷺ قالت قريش: بتر محمد منا، فنزلت: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السّدّي قال: كانت قريش تقول إذا مات ذكور الرجل: بتر فلان، فلما مات ولد النبي ﷺ ، قال العاصي بن وائل: بتر محمد، فنزلت. وأخرج البيهقي في الدلائل مثله عن محمد بن علي، وسمى الولد:
القاسم، وأخرج عن مجاهد قال: نزلت في العاصي بن وائل، وذلك أنه قال: أنا شانئ محمد.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قالت: نزلت يوم الحديبية، أتاه جبريل، فقال: انحر واركع، فقام، وخطب
стр. 9308
خطبة الفطر والنحر، ثم ركع ركعتين، ثم انصرف إلى البدن، فنحرها. لكن فيه غرابة شديدة كما قال السيوطي.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: بلغني أن إبراهيم ولد النبي ﷺ لما مات، قالت قريش: أصبح محمدا بترا، فغاظه ذلك، فنزلت: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ تعزية له.
والخلاصة: كان سبب نزول هذه السورة هو استضعاف النبي ﷺ ، واستصغار أتباعه، والشماتة بموت أولاده الذكور، ابنه القاسم بمكة، وإبراهيم بالمدينة، والفرح بوقوع شدة أو محنة بالمؤمنين، فنزلت هذه السورة إعلاما بأن الرسول ﷺ قوي منتصر، وأتباعه هم الغالبون، وأن موت أبناء الرسول ﷺ لا يضعف من شأنه، وأن مبغضيه هم المنقطعون الذين لن يبقى لهم ذكر وسمعة، البعيدون عن كل خير.
المنح المعطاة للنبي ﷺ
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾
الإعراب:
﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ ﴿إِنّا﴾ أصله: إننا، فحذفت إحدى النونات استثقالا لاجتماع الأمثال، وذهب الأكثرون إلى أن المحذوفة هي الوسطى.
والكوثر: فوعل من الكثرة، والواو فيه زائدة، وهو نهر في الجنة، وسمي كوثرا لكثرة مائه، ورجل كوثر: كثير العطايا والخير.
﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ﴿هُوَ﴾ إما ضمير فصل لا موضع له من الإعراب، و ﴿الْأَبْتَرُ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، أو مبتدأ، و ﴿الْأَبْتَرُ﴾ خبره، والمبتدأ والخبر: خبر ﴿إِنَّ﴾.
стр. 9309
البلاغة:
﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ﴾ ﴿إِنّا﴾ بصيغة الجمع الدالة على التعظيم. وفيه تصدير الجملة بحرف التأكيد الجاري مجرى القسم؛ لأن أصلها: إن ونحن. وعبر بصيغة الماضي المفيدة للوقوع. ﴿أَعْطَيْناكَ﴾ ولم يقل: سنعطيك، للدلالة على تحقق وقوع الوعد مبالغة، كأنه حدث ووقع.
﴿الْكَوْثَرَ﴾: مبالغة.
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ الإضافة للتكريم والتشريف.
﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ إفادة الحصر.
﴿الْكَوْثَرَ﴾ ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ مطابقة أو طباق؛ لأن ﴿الْكَوْثَرَ﴾ الخير الكثير، و ﴿الْأَبْتَرُ﴾ المنقطع عن كل خير.
المفردات اللغوية:
﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ﴾ يا محمد وقرئ (أنطيناك) ﴿الْكَوْثَرَ﴾ المفرط في كثرة الخير من العلم والعمل وشرف الدارين بالنبوة والقرآن والدين الحق والشفاعة ونحوها، ومنه نهر في الجنة كما
روي عنه ﷺ فيما رواه الإمام أحمد ومسلم ومن معهما في الحديث المتقدم عن أنس: أنه «نهر في الجنة، وعدنيه ربي، فيه خير كثير، أحلى من العسل، وأبيض من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزّبد، حافتاه الزبرجد، وأوانيه من فضة، لا يظمأ من شرب منه» وقيل: حوض في الجنة.
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ أي داوم على الصلاة، خالصا لوجه الله، شكرا لإنعامه، وقيل: المراد صلاة عيد النحر. ﴿وَانْحَرْ﴾ النّسك أو الهدي أو الأضحية، وتصدق على المحاويج (المحتاجين).
﴿شانِئَكَ﴾ مبغضك. ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ المنقطع عن كل خير، أو المنقطع العقب، أي الذي لا عقب له، إذ لا يبقى له نسل، ولا حسن ذكر، وأما أنت فتبقى ذرّيتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة، ولك في الآخرة مالا يوصف.
التفسير والبيان:
﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ أي منحناك الخير الكثير البالغ في الكثرة إلى النهاية أو الغاية، ومنه نهر في الجنة، جعله الله كرامة لرسول الله ﷺ ولأمته.
وهذا رد على الأعداء الذين استخفوا به واستقلوه، ووصف مناقض لما عليه أهل الكفر والنفاق من البخل.
стр. 9310
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك نهر الكوثر، فداوم على صلاتك المفروضة والنافلة، وأدّها خالصة لوجه ربك، وانحر ذبيحتك وأضحيتك وما هو نسك لك وهو الهدي (شاة أو بعير مقدّم للحرم) وغير ذلك من الذبائح لله تعالى وعلى اسم الله وحده لا شريك له، فإنه هو الذي تعهدك بالتربية وأسبغ عليك نعمه دون سواه، كما جاء في آية أخرى آمرا له: ﴿قُلْ: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام ١٦٢/ ٦ - ١٦٣].
وهذا على نقيض فعل المشركين الذين كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، فأمر نبيه ﷺ أن تكون صلاته ونحره له، وهو أيضا نقيض فعل المنافقين المراءين.
وقال قتادة وعطاء وعكرمة: المراد صلاة العيد، ونحر الأضحية.
قال ابن كثير: الصحيح أن المراد بالنحر ذبح المناسك، ولهذا
جاء ففي حديث البراء بن عازب عند البخاري ومسلم: «كان رسول الله ﷺ يصلي العيد، ثم ينحر نسكه، ويقول: من صلّى صلاتنا، ونسك ونسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له» فقام أبو بردة بن نيار، فقال:
يا رسول الله، إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهي فيه اللحم قال: شاتك شاة لحم، قال: فإن عندي عناقا هي أحب إلي من شاتين، أفتجزئ عني؟ قال: تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك».
وقال ابن جرير في تفسير الآية: والصواب قول من قال: إن معنى ذلك:
فاجعل صلاتك كلها لربك، خالصا دون ما سواه، من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك، اجعله له دون الأوثان، شكرا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفاء له، وخصك به.
стр. 9311
﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي إن مبغضك يا محمد، ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع عن خيري الدنيا والآخرة، والذي لا يبقى ذكره بعد موته. وهذا رد على ما قال بعض المشركين وهو العاص بن وائل عن النبي ﷺ لما مات ابنه عبد الله من خديجة: إنه أبتر، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وعامة أهل التفسير.
والأبتر من الرجال: الذي لا ولد له. وعن ابن عباس: نزلت في أبي جهل.
وهذا يعم جميع من اتصف بعداوة النبي ﷺ ممن ذكر في سبب النزول وغيرهم.
قال الحسن البصري ﵀: عنى المشركون بكونه أبتر: أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه، والله بيّن أن خصمه هو الذي يكون كذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت السورة على ما يأتي:
١ - أعطى الله نبيه محمدا ﷺ مناقب كثيرة، وخيرا كثيرا عظيما بالغا حد النهاية، ومنه نهر في الجنة، كما روى البخاري ومسلم وأحمد والترمذي عن أنس.
وروى الترمذي أيضا عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك. وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج» وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وقيل: إنه حوض النبي ﷺ في الموقف، كما جاء في حديث مسلم المتقدم عن أنس.
وهذان القولان هما أصح الأقوال، فيكون الكوثر شاملا نهرا في الجنة، وحوضا ترد عليه أمة النبي ﷺ يوم القيامة.
стр. 9312
٢ - أمر الله تعالى نبيه ﷺ وأمته بأداء الصلوات المفروضة والنوافل خالصة لوجه الله تعالى، دون مشاركة أحد سواه، وأمرهم أيضا بذبح المناسك مما يهدى إلى الحرم والأضاحي وجميع الذبائح لله تعالى، وعلى اسم الله وحده لا شريك له.
٣ - إن مبغضي النبي ﷺ وما جاء به من شرع ربه هم المنقطعون عن خيري الدنيا والآخرة، والذين لا يبقى لهم ذكر مسموع بعد موتهم؛ لأنهم لم يؤمنوا برسالة الحق، ولم يعملوا من أجل الحق والخير المحض لله .
هذا.. وقد ذكر الرازي ﵀ أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور، وكالأصل لما بعدها من السور، وأورد ما شرف الله به نبيه محمدا ﷺ وأمته من الفضائل والمزايا والمناقب في سورة الأضحى والانشراح والتين والعلق والقدر والبينة والزلزال والعاديات والقارعة والتكاثر والعصر والهمزة والفيل وقريش، ثم الكوثر، فليرجع إليه، فإنه كلام رائع (١).
وروي عن علي ﵁ فيما خرّجه الدارقطني في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة. وقد اختلف المالكية في هذه الهيئة، والصحيح كما قال القرطبي أن المصلي يفعل ذلك في الفريضة والنافلة؛ لأنه
ثبت أن رسول الله ﷺ وضع يده اليمنى على اليسرى، من حديث وائل بن حجر وغيره. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق والشافعي وأصحاب الرأي. واستحب جماعة إرسال اليد (٢).
والموضع الذي توضع عليه اليد مختلف فيه،
فروي عن علي بن أبي طالب أنه وضعهما على الصدر. وقال سعيد بن جبير وأحمد بن حنبل: فوق السّرّة، وقال: لا بأس إن كانت تحت السرة.
стр. 9313
وأما رفع اليدين في التكبير عند الافتتاح والركوع والرفع من الركوع والسجود فمختلف فيه أيضا. والصواب ما
في الصحيحين من حديث ابن عمر، قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، وكان يفعل ذلك حين يكبّر للركوع، ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك حين يرفع رأسه من السجود». قال ابن المنذر: وهذا قول الليث بن سعد، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وحكى ابن وهب عن مالك هذا القول، وبه أقول؛ لأنه الثابت عن رسول الله ﷺ . وقالت طائفة: يرفع المصلي يديه حين يفتتح الصلاة، ولا يرفع فيما سوى ذلك. هذا قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي (١).
стр. 9314
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الكافرون
مكيّة، وهي ست آيات.
تسميتها:
سميت سورة الكافرون لأن الله تعالى أمر نبيه محمدا ﷺ بأن يخاطب الكافرين بأنه لا يعبد ما يعبدون من الأصنام والأوثان: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾. وتسمى أيضا سورة المنابذة، وسورة الإخلاص، والمقشقشة.
مناسبتها لما قبلها:
أمر الله نبيه في السورة السابقة بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وفي هذه السورة سورة التوحيد والبراءة من الشرك تصريح باستقلال عبادته عن عبادة الكفار، فهو لا يعبد إلا ربه، ولا يعبد ما يعبدون من الأوثان والأصنام، وبالغ في ذلك فكرّره وأكّده، وانتهى إلى أن له دينه، ولهم دينهم.
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة المكية-سورة البراءة من عمل المشركين والإخلاص في العمل لله تعالى، وضعت الحد الفاصل النهائي بين الإيمان والكفر، وبين أهل الإيمان وعبدة الأوثان، فحينما طلب المشركون المهادنة من رسول الله ﷺ ، وأن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدوا إلهه سنة، نزلت السورة تقطع أطماع الكفار الرخيصة، وتفصل النزاع بين فريقي المؤمنين والكافرين إلى الأبد.
стр. 9315
فضلها:
ثبت في صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قرأ بهذه السورة وب ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ في ركعتي الطواف.
وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في ركعتي الفجر. وروي هذا أيضا عند أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وقدم تقدم في سورة الزلزال في حديث ابن عباس عند الترمذي أنها تعدل ربع القرآن، وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن.
وروى أبو القاسم الطبراني عن جبلة بن حارثة-وهو أخو زيد بن حارثة-: أن النبي ﷺ قال: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾، حتى تمر بآخرها، فإنها براءة من الشرك». وروى الإمام أحمد مثل ذلك عن الحارث بن جبلة. والخلاصة:
ثبت أن رسول الله ﷺ قرأ بهذه السورة، وب ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ في ركعتي الطواف، وفي ركعتي الفجر، والركعتين بعد المغرب، ويوتر بسبح، و ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
سبب نزولها:
أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس: «أن قريشا دعت رسول الله ﷺ إلى أن يعطوه مالا، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، فقالوا: هذا لك يا محمد، وتكفّ عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة، قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي، فأنزل الله:
﴿قُلْ: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ إلى آخر السورة، وأنزل: ﴿قُلْ: أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ [الزمر ٦٤/ ٣٩]».