← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُصْدِرَ) : يُقْرَأُ بِصَادٍ خَالِصَةٍ، وَبِزَايٍ خَالِصَةٍ لِتُجَانِسَ الدَّالَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا بَيْنَ الصَّادِ وَالزَّايِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَصْلِهَا؛ وَهَذَا إِذَا سَكَنَتِ الصَّادُ، وَمَنْ ضَمَّ الْيَاءَ حَذَفَ الْمَفْعُولَ؛ أَيْ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ مَاشِيَتَهُمْ. وَالرِّعَاءُ بِالْكَسْرِ: جَمْعُ رَاعٍ، كَقَائِمٍ وَقِيَامٍ. وَبِضَمِّ الرَّاءِ؛ وَهُوَ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ، كَالتُّؤَامِ وَالرُّخَالِ. وَ «عَلَى اسْتِحْيَاءٍ» : حَالٌ. وَ (مَا سَقَيْتَ لَنَا) : أَيْ سَقْيِكَ فَهِيَ مَصْدَرِيَّةٌ. وَ (هَاتَيْنِ) : صِفَةٌ، وَالتَّشْدِيدُ وَالتَّخْفِيفُ قَدْ ذُكِرَ فِي النِّسَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاللَّذَانِ) . وَ (عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، كَقَوْلِكَ: أَنْكَحْتُكَ عَلَى مِائَةٍ؛ أَيْ مَشْرُوطًا عَلَيْكَ، أَوْ وَاجِبًا عَلَيْكَ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ. وَ (ثَمَانِيَ) : ظَرْفٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمِنْ عِنْدِكَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ فَالتَّمَامُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ فَقَدْ أَفْضَلْتَ مِنْ عِنْدِكَ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ. وَ «بَيْنِي وَبَيْنَكَ» : الْخَبَرُ. وَالتَّقْدِيرُ: بَيْنَنَا. وَ (أَيَّمَا) : نُصِبَ بِـ «قَضَيْتُ» وَمَا زَائِدَةٌ. وَقِيلَ: نَكِرَةٌ، وَ «الْأَجَلَيْنِ» : بَدَلٌ مِنْهَا، وَهِيَ شَرْطِيَّةٌ؛ وَ «فَلَا عُدْوَانَ» جَوَابُهَا. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)) . وَالْجَذْوَةُ - بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ وَالضَّمِّ لُغَاتٌ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ.

стр. 1017

قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يَامُوسَى) : أَنْ مُفَسِّرَةٌ؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ قَوْلٌ، وَالتَّقْدِيرُ: أَيْ يَا مُوسَى. وَقِيلَ: هِيَ الْمُخَفَّفَةُ، وَالتَّقْدِيرُ: بِأَنْ يَا مُوسَى. قَالَ تَعَالَى: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الرَّهْبِ) : «مِنْ» مُتَعَلِّقَةٌ بِوَلَّى؛ أَيْ هَرَبَ مِنَ الْفَزَعِ. وَقِيلَ: بِـ «مُدْبِرًا» . وَقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ؛ أَيْ يَسْكُنُ مِنَ الرَّهْبِ. وَقِيلَ: بِاضْمُمْ، أَيْ مِنْ أَجْلِ الرَّهْبِ. وَالرَّهْبُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَاءِ، وَبِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ، وَبِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ لُغَاتٌ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ. (فَذَانِكَ) : بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَتَشْدِيدِهَا؛ وَقَدْ بَيَّنَ فِي (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا) [النِّسَاءِ: ١٦] . وَقُرِئَ شَاذًّا «فَذَانِيكَ» بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَيَاءٍ بَعْدَهَا، قِيلَ: هِيَ بَدَلٌ مِنْ إِحْدَى النُّونَيْنِ. وَقِيلَ: نَشَأَتْ عَنِ الْإِشْبَاعِ. وَ (إِلَى) : مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ أَيْ مُرْسَلًا إِلَى فِرْعَوْنَ. وَ (رِدْءًا) : حَالٌ. وَيُقْرَأُ بِإِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى الرَّاءِ وَحَذْفِهَا. وَ (يُصَدِّقُنِي) : بِالْجَزْمِ عَلَى الْجَوَابِ، وَبِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِرِدْءًا، أَوْ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ.

стр. 1018

قَالَ تَعَالَى: (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِآيَاتِنَا) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَصِلُونَ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ «الْغَالِبُونَ» . وَ (تَكُونُ) : بِالتَّاءِ: عَلَى تَأْنِيثِ الْعَاقِبَةِ، وَبِالْيَاءِ؛ لِأَنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى «مَنْ» . وَ (لَهُ عَاقِبَةُ. . .) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ كَانَ. أَوْ تَكُونُ تَامَّةً، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالًا. قَالَ تَعَالَى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ) الثَّانِيَةُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ «فِي هَذِهِ» ؛ أَيْ وَأَتْبَعْنَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ؛ أَيْ وَأَتْبَعْنَاهُمْ لَعْنَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِـ «الْمَقْبُوحِينَ» عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلتَّعْرِيفِ، لَا بِمَعْنَى الَّذِي. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّبْيِينِ؛ أَيْ وَقُبِّحُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ فُسِّرَ بِالصِّلَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَصَائِرَ) : حَالٌ مِنَ الْكِتَابِ، أَوْ مَفْعُولٌ لَهُ؛ وَكَذَلِكَ «هَدًى وَرَحْمَةً» . قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)) .

стр. 1019

قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ) : أَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً؛ أَيْ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ؛ وَلَكِنْ حُوِّلَ عَنْ ذَلِكَ وَجُعِلَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ؛ إِذْ كَانَتْ هِيَ الْمَوْصُوفَ فِي الْمَعْنَى، وَإِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ خَطَأٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: جَانِبُ الْمَكَانِ الْغَرْبِيِّ. وَ (إِذْ) : مَعْمُولُهُ لِلْجَارِّ، أَوْ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. (وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) : أَيْ إِذْ قَضَيْنَا. وَ (تَتْلُو) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ خَبَرًا ثَانِيًا، أَوْ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي ثَاوِيًا. وَ (لَكِنْ رَحْمَةً) أَيْ أَعْلَمْنَاكَ ذَلِكَ لِلرَّحْمَةِ، أَوْ أَرْسَلْنَاكَ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالُوا سِحْرَانِ) : هُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا. وَسَاحِرَانِ بِالْأَلِفِ: أَيْ مُوسَى وَهَارُونُ. وَقِيلَ: مُوسَى وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا. وَسِحْرَانِ - بِغَيْرِ أَلِفٍ؛ أَيِ الْقُرْآنُ وَالتَّوْرَاةُ. قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)) . وَ (مَنْ أَضَلُّ) : اسْتِفْهَامٌ فِي مَعْنَى النَّفْيِ؛ أَيْ لَا أَحَدَ أَضَلُّ. وَ (وَصَّلْنَا) : بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى. وَ (الَّذِينَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ» : خَبَرُهُ.

стр. 1020

وَ (مَرَّتَيْنِ) : فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا) : عَدَّاهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ نُمَكِّنْ: نَجْعَلْ؛ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا) [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٧] . وَ (آمِنًا) ؛ أَيْ مِنَ الْخَسْفِ، وَقَصَدَ الْجَبَابِرَةَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى يُؤْمَنُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ، أَوْ ذَا أَمْنٍ. وَ (رِزْقًا) : مَصْدَرٌ مِنْ مَعْنَى يُجْبَى. قَالَ تَعَالَى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)) . وَ (كَمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «أَهْلَكْنَا» . وَ (مَعِيشَتَهَا) : نُصِبَ بِبَطِرَتْ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: كَفَرَتْ نِعْمَتَهَا، أَوْ جَهِلَتْ شُكْرَ مَعِيشَتِهَا، فَحُذِفَ الْمُضَافُ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فِي مَعِيشَتِهَا، وَقَدْ ذُكِرَ فِي: (سَفِهَ نَفْسَهُ) [الْبَقَرَةِ: ١٣٠] . وَ (لَمْ تُسْكَنْ) : حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الْإِشَارَةُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) [هُودٍ: ٧٢] . وَ (إِلَّا قَلِيلًا) : أَيْ زَمَانًا قَلِيلًا. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أَيْ فَالْمُؤْتَى مَتَاعٌ.

стр. 1021

قَالَ تَعَالَى: (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ هُوَ) : مَنْ أَسْكَنَ الْهَاءَ شَبَّهَ «ثُمَّ» بِالْوَاوِ وَالْفَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَؤُلَاءِ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «الَّذِينَ أَغْوَيْنَا» صِفَةٌ لِخَبَرِ «هَؤُلَاءِ» الْمَحْذُوفِ؛ أَيْ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا. وَ (أَغْوَيْنَاهُمْ) : مُسْتَأْنَفٌ ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ فِي التَّذْكِرَةِ؛ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «أَغْوَيْنَاهُمْ» خَبَرًا، وَ «الَّذِينَ أَغْوَيْنَا» صِفَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي صِفَةِ الْمُبْتَدَأِ. فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ وَصَلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «كَمَا غَوَيْنَا» وَفِيهِ زِيَادَةٌ؟ . قِيلَ: الزِّيَادَةُ بِالظَّرْفِ لَا تُصَيِّرُهُ أَصْلًا فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الظُّرُوفَ فَضَلَاتٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ «هَؤُلَاءِ» مُبْتَدَأً، وَ «الَّذِينَ» صِفَةً. وَ «أَغْوَيْنَاهُمْ» الْخَبَرَ مِنْ أَجْلِ مَا اتَّصَلَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ظَرْفًا؛ لِأَنَّ الْفَضَلَاتِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تَلْزَمُ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ عَمْرٌو فِي دَارِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ) : «مَا» نَافِيَةٌ. وَقِيلَ: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: مِمَّا كَانُوا يَعْبُدُونَ؛ أَيْ مِنْ عِبَادَتِهِمْ إِيَّانَا. قَالَ تَعَالَى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) : «مَا» هَاهُنَا: نَفِيٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أَيْ يَخْتَارُ اخْتِيَارَهُمْ، بِمَعْنَى مُخْتَارِهِمْ.

стр. 1022

قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَرْمَدًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثَانِيًا لِجَعَلَ. وَ (إِلَى) : يَتَعَلَّقُ بِسَرْمَدًا، أَوْ بِجَعَلَ، أَوْ يَكُونُ صِفَةً لِسَرْمَدًا. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ) : التَّقْدِيرُ: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، وَالنَّهَارَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، وَلَكِنْ مَزَجَ اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ الْمَعْنَى. وَ (هَاتُوا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِآيَاتِنَا؛ وَإِنَّ وَاسْمُهَا وَخَبَرُهَا صِلَةُ الَّذِي، وَلِهَذَا كُسِرَتْ «إِنَّ» . وَ (لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ) : أَيْ تُنِيءُ الْعُصْبَةَ، فَالْبَاءُ مُعَدِّيَةٌ مُعَاقِبَةٌ لِلْهَمْزَةِ فِي أَنَأْتُهُ؛ يُقَالُ: أَنَأْتُهُ، وَنُؤْتُ بِهِ. وَالْمَعْنَى: تُثْقَلُ الْعُصْبَةُ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْقَلْبِ؛ أَيْ لَتَنُوءُ بِهِ الْعُصْبَةُ. وَ (مِنَ الْكُنُوزِ) : يَتَعَلَّقُ بِآتَيْنَاهُ. وَ (إِذْ قَالَ لَهُ) : ظَرْفٌ لِآتَيْنَاهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ؛ أَيْ بَغَى إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)) .

стр. 1023

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيمَا آتَاكَ) : «مَا» مَصْدَرِيَّةٌ، أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ وَابْتَغِ مُنْقَلَبًا فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ أَجْرَ الْآخِرَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِابْتَغِ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى عِلْمٍ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَ (عِنْدِي) : صِفَةٌ لِعِلْمٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِأُوتِيتُهُ؛ أَيْ أُوتِيتُهُ فِيمَا أَعْتَقِدُ عَلَى عِلْمٍ. وَ (مِنْ قَبْلِهِ) : ظَرْفٌ لِأَهْلَكَ، وَ «مِنْ» : مَفْعُولُ أَهْلَكَ. وَ (مِنَ الْقُرُونِ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِأَهْلَكَ، وَتَكُونُ «مِنَ» لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «مَنْ» كَقَوْلِكَ: أَهْلَكَ اللَّهُ مِنَ النَّاسِ زَيْدًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا يُسْأَلُ) : يُقْرَأُ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَبِتَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ؛ وَ «الْمُجْرِمُونَ» : الْفَاعِلُ؛ أَيْ لَا يَسْأَلُونَ غَيْرَهُمْ عَنْ عُقُوبَةِ ذُنُوبِهِمْ لِاعْتِرَافِهِمْ بِهَا. وَيُقْرَأُ «الْمُجْرِمِينَ» أَيْ لَا يَسْأَلُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ تَعَالَى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي زِينَتِهِ) : هُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي خَرَجَ. وَ (وَيْلَكُمْ) : مَفْعُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ أَلْزَمَكُمُ اللَّهُ وَيْلَكُمْ. وَ (خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ) : مِثْلُ قَوْلِهِ: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٨] . وَقَدْ ذُكِرَ. (وَلَا يُلَقَّاهَا) : الضَّمِيرُ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا الْعُلَمَاءُ، أَوْ لِلْإِنَابَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الثَّوَابِ. أَوْ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.

стр. 1024

قَالَ تَعَالَى: (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) وَ (بِالْأَمْسِ) : ظَرْفٌ لِتَمَنَّوْا . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «مَكَانَهُ» لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَكَانِ هُنَا الْحَالَةُ وَالْمَنْزِلَةُ، وَذَلِكَ مَصْدَرٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ) : «وَيْ» عِنْد الْبَصرِيين مُنْفَصِلَة عَن الْكَاف وَالْكَاف مُتَّصِلَة بِأَن وَمعنى وي تَعَجّب، وَكَأَنَّ الْقَوْمَ نُبِّهُوا فَانْتَبَهُوا، فَقَالُوا: وَيْ كَأَنَّ الْأَمْرَ كَذَا وَكَذَا؛ وَلِذَلِكَ فُتِحَتِ الْهَمْزَةُ مِنْ «أَنَّ» . وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْكَافُ مَوْصُولَةٌ بِوَيْ؛ أَيْ وَيْكَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَى الْخِطَابِ هُنَا بَعِيدٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ تَقْدِيرَ «وَيِ اعْلَمْ» لَا نَظِيرَ لَهُ، وَهُوَ غَيْرُ سَائِغٍ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ. (لَخَسَفَ) : عَلَى التَّسْمِيَةِ وَتَرْكِهَا، وَبِالْإِدْغَامِ وَالْإِظْهَارِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ عَلَى التَّخْفِيفِ؛ وَالْإِدْغَامُ عَلَى هَذَا مُمْتَنِعٌ. قَالَ تَعَالَى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تِلْكَ الدَّارُ) : «تِلْكَ» مُبْتَدَأٌ، وَ «الدَّارُ» نَعْتٌ، وَنَجْعَلُهَا الْخَبَرُ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥)) .

стр. 1025

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ) : «مَنْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ) [الْأَنْعَامِ: ١١٧] فِي الْأَنْعَامِ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا رَحْمَةً) : أَيْ وَلَكِنْ أُلْقِيَ رَحْمَةً، أَيْ لِلرَّحْمَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا وَجْهَهُ) : اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ؛ أَيْ إِلَّا إِيَّاهُ، أَوْ مَا عُمِلَ لِوَجْهِهِ سُبْحَانَهُ.

стр. 1026

سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ تَعَالَى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يُتْرَكُوا) : أَنْ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ تَسُدُّ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ. وَ (أَنْ يَقُولُوا) : أَيْ بِأَنْ يَقُولُوا، أَوْ لِأَنْ يَقُولُوا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ «أَنْ يُتْرَكُوا» وَإِذَا قُدِّرَتِ الْيَاءُ كَانَ حَالًا؛ وَيَجُوزُ أَنْ تُقَدَّرَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. قَالَ تَعَالَى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَاءَ) : يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ بِئْسَ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا) [الْبَقَرَةِ: ٩٠] . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى قَبُحَ، فَتَكُونُ «مَا» مَصْدَرِيَّةً. أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَهِيَ فَاعِلُ سَاءَ. قَالَ تَعَالَى: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ كَانَ يَرْجُو) : «مَنْ» شَرْطٌ، وَالْجَوَابُ: «فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ» وَالتَّقْدِيرُ: لَآتِيهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حُسْنًا) : مَنْصُوبٌ بِوَصَّيْنَا. وَقِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ: أَلْزَمْنَاهُ حُسْنًا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ أَيْضًا: ذَا حُسْنٍ؛ كَقَوْلِهِ: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [الْبَقَرَةِ: ٨٣] .

стр. 1027

وَقِيلَ: مَعْنَى وَصَّيْنَا: قُلْنَا لَهُ: أَحْسِنْ حُسْنًا؛ فَيَكُونُ وَاقُعًا مَوْقِعَ الْمَصْدَرِ، أَوْ مَصْدَرًا مَحْذُوفَ الزَّوَائِدِ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) : مُبْتَدَأٌ، وَ «لَنُدْخِلَنَّهُمْ» : الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «الَّذِينَ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ: لَنُدْخِلَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) : هَذِهِ لَامُ الْأَمْرِ، وَكَأَنَّهُمْ أَمَرُوا أَنْفُسَهُمْ؛ وَإِنَّمَا عَدَلَ إِلَى ذَلِكَ عَنِ الْخَبَرِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي الِالْتِزَامِ، كَمَا فِي صِيغَةِ التَّعَجُّبِ. (مِنْ شَيْءٍ) : «مِنْ» زَائِدَةٌ، وَهُوَ مَفْعُولُ اسْمِ الْفَاعِلِ. وَ (مِنْ خَطَايَاهُمْ) : حَالٌ مِنْ شَيْءٍ؛ وَالتَّقْدِيرُ: بِحَامِلِينَ شَيْئًا مِنْ خَطَايَاهُمْ. وَ (أَلْفَ سَنَةٍ) : ظَرْفٌ، وَالضَّمِيرُ فِي «جَعَلْنَاهَا» لِلْعُقُوبَةِ، أَوِ الطَّوْفَةِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. (وَإِبْرَاهِيمَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَفْعُولِ فِي «أَنْجَيْنَاهُ» أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ: وَاذْكُرْ، أَوْ عَلَى أَرْسَلْنَا. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) بِالْقَصْرِ وَالْمَدِّ: لُغَتَانِ.

стр. 1028

قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا فِي السَّمَاءِ) : التَّقْدِيرُ: وَلَا مَنْ فِي السَّمَاءِ فِيهَا، فَمَنْ مَعْطُوفٌ عَلَى أَنْتُمْ، وَهِيَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَقِيلَ: لَيْسَ فِيهِ حَذْفٌ؛ لِأَنَّ «أَنْتُمْ» خِطَابٌ لِلْجَمِيعِ، فَيَدْخُلُ فِيهِمُ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ فَصَّلَ بَعْدَ الْإِبْهَامِ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ) : فِي «مَا» ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيِ اتَّخَذْتُمُوهُ. وَ «أَوْثَانًا» مَفْعُولٌ ثَانٍ، أَوْ حَالٌ. وَ «مَوَدَّةَ» : الْخَبَرُ، عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ رَفَعَ؛ وَالتَّقْدِيرُ: ذَوُو مَوَدَّةٍ. وَالثَّانِي: هِيَ كَافَّةٌ؛ وَأَوْثَانًا مَفْعُولٌ ومودة بِالنّصب مفعول لَهُ وبالرفع على إِضْمَار مُبْتَدأ وَتَكون الْجُمْلَة نعتا لأوثان. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلَى الصِّفَةِ؛ أَيْضًا؛ أَيْ ذَوِي مَوَدَّةٍ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ «مَا» مَصْدَرِيَّةً، وَ «مَوَدَّةَ» بِالرَّفْعِ: الْخَبَرُ؛ وَلَا حَذْفَ فِي هَذَا الْوَجْهِ فِي الْخَبَرِ؛ بَلْ فِي اسْمِ «إِنَّ» وَالتَّقْدِيرُ: إِنَّ سَبَبَ اتِّخَاذِكُمْ مَوَدَّةٌ. وَيُقْرَأُ «مَوَدَّةَ» بِالْإِضَافَةِ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ. وَ (بَيْنِكُمْ) بِالْجَرِّ، وَبِتَنْوِينِ مَوَدَّةٍ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَنَصْبِ بَيْنَ. وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ: «فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» سَبْعَةُ أَوْجُهٍ:

стр. 1029

الْأَوَّلُ: أَنْ تَتَعَلَّقَ بِاتَّخَذْتُمْ إِذَا جَعَلْتَ «مَا» كَافَّةً، لَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ؛ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى الْفَصْلِ بَيْنَ الْمَوْصُولِ وَمَا فِي الصِّلَةِ بِالْخَبَرِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ مَوَدَّةَ إِذَا لَمْ تَجْعَلْ «بَيْنَ» صِفَةً لَهَا؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ إِذَا وُصِفَ لَا يَعْمَلُ. وَالثَّالِثُ: أَنْ تُعَلِّقَهُ بِنَفْسِ «بَيْنِكُمْ» لِأَنَّ مَعْنَاهُ اجْتِمَاعُكُمْ أَوْ وَصْلُكُمْ. وَالرَّابِعُ: أَنْ تَجْعَلَهُ صِفَةً ثَانِيَةً لِمَوَدَّةَ إِذَا نَوَّنْتَهَا وَجَعَلْتَ «بَيْنَكُمْ» صِفَةً. وَالْخَامِسُ: أَنْ تُعَلِّقَهَا بِمَوَدَّةَ، وَتَجْعَلَ «بَيْنَكُمْ» ظَرْفَ مَكَانٍ، فَيَعْمَلَ «مَوَدَّةَ» فِيهِمَا. وَالسَّادِسُ: أَنْ تَجْعَلَهُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «بَيْنِكُمْ» إِذَا جَعَلْتَهُ وَصْفًا لِمَوَدَّةَ. وَالسَّابِعُ: أَنْ تَجْعَلَهُ حَالًا مِنْ «بَيْنِكُمْ» لِتُعَرِّفَهُ بِالْإِضَافَةِ. وَأَجَازَ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَنْ تَتَعَلَّقَ «فِي» بِمَوَدَّةَ؛ وَإِنْ كَانَ «بَيْنِكُمْ» صِفَةً؛ لِأَنَّ الظُّرُوفَ يُتَّسَعُ فِيهَا بِخِلَافِ الْمَفْعُولِ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلُوطًا) : مَعْطُوفٌ عَلَى نُوحٍ. وَقَدْ ذُكِرَ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ فَعَلَى

стр. 1030

هَذَا يَنْتَصِبُ «أَهْلَكَ» بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ وَنُنْجِي أَهْلَكَ؛ وَفِي قَوْلِ الْأَخْفَشِ: هِيَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَوْ جَرٍّ، وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ فَتَعْطِفُ عَلَى الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِي تَقْدِيرِ الِانْفِصَالِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ ظَاهِرًا؛ وَسِيبَوَيْهِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُضْمَرِ وَالْمُظْهَرِ، فَيَقُولُ لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ النُّونِ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ مَعَ الْمُضْمَرِ كَمَا فِي التَّنْوِينِ؛ وَيَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ مَعَ الْمُظْهَرِ. وَالضَّمِيرُ فِي «مِنْهَا» لِلْعُقُوبَةِ. وَ (شُعَيْبًا) : مَعْطُوفٌ عَلَى نُوحٍ؛ وَالْفَاءُ فِي «فَقَالَ» : عَاطِفَةٌ عَلَى أَرْسَلْنَا الْمُقَدَّرَةِ. وَ (عَادًا وَثَمُودَ) : أَيْ وَاذْكُرْ، أَوْ وَأَهْلَكْنَا. (وَقَارُونَ) وَمَا بَعْدَهُ كَذَلِكَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْهَاءِ فِي «صَدِّهِمْ» . وَ (كُلًّا) : مَنْصُوبٌ بِـ «أَخَذْنَا» . وَ «مَنْ» فِي «مَنْ أَرْسَلْنَا» وَمَا بَعْدَهَا: نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ؛ وَبَعْضُ الرَّوَاجِعِ مَحْذُوفٌ. قَالَ تَعَالَى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)) . وَالنُّونُ فِي عَنْكَبُوتٍ أَصْلٌ، وَالتَّاءُ زَائِدَةٌ، لِقَوْلِهِمْ فِي جَمْعِهِ: عَنَاكِبُ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا يَدْعُونَ) : هِيَ اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «يَدْعُونَ» لَا بِـ «يَعْلَمُ» وَ «مِنْ شَيْءٍ» : تَبْيِينٌ. وَقِيلَ: «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ وَ «شَيْءٍ» : مَصْدَرٌ؛ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً، وَ «مِنْ» : زَائِدَةٌ. وَشَيْئًا: مَفْعُولُ «يَدْعُونَ» . وَ (نَضْرِبُهَا) : حَالٌ مِنَ الْأَمْثَالِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا. وَ «الْأَمْثَالُ» نَعْتٌ.

стр. 1031

قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا) : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ، وَفِي الْمَعْنَى وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فَلَا تُجَادِلُوهُمْ بِالْحُسْنَى؛ بَلْ بِالْغِلْظَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يُغْلِظُونَ لَكُمْ؛ فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنَ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، لَا مِنَ الْجِدَالِ. وَالثَّانِي: لَا تُجَادِلُوهُمْ أَلْبَتَّةَ؛ بَلْ حَكِّمُوا فِيهِمُ السَّيْفَ لِفَرْطِ عِنَادِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنَّا أَنْزَلْنَا) : هُوَ فَاعِلُ يَكْفِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ «لَنُبَوِّئَنَّهُمْ» الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ الْمَذْكُورُ. وَ (غُرَفًا) : مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَقَدْ ذُكِرَ نَظِيرُهُ فِي يُونُسَ وَالْحَجِّ. وَ (الَّذِينَ صَبَرُوا) : خَبَرُ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ «مِنْ دَابَّةٍ» : تَبْيِينٌ. وَ (لَا تَحْمِلُ) : نَعْتٌ لِدَابَّةٍ. وَ (اللَّهُ يَرْزُقُهَا) : جُمْلَةُ خَبَرِ كَأَيِّنْ، وَأُنِّثَ الضَّمِيرُ عَلَى الْمَعْنَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ يَرْزُقُهَا، وَيُقَدَّرُ بَعْدَ كَأَيِّنْ.

стр. 1032

قَالَ تَعَالَى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ) : أَيْ إِنَّ حَيَاةَ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهَا بِالْحَيَوَانِ، وَهِيَ الْحَيَاةُ، وَلَامُ الْحَيَوَانِ يَاءٌ، وَالْأَصْلُ حَيَيَانٌ، فَقُلِبَتِ الْيَاءُ وَاوًا لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِالتَّثْنِيَةِ، وَلَمْ تُقْلَبْ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا لِئَلَّا تُحْذَفَ إِحْدَى الْأَلِفَيْنِ. قَالَ تَعَالَى: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِيَتَمَتَّعُوا) : مَنْ كَسَرَ اللَّامَ جَعَلَهَا بِمَعْنَى كَيْ، وَمَنْ سَكَّنَهَا جَازَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونَ أَمْرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1033

سُورَةُ الرُّومِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ تَعَالَى: (غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) : الْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ. وَ (فِي بِضْعِ) : يَتَعَلَّقُ بِيَغْلِبُونَ. وَ (مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) : مَبْنِيَّانِ عَلَى الضَّمِّ فِي الْمَشْهُورِ، وَلِقَطْعِهِمَا عَنِ الْإِضَافَةِ. وَقُرِئَ شَاذًّا بِالْكَسْرِ فِيهِمَا عَلَى إِرَادَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ: يَا مَنْ رَأَى عَارِضًا يُسَرُّ بِهِ بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الْأَسَدِ إِلَّا أَنَّهُ فِي الْبَيْتِ أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فِي أَحَدِهِمَا يَدُلُّ عَلَى الْآخَرِ. وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ عَلَى إِعْرَابِهِمَا كَإِعْرَابِهِمَا مُضَافَيْنِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ قَبْلِ كُلِّ شَيْءٍ وَمِنْ بَعْدِ كُلِّ شَيْءٍ. (وَيَوْمَئِذٍ) : مَنْصُوبٌ بِـ «يَفْرَحُ» . وَ (بِنَصْرِ اللَّهِ) : يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْضًا؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ «يَنْصُرُ» . قَالَ تَعَالَى: (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعْدَ اللَّهِ) : هُوَ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ أَيْ وَعَدَ اللَّهُ وَعْدًا، وَدَلَّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ.

стр. 1034

قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا خَلَقَ اللَّهُ) : «مَا» نَافِيَةٌ، وَفِي التَّقْدِيرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ، وَالْكَلَامُ تَامٌّ قَبْلَهُ. وَ «أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا» مِثْلُ: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الْأَعْرَافِ: ١٨٥] وَالثَّانِي: مَوْضِعُهُ نَصْبٌ بِيَتَفَكَّرُوا، وَالنَّفْيُ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، كَمَا لَمْ يَمْنَعْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) [فُصِّلَتْ: ٤٨] وَ (بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ) : يَتَعَلَّقُ بِـ «كَافِرُونَ» وَاللَّامُ لَا تَمْنَعُ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَثَارُوا الْأَرْضَ) : قُرِئَ شَاذًّا بِأَلِفٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ لِلْإِشْبَاعِ لَا غَيْرَ. (أَكْثَرَ) : صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَ «مَا» مَصْدَرِيَّةٌ. قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ [الَّذِينَ أَسَاءُوا] السُّوأَى) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، فَمَنْ رَفَعَ جَعَلَهُ اسْمَ كَانَ، وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: «السُّوأَى» وَ «أَنْ كَذَّبُوا» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولًا لَهُ؛ أَيْ لِأَنْ كَذَّبُوا، أَوْ بِأَنْ كَذَّبُوا، أَوْ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِتَقْدِيرِ الْجَارِ عَلَى قَوْلِ الْخَلِيلِ. وَالثَّانِي: «أَنْ كَذَّبُوا» أَيْ كَانَ آخِرُ أَمْرِهِمُ التَّكْذِيبَ، وَ «السُّوأَى» عَلَى هَذَا صِفَةُ مَصْدَرٍ.

стр. 1035

وَمَنْ نَصَبَ جَعْلَهَا خَبَرَ كَانَ، وَفِي الِاسْمِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: «السُّوأَى» وَالْآخَرُ: «أَنْ كَذَّبُوا» عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ أَنْ «كَذَّبُوا» بَدَلًا مِنَ السُّوأَى، أَوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَالسُّوأَى: فُعْلَى، تَأْنِيثُ الْأَسْوَأِ؛ وَهِيَ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: أَسَاءُوا الْإِسَاءَةَ السُّوأَى، وَإِنْ جَعَلْتَهَا اسْمًا أَوْ خَبَرًا كَانَ التَّقْدِيرُ: الْفِعْلَةَ السُّوأَى، أَوِ الْعُقُوبَةَ السُّوأَى. قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)) . (يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ. وَقَدْ حُكِيَ شَاذًّا تَرْكُ التَّسْمِيَةِ؛ وَهَذَا بِعِيدٌ؛ لِأَنَّ أَبْلَسَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مُتَعَدِّيًا، وَمَخْرَجُهُ أَنْ يَكُونَ أَقَامَ الْمَصْدَرَ مَقَامَ الْفَاعِلِ وَحَذَفَهُ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ؛ أَيْ يُبْلِسُ إِبْلَاسَ الْمُجْرِمِينَ. قَالَ تَعَالَى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حِينَ تُمْسُونَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ «سُبْحَانَ» . وَقُرِئَ مُنَوَّنًا عَلَى أَنْ يُجْعَلَ «تُمْسُونَ» صِفَةً لَهُ، وَالْعَائِدُ الْمَحْذُوفُ؛ أَيْ تُمْسُونَ فِيهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي) [الْبَقَرَةِ: ٤٨] . قَالَ تَعَالَى: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعَشِيًّا) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «حِينَ» ، «وَلَهُ الْحَمْدُ» : مُعْتَرِضٌ. وَ «فِي السَّمَاوَاتِ» : حَالٌ مِنَ الْحَمْدِ. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ (مِنْ آيَاتِهِ) : حَالٌ مِنَ الْبَرْقِ؛ أَيْ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ كَائِنًا مِنْ آيَاتِهِ، إِلَّا أَنَّ

стр. 1036

حَقَّ الْوَاوِ أَنْ تَدْخُلَ هُنَا عَلَى الْفِعْلِ، وَلَكِنْ لَمَّا قُدِّمَ الْحَالُ وَكَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْطُوفِ؛ أَوْلَاهَا الْوَاوُ، وَحَسَّنَ ذَلِكَ أَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي حُكْمِ الظَّرْفِ؛ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: (آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً. .) [الْبَقَرَةِ: ٢٠١] . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «أَنْ» مَحْذُوفَةٌ؛ أَيْ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرِيَكُمْ، وَإِنْ حُذِفَتْ «أَنْ» فِي مِثْلِ هَذَا جَازَ رَفْعُ الْفِعْلِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ مَحْذُوفًا؛ أَيْ وَمِنْ آيَاتِهِ آيَةٌ يُرِيكُمْ فِيهَا الْبَرْقَ؛ فَحُذِفَ الْمَوْصُوفُ وَالْعَائِدُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَمِنْ آيَاتِهِ شَيْءٌ، أَوْ سَحَابٌ؛ وَيَكُونَ فَاعِلُ يُرِيكُمْ ضَمِيرَ شَيْءٍ الْمَحْذُوفَ. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْأَرْضِ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ صِفَةٌ لِدَعْوَةٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: خَرَجْتُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ «إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ» . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ «مِنْ» بِتَخْرُجُونَ هَذِهِ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ إِذَا لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) : أَيِ الْبَعْثُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ فِي ظَنِّكُمْ. وَقِيلَ: أَهْوَنُ بِمَعْنَى هَيِّنٌ، كَمَا قَالُوا اللَّهُ أَكْبَرُ؛ أَيْ كَبِيرٌ. وَقِيلَ: هُوَ أَهْوَنُ عَلَى الْمَخْلُوقِ؛ لِأَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ نُقِلَ مِنْ نُطْفَةٍ إِلَى عَلَقَةٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَفِي الْبَعْثِ يَكْمُلُ دُفْعَةً وَاحِدَةً.

стр. 1037

قَالَ تَعَالَى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبِ جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ؛ أَيْ هَلْ لَكُمْ فَتَسْتَوُوا) . وَأَمَّا (تَخَافُونَهُمْ) : فَفِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «سَوَاءٌ» ؛ أَيْ فَتَسَاوَوْا خَائِفًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مُشَارَكَتَهُ لَهُ فِي الْمَالِ؛ أَيْ إِذَا لَمْ تُشَارِكْكُمْ عَبِيدكُمْ فِي الْمَالِ، فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ مَنْ هُوَ مَصْنُوعٌ لِلَّهِ. (كَخِيفَتِكُمْ) أَيْ خِيفَةً كَخِيفَتِكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِطْرَةَ اللَّهِ) أَيِ الْزَمُوا، أَوِ اتَّبِعُوا دِينَ اللَّهِ. وَ (مُنِيبِينَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «أَقِمْ» لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى لِلْجَمِيعِ. وَقِيلَ: «فِطْرَةَ اللَّهِ» مَصْدَرٌ؛ أَيْ فَطَرَكُمْ فِطْرَةً. قَالَ تَعَالَى: (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا) : هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، بِإِعَادَةِ الْجَارِّ. قَالَ تَعَالَى: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَكْفُرُوا) : اللَّامُ بِمَعْنَى كَيْ. وَقِيلَ: هُوَ أَمْرٌ بِمَعْنَى التَّوَعُّدِ؛ كَمَا قَالَ بَعْدَهُ: «فَتَمَتَّعُوا» . قَالَ تَعَالَى: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)) . وَالسُّلْطَانُ يُذَكَّرُ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الدَّلِيلِ، وَيُؤَنَّثُ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْحُجَّةِ. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ سَلِيطٍ، كَرَغِيفٍ وَرُغْفَانَ.

стр. 1038

قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا هُمْ) : إِذَا مَكَانِيَّةٌ لِلْمُفَاجَأَةِ نَابَتْ عَنِ الْفَاءِ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْمُفَاجَأَةَ تَعْقِيبٌ؛ وَلَا يَكُونُ أَوَّلَ الْكَلَامِ، كَمَا أَنَّ الْفَاءَ كَذَلِكَ، وَقَدْ دَخَلَتِ الْفَاءُ عَلَيْهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ زَائِدَةً. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا آتَيْتُمْ) : «مَا» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِآتَيْتُمَ. وَالْمَدُّ بِمَعْنَى أَعْطَيْتُمْ وَالْقَصْرُ بِمَعْنَى جِئْتُمْ وَقَصَدْتُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَرْبُوَ) : أَيِ الرِّبَا. (فَأُولَئِكَ) : هُوَ رُجُوعٌ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ. قَالَ تَعَالَى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيُذِيقَهُمْ) : مُتَعَلِّقٌ بِظَهَرَ؛ أَيْ لِيَصِيرَ حَالُهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ عَاقَبَهُمْ لِيُذِيقَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَانَ حَقًّا) : «حَقًّا» خَبَرُ كَانَ مُقَدَّمٌ، وَ «نَصْرُ» : اسْمُهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «حَقًّا» مَصْدَرًا، وَ «عَلَيْنَا» : الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي «كَانَ» ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَ «حَقًّا» : مَصْدَرٌ، وَ «عَلَيْنَا نَصْرُ» مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ كَانَ. قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨)) .

стр. 1039

قَوْلُهُ تَعَالَى: (كِسَفًا) : بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى أَنَّهُ جَمَعُ كِسْفَةٍ، وَسُكُونُهَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَخْفِيفٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ أَيْ ذَا كِسَفٍ. وَالْهَاءُ فِي «خِلَالِهِ» لِلسَّحَابِ، وَقِيلَ: لِلْكِسَفِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ قَبْلِهِ) : قِيلَ: هِيَ تَكْرِيرٌ لِقَبْلِ الْأُولَى، وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِيهَا لِلسَّحَابِ، أَوْ لِلرِّيحِ، أَوْ لِلْكِسَفِ. وَالْمَعْنَى: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْمَطَرِ مِنْ قَبْلِ السَّحَابِ أَوِ الرِّيحِ؛ فَتَتَعَلَّقُ «مِنْ» بِيُنَزِّلَ. قَالَ تَعَالَى: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَى آثَارِ) : يُقْرَأُ بِالْإِفْرَادِ وَالْجَمْعِ. وَ (يُحْيِي) بِالْيَاءِ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ اللَّهُ، أَوِ الْأَثَرُ، أَوْ مَعْنَى الرَّحْمَةِ. وَبِالتَّاءِ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ آثَارُ، أَوِ الرَّحْمَةُ. وَالْهَاءُ فِي «رَأَوْهُ» لِلزَّرْعِ؛ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ «يُحْيِي الْأَرْضَ» . وَقِيلَ: لِلرِّيحِ. وَقِيلَ: لِلسَّحَابِ. (لَظَلُّوا) أَيْ لَيَظَلُّنَّ؛ لِأَنَّهُ جَوَابُ الشَّرْطِ؛ وَكَذَا أَرْسَلْنَا بِمَعْنَى: نُرْسِلُ. قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)) . وَالضَّعْفُ - بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ لُغَتَانِ. قَالَ تَعَالَى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَنْفَعُ) : بِالتَّاءِ عَلَى اللَّفْظِ وَبِالْيَاءِ عَلَى مَعْنَى الْعُذْرِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَهُمَا، أَوْ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1040

سُورَةُ لُقْمَانَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ تَعَالَى: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُدًى وَرَحْمَةً) : هُمَا حَالَانِ مِنْ «آيَاتُ» وَالْعَامِلُ مَعْنَى الْإِشَارَةِ. وَبِالرَّفْعِ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ؛ أَيْ هِيَ، أَوْ هُوَ. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَتَّخِذَهَا) : النَّصْبُ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى «يُضِلَّ» . وَالرَّفْعُ عَطْفٌ عَلَى «يَشْتَرِي» أَوْ عَلَى إِضْمَارِ هُوَ؛ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى السَّبِيلِ. وَقِيلَ: عَلَى الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْأَحَادِيثُ. وَقِيلَ: عَلَى الْآيَاتِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا) : مَوْضِعُهُ حَالٌ، وَالْعَامِلُ «وَلَّى» أَوْ «مُسْتَكْبِرًا» . وَ (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا) : إِمَّا بَدَلٌ مِنَ الْحَالِ الْأُولَى الَّتِي هِيَ «كَأَنْ لَمْ» أَوْ تَبْيِينٌ لَهَا، أَوْ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي يَسْمَعُ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَالِدِينَ فِيهَا) : حَالٌ مِنَ الْجَنَّاتِ، وَالْعَامِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ «لَهُمْ» وَإِنْ شِئْتَ كَانَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «لَهُمْ» وَهُوَ أَقْوَى. (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الرُّومِ. (

стр. 1041

بِغَيْرِ عَمَدٍ) : قَدْ ذُكِرَ فِي الرَّعْدِ. قَالَ تَعَالَى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١) وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ) : أَيْ مَخْلُوقُهُ؛ كَقَوْلِهِمْ دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ. وَ (مَاذَا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «خَلَقَ» لَا بِأَرُونِي لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ؛ فَأَمَّا كَوْنُ «ذَا» بِمَعْنَى الَّذِي فَقَدَ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ. وَ (لُقْمَانُ) : اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ وَإِنْ وَافَقَ الْعَرَبِيَّ؛ فَإِنَّ لُقْمَانَ «فُعْلَانَ» مِنَ اللَّقْمِ. (أَنِ اشْكُرْ) : قَدْ ذُكِرَ نَظَائِرُهُ. (وَإِذْ قَالَ) : أَيْ وَاذْكُرْ. وَ (بُنَيَّ) قَدْ ذُكِرَ فِي هُودٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهْنًا) : الْمَصْدَرُ هُنَا حَالٌ؛ أَيْ ذَاتِ وَهْنٍ؛ أَيْ مَوْهُونَةً. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فِي وَهْنٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَعْرُوفًا) : صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ إِصْحَابًا مَعْرُوفًا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: بِمَعْرُوفٍ. قَالَ تَعَالَى: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)) .

стр. 1042

قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّهَا إِنْ تَكُ) : «هَا» ضَمِيرُ الْقِصَّةِ، أَوِ الْفِعْلَةِ. وَ (مِثْقَالَ حَبَّةٍ) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَنْبِيَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ صَوْتِكَ) : هُوَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أَيِ اكْسِرْ شَيْئًا مِنْ صَوْتِكَ. وَعَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ تَكُونُ «مِنْ» زَائِدَةً. وَصَوْتُ الْحَمِيرِ إِنَّمَا وَحَّدَهُ لِأَنَّهُ جِنْسٌ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (نِعَمَهُ) : عَلَى الْجَمْعِ، وَنِعْمَةٌ عَلَى الْإِفْرَادِ فِي اللَّفْظِ؛ وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ؛ كَقَوْلِهِ: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [إِبْرَاهِيمَ: ٣٤] . وَ (ظَاهِرَةً) : حَالٌ، أَوْ صِفَةٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ شَجَرَةٍ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الِاسْتِقْرَارِ، أَوْ مِنْ «مَا» . (وَالْبَحْرُ) - بِالرَّفْعِ - عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ. وَالثَّانِي: عَطْفٌ عَلَى مَوْضِعِ اسْمِ «إِنَّ» . وَبِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ «إِنَّ» وَإِنْ شِئْتَ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ. وَضَمُّ يَاءِ «يُمِدُّهُ» وَفَتْحُهَا: لُغَتَانِ.

стр. 1043

قَالَ تَعَالَى: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ «خَلْقُكُمْ» . قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِنِعْمَةِ اللَّهِ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفُلْكِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتَجْرِي؛ أَيْ بِسَبَبِ نِعْمَةِ اللَّهِ . قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ) : «مَوْلُودٌ» : يَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى وَالِدٍ، فَيَكُونُ مَا بَعْدَهُ صِفَةً لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً؛ لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ الْخَبَرُ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) : هَذَا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ شَبَهِ الظَّرْفِ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى قَوْلِهِ: «عِنْدَهُ» كَذَا يَقُولُ ابْنُ جِنِّيٍّ وَغَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1044

سُورَةُ السَّجْدَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ تَعَالَى: (الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (الم) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَ «تَنْزِيلُ» : خَبَرُهُ. وَالتَّنْزِيلُ بِمَعْنَى الْمُنَزَّلِ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ؛ فَعَلَى هَذَا (لَا رَيْبَ فِيهِ) : حَالٌ مِنَ الْكِتَابِ، وَالْعَامِلُ تَنْزِيلُ. وَ (مِنْ رَبِّ) : يَتَعَلَّقُ بِتَنْزِيلُ أَيْضًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي (فِيهِ) وَالْعَامِلُ الظَّرْفُ؛ لَا رَيْبَ هُنَا مَبْنِيٌّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (تَنْزِيلُ) مُبْتَدَأً، وَ «لَا رَيْبَ فِيهِ» الْخَبَرَ، وَ (مِنْ رَبِّ) حَالٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ تَتَعَلَّقَ (مِنْ) بِتَنْزِيلُ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ قَدْ أُخْبِرَ عَنْهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ «مِنْ رَبِّ» «وَلَا رَيْبَ فِيهِ» حَالٌ مِنَ الْكِتَابِ، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. قَالَ تَعَالَى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ يَقُولُونَ) : «أَمْ» هُنَا مُنْقَطِعَةٌ؛ أَيْ: بَلْ أَيَقُولُونَ. وَ «مَا» فِي «مَا أَتَاهُمْ» : نَافِيَةٌ، وَالْكَلَامُ صِفَةٌ لِقَوْمٍ. قَالَ تَعَالَى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِمَّا تَعُدُّونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِأَلْفٍ، وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لِسَنَةٍ.

стр. 1045

قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِي أَحْسَنَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هُوَ الَّذِي، أَوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. وَ (الْعَزِيزُ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «الرَّحِيمُ» : صِفَةٌ، وَ «الَّذِي» : خَبَرُهُ. وَ (خَلْقَهُ) بِسُكُونِ اللَّامِ: بَدَلٌ مِنْ «كُلَّ» بَدَلَ الِاشْتِمَالِ؛ أَيْ أَحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا أَوَّلَ، وَ «كُلَّ شَيْءٍ» ثَانِيًا. وَأَحْسَنَ بِمَعْنَى عَرَّفَ؛ أَيْ عَرَّفَ عِبَادَهُ كُلَّ شَيْءٍ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَهُوَ صِفَةٌ لِكُلٍّ، أَوْ لِشَيْءٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَئِذَا ضَلَلْنَا) : بِالضَّادِ؛ أَيْ ذَهَبْنَا وَهَلَكْنَا؛ وَبِالصَّادِ؛ أَيْ أَنْتَنَّا؛ مِنْ قَوْلِكَ: صَلَّ اللَّحْمُ، إِذَا أَنْتَنَ. وَالْعَامِلُ فِي «إِذَا» مَعْنَى الْجُمْلَةِ الَّتِي فِي أَوَّلِهَا «إِنَّا» أَيْ إِذَا هَلَكْنَا نُبْعَثُ؛ وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ «جَدِيدٍ» لِأَنَّ مَا بَعْدَ «إِنَّ» لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)) . (وَلَوْ تَرَى) : هُوَ مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ وَلَوْ تَرَى الْمُجْرِمِينَ، وَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ الْمُبْتَدَأُ. وَ «إِذْ» هَاهُنَا: يُرَادُ بِهَا الْمُسْتَقْبَلُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْبَقَرَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ رَبَّنَا، وَمَوْضِعُ الْمَحْذُوفِ حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا «نَاكِسُوا» . .

стр. 1046

قَالَ تَعَالَى: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ) : أَيْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولُ «فَذُوقُوا» : «لِقَاءَ» عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فِي إِعْمَالِ الْأَوَّلِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولُ «ذُوقُوا» : «هَذَا» أَيْ هَذَا الْعَذَابَ. قَالَ تَعَالَى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَتَجَافَى) : وَ (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَ (خَوْفًا وَطَمَعًا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَعْرَافِ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا أُخْفِيَ لَهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» اسَتِفْهَامًا، وَمَوْضِعُهَا رَفَعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَ «أُخْفِيَ لَهُمْ» خَبَرَهُ، عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ فَتَحَ الْيَاءَ. وَعَلَى قِرَاءَةِ مَنْ سَكَّنَهَا وَجَعَلَ «أَخْفَى» مُضَارِعًا تَكُونُ «مَا» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأُخْفِيَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي مَنْصُوبَةً بِتَعْلَمُ. وَ (مِنْ قُرَّةِ) : فِي الْوَجْهَيْنِ: حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «أُخْفِيَ» . وَ (جَزَاءً) : مَصْدَرٌ؛ أَيْ جُوزُوا جَزَاءً. قَالَ تَعَالَى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَسْتَوُونَ) : مُسْتَأْنَفٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ، وَهُوَ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّقْدِيرِ. وَ (نُزُلًا) : قَدْ ذُكِرَ فِي آلِ عِمْرَانَ.

стр. 1047

قَالَ تَعَالَى: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ) : هُوَ صِفَةُ الْعَذَابِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ النَّارِ، وَذُكِّرَ عَلَى مَعْنَى الْجَحِيمِ، أَوِ الْحَرِيقِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب فَلَا تكن فِي مرية من لِقَائِه وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ لِقَائِهِ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ ضَمِيرَ اسْمِ اللَّهِ؛ أَيْ مِنْ لِقَاءِ مُوسَى اللَّهَ، فَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ؛ وَأَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ مُوسَى؛ فَيَكُونَ مُضَافًا إِلَى الْفَاعِلِ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ إِلَى الْكِتَابِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ) [النَّمْلِ: ٦] . وَقِيلَ: مِنْ لِقَائِكَ يَا مُحَمَّدُ مُوسَى، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا، لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ. قَالَ تَعَالَى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)) . (لَمَّا) بِالتَّشْدِيدِ ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ: «جَعَلْنَا مِنْهُمْ» أَوْ يَهْدُونَ. وَبِالتَّخْفِيفِ وَكَسْرِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ. قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)) . (كَمْ أَهْلَكْنَا) : قَدْ ذُكِرَ فِي طَهَ.

стр. 1048

سُورَةُ الْأَحْزَابِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ تَعَالَى: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِمَا تَعْمَلُونَ) : إِنَّمَا جَاءَ بِالْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: اتَّبِعْ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ. وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ. قَالَ تَعَالَى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى : (اللَّاتِي ) : هُوَ جَمْعُ الَّتِي وَالْأَصْلُ إِثْبَاتُ الْيَاءِ؛ وَيَجُوزُ حَذْفُهَا اجْتِزَاءً بِالْكَسْرَةِ. وَيَجُوزُ تَلْيِينُ الْهَمْزَةِ وَقَلْبُهَا يَاءً. (تُظَاهِرُونَ) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ. قَالَ تَعَالَى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُوَ أَقْسَطُ) : أَيْ دُعَاؤُكُمْ، فَأَضْمَرَ الْمَصْدَرَ لِدَلَالَةِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ. (فَإِخْوَانُكُمْ) بِالرَّفْعِ؛ أَيْ فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ. وَبِالنَّصْبِ؛ أَيْ فَادْعُوهُمْ إِخْوَانَكُمْ. (وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) : «مَا» فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى «مَا» الْأُولَى؛ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ تُؤَاخَذُونَ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)) .

стр. 1049

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) : أَيْ مِثْلُ أُمَّهَاتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَعْضُهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا، وَأَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً. وَ (فِي كِتَابِ اللَّهِ) : يَتَعَلَّقُ بِأَوْلَى. وَأَفْعَلُ يَعْمَلُ فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى أَوْلَى، وَلَا يَكُونُ حَالًا مَنْ «أُولُوا الْأَرْحَامِ» لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِالْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهُ عَامِلُ إِذَا. وَ (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِأُولُوا الْأَرْحَامِ، فَيَنْتَصِبَ عَلَى التَّبْيِينِ؛ أَيْ أَعْنِي؛ وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأَوْلَى، فَمَعْنَى الْأَوَّلِ: وَأُولُوا الْأَرْحَامِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنَ الْأَجَانِبِ. وَعَلَى الثَّانِي: وَأُولُوا الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ الْأَجَانِبِ. (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا) : اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذْنَا) : أَيْ وَاذْكُرْ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ جَاءَتْكُمْ) : هُوَ مِثْلُ: (إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً) [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٣] . وَقَدْ ذُكِرَ فِي آلِ عِمْرَانَ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)) .

стр. 1050

(إِذْ جَاءُوكُمْ) : بَدَلٌ مِنْ إِذِ الْأُولَى. وَ (الظَّنُونَا) : بِالْأَلِفِ فِي الْمَصَاحِفِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ فَشُبِّهَ بِأَوَاخِرِ الْآيَاتِ الْمُطْلَقَةِ لِتَتَآخَى رُءُوسُ الْآيِ وَمِثْلُهُ: الرَّسُولَا، وَالسَّبِيلَا، عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْقِرَاءَاتِ. وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى الْأَصْلِ. وَالزِّلْزَالُ - بِالْكَسْرِ: الْمَصْدَرُ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)) . وَ (يَثْرِبَ) : لَا يَنْصَرِفُ لِلتَّعْرِيفِ وَوَزْنِ الْفِعْلِ، وَفِيهِ التَّأْنِيثُ. وَ (يَقُولُونَ) : حَالٌ، أَوْ تَفْسِيرٌ لِيَسْتَأْذِنُ. وَ (عَوْرَةً) : أَيْ ذَاتِ عَوْرَةٍ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ عَوِرَ، فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَأَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)) . وَ (لَأَتَوْهَا) بِالْقَصْرِ: جَاءُوهَا، وَبِالْمَدِّ أَيْ أَعْطَوْهَا مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْبَقَاءِ. وَ (إِلَّا يَسِيرًا) : أَيْ إِلَّا لُبْثًا، أَوْ إِلَّا زَمَنًا، وَمِثْلُهُ: (إِلَّا قَلِيلًا) . قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥)) . (لَا يُوَلُّونَ) : جَوَابُ الْقَسَمِ؛ لِأَنَّ عَاهَدُوا فِي مَعْنَى أَقْسَمُوا. وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَحَذْفِ الْوَاوِ عَلَى تَأْكِيدِ جَوَابِ الْقَسَمِ.

стр. 1051

قَالَ تَعَالَى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨)) . وَ (هَلُمَّ) قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَنْعَامِ إِلَّا أَنَّ ذَاكَ مُتَعَدٍّ، وَهَذَا لَازِمٌ. قَالَ تَعَالَى: (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَشِحَّةً) : هُوَ جَمْعُ شَحِيحٍ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي (يَأْتُونَ) وَ (أَشِحَّةً) الثَّانِي حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي سَلَقُوكُمْ. وَ (يَنْظُرُونَ) : حَالٌ؛ لِأَنَّ رَأَيْتَهُمْ: أَبْصَرْتَهُمْ. وَ (تَدُورُ) حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَنْظُرُونَ. (كَالَّذِي) : أَيْ دَوَرَانًا كَدَوَرَانِ عَيْنِ الَّذِي. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْكَافُ حَالًا مِنْ أَعْيُنِهِمْ؛ أَيْ مُشْبِهَةً عَيْنَ الَّذِي. قَالَ تَعَالَى: (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَحْسَبُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ أَحَدِ الضَّمَائِرِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِذَا صَحَّ الْمَعْنَى وَتَبَاعَدَ الْعَامِلُ فِيهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وَ (بَادُونَ) : جَمْعُ بَادٍ. وَقُرِئَ «بُدًّا» مِثْلُ غَازٍ وَغُزًّى. وَ (يَسْأَلُونَ) : حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُسْوَةٌ) : الْكَسْرُ وَالضَّمُّ لُغَتَانِ، وَهُوَ اسْمٌ لِلتَّأَسِّي، وَهُوَ الْمَصْدَرُ، وَهُوَ اسْمُ كَانَ، وَالْخَبَرُ: «لَكُمْ» .

стр. 1052

وَ (فِي رَسُولِ اللَّهِ) : حَالٌ، أَوْ ظَرْفٌ يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِقْرَارِ، لَا بِأُسْوَةٌ، أَوْ بَكَانَ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «فِي رَسُولِ اللَّهِ» الْخَبَرَ، وَ «لَكُمْ» تَخْصِيصٌ وَتَبْيِينٌ. (لِمَنْ كَانَ) : قِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ. وَمَنَعَ مِنْهُ الْأَكْثَرُونَ؛ لِأَنَّ ضَمِيرَ الْمُخَاطَبِ لَا يُبْدَلُ مِنْهُ؛ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِحَسَنَةٍ، أَوْ يَكُونَ نَعْتًا لَهَا؛ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِأُسْوَةٌ لِأَنَّهَا قَدْ وُصِفَتْ. وَ (كَثِيرًا) : نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) : إِنَّمَا أَظْهَرَ الِاسْمَيْنِ هُنَا مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِمَا؛ لِئَلَّا يَكُونَ الضَّمِيرُ الْوَاحِدُ عَنِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ. قَالَ تَعَالَى: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَامَ الْعَاقِبَةِ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِصِدْقٍ؛ أَوْ بِزَادِهِمْ، أَوْ بِمَا بَدَّلُوا. قَالَ تَعَالَى: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِغَيْظِهِمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ. وَ (لَمْ يَنَالُوا) : حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)) . وَ (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي ظَاهَرُوهُمْ. وَ (مِنْ صَيَاصِيهِمْ) : مُتَعَلِّقَةٌ بِأَنْزَلَ.

стр. 1053

وَ (فَرِيقًا) : مَنْصُوبٌ بِـ «تَقْتُلُونَ» . يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)) . وَ (يُضَاعَفْ) وَيُضَعَّفْ: قَدْ ذُكِرَ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَقْنُتْ) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ حَمْلًا عَلَى لَفْظِ «مَنْ» وَبِالتَّاءِ عَلَى مَعْنَاهَا؛ وَمَثَلُهُ: وَ (تَعْمَلْ صَالِحًا) . وَمِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ الْأُولَى بِالتَّاءِ، وَالثَّانِيَةَ بِالْيَاءِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: هَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ التَّذْكِيرَ أَصْلٌ؛ فَلَا يُجْعَلُ تَبَعًا لِلتَّأْنِيثِ، وَمَا عَلَّلُوا بِهِ قَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا) [الْأَنْعَامِ: ١٣٩] . قَالَ تَعَالَى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَيَطْمَعَ الَّذِي) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ، وَبِالْكَسْرِ عَلَى نِيَّةِ الْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى تَخْضَعْنَ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَرْنَ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مِنْ وَقَرَ يَقِرُ إِذَا ثَبَتَ، وَمِنْهُ الْوَقَارُ، وَالْفَاءُ مَحْذُوفَةٌ.

стр. 1054

وَالثَّانِي: هُوَ مِنْ قَرَّ يَقِرُّ، وَلَكِنْ حُذِفَتْ إِحْدَى الرَّاءَيْنِ، كَمَا حُذِفَتْ إِحْدَى اللَّامَيْنِ فِي «ظَلْتَ» فِرَارًا مِنَ التَّكْرِيرِ. وَيُقْرَأُ بِالْفَتْحِ؛ وَهُوَ مِنْ قَرَّ لَا غَيْرَ، وَحُذِفَتْ إِحْدَى الرَّاءَيْنِ؛ وَإِنَّمَا فُتِحَتِ الْقَافُ عَلَى لُغَةٍ فِي: قَرَرْتُ أَقَرُّ فِي الْمَكَانِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَهْلَ الْبَيْتِ) : أَيْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى التَّخْصِيصِ وَالْمَدْحِ؛ أَيْ أَعْنِي، أَوْ أَخُصُّ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْحَافِظَاتِ) : أَيِ الْحَافِظَاتِ فُرُوجَهُنَّ، وَكَذَلِكَ «وَالذَّاكِرَاتِ» أَيْ وَالذَّاكِرَاتِ اللَّهَ، وَأَغْنَى الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ عَنِ الْإِعَادَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) : إِنَّمَا جَمَعَ لِأَنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ يُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) : قَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي التَّوْبَةِ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ) : هُوَ نَعْتٌ لِلَّذِينِ خَلَوْا. وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي، وَأَنْ يَرْتَفِعَ عَلَى إِضْمَارِ «هُمْ» . قَالَ تَعَالَى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)) .

стр. 1055

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ) : أَيْ وَلَكِنْ كَانَ رَسُولَ اللَّهِ وَكَذَلِكَ (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) . وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى مَعْنَى الْمَصْدَرِ، كَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْأَعَارِيبِ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ فِعْلٌ مِثْلُ فَاعَلَ بِمَعْنَى خَتَمَهُمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ اسْمٌ بِمَعْنَى آخِرِهِمْ؛ وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْمَخْتُومِ بِهِ النَّبِيُّونَ، كَمَا يُخْتَمُ بِالطَّابَعِ. وَبِكَسْرِهَا: أَيْ آخِرَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَعْتَدُّونَهَا) : تَفْتَعِلُونَهَا مِنَ الْعَدَدِ؛ أَيْ تَعُدُّونَهَا عَلَيْهِنَّ، أَوْ تَحْسِبُونَ بِهَا عَلَيْهِنَّ. وَمَوْضِعُهُ جَرٌّ عَلَى اللَّفْظِ، أَوْ رَفْعٌ عَلَى الْمَوْضِعِ. وَالسَّرَاحُ: اسْمٌ لِلتَّسْرِيحِ، وَلَيْسَ بِالْمَصْدَرِ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً) : فِي النَّاصِبِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَحْلَلْنَا فِي أَوَّلِ الْآيَةِ؛ وَقَدْ رَدَّ هَذَا قَوَّمٌ وَقَالُوا: أَحْلَلْنَا مَاضٍ، وَ «إِنْ وَهَبَتْ» هُوَ صِفَةٌ لِلْمَرْأَةِ مُسْتَقْبَلٌ، وَ «أَحْلَلْنَا» فِي مَوْضِعِ جَوَابِهِ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ لَا يَكُونُ مَاضِيًا فِي الْمَعْنَى. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِحْلَالِ هَاهُنَا الْإِعْلَامُ بِالْحِلِّ إِذَا وَقَعَ الْفِعْلُ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا تَقُولُ: أَبَحْتُ لَكَ أَنْ تُكَلِّمَ فُلَانًا إِنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ وَنُحِلُّ لَكَ امْرَأَةً.
следующие страницы →