← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَزْوَاجَهُمْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى النَّصْبِ؛ أَيْ وَاحْشَرُوا أَزْوَاجَهُمْ، أَوْ هُوَ بِمَعْنَى مَعَ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى أَقْوَى. وَقُرِئَ شَاذًّا بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي ظَلَمُوا. (لَا تَنَاصَرُونَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فِي أَنْ لَا تَنَاصَرُونَ. وَ (يَتَسَاءَلُونَ) : حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَذَائِقُو الْعَذَابِ) : الْوَجْهُ الْجَرُّ بِالْإِضَافَةِ. وَقُرِئَ شَاذًّا بِالنَّصْبِ؛ وَهُوَ سَهْوٌ مِنْ قَارِئِهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ تُحْذَفُ مِنْهُ النُّونُ، وَيُنْصَبُ إِذَا كَانَ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ. قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوَاكِهُ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ «رِزْقٌ» أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ هُوَ. وَ (مُكَرَمُونَ) : بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ. وَ (فِي جَنَّاتٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا. وَكَذَلِكَ «عَلَى سُرُرٍ» وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ عَلَى بِـ «مُتَقَابِلِينَ» وَيَكُونُ مُتَقَابِلِينَ حَالًا مِنْ «مُكْرَمُونَ» أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ. وَ (يُطَافُ عَلَيْهِمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ «مُكْرَمُونَ» . وَ (مِنْ مَعِينٍ) : نَعْتٌ لِكَأْسٍ، وَكَذَلِكَ «بَيْضَاءُ» . وَ (عَنْهَا) : يَتَعَلَّقُ بِـ «يُنْزَفُونَ» . قَالَ تَعَالَى: (قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)) .

стр. 1087

قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُطَّلِعُونَ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى مُفْتَعِلُونَ. وَيُقْرَأُ بِالتَّحْفِيفِ؛ أَيْ مُطْلِعُونَ أَصْحَابَكُمْ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ النُّونِ؛ وَهُوَ بِعِيدٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ النُّونَ إِنْ كَانَتْ لِلْوِقَايَةِ فَلَا تَلْحَقُ الْأَسْمَاءَ، وَإِنْ كَانَتْ نُونَ الْجَمْعِ فَلَا تَثْبُتُ فِي الْإِضَافَةِ. قَالَ تَعَالَى: (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَوْتَتَنَا) : هُوَ مَصْدَرٌ مِنِ اسْمِ الْفَاعِلِ. وَقِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ. وَ (نُزُلًا) : تَمْيِيزٌ. وَ (شَوْبًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مَشُوبٍ، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلَى بَابِهِ. قَالَ تَعَالَى: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ) : قَدْ ذُكِرَ فِي النَّمْلِ. (فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) : الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ نَحْنُ. وَ «هُمْ» : فَصْلٌ. وَ (سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَرَكْنَا. وَقِيلَ: هُوَ تَفْسِيرُ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ تَرَكْنَا عَلَيْهِ ثَنَاءً هُوَ سَلَامٌ. وَقِيلَ: مَعْنَى «تَرَكْنَا» قُلْنَا. وَقِيلَ: الْقَوْلُ مُقَدَّرٌ. وَقُرِئَ شَاذًّا بِالنَّصْبِ، وَهُوَ مَفْعُولُ «تَرَكْنَا» وَهَكَذَا مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الْآيِ. وَ (كَذَلِكَ) : نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ جَزَاءً كَذَلِكَ.

стр. 1088

قَالَ تَعَالَى: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ جَاءَ) : أَيِ اذْكُرْ إِذْ جَاءَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا الْعَامِلُ فِيهِ (مِنْ شِيعَتِهِ) . وَ (إِذْ قَالَ) : بَدَلٌ مِنْ إِذِ الْأُولَى؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِسَلِيمٍ، أَوْ لِجَاءَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَاذَا تَعْبُدُونَ) : هُوَ مِثْلُ «مَاذَا تُنْفِقُونَ» . وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ. (أَئِفْكًا) : هُوَ مَنْصُوبٌ بِـ «تُرِيدُونَ» وَ «آلِهَةً» بَدَلٌ مِنْهُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَعِبَادَةُ آلِهَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِفْكَ مَصْدَرٌ فَيُقَدَّرُ الْبَدَلُ مِنْهُ كَذَلِكَ، وَالْمَعْنَى: عَلَيْهِ. وَقِيلَ: «إِفْكًا» مَفْعُولٌ لَهُ، وَ «آلِهَةً» مَفْعُولُ تُرِيدُونَ. قَالَ تَعَالَى: (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)) . (ضَرْبًا) : مَصْدَرٌ مِنْ «فَرَاغَ» لِأَنَّ مَعْنَاهُ ضُرِبَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَ (يَزِفُّونَ) بِالتَّشْدِيدِ وَالْكَسْرِ مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا؛ وَهُمَا لُغَتَانِ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَالتَّخْفِيفِ، وَمَاضِيهِ وَزَفَ مِثْلُ وَعَدَ، وَمَعْنَى الْمُشَدَّدِ وَالْمُخَفَّفِ: الْإِسْرَاعُ. قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا تَعْمَلُونَ) : هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ. وَقِيلَ: بِمَعْنَى الَّذِي وَقِيلَ: نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَقِيلَ: اسْتِفْهَامِيَّةٌ عَلَى التَّحْقِيرِ لِعَمَلِهِمْ.

стр. 1089

وَ (مَا) : مَنْصُوبَةٌ بِتَعْمَلُونَ. وَ (بُنْيَانًا) : مَفْعُولٌ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى (١٠٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَاذَا تَرَى) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مَاذَا» اسْمًا وَاحِدًا يُنْصَبُ بِـ «تَرَى» أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ تَرَى. وَ (تَرَى) مِنَ الرَّأْيِ، لَا مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ، وَلَا الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ؛ بَلْ كَقَوْلِكَ: هُوَ يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ؛ فَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى وَاحِدٍ. وَقُرِئَ: «تَرَى» بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ؛ وَهُوَ الرَّأْيُ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُ نُقِلَ بِالْهَمْزَةِ فَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ؛ فَـ «مَاذَا» أَحَدُهُمَا، وَالثَّانِي مَحْذُوفٌ؛ أَيْ تُرِينِي. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» اسْتِفْهَامًا، وَ «ذَا» بِمَعْنَى الَّذِي؛ فَيَكُونُ مُبْتَدَأً وَخَبَرُ أَيْ: أَيُّ شَيْءِ الَّذِي تَرَاهُ، أَوِ الَّذِي تُرِينِيهِ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَمَّا) : جَوَابُهَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، أَوْ ظَهَرَ فَضْلُهَا. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ؛ أَيْ تَلَّهُ، أَوْ نَادَيْنَاهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)) . وَ (نَبِيًّا) : حَالٌ مِنْ إِسْحَاقَ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ) : هُوَ ظَرْفٌ لِـ «مُرْسَلِينَ» . وَقِيلَ: بِإِضْمَارِ أَعْنِي. قَالَ تَعَالَى: (اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)) .

стр. 1090

قَوْلُهُ تَعَالَى: (اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ) : يُقْرَأُ الثَّلَاثَةُ بِالنَّصْبِ بَدَلًا مِنْ «أَحْسَنَ» أَوْ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي. قَالَ تَعَالَى: (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلْ يَاسِينَ) : يُقْرَأُ: آلْ، بِالْمَدِّ؛ أَيْ أَهْلِهِ. وَقُرِئَ بِالْقَصْرِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِلْيَاسِينَ، وَاحِدُهُمْ إِلْيَاسِيٌّ، ثُمَّ خُفِّفَ الْجَمْعُ، كَمَا قَالُوا: الْأَشْعَرُونَ. وَيُقْرَأُ شَاذًّا إِدْرَاسِينَ، مَنْسُوبُونَ إِلَى إِدْرِيسَ. قَالَ تَعَالَى: (وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَبِاللَّيْلِ) : الْوَقْفُ عَلَيْهِ تَامٌّ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي بَطْنِهِ) : حَالٌ، أَوْ ظَرْفٌ. (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) : مُتَعَلِّقٌ بِلَبِثَ، أَوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ لُبْثًا إِلَى يَوْمِ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ يَزِيدُونَ) : أَيْ يَقُولُ الرَّائِي لَهُمْ هُمْ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ.

стр. 1091

وَقِيلَ: بَعْضُهُمْ يَقُولُ: مِائَةُ أَلْفٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَكْثَرُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: (أَوْ كَصَيِّبٍ) [الْبَقَرَةِ: ١٩] وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ (وُجُوهًا) [النِّسَاءِ: ٤٧] . قَالَ تَعَالَى: (أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَصْطَفَى) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَهِيَ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَحُذِفَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ اسْتِغْنَاءً بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ. وَيُقْرَأُ بِالْمَدِّ، وَهُوَ بِعِيدٌ جِدًّا. وَقُرِئَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ، وَالِاسْتِفْهَامُ مُرَادٌ؛ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: ثُمَّ قَالُوا تُحِبُّهَا قُلْتُ بَهْرًا عَدَدَ الرَّمْلِ وَالْحَصَى وَالتُّرَابِ أَيْ أَتُحِبُّهَا؛ وَهُوَ شَاذٌّ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَالْقِيَاسِ؛ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)) . (مَا لَكُمْ كَيْفَ) : اسْتِفْهَامٌ بَعْدَ اسْتِفْهَامٍ. قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)) . (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنَ الضَّمِيرِ فِي (جَعَلُوا) وَمِنْ (مُحْضَرُونَ) . وَأَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا. قَالَ تَعَالَى: (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِي الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا تَعْبُدُونَ) : الْوَاوُ عَاطِفَةٌ، وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مَعَ، إِذْ لَا فِعْلَ هُنَا وَ (مَا أَنْتُمْ) : نَفْيٌ.

стр. 1092

وَ (مَنْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفَاتِنِينِ، وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَ (صَالِ) : يُقْرَأُ شَاذًّا بِضَمِّ اللَّامِ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا عَلَى مَعْنَى «مَنْ» وَأَنْ يَكُونَ قُلِبَ فَصَارَ صَائِلًا، ثُمَّ حُذِفَتِ الْيَاءُ، فَبَقِيَ «صَالِ» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْلُوبٍ عَلَى فَعْلٍ كَمَا قَالُوا: يَوْمَ رَاحٍ، وَكَبْشٌ صَافٍ؛ أَيْ رَوِحٌ وَصَوِفٌ. (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ) : أَيْ أَحَدٌ إِلَّا. وَقِيلَ: إِلَّا مَنْ لَهُ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي النِّسَاءِ.

стр. 1093

سُورَةُ ص . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)) . الْجُمْهُورُ عَلَى إِسْكَانِ الدَّالِّ؛ وَقَدْ ذُكِرَ وَجْهُهُ. وَقُرِئَ بِكَسْرِهَا. وَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هِيَ كَسْرَةُ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَالثَّانِي: هِيَ أَمْرٌ مِنْ صَادَى وَصَادَى الشَّيْءَ: قَابَلَهُ وَعَارَضَهُ؛ أَيْ عَارِضْ بِعَمَلِكَ الْقُرْآنَ. وَيُقْرَأُ بِالْفَتْحِ؛ أَيِ اتْلُ صَادَ. وَقِيلَ: حُرِّكَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَ (الْقُرْآنُ) : قَسَمٌ. وَقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلَى الْقَسَمِ، وَهُوَ صَادْ. وَأَمَّا جَوَابُ الْقَسَمِ فَمَحْذُوفٌ؛ أَيْ لَقَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْنَى: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا) : أَيْ وَحَقِّ الْقُرْآنِ، لَقَدْ خَالَفَ الْكُفَّارُ وَتَكْبَّرُوا عَنِ الْإِيمَانِ. وَقِيلَ: الْجَوَابُ: «كَمْ أَهْلَكْنَا» وَاللَّامُ مَحْذُوفَةٌ؛ أَيْ لَكَمْ أَهْلَكْنَا وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ كَمْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأَهْلَكْنَا. وَقِيلَ: هُوَ مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ؛ أَيْ لَقَدْ أَهْلَكْنَا كَثِيرًا مِنَ الْقُرُونِ. وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُهُ [تَعَالَى] : (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ) [ص: ١٤] . وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ) [ص: ٦٤] وَبَيْنَهُمَا كَلَامٌ طَوِيلٌ يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ جَوَابًا.

стр. 1094

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ) : الْأَصْلُ «لَا» زِيدَتْ عَلَيْهَا التَّاءُ، كَمَا زِيدَتْ عَلَى رُبَّ، وَثُمَّ: فَقِيلَ رُبَّتَ وَثُمَّتْ. وَأَكْثَرُ الْعَرَبِ يُحَرِّكُ هَذِهِ التَّاءَ بِالْفَتْحِ؛ فَأَمَّا فِي الْوَقْفِ فَبَعْضُهُمْ يَقِفُ بِالتَّاءِ؛ لِأَنَّ الْحُرُوفَ لَيْسَتْ مَوْضِعَ تَغْيِيرٍ، وَبَعْضُهُمْ بِالْهَاءِ كَمَا يَقِفُ عَلَى قَائِمَةٍ. فَأَمَّا «حِينَ» فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ خَبَرُ لَاتَ، وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ؛ لِأَنَّهَا عَمِلَتْ عَمَلَ لَيْسَ؛ أَيْ لَيْسَ الْحِينُ حِينَ هَرَبٍ. وَلَا يُقَالُ: هُوَ مُضْمَرٌ؛ لِأَنَّ الْحُرُوفَ لَا يُضْمَرُ فِيهَا. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هِيَ الْعَامِلَةُ فِي بَابِ النَّفْيِ، فَحِينَ اسْمُهَا، وَخَبَرُهَا مَحْذُوفٌ؛ أَيْ لَا حِينَ مُنَاظِرٌ لَهُمْ، أَوْ حِينُهُمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْفَعُ مَا بَعْدَهَا، وَيُقَدِّرُ الْخَبَرَ الْمَنْصُوبَ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: التَّاءُ مَوْصُولَةٌ بِحِينَ لَا بِلَا، حَكَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: تَحِينُ وَتَلَانُ وَأَجَازَ قَوْمٌ جَرَّ مَا بَعْدَ «لَاتَ» وَأَنْشَدُوا عَلَيْهِ أَبْيَاتًا، وَقَدِ اسْتَوْفَيْتُ ذَلِكَ فِي عِلَلِ الْإِعْرَابِ الْكَبِيرِ. قَالَ تَعَالَى: (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنِ امْشُوا) : أَيِ امْشُوا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: انْطَلَقُوا فِي الْقَوْلِ. وَقِيلَ: هُوَ الِانْطِلَاقُ حَقِيقَةً، وَالتَّقْدِيرُ: وَانْطَلَقُوا قَائِلِينَ: امْشُوا. قَالَ تَعَالَى: (أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلْيَرْتَقُوا) : هَذَا كَلَامٌ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ إِنْ زَعَمُوا ذَلِكَ فَلْيَرْتَقُوا.

стр. 1095

قَالَ تَعَالَى: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (جُنْدٌ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «مَا» زَائِدَةٌ، وَ «هُنَالِكَ» : نَعْتٌ، وَ «مَهْزُومٌ» : الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «هُنَالِكَ» ظَرْفًا لِمَهْزُومٍ. وَ (مِنَ الْأَحْزَابِ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِجُنْدٍ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَهْزُومٍ، وَأَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَهْزُومٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا وَالْمُبْتَدَأُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَعَادٌ) وَأَنْ يَكُونَ مِنْ «ثَمُودُ» وَأَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَقَوْمُ لُوطٍ» . قَالَ تَعَالَى: (وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)) . وَالْفَوَاقُ - بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ لُغَتَانِ، قَدْ قُرِئَ بِهِمَا. قَالَ تَعَالَى: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)) . وَ (دَاوُدَ) : بَدَلٌ. وَ (سَخَّرْنَا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَنْبِيَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْخَصْمُ) : هُوَ مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ وُصِفَ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ. وَ (إِذْ) الْأُولَى: ظَرْفٌ لِنَبَأٍ وَالثَّانِيَةُ بَدَلٌ مِنْهَا، أَوْ ظَرْفٌ لِـ «تَسَوَّرُوا» وَجُمِعَ الضَّمِيرُ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لِاثْنَيْنِ تَجَوُّزًا؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «خَصْمَانِ» وَالتَّقْدِيرُ: نَحْنُ خَصْمَانِ.

стр. 1096

قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعَزَّنِي) : بِالتَّشْدِيدِ؛ أَيْ غَلَبَنِي. وَقُرِئَ شَاذًّا بِالتَّخْفِيفِ، وَالْمَعْنَى: وَاحِدٌ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ وَعِزَ بِكَذَا، إِذَا أَمَرَ بِهِ؛ وَهَذَا بِعِيدٌ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا يَكُونُ هَذَا مَعْطُوفًا عَلَيْهِ؛ كَذَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَذْفُ الْقَوْلِ؛ أَيْ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا، وَقَالَ: وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ. وَ (سُؤَالِ نَعْجَتِكَ) : مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ بِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) : اسْتِثْنَاءٌ مِنِ الْجِنْسِ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بَعْضُهُمْ؛ وَ «مَا» : زَائِدَةٌ، وَ «هُمْ» : مُبْتَدَأٌ، وَ «قَلِيلٌ» : خَبَرُهُ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَهُمْ قَلِيلٌ مِنْهُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتَنَّاهُ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى إِضَافَةِ الْفِعْلِ إِلَى اللَّهِ ، وَبِالتَّخْفِيفِ عَلَى إِضَافَتِهِ إِلَى الْمَلِكَيْنِ. (رَاكِعًا) : حَالٌ مُقَدَّرَةٌ. . . وَ (ذَلِكَ) : مَفْعُولُ «غَفَرْنَا» . وَقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ؛ أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٤)) . (فَيُضِلَّكَ) : مَنْصُوبٌ عَلَى الْجَوَابِ. وَقِيلَ: مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلَى النَّهْيِ، وَفُتِحَتِ اللَّامُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.

стр. 1097

قَالَ تَعَالَى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)) . وَ (بَاطِلًا) : قَدْ ذُكِرَ فِي آلِ عِمْرَانَ، وَ «أَمْ» فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُنْقَطِعَةٌ. قَالَ تَعَالَى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)) . وَ (كِتَابٌ) أَيْ هَذَا كِتَابٌ، وَ «مُبَارَكٌ» صِفَةٌ أُخْرَى. قَالَ تَعَالَى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)) . (نِعْمَ الْعَبْدُ) أَيْ سُلَيْمَانُ، وَقِيلَ: دَاوُدُ، فَحُذِفَ الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ، وَكَذَا فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ عُرِضَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِأَوَّابٍ؛ وَأَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ «نِعْمَ» وَأَنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ. وَ (الْجِيَادُ) : جَمْعُ جَوَادٍ، وَقِيلَ: جَيِّدٌ. قَالَ تَعَالَى: (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حُبَّ الْخَيْرِ) : هُوَ مَفْعُولُ أَحْبَبْتُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أَحْبَبْتُ: آثَرْتُ؛ لِأَنَّ مَصْدَرَ أَحْبَبْتُ: الْإِحْبَابُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَحْذُوفَ الزِّيَادَةِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: أَحْبَبْتُ بِمَعْنَى جَلَسْتُ؛ مِنْ إِحْبَابِ الْبَعِيرِ، وَهُوَ بُرُوكُهُ. وَ «حُبَّ الْخَيْرِ» : مَفْعُولٌ لَهُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ. وَ (ذِكْرِ رَبِّي) : مُضَافٌ إِلَيْهِ الْمَفْعُولُ أَيْضًا. وَقِيلَ: إِلَى الْفَاعِلِ؛ أَيْ عَنْ أَنْ يَذْكُرَنِي رَبِّي. وَفَاعِلُ «تَوَارَتْ» : الشَّمْسُ، وَلَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ؛ وَلَكِنْ دَلَّتِ الْحَالُ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: دَلَّ عَلَيْهَا ذِكْرُ الْإِشْرَاقِ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ ﵇.

стр. 1098

وَ (رُدُّوهَا) : الضَّمِيرُ لِلْجِيَادِ. وَ (مَسْحًا) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: يَمْسَحُ مَسْحًا. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَسَدًا) : هُوَ مَفْعُولُ «أَلْقَيْنَا» . وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنْ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ أَلْقَيْنَاهُ؛ قِيلَ: سُلَيْمَانُ. وَقِيلَ: وَلَدُهُ، عَلَى مَا جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ. وَ (تَجْرِي) : حَالٌ مِنَ الرِّيحِ. وَ (رُخَاءً) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرٍ فِي تَجْرِي؛ أَيْ لَيِّنَةً. وَ (حَيْثُ) : ظَرْفٌ لِتَجْرِي، وَقِيلَ: لِسَخَّرْنَا. وَ (الشَّيَاطِينَ) : عَطْفٌ عَلَى الرِّيحِ. وَ «كُلَّ» : بَدَلٌ مِنْهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِغَيْرِ حِسَابٍ) : قِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «امْنُنْ» ، أَوْ فِي «أَمْسِكْ» وَالْمَعْنَى: غَيْرَ مُحَاسَبٍ. وَقِيلَ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِعَطَاؤُنَا. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنْهُ؛ أَيْ هَذَا عَطَاؤُنَا وَاسِعًا؛ لِأَنَّ الْحِسَابَ بِمَعْنَى الْكَافِي. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى) : اسْمُ إِنَّ، وَالْخَبَرُ: «لَهُ» وَالْعَامِلُ فِي «عِنْدَ» : الْخَبَرُ. قَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِنُصْبٍ) : فِيهِ قِرَاءَاتٌ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى.

стр. 1099

قَالَ تَعَالَى: (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)) . وَ (رَحْمَةً) : مَفْعُولٌ لَهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عِبَادَنَا) : يُقْرَأُ عَلَى الْجَمْعِ، وَالْأَسْمَاءُ الَّتِي بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنْهُ، وَعَلَى الْإِفْرَادِ، فَيَكُونُ «إِبْرَاهِيمَ» بَدَلًا مِنْهُ، وَمَا بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَى عَبْدِنَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا فِي مَعْنَى الْجَمْعِ؛ فَيَكُونَ كَالْقِرَاءَةِ الْأُولَى. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِخَالِصَةٍ) : يُقْرَأُ بِالْإِضَافَةِ، وَهِيَ هَاهُنَا مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى مَا يُبَيِّنُهُ؛ لِأَنَّ الْخَالِصَةَ قَدْ تَكُونُ ذِكْرَى وَغَيْرَ ذِكْرَى. وَ (ذِكْرَى) : مَصْدَرٌ، وَ «خَالِصَةٍ» : مَصْدَرٌ أَيْضًا، مَعْنَى الْإِخْلَاصِ كَالْعَافِيَةِ. وَقِيلَ: «خَالِصَةٍ» مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ؛ أَيْ بِإِخْلَاصِهِمْ ذِكْرَى الدَّارِ. وَقِيلَ: «خَالِصَةٍ» بِمَعْنَى خُلُوصٍ؛ فَيَكُونُ مُضَافًا إِلَى الْفَاعِلِ؛ أَيْ بِأَنْ خَلَصَتْ لَهُمْ ذِكْرَى الدَّارِ. وَقِيلَ: «خَالِصَةٍ» اسْمُ فَاعِلٍ، تَقْدِيرُهُ: بِخَالِصٍ ذِكْرَى الدَّارِ؛ أَيْ خَالِصٍ مِنْ أَنْ يُشَابَ بِغَيْرِهِ. وَقُرِئَ بِتَنْوِينِ «خَالِصَةٍ» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «ذِكْرَى» بَدَلًا مِنْهَا. وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولِ خَالِصَةٍ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي. وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ فَاعِلِ «خَالِصَةٍ» أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ: هِيَ ذِكْرَى. وَأَمَّا إِضَافَةُ «ذِكْرَى» إِلَى «الدَّارِ» فَمِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَفْعُولِ؛ أَيْ بِذِكْرِهِمُ الدَّارَ الْآخِرَةَ.

стр. 1100

وَقِيلَ: هِيَ فِي الْمَعْنَى ظَرْفٌ؛ أَيْ ذِكْرُهُمْ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا؛ فَهُوَ إِمَّا مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى السَّعَةِ، مِثْلُ يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ، أَوْ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ، مِثْلَ: ذَهَبْتُ الشَّامَ. قَالَ تَعَالَى: (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ) : هِيَ بَدَلٌ مِنْ «حُسْنَ مَآبٍ» . وَ (مُفَتَّحَةً) حَالٌ مِنْ جَنَّاتٍ، فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَهَا مَعْرِفَةً لِإِضَافَتِهَا إِلَى عَدْنٍ، وَهُوَ عَلَمٌ؛ كَمَا قَالُوا: جَنَّةُ الْخُلْدِ، وَجَنَّةُ الْمَأْوَى. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ نَكِرَةٌ، وَالْمَعْنَى: جَنَّاتُ إِقَامَةٍ، فَتَكُونُ «مُفَتَّحَةً» وَصْفًا. وَأَمَّا ارْتِفَاعُ (الْأَبْوَابُ) فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: هُوَ فَاعِلُ «مُفَتَّحَةً» وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ مِنْهَا، فَحُذِفَ كَمَا حُذِفَ فِي قَوْلِهِ: (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [النَّازِعَاتِ: ٤١] أَيْ لَهُمْ وَالثَّانِي: هِيَ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ (مُفَتَّحَةً) وَهُوَ ضَمِيرُ الْجَنَّاتِ وَ «الْأَبْوَابُ» غَيْرُ أَجْنَبِيٍّ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ تَقُولُ: فُتِحَتِ الْجَنَّةُ، وَأَنْتَ تُرِيدُ أَبْوَابَهَا وَمِنْهُ: (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا) [النَّبَأِ: ١٩] . وَالثَّالِثُ: كَالْأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عِوَضٌ مِنَ الْهَاءِ الْعَائِدَةِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ؛ وَفِيهِ بُعْدٌ. قَالَ تَعَالَى: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُتَّكِئِينَ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْمَجْرُورِ فِي «لَهُمْ» وَالْعَامِلُ: «مُفَتَّحَةً» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ «الْمُتَّقِينَ» لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ قَبْلَ الْحَالِ. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يَدْعُونَ» وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَى الْعَامِلِ فِيهِ.

стр. 1101

قَالَ تَعَالَى: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا تُوعَدُونَ) : بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ، وَالضَّمِيرُ لِلْمُتَّقِينَ، وَبِالتَّاءِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقِيلَ لَهُمْ هَذَا مَا تُوعَدُونَ، وَالْمَعْنَى: هَذَا مَا وَعَدْتُمْ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَالَهُ مِنْ نَفَادٍ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الرِّزْقِ، وَالْعَامِلُ الْإِشَارَةُ؛ أَيْ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا بَاقِيًا. قَالَ تَعَالَى: (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَذَا) أَيِ الْأَمْرُ هَذَا. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: «وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ» . وَ (جَهَنَّمَ) : بَدَلٌ مِنْ «شَرَّ» . وَ (يَصْلَوْنَهَا) : حَالٌ الْعَامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرَارُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «لِلطَّاغِينَ» . وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: يَصْلَوْنَ جَهَنَّمَ، فَحُذِفَ الْفِعْلُ لِدَلَالَةِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَذَا) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: (فَلْيَذُوقُوهُ) مِثْلُ قَوْلِكَ: زَيْدٌ اضْرِبْهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: هَذَا ضَعِيفٌ مِنْ أَجْلِ الْفَاءِ؛ وَلَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْجَوَابِ، كَالَّتِي فِي قَوْلِهِ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا) . فَأَمَّا (حَمِيمٌ) عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَيَجُوزُ أَنَّ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ هَذَا، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هُوَ حَمِيمٌ، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ يَكُونَ (حَمِيمٌ) خَبَرَ (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ) معترض بَينهمَا وَقيل هَذَا فِي مَوضِع نصب أَي فليذوقوا هَذَا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ (حَمِيمٌ) أَيْ هُوَ حَمِيمٌ.

стр. 1102

وَأَمَّا (غَسَّاقٌ) فَيُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ، مِثْلَ كَفَّارٍ وَصَبَّارٍ؛ وَبِالتَّخْفِيفِ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ؛ أَيْ ذُو غَسَقٍ، أَوْ يَكُونُ فَعَّالٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (٥٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَآخَرُ) : يُقْرَأُ عَلَى الْجَمْعِ؛ وَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مُبْتَدَأٌ. وَ «مِنْ شَكْلِهِ» : نَعْتٌ لَهُ؛ أَيْ مِنْ شَكْلِ الْحَمِيمِ، وَ «أَزْوَاجٌ» : خَبَرُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا؛ أَيْ وَلَهُمْ أُخَرُ؛ وَ «مِنْ شَكْلِهِ» وَ «أَزْوَاجٌ» صِفَتَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مِنْ شَكْلِهِ» صِفَةً، وَ «أَزْوَاجٌ» يَرْتَفِعُ بِالْجَارِّ. وَذُكِرَ الضَّمِيرُ، لِأَنَّ الْمَعْنَى مِنْ شَكْلِ مَا ذَكَرْنَا. وَيُقْرَأُ عَلَى الْإِفْرَادِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى حَمِيمٍ، وَ «مِنْ شَكْلِهِ» نَعْتٌ لَهُ، وَ «أَزْوَاجٌ» يَرْتَفِعُ بِالْجَارِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ عَلَى تَقْدِيرِ هِيَ؛ أَيِ الْحَمِيمُ. وَالنَّوْعُ الْآخَرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُقْتَحِمٌ) أَيِ النَّارَ. وَ (مَعَكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي مُقْتَحِمٌ، أَوْ مِنْ (فَوْجٌ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُصِفَ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا، لِفَسَادِ الْمَعْنَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا ثَانِيًا. وَ (لَا مَرْحَبًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ هَذَا فَوْجٌ مَقُولًا لَهُ: لَا مَرْحَبًا. وَمَرْحَبًا: مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَوْ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ؛ أَيْ لَا يَسْمَعُونَ مَرْحَبًا. قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)) .

стр. 1103

قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ قَدَّمَ) : هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي. وَ «فَزِدْهُ» : الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مَنْ» نَصْبًا؛ أَيْ فَزِدْ مَنْ قَدَّمَ. وَقِيلَ: هِيَ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّعْظِيمِ؛ فَيَكُونُ مُبْتَدَأً، وَقَدَّمَ الْخَبَرَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ. وَفِيهِ ضَعْفٌ. وَ (ضِعْفًا) : نَعْتٌ لِعَذَابٍ؛ أَيْ مُضَاعَفًا. وَ (فِي النَّارِ) : ظَرْفٌ لِزِدْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ؛ أَيْ زِدْهُ كَائِنًا فِي النَّارِ؛ وَأَنْ يَكُونَ نَعْتًا ثَانِيًا لِعَذَابٍ، أَوْ حَالًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُصِفَ. قَالَ تَعَالَى: (أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَتَّخَذْنَاهُمْ) : يُقْرَأُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ؛ لِأَنَّهَا لِلِاسْتِفْهَامِ؛ وَبِالْوَصْلِ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ لِدَلَالَةِ أَمْ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: الْأَوَّلُ خَبَرٌ، وَهُوَ وَصْفٌ فِي الْمَعْنَى لِرِجَالٍ. وَ «أَمْ» اسْتِفْهَامٌ؛ أَيْ أَهُمْ مَفْقُودُونَ أَمْ زَاغَتْ. وَ (سِخْرِيًّا) : قَدْ ذُكِرَ فِي «الْمُؤْمِنُونَ» . قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) : هُوَ بَدَلٌ مِنَ «حَقٌّ» أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هُوَ تَخَاصُمٌ. وَلَوْ قِيلَ: هُوَ مَرْفُوعٌ لِحَقٍّ لَكَانَ بَعِيدًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ جُمْلَةً، وَلَا ضَمِيرَ فِيهَا يَعُودُ عَلَى اسْمِ «إِنَّ» . قَالَ تَعَالَى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَأَنْ يَكُونَ

стр. 1104

صِفَةً، وَأَنْ يَكُونَ بَدَلًا، وَأَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ «الْعَزِيزُ» . قَالَ تَعَالَى: (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) : هُوَ ظَرْفٌ لِعِلْمٍ. وَ (أَنَّمَا) : مَرْفُوعٌ بِيُوحَى إِلَيَّ. وَقِيلَ: «إِلَيَّ» قَائِمٌ مَقَامَ الْفَاعِلِ؛ وَإِنَّمَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ أُوحِيَ إِلَيَّ الْإِنْذَارُ، أَوْ بِأَنِّي نَذِيرٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ) : أَيِ اذْكُرْ إِذْ قَالَ. (مِنْ طِينٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِبَشَرٍ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِخَالِقٍ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَالْحَقُّ) فِي نَصْبِهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ فَأَحِقَّ الْحَقَّ، أَوْ فَاذْكُرِ الْحَقَّ. وَالثَّانِي: عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْقَسَمِ؛ أَيْ فَبِالْحَقِّ لَأَمْلَأَنَّ. (وَالْحَقَّ أَقُولُ) : مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا. وَسِيبَوَيْهِ يَدْفَعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَذْفُهُ إِلَّا مَعَ اسْمِ اللَّهِ . وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ؛ أَيْ فَأَنَا الْحَقُّ، أَوْ فَالْحَقُّ مِنِّي. وَأَمَّا «الْحَقُّ» الثَّانِي فَنَصْبُهُ بِأَقُولُ؛ وَيُقْرَأُ عَلَى تَقْدِيرِ تَكْرِيرِ الْمَرْفُوعِ قَبْلَهُ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ؛ أَيْ قَوْلِي الْحَقُّ؛ وَيَكُونُ «أَقُولُ» عَلَى هَذَا مُسْتَأْنَفًا مَوْصُولًا بِمَا بَعْدَهُ؛ أَيْ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ. وَقِيلَ: يَكُونُ «أَقُولُ» خَبَرًا عَنْهُ وَالْهَاءُ مَحْذُوفَةٌ؛ أَيْ أَقُولُهُ. وَفِيهِ بُعْدٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَتَعْلَمُنَّ) أَيْ لَتَعْرِفُنَّ، وَلَهُ مَفْعُولٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ «نَبَأَهُ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إِلَى اثْنَيْنِ، وَالثَّانِي: «بَعْدَ حِينٍ» .

стр. 1105

سُورَةُ الزُّمَرِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «مِنَ اللَّهِ» : الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنَّ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هَذَا تَنْزِيلٌ. وَ (مِنْ) : مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَصْدَرِ، أَوْ حَالٌ مِنَ الْكِتَابِ. وَ (الدِّينَ) : مَنْصُوبٌ بِمُخْلِصٍ، وَمُخْلِصًا: حَالٌ. وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ: (لَهُ الدِّينَ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ. (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ يَقُولُونَ مَا نَعْبُدُهُمْ. وَ (زُلْفَى) : مَصْدَرٌ، أَوْ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ. قَالَ تَعَالَى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُكَوِّرُ) : حَالٌ أَوْ مُسْتَأْنَفٌ، وَ «يَخْلُقُكُمْ» : مُسْتَأْنَفٌ، وَ «خَلْقًا» : مَصْدَرٌ مِنْهُ؛ وَ «فِي» يَتَعَلَّقُ بِهِ، أَوْ بِخَلْقٍ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُؤَكِّدٌ فَلَا يَعْمَلُ. وَ (رَبُّكُمْ) : نَعْتٌ أَوْ بَدَلٌ، وَأَمَّا الْخَبَرُ فَاللَّهُ. وَ (لَهُ الْمُلْكُ) : خَبَرٌ ثَانٍ، أَوْ مُسْتَأْنَفٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «اللَّهُ» بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، وَالْخَبَرُ لَهُ الْمُلْكُ. وَ (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) : مُسْتَأْنَفٌ، أَوْ خَبَرٌ آخَرُ.

стр. 1106

وَ (يَرْضَهُ لَكُمْ) : بِضَمِّ الْهَاءِ وَاخْتِلَاسِهَا وَإِسْكَانِهَا، وَقَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي: (يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) [آلِ عِمْرَانَ: ٧٥] . قَالَ تَعَالَى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)) . وَ (مُنِيبًا) : حَالٌ. وَ «مِنْهُ» : يَتَعَلَّقُ بِخَوَّلَ، أَوْ صِفَةٌ لِنِعْمَةٍ. قَالَ تَعَالَى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩) قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ هُوَ قَانِتٌ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ، وَالْأَصْلُ أَمْ مَنْ، فَأَمْ لِلِاسْتِفْهَامِ مُنْقَطِعَةٌ؛ أَيْ بَلْ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ. وَقِيلَ: هِيَ مُتَّصِلَةٌ، تَقْدِيرُهُ: أَمْ مَنْ يَعْصِي، أَمْ مَنْ هُوَ مُطِيعٌ مُسْتَوِيَانِ؛ وَحَذْفُ الْخَبَرِ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ» . وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ، وَفِيهِ الِاسْتِفْهَامُ؛ وَالْمُعَادِلُ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفَانِ. وَقِيلَ: هِيَ هَمْزَةُ النِّدَاءِ. وَ (سَاجِدًا وَقَائِمًا) : حَالَانِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «قَانِتٍ» أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يَحْذَرُ» . وَ (بِغَيْرِ حِسَابٍ) : حَالٌ مِنَ الْأَجْرِ؛ أَيْ مُوَفَّرًا، أَوْ مِنَ الصَّابِرِينَ؛ أَيْ غَيْرَ مُحَاسَبِينَ. قَالَ تَعَالَى: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)) . (قُلِ اللَّهَ) : هُوَ مَنْصُوبٌ بِـ «أَعْبُدُ» . قَالَ تَعَالَى: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧)) .

стр. 1107

قَوْلُهُ تَعَالَى: (ظُلَلٌ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «لَهُمُ» الْخَبَرُ. وَ (مِنْ فَوْقِهِمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ الْجَارَّ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «ظُلَلٌ» وَالتَّقْدِيرُ: ظُلَلٌ كَائِنَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ. وَ (مِنَ النَّارِ) : نَعْتٌ لِظُلَلٍ. وَ (الطَّاغُوتُ) : مُؤَنَّثٌ، وَعَلَى ذَلِكَ جَاءَ الضَّمِيرُ هُنَا. قَالَ تَعَالَى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَمَنْ) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كَمَنْ نَجَا. وَ (وَعْدَ) : مَصْدَرٌ دَلَّ عَلَى الْعَامِلِ فِيهِ قَوْلُهُ: «لَهُمْ غُرَفٌ» ؛ لِأَنَّهُ كَقَوْلِكَ: وَعَدَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الرَّفْعِ. وَقُرِئَ شَاذًّا بِالنَّصْبِ، وَوَجْهُهُ أَنْ يُضْمَرَ مَعَهُ «أَنْ» وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ «أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ» فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، تَقْدِيرُهُ: أَلَمْ تَرَ إِنْزَالَ اللَّهِ، أَوْ إِلَى إِنْزَالِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِتَقْدِيرِ: تَرَى جَعْلَهُ حُطَامًا. قَالَ تَعَالَى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ) وَ (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ) [الزُّمَرِ: ٢٤] الْحُكْمُ فِيهِمَا كَالْحُكْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ) [الزُّمَرِ: ١٩] . وَقَدْ ذُكِرَ. قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كِتَابًا) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ «أَحْسَنَ» وَ «تَقْشَعِرُّ» : نَعْتٌ ثَالِثٌ.

стр. 1108

قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُرْآنًا) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْقُرْآنِ مُوَطِّئَةٌ، وَالْحَالُ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَرَبِيًّا) . وَقِيلَ: انْتَصَبَ بِـ «يَتَذَكَّرُونَ» . قَالَ تَعَالَى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَثَلًا رَجُلًا) : «رَجُلًا» : بَدَلٌ مِنْ «مَثَلًا» وَقَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: (مَثَلًا قَرْيَةً) [النَّحْلِ: ١١٢] فِي النَّحْلِ. وَ (فِيهِ شُرَكَاءُ) : الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، وَ «فِيهِ» يَتَعَلَّقُ بِـ «مُتَشَاكِسُونَ» وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ عَلَيْهِ. وَ «مَثَلًا» تَمْيِيزٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) : الْمَعْنَى عَلَى الْجَمْعِ، وَقَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي) [الْبَقَرَةِ: ١٧] . قَالَ تَعَالَى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ) : يُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ وَبِالْإِضَافَةِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَالَ تَعَالَى: (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ) : مِثْلُ: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) [آلِ عِمْرَانَ: ٢٦]

стр. 1109

قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلْ هِيَ) : «هِيَ» ضَمِيرُ الْبَلْوَى، أَوِ الْحَالُ. قَالَ تَعَالَى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَقُولَ) : هُوَ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أَيْ أَنْذَرْنَاكُمْ مَخَافَةَ أَنْ تَقُولَ. (يَاحَسْرَتَا) : الْأَلْفُ مُبْدَلَةٌ مِنْ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ. وَقُرِئَ «حَسْرَتَايَ» وَهُوَ بَعِيدٌ، وَقَدْ وُجِّهَتْ عَلَى أَنَّ الْيَاءَ زِيدَتْ بَعْدَ الْأَلِفِ الْمُنْقَلِبَةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْأَلِفُ زَائِدَةٌ. وَهَذَا أَبْعَدُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)) . وَفُتِحَتِ الْكَافُ فِي «جَاءَتْكَ» حَمْلًا عَلَى الْمُخَاطَبِ، وَهُوَ إِنْسَانٌ؛ وَمَنْ كَسَرَ حَمَلَهُ عَلَى تَأْنِيثِ النَّفْسِ. قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ «الَّذِينَ كَذَبُوا» لِأَنَّ «تَرَى» مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ؛ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ مَفْعُولًا ثَانِيًا. وَلَوْ قُرِئَ «وُجُوهَهُمْ مُسْوَدَّةً» بِالنَّصْبِ، لَكَانَ عَلَى بَدَلِ الِاشْتِمَالِ. قَالَ تَعَالَى: (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)) . وَ (مَفَازَتِهِمْ) : عَلَى الْإِفْرَادِ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَعَلَى الْجَمْعِ لِاخْتِلَافِ الْمَصَادِرِ كَالْحُلُومِ وَالْأَشْغَالِ؛ وَقِيلَ: الْمَفَازَةُ هُنَا: الطَّرِيقُ، وَالْمَعْنَى: فِي مَفَازَتِهِمْ. (لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ) : حَالٌ.

стр. 1110

قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ) : فِي إِعْرَابِهَا أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ «غَيْرَ» مَنْصُوبٌ بِـ «أَعْبُدُ» مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، وَقَدْ ضُعِّفَ هَذَا الْوَجْهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ التَّقْدِيرُ: أَنْ أَعْبُدَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى تَقْدِيمِ الصِّلَةِ عَلَى الْمَوْصُولِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ «أَنْ» لَيْسَتْ فِي اللَّفْظِ، فَلَا يَبْقَى عَمَلُهَا؛ فَلَوْ قَدَّرْنَا بَقَاءَ حُكْمِهَا لَأَفْضَى إِلَى حَذْفِ الْمَوْصُولِ وَبَقَاءِ صِلَتِهِ؛ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِتَأْمُرُونِّي وَ «أَعْبُدُ» بَدَلًا مِنْهُ، وَالتَّقْدِيرُ: قُلْ أَفَتَأْمُرُونِّي بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ، وَهَذَا مِنْ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ، وَمِنْ بَابِ: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ. وَالثَّالِثُ أَنَّ «غَيْرَ» مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ أَفَتُلْزِمْونِي غَيْرَ اللَّهِ، وَفَسَّرَهُ مَا بَعْدَهُ. وَقِيلَ: لَا مَوْضِعَ لِأَعْبُدَ مِنِ الْإِعْرَابِ. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلِينَ. وَأَمَّا النُّونُ فَمُشَدَّدَةٌ عَلَى الْأَصْلِ، وَقَدْ خُفِّفَتْ بِحَذْفِ الثَّانِيَةِ؛ وَقَدْ ذُكِرَ نَظَائِرُهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْأَرْضُ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «قَبْضَتُهُ» : الْخَبَرُ، وَجَمِيعًا حَالٌ مِنَ الْأَرْضِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: إِذَا كَانَتْ مُجْتَمِعَةً قَبْضَتُهُ؛ أَيْ مَقْبُوضَةً؛ فَالْعَامِلُ فِي إِذَا: الْمَصْدَرُ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ فِي الْحُجَّةِ: التَّقْدِيرُ: ذَاتُ قَبْضَتِهِ، وَقَدْ رُدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ؛ وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ الْآنَ غَيْرُ مُضَافٍ إِلَيْهِ، وَبَعْدَ حَذْفِ الْمُضَافِ لَا يَبْقَى حُكْمُهُ.

стр. 1111

وَيُقْرَأُ قَبْضَتَهُ بِالنَّصْبِ - عَلَى مَعْنَى فِي قَبْضَتِهِ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الظَّرْفَ مَحْدُودٌ؛ فَهُوَ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ الدَّارَ. (وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَ (بِيَمِينِهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْخَبَرِ، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا. وَقُرِئَ «مَطْوِيَّاتٍ» - بِالْكَسْرِ - عَلَى الْحَالِ، وَ «بِيَمِينِهِ» : الْخَبَرُ. وَقِيلَ: الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ وَالسَّمَاوَاتُ قَبْضَتُهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)) . وَ (زُمَرًا) : فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَالٌ. (وَفُتِحَتْ) : الْوَاوُ زَائِدَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ جَوَابُ حَتَّى، وَلَيْسَتْ زَائِدَةً عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اطْمَأَنُّوا، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَ (نَتَبَوَّأُ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ، أَوِ الْمَفْعُولِ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَيْثُ) : هُنَا مَفْعُولٌ بِهِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: (وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا) [الْبَقَرَةِ: ٣٥] فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ. وَ (حَافِّينَ) : حَالٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَ (يُسَبِّحُونَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي (حَافِّينَ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1112

سُورَةُ الْمُؤْمِنِ. (غَافِرٍ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) : هُوَ مِثْلُ: (الم تَنْزِيلُ) [السَّجْدَةِ: ١، ٢] . قَالَ تَعَالَى: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ) : كِلْتَاهُمَا صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَالْإِضَافَةُ مَحْضَةٌ. وَأَمَّا (شَدِيدِ الْعِقَابِ) فَنَكِرَةٌ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: شَدِيدٌ عِقَابُهُ؛ فَيَكُونُ بَدَلًا؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «شَدِيدِ» بِمَعْنَى مُشَدَّدٍ، كَمَا جَاءَ أَذِينٌ بِمَعْنَى مُؤَذِّنٍ؛ فَتَكُونُ الْإِضَافَةُ مَحْضَةً فَيَتَعَرَّفُ، فَيَكُونُ وَصْفًا أَيْضًا. وَأَمَّا (ذِي الطَّوْلِ) : فَصِفَةٌ أَيْضًا. (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنَّهُمْ) : هُوَ مِثْلُ الَّذِي فِي يُونُسَ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «يُسَبِّحُونَ» : خَبَرُهُ.

стр. 1113

(رَبَّنَا) أَيْ يَقُولُونَ، وَهَذَا الْمَحْذُوفُ حَالٌ. وَ (رَحْمَةً وَعِلْمًا) : تَمْيِيزٌ، وَالْأَصْلُ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَتُكَ وَعِلْمُكَ. قَالَ تَعَالَى: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ صَلَحَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي «أَدْخِلْهُمْ» أَيْ وَأَدْخِلْ مَنْ صَلَحَ. وَقِيلَ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي «وَعَدْتَهُمْ» . قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ مَقْتِكُمْ) : هُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ. وَ (أَنْفُسَكُمْ) : مَنْصُوبٌ بِهِ. وَ «إِذْ» : ظَرْفٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: مَقَتَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ «مَقْتُ اللَّهِ» لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ أُخْبِرَ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَكْبَرُ مِنْ. وَلَا «مَقْتِكُمْ» لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْقُتُوا أَنْفُسَهُمْ حِينَ دَعَوْا إِلَى الْإِيمَانِ، وَإِنَّمَا مَقَتُوهَا فِي النَّارِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَدْعُونَ إِلَى الْإِيمَانِ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَحْدَهُ) : هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ اللَّهِ؛ أَيْ دُعِيَ مُفْرَدًا. وَقَالَ يُونُسُ: يَنْتَصِبُ عَلَى الظَّرْفِ؛ تَقْدِيرُهُ: دُعِيَ حِيَالُهُ وَحْدَهُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزِّيَادَةِ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ أَوْحَدْتُهُ إِيحَادًا. قَالَ تَعَالَى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)) .

стр. 1114

قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هُوَ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ؛ فَيَكُونُ «ذُو» صِفَةً، وَ «يُلْقِي» مُسْتَأْنَفًا. وَأَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ ذُو الْعَرْشِ، أَوْ يُلْقِي وَ (مِنْ أَمْرِهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الرُّوحِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ «يُلْقِي» . قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ هُمْ) : «يَوْمَ» بَدَلٌ مِنْ (يَوْمَ التَّلَاقِ) : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يَوْمَ، وَأَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلتَّلَاقِي. وَ «هُمْ» مُبْتَدَأٌ؛ وَ «بَارِزُونَ» خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِإِضَافَةِ «يَوْمَ» إِلَيْهَا وَ (لَا يَخْفَى) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا آخَرَ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «بَارِزُونَ» وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. (الْيَوْمَ) : ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ «لِمَنْ» أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَارُّ. وَقِيلَ: هُوَ ظَرْفٌ لِلْمُلْكِ. (لِلَّهِ) : أَيْ: هُوَ لِلَّهِ. وَقِيلَ: الْوَقْفُ عَلَى الْمُلْكِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: هُوَ الْيَوْمُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ؛ أَيِ اسْتَقَرَّ الْيَوْمُ لِلَّهِ. وَ (الْيَوْمَ) الْآخَرُ: ظَرْفٌ لِـ «تُجْزَى» . وَ (الْيَوْمَ) الْأَخِيرُ: خَبَرُ «لَا» أَيْ لَا ظُلْمَ كَائِنٌ الْيَوْمَ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)) . (إِذِ) بَدَلٌ مِنْ يَوْمِ الْآزِفَةِ. وَ (كَاظِمِينَ) : حَالٌ مِنَ الْقُلُوبِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَصْحَابُهَا. وَقِيلَ: هِيَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «لَدَى» . وَقِيلَ: هِيَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «أَنْذِرْهُمْ» . (

стр. 1115

وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) : «يُطَاعُ» فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِشَفِيعٍ عَلَى اللَّفْظِ، أَوْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الْمَوْضِعِ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ أَنْ يُظْهِرَ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ أَخَافُ الْأَمْرَيْنِ. وَيُقْرَأُ «أَوْ أَنْ يُظْهِرَ» أَيْ أَخَافُ أَحَدَهُمَا، وَأَيُّهُمَا وَقَعَ كَانَ مَخُوفًا. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ نَعْتًا لِمُؤْمِنٍ. وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ «يَكْتُمُ» أَيْ يَكْتُمُهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. (أَنْ يَقُولَ) : أَيْ لِأَنْ يَقُولَ. (وَقَدْ جَاءَكُمْ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ظَاهِرِينَ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْجَمْعِ فِي «لَكُمْ» . وَ (أُرِيكُمْ) : مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، الثَّانِي «مَا أَرَى» وَهُوَ مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ. (سَبِيلَ الرَّشَادِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، إِمَّا الرُّشْدُ أَوِ الْإِرْشَادُ، وَقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، وَهُوَ الَّذِينَ يَكْثُرُ مِنْهُ الْإِرْشَادُ أَوِ الرُّشْدُ.

стр. 1116

قَالَ تَعَالَى: (وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ التَّنَادِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى التَّخْفِيفِ؛ وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَهُوَ مَصْدَرُ تَنَادَ الْقَوْمُ إِذَا تَفَرَّقُوا؛ أَيْ يَوْمَ اخْتِلَافِ مَذَاهِبِ النَّاسِ. وَ (يَوْمَ تُوَلُّونَ) : بَدَلٌ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَ (مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ) : فِيهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هُمُ الَّذِينَ، وَ «هُمْ» يَرْجِعُ عَلَى قَوْلِهِ: (مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ: «يَطْبَعُ اللَّهُ» وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ مِنْهُمْ. وَ (كَذَلِكَ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَمَا بَيْنَهُمَا مُعْتَرِضٌ مُسَدَّدٌ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ «كَبُرَ مَقْتًا» أَيْ كَبُرَ قَوْلُهُمْ مَقْتًا. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا؛ أَيْ مُعَانِدُونَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ أَعْنِي.

стр. 1117

قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى كُلِّ قَلْبِ) : يُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ. وَ (مُتَكَبِّرٍ) : صِفَةٌ لَهُ؛ وَالْمُرَادُ صَاحِبُ الْقَلْبِ. وَيُقْرَأُ بِالْإِضَافَةِ، وَإِضَافَةُ «كُلِّ» إِلَى الْقَلْبِ يُرَادُ بِهَا عُمُومُ الْقَلْبِ لِاسْتِيعَابِ كُلِّ قَلْبٍ بِالطَّبْعِ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى كَقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ) : هُوَ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ. (فَأَطَّلِعَ) - بِالرَّفْعِ - عَطْفًا عَلَى أَبْلَغُ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ؛ أَيْ إِنْ تَبْنِ لِي أَطَّلِعَ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ جَوَابُ لَعَلِّي؛ إِذْ كَانَ فِي مَعْنَى التَّمَنِّي. قَالَ تَعَالَى: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَدْعُونَنِي) : الْجُمْلَةُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا بَدَلٌ، أَوْ تَبْيِينٌ لِتَدْعُونَنِي الْأَوَّلِ. قَالَ تَعَالَى: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «أَقُولُ» . قَالَ تَعَالَى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا) : فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مُبْتَدَأٌ وَ «يُعْرَضُونَ» : خَبَرُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ «سُوءِ الْعَذَابِ» . وَيَقْرَأُ بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ «يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا» تَقْدِيرُهُ: يُصْلَوْنَ النَّارَ وَنَحْوَ

стр. 1118

ذَلِكَ، وَلَا مَوْضِعَ لِيُعْرَضُونَ عَلَى هَذَا، وَعَلَى الْبَدَلِ مَوْضِعُهُ حَالٌ؛ إِمَّا مِنَ النَّارِ، أَوْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. (أَدْخِلُوا) : يُقْرَأُ بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ؛ أَيْ يُقَالُ: لِآلِ فِرْعَوْنَ؛ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: يَا آلَ فِرْعَوْنَ. وَيُقْرَأُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ؛ أَيْ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَطُوفًا عَلَى «غُدُوًّا» وَأَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَاذْكُرْ. وَ (تَبَعًا) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ اسْمِ الْفَاعِلِ. وَ (نَصِيبًا) مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مُغْنُونَ، تَقْدِيرُهُ: هَلْ أَنْتُمْ دَافِعُونَ عَنَّا أَوْ مَانِعُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ، كَمَا كَانَ شَيْءٌ كَذَلِكَ؛ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) [آلِ عِمْرَانَ: ١٠] فَشَيْئًا فِي مَوْضِعِ غَنَاءٍ؛ فَكَذَلِكَ نَصِيبًا. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوَا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا؛ أَيْ يُخَفِّفْ عَنَّا فِي يَوْمٍ شَيْئًا مِنَ الْعَذَابِ؛ فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ. وَعَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مِنْ» زَائِدَةً؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا؛ أَيْ عَذَابَ يَوْمٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا) : [الْبَقَرَةِ: ٤٨] أَيْ عَذَابَ يَوْمٍ. قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَنْفَعُ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ «يَوْمَ يَقُومُ» . قَالَ تَعَالَى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا الْمُسِيءُ) : «لَا» زَائِدَةٌ.

стр. 1119

قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذِ الْأَغْلَالُ) «إِذْ» ظَرْفُ زَمَانٍ مَاضٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الِاسْتِقْبَالُ هُنَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) . وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ) [الْبَقَرَةِ: ١٦٥] . وَ (السَّلَاسِلُ) - بِالرَّفْعِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْأَغْلَالِ، وَالْخَبَرُ: «فِي أَعْنَاقِهِمْ» وَأَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيِ السَّلَاسِلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ. وَ «يُسْحَبُونَ» عَلَى هَذَا: حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ، أَوْ مُسْتَأْنَفًا. وَأَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ «يُسْحَبُونَ» وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ يُسْحَبُونَ بِهَا. وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ وَيَسْحَبُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَالْمَفْعُولُ هُنَا مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا) : يَجُوزُ أَنْ يكون مِنْهُم رَافعا لمن لِأَنَّهُ قد وصف بِهِ رسلًا وَأَن يَكُونَ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا، وَالْجُمْلَةُ نَعْتٌ لِرُسُلٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. قَالَ تَعَالَى: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)) . (فَأَيَّ) مَنْصُوبٌ بِـ «تُنْكِرُونَ» . قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) : «مِنْ» هُنَا بِمَعْنَى الْبَدَلِ؛ أَيْ بَدَلًا مِنَ الْعِلْمِ؛ وَتَكُونُ حَالًا مِنْ «مَا» أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سُنَّةَ اللَّهِ) : هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ؛ أَيْ سَنَنَّا بِهِمْ سُنَّةَ اللَّهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1120

سُورَةُ فُصِّلَتْ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ) : هُوَ مِثْلُ أَوَّلِ السَّجْدَةِ. كِتَابٌ؛ أَيْ هُوَ كِتَابٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِتَنْزِيلٍ؛ أَيْ نُزِّلَ كِتَابٌ؛ وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أَوْ بَدَلًا. وَ (قُرْآنًا) : حَالٌ مُوَطِّئَةٌ مِنْ «آيَاتِهِ» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «كِتَابٍ» لِأَنَّهُ قَدْ وُصِفَ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِمَّا تَدْعُونَا) : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى «فِي أَكِنَّةٍ» : مَحْجُوبَةٌ عَنْ سَمَاعِ مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِأَكِنَّةٍ لِأَنَّ الْأَكِنَّةَ: الْأَغْشِيَةُ، وَلَيْسَتِ الْأَغْشِيَةُ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)) . وَ (مَمْنُونٍ) : مَفْعُولٌ، مَنْ مَنَنْتُ الْحَبْلَ؛ أَيْ قَطَعْتُهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَعَلَ فِيهَا) : هُوَ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلَى «خَلَقَ» لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ لَكَانَ دَاخِلًا فِي الصِّلَةِ؛ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَتَجْعَلُونَ. . .) إِلَى آخَرِ الْآيَةِ؛ وَلَيْسَ مِنَ الصِّلَةِ فِي شَيْءٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) : أَيْ فِي تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَلَوْلَا هَذَا التَّقْدِيرُ: لَكَانَتِ الْأَيَّامُ ثَمَانِيَةً: يَوْمَانِ فِي الْأَوَّلِ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: (خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) [فُصِّلَتْ: ٩] وَيَوْمَانِ فِي الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فُصِّلَتْ: ١٢] .

стр. 1121

(سَوَاءً) - بِالنَّصْبِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ؛ أَيْ فَاسْتَوَتِ اسْتِوَاءً، وَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «أَقْوَاتِهَا» ، أَوْ فِيهَا، أَوْ مِنَ الْأَرْضِ. وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ لِلْأَيَّامِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ هِيَ سَوَاءٌ. قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (اِئْتِيَا) : أَيْ تَعَالَيَا. وَ (طَوْعًا) وَ (كَرْهًا) : مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَ (أَتَيْنَا) بِالْقَصْرِ؛ أَيْ جِئْنَا، وَبِالْمَدِّ؛ أَيْ أَعْطَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا الطَّاعَةَ. وَ (طَائِعِينَ) : حَالٌ؛ وَجَمْعٌ، لِأَنَّهُ قَدْ وَصَفَهَا بِصِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ، أَوِ التَّقْدِيرُ: أَتَيْنَا بِمَنْ فِينَا؛ فَلِذَلِكَ جَمَعَ. وَقِيلَ: جَمَعَ عَلَى حَسَبِ تَعَدُّدِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. قَالَ تَعَالَى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)) (وَحِفْظًا) أَيْ وَحَفِظْنَاهَا حِفْظًا، أَوْ لِلْحِفْظِ . قَالَ تَعَالَى: (إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤)) . (إِذْ جَاءَتْهُمُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِأَنْذَرْتُكُمْ، كَمَا تَقُولُ: لَقِيتُكَ إِذْ كَانَ كَذَا؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِصَاعِقَةٍ، أَوْ حَالًا مِنْ «صَاعِقَةً» الثَّانِيَةِ. قَالَ تَعَالَى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)) .

стр. 1122

قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَحِسَاتٍ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ اسْمُ فَاعِلٍ، مِثْلُ نَصِبٍ وَنَصِبَاتٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي الْأَصْلِ مِثْلَ الْكَلِمَةِ. وَيُقْرَأُ بِالسُّكُونِ؛ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الْمَكْسُورَةِ؛ وَإِنَّمَا سُكِّنَ لِعَارِضٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اسْمَ فَاعِلٍ فِي الْأَصْلِ، وَسُكِّنَ تَخْفِيفًا. قَالَ تَعَالَى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَمَّا ثَمُودُ) : هُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَ «فَهَدَيْنَاهُمْ» الْخَبَرُ. وَبِالنَّصْبِ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَا، فَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «فَهَدَيْنَاهُمْ» . قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ) : هُوَ ظَرْفٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «فَهُمْ يُوزَعُونَ» كَأَنَّهُ قَالَ: يُمْنَعُونَ يَوْمَ نَحْشُرُ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يَشْهَدَ) أَيْ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ؛ لِأَنَّ تَسْتَتِرُ لَا يَتَعَدَّى نَفْسَهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَذَلِكُمْ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «ظَنُّكُمْ» : خَبَرُهُ، وَ «الَّذِي» : نَعْتٌ لِلْخَبَرِ، أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. وَ «أَرْدَاكُمْ» : خَبَرٌ آخَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ صِفَةً، أَوْ بَدَلًا، وَ «أَرْدَاكُمْ» : الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «أَرْدَاكُمْ» حَالًا، وَ «قَدْ» مَعَهُ مُرَادَةٌ.

стр. 1123

قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْتَعْتِبُوا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ؛ أَيْ أَنْ يَطْلُبُوا زَوَالَ مَا يَعْتِبُونَ مِنْهُ. (فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) : بِفَتْحِ التَّاءِ؛ أَيْ مِنَ الْمُجَابِينَ إِلَى إِزَالَةِ الْعَتَبِ. وَيُقْرَأُ «يُسْتَعْتَبُوا» بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ التَّاءِ؛ أَيْ يُطْلَبُ مِنْهُمْ مَا لَا يُعْتَبُونَ عَلَيْهِ؛ فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتِبِينَ بِكَسْرِ التَّاءِ؛ أَيْ مِمَّنْ يُزِيلُ الْعَتَبَ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْغَوْا فِيهِ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ مِنْ لَغَا يَلْغَى، وَبِضَمِّهَا مَنْ لَغَا يَلْغُو، وَالْمَعْنَى سَوَاءٌ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (النَّارُ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ جَزَاءٍ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ. وَ (جَزَاءُ) مَصْدَرٌ؛ أَيْ جُوزُوا بِذَلِكَ جَزَاءً. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنُصْوبًا بِجَزَاءِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَّا تَخَافُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بِأَنْ لَا تَخَافُوا، أَوْ قَائِلِينَ لَا تَخَافُوا؛ [فَعَلَى الْأَوَّلِ: هُوَ حَالٌ؛ أَيْ تَتَنَزَّلُ بِقَوْلِهِمْ لَا تَخَافُوا، وَعَلَى الثَّانِي الْحَالُ مَحْذُوفَةٌ] .

стр. 1124

قَالَ تَعَالَى: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (نُزُلًا) : فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، أَوْ مِنْ مَا؛ أَيْ لَكُمُ الَّذِي تَدَّعُونَهُ مُعَدًّا، وَمَا أَشْبَهَهُ. وَ «مِنْ» : نَعْتٌ لَهُ. وَالثَّانِي: هُوَ جَمْعُ نَازِلٍ، مِثْلُ صَابِرٍ وَصُبُرٍ؛ فَيَكُونُ حَالًا مِنَ الْوَاوِ فِي «تَدَّعُونَ» أَوْ مِنَ الْكَافِ وَالْمِيمِ فِي «لَكُمْ» فَعَلَى هَذَا يَتَعَلَّقُ مِنْ بِتَدَّعُونَ؛ أَيْ يَطْلُبُوهُ مِنْ غَفُورٍ؛ أَوْ بِالظَّرْفِ؛ أَيِ اسْتَقَرَّ ذَلِكَ مِنْ غَفُورٍ؛ فَيَكُونُ حَالًا مِنْ «مَا» . قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَأَنَّهُ وَلِيٌّ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ حَالٌ مِنَ «الَّذِي» بِصِلَتِهِ وَ «الَّذِي» مُبْتَدَأٌ؛ وَإِذَا لِلْمُفَاجَأَةِ، وَ «هِيَ» خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ؛ أَيْ فَبِالْحَضْرَةِ الْمُعَادِي مُشْبِهًا لِلْوَلِيِّ، وَالْفَائِدَةُ تَحْصُلُ مِنَ الْحَالِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَبَرَا لمُبْتَدَأِ، وَ «إِذَا» ظَرْفٌ لِمَعْنَى التَّشْبِيهِ، وَالظَّرْفُ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْعَامِلِ الْمَعْنَوِيِّ. وَالضَّمِيرُ فِي «يُلَقَّاهَا» لِلْخَصْلَةِ أَوِ الْكَلِمَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَلَقَهُنَّ) : الضَّمِيرُ لِلْآيَاتِ، وَهِيَ اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ، وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) : خَبَرُ «إِنَّ» مَحْذُوفٌ؛ أَيْ مُعَانِدُونَ. أَوْ هَالِكُونَ. وَقِيلَ: هُوَ: (أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ) [فُصِّلَتْ: ٤٤] .

стр. 1125

قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَأَعْجَمِيٌّ) : عَلَى الِاسْتِفْهَامِ. وَيُقْرَأُ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ وَفَتْحِ الْعَيْنِ عَلَى النَّسَبِ إِلَى عَجَمٍ. وَ (عَمًي) : مَصْدَرُ عَمِيَ، مِثْلُ صَدِيَ صَدًى، وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْمِيمِ؛ أَيْ مُشْكِلٍ فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ. وَيُقْرَأُ عَمِيَ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، فَعَلَى يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ أَوْ بِالْفِعْلِ. وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لِتَقَدُّمِهَا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّبْيِينِ، أَوْ حَالًا مِنْهُ. قَالَ تَعَالَى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلِنَفْسِهِ) : هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ فَهُوَ لِنَفْسِهِ. قَالَ تَعَالَى: (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا تَحْمِلُ) : «مَا» نَافِيَةٌ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهَا «وَلَا تَضَعُ» ثُمَّ نُقِضَ النَّفْيُ بِإِلَّا وَلَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى الَّذِي مَعْطُوفَةً عَلَى السَّاعَةِ لَمْ يَسْتَقِمْ ذَلِكَ؛ فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ) فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْأَقْوَى أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: (آذَنَّاكَ) : هَذَا الْفِعْلُ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، وَإِلَى آخَرَ بِحَرْفِ جَرٍّ، وَقَدْ وَقَعَ النَّفْيُ وَمَا فِي حَيِّزِهِ مَوْقِعَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُوقَفُ عَلَى آذَنَّاكَ، ثُمَّ يُبْتَدَأُ؛ فَلَا مَوْضِعَ لِلنَّفْي.
следующие страницы →