← Акыда

Акыда · id 22921

إبطال التأويلات - ط إيلاف

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (434 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ سورة الجاثية آية أَيْ: مِنْ أَمْرِهِ، وَتَفْسِيرُ رُوحِ اللَّهِ إِنَّمَا مَعْنَاهَا إِنَّهَا رُوحٌ خَلَقَهَا اللَّهُ، كَمَا يُقَالُ عَبْدُ اللَّهِ وَسَمَاءُ اللَّهِ وَأَرْضُ اللَّهِ

стр. 247

وَأَمَّا قَوْلُهُ: " رَحِمَكَ رَبُّكَ " حِينَ عَطَسَ آدَمُ ﵇، فَإِنَّهُ يُفِيدُ مُخَاطَبَتَهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ وَلا تَرْجُمَانٍ، تَشْرِيفًا لَهُ وَتَعْظِيمًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُكَلَّمِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ " ظَاهِرَةٌ يَقْتِضي رُجُوعًا إِلَى الْمَكَانِ، وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْخِطَابِ وَالْمُسَائَلَةِ، وَلَيْسَ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْمَكَانِ مَا يُحَيِّرُ الصِّفَاتِ. وأما قوله: " اخترت يمين ربي " فقد تقدم الكلام فِيهِ، وقلنا: لا يمتنع إطلاق صفة اليمين عَلَيْهِ كَمَا جاز إطلاق اليدين

стр. 248

حديث آخر ٢٩٤ - ذكره ابن فورك ولم يقع لي طريقه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إن اللَّه يطوي المظالم يوم القيامة فيجعلها تحت قدميه إِلا مَا كان من أجر الأجير، وعقر البهيمة، وفض الخاتم". اعلم أنا قد بينا جواز إطلاق اسم القدم فِي صفته، لا عَلَى وجه الجارحة والبعض والعضو، كَمَا جاز إطلاق اليدين والوجه، وبينا ذلك فيما تقدم، وتكلمنا عَلَى تأويل من تأول القدم عَلَى وجوه، والمراد بهذا الخبر تعريفنا مراتب الأعمال، وأن منها إِلَى العفو عَنْهُ أقرب من غيره، وَهَذَا المتعارف فِي استعمال اللغة فِي الشيء الَّذِي لا تنافس وَلا يطالب به قد جعلته تحت قدمي، إِذَا أراد الإعراض عَنْهُ ٢٩٥ - ومثل هَذَا مَا روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لما فتح مكة قام عَلَى باب الكعبة فَقَالَ: " كل دم كان فِي الجاهلية قد جعلته تحت قدمي " عَلَى مَعْنَى: قد أعرضت عَن

стр. 249

المنافسة فِيهِ، والمطالبة به. فإن قِيلَ: هَذَا تمثيل بالأمر الَّذِي يوطأ بالقدم إِذَا أراد ستره والإعراض عَنْهُ،

стр. 250

قيل: اجعله تحت قدمك تمثيلا. قيل: لا يجب حمله عَلَى ذلك إذ ليس فِي حمله عَلَى ظاهره مَا يحيل صفاته من الوجه الَّذِي بينا

стр. 251

إثبات صفة الكف للرحمن جل شأنه حديث آخر ٢٩٦ - أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " إن اللَّه يقبل الصدقات، وَلا يقبل منها إِلا الطيب فيأخذها بيمينه فيربيها كَمَا يربي أحدكم فلوه أو فصيله "

стр. 252

وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَ: " من تصدق بتمرة من كسب طيب، ثُمَّ وضعها فِي موضعها أخذها اللَّه بيمينه، فلم يزل يربيها كَمَا يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل أو أفضل

стр. 253

" وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " إن اللَّه يقبل الصدقة بيمينه، وَلا يقبل منها إِلا مَا كان طيبا، وإن اللَّه ليربي لأحدكم صدقته كَمَا يربي أحدكم مهرة أو فصيله حتى يوافى بها يوم القيامة وهي أعظم من أحد " ٢٩٧ - وَفِي حديث آخر رَوَاهُ ابن عباس قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " تصدقوا فإن أحدكم يعطي اللقمة أو الشيء فيقع فِي يد اللَّه تَعَالَى قبل أن تقع فِي يدي السائل، ثُمَّ تلى هَذِهِ الآية: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ فيربيها كَمَا يربي أحدكم مهره أو فصيله فيوفيها إياه يوم القيامة "

стр. 254

اعلم أَنَّهُ غير ممتنع حمل الخبر عَلَى ظاهره، إذ ليس فِيهِ مَا يحيل صفاته، وَلا يخرجها عما تستحق، لأنا لا نثبت كفا هُوَ جارحة وَلا بعض، بل نطلق كفا هُوَ صفة كَمَا أطلقنا يدين ووجها وعينا وسمعا وبصرا وذاتا، كذلك لا يمتنع إطلاق ذلك فِي الكف، ويكون فائدة الخبر الترغيب والحث فِي الصدقة، وأنها مما يجب أن يقصد بها الطيب من المال لحصولها فِي كف الرَّحْمَنِ، وأنه لا يقبل منا إِلا الطيب. فإن قِيلَ: مَعْنَى الكف ها هنا: الملك والسلطان، فيكون تقديره يقع فِي ملكه وسلطانه، قَالَ الأخطل: أعاذل إن النفس فِي كف مالك … إِذَا مَا دعا يوما أجابت به الرسلا وكان عمر ﵁ ينشد كثيرا هذين البيتين:

стр. 255

هون عليك فإن الأمور … بكف الإله مقاديرها فليس بآتيك منهيها … وَلا قاصر عنك مأمورها وهذا مستعمل فِي كلامهم: فلان فِي كفي، يريدون بذلك يجري عَلَيْهِ أمري، وربما قِيلَ المراد بالكف: الأثر والنعمة، ومعناه تقع منكم بنعمة من اللَّه وتوفيقه إياكم لفعلها، وَمِنْهُ قول ذي الإصبع: زمان به لله كف كريمة … علينا ونعما لهن بشير أراد بذلك نعمة ظاهرة لله فِيهِ

стр. 256

قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ ليس شيء من الأشياء خارج عَن ملكه وسلطانه ومن نفى ذلك كفر، وكذلك جميع الطاعات تقع بنعمة من اللَّه وتوفيقه، وإذا كان كذلك، فلا فائدة فِي تخصيص الصدقة بالنعمة وغيرها من الطاعات من جملة نعمه، وكذلك لا فائدة فِي تخصيص الصدقة بالملك والسلطان وغيرها فِي ملكه وسلطانه، فوجب حمل الخبر عَلَى ظاهره، وما قاله الشاعر فهو عَلَى طريق المجاز، لأَنَّ الحقيقة فِي هَذِهِ التسمية خلاف ذلك، وَلا يجوز إضافة المجاز إِلَى صفات اللَّه، لأَنَّ المجاز لا حقيقة لَهُ. فإن قِيلَ: كيف يصح حمله عَلَى ظاهره، والصدقة من جملة المحدثات، والمحدثات لا تلاقي القديم!. قيل: كَمَا صح حمل قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عَلَى ظاهره وإن كان آدم من جملة المحدثات، كذلك ها هنا لا يمتنع حمل ذلك عَلَى ظاهره عَلَى وجه لا يقتضي الملاقاة كَمَا قلنا فِي خلق آدم ٢٩٨ - وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَا ناه أَبُو الْقَاسِمِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَزَّازُ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّكَّرِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خُلْدٍ التَّغْلِبِيُّ،

стр. 257

نا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ دَمْعَةٍ تَقَعُ مِنْ عَيْنِ يَتِيمٍ إِلا وَقَعَتْ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ، وَذَلِكَ أَنْ لا يَظْلِمَهُ وَلا يُؤْذِيَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ "

стр. 258

إثبات صفة الأصابع للرحمن سُبْحَانَهُ حديث آخر ٢٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أنس بْن مالك، قَالَ: كان رَسُول اللَّهِ ﷺ يكثر أن يقول: " يَا مقلب القلوب ثبت قلبي عَلَى دينك " قالوا: يَا رَسُول اللَّهِ آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قَالَ: " إن القلوب بين أصبعين من أصابع اللَّه يقلبها " وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " إن القلوب بيد اللَّه يقلبها "

стр. 259

٣٠٠ - وناه بِإِسْنَادِهِ، عَن عائشة قالت: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " مَا من قلب ابن آدم إِلا بين أصبعين من أصابع الرَّحْمَنِ ، فإذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه " ٣٠١ - وَناهُ لَفْظًا بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوِب ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ " قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَتَخَافُ عَلَى قَلْبِكَ وَقَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ بِالْوَحْيِ؟ قَالَ: " إِنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ السَّبَّابَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا - فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُزِيغَ قَلْبَ عَبْدٍ أَزَاغَهُ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُثَبِّتَهُ ثَبَّتَهُ " حَدَّثَنَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الإِجَازَةِ، نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا أَبُو

стр. 260

الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نا ضَمْرَةُ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. ٣٠٢ - وناه بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن عمرو بْن العاص، أَنَّهُ سمع رَسُول اللَّهِ ﷺ يقول: "

стр. 261

إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرَّحْمَنِ كقلب واحد، يصرفه كيف يشاء "، وَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " اللهم مصرف القلوب اصرف قلوبنا إِلَى طاعتك " ٣٠٣ - وَناهُ أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ: أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ، نا مِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، نا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ "، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ؟ فَقَالَ: " إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا هَكَذَا وَهَكَذَا، يُقَلِّبُ أُصْبُعَيْهِ "

стр. 262

٣٠٤ - ونا أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن النواس بْن سمعان الكلابي، أَنَّهُ سمع رَسُول اللَّهِ ﷺ يقول: " مَا من قلب إِلا وَهُوَ بين أصبعين من أصابع رب العالمين جل اسمه، إِذَا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه "، قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يقول: " يَا مقلب القلوب ثبت قلوبنا عَلَى دينك "، قَالَ: " والميزان بيد الرَّحْمَنِ جل اسمه، يرفع أقواما، ويضع آخرين إِلَى يوم القيامة "

стр. 263

اعلم أَنَّهُ غير ممتنع حمل الخبر عَلَى ظاهره فِي إثبات الأصابع والسبابة والتي تليها عَلَى مَا روي فِي حديث جابر، إذ ليس فِي حمله عَلَى ظاهره مَا يحيل صفاته، وَلا يخرجها عما تستحقه، لما بينا فِي الخبر الَّذِي قبله، لأنا لا نثبت أصابعا هِيَ جارحة وَلا أبعاضا، وإنما نطلق ذلك كَمَا أطلقنا تسمية اليدين والوجه والعين وغير ذلك، ويكون المقصود بالخبر الفزع من اللَّه سُبْحَانَهُ والمسارعة إِلَى الطاعات والخوف من سوء المنقلب

стр. 264

فإن قِيلَ: يحتمل أَنْ يَكُونَ المراد بالأصابع الملك والقدرة، ويكون فائدته أن قلوبهم فِي قبضته جارية عَلَى قدرته، وَذَكَرَ النبي ﷺ هَذَا عَلَى طريق المثل، كَمَا يقال: مَا فلان إِلا فِي يدي وخنصري ويريد بذلك أَنَّهُ عَلَيْهِ مسلط، وأنه لا يتعذر عَلَيْهِ مَا يريده مِنْهُ، ويحتمل أن الأصبعين ها هنا بمعنى النعمتين، وقد تقول العرب: لفلان عَلَى فلان أصبع حسن، إِذَا أنعم عَلَيْهِ نعمة حسنة وَمِنْهُ قول الشاعر: ضعيف العصا بادي العروق ترى لَهُ … عَلَيْهِ إِذَا مَا أجدب الناس إصبعا أي: إِذَا مَا وقع الناس فِي الجدب والقحط لَهُ عَلَيْهِ أثر حسن، ويحتمل أَنْ يَكُونَ معناه بين أثرين من آثار اللَّه وفعلين من أفعاله. قيل: هَذَا غلط لوجوه: أحدها: أن حمله عَلَى الملك والقدرة والنعم والآثار، يسقط فائدة التخصيص بالقلب، لأَنَّ جميع الأشياء هَذَا حكمها، وأنها فِي ملكه وبنعمه وبآثاره. الثاني: أن فِي الخبر مَا يسقط هَذَا، وَهُوَ قوله: " بين السبابة والتي تليها وأشار بيده هكذا وهكذا " وَهَذَا يمنع من صحة التأويل. الثالث: أَنَّهُ لو كان المراد به النعمتين، لكان القلب محفوظا بها ولم يحتج إِلَى الدعاء، ولما دعا بالتثبيت، لَمْ يصح حمله عَلَى النعمتين، وَهَذَا الثالث جواب ابن

стр. 265

قتيبة لأَنَّهُ إِذَا كان بين نعمتين كان محفوظا بتلك النعمتين وأما قول الشاعر فهو عَلَى طريق المجاز، فلا يجوز استعماله فِي صفات اللَّه تَعَالَى لأَنَّهُ لا حقيقة للمجاز. وأما قوله: " والميزان بيد الرَّحْمَنِ يرفع أقواما ويضع آخرين " فلا يمتنع إضافة ذلك إِلَيْهِ، كَمَا لَمْ يمتنع إضافة الخلق لآدم بيده، ونظير هَذَا قول النبي ﷺ : " كتب التوراة بيده، وخلق جنة عدن بيده ". وليس لقائل أن يقول: إنا أثبتنا خلق آدم بيده من طريق مقطوع عَلَيْهِ وَهُوَ القرآن، لأَنَّ خبر الواحد إِذَا تلقته الأمة بالقبول صار فِي حكم المقطوع عَلَيْهِ، وليس لهم أن يقولوا إن ذلك قصد به فضيلة آدم، وَهَذَا المعنى معدوم ها هنا، لأَنَّ فِي ذلك تفضيلا لبعض خلقه عَلَى بعض، تشريفا لهم وتكريما، وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. حديث آخر فِي الإصبع ٣٠٥ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّه قَالَ: أتى النبي ﷺ رجل من اليهود

стр. 266

فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِم أبلغك أن اللَّه يحمل السموات عَلَى إصبع، والأرضين عَلَى إصبع، والشجر عَلَى إصبع، والخلائق عَلَى إصبع، ثُمَّ يقول: أنا الملك، قَالَ: فرأيت رَسُول اللَّهِ ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، فأنزل اللَّه : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَ: " إن اللَّه يمسك السموات عَلَى إصبع، والأرضين عَلَى إصبع، والجبال والشجر عَلَى إصبع، والخلائق عَلَى إصبع، ثُمَّ يقول: أنا الملك، فضحك رَسُول اللَّهِ ﷺ حتى بدت نواجذه، ثُمَّ قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إِلَى آخر الآية

стр. 267

وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " قَالَ يَا محمد إِذَا كان يوم القيامة وضع ربك جل اسمه السماء عَلَى هَذِهِ، والأرض عَلَى هَذِهِ، والجبال عَلَى هَذِهِ، والماء والثرى عَلَى هَذِهِ، وسائر الخلق عَلَى هَذِهِ، ثُمَّ هزهن فَقَالَ: أين الملوك؟ لي الملك اليوم، قَالَ: فضحك رَسُول اللَّهِ ﷺ "

стр. 268

وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: رَوَاهُ أَبُو بكر الخلال بِإِسْنَادِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مر يهودي برسول اللَّه ﷺ وَهُوَ جالس قَالَ: كيف تقول يَا أَبَا الْقَاسِم يوم يجعل اللَّه السماء عَلَى ذو وأشار بالسباحة، والأرض عَلَى ذه، والجبال عَلَى ذه، وسائر الخلق عَلَى ذه، وجعل يشير بأصابعه قَالَ: فأنزل اللَّه : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ الآية

стр. 269

اعلم إنه غير ممتنع حمل الخبر عَلَى ظاهره، وأن الإصبع صفة ترجع إِلَى الذات، وأنه تجوز الإشارة فيها بيده ٣٠٦ - نص عَلَيْهِ أحمد فِي رواية أَبِي طالب: سئل أَبُو عبد اللَّه عَن حديث الحبر: " يضع السموات عَلَى إصبع، والأرضين عَلَى إصبع، والجبال عَلَى إصبع " يقول: إِلا شار بيده هكذا، أي يشير، فَقَالَ أَبُو عبد اللَّه: رأيت يَحْيَى يحدث بهذا الحديث ويضع إصبعا إصبعا، ووضع أَبُو عبد اللَّه الإبهام عَلَى إصبعه الرابعة من أسفل إِلَى فوق عَلَى رأس كل إصبع" فقد نص عَلَى ذلك ٣٠٧ - وَذَكَرَ هبة بْن منصور الطبري فِي كتاب السنة، فَقَالَ: سمعت أَبَا محمد

стр. 270

الحسن بْن عثمان بْن جابر، قَالَ: سمعت أَبَا نصر أحمد بْن يعقوب بْن زاذان قَالَ: بلغني أن أحمد بْن حنبل قرأ عَلَيْهِ رجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ثُمَّ أومى بيده، فَقَالَ أحمد: قطعها اللَّه وحرد وقام. وهذا محمول عَلَى أَنَّهُ قصد التشبيه، والموضع الَّذِي أجازه إِذَا لَمْ يقصد ذلك، والوجه فِيهِ: أَنَّهُ ليس فِي حمله عَلَى ذلك مَا يغير صفاته وَلا يخرجها عما تستحقه، لما بينا فِي الحديث الَّذِي قبله وَهُوَ أن إثبات الأصابع كإثبات اليدين والوجه. فإن قِيلَ: المراد به إصبع بعض خلق يخلقه، قالوا: لأَنَّ النبي ﷺ لَمْ يقل فِي الخبر عَلَى إصبعه، بل أطلق ذلك فيحل عَلَيْهِ قيل: هَذَا غلط لوجهين: أحدهما: أن فِي الخبر يسقط ذلك وَهُوَ قوله: " وسائر الخلق عَلَى هَذِهِ " فاقتضى ذلك أَنَّهُ لَمْ يبق مخلوق إِلا وَهُوَ عَلَى الإصبع، فلو كان المراد به إصبع بعض خلقه لخرج بعض الخلق عَن أَنْ يَكُونَ عَلَى الإصبع، وَهَذَا خلاف الخبر. الثاني: أن المفسرين قالوا: إنما يكون ذلك عند فناء خلقه وإماتتهم، فلا يكون لَهُ مجيب غير نفسه ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ فدل بهذا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يبق

стр. 271

هناك خلق يضع السموات عَلَى إصبعه. فإن قِيلَ: ففي الخبر مَا يدل عَلَى القدرة، وَهُوَ قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قيل: معناه مَا عرفوا اللَّه حق معرفته، وإذا كان هَذَا معناه، لَمْ يكن المراد به القدرة، وَهَذَا الحديث ذكره البخاري ومسلم فِي الصحيحين

стр. 272

إثبات صفة القبض والبسط لربنا تَعَالَى حديث آخر ٣٠٨ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن نافع، عَن ابن عمر قَالَ: صعد رَسُول اللَّهِ ﷺ المنبر فتلى هَذِهِ الآية: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " يأخذ اللَّه السموات والأرضين بيده ثُمَّ يقول: أنا الملك، فما زال يقولها حتى رجف به المنبر حتى ظننا ليخر به المنبر من رجفانه "

стр. 273

وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " إن اللَّه إِذَا كان يوم القيامة جمع السموات والأرضين السبع فِي قبضته، ثُمَّ بسطها، ثُمَّ يقول: أنا اللَّه أنا الرَّحْمَنِ أنا الملك أنا القدوس أنا السلام أنا المؤمن أنا المهيمن أنا العزيز أنا الجبار أنا المتكبر، أين الجبابرة ". وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: قَالَ: " يطوي اللَّه تَعَالَى السموات يوم القيامة فيأخذها بيده اليمنى، ثُمَّ يقول: أنا الملك أين الجبارون وأين المتكبرون ثُمَّ يطوي الأرضين ثُمَّ يأخذهن بشماله فيقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ ". وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " يأخذ الجبار تَعَالَى سمواته وأرضه " وجعل رَسُول اللَّهِ ﷺ يقبض يديه ويبسطها ويقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ولفظ الشمال

стр. 274

قد ذكره مسلم فِي صحيحه

стр. 275

٣٠٩ - ونا أَبُو محمد الحسن بْن محمد بِإِسْنَادِهِ، عَن ربيعة الجرشي:" والسموات مطويات بيمينه " قَالَ: والأخرى خلو ليس فيها شيء ". اعلم أَنَّهُ غير مستحيل إضافة " القبض والبسط " إِلَى ذاته سُبْحَانَهُ، كَمَا لَمْ يستحل إضافة خلق آدم بيده إِلَى ذاته، والإستواء عَلَى عرشه، وقد عضد ذلك قوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ فوصف نفسه بذلك. فإن قِيلَ: القبض والبسط راجع إِلَى القدرة والسلطان. قيل: هَذَا غلط لما بينا فيما قبل وأن جميع الأشياء فِي قدرته وسلطانه، فلا مَعْنَى لتخصيص السماء والأرض بذلك، ولأنه قَالَ: " يأخذه بيده اليمنى " وَفِي لفظ آخر: " بشماله " وهذه صفة ذات لا تختص القدرة والسلطان

стр. 276

فإن قِيلَ: يحتمل أَنْ يَكُونَ قوله قبضها بمعنى أفناها، كقول القائل: قبض اللَّه روح فلان إِلَيْهِ، أفناها ثُمَّ بسطها أي ثُمَّ يعيدها عَلَى الوجه الَّذِي يريد. قيل هَذَا غلظ لوجهين: أحدهما: أَنَّهُ قَالَ يقبضها بيده، ولو كان المراد به الفناء لَمْ يعلقه باليد، لأَنَّ فناء الأشياء لا يختص باليد ٣١٠ - الثاني: أن أَبَا محمد الحسن بْن محمد الخلال رَوَى فيما خرجه من أخبار الصفات بِإِسْنَادِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " يطوي اللَّه السموات السبع بما فيها من الخليقة، والأرضين السبع بما فيها من الخليقة بيمينه، فلا يرى من عند الإبهام شيئا، وَلا من الخنصر شيئا، ويكون ذلك فِي كفه بمنزلة الخردلة ". وهذا يمنع تأويلهم بالفناء لأَنَّهُ أخبر أنها باقية فِي كفه فإن قِيلَ: قوله: " بيمينه " أي بقسمه كأنه أقسم بها

стр. 277

قيل: هَذَا غلط لأنا لا نعلم أَنَّهُ أقسم بها ولو كان لنقل، ولأنه ليس ها هنا حرف القسم. فإن قِيلَ: فالذي يدل عَلَى أن المراد بالقبض الفناء قوله: " أنا الملك وأين الملوك " فيقول هُوَ: " اللَّه الواحد القهار " قَالَ المفسرون: إنما يكون ذلك عند فناء خلقه وإماتتهم، فلا يكون لَهُ مجيب غير نفسه " لله الواحد القهار ". قيل: ليس فِي ذلك مَا يمنع قبضها بيده لأَنَّهُ يحتمل أن يقبضها بيمينه، ثُمَّ يفنيها ٣١١ - وقد حمل أَبُو بكر عبد العزيز قوله تَعَالَى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ عَلَى ظاهره وأن ذلك راجع إِلَى ذاته، ذكر ذلك فِي كتاب التفسير فِي الكلام عَلَى قوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فَقَالَ: قد قَالَ بعض أهل العربية فِي قوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ يقول: فِي قدرته واستشهد عَلَى ذلك بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وليس المراد بالملك اليمين دون سائر الجسد، ولأنك تقول: هَذَا الشيء فِي قبضتك، أي فِي قدرتك، ثُمَّ أجاب عَن ذلك بأن قَالَ: مَا روي عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ وعن الصحابة والتابعين يشهد عَلَى بطلان هَذَا القول، وَهُوَ يؤل إِلَى قول جهم وذلك قوله تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. وقول النبي ﷺ : " فوضع يده بين كتفي ". وقال ﷺ : " فأقوم عَن يمين ربي مقاما لا يقومه غيري "

стр. 278

فقد احتج عَلَيْهِ بهذه الأشياء لإثبات اليمين والقبض بها ٣١٢ - ثُمَّ ذكر حديثا بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي أيوب الأنصاري قَالَ: أتى النبي ﷺ حبر من اليهود فَقَالَ: أرأيت إذ يقول اللَّه فِي كتابه: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ فَقَالَ: " هم فيها كرقم الكتاب "

стр. 279

حديث آخر ٣١٣ - ناه أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَالَ: " وَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ طَرَفِ أُنْمُلَةِ خِنْصِرِهِ فَسَاخَ الْجَبَلُ " قَالَ حُمَيْدٌ لِثَابِتٍ: تَقُولُ هَذَا فَرَفَعَ ثَابِتٌ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَ حُمَيْدٍ، وَقَالَ: يَقُولُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَقُولُهُ أَنَسٌ وَأَنَا أَكْتُمُهُ. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: قَالَ: فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ الإِبْهَامَ عَلَى الْمَفْصِلِ مِنَ الْخِنْصِرِ فَسَاخَ الْجَبَلُ ٣١٤ - ونا أَبُو الْقَاسِمِ، عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّكُونِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى الْمُقْرِئُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قَالَ: " هَكَذَا " يَعْنِي أَنَّهُ أَخْرَجَ طَرَفَ الْخِنْصِرِ، قَالَ أَبِي: أَرَانَاهُ مُعَاذٌ، فَقَالَ حُمَيْدٌ: مَا تُرِيدُ فِي هَذَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرَهُ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا حُمَيْدُ وَمَا أَنْتَ يَا حُمَيْدُ، يُحَدِّثُنِي بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ،

стр. 280

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ أَنْتَ مَا تُرِيدُ ٣١٥ - وَأنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْمَعْمَرِيُّ مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ رميس، قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ إِشْكَابٍ، قَالَ: نا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قَالَ: " أَخْرَجَ أَوَّلَ مَفْصِلٍ مِنْ إِصْبُعِهِ الْخِنْصِرِ " قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِشْكَابٍ: وَرَأَيْتُ مُعَاذَ بْنَ مُعَاذٍ أَخْرَجَ أَوَّلَ مَفْصِلٍ مِنْ إِصْبُعِهِ الْخِنْصِرِ ٣١٦ - وذكره أَبُو الحسين بْن السوسنجردي فِي حديثه بِإِسْنَادِهِ، عَن أنس قَالَ: قرأ رَسُول اللَّهِ ﷺ : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَالَ: " وضع إبهامه عَلَى قريب أنملة خنصره " وفعل حماد هكذا وأرانا طرف الخنصر، ووضع موضع المفصل فساخ الجبل. اعلم أن الكلام فِي هَذَا الخبر فِي فصلين: أحدهما إثبات التجلي، والثاني فِي

стр. 281

الخنصر. فأما التجلي فهو راجع إِلَى الذات وذلك غير ممتنع، كَمَا لَمْ يمتنع أن يتجلى للمؤمنين يوم القيامة جهرة وعيانا، وكذلك لا يمتنع أن يتجلى للجبل جهرة وعيانا، وَهُوَ أن خلق فِي الجبل رؤية حتى رأى ربه بأن أحياه وجعله عالما رائيا، ثُمَّ دكه بعد الرؤية، وجعله قطعا علامة لموسى فِي أَنَّهُ لا يراه فِي الدنيا ٣١٧ - وقد نا أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " لما تجلى اللَّه جل اسمه للجبل طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، فوقع بالمدينة أحد وورقان ورضوى، ووقع بمكة ثبير وحراء وثور". فإن قِيلَ: يحمل التجلي عَلَى إظهار الفعل والتدبير. قيل: إن جاز تأويل الخبر عَلَى هَذَا جاز تأويل قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ عَلَى مجيء بعض ملائكته وكلامه لموسى دون اللَّه، وكذلك قوله: " ترون ربكم " عَلَى رؤية أفعاله، وَهَذَا لا يصح، كذلك ها هنا، وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ كَمَا حملته المعتزله عَلَى ظاهره فِي الذات دون الأفعال. ويحتمل أَنْ يَكُونَ ظهور سبحاته أوجب دكه من غير أن يخلق فِيهِ إدراكا، كَمَا أن النار إِذَا لاقت الجبل أوجب تقطيعه وإن لَمْ يحصل فِيهِ إدراك، كَمَا قَالَ: " حجابه النور لو كشفها عَن وجهه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره "

стр. 282

الفصل الثاني: فِي الخنصر: وَهُوَ عَلَى ظاهره، إذ ليس فِي حمله عَلَى ذلك مَا يحيل صفاته، وأن الخنصر كالإصبع، والإصبع كاليد، وقد جاز إطلاق اليدين، كذلك ها هنا يجب أن يجوز لا عَلَى وجه التبعيض والعضو. فإن قِيلَ: هَذَا الحديث ضعيف، ذكره حماد، عَن ثابت، ولم يروه غيره عَنْهُ من أصحابه، وَقَالَ بعضهم: إن حمادا كانت لَهُ خرجة إِلَى عبادان، وإن ابن أَبِي العوجاء الزنديق أدخل عَلَى أصوله ألفاظا وأحاديثا احتملها فِي آخر عمره، فرواها بغفلة ظهرت فِيهِ. قيل: هَذَا حديث صحيح رَوَاهُ الأثبات منهم: أحمد وَهُوَ المعول عَلَيْهِ فِي الجرح والتعديل، وحماد بْن سلمة ممن أثنى عَلَيْهِ أحمد، وأخرج عَنْهُ البخاري حديثا مسندا فِي الصحيح، ويجب أن لا يلتفت إِلَى مثل هَذَا الكلام لأَنَّ القائل لَهُ يقصد بذلك رد أحاديث الصفات، وقد قَالَ الأئمة من العلماء: إن أثبت الناس فِي ثابت البناني حماد بْن سلمة

стр. 283

فإن قِيلَ: المراد بالخنصر الشيء اليسير من آياته فذكر الخنصر وضرب المثل به، لا أَنَّهُ جعل لَهُ خنصر. قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ لو كان المراد ذلك لَمْ ينكره حميد، وَلا أنكره عَلَيْهِ ثابت، وَلا أحتج عَلَيْهِ بأن النبي ﷺ قاله، لأَنَّ آيات اللَّه لا تنكر، فثبت أن المراد بذلك صفة ذات. وجواب آخر: وَهُوَ أَنَّهُ إن جاز حمل الخنصر عَلَى الشيء اليسير من آياته، جاز حمل التجلي للجبل عَلَى إظهار بعض آياته للجبل حتى جعله دكا، وكذلك جاز حمل قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ عَلَى أَنَّهُ أمر بعض ملائكته بكلامه لا أَنَّهُ كلمه بنفسه، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات عَلَى أَنَّهُ تجلى بذاته للجبل، وكلم مُوسَى بنفسه، كذلك ها هنا يجب أن يحمل الخنصر عَلَى أنها صفة لذاته، كَمَا وجب حمل اليد الَّتِي خلق بها آدم

стр. 284

إثبات السمع والبصر لله تَعَالَى حديث آخر ٣١٨ - رَوَاهُ أَبُو محمد الحسن بْن محمد الخلال فيما خرجه من أخبار الصفات بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة: " أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فوضع إصبعه الدعاء وإبهامه عَلَى عينه وإذنه ". وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " فوضع إبهامه عَلَى أذنه والأخرى عَلَى عينه " قَالَ أَبُو محمد: هَذَا حديث إسناده شرط مسلم يلزمه إخراجه فِي الصحيح، وَهُوَ حديث ليس فِيهِ علة

стр. 285

اعلم أَنَّهُ ليس المراد بالإشارة إِلَى العضو والجارحة الَّتِي لا مدح فِي إثباتها، لأَنَّ القديم سُبْحَانَهُ يستحيل عَلَيْهِ ذلك، وإنما المراد بذلك تحقيق السمع والبصر الَّذِي فِي إثبات المقصود أن اللَّه يرى المرئيات برؤيته، ويسمع المسموعات بسمعه، فأشار إِلَى الأذن والعين تحقيقا للسمع والبصر لأجل أنهما محل للسمع والبصر، وقد يسمى محل الشيء باسمه لما بينهما من المجاورة والقرب. ولأن هَذَا الخبر أفاد أن وصفه بأنه سميع بصير لا عَلَى مَعْنَى وصفه بأنه " عليم " كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض أهل النظر ولم يثبتوا لله فِي وصفنا لَهُ بأنه " سميع " مَعْنَى خاصا، وفائدة زائدة عَلَى وصفنا لَهُ بأنه عليم، فأفاد بذلك تحقيق مَعْنَى السمع والبصر، وأنه مَعْنَى زائد عَلَى العلم، إذ لو كان مَعْنَى ذلك العلم لكان يشير إِلَى القلب الَّذِي هُوَ محل العلم، لينبه بذلك عَلَى معناه، فلما أشار إِلَى العين والأذن - وهما محلان للسمع والبصر - حقق الفرق بين السمع والبصر وبين العلم ٣١٩ - وَفِي مَعْنَى هَذَا مَا رَوَى أَبُو عبد اللَّه بْن بطة بِإِسْنَادِهِ، عَن أنس بْن مالك، أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إن الدجال أعور، وإن ربكم ليس بأعور "
следующие страницы →