Полный текст (434 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الخنصر.
فأما التجلي فهو راجع إِلَى الذات وذلك غير ممتنع، كَمَا لَمْ يمتنع أن يتجلى للمؤمنين يوم القيامة جهرة وعيانا، وكذلك لا يمتنع أن يتجلى للجبل جهرة وعيانا، وَهُوَ أن خلق فِي الجبل رؤية حتى رأى ربه بأن أحياه وجعله عالما رائيا، ثُمَّ دكه بعد الرؤية، وجعله قطعا علامة لموسى فِي أَنَّهُ لا يراه فِي الدنيا
٣١٧ - وقد نا أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " لما تجلى اللَّه جل اسمه للجبل طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، فوقع بالمدينة أحد وورقان ورضوى، ووقع بمكة ثبير وحراء وثور".
فإن قِيلَ: يحمل التجلي عَلَى إظهار الفعل والتدبير.
قيل: إن جاز تأويل الخبر عَلَى هَذَا جاز تأويل قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ عَلَى مجيء بعض ملائكته وكلامه لموسى دون اللَّه، وكذلك قوله: " ترون ربكم " عَلَى رؤية أفعاله، وَهَذَا لا يصح، كذلك ها هنا، وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ كَمَا حملته المعتزله عَلَى ظاهره فِي الذات دون الأفعال.
ويحتمل أَنْ يَكُونَ ظهور سبحاته أوجب دكه من غير أن يخلق فِيهِ إدراكا، كَمَا أن النار إِذَا لاقت الجبل أوجب تقطيعه وإن لَمْ يحصل فِيهِ إدراك، كَمَا قَالَ: " حجابه النور لو كشفها عَن وجهه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره "
стр. 282
الفصل الثاني: فِي الخنصر: وَهُوَ عَلَى ظاهره، إذ ليس فِي حمله عَلَى ذلك مَا يحيل صفاته، وأن الخنصر كالإصبع، والإصبع كاليد، وقد جاز إطلاق اليدين، كذلك ها هنا يجب أن يجوز لا عَلَى وجه التبعيض والعضو.
فإن قِيلَ: هَذَا الحديث ضعيف، ذكره حماد، عَن ثابت، ولم يروه غيره عَنْهُ من أصحابه، وَقَالَ بعضهم: إن حمادا كانت لَهُ خرجة إِلَى عبادان، وإن ابن أَبِي العوجاء الزنديق أدخل عَلَى أصوله ألفاظا وأحاديثا احتملها فِي آخر عمره، فرواها بغفلة ظهرت فِيهِ.
قيل: هَذَا حديث صحيح رَوَاهُ الأثبات منهم: أحمد وَهُوَ المعول عَلَيْهِ فِي الجرح والتعديل، وحماد بْن سلمة ممن أثنى عَلَيْهِ أحمد، وأخرج عَنْهُ البخاري حديثا مسندا فِي الصحيح، ويجب أن لا يلتفت إِلَى مثل هَذَا الكلام لأَنَّ القائل لَهُ يقصد بذلك رد أحاديث الصفات، وقد قَالَ الأئمة من العلماء: إن أثبت الناس فِي ثابت البناني حماد بْن سلمة
стр. 283
فإن قِيلَ: المراد بالخنصر الشيء اليسير من آياته فذكر الخنصر وضرب المثل به، لا أَنَّهُ جعل لَهُ خنصر.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ لو كان المراد ذلك لَمْ ينكره حميد، وَلا أنكره عَلَيْهِ ثابت، وَلا أحتج عَلَيْهِ بأن النبي ﷺ قاله، لأَنَّ آيات اللَّه لا تنكر، فثبت أن المراد بذلك صفة ذات.
وجواب آخر: وَهُوَ أَنَّهُ إن جاز حمل الخنصر عَلَى الشيء اليسير من آياته، جاز حمل التجلي للجبل عَلَى إظهار بعض آياته للجبل حتى جعله دكا، وكذلك جاز حمل قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ عَلَى أَنَّهُ أمر بعض ملائكته بكلامه لا أَنَّهُ كلمه بنفسه، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات عَلَى أَنَّهُ تجلى بذاته للجبل، وكلم مُوسَى بنفسه، كذلك ها هنا يجب أن يحمل الخنصر عَلَى أنها صفة لذاته، كَمَا وجب حمل اليد الَّتِي خلق بها آدم
стр. 284
إثبات السمع والبصر لله تَعَالَى
حديث آخر
٣١٨ - رَوَاهُ أَبُو محمد الحسن بْن محمد الخلال فيما خرجه من أخبار الصفات بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة: " أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فوضع إصبعه الدعاء وإبهامه عَلَى عينه وإذنه ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " فوضع إبهامه عَلَى أذنه والأخرى عَلَى عينه " قَالَ أَبُو محمد: هَذَا حديث إسناده شرط مسلم يلزمه إخراجه فِي الصحيح، وَهُوَ حديث ليس فِيهِ علة
стр. 285
اعلم أَنَّهُ ليس المراد بالإشارة إِلَى العضو والجارحة الَّتِي لا مدح فِي إثباتها، لأَنَّ القديم سُبْحَانَهُ يستحيل عَلَيْهِ ذلك، وإنما المراد بذلك تحقيق السمع والبصر الَّذِي فِي إثبات المقصود أن اللَّه يرى المرئيات برؤيته، ويسمع المسموعات بسمعه، فأشار إِلَى الأذن والعين تحقيقا للسمع والبصر لأجل أنهما محل للسمع والبصر، وقد يسمى محل الشيء باسمه لما بينهما من المجاورة والقرب.
ولأن هَذَا الخبر أفاد أن وصفه بأنه سميع بصير لا عَلَى مَعْنَى وصفه بأنه " عليم " كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض أهل النظر ولم يثبتوا لله فِي وصفنا لَهُ بأنه " سميع " مَعْنَى خاصا، وفائدة زائدة عَلَى وصفنا لَهُ بأنه عليم، فأفاد بذلك تحقيق مَعْنَى السمع والبصر، وأنه مَعْنَى زائد عَلَى العلم، إذ لو كان مَعْنَى ذلك العلم لكان يشير إِلَى القلب الَّذِي هُوَ محل العلم، لينبه بذلك عَلَى معناه، فلما أشار إِلَى العين والأذن - وهما محلان للسمع والبصر - حقق الفرق بين السمع والبصر وبين العلم
٣١٩ - وَفِي مَعْنَى هَذَا مَا رَوَى أَبُو عبد اللَّه بْن بطة بِإِسْنَادِهِ، عَن أنس بْن مالك، أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إن الدجال أعور، وإن ربكم ليس بأعور "
стр. 286
ومعناه تحقيق وصف اللَّه تَعَالَى بأنه بصير، وأنه لا يصح عَلَيْهِ النقص والعمى، ولم يرد بذلك إثبات الجارحة إذ لا مدح فِي إثباتها، لأَنَّ إثباتها يؤدي إِلَى القول بحديثه
٣٢٠ - وَفِي مَعْنَى ذلك مَا رَوَى أَبُو مُوسَى قَالَ: كنا مع رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا أيها الناس إنكم لا تدعون أصما وَلا غائبا إنكم تدعون سميعا بصيرا ".
فنفى النقص عَنْهُ، وأثبت السمع والبصر
٣٢١ - وكذلك قول عائشة: " تبارك الَّذِي وسع سمعه كل شيء " وهذا الخبر دلالة عَلَى جواز الإشارة إِلَى صفات نفسه عند ذكر صفات اللَّه تَعَالَى، لا عَلَى طريق التشبيه ونظيره حديث الحبر وقوله: " يَا أَبَا الْقَاسِم يوم يجعل السماء عَلَى ذه، وأشار بالسباحة، والأرضين عَلَى ذه "
стр. 287
حديث آخر
٣٢٢ - أخرجه أَبُو القسم عبد العزيز قَالَ: علي بْن إبراهيم الموصلي، نا أَبُو مزاحم مُوسَى بْن عبيد المقري، نا عبد اللَّه بْن أحمد بْن حنبل قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أَبُو المغيره الخولاني، قَالَ: نا الأوزاعي نا قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي كثير، عَن عكرمة، قَالَ: " إن اللَّه إِذَا أراد أن يخوف عباده أبدى عَن بعضه إِلَى الأرض، فعند ذلك تزلزل، وإذا أراد أن يدمر عَلَى قوم تجلى لَهَا "
стр. 288
ورواه ابن فورك، عَن يَحْيَى بْن أَبِي كثير، عَن عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " إن اللَّه ﵎ إِذَا أراد أن يخوف أهل الأرض أبدى عَن بعضه، وإذا أراد أن يدمر عليهم تجلى لَهَا ".
أما قوله: " أبدى عَن بعضه " فهو عَلَى ظاهره، وأنه راجع إِلَى الذات إذ ليس فِي حمله عَلَى ظاهره مَا يحيل صفاته، وَلا يخرجها عما تستحق.
فإن قِيلَ: بل فِي حمله عَلَى ظاهره مَا يحيل صفاته، لأَنَّهُ يستحيل وصفه بالكل والبعض والجزء، فوجب حمله عَلَى إباء بعض آياته وعلاماته تحذيرا ونذيرا.
قيل: لا يمتنع إطلاق هَذِهِ الصفة عَلَى وجه لا يفضي إِلَى التجزئة والتبعيض، كَمَا أطلقنا تسمية يد ووجه، لا عَلَى وجه التجزئة والبعض، وإن كنا نعلم أن اليد فِي الشاهد بعض من الجملة.
وجواب آخر: وَهُوَ أَنَّهُ لو جاز أن يحمل قوله: " أبدى عَن بعضه " عَلَى بعض آياته لوجب أن يحمل قوله: " وإذا أراد يدمر
تجلى لَهَا " عَلَى جميع آياته، ومعلوم أَنَّهُ لَمْ يدمر قرية بجميع آياته، لأَنَّهُ قد أهلك بلادا، كل بلد بغير مَا أهلك به الآخر.
وأما قوله: " تجلى لَهَا " فهو راجع إِلَى تجلي الذات، كَمَا حملنا التجلي للجبل أَنَّهُ تجلى ذات حين تقطع الجبل، كذلك ها هنا.
فإن قِيلَ: يحمل قوله " تجلى لَهَا " معناه آياته وأفعاله، لأَنَّ مَعْنَى التجلي هُوَ: الظهور، ولهذا يقال: جلوت السيف وجلوت العروس، إِذَا أظهرتها وأبرزتها، وَمِنْهُ قول القائل:
تجلى لنا بالمشرفية والقنا
стр. 289
يعني: بالسيوف والرماح.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ إن جاز تأويل الخبر عَلَى إظهار آياته، جاز تأويل تجليه للجبل عَلَى ظهور آياته، ولما حملوا ذلك عَلَى ظاهره، لَمْ يمتنع أَيْضًا حمل هَذَا التجلي عَلَى ظاهره، إذ ليس فِي إضافة التجلي إِلَيْهِ مَا يحيل صفاته وَلا يخرجها عما تستحقه، لأنا نطلق ذلك من غير انتقال، وَلا فراغ مكان وشغل مكان آخر، وكذلك قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ محمول عَلَى ظاهره فِي رؤية الذات لا الأفعال
стр. 290
حديث آخر
٣٢٣ - ناه أَبُو الْقَاسِم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي الأحوص الجشمي، أَنَّهُ قَالَ: " رآني رَسُول اللَّهِ ﷺ وعلي أطمار فَقَالَ: " هل لك من مال؟ " قَالَ: قلت: نعم، قَالَ: " من أي المال؟ " قَالَ: قلت: قد آتاني اللَّه من الشاء والإبل، قَالَ: " فلتر نعمة اللَّه وكرامته عليك " قَالَ النبي ﷺ : " هل تنتج إبلك وافية أذانها؟ " قَالَ: وهل تنتج إِلا كذلك ولم يكن أسلم يومئذ، قَالَ: " فلعلك تأخذ موساك فتقطع أذن بعضها، وتقول: هَذِهِ بحر، وتشق أذن الأخرى فتقول: هَذِهِ صرم " قَالَ: نعم، قَالَ: " فلا تفعل فإن كل مَا آتاك اللَّه حل، وإن مُوسَى اللَّه أحد، وساعد اللَّه أشد "
стр. 291
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " مُوسَى اللَّه أحد من موساك، وساعد اللَّه أشد من ساعدك ".
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع حمل الخبر عَلَى ظاهره فِي إثبات " الساعد " صفة لذاته، كَمَا حملنا قوله تَعَالَى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عَلَى ظاهره، وأنها صفة ذات إذ ليس فِي ذلك مَا يحيل صفاته، لأنا لا نحمله عَلَى ساعد هُوَ جارحة، بل صفة ذات لا نعقلها، كَمَا أثبتنا ذاتا لا كالذوات.
فإن قِيلَ: المراد بالساعد ها هنا: القوة، فعبر عنها بالساعد لأَنَّهُ محل للقوة، وقد يعبر عَن الشيء بمحله كَمَا سمت العرب البصر: عينا، والسمع: أذنا، كذلك تسمى القدرة ساعدا، وَمِنْهُ يقال: جمعت هَذَا المال بقوة ساعدي، ويراد به بالتدبير والقوة دون المباشرة بالساعد
стр. 292
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ يوجب حمل قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ معناه بالقدرة.
فإن قِيلَ: إنما لَمْ نحمل اليد عَلَى القدرة لأَنَّ فِي ذلك إبطال فضيلة آدم عَلَى إبليس، لأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على طريق التفضيل، وليس فِي حمل هَذَا الخبر عَلَى القدرة إبطال فائدة.
قيل: مَا كان يمتنع أن تحملون اليد عَلَى القدرة، وإن أفضى إِلَى إبطال فضيلة آدم كَمَا حملتم قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ معناه: لذاتي، وتأولتم النفس ها هنا عَلَى الذات، وإن أفضى ذلك إِلَى إبطال فائدة تخصيص مُوسَى بذلك، لأَنَّ جميع الأنبياء اصطنعهم لذاته، ولما لَمْ يجز تأويل اليد عَلَى القدرة كذلك ها هنا.
وجواب آخر: هُوَ أَنَّهُ لو استحال إضافة اليد إِلَيْهِ، لَمْ يجز إضافتها إِلَيْهِ، وإن أفضى إِلَى إبطال فضيلة آدم، أَلا ترى إِلَى قوله تَعَالَى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ لما لَمْ يجز حمل ذلك عَلَى الذات، حمل عَلَى الأمر وإن أفضى إِلَى إسقاط تخصيص عِيسَى، لأَنَّ غير عِيسَى مخلوق بالأمر، فعلم أن إضافة اليد إِلَيْهِ لا للمعنى الَّذِي ذكروه وإنما ذلك لورود الشرع به، وَهَذَا المعنى موجود فِي غيره.
وأما قوله: " وموساه أحد من موساك " فقد قِيلَ فِيهِ: إن هَذَا خرج عَلَى طريق التمثيل، لأَنَّ الموسى لما كان آلة للقطع، وكان المراد بالخبر أن قطعه أسرع من قطعك، عبر عَن القطع بالموسى اعتبارا بعادة العرب، وأنها تسمي الشيء باسم مَا يجاوره ويقاربه.
ولا بأس بذلك لأَنَّ اللَّه تَعَالَى يجوز فِي صفته ضرب المثل، قَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ
стр. 293
اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ وَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾.
وإنما لَمْ يجب حمل الموسى عَلَى أَنَّهُ صفة للذات كالساعد لأَنَّ الموسى آلة، والآلات لا تكون صفاتا للذات، وليس كذلك الساعد، لأَنَّهُ قد يكون من صفات الذات بدليل كونه صفة للذات فِي الشاهد، فإذا ورد الشرع بإضافته، لَمْ يمتنع حمله عَلَى ظاهره، كَمَا لَمْ يمتنع حمل اليد والوجه عَلَى ظاهره
стр. 294
إثبات صفة العينين لربنا جل شأنه
حديث آخر
٣٢٤ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " إن العبد إِذَا قام فِي الصلاة فإنه بين عيني الرَّحْمَنِ جل اسمه، فإذا التفت قَالَ لَهُ الرب جل اسمه: يَا ابن آدم إِلَى من تلتفت؟ إِلَى خير لك مني أقبل إلي أنا خير لك ممن تلتفت إِلَيْهِ "
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع حمل الخبر عَلَى ظاهره فِي إثبات عينين هما صفتان زائدتان عَلَى البصر والرؤية، ليستا بجارحتين، والوجه فِي ذلك أن اللَّه تَعَالَى وصف نفسه بذلك بقوله تَعَالَى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ وَقَالَ: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
وقول النبي ﷺ : " الدجال أعور وإن ربكم ليس بأعور "
стр. 295
٣٢٦ - وروي: " أن ملكا كان فِي بني إسرائيل ففرشت لَهُ النساء فجعل يمشي عَلَى صدورهن، فبينما هُوَ عَلَى صدر امرأة منهن إذ رفعت رأسها إِلَى السماء فقالت: اللهم إن هَذَا بعينك، فَقَالَ اللَّه تَعَالَى: علي تمرد يَا أرض خذيه، قَالَ: فخسفت به الأرض والناس ينظرون "
٣٢٧ - وَرَوَى عبد اللَّه فِي كتاب السنة بِإِسْنَادِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ قَالَ: بعين اللَّه عَزَّ وَجَلَّ
стр. 296
فإن قِيلَ: قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أي: بمرأى مني وبمشهد مني، وقيل فِيهِ: بحفظي وكلائتي، وكذلك قوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بحفظنا وكلائتنا.
وقيل: بمرآى ومشاهدة منا، وكذلك قوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ وكذلك قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾.
وقيل: المراد به أعين الماء الَّتِي أخرجها من الأرض، وكذلك قول النبي ﷺ فِي المصلي: " بين عيني الرَّحْمَنِ " أي: بحفظه وكلائته، ومعناه: أن اللَّه حافظ للمصلي، أَلا ترى أَنَّهُ قَالَ: أنا خير لك ممن تلتفت إِلَيْهِ.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّ اللَّه تَعَالَى كان رائيا لَهُ ومشاهدا لَهُ قبل جريان الفلك، وقبل طرحه فِي اليم، وكذلك كان حافظا وكالئا قبل وجود الجريان وطرحه فِي اليم بقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ فتبين أن كلائته لنا بالليل والنهار
стр. 297
حديث آخر
٣٢٨ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن ابن عمر، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رأى نخامة فِي قبلة المسجد وَهُوَ يصلي، فلما أنصرف أخذ عودا فأتاها فحكها، ثُمَّ قَالَ: " يَا أيها الناس إن أحدكم إِذَا كان فِي صلاته فإنه يواجه ربه جل اسمه، فلا يتنخمن أحد فِي قبلته وَلا عَن يمينه "
٣٢٩ - وَفِي لفظ آخر: رَوَاهُ أنس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إن العبد إِذَا قام يصلي فإنما يناجي ربه جل اسمه فيما بينه وبين القبلة "
٣٣٠ - وَفِي لفظ آخر: رَوَاهُ ابن عمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " إن أحدكم إِذَا صلى فإن اللَّه قبل وجهه ".
وفي لفظ أخر: " إن اللَّه قبل وجه أحدكم إِذَا كان فِي الصلاة "
стр. 298
٣٣١ - وَفِي حديث آخر: رَوَاهُ أَبُو ذر قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " لا يزال اللَّه جل اسمه مقبلا عَلَى العبد مَا لَمْ يلتفت، فإذا التفت انصرف عَنْهُ ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَ: " إِذَا لينصرف وجهه عَنْهُ " وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَ: " إِذَا التفت أعرض عَنْهُ ".
اعلم أن الكلام فِي فصلين:
أحدهما: قوله: " إن اللَّه قبل وجهه ومواجهه ".
والثاني: فِي الإعراض.
أما الأول فغير ممتنع حمله عَلَى ظاهره، إذ ليس فِي ذلك مَا يحيل صفاته، لأَنَّ ذلك لا يوجب الجهة فِي حقه، كَمَا لَمْ يوجب الجهة فِي القول بجواز رؤيته فِي الآخرة،
стр. 299
وإن كنا نعلم فِي الشاهد أن المرئي لا يكون إِلا فِي جهة كذلك ها هنا، وَفِي هَذَا إسقاط لقولهم أن وصفه بذلك يفضي إِلَى الجهة والمحاذاة والمقابلة، لأَنَّهُ لا يفضي إِلَى ذلك، كَمَا لَمْ يفض هَذَا القول إِلَى القول بجواز رؤيته، وَفِي القول بالإستواء عَلَى العرش.
فإن قِيلَ: معناه ثواب اللَّه ينزل عَلَى هَذَا المصلي قبل وجهه وكرامته، ومثله قول النبي ﷺ : " يجيء القرآن بين يدي صاحبه يوم القيامة "
стр. 300
أي: يجيء ثوابه، ويحتمل أَنْ يَكُونَ ذلك عَلَى مَعْنَى الترغيب فِي إدمان الخشوع وإحضار القلب حين يشغله ذلك عَن غيره.
قيل: هَذَا غلط لأَنَّ ثواب اللَّه تَعَالَى وكرامته لا تختص بالمصلي، وَلا يختص تلقاء وجهه، لأنها عامة قبل الصلاة وبعدها، وأمامه ووراه، وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾.
стр. 301
الفصل الثاني
قوله: " لا يزال اللَّه مقبلا عَلَى عبده مَا لَمْ يلتفت، فإذا التفت أعرض عَنْهُ " فلا يمتنع حمله عَلَى ظاهره، وأن ذاته مقبلة عَلَيْهِ، إذ ليس فِي حمله عَلَى ذلك مَا يحيل صفاته، لأنا لا نثبت إقبال انتقال، وَلا إعراضا بمعنى الانصراف عَن ذلك، كَمَا حملنا تجليه للجبل عَلَى ظاهره، ولم يوجب ذلك حمله عَلَى انتقال.
فإن قِيلَ: هَذَا محمول عَلَى أَنَّهُ لا يزال خيره مقبلا عَلَيْهِ، كَمَا يقول القائل: إن الأمير أقبل عَلَى فلان وقربه، أي انصرف خيره وثوابه، كَمَا يقال: صرف الأمير وجهه عَن فلان، إِذَا قطع خيره عَنْهُ، ولم يحسن إِلَيْهِ.
ويحتمل أَنْ يَكُونَ معناه: لا يزال توفيق اللَّه للعبد مَا لَمْ يعرض، فإذا أعرض أعرض عَنْهُ، يَعْنِي قطع التوفيق واللطف، وَهُوَ مَعْنَى قوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ معناه: لما صرف اللَّه قلوبهم عَن الخير بقطع التوفيق واللطف، انصرفت قلوبهم عَن الخير.
قيل: هَذَا غلط، لما بينا وَهُوَ أن ثوابه لا يختص بالمصلي، وكذلك قطع الثواب لا يختص بمن التفت فِي صلاته، لأَنَّ غير الملتفت - من الغائب - فِي صلاته يقطع ثوابه، فيجب أن لا يكون لهذا التخصيص فائدة إِلا مَا ذكرنا
стр. 302
حديث آخر
٣٣٢ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثلاثة لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة: الإمام الكذاب، والشيخ الزاني، والعائل المزهي "
٣٣٣ - وَفِي حديث آخر: عَن أسامة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثلاثة لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة: عاقا لوالديه، ومدمنا خمرا، ومنانا بما أعطى "
стр. 303
٣٣٤ - وَفِي حديث آخر: عَن ابن عمر، قَالَ: سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يقول: " من جر ثوبه من الخيلاء فإن اللَّه لا ينظر إِلَيْهِ يوم القيامة "
стр. 304
٣٣٥ - وَفِي حديث آخر: عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن عمرو قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " لا ينظر اللَّه تَعَالَى إِلَى امرأة لا تعرف حق زوجها، وَلا تستغني عَنْهُ "
٣٣٦ - وَفِي حديث آخر: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " لا ينظر
стр. 305
اللَّه إِلَى رجل أتى رجلا أو امرأة فِي دبرها "
стр. 306
٣٣٧ - وَفِي حديث آخر: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لا ينظر اللَّه إِلَى مسدل "
٣٣٨ - وَفِي حديث آخر: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " إن اللَّه تَعَالَى لا ينظر إِلَى مسبل إزاره "
٣٣٩ - وَفِي حديث آخر: عَن أَبِي أمامة قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " ثلاثة لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة وَلا يزكيهم ولهم عذاب أليم: عاق والديه، ومدمنا خمرا، ومكذبا بقدر اللَّه تَعَالَى "
стр. 307
اعلم أن الكلام فِي هَذَا الخبر مبني عَلَى أصل وَهُوَ أَنَّهُ يجوز أن يوصف اللَّه تَعَالَى بالنظر الَّذِي هُوَ رؤية، كَمَا يجوز وصفه بأنه رأي بصيرة.
وذكر ابن فورك فِي كتاب تأويل الأخبار أَنَّهُ لا يجوز وصفه بأنه ناظر نظرا هُوَ رؤية، قَالَ: " لأَنَّهُ لا يجوز أن يثبت لَهُ صفة إِلا مَا وصف بها نفسه، أو وصفه رسوله ".
ولو تأمل لعلم أن هَذِهِ صفة قد وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ سورة الأعراف آية فوصف نفسه بالنظر
٣٤٠ - وَرَوَى أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إن اللَّه لا ينظر إِلَى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إِلَى أعمالكم وقلوبكم " وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم
стр. 308
فأخبر أَنَّهُ ناظر إِلَى الأعمال والقلوب
٣٤١ - وَرَوَى أَبُو بكر النجاد بِإِسْنَادِهِ، عَن جابر بْن عبد اللَّه قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " إِذَا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر اللَّه إليهم، ومن نظر إِلَيْهِ لَمْ يعذبه "
стр. 309
٣٤٢ - وَرَوَى أَبُو بكر فِي كتابه الشافي بِإِسْنَادِهِ، عَن واثلة بْن الأسقع قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " إن لله فِي كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة ليس لصاحب الشاه فيها نصيب ".
فقد نطق الكتاب والسنة بإثبات هَذِهِ الصفة، وغير ممتنع حمل مَا رَوَاهُ واثلة عَلَى ظاهره، لا عَلَى وجه التكرار، كَمَا جاز وصفه تَعَالَى بأن لَهُ تسعة وتسعين اسما لا عَلَى وجه التحديد، وَكَمَا جاز وصفه بالعلو لا فِي جهة، وكذلك جواز النظر إِلَيْهِ لا فِي جهة، وإن كنا نعلم أن العلو ضد السفل، والنظر لا يصح فِي الشاهد إِلا فِي وجهة، كذلك ها هنا.
وكما جاز وصفه بالذات، وإن كان حقيقة الذات فِي الشاهد هُوَ الجسم المؤلف، وكذلك جاز وصفه بالسمع والبصر والوجه وغير ذلك، وَلا نقول إنها جميعه وَلا بعضه، وإن كانت فِي الشاهد أنها بعض الذات، كذلك لا يمتنع وصفه بالعدد وإن لَمْ يتعدد، وَلا يصح تأويله عَلَى مَا يحدثه فِي كل حال من تغيير الأحوال لوجهين:
أحدهما: أن مَا يحدثه لا يختص بتسعة وتسعين رحمة
والثاني: أن هَذِهِ الأشياء تصدر عَن القدرة لا عَن النظر
فعلم أن المراد بالخبر إثبات صفة ترجع إِلَى النظر الَّذِي هُوَ الرؤية، لا عَلَى وجه
стр. 310
التكرار لاستحالة التكرار فِي صفات ذاته، لأَنَّ تكرارها يفضي إِلَى حدثها
стр. 311
٣٤٣ - وَرَوَى أَبُو بكر أحمد بْن إسحاق الصبغي فِي كتابه المسمى ب الأسماء والصفات فيما حكاه ابن فورك عَنْهُ، عَن عاصم بْن لقيط، أن لقيط بْن عامر خرج وافدا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ومعه صاحبه، قَالَ: فأتينا رَسُول اللَّهِ ﷺ حين انصرف من صلاة الصبح، وَذَكَرَ الحديث، وَقَالَ فِيهِ: " فتخرجون من مصارعكم تنظرون إِلَيْهِ، وينظر إليكم "
٣٤٤ - وَرَوَى ابن المنذر، عَن جابر قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " بينما أهل الجنة فِي نعيمهم، إذ سطع لهم نور من فوق رؤوسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فَقَالَ: السلام يَا أهل الجنة، فذلك قوله تَعَالَى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ قَالَ: فينظر إليهم وينظرون إِلَيْهِ، وَلا يلتفتون إِلَى شيء من النعيم مَا داموا ينظرون إِلَيْهِ "
стр. 312
٣٤٥ - وروي عَن كعب أَنَّهُ قَالَ: " مَا نظر اللَّه إِلَى الجنة قط إِلا قَالَ لَهَا: طيبي لأهلك، قَالَ: فازدادت طيبا إِلَى مَا كانت ".
فإن قِيلَ: تحمل هَذِهِ الأخبار عَلَى التعطف والرحمة، وأن اللَّه يتعطف عليهم فيريهم نفسه ويرحمهم.
قيل: هَذَا غلط لأَنَّهُ إن جاز أن يتأول نظره إِلَى الأشياء عَلَى مَعْنَى التعطف جاز أن تتأول رؤيته وبصره إِلَى الأشياء عَلَى مَعْنَى التعطف والرحمة.
وقد أثبت ابن فورك البصر والرؤية صفة، كذلك النظر ولأنه إِذَا جاز وصفه بالرؤية والبصر إِلَى الأشياء جاز وصفه بالنظر، إذ ليس فِي ذلك مَا يحيل صفاته وَلا يخرجها عما تستحقه.
فأما قوله فِي حديث جابر: " بينا أهل الجنة فِي نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوق رؤوسهم " فلا يمتنع حمله عَلَى ظاهره، وأنه نور ذاته، لأَنَّهُ إِذَا جاز أن يظهر لهم ذاته فيرونها جاز أن يظهر لهم نوره فيرونه، لأَنَّ النور من صفات ذاته، وَمِنْهُ قوله تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾.
وأما قوله: " فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوق رؤوسهم " فلا يمتنع أَيْضًا
стр. 313
حمله عَلَى ظاهره، وأنه إشراف ذاته، لا عَلَى وجه الجهة، كَمَا جاز أن يتجلى للجبل حتى جعله دكا.
فإن قِيلَ: يحمل قوله: " إذ سطع لهم نور " عَلَى مَا يتجدد لهم من كراماته، وإشعارهم بما يزيدهم من معارفه، فعند ذلك يرفعون رؤوسهم، عَلَى مَعْنَى مَا يقال: فلان رفع رأسه، إِذَا ارتفعت حاله عَن انخفاض بما يتجدد لَهُ، وقوله عند ذلك: " أشرف عليهم من فوق رؤوسهم " يَعْنِي: من فوق رجائهم.
قيل: هَذَا غلط، لأنه إن جاز أن يحمل ظهور النور عَلَى كرامته جاز أن يحمل قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ إِلَى كراماته، ولأنه إِذَا جاز أن يوصف أَنَّهُ أشرف عليهم من فوقهم رجائهم جاز أن يوصف من فوق رؤوسهم، لا عَلَى وجه الجهة إذ لا فرق بينهما.
فأما قوله تَعَالَى: ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ معناه لا يتعطف عليهم وَلا يرحمهم، وكذلك قوله ﷺ : " وَلا يَنْظُرُ اللَّه إِلَيْهِمْ " عَلَى هَذَا المعنى، ولهذا يقول القائل: انظر إلي بمعنى تعطف علي وارحمني، وليس المراد به نفي النظر الَّذِي هُوَ الرؤية، لأَنَّهُ تَعَالَى ناظرا رائيا إِلَى جميع الأشياء غير مستترة عَنْهُ
٣٤٦ - وَفِي معناه مَا روي: " إن اللَّه لَمْ ينظر إِلَى الدنيا منذ خلقها " معناه: لَمْ يجل قدرها وَلا قدر من
ركن إِلَيْهَا، لأَنَّهُ خلقها للفناء والزوال وحث عَلَى الزهد فيها وترك الاشتغال بها، وَمِنْهُ قولهم: مَا نظر فلان إِلَى فلان إِذَا أراد أَنَّهُ يعتد به.
وأما قوله: " إن اللَّه لا ينظر إِلَى صوركم ولكن ينظر إِلَى قلوبكم " معناه الاحتساب والاعتداد، أي لا يعتد بما يظهر منكم إِذَا لَمْ يوافق الباطن، لأَنَّ الأعمال الظاهرة
стр. 314
منوطة بصحة السرائر والإخلاص، ولهذا قَالَ ﷺ : " إنما بالنيات، وإنما لا مرئ مَا نوى " يريد أن النيات هِيَ المصححة للأعمال.
وليس إِذَا نفينا النظر فِي حال دل عَلَى نفي ذلك فِي الجملة، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ ولم يدل ذلك عَلَى نفي الكلام فِي الجملة
стр. 315
حديث آخر
٣٤٧ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن عائشة قالت: كانت عندي امرأة فلما قامت قَالَ النبي ﷺ : " من هَذِهِ يَا عائشة "؟ قلت: يَا رَسُول اللَّهِ أما تعرفها هَذِهِ فلانة مَا تنام الليل، وهي من أعبد أهل المدينة، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " مه عليكم من العمل مَا تطيقون، فإن اللَّه تَعَالَى لا يمل حتى تملوا " قالت: وكان أحب العمل إِلَيْهِ أدومه وإن قل
٣٤٨ - وَفِي حديث آخر: عَن أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " إن اللَّه لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل "
стр. 316
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع إطلاق وصفه تَعَالَى بالملل لا عَلَى مَعْنَى السآمة والاستثقال ونفور النفس عَنْهُ، كَمَا جاز وصفه بالغضب لا عَلَى وجه النفور، وكذلك الكراهة والسخط والعداوة، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ وقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ: ﴿سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وَقَالَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾
فإن قِيلَ: مَعْنَى الملل ها هنا الغضب، فيكون معناه لا يغضب عليهم وَلا يقطع عنهم ثوابه حتى يتركوا العمل.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّ الملل قد يحصل من العبد، فيما لا يقتضي الغضب عَلَيْهِ، وَهُوَ ترك النوافل، والخبر عَلَى هَذَا الوجه خرج، ولأنه إن جاز تأويل الملل عَلَى الغضب، جاز تأويل الغضب عَلَى الملل إذ ليس أحدهما بالتأويل أولى من الآخر، وكلاهما مما قد ورد الشرع بإطلاقه عَلَيْهِ.
стр. 317
ولأن الملل والغضب فِي اللغة عبارة عَن معنيين مختلفين، فلا يجوز حمل أحدهما عَلَى الآخر، ولأنه إن جاز امتناع إطلاق الملل لأَنَّ لَهُ حكم فِي الشاهد جاز امتناع إطلاق الغضب والرضا والإرادة لأَنَّ لَهَا حدا فِي الشاهد.
فإن قِيلَ: معناه: إن اللَّه لا يمل إِذَا مللتم، ومثل هَذَا قولهم: إن هَذَا الفرس لا يفتر حتى تفتر الخيل، وليس المراد بذلك أَنَّهُ يفتر إِذَا فترت الخيل، إذ لو كان المراد به هَذَا مَا كان لَهُ فضل عليها، لأَنَّهُ يفتر معها، وإنما المراد به لا يفتر وإن فترت الخيل، وكذلك قولهم فِي الرجل البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه، يريد بذلك أَنَّهُ لا ينقطع إِذَا انقطعوا، إذ لو كان المراد به ينقطع إِذَا انقطعوا لَمْ يكن لَهُ فضل عليهم.
فعلى هَذَا يكون مَعْنَى الخبر أن اللَّه لا يترك الإحسان إِلَى عبيده، وإن تركوا هم طاعته.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّ الخبر قصد به بيان التحريض عَلَى العمل والحث عَلَيْهِ وإن قل، فإذا حمل الخبر عَلَى استدامة الثواب مع انقطاع العمل من العامل لَمْ يوجد المقصود بالخبر، لأَنَّهُ يعول عَلَى التفضل ويطرح العمل.
وجواب آخر: وَهُوَ أن حتى لَهَا ثلاثة أقسام: أحدها: أنها تكون غاية، وتكون بمعنى كي، وتكون بمعنى إِلا أن وليست بمعنى إِذَا
стр. 318
حديث آخر
٣٤٩ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة، عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لا تسبوا الدهر فإن اللَّه هُوَ الدهر " وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " لا يقولن أحدكم: يَا خيبة الدهر فإن اللَّه هُوَ الدهر".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " قَالَ اللَّه : يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار "
стр. 319
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " لا تسبوا الدهر فإن اللَّه يقول: أنا الدهر، لي الليل والنهار أجدده وأبليه، وأذهب بملوك وآتي بملوك ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَ: " كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، هُوَ الَّذِي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فَقَالَ اللَّه فِي كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ فَقَالَ اللَّه : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " يقول اللَّه: استقرضتك عبدي فلم تقرضني، ويشتمني عبدي وَهُوَ لا يدري، يقول: وادهراه وادهراه، وأنا الدهر "
стр. 320
٣٥٠ - اعلم أن أَبَا بكر الخلال قَالَ: حَدَّثَنِي بشر بْن مُوسَى الأسدي قَالَ: سألت أَبَا عبد اللَّه أحمد بْن حنبل عَن الدهر، فلم يجبني فِيهِ بشيء.
وظاهر هَذَا أن أحمد توقف عَن الأخذ بظاهر الحديث، وامتنع من إطلاق تسمية الدهر عَلَى اللَّه سُبْحَانَهُ
٣٥١ - وَقَالَ حنبل: سمعت هارون الحمال يقول لأبي عبد اللَّه: كنا عند سفيان بْن عيينة بمكة، فحدثنا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لا تسبوا الدهر "، فقام فتح بْن سهل فَقَالَ: يَا أَبَا محمد تقول يَا دهر ارزقنا؟ فسمعت سفيان يقول: خذوه فهو جهمي، وهرب، فَقَالَ أَبُو عبد اللَّه: القوم يردون الآثار عَن رَسُول اللَّهِ ونحن نؤمن بها، وَلا نرد عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ قوله.
وظاهر هَذَا أَنَّهُ أخذ بظاهر الحديث ويحتمل أَنْ يَكُونَ قوله: " نحن نؤمن بها " راجع إِلَى أخبار الصفات فِي الجملة، ولم يرجع إِلَى هَذَا الحديث خاصة.
следующие страницы →