Полный текст (1 313 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
لِلْمُجْرِمِينَ» ، وَسَقَطَ التَّنْوِينُ لِعَدَمِ الصَّرْفِ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ «بُشْرَى» إِذَا بَنَيْتَهَا مَعَ «لَا» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حِجْرًا مَحْجُورًا) : هُوَ مَصْدَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: حِجْرُنَا حِجْرًا. وَالْفَتْحُ وَالْكَسْرُ لُغَتَانِ؛ وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ) :
يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَالْأَصْلُ تَنْشَقُّ، وَهَذَا الْفِعْلُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْحَالُ وَالِاسْتِقْبَالُ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَاضِي؛ وَقَدْ حُكِيَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عُطِفَ عَلَيْهِ: وَ «نُزِّلَ» وَهُوَ مَاضٍ، وَذُكِرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: «وَيَقُولُونَ حِجْرًا» وَهَذَا يَكُونُ بَعْدَ تَشَقُّقِ السَّمَاءِ.
وَأَمَّا انْتِصَابُ «يَوْمَ» فَعَلَى تَقْدِيرِ: اذْكُرْ، أَوْ عَلَى مَعْنَى: وَيَنْفَرِدُ اللَّهُ بِالْمُلْكِ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ.
(وَنُزِّلَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى التَّشْدِيدِ.
وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ وَالْفَتْحِ.
وَ (تَنْزِيلًا) - عَلَى هَذَا: مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: نُزِّلُوا تَنْزِيلًا فَنَزَلُوا.
قَالَ تَعَالَى: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْمُلْكُ) : مُبْتَدَأٌ، وَفِي الْخَبَرِ أَوْجُهٌ ثَلَاثَةٌ؛ أَحَدُهَا: «لِلرَّحْمَنِ» فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «الْحَقُّ» نَعْتًا لِـ «الْمُلْكُ» وَ «يَوْمئِذٍ» مَعْمُولُ الْمُلْكِ، أَوْ مَعْمُولُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللَّامُ؛ وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ «الْحَقُّ» لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ.
стр. 982
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ: «الْحَقُّ» وَ «لِلرَّحْمَنِ» تَبْيِينٌ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الْحَقِّ؛ أَيْ يَثْبُتُ لِلرَّحْمَنِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ «يَوْمَئِذٍ» وَالْحَقُّ نَعْتٌ لِلرَّحْمَنِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَوْم يعَض الظَّالِم على يَدَيْهِ يَقُول يَا لَيْتَني اتَّخذت مَعَ الرَّسُول سَبِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي) : الْجُمْلَةُ حَالٌ.
وَفِي «يَا» هَاهُنَا وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ) [النِّسَاءِ: ٧٣] .
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَهْجُورًا) : هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لَاتَّخَذُوا؛ أَيْ صَيَّرُوا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا بِإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جُمْلَةً) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْقُرْآنِ؛ أَيْ مُجْتَمِعًا.
(كَذَلِكَ) : أَيْ أُنْزِلَ كَذَلِكَ؛ فَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، أَوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وَاللَّامُ فِي «لِنُثَبِّثَ» يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ) : أَيْ بِالْمَثَلِ الْحَقِّ، أَوْ بِمَثَلٍ أَحْسَنَ تَفْسِيرًا مِنْ تَفْسِيرِ مَثَلِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)) .
стр. 983
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ، أَوْ أَعْنِي الَّذِينَ.
وَ (أُولَئِكَ) : مُسْتَأْنِفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «الَّذِينَ» مُبْتَدَأٌ، وَ «أُولَئِكَ» خَبَرُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَارُونَ) : هُوَ بَدَلٌ.
قَالَ تَعَالَى: (فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَدَمَّرْنَاهُمْ) : يُقْرَأُ: «فَدَمَّرْنَاهُمْ» وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى اذْهَبَا، وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَذَهَبَا فَأَنْذَرَا فَكَذَّبُوهُمَا فَدَمَّرْنَاهُمْ.
(وَقَوْمَ نُوحٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ أَيْ وَدَمَّرْنَا قَوْمَ نُوحٍ.
وَ (أَغْرَقْنَاهُمْ) : تَبْيِينٌ لِلتَّدْمِيرِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَأَغْرَقْنَا قَوْمَ نُوحٍ.
(وَعَادًا) : أَيْ وَدَمَّرْنَا، أَوْ أَهْلَكْنَا عَادًا.
(وَكُلًّا) : مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَذَكَرْنَا كُلًّا؛ لِأَنَّ «ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ» فِي مَعْنَاهُ.
وَأَمَّا (كُلًّا) الثَّانِيَةُ فَمَنْصُوبَةٌ بِـ (تَبَّرْنَا) لَا غَيْرَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَطَرَ السَّوْءِ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ثَانِيًا؛ وَالْأَصْلُ أُمْطِرَتِ الْقَرْيَةُ مَطَرًا؛ أَيْ أَوْلَيْتُهَا أَوْ أَعْطَيْتُهَا.
стр. 984
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَحْذُوفَ الزَّوَائِدِ؛ أَيْ إِمْطَارَ السَّوْءٍ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَحْذُوفٍ؛ أَيْ إِمْطَارًا مِثْلَ مَطَرِ السَّوْءِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُزُوًا) أَيْ مَهْزُوًّا بِهِ؛ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ «أَهَذَا» وَالْمَحْذُوفُ حَالٌ، وَالْعَائِدُ إِلَى «الَّذِي» مَحْذُوفٌ؛ أَيْ بَعَثَهُ.
وَ (رَسُولًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى: «مُرْسَلٍ» وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا حُذِفَ مِنْهُ الْمُضَافُ؛ أَيْ ذَا رَسُولٍ، وَهُوَ الرِّسَالَةُ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ كَادَ) : هِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، قَدْ ذُكِرَ الْخِلَافُ فِيهَا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ أَضَلُّ) : هُوَ اسْتِفْهَامٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)) .
وَ (نُشُورًا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَعْرَافِ.
قَالَ تَعَالَى: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِنُحْيِيَ بِهِ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَنْزَلْنَا، وَيَضْعُفُ تَعَلُّقُهَا بِطَهُورٍ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مَا طَهُرَ لِنُحْيِيَ.
(مِمَّا خَلَقْنَا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ «أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ» وَالتَّقْدِيرُ: أَنْعَامًا مِمَّا خَلَقْنَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ «مِنْ» بِـ «نُسْقِيَهُ» لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، كَقَوْلِكَ: أَخَذْتُ مِنْ زَيْدٍ مَالًا؛ فَإِنَّهُمْ أَجَازُوا فِيهِ الْوَجْهَيْنِ.
стр. 985
وَأَنَاسِيَّ: أَصْلُهُ أَنَاسِينَ، جَمْعُ إِنْسَانٍ، كَسَرْحَانَ وَسَرَاحِينَ، فَأُبْدِلَتِ النُّونُ فِيهِ يَاءً وَأُدْغِمَتْ.
وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ إِنْسِيٍّ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَالْهَاءُ فِي «صَرَّفْنَاهُ» لِلْمَاءِ. وَالْهَاءُ فِي «بِهِ» لِلْقُرْآنِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِلْحٌ) : الْمَشْهُورُ عَلَى الْقِيَاسِ يُقَالُ: مَاءٌ مِلْحٌ؛ وَقُرِئَ «مَلِحٍ» بِكَسْرِ اللَّامِ، وَأَصْلُهُ: مَالِحٌ، عَلَى هَذَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الشُّذُوذِ؛ فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ كَمَا قَالُوا فِي بَارِدٍ بَرِدٌ.
وَالتَّاءُ فِي «فُرَاتٌ» أَصْلِيَّةٌ، وَوَزْنُهُ فُعَالٌ.
وَ (بَيْنَهُمَا) : ظَرْفٌ لِجَعَلَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ بَرْزَخٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى رَبِّهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ كَانَ. وَ «ظَهِيرًا» حَالٌ، أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِ (ظَهِيرًا) ؛ وَهُوَ الْأَقْوَى.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ شَاءَ) : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِذُنُوبِ) : هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِـ «خَبِيرًا» أَيْ كَفَى اللَّهُ خَبِيرًا بِذُنُوبِهِمْ.
стр. 986
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِي خَلَقَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً. وَ «الرَّحْمَنُ» : الْخَبَرُ؛ وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا؛ أَيْ هُوَ الَّذِي؛ أَوْ نَصْبًا عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي فَيَتِمُّ الْكَلَامُ عَلَى الْعَرْشِ. وَيَكُونُ «الرَّحْمَنُ» مُبْتَدَأً، وَ «فَاسْأَلْ بِهِ» : الْخَبَرُ، عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ، أَوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هُوَ الرَّحْمَنُ، أَوْ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «اسْتَوَى» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِهِ) : فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: الْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِـ «خَبِيرًا» وَخَبِيرًا مَفْعُولُ «اسْأَلْ» . وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى عَنْ، فَتَتَعَلَّقُ بِاسْأَلْ.
وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَاسْأَلْ بِسُؤَالِكَ عَنْهُ خَبِيرًا.
وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ «خَبِيرًا» حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ فِي اسْأَلْ؛ لِأَنَّ الْخَبِيرَ لَا يَسْأَلُ إِلَّا عَلَى جِهَةِ التَّوْكِيدِ؛ مِثْلَ: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا) [الْبَقَرَةِ: ٩١] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الرَّحْمَنِ إِذَا رَفَعْتَهُ بِـ «اسْتَوَى» .
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِمَا تَأْمُرُنَا) : يُقْرَأُ بِالتَّاءِ وَالْيَاءِ. وَفِي «مَا» ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هِيَ
بِمَعْنَى الَّذِي. وَالثَّانِي: نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ تَحْتَاجُ إِلَى عَائِدٍ، وَالتَّقْدِيرُ: لِمَا تَأْمُرُنَا
стр. 987
بِالسُّجُودِ لَهُ، ثُمَّ يَأْمُرُنَا، هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ؛ وَعَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ حَذْفُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ غَيْرِ تَدْرِيجٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أَيْ أَنَسْجُدُ مِنْ أَجْلِ أَمْرِكَ؛ وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَائِدٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَعْبُدُ اللَّهَ لِأَجْلِ أَمْرِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (سِرَاجًا) : يُقْرَأُ عَلَى الْإِفْرَادِ، وَالْمُرَادُ الشَّمْسُ، وَعَلَى الْجَمْعِ بِضَمَّتَيْنِ؛ أَيِ الشَّمْسُ وَالْكَوَاكِبُ، أَوْ يَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ الشَّمْسِ سِرَاجًا لِانْتِشَارِهَا وَإِضَاءَتِهَا فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ.
وَ (خِلْفَةً) : مَفْعُولٌ ثَانٍ، أَوْ حَالٌ وَأُفْرِدَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَخْلُفُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا إِلَّا مِنْهُمَا.
وَالشُّكُورُ - بِالضَّمِّ مَصْدَرٌ مِثْلُ الشُّكْرِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ) : مُبْتَدَأٌ. وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: «الَّذِينَ يَمْشُونَ» وَالثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: «أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ» وَ «الَّذِينَ يَمْشُونَ» صِفَةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالُوا سَلَامًا) : «سَلَامًا» هُنَا مَصْدَرٌ، وَكَانُوا فِي مَبْدَأِ الْإِسْلَامِ إِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ذَكَرُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ؛ لِأَنَّ الْقِتَالَ لَمْ يَكُنْ شُرِعَ، ثُمَّ نُسِخَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَالُوا بِمَعْنَى سَلَّمُوا، فَيَكُونُ «سَلَامًا» مَصْدَرَهُ.
стр. 988
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُسْتَقَرًّا) : هُوَ تَمْيِيزٌ، وَ «سَاءَتْ» بِمَعْنَى بِئْسَ.
وَ (يَقْتُرُوا) : بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَفِي التَّاءِ وَجْهَانِ؛ الْكَسْرُ، وَالضَّمُّ؛ وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا. وَالْمَاضِي ثُلَاثِيٌّ؛ يُقَالُ: قَتَرَ يَقْتُرُ وَيَقْتِرُ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ، وَالْمَاضِي أَقْتَرُ، وَهِيَ لُغَةٌ، وَعَلَيْهَا جَاءَ: (وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) [الْبَقَرَةِ: ٢٣٦] .
(وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ) : أَيْ وَكَانَ الْإِنْفَاقُ. وَ «قَوَامًا» الْخَبَرُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «بَيْنَ» الْخَبَرَ، وَ «قَوَامًا» حَالًا.
(إِلَّا بِالْحَقِّ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا مُسْتَحِقِّينَ.
وَالْأَثَامُ: اسْمٌ مِثْلُ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ.
قَالَ تَعَالَى: (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُضَاعَفْ) : يُقْرَأُ بِالْجَزْمِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ «يَلْقَ» إِذْ كَانَ مِنْ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ مُضَاعَفَةَ الْعَذَابِ لُقَى الْآثَامِ.
وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ شَاذًّا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
وَ (يَخْلُدُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْيَاءِ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا وَفَتْحِ اللَّامِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَمَاضِيهِ أَخْلَدَ بِمَعْنَى خَلَدَ.
وَ (مُهَانًا) : حَالٌ.
(إِلَّا مَنْ تَابَ) : اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ؛ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ..
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)) .
стр. 989
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَذُرِّيَّاتِنَا) : يُقْرَأُ عَلَى الْإِفْرَادِ، وَهُوَ جِنْسٌ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ؛ وَبِالْجَمْعِ.
وَ (قُرَّةَ) : هُوَ الْمَفْعُولُ. وَ «مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا» : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «قُرَّةَ» ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْمُولَ «هَبْ» وَالْمَحْذُوفُ مِنْ (هَبْ) فَاؤُهُ؛ وَالْأَصْلُ كَسْرُ الْهَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَسْقُطُ إِلَّا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: مِثْلَ يَعِدُ، إِلَّا أَنَّ الْهَاءَ فُتِحَتَ مِنْ يَهَبُ؛ لِأَنَّهَا حَلْقِيَّةٌ فَهِيَ عَارِضَةٌ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ تَعُدِ الْوَاوُ كَمَا لَمْ تَعُدْ فِي «يَسَعُ وَيَدَعُ»
. قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِمَامًا) : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَصْدَرٌ، مِثْلَ قِيَامٍ وَصِيَامٍ، فَلَمْ يُجْمَعْ لِذَلِكَ، وَالتَّقْدِيرُ: ذَوِي إِمَامٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَمْعُ إِمَامَةٍ، مِثْلَ حَالٍّ وَحِلَالٍ.
وَالثَّالِثُ: هُوَ جَمْعُ آمٍّ، مِنْ أَمَّ يَؤُمُّ، مِثْلَ حَالٍّ وَحِلَالٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ وَاحِدٌ اكْتَفَى بِهِ عَنْ أَئِمَّةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) [الْحَجِّ: ٥] .
قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا () ٧٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيُلَقَّوْنَ) : يُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ وَتَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ؛ وَبِالتَّشْدِيدِ وَتَرْكِ التَّسْمِيَةِ.
وَالْفَاعِلُ فِي «حَسُنَتْ» ضَمِيرُ الْغُرْفَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا يَعْبَأُ بِكُمْ) : فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: مَا يَعْبَأُ بِخَلْقِكُمْ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ؛ أَيْ تَوْحِيدُكُمْ. وَالثَّانِي: مَا يَعْبَأُ بِعَذَابِكُمْ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَسَوْفَ يَكُونُ) : اسْمُ كَانَ مُضْمَرٌ، دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ الْمُتَقَدِّمُ، أَوْ يَكُونُ الْجَزَاءَ أَوِ الْعَذَابَ.
وَ (لِزَامًا) : أَيْ ذَا لِزَامٍ، أَوْ مُلَازِمًا، فَأَوْقَعَ الْمَصْدَرَ مَوْقِعَ اسْمِ الْفَاعِلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 990
سُورَةُ الشُّعَرَاءِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ تَعَالَى: (طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)) (طسم) : مِثْلُ الم، وَقَدْ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ. (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) : مِثْلُ: ذَلِكَ الْكِتَابُ. وَ (أَنْ لَا يَكُونُوا) : مَفْعُولٌ لَهُ؛ أَيْ لِئَلَّا؛ أَوْ مَخَافَةَ أَنْ لَا .
قَالَ تَعَالَى: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَظَلَّتْ) : أَيْ فَتَظَلُّ، وَمَوْضِعُهُ جَزْمٌ عَطْفًا عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَاضِعِينَ) : إِنَّمَا جُمِعُ الْمُذَكَّرُ لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْنَاقِ عُظَمَاؤُهُمْ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ أَصْحَابَ أَعْنَاقِهِمْ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ جَمْعُ عُنُقٍ مِنَ النَّاسِ؛ وَهُمُ الْجَمَاعَةُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الرِّقَابَ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَمَّا أَضَافَ الْأَعْنَاقَ إِلَى الْمُذَكَّرِ وَكَانَتْ مُتَّصِلَةً بِهِمْ فِي الْخِلْقَةِ، أَجْرَى عَلَيْهَا حُكْمَهُمْ.
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ «خَاضِعِينَ» : هُوَ حَالٌ لِلضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ لَا لِلْأَعْنَاقِ. وَهَذَا بَعِيدٌ فِي التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ «خَاضِعِينَ» يَكُونُ جَارِيًا عَلَى غَيْرِ فَاعِلِ ظَلَّتْ، فَيَفْتَقِرُ إِلَى إِبْرَازِ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ؛ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ: خَاضِعِينَ هُمْ.
стр. 991
قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «أَنْبَتْنَا» . وَ «مِنْ كُلِّ» : تَمْيِيزٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ نَادَى) : أَيْ وَاذْكُرْ؛ إِذْ نَادِي. وَ (أَنِ ائْتِ) : مَصْدَرِيَّةٌ؛ أَوْ بِمَعْنَى أَيْ.
قَالَ تَعَالَى: (قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَوْمَ) : هُوَ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ.
(أَلَا يَتَّقُونَ) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَبِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَا قَوْمَ فِرْعَوْنَ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولُ يَتَّقُونَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَضِيقُ صَدْرِي) : بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ؛ أَيْ وَأَنَا يَضِيقُ صَدْرِي بِالتَّكْذِيبِ، وَبِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمَنْصُوبِ قَبْلَهُ، وَكَذَلِكَ. (يَنْطَلِقُ) .
(فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ) أَيْ مَلِكًا يُعْلِمْهُ أَنَّهُ عَضُدِي، أَوْ نَبِيٌّ مَعِي.
قَالَ تَعَالَى: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) : فِي إِفْرَادِهِ أَوْجُهٌ؛ أَحَدُهَا: هُوَ مَصْدَرٌ كَالرِّسَالَةِ؛ أَيْ ذَوَا رَسُولٍ، أَوَ إِنَّا رِسَالَةٌ؛ عَلَى الْمُبَالَغَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ اكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا: إِذْ كَانَا عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ هُوَ الْأَصْلَ، وَهَارُونُ تَبَعٌ؛ فَذَكَرَ الْأَصْلَ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ عُمُرِكَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ «سِنِينَ» .
стр. 992
وَ (فَعْلَتَكَ) بِالْفَتْحِ، وَقُرِئَ بِالْكَسْرِ؛ أَيِ الْمَأْلُوفَةِ مِنْكَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتِلْكَ) : حَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ أَوَتِلْكَ.
وَ (تَمُنُّهَا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِنِعْمَةٍ، وَحَرْفُ الْجَرِّ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ بِهَا وَقِيلَ: حُمِلَ «عَلَىَّ» بِذِكْرٍ أَوْ بِعَبْدٍ.
وَ (أَنْ عَبَّدْتَ) : بَدَلٌ مِنْ نِعْمَةٍ. أَوْ عَلَى إِضْمَارِ هِيَ، أَوْ مِنَ الْهَاءِ فِي تَمُنُّهَا، أَوْ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِتَقْدِيرِ الْبَاءِ؛ أَيْ بِأَنْ عَبَّدْتَ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) : إِنَّمَا جَاءَ بِـ «مَا» لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ؛ أَيْ مَا صِفَتُهُ وَمَا أَفْعَالُهُ؟ وَلَوْ أَرَادَ الْعَيْنَ لَقَالَ: مَنْ؛ وَلِذَلِكَ أَجَابَهُ مُوسَى ﵇ بِقَوْلِهِ: «رَبُّ السَّمَاوَاتِ» .
وَقِيلَ: جَهِلَ حَقِيقَةَ السُّؤَالِ، فَجَاءَ مُوسَى بِحَقِيقَةِ الْجَوَابِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ) : حَالٌ مِنَ الْمَلَأِ؛ أَيْ كَائِنَيْنَ حَوْلَهُ.
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: الْمَوْصُوفُ مَحْذُوفٌ؛ أَيِ الَّذِينَ حَوْلَهُ. وَهُنَا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ ذُكِرَتْ فِي الْأَعْرَافِ، وَطَهَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ) : أَيْ نَحْلِفُ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ كُنَّا) : أَيْ لِأَنْ كُنَّا.
стр. 993
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَلِيلُونَ) : جَمْعٌ عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الشِّرْذِمَةَ جَمَاعَةٌ.
وَ (حَذِرُونَ) : بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَبِالْأَلِفِ لُغَتَانِ، وَقِيلَ: الْحَاذِرُ بِالْأَلْفِ: الْمُتَسَلِّحُ. وَيُقْرَأُ بِالدَّالِ، وَالْحَادِرُ: الْقَوِيُّ، وَالْمُمْتَلِئُ أَيْضًا مِنَ الْغَيْظِ أَوِ الْخَوْفِ.
قَالَ تَعَالَى: (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكَ) : أَيْ إِخْرَاجًا كَذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُشْرِقِينَ) : حَالٌ. وَالْمُشْرِقُ: الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ الشُّرُوقُ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمُدْرَكُونَ) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، يُقَالُ: أَدْرَكَتْهُ وَادَّرَكَتْهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَزْلَفْنَا) : بِالْفَاءِ؛ أَيْ قَرَّبْنَا وَالْإِشَارَةُ إِلَى أَصْحَابِ مُوسَى.
وَيُقْرَأُ شَاذًّا بِالْقَافِ؛ أَيْ صَيَّرْنَا قَوْمَ فِرْعَوْنَ إِلَى مَزْلَقَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ) : الْعَامِلُ فِي إِذْ «نَبَّأَ» .
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَالْمِيمِ؛ أَيْ يَسْمَعُونَ دُعَاءَكُمْ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ لِدَلَالَةِ «تَدْعُونَ» عَلَيْهِ.
стр. 994
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ؛ أَيْ يُسْمِعُونَكُمْ جَوَابَ دُعَائِكُمْ إِيَّاهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكَ) : مَنْصُوبٌ بِـ «يَفْعَلُونَ» .
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) : أَفْرَدَ عَلَى النَّسَبِ؛ أَيْ ذَوُو عَدَاوَةٍ؛ وَلِذَلِكَ يُقَالُ: فِي الْمُؤَنَّثِ: هِيَ عَدُوٌّ، كَمَا يُقَالُ: حَائِضٌ؛ وَقَدْ سُمِعَ: عَدُوَّةٌ.
(إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) : فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْأَعْدَادِ. وَالثَّانِي: هُوَ مِنِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ آبَاءَهُمْ قَدْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَغَيْرَ اللَّهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِي خَلَقَنِي) : «الَّذِي» مُبْتَدَأٌ، وَ «فَهُوَ» : مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَ «يَهْدِينِي» : خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ «الَّذِي» .
وَأَمَّا مَا بَعْدَهَا مِنَ «الَّذِي» فَصِفَاتٌ لِلَّذِي الْأُولَى؛ وَيَجُوزُ إِدْخَالُ الْوَاوِ فِي الصِّفَاتِ. وَقِيلَ: الْمَعْطُوفُ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ اسْتِغْنَاءً بِخَبَرِ الْأَوَّلِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ) : أَيْ وَارِثًا مِنْ وَرَثَةِ. . .؛ فَمِنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ «يَوْمَ» الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ) : فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ؛ أَيْ لَكِنْ مَنْ أَتَى اللَّهَ يَسْلَمُ أَوْ يَنْتَفِعُ.
стр. 995
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُتَّصِلٌ؛ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنَ الْمَحْذُوفِ، أَوِ اسْتِثْنَاءٌ مِنْهُ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ أَحَدًا إِلَّا مَنْ أَتَى. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمَالَ إِذَا صُرِفَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْبَنِينَ الصَّالِحِينَ يَنْتَفِعُ بِهِمْ مِنْ نُسِبَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى صَلَاحِهِمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ فَاعِلِ يَنْفَعُ، وَغَلَّبَ مَنْ يَعْقِلُ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِلَّا مَالُ مَنْ، أَوْ بَنُو مَنْ؛ فَإِنَّهُ يَنْفَعُ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ بِالشَّفَاعَةِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ يَنْفَعُ؛ أَيْ يَنْفَعُ ذَلِكَ إِلَّا رَجُلًا أَتَى اللَّهَ.
قَالَ تَعَالَى: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ: «مُبِينٌ» أَوْ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ «ضَلَالٌ» وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ ضَلَالٌ، لِأَنَّهُ قَدْ وُصِفَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَنَكُونَ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «كَرَّةً» أَيْ لَوْ أَنَّ لَنَا أَنْ نَكِرَّ فَنَكُونَ؛ أَيْ فَأَنْ نَكُونَ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّبَعَكَ) : الْوَاوُ لِلْحَالِ.
وَقُرِئَ شَاذًّا: «وَأَتْبَاعُكَ» عَلَى الْجَمْعِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ.
وَالثَّانِي: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «نُؤْمِنُ» وَ (الْأَرْذَلُونَ) : صِفَةٌ؛ أَيْ أَنَسْتَوِي نَحْنُ وَهُمْ؟ .
стр. 996
قَالَ تَعَالَى: (فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتْحًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا، وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، وَيَكُونُ الْفَتْحُ بِمَعْنَى الْمَفْتُوحِ، كَمَا قَالُوا: هَذَا مِنْ فُتُوحِ عُمَرَ.
قَالَ تَعَالَى: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَعْبَثُونَ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «تَبْنُونَ» .
وَ (تَخْلُدُونَ) : عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ وَالتَّخْفِيفِ، وَعَلَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ وَالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَالْمَاضِي خَلَدَ وَأَخْلَدَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ) : هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَلَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ) : هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَقَعَتْ مَوْقِعَ: أَمْ لَمْ تَعِظْ.
(إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ؛ أَيِ افْتِرَاءُ الْأَوَّلِينَ؛ أَيْ مِثْلُ افْتِرَائِهِمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ النَّاسُ؛ أَيْ هَلْ نَحْنُ وَأَنْتَ إِلَّا مِثْلُ مَنْ تَقَدَّمَ فِي دَعْوَى الرِّسَالَةِ وَالتَّكْذِيبِ، وَأَنَّا نَمَوْتُ وَلَا نُعَادُ.
وَيُقْرَأُ بِضَمَّتَيْنِ؛ أَيْ عَادَةُ الْأَوَّلِينَ.
قَالَ تَعَالَى: (أَتَتْرُكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي جَنَّاتٍ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: «هَاهُنَا» بِإِعَادَةِ الْجَارِ.
стр. 997
قَالَ تَعَالَى: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَرِهِينَ) : هُوَ حَالٌ. وَيُقْرَأُ «فَارِهِينَ» بِالْأَلِفِ، وَهُمَا لُغَتَانِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْقَالِينَ) : أَيْ لَقَالٍ مِنَ الْقَالِينَ؛ فَـ «مِنَ» صِفَةٌ لِلْخَبَرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ؛ وَبِهَذَا تُخُلِّصُ مِنْ تَقْدِيمِ الصِّلَةِ عَلَى الْمَوْصُولِ؛ إِذْ لَوْ جَعَلْتَ «مِنَ الْقَالِينَ» الْخَبَرَ لَأَعْمَلْتَهُ فِي «لِعَمَلِكُمْ» .
قَالَ تَعَالَى: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ التَّاءِ مَعَ تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ، وَتَخْفِيفِهَا بِالْإِلْقَاءِ، وَهُوَ مِثْلُ الْأُنْثَى وَالُانْثَى.
وَقُرِئَ «لَيْكَةَ» بِيَاءٍ بَعْدَ اللَّامِ وَفَتْحِ التَّاءِ؛ وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ: «لَيْكَةُ» حَتَّى يُجْعَلَ عَلَمًا، فَإِنِ ادُّعِيَ قَلْبُ الْهَمْزَةِ لَامًا فَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْجِبِلَّةَ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْبَاءِ وَضَمِّهَا مَعَ التَّشْدِيدِ، وَهُمَا لُغَتَانِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّهُ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ.
وَالتَّنْزِيلُ بِمَعْنَى الْمَنْزِلِ.
(نَزَلَ بِهِ) : يُقْرَأُ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ «الرُّوحُ الْأَمِينُ» وَعَلَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ وَالتَّشْدِيدِ.
وَيُقْرَأُ بِتَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ وَالتَّشْدِيدِ. وَ «الرُّوحَ» بِالنَّصْبِ؛ أَيْ أَنْزَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ بِالْقُرْآنِ. وَ «بِهِ» : حَالٌ.
стр. 998
قَالَ تَعَالَى: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِلِسَانٍ) : يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِالْمُنْذِرِينَ، وَأَنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنْ «بِهِ» أَيْ نَزَلَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ؛ أَيْ بِرِسَالَةٍ، أَوْ لُغَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَكُنْ) : يُقْرَأُ بِالتَّاءِ؛ وَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ التَّامَّةُ، وَالْفَاعِلُ «آيَّةٌ» وَ «أَنْ يَعْلَمَهُ» بَدَلٌ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ أَوَلَمْ تَحْصُلْ لَهُمْ آيَةٌ. وَالثَّانِي: هِيَ نَاقِصَةٌ؛ وَفِي اسْمِهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: ضَمِيرُ الْقِصَّةِ، وَ «أَنْ يَعْلَمَهُ» مُبْتَدَأٌ، وَ «آيَةً» خَبَرٌ مُقَدَّمٌ؛ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ. وَالثَّانِي: اسْمُهَا «آيَةٌ» وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: «لَهُمْ» وَ «أَنْ يَعْلَمَهُ» بَدَلٌ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
وَالثَّانِي: «أَنْ يَعْلَمَهُ» .
وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَعْرِفَةً؛ لِأَنَّ تَنْكِيرَ الْمَصْدَرِ وَتَعْرِيفَهُ سَوَاءٌ، وَقَدْ تَخَصَّصَتْ «آيَةً» بِـ «لَهُمْ» وَلِأَنَّ عِلْمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ مُعَيَّنٌ.
وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ التَّاءِ؛ لِأَنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
وَقَدْ قُرِئَ عَلَى الْيَاءِ آيَةً بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْأَعْجَمِينَ) : أَيِ الْأَعْجَمِيِّينَ فَحُذِفَ يَاءُ النِّسْبَةِ، كَمَا قَالُوا: الْأَشْعَرُونَ
стр. 999
أَيِ الْأَشْعَرِيُّونَ، وَوَاحِدُهُ أَعْجَمِيٌّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ أَعْجَمَ؛ لِأَنَّ مُؤَنَّثَهُ عَجْمَاءُ؛ وَمِثْلُ هَذَا لَا يُجْمَعُ جَمْعَ التَّصْحِيحِ.
قَالَ تَعَالَى: (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَلَكْنَاهُ) : قَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي الْحِجْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ تَعَالَى: (فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَيَأْتِيَهُمْ) ، (فَيَقُولُوا) : هُمَا مَعْطُوفَانِ عَلَى «يَرَوْا» .
قَالَ تَعَالَى: (مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا أَغْنَى عَنْهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِفْهَامًا، فَتَكُونُ «مَا» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَأَنْ يَكُونَ نَفْيًا؛ أَيْ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ شَيْئًا.
قَالَ تَعَالَى: (ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذِكْرَى) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيِ الْإِنْذَارُ ذِكْرَى.
قَالَ تَعَالَى: (يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُلْقُونَ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي «تَنَزَّلُ» .
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَهِيمُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ «أَنَّ» فَيَعْمَلُ فِي «فِي كُلِّ وَادٍ» وَأَنْ يَكُونَ حَالًا، فَيَكُونُ الْخَبَرُ «فِي كُلِّ وَادٍ»
. قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَيَّ مُنْقَلَبٍ) : هُوَ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَالْعَامِلُ «يَنْقَلِبُونَ» أَيْ يَنْقَلِبُونَ انْقِلَابًا؛ أَيَّ مُنْقَلَبٍ؛ وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ «يُعْلَمُ» لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ مَا قَبْلَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1000
سُورَةُ النَّمْلِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ تَعَالَى: (طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ) : هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (ذَلِكَ الْكِتَابُ) [الْبَقَرَةِ: ٢] فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ.
(وَكِتَابٍ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْمَجْرُورِ، وَبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى «آيَاتُ» وَجَاءَ بِالْوَاوِ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الْحِجْرِ: ٨٧] . وَقَدْ ذُكِرَ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى آيَاتٍ؟ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكِتَابَ مَجْمُوعُ آيَاتٍ، فَكَأَنَّ التَّأْنِيثَ عَلَى الْمَعْنَى.
وَالثَّانِي:أَن التَّقْدِير وآيات كتاب فأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَام الْمُضَاف
وَالثَّالِث: أَنَّهُ حَسُنَ لَمَّا صَحَّتِ الْإِشَارَةُ إِلَى آيَاتٍ، وَلَوْ وَلِيَ الْكِتَابُ «تِلْكَ» لَمْ يَحْسُنْ؛ أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: جَاءَتْنِي هِنْدٌ وَزَيْدٌ، وَلَوْ حَذَفْتَ هِنْدًا أَوْ أَخَّرْتَهَا لَمْ يَجُزِ التَّأْنِيثُ.
قَالَ تَعَالَى: (هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُدًى وَبُشْرَى) : هُمَا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ «آيَاتُ» أَوْ مِنْ «كِتَابٍ» إِذَا رَفَعْتَ؛ وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَجْرُورِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «مُبِينٍ» جَرَرْتَ أَوْ رَفَعْتَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أَوْ عَلَى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ.
قَالَ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ مُوسَى) : أَيْ وَاذْكُرْ.
стр. 1001
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِشِهَابٍ قَبَسٍ) : الْإِضَافَةُ مِنْ بَابِ «ثَوْبِ خَزٍّ» لِأَنَّ الشِّهَابَ نَوْعٌ مِنَ الْقَبَسِ؛ أَيِ الْمَقْبُوسِ. وَالتَّنْوِينُ عَلَى الصِّفَةِ.
وَالطَّاءُ فِي «يَصْطَلُونَ» بَدَلٌ مِنْ تَاءِ افْتَعَلَ مِنْ أَجْلِ الصَّادِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نُودِيَ) : فِي ضَمِيرِ الْفَاعِلِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: هُوَ ضَمِيرُ مُوسَى ﵇؛ فَعَلَى هَذَا فِي «أَنْ» ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: هِيَ بِمَعْنَى أَيْ؛ لِأَنَّ فِي النِّدَاءِ مَعْنَى الْقَوْلِ. وَالثَّانِي: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْفِعْلُ صِلَةٌ لَهَا، وَالتَّقْدِيرُ: لِبَرَكَةِ مَنْ فِي النَّارِ، أَوْ بِبَرَكَةٍ: أَيْ أُعْلِمَ بِذَلِكَ. وَالثَّالِثُ: هِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَجَازَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ؛ لِأَنَّ «بُورِكَ» دُعَاءٌ، وَالدُّعَاءُ يُخَالِفُ غَيْرَهُ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا ضَمِيرَ فِي «نُودِيَ» وَالْمَرْفُوعُ بِهِ «أَنْ بُورِكَ» وَالتَّقْدِيرُ: نُودِيَ بِأَنْ بُورِكَ، كَمَا تَقُولُ: قَدْ نُودِيَ بِالرُّخْصِ. وَالثَّالِثُ: الْمَصْدَرُ مُضْمَرٌ؛ أَيْ نُودِيَ النِّدَاءُ، ثُمَّ فُسِّرَ بِمَا بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ) [يُوسُفَ: ٣٥] .
وَأَمَّا «مَنْ» فَمَرْفُوعَةٌ بِبُورِكَ؛ وَالتَّقْدِيرُ: بُورِكَ مَنْ فِي جِوَارِ. . .، وَبُورِكَ مَنْ حَوْلَهَا.
وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: بُورِكَ مَكَانُ مَنْ فِي النَّارِ، وَمَكَانُ مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
стр. 1002
قَالَ تَعَالَى: (يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَ «أَنَا اللَّهُ» مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ «رَبِّ» أَيْ: إِنَّ الرَّبَّ أَنَا اللَّهُ، فَيَكُونُ «أَنَا» فَصْلًا، أَوْ تَوْكِيدًا، أَوْ خَبَرَ إِنَّ، وَ «اللَّهُ» بَدَلٌ مِنْهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَهْتَزُّ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِي «رَآهَا» .
وَ (كَأَنَّهَا جَانٌّ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي تَهْتَزُّ.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنَ الْفَاعِلِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَيْضَاءَ) : حَالٌ. وَ «مِنْ غَيْرِ سُوءٍ» حَالٌ أُخْرَى. وَ «فِي تِسْعِ» حَالٌ ثَالِثَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: آيَةٌ فِي تِسْعِ آيَاتٍ.
وَ (إِلَى) : مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: مُرْسَلًا إِلَى فِرْعَوْنَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِتِسْعٍ، أَوْ لِآيَاتٍ؛ أَيْ وَاصِلَةٌ إِلَى فِرْعَوْنَ.
стр. 1003
وَ (مُبْصِرَةً) : حَالٌ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالصَّادِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أَيْ تَبْصِرَةً.
وَ «ظُلْمًا» : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «جَحَدُوا» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ.
وَيُقْرَأُ: «غُلُوًّا» بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ؛ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ.
وَ (كَيْفَ) : خَبَرُ كَانَ، وَ (عَاقِبَةُ) اسْمُهَا.
وَ (مِنَ الْجِنِّ) : حَالٌ مِنْ «جُنُودِهِ» .
وَ (نَمْلَةٌ) : بِسُكُونِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ.
(ادْخُلُوا) : أَتَى بِضَمِيرِ مَنْ يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِصِفَةِ مَنْ يَعْقِلُ.
(لَا يَحْطِمَنَّكُمْ) : نَهْيٌ مُسْتَأْنَفٌ.
وَقِيلَ: هُوَ جَوَابُ الْأَمْرِ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ جَوَابَ الْأَمْرِ لَا يُؤَكَّدُ بِالنُّونِ فِي الِاخْتِيَارِ.
وَ (ضَاحِكًا) : حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ. وَقِيلَ: مُقَدَّرَةٌ؛ لِأَنَّ التَّبَسُّمَ مَبْدَأُ الضَّحِكِ.
وَيُقْرَأُ «ضَحِكًا» عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ؛ وَالْعَامِلُ فِيهِ تَبَسَّمَ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى ضَحِكَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ فَاعِلٍ مِثْلَ نَصَبَ؛ لِأَنَّ مَاضِيَهُ ضَحِكَ، وَهُوَ لَازِمٌ.
قَالَ تَعَالَى: (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَذَابًا) : أَيْ تَعْذِيبًا.
(فَمَكَثَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ.
(غَيْرَ بَعِيدٍ) : أَيْ مَكَانًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أَوْ وَقْتًا أَوْ مُكْثًا؛ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ؛ أَيْ فَجَاءَ.
стр. 1004
وَ (سَبَأٍ) : بِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ أَوْ بَلَدٍ، وَبِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى أَنَّهَا بُقْعَةٌ أَوْ قَبِيلَةٌ.
(وَأُوتِيَتْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، «وَقَدْ» مُقَدَّرَةٌ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا؛ لِأَنَّ «تَمْلِكُهُمْ» بِمَعْنَى مَلَكَتْهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَّا يَسْجُدُوا) : فِي «لَا» وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَيْسَتْ زَائِدَةً، وَمَوْضِعُ الْكَلَامِ نَصْبٌ بَدَلًا مِنْ «أَعْمَالِهِمْ» أَوْ رَفْعٌ عَلَى تَقْدِيرِ: هِيَ أَلَّا يَسْجُدُوا. وَالثَّانِي: هِيَ زَائِدَةٌ، وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ بِـ «يَهْتَدُونَ» أَيْ لَا يَهْتَدُونَ لِأَنَّ يَسْجُدُوا؛ أَوْ جُرَّ عَلَى إِرَادَةِ الْجَارِّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ السَّبِيلِ؛ أَيْ وَصَدُّهُمْ عَنْ أَنْ يَسْجُدُوا.
وَيُقْرَأُ: أَلَا اسْجُدُوا، فَأْلَا تَنْبِيهٌ، وَيَا: نِدَاءٌ، وَالْمُنَادَى مَحْذُوفٌ؛ أَيْ يَا قَوْمِ، اسْجُدُوا.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: دَخَلَ حَرْفُ التَّنْبِيهِ عَلَى الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَذْفٍ؛ كَمَا دَخَلَ فِي «هَلُمَّ» .
قَالَ تَعَالَى: (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)) .
стр. 1005
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ) أَيْ قِفْ عَنْهُمْ حِجْزًا لِتَنْظُرَ مَاذَا يَرُدُّونَ؛ وَلَا تَقْدِيمَ فِي هَذَا.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ؛ أَيْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ) : بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَبِالْفَتْحِ بَدَلًا مِنْ «كِتَابٍ» أَوْ مَرْفُوعٌ بِكَرِيمٍ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ) : مَوْضِعُهُ رَفْعٌ بَدَلًا مِنْ «كِتَابٍ» أَيْ هُوَ أَنْ لَا تَعْلُوا؛ أَوْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ لِأَنْ لَا تَعْلُوا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «أَنْ» بِمَعْنَى أَيْ؛ فَلَا يَكُونُ لَهَا مَوْضِعٌ. وَيُقْرَأُ بِالْغَيْنِ؛ أَيْ لَا تَزِيدُوا.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَاذَا) : هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا) [الْبَقَرَةِ: ٢٦] . وَقَدْ ذُكِرَ.
(وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) : مِنْ تَمَامِ الْحِكَايَةِ عَنْهَا.
وَقِيلَ: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَتُمِدُّونَنِي) : بِالْإِظْهَارِ عَلَى الْأَصْلِ، وَبِالْإِدْغَامِ لِأَنَّهُمَا مِثْلَانِ.
стр. 1006
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عِفْريتٌ) : التَّاءُ زَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْعَفْرِ، يُقَالُ: عِفْرِيَةٌ وَعِفْرِيتٌ.
وَ (آتِيكَ) : فِعْلٌ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ فَاعِلٍ.
وَ (مُسْتَقِرًّا) أَيْ ثَابِتًا غَيْرَ مُتَقَلْقِلٍ؛ وَلَيْسَ بِمَعْنَى الْحُصُولِ الْمُطْلَقِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ.
وَ (أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ لِيَبْلُوَ شُكْرِي وَكُفْرِي.
وَ (نَنْظُرْ) - بِالْجَزْمِ عَلَى الْجَوَابِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)) .
قَوْله تَعَالَى (وَصَدَّهَا) : الْفَاعِلُ «مَا كَانَتْ» وَقِيلَ: ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ؛ أَيْ وَصَدَّهَا اللَّهُ عَمَّا كَانَتْ.
(إِنَّهَا) بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. وَبِالْفَتْحِ؛ أَيْ لِأَنَّهَا، أَوْ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ «مَا» وَتَكُونُ عَلَى هَذَا مَصْدَرِيَّةٌ.
وَ (ادْخُلِي الصَّرْحَ) : أَيْ فِي الصَّرْحِ؛ وَقَدْ ذُكِرَ نَظِيرُهُ.
وَ (أَسْلَمَتْ) ؛ أَيْ وَقَدْ أَسْلَمَتْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨))
стр. 1007
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِذَا هُمْ) : «إِذَا» هُنَا لِلْمُفَاجَأَةِ؛ فَهِيَ مَكَانٌ، وَ «هُمْ» مُبْتَدَأٌ، وَ «فَرِيقَانِ» : الْخَبَرُ، وَ «يَخْتَصِمُونَ» صِفَةٌ، وَهِيَ الْعَامِلَةُ فِي إِذَا.
وَ (اطَّيَّرْنَا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَعْرَافِ.
وَ (رَهْطٍ) : اسْمٌ لِلْجَمْعِ؛ فَلِذَلِكَ أُضِيفَ «تِسْعَةُ» إِلَيْهِ.
وَ (يُفْسِدُونَ) : صِفَةٌ لِتِسْعَةٍ، أَوْ لِرَهْطٍ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَقَاسَمُوا) : فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ أَمْرٌ؛ أَيْ أَمَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِذَلِكَ؛ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ فِي «لَنُبَيِّتَنَّهُ» النُّونُ؛ تَقْدِيرُهُ: قُولُوا لَنُبَيِّتَنَّهُ، وَالتَّاءُ عَلَى خِطَابِ الْأَمْرِ الْمَأْمُورِ؛ وَلَا يَجُوزُ الْيَاءُ. وَالثَّانِي: هُوَ فِعْلٌ مَاضٍ؛ فَيَجُوزُ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ وَهُوَ عَلَى هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَالُوا.
وَ (مَهْلِكَ) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْكَهْفِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ) : فِي «كَانَ» وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هِيَ النَّاقِصَةُ، وَ «عَاقِبَةُ» : مَرْفُوعَةٌ عَلَى أَنَّهَا اسْمُهَا، وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: كَيْفَ وَ «أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ» إِنْ كُسِرَتْ كَانَ مُسْتَأْنَفًا، وَهُوَ مُفَسِّرٌ لِمَعْنَى الْكَلَامِ، وَإِنْ فُتِحَتْ فِيهِ أَوْجُهٌ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الْعَاقِبَةِ. وَالثَّانِي: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هِيَ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ «كَيْفَ» عِنْدَ بَعْضِهِمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ مِنْ الِاسْتِفْهَامِ يَلْزَمُ فِيهِ إِعَادَةُ حَرْفِهِ؛ كَقَوْلِكَ: كَيْفَ زَيْدٌ أَصَحِيحٌ أَمْ مَرِيضٌ؟ .
стр. 1008
وَالرَّابِعُ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ بِأَنَّا أَوْ لِأَنَّا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَبَرُ كَانَ: «أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ» إِذَا فُتِحَتْ؛ وَإِذَا كُسِرَتْ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجُمْلَةِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى عَاقِبَةٍ، وَكَيْفَ عَلَى هَذَا: حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا كَانَ، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مِنْ وَجْهَيْ كَانَ: أَنْ تَكُونَ التَّامَّةَ، وَ «كَيْفَ» عَلَى هَذَا حَالٌ لَا غَيْرَ. وَ «إِنَّا دَمَّرْنَا» بِالْكَسْرِ مُسْتَأْنَفٌ، وَبِالْفَتْحِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إِلَّا فِي كَوْنِهَا خَبَرًا.
قَالَ تَعَالَى: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَاوِيَةً) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْبُيُوتِ، وَالْعَامِلُ الْإِشَارَةُ، وَالرَّفْعُ جَائِزٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) [هُودٍ: ٧٢] .
وَ (بِمَا) : يَتَعَلَّقُ بِخَاوِيَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلُوطًا) أَيْ وَأَرْسَلْنَا لُوطًا.
وَ (شَهْوَةً) : [الْأَعْرَافِ: ٨١] قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَعْرَافِ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ (٥٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَسَلَامٌ) : الْجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ «آللَّهُ خَيْرٌ» أَيْ قُلْ ذَلِكَ كُلَّهُ.
قَالَ تَعَالَى: (أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)) .
стр. 1009
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا) : الْكَلَامُ كُلُّهُ نَعْتٌ لِحَدَائِقَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.
وَ (خِلَالَهَا) : ظَرْفٌ، وَهُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي، وَ «بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ» كَذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بَيْنَ بِحَاجِزٍ؛ أَيْ مَا يَحْجِزُ بَيْنَ الْبَحْرِينِ.
وَ (بُشْرًا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَعْرَافِ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ) : فَاعِلُ يَعْلَمُ، وَ «الْغَيْبَ» : مَفْعُولُهُ وَ «إِلَّا اللَّهُ» : بَدَلٌ مِنْ «مَنْ» وَمَعْنَاهُ: لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ.
وَقِيلَ: «إِلَّا» : بِمَعْنَى غَيْرِ، وَهِيَ صِفَةٌ لِمَنْ.
قَالَ تَعَالَى: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلِ ادَّارَكَ) : فِيهِ قِرَاءَاتٌ:
إِحْدَاهَا أَدْرَكَ مِثْلَ أَخْرَجَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْقِي حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى اللَّامِ. وَالثَّانِيَةُ: بَلِ ادَّرَكَ عَلَى افْتَعَلَ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْأَعْرَافِ. وَالثَّالِثَةُ: ادَّارَكَ، وَأَصْلُهُ تَدَارَكَ، ثُمَّ سُكِّنَتِ التَّاءُ وَاجْتُلِبَتْ لَهَا هَمْزَةُ الْوَصْلِ. وَالرَّابِعُ: تَدَارَكَ؛ أَيْ تَتَابَعَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ أَيْ بِالْآخِرَةِ. وَالْمَعْنَى بَلْ تَمَّ عِلْمُهُمْ بِالْآخِرَةِ لِمَا قَامَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ فَمَا انْتَفَعُوا، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ.
وَ (مِنْهَا) يَتَعَلَّقُ بِـ «عَمُونَ» .
стр. 1010
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧)) .
قَالَ تَعَالَى: (وَآبَاؤُنَا) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي «كُنَّا» مِنْ غَيْرِ تَوْكِيدٍ؛ لِأَنَّ الْمَفْعُولَ فُصِلَ فَجَرَى مَجْرَى التَّوْكِيدِ .
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَسَى أَنْ يَكُونَ) : «أَنْ يَكُونَ» فَاعِلُ عَسَى، وَاسْمُ كَانَ مُضْمَرٌ فِيهَا؛ أَيْ أَنْ يَكُونَ الشَّأْنُ؛ وَمَا بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبِ خَبَرِ كَانَ، وَقَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَدِفَ لَكُمْ) : الْجُمْهُورُ بِكَسْرِ الدَّالِ.
وَقُرِئَ بِالْفَتْحِ، وَهِيَ لُغَةٌ، وَاللَّامُ زَائِدَةٌ؛ أَيْ رَدِفَكُمْ.
وَيَجُوزُ أَلَّا تَكُونَ زَائِدَةً، وَيُحْمَلُ الْفِعْلُ عَلَى مَعْنَى دَنَا لَكُمْ، أَوْ قَرُبَ أَجَلُكُمْ، وَالْفَاعِلُ بَعْضُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا تُكِنُّ) : مِنْ أَكْنَنْتُ.
وَيقْرَأ بِفَتْح التَّاء وَضم الْكَاف من كننت أَي سترت
وَ (لَا تُسْمِعُ) : بِالضَّمِّ عَلَى إِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى الْمُخَاطَبِ.
(وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ) : عَلَى الْإِضَافَةِ. وَبِالتَّنْوِينِ وَالنَّصْبِ عَلَى إِعْمَالِ اسْمِ الْفَاعِلِ. وَتَهْدِي عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ
стр. 1011
وَ (عَنْ) : يَتَعَلَّقُ بِـ «هَادِي» وَعَدَّاهُ بِعَنْ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَصَرَّفَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِالْعُمْيِ، وَيَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ الْعَمَى صَدَرَ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تُكَلِّمُهُمْ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُخَفَّفًا بِمَعْنَى تَسِمُهُمْ وَتُعَلِّمُ فِيهِمْ، مِنْ: كَلَمَهُ، إِذَا جَرَحَهُ.
وَيُقْرَأُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّهُ شُدِّدَ لِلتَّكْثِيرِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكَلَامِ.
(أَنَّ النَّاسَ) بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. وَبِالْفَتْحِ، أَيْ تُكَلِّمُهُمْ بِأَنَّ النَّاسَ، أَوْ تُخْبِرُهُمْ بِأَنَّ النَّاسَ، أَوْ لِأَنَّ النَّاسَ.
(وَيَوْمَ نَحْشُرُ) : أَيْ وَاذْكُرْ يَوْمَ. وَكَذَلِكَ «وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ» بِمَعْنَى: فَيَفْزَعُ.
وَ (كُلٌّ أَتَوْهُ) : عَلَى الْفِعْلِ، وَآتَوْهُ - بِالْمَدِّ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ.
وَ (دَاخِرِينَ) : حَالٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَحْسَبُهَا) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْجِبَالِ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «تَرَى» .
стр. 1012
(وَهِيَ تَمُرُّ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي «تَحْسَبُهَا» وَلَا يَكُونُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «جَامِدَةٍ» إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ تَكُونَ جَامِدَةً مَارَّةً مَرَّ السَّحَابِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: مَرًّا مِثْلَ مَرِّ
السَّحَابِ: وَ (صُنْعَ اللَّهِ) : مَصْدَرٌ عَمِلَ فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ «تَمُرُّ» لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صُنْعِهِ سُبْحَانَهُ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَصْنَعُ ذَلِكَ صُنْعًا، وَأَظْهَرَ الِاسْمَ لَمَّا لَمْ يُذْكَرْ.
قَالَ تَعَالَى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)) .
قَالَ تَعَالَى: (خَيْرٌ مِنْهَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَفْضَلَ مِنْهَا، فَيَكُونُ «مَنْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى فَضْلٍ فَيَكُونُ «مِنْهَا» فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِخَيْرٍ؛ أَيْ فَلَهُ خَيْرٌ حَاصِلٌ بِسَبَبِهَا .
(مِنْ فَزَعٍ) : بِالتَّنْوِينِ. (يَوْمَئِذٍ) : بِالنَّصْبِ.
وَيُقْرَأُ: «مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ» بِالْإِضَافَةِ؛ وَقَدْ ذُكِرَ مَثَلُهُ فِي هُودٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) [سُورَةُ هُودٍ: ٦٦] .
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)) .
قَالَ تَعَالَى: (هَلْ تُجْزَوْنَ) : أَيْ يُقَالُ لَهُمْ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ؛ أَيْ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ مَقُولًا لَهُمْ هَلْ تُجْزَوْنَ .
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِي حَرَّمَهَا) : هُوَ صِفَةٌ لِرَبِّ. وَقُرِئَ: «الَّتِي» عَلَى الصِّفَةِ لِلْبَلْدَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1013
سُورَةُ الْقَصَصِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ تَعَالَى: (طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)) .
قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ وَالْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَتْلُوا عَلَيْكَ) : مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِفَتُهُ، وَتَقْدِيرُهُ: شَيْئًا مِنْ نَبَأِ مُوسَى. وَعَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ «مِنْ» زَائِدَةٌ.
وَ (بِالْحَقِّ) : حَالٌ مِنَ النَّبَأِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْتَضْعِفُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِشِيَعًا، وَ «يُذَبِّحُ» تَفْسِيرٌ لَهُ، أَوْ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ «يَسْتَضْعِفُ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مُسْتَأْنَفَيْنِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْهُمْ) : يَتَعَلَّقُ بِـ «نُرِيَ» وَلَا يَتَعَلَّقُ بِـ «يَحْذَرُونَ» ؛ لِأَنَّ الصِّلَةَ لَا تَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَوْصُولِ.
وَ (أَنْ أَرْضِعِيهِ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «أَنْ» مَصْدَرِيَّةً، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى أَيْ.
قَالَ تَعَالَى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَكُونَ لَهُمْ) : اللَّامُ لِلصَّيْرُورَةِ لَا لَامُ الْغَرَضِ.
وَالْحُزْنُ وَالْحَزَنُ لُغَتَانِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُرَّةُ عَيْنٍ) : أَيْ هُوَ قُرَّةُ عَيْنٍ.
стр. 1014
وَ (لِي وَلَكَ) : صِفَتَانِ لِقُرَّةٍ؛ وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى «لَا» وَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: تَقْتُلُونَهُ؛ أَيْ أَتَقْتُلُونَهُ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَلَا جَازِمَ عَلَى هَذَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَارِغًا) : أَيْ مِنَ الْخَوْفِ.
وَيُقْرَأُ: «فِرْغًا» بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ؛ كَقَوْلِهِمْ: ذَهَبَ دَمُهُ فِرْغًا؛ أَيْ بَاطِلًا؛ أَيْ أَصْبَحَ حَزْنُ فُؤَادِهَا بَاطِلًا. وَيُقْرَأُ: «فَرِعًا» وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَيُقْرَأُ: «فَرِغًا» أَيْ خَالِيًا مِنْ قَوْلِهِمْ: فَرِغَ الْفِنَاءُ، إِذَا خَلَا.
وَإِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَقِيلَ: بِمَعْنَى مَا، وَقَدْ ذُكِرَتْ نَظَائِرُهُ.
وَجَوَاب لَوْلَا مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ إِن كَادَت
و ﴿لتَكون﴾ اللَّام مُتَعَلقَة بربطنا
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَنْ جُنُبٍ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ إِمَّا مِنَ الْهَاءِ فِي «بِهِ» أَيْ بَعِيدًا، أَوْ مِنَ الْفَاعِلِ فِي «بَصُرَتْ» أَيْ مُسْتَخْفِيَةً.
وَيُقْرَأُ: عَنْ جُنُبٍ، وَعَنْ جَانِبٍ وَالْمَعْنَى: مُتَقَارِبٌ.
стр. 1015
وَ (الْمَرَاضِعَ) : جَمْعُ مُرْضِعَةٍ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ مُرْضِعٍ الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ.
وَ (لَا تَحْزَنْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى «تَقَرَّ» .
وَ (عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ) : حَالٌ مِنَ الْمَدِينَةِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ؛ أَيْ مُخْتَلِسًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ) : الْجُمْلَتَانِ فِي مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِرَجُلَيْنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) أَيْ مِنْ تَحْسِينِهِ، أَوْ مِنْ تَزْيِينِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِمَا أَنْعَمْتَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَسَمًا، وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ.
وَ (فَلَنْ أَكُونَ) : تَفْسِيرٌ لَهُ؛ أَيْ لَأَتُوبَنَّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْطَافًا؛ أَيْ كَمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَاعْصِمْنِي فَلَنْ أَكُونَ.
وَ (يَتَرَقَّبُ) : حَالٌ مُبْدَلةٌ مِنَ الْحَالِ الْأُولَى، أَوْ تَأْكِيدًا لَهَا، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «خَائِفًا» .
وَ (إِذَا) : لِلْمُفَاجَأَةِ، وَمَا بَعْدَهَا مُبْتَدَأٌ، وَ «يَسْتَصْرِخُهُ» الْخَبَرُ، أَوْ حَالٌ؛ وَالْخَبَرُ «إِذَا» .
قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)) .
стр. 1016
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُصْدِرَ) : يُقْرَأُ بِصَادٍ خَالِصَةٍ، وَبِزَايٍ خَالِصَةٍ لِتُجَانِسَ الدَّالَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا بَيْنَ الصَّادِ وَالزَّايِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَصْلِهَا؛ وَهَذَا إِذَا سَكَنَتِ الصَّادُ، وَمَنْ ضَمَّ الْيَاءَ حَذَفَ الْمَفْعُولَ؛ أَيْ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ مَاشِيَتَهُمْ.
وَالرِّعَاءُ بِالْكَسْرِ: جَمْعُ رَاعٍ، كَقَائِمٍ وَقِيَامٍ. وَبِضَمِّ الرَّاءِ؛ وَهُوَ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ، كَالتُّؤَامِ وَالرُّخَالِ. وَ «عَلَى اسْتِحْيَاءٍ» : حَالٌ.
وَ (مَا سَقَيْتَ لَنَا) : أَيْ سَقْيِكَ فَهِيَ مَصْدَرِيَّةٌ.
وَ (هَاتَيْنِ) : صِفَةٌ، وَالتَّشْدِيدُ وَالتَّخْفِيفُ قَدْ ذُكِرَ فِي النِّسَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاللَّذَانِ) .
وَ (عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، كَقَوْلِكَ: أَنْكَحْتُكَ عَلَى مِائَةٍ؛ أَيْ مَشْرُوطًا عَلَيْكَ، أَوْ وَاجِبًا عَلَيْكَ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ.
وَ (ثَمَانِيَ) : ظَرْفٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمِنْ عِنْدِكَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ فَالتَّمَامُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ فَقَدْ أَفْضَلْتَ مِنْ عِنْدِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ. وَ «بَيْنِي وَبَيْنَكَ» : الْخَبَرُ. وَالتَّقْدِيرُ: بَيْنَنَا.
وَ (أَيَّمَا) : نُصِبَ بِـ «قَضَيْتُ» وَمَا زَائِدَةٌ. وَقِيلَ: نَكِرَةٌ، وَ «الْأَجَلَيْنِ» : بَدَلٌ مِنْهَا، وَهِيَ شَرْطِيَّةٌ؛ وَ «فَلَا عُدْوَانَ» جَوَابُهَا.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)) .
وَالْجَذْوَةُ - بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ وَالضَّمِّ لُغَاتٌ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ.
стр. 1017
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يَامُوسَى) : أَنْ مُفَسِّرَةٌ؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ قَوْلٌ، وَالتَّقْدِيرُ: أَيْ يَا مُوسَى.
وَقِيلَ: هِيَ الْمُخَفَّفَةُ، وَالتَّقْدِيرُ: بِأَنْ يَا مُوسَى.
قَالَ تَعَالَى: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الرَّهْبِ) : «مِنْ» مُتَعَلِّقَةٌ بِوَلَّى؛ أَيْ هَرَبَ مِنَ الْفَزَعِ. وَقِيلَ: بِـ «مُدْبِرًا» .
وَقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ؛ أَيْ يَسْكُنُ مِنَ الرَّهْبِ. وَقِيلَ: بِاضْمُمْ، أَيْ مِنْ أَجْلِ الرَّهْبِ. وَالرَّهْبُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَاءِ، وَبِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ، وَبِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ لُغَاتٌ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ.
(فَذَانِكَ) : بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَتَشْدِيدِهَا؛ وَقَدْ بَيَّنَ فِي (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا) [النِّسَاءِ: ١٦] . وَقُرِئَ شَاذًّا «فَذَانِيكَ» بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَيَاءٍ بَعْدَهَا، قِيلَ: هِيَ بَدَلٌ مِنْ إِحْدَى النُّونَيْنِ. وَقِيلَ: نَشَأَتْ عَنِ الْإِشْبَاعِ. وَ (إِلَى) : مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ أَيْ مُرْسَلًا إِلَى
فِرْعَوْنَ. وَ (رِدْءًا) : حَالٌ. وَيُقْرَأُ بِإِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى الرَّاءِ وَحَذْفِهَا. وَ (يُصَدِّقُنِي) : بِالْجَزْمِ عَلَى الْجَوَابِ، وَبِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِرِدْءًا، أَوْ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ.
стр. 1018
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِآيَاتِنَا) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَصِلُونَ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ «الْغَالِبُونَ» .
وَ (تَكُونُ) : بِالتَّاءِ: عَلَى تَأْنِيثِ الْعَاقِبَةِ، وَبِالْيَاءِ؛ لِأَنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى «مَنْ» .
وَ (لَهُ عَاقِبَةُ. . .) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ كَانَ. أَوْ تَكُونُ تَامَّةً، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ) الثَّانِيَةُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ «فِي هَذِهِ» ؛ أَيْ وَأَتْبَعْنَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ؛ أَيْ وَأَتْبَعْنَاهُمْ لَعْنَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِـ «الْمَقْبُوحِينَ» عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلتَّعْرِيفِ، لَا بِمَعْنَى الَّذِي. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّبْيِينِ؛ أَيْ وَقُبِّحُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ فُسِّرَ بِالصِّلَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَصَائِرَ) : حَالٌ مِنَ الْكِتَابِ، أَوْ مَفْعُولٌ لَهُ؛ وَكَذَلِكَ «هَدًى وَرَحْمَةً» .
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)) .
стр. 1019
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ) : أَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً؛ أَيْ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ؛ وَلَكِنْ حُوِّلَ عَنْ ذَلِكَ وَجُعِلَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ؛ إِذْ كَانَتْ هِيَ الْمَوْصُوفَ فِي الْمَعْنَى، وَإِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ خَطَأٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: جَانِبُ الْمَكَانِ الْغَرْبِيِّ.
وَ (إِذْ) : مَعْمُولُهُ لِلْجَارِّ، أَوْ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
(وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) : أَيْ إِذْ قَضَيْنَا.
وَ (تَتْلُو) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ خَبَرًا ثَانِيًا، أَوْ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي ثَاوِيًا.
وَ (لَكِنْ رَحْمَةً) أَيْ أَعْلَمْنَاكَ ذَلِكَ لِلرَّحْمَةِ، أَوْ أَرْسَلْنَاكَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالُوا سِحْرَانِ) : هُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا. وَسَاحِرَانِ بِالْأَلِفِ: أَيْ مُوسَى وَهَارُونُ.
وَقِيلَ: مُوسَى وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا.
وَسِحْرَانِ - بِغَيْرِ أَلِفٍ؛ أَيِ الْقُرْآنُ وَالتَّوْرَاةُ.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)) .
وَ (مَنْ أَضَلُّ) : اسْتِفْهَامٌ فِي مَعْنَى النَّفْيِ؛ أَيْ لَا أَحَدَ أَضَلُّ.
وَ (وَصَّلْنَا) : بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى.
وَ (الَّذِينَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ» : خَبَرُهُ.
стр. 1020
وَ (مَرَّتَيْنِ) : فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا) : عَدَّاهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ نُمَكِّنْ: نَجْعَلْ؛ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا) [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٧] .
وَ (آمِنًا) ؛ أَيْ مِنَ الْخَسْفِ، وَقَصَدَ الْجَبَابِرَةَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى يُؤْمَنُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ، أَوْ ذَا أَمْنٍ.
وَ (رِزْقًا) : مَصْدَرٌ مِنْ مَعْنَى يُجْبَى.
قَالَ تَعَالَى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)) .
وَ (كَمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «أَهْلَكْنَا» .
وَ (مَعِيشَتَهَا) : نُصِبَ بِبَطِرَتْ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: كَفَرَتْ نِعْمَتَهَا، أَوْ جَهِلَتْ شُكْرَ مَعِيشَتِهَا، فَحُذِفَ الْمُضَافُ.
وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فِي مَعِيشَتِهَا، وَقَدْ ذُكِرَ فِي: (سَفِهَ نَفْسَهُ) [الْبَقَرَةِ: ١٣٠] .
وَ (لَمْ تُسْكَنْ) : حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الْإِشَارَةُ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) [هُودٍ: ٧٢] .
وَ (إِلَّا قَلِيلًا) : أَيْ زَمَانًا قَلِيلًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أَيْ فَالْمُؤْتَى مَتَاعٌ.
следующие страницы →