Полный текст (1 313 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
(سَوَاءً) - بِالنَّصْبِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ؛ أَيْ فَاسْتَوَتِ اسْتِوَاءً، وَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «أَقْوَاتِهَا» ، أَوْ فِيهَا، أَوْ مِنَ الْأَرْضِ. وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ لِلْأَيَّامِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ هِيَ سَوَاءٌ.
قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (اِئْتِيَا) : أَيْ تَعَالَيَا. وَ (طَوْعًا) وَ (كَرْهًا) : مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
وَ (أَتَيْنَا) بِالْقَصْرِ؛ أَيْ جِئْنَا، وَبِالْمَدِّ؛ أَيْ أَعْطَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا الطَّاعَةَ.
وَ (طَائِعِينَ) : حَالٌ؛ وَجَمْعٌ، لِأَنَّهُ قَدْ وَصَفَهَا بِصِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ، أَوِ التَّقْدِيرُ: أَتَيْنَا بِمَنْ فِينَا؛ فَلِذَلِكَ جَمَعَ.
وَقِيلَ: جَمَعَ عَلَى حَسَبِ تَعَدُّدِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)) (وَحِفْظًا) أَيْ وَحَفِظْنَاهَا حِفْظًا، أَوْ لِلْحِفْظِ .
قَالَ تَعَالَى: (إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤)) .
(إِذْ جَاءَتْهُمُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِأَنْذَرْتُكُمْ، كَمَا تَقُولُ: لَقِيتُكَ إِذْ كَانَ كَذَا؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِصَاعِقَةٍ، أَوْ حَالًا مِنْ «صَاعِقَةً» الثَّانِيَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)) .
стр. 1122
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَحِسَاتٍ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ اسْمُ فَاعِلٍ، مِثْلُ نَصِبٍ وَنَصِبَاتٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي الْأَصْلِ مِثْلَ الْكَلِمَةِ. وَيُقْرَأُ بِالسُّكُونِ؛ وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الْمَكْسُورَةِ؛ وَإِنَّمَا سُكِّنَ لِعَارِضٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اسْمَ فَاعِلٍ فِي الْأَصْلِ، وَسُكِّنَ تَخْفِيفًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَمَّا ثَمُودُ) : هُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَ «فَهَدَيْنَاهُمْ» الْخَبَرُ. وَبِالنَّصْبِ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَا، فَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «فَهَدَيْنَاهُمْ» .
قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ) : هُوَ ظَرْفٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ
قَوْلُهُ تَعَالَى: «فَهُمْ يُوزَعُونَ» كَأَنَّهُ قَالَ: يُمْنَعُونَ يَوْمَ نَحْشُرُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يَشْهَدَ) أَيْ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ؛ لِأَنَّ تَسْتَتِرُ لَا يَتَعَدَّى نَفْسَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَذَلِكُمْ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «ظَنُّكُمْ» : خَبَرُهُ، وَ «الَّذِي» : نَعْتٌ لِلْخَبَرِ، أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. وَ «أَرْدَاكُمْ» : خَبَرٌ آخَرُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ صِفَةً، أَوْ بَدَلًا، وَ «أَرْدَاكُمْ» : الْخَبَرُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «أَرْدَاكُمْ» حَالًا، وَ «قَدْ» مَعَهُ مُرَادَةٌ.
стр. 1123
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْتَعْتِبُوا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ؛ أَيْ أَنْ يَطْلُبُوا زَوَالَ مَا يَعْتِبُونَ مِنْهُ. (فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) : بِفَتْحِ التَّاءِ؛ أَيْ مِنَ الْمُجَابِينَ إِلَى إِزَالَةِ الْعَتَبِ.
وَيُقْرَأُ «يُسْتَعْتَبُوا» بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ التَّاءِ؛ أَيْ يُطْلَبُ مِنْهُمْ مَا لَا يُعْتَبُونَ عَلَيْهِ؛ فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتِبِينَ بِكَسْرِ التَّاءِ؛ أَيْ مِمَّنْ يُزِيلُ الْعَتَبَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْغَوْا فِيهِ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ مِنْ لَغَا يَلْغَى، وَبِضَمِّهَا مَنْ لَغَا يَلْغُو، وَالْمَعْنَى سَوَاءٌ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (النَّارُ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ جَزَاءٍ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ. وَ (جَزَاءُ) مَصْدَرٌ؛ أَيْ جُوزُوا بِذَلِكَ جَزَاءً.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنُصْوبًا بِجَزَاءِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَّا تَخَافُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بِأَنْ لَا تَخَافُوا، أَوْ قَائِلِينَ لَا تَخَافُوا؛ [فَعَلَى الْأَوَّلِ: هُوَ حَالٌ؛ أَيْ تَتَنَزَّلُ بِقَوْلِهِمْ لَا تَخَافُوا، وَعَلَى الثَّانِي الْحَالُ مَحْذُوفَةٌ] .
стр. 1124
قَالَ تَعَالَى: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نُزُلًا) : فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، أَوْ مِنْ مَا؛ أَيْ لَكُمُ الَّذِي تَدَّعُونَهُ مُعَدًّا، وَمَا أَشْبَهَهُ. وَ «مِنْ» : نَعْتٌ لَهُ. وَالثَّانِي: هُوَ جَمْعُ نَازِلٍ، مِثْلُ صَابِرٍ وَصُبُرٍ؛ فَيَكُونُ حَالًا مِنَ الْوَاوِ فِي «تَدَّعُونَ» أَوْ مِنَ الْكَافِ وَالْمِيمِ فِي «لَكُمْ» فَعَلَى هَذَا يَتَعَلَّقُ مِنْ بِتَدَّعُونَ؛ أَيْ يَطْلُبُوهُ مِنْ غَفُورٍ؛ أَوْ بِالظَّرْفِ؛ أَيِ اسْتَقَرَّ ذَلِكَ مِنْ غَفُورٍ؛ فَيَكُونُ حَالًا مِنْ «مَا» .
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَأَنَّهُ وَلِيٌّ) : فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ حَالٌ مِنَ «الَّذِي» بِصِلَتِهِ وَ «الَّذِي» مُبْتَدَأٌ؛ وَإِذَا لِلْمُفَاجَأَةِ، وَ «هِيَ» خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ؛ أَيْ فَبِالْحَضْرَةِ الْمُعَادِي مُشْبِهًا لِلْوَلِيِّ، وَالْفَائِدَةُ تَحْصُلُ مِنَ الْحَالِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَبَرَا لمُبْتَدَأِ، وَ «إِذَا» ظَرْفٌ لِمَعْنَى التَّشْبِيهِ، وَالظَّرْفُ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْعَامِلِ الْمَعْنَوِيِّ.
وَالضَّمِيرُ فِي «يُلَقَّاهَا» لِلْخَصْلَةِ أَوِ الْكَلِمَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَلَقَهُنَّ) : الضَّمِيرُ لِلْآيَاتِ، وَهِيَ اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ، وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) : خَبَرُ «إِنَّ» مَحْذُوفٌ؛ أَيْ مُعَانِدُونَ. أَوْ هَالِكُونَ. وَقِيلَ: هُوَ: (أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ) [فُصِّلَتْ: ٤٤] .
стр. 1125
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَأَعْجَمِيٌّ) : عَلَى الِاسْتِفْهَامِ.
وَيُقْرَأُ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ وَفَتْحِ الْعَيْنِ عَلَى النَّسَبِ إِلَى عَجَمٍ.
وَ (عَمًي) : مَصْدَرُ عَمِيَ، مِثْلُ صَدِيَ صَدًى، وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْمِيمِ؛ أَيْ مُشْكِلٍ فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ. وَيُقْرَأُ عَمِيَ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، فَعَلَى يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ أَوْ بِالْفِعْلِ.
وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لِتَقَدُّمِهَا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّبْيِينِ، أَوْ حَالًا مِنْهُ.
قَالَ تَعَالَى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلِنَفْسِهِ) : هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ فَهُوَ لِنَفْسِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا تَحْمِلُ) : «مَا» نَافِيَةٌ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهَا «وَلَا تَضَعُ» ثُمَّ نُقِضَ النَّفْيُ بِإِلَّا وَلَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى الَّذِي مَعْطُوفَةً عَلَى السَّاعَةِ لَمْ يَسْتَقِمْ ذَلِكَ؛ فَأَمَّا
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ) فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْأَقْوَى أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (آذَنَّاكَ) : هَذَا الْفِعْلُ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، وَإِلَى آخَرَ بِحَرْفِ جَرٍّ، وَقَدْ وَقَعَ النَّفْيُ وَمَا فِي حَيِّزِهِ مَوْقِعَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُوقَفُ عَلَى آذَنَّاكَ، ثُمَّ يُبْتَدَأُ؛ فَلَا مَوْضِعَ لِلنَّفْي.
стр. 1126
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَظَنُّوا) : فَمَفْعُولَاهَا قَدْ أَغْنَى عَنْهُمَا (مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُوقَفُ عَلَى «ظَنُّوا» ثُمَّ أُخْبِرَ عَنْهُمْ بِالنَّفْيِ.
قَالَ تَعَالَى: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠)) .
وَ (دُعَاءِ الْخَيْرِ) : مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ. وَ (لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي) : جَوَابُ الشَّرْطِ، وَالْفَاءُ مَحْذُوفَةٌ.
وَقِيلَ: هُوَ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.
قَالَ تَعَالَى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِرَبِّكَ) : الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَهُوَ فَاعِلُ يَكْفِي، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ أَلَمْ يَكْفِكَ رَبُّكَ. فَعَلَى هَذَا «أَنَّهُ» فِي مَوْضِعِ الْبَدَلِ مِنَ الْفَاعِلِ، إِمَّا عَلَى اللَّفْظِ، أَوْ عَلَى الْمَوْضِعِ؛ أَيْ أَلَمْ يَكْفِكَ رَبُّكَ شَهَادَتَهُ.
وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ [أَوْ جَرٍّ عَلَى تَقْدِيرِ بِأَنَّهُ. وَقِيلَ: «بِرَبِّكَ» فِي مَوْضِعِ نَصْبِ] مَفْعُولِ يَكْفِي؛ أَيْ أَلَمْ يَكْفِ رَبَّكَ شَهَادَتُهُ.
стр. 1127
سُورَةُ الشُّورَى .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكَ يُوحِي) : يُقْرَأُ بِيَاءٍ مَضْمُومَةٍ عَلَى مَا سُمِّيَ فَاعِلُهُ، وَالْفَاعِلُ (اللَّهُ) وَمَا بَعْدَهُ نَعْتٌ لَهُ، وَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيُوحِي. وَيُقْرَأُ عَلَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ؛ وَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ «كَذَلِكَ» مُبْتَدَأٌ وَ «يُوحِي» الْخَبَرُ، وَ «اللَّهُ» : فَاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ يُوحِي؟ فَقَالَ: اللَّهُ؛ وَمَا بَعْدَهُ نَعْتٌ لَهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «الْعَزِيزُ» مُبْتَدَأً، وَ «الْحَكِيمُ» نَعْتٌ لَهُ، أَوْ خَبَرٌ. وَ «لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ» خَبَرٌ، أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «كَذَلِكَ» نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ وَ «إِلَيْكَ» الْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ؛ أَيْ وَحْيًا مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَرِيقٌ) : هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ بَعْضُهُمْ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ، وَبَعْضُهُمْ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: مِنْهُمْ فَرِيقٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨)) .
стр. 1128
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالظَّالِمُونَ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ؛ وَلَمْ يَحْسُنِ النَّصْبُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجُمْلَةِ بَعْدَهُ فِعْلٌ يُفَسِّرُ النَّاصِبَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكُمُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَ «اللَّهُ» عَطْفُ بَيَانٍ، أَوْ بَدَلٌ، وَ «رَبِّي» الْخَبَرُ. وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ الْخَبَرَ، وَرَبِّي خَبَرٌ ثَانٍ، أَوْ بَدَلٌ؛ أَوْ يَكُونَ صِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَ «عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ» : الْخَبَرُ.
قَالَ تَعَالَى: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ) أَيْ هُوَ فَاطِرٌ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا آخَرَ.
وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ فِي «عَلَيْهِ» . وَالْهَاءُ: فِي «فِيهِ» ضَمِيرُ الْجَعْلِ، وَالْفِعْلُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الْمَخْلُوقِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ يَذْرَؤُكُمْ.
وَالْكَافُ فِي «كَمِثْلِهِ» زَائِدَةٌ؛ أَيْ لَيْسَ مِثْلُهُ شَيْءٌ؛ فَمِثْلُهُ خَبَرُ لَيْسَ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ زَائِدَةً لَأَفْضَى إِلَى الْمُحَالِ؛ إِذْ كَانَ يَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ لَهُ مِثْلًا؛ وَلَيْسَ لِمَثَلِهِ مِثْلٌ، وَفِي ذَلِكَ تَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ مِثْلٌ فَلِمَثَلِهِ مِثْلٌ، وَهُوَ هُوَ مَعَ أَنَّ إِثْبَاتَ الْمِثْلِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ مُحَالٌ.
وَقِيلَ: «مِثْلِ» زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: لَيْسَ كَهُوَ شَيْءٌ، كَمَا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ) [الْبَقَرَةِ: ١٣٧] . وَقَدْ ذُكِرَ؛ وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ.
قَالَ تَعَالَى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)) .
стр. 1129
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ أَقِيمُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ فِي «بِهِ» أَوْ مِنْ «مَا» وَ «مِنَ الدِّينِ» كُلٌّ صَالِحٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «أَنْ» بِمَعْنَى أَيْ، فَلَا يَكُونُ لَهُ مَوْضِعٌ.
قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذُكِرَ عَلَى مَعْنَى الزَّمَانِ، أَوْ عَلَى مَعْنَى الْبَعْثِ، أَوْ عَلَى النَّسَبِ؛ أَيْ ذَاتُ قُرْبٍ.
قَالَ تَعَالَى: (تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)) .
(وَهُوَ وَاقِعٌ) ؛ أَيْ جَزَاءُ كَسْبِهِمْ.
وَقِيلَ: هُوَ ضَمِيرُ الْإِشْفَاقِ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُبَشِّرُ اللَّهُ) : الْعَائِدُ عَلَى الَّذِي مَحْذُوفٌ؛ أَيْ يُبَشِّرُ بِهِ.
(إِلَّا الْمَوَدَّةَ) : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَوِ الْعَكْسُ. وَقِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ؛ أَيْ لَا أَسْأَلُكُمْ شَيْئًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى؛ فَإِنِّي أَسْأَلُكُمُوهَا.
قَالَ تَعَالَى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَخْتِمْ) : هُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ. (وَيَمْحُ) : مَرْفُوعٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَلَيْسَ مِنَ الْجَوَابِ؛ لِأَنَّهُ يَمْحُو الْبَاطِلَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَسَقَطَتِ الْوَاوُ مِنَ اللَّفْظِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَمِنَ الْمُصْحَفِ حَمْلًا عَلَى اللَّفْظِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتُ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَسْتَجِيبُ) : هُوَ بِمَعْنَى يُجِيبُ.
стр. 1130
وَ (الَّذِينَ آمَنُوا) : مَفْعُولٌ بِهِ.
وَقِيلَ: يَسْتَجِيبُ دُعَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا.
وَقِيلَ: «الَّذِينَ» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أَيْ يَنْقَادُونَ لَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا يَشَاءُ) : الْعَامِلُ فِي «إِذَا» : «جَمْعِهِمْ» لَا «قَدِيرٌ» لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَصِيرَ الْمَعْنَى: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ قَدِيرٌ إِذَا يَشَاءُ، فَتُعَلَّقُ الْقُدْرَةُ بِالْمَشِيئَةِ؛ وَهُوَ مُحَالٌ.
«وَعَلَى» : يَتَعَلَّقُ بِقَدِيرٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا أَصَابَكُمْ) : «مَا» شَرْطِيَّةٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ.
(فَبِمَا كَسَبَتْ) : جَوَابُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْفِعْلَيْنِ الِاسْتِقْبَالُ، وَمَنْ حَذَفَ الْفَاءَ مِنَ الْقُرَّاءِ حَمَلَهُ عَلَى قَوْلِهِ: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) : [الْأَنْعَامِ: ١٢١] وَعَلَى مَا جَاءَ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ: مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا وَيَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ «مَا» عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ بِمَعْنَى الَّذِي، وَفِيهِ ضَعْفٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)) .
стр. 1131
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْجِوَارِ) : مُبْتَدَأٌ أَوْ فَاعِلٌ ارْتَفَعَ بِالْجَارِّ؛ وَ «فِي الْبَحْرِ» : حَالٌ مِنْهُ. وَالْعَامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرَارُ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ «فِي» بِالْجَوَارِي.
وَ (كَالْأَعْلَامِ) عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ حَالٌ ثَانِيَةٌ، وَعَلَى الثَّانِي هِيَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «الْجَوَارِ» وَ (يُسْكِنِ) : جَوَابُ الشَّرْطِ. (فَيَظْلَلْنَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْجَوَابِ، وَكَذَلِكَ «أَوْ يُوبِقْهُنَّ» - وَ «يَعْفُ» .
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ) : فَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ: وَأَنْ يَعْلَمَ؛ لِأَنَّهُ صَرَفُهُ عَنِ الْجَوَابِ، وَعَطَفُهُ عَلَى الْمَعْنَى.
وَيُقْرَأُ بِالْكَسْرِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَجْزُومًا حُرِّكَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَيَقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) : الْجُمْلَةُ الْمَنْفِيَّةُ تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمْتُ.
قَالَ تَعَالَى: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ) : أَيْ فَهُوَ مَتَاعٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [فُصِّلَتْ: ٣٦] .
стр. 1132
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ رَفْعٍ عَلَى تَقْدِيرِ «هُمْ» .
وَ (كَبَائِرَ) - بِالْجَمْعِ، وَاحِدَتُهَا كَبِيرَةٌ، وَمَنْ أَفْرَدَ ذَهَبَ بِهِ إِلَى الْجِنْسِ.
وَ (هُمْ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «يَغْفِرُونَ» : الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ جَوَابُ إِذَا.
وَقِيلَ: «هُمْ» مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: غَفَرُوا، فَحُذِفَ الْفِعْلُ لِدَلَالَةِ يَغْفِرُونَ عَلَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَمَنْ صَبَرَ) : «مَنْ» شَرْطِيَّةٌ، وَ «صَبَرَ» فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِهَا، وَالْجَوَابُ (إِنَّ ذَلِكَ) : وَقَدْ حَذَفَ الْفَاءَ.
وَقِيلَ: «مَنْ» بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ إِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَنْصُرُونَهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ حَمْلًا عَلَى لَفْظِ الْمَوْصُوفِ، وَرَفْعًا عَلَى مَوْضِعِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) أَيْ إِنَّ الْإِنْسَانَ مِنْهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا) : هُمَا حَالٌ، وَالْمَعْنَى: يَقْرِنُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ) : «أَنْ» وَالْفِعْلُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَمَا قَبْلَهُ الْخَبَرُ، أَوْ فَاعِلٌ بِالْجَارِّ لِاعْتِمَادِهِ عَلَى حَرْفِ النَّفْيِ وَ (إِلَّا وَحْيًا) : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ الْوَحْيَ لَيْسَ بِتَكْلِيمٍ.
стр. 1133
(أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) : الْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أَوْ أَنْ يُكَلِّمَهُ؛ وَهَذَا الْمَحْذُوفُ مَعْطُوفٌ عَلَى «وَحْيًا» تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، أَوْ يُكَلِّمَهُ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ «مِنْ» بِيُكَلِّمُهُ الْمَوْجُودَةِ فِي اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ لَا يَعْمَلُ فِيمَا بَعْدَ «إِلَّا» .
وَأَمَّا (أَوْ يُرْسِلَ) : فَمَنْ نَصَبَ فَمَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ «وَحْيًا» أَيْ يَبْعَثُ إِلَيْهِ مَلَكًا.
وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ جَرٍّ؛ أَيْ بِأَنْ يُرْسِلَ. وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعُطْوفًا عَلَى «أَنْ يُكَلِّمَهُ» ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعْنَاهُ: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ، وَلَا أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ رَسُولًا. وَهَذَا فَاسِدٌ؛ وَلِأَنَّ عَطْفَهُ عَلَى أَنْ يُكَلِّمَ الْمَوْجُودِ يُدْخِلُهُ فِي صِلَةِ أَنْ، وَ «إِلَّا وَحْيًا» يَفْصِلُ بَيْنَ بَعْضِ الصِّلَةِ وَبَعْضٍ لِكَوْنِهِ مُنْقَطِعًا.
وَمَنْ رَفَعَ «يُرْسِلُ» اسْتَأْنَفَ.
وَقِيلَ: «مِنْ» مُتَعَلِّقَةٌ بِيُكَلِّمُهُ؛ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ، وَالظَّرْفُ يُتَّسَعُ فِيهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا كُنْتَ تَدْرِي) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْكَافِ فِي «إِلَيْكَ» .
قَالَ تَعَالَى: (صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (صِرَاطِ اللَّهِ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ (صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) بَدَلَ الْمَعْرِفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1134
سُورَةُ الزُّخْرُفِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْكِتَابِ) : مَنْ جَعَلَ «حم» قَسَمًا كَانَتِ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَهَا لِلْقَسَمِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي أُمِّ الْكِتَابِ) : يَتَعَلَّقُ بِعَلِيٍّ، وَاللَّامُ لَا تَمْنَعُ ذَلِكَ.
وَ (لَدَيْنَا) : بَدَلٌ مِنَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْكِتَابِ، أَوْ مِنْ «أُمِّ» . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدٌ مِنَ الظَّرْفَيْنِ خَبَرًا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ قَدْ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ «عَلِيٌّ» مِنْ أَجْلِ اللَّامِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صِفَةٌ لِلْخَبَرِ، فَصَارَتْ حَالًا بِتَقَدُّمِهَا.
وَ (صَفْحًا) : مَصْدَرٌ مِنْ مَعْنَى نَضْرِبُ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى نَصْفَحُ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا.
وَقُرِئَ بِضَمِّ الصَّادِ؛ وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ لُغَةً. وَ (أَنْ) بِفَتْحِ - الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى: لِأَنْ كُنْتُمْ، وَبِكَسْرِهَا عَلَى الشَّرْطِ. وَمَا تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَابِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)) .
(وَكَمْ) نُصِبَ بِـ «أَرْسَلْنَا» وَ (بَطْشًا) تَمْيِيزٌ. وَقِيلَ: مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ؛ أَيْ أَهْلَكْنَاهُمْ بَاطِشِينَ.
стр. 1135
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجْهُهُ مُسْوَدًّا) : اسْمُ ظَلَّ وَخَبَرُهَا؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي «ظِلَّ» اسْمُهَا مُضْمَرًا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدِهِمْ، وَوَجْهُهُ بَدَلٌ مِنْهُ. وَيُقْرَآنِ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ ظَلَّ. (وَهُوَ كَظِيمٌ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنِ اسْمِ «ظَلَّ» أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «مُسْوَدًّا» .
قَالَ
تَعَالَى
: (أَوَمَنْ
يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَمَنْ) : «مَنْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، تَقْدِيرُهُ: أَتَجْعَلُونَ مَنْ يُنَشَّأُ، أَوْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أَيْ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ جُزْءٌ أَوْ وَلَدٌ. وَ (فِي الْخِصَامِ) : يَتَعَلَّقُ بِـ «مُبِينٍ» . فَإِنْ قُلْتَ: الْمُضَافُ إِلَيْهِ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ؟ .
قِيلَ: إِلَّا فِي «غَيْرُ» لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى النَّفْيِ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ لَا يُبِينُ فِي الْخِصَامِ، وَمِثْلُهُ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ: أَنَا زَيْدًا غَيْرُ ضَارِبٍ. وَقِيلَ: يَنْتَصِبُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ضَارِبٌ، وَكَذَا فِي الْآيَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ أَوَلَوْ) : عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ، وَهُوَ مُسْتَأْنَفٌ. وَيُقْرَأُ (قَالَ) - يَعْنِي النَّذِيرَ الْمَذْكُورَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَرَاءٌ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ اسْمِ الْفَاعِلِ بِمَعْنَى بَرِيءٍ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ.
стр. 1136
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ) أَيْ مِنْ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ: مَكَّةُ، وَالطَّائِفُ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: عَلَى رَجُلٍ مِنْ رَجُلَيْنِ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ.
وَقِيلَ: كَانَ الرَّجُلُ مَنْ يَسْكُنُ مَكَّةَ وَالطَّائِفَ وَيَتَرَدَّدُ إِلَيْهِمَا؛ فَصَارَ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِمَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِبُيُوتِهِمْ) : هُوَ بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ؛ أَيْ لِبُيُوتِ مَنْ كَفَرَ.
وَالسَّقْفُ وَاحِدٌ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ؛ وَسُقُفًا - بِالضَّمِّ - جَمْعٌ، مِثْلُ رَهْنٍ وَرُهُنٍ.
قَالَ تَعَالَى: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَاءَنَا) : عَلَى الْإِفْرَادِ رَدًّا عَلَى لَفْظِ مَنْ، وَعَلَى التَّثْنِيَةِ رَدًّا عَلَى الْقَرْيَتَيْنِ: الْكَافِرُ، وَشَيْطَانُهُ. وَ (الْمَشْرِقَيْنِ) : قِيلَ: أَرَادَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ، فَغَلَّبَ مِثْلَ الْقَمَرَيْنِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ) : فِي الْفَاعِلِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: «أَنَّكُمْ» وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ؛ أَيْ لَا يَنْفَعُكُمْ تَأَسِّيكُمْ فِي الْعَذَابِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ التَّمَنِّي الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ) : أَيْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ تَمَنِّي التَّبَاعُدِ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «أَنَّكُمْ» بِمَعْنَى لِأَنَّكُمْ.
فَأَمَّا (إِذْ) فَمُشْكِلُهُ الْأَمْرُ؛ لِأَنَّهَا ظَرْفُ زَمَانٍ مَاضٍ، وَلَنْ يَنْفَعَكُمْ وَفَاعِلُهُ وَالْيَوْمُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ بِمَاضٍ.
стр. 1137
وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ فِي مُسَاءَلَتِهِ أَبَا عَلِيٍّ: رَاجَعْتُهُ فِيهَا مِرَارًا فَآخِرُ مَا حَصَلَ مِنْهُ أَنَّ الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى مُتَّصِلَتَانِ، وَهُمَا سَوَاءٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمِهِ، فَتَكُونُ «إِذْ» بَدَلًا مِنَ الْيَوْمِ حَتَّى كَأَنَّهَا مُسْتَقْبِلَةٌ، أَوْ كَأَنَّ الْيَوْمَ مَاضٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى: أَنَّ ثُبُوتَ ظُلْمِهِمْ عِنْدَهُمْ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ؛ إِذْ صَحَّ ظُلْمُكُمْ عِنْدَكُمْ، فَهُوَ بَدَلٌ أَيْضًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: التَّقْدِيرُ: بَعْدَ إِذْ ظَلَمْتُمْ؛ فَحُذِفَ الْمُضَافُ لِلْعِلْمِ بِهِ.
وَقِيلَ: إِذْ بِمَعْنَى أَنْ؛ أَيْ لِأَنْ ظَلَمْتُمْ. وَيُقْرَأُ: «إِنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ» بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ التَّمَنِّي.
وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلَ ظُلْمُكُمْ أَوْ جَحْدُكُمْ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ ظَلَمْتُمْ، وَيَكُونَ الْفَاعِلُ الْمَحْذُوفُ مِنَ اللَّفْظِ هُوَ الْعَامِلَ فِي إِذْ، لَا ضَمِيرَ الْفَاعِلِ.
قَالَ تَعَالَى: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ) : «أَمْ» هَاهُنَا مُنْقَطِعَةٌ فِي اللَّفْظِ، لِوُقُوعِ الْجُمْلَةِ بَعْدَهَا؛ وَهِيَ فِي الْمَعْنَى مُتَّصِلَةٌ مُعَادَلَةٌ؛ إِذِ الْمَعْنَى: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ أَمْ لَا، أَوْ أَيُّنَا خَيْرٌ.
وَ (أَسْوِرَةٌ) : جَمْعُ سِوَارٍ، وَأَمَّا أَسَاوِرَةُ فَجَمْعُ إِسْوَارٍ، أَوْ جَمْعُ أَسْوِرَةٍ جَمْعُ الْجَمْعِ، وَأَصْلُهُ أَسَاوِيرُ، فَجُعِلَتِ الْيَاءُ عِوَضًا مِنَ التَّاءِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)) .
وَأَمَّا «سَلَفًا» فَوَاحِدٌ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ، مِثْلُ النَّاسِ وَالرَّهْطِ.
стр. 1138
وَأَمَّا سُلُفًا - بِضَمَّتَيْنِ - فَجَمْعٌ مِثْلُ: أَسَدٌ وَأُسُدٌ أَوْ جَمْعُ سَالِفٍ، مِثْلُ صَابِرٍ وَصُبُرٍ؛ أَوْ جَمْعُ سَلِيفٍ مِثْلُ: رَغِيفٍ وَرُغُفٍ. وَأَمَّا سُلَفًا - بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ اللَّامِ فَقِيلَ: أُبْدِلَ مِنَ الضَّمَّةِ فَتْحَةٌ تَخْفِيفًا.
وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ سُلْفَةٍ، مِثْلُ: غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَثَلًا) : هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِضُرِبَ؛ أَيْ جُعِلَ مَثَلًا. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ؛ أَيْ ذُكِرَ مُمَثَّلًا بِهِ. وَ (يَصِدُّونَ) - بِضَمِّ الصَّادِ: يُعْرِضُونَ؛ وَبِكَسْرِهَا لُغَةٌ فِيهِ.
وَقِيلَ: الْكَسْرُ بِمَعْنَى يَضِجُّونَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ) أَيْ بَدَلًا مِنْكُمْ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى: لَحَوَّلْنَا بَعْضَكُمْ مَلَائِكَةً.
قَالَ تَعَالَى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)) .
قَوْله تَعَالَى ﴿أَن تأتيهم﴾ هُوَ بدل من السَّاعَة بدل الاشتمال
قَالَ تَعَالَى ﴿يُطَاف عَلَيْهِم بصحاف من ذهب وأكواب﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُطَافُ) : تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: يَدْخُلُونَ فَيُطَافُ، فَحُذِفَ لِفَهْمِ الْمَعْنَى.
قَالَ تَعَالَى: (لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ) : هِيَ حَالٌ، أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ؛ وَكِلَاهُمَا تَوْكِيدٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لْيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)) .
стр. 1139
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَامَالِكُ) : يُقْرَأُ «يَا مَالِ» - بِالْكَسْرِ، وَالضَّمِّ، عَلَى التَّرْخِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ) : «إِنْ» بِمَعْنَى «مَا» .
وَقِيلَ: شَرْطِيَّةٌ؛ أَيْ إِنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ؛ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ وَحَّدَهُ.
وَقِيلَ: إِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَأَنَا أَوَّلُ الْآنِفِينَ مِنْ عِبَادَتِهِ، وَلَنْ يَصِحَّ ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ) : صِلَةُ «الَّذِي» لَا تَكُونُ إِلَّا جُمْلَةً، وَالتَّقْدِيرُ: هُنَا: وَهُوَ الَّذِي هُوَ إِلَهٌ فِي السَّمَاءِ. وَ «فِي» مُتَعَلِّقَةٌ بِإِلَهٍ؛ أَيْ مَعْبُودٌ فِي السَّمَاءِ، وَمَعْبُودٌ فِي الْأَرْضِ؛ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ «إِلَهٌ» مُبْتَدَأً، وَفِي السَّمَاءِ خَبَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِلَّذِي عَائِدٌ؛ فَهُوَ كَقَوْلِكَ: هُوَ الَّذِي فِي الدَّارِ زَيْدٌ. وَكَذَلِكَ إِنْ رَفَعْتَ إِلَهًا بِالظَّرْفِ؛ فَإِنْ جَعَلْتَ فِي الظَّرْفِ ضَمِيرًا يَرْجِعُ عَلَى الَّذِي وَأَبْدَلْتَ إِلَهًا مِنْهُ جَازَ عَلَى ضَعْفٍ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْكُلِّيَّ إِثْبَاتُ إِلَهِيَّتِهِ لَا كَوْنُهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ وَكَانَ يَفْسُدُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: «وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ» ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ وَإِذَا لَمْ تُقَدِّرْ مَا ذَكَرْنَا صَارَ مُنْقَطِعًا عَنْهُ، وَكَانَ الْمَعْنَى: إِنَّ فِي الْأَرْضِ إِلَهًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقِيلِهِ) : بِالنَّصْبِ وَفِيهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى «سِرَّهِمْ» أَيْ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَقِيلَهُ.
стр. 1140
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعُطْوفًا عَلَى مَوْضِعِ السَّاعَةِ؛ أَيْ وَعِنْدَهُ أَنْ يَعْلَمَ السَّاعَةَ وَقِيلَهُ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَصْدَرِ؛ أَيْ: وَقَالَ قِيلَهُ.
وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَ «يَا رَبِّ» خَبَرُهُ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَقِيلُهُ هُوَ قِيلُ يَا رَبِّ. وَقِيلَ: الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ قِيلُهُ يَا رَبِّ مَسْمُوعٌ، أَوْ مُجَابٌ.
وَقُرِئَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ السَّاعَةِ. وَقِيلَ: هُوَ قَسَمٌ؛ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1141
سُورَةُ الدُّخَانِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ) : هُوَ جَوَابُ الْقَسَمِ. وَ «إِنَّا كُنَّا» مُسْتَأْنَفٌ.
وَقِيلَ: هُوَ جَوَابٌ آخَرُ مِنْ غَيْرِ عَاطِفٍ.
قَالَ تَعَالَى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيهَا يُفْرَقُ) : هُوَ مُسْتَأْنَفٌ.
وَقِيلَ: هُوَ صِفَةٌ لِلَيْلَةٍ، وَ «إِنَّا. . .» مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا.
قَالَ تَعَالَى: (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْرًا) : فِي نَصْبِهِ أَوْجُهٌ؛ أَحَدُهَا: هُوَ مَفْعُولُ مُنْذِرِينَ؛ كَقَوْلِهِ: (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا) [الْكَهْفِ: ٢] . وَالثَّانِي: هُوَ مَفْعُولٌ لَهُ، وَالْعَامِلُ «أَنْزَلْنَاهُ» أَوْ «مُنْذِرِينَ» أَوْ «يُفْرَقُ» . وَالثَّالِثُ: هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «حَكِيمٍ» أَوْ مِنْ «أَمْرٍ» لِأَنَّهُ قَدْ وُصِفَ؛ أَوْ مِنْ كُلٍّ؛ أَوْ مِنَ الْهَاءِ فِي أَنْزَلْنَاهُ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ؛ أَيْ فَرْقًا مِنْ عِنْدِنَا. وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ أَيْ أَمَرْنَا أَمْرًا، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا يَشْتَمِلُ الْكِتَابُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَوَامِرِ. وَالسَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ فِي «أَنْزَلْنَاهُ» .
فَأَمَّا (مِنْ عِنْدِنَا) فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِأَمْرٍ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِيُفْرَقُ.
قَالَ تَعَالَى: (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَحْمَةً) : فِيهِ أَوْجُهٌ؛
стр. 1142
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ «مُرْسِلِينَ» فَيُرَادَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ .
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ أَيْ رَحِمْنَاكُمْ رَحْمَةً.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «مُرْسِلِينَ» وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَوِي رَحْمَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ) بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ هُوَ رَبٌّ، أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» ، أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. وَبِالْجَرِّ بَدَلًا مِنْ «رَبِّكَ» .
قَالَ تَعَالَى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَبُّكُمْ) : أَيْ هُوَ رَبُّكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا آخَرَ، وَأَنْ يَكُونَ فَاعِلَ «يُمِيتُ» وَفِي «يُحْيِي» ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إِلَى مَا قَبْلَهُ، أَوْ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ تَأْتِي) : هُوَ مَفْعُولُ فَارْتَقِبْ.
قَالَ تَعَالَى: (يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَذَا عَذَابٌ) : أَيْ يُقَالُ: هَذَا. وَ (الذِّكْرَى) : مُبْتَدَأٌ، وَ «لَهُمْ» الْخَبَرُ. وَ (أَنَّى) : ظَرْفٌ يَعْمَلُ فِيهِ الِاسْتِقْرَارُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «أَنَّى» الْخَبَرُ، وَ «لَهُمْ» تَبْيِينٌ.
стр. 1143
(وَقَدْ جَاءَهُمْ) : حَالٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)) .
وَ (قَلِيلًا) أَيْ زَمَانًا قَلِيلًا، أَوْ كَشْفًا قَلِيلًا. وَ (يَوْمَ نَبْطِشُ) : قِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ تَأْتِي. وَقِيلَ: هُوَ ظَرْفٌ لِعَائِدُونَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ. وَقِيلَ: ظَرْفٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ؛ أَيْ نَنْتَقِمُ يَوْمَ نَبْطِشُ.
وَيُقْرَأُ «نُبْطِشُ» بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الطَّاءِ، يُقَالُ: أَبْطَشْتُهُ؛ إِذَا مَكَّنْتُهُ مِنَ الْبَطْشِ؛ أَيْ نَبْطِشُ الْمَلَائِكَةَ.
قَالَ تَعَالَى: (أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عِبَادَ اللَّهِ) أَيْ يَا عِبَادَ اللَّهِ؛ أَيْ أَدُّوا إِلَيَّ مَا وَجَبَ عَلَيْكُمْ.
وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولُ أَدُّوا؛ أَيْ خَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ آمَنَ بِي.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)) .
(وَإِنِّي عُذْتُ) : مُسْتَأْنَفٌ. وَ (أَنْ تَرْجُمُونِ) : أَيْ مِنْ أَنْ تَرْجُمُونِ.
وَ (أَنَّ هَؤُلَاءِ) : مَنْصُوبٌ بِـ «دَعَا» .
وَيُقْرَأُ بِالْكَسْرِ؛ لِأَنَّ دَعَا بِمَعْنَى قَالَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)) .
وَ (رَهْوًا) : حَالٌ مِنَ الْبَحْرِ؛ أَيْ سَاكِنًا.
وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ؛ أَيْ صَيَّرَهُ.
стр. 1144
وَ (كَمْ) : نُصِبَ بِـ «تَرَكُوا» . وَ (كَذَلِكَ) أَيِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: تَرْكًا كَذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ فِرْعَوْنَ) : هُوَ بَدَلٌ مِنَ «الْعَذَابِ» بِإِعَادَةِ الْجَارِّ؛ أَيْ مِنْ عَذَابِ فِرْعَوْنَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ فِرْعَوْنَ نَفْسَهُ عَذَابًا.
وَ (مِنَ الْمُسْرِفِينَ) : خَبَرٌ آخَرُ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «عَالِيًا» .
وَ (عَلَى عِلْمٍ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ؛ أَيِ اخْتَرْنَاهُمْ عَالِمِينَ بِهِمْ، وَ «عَلَى» يَتَعَلَّقُ بِاخْتَرْنَا.
قَالَ تَعَالَى: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى «قَوْمِ تُبَّعٍ» فَيَكُونُ «أَهْلَكْنَاهُمْ» مُسْتَأْنَفًا، أَوْ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الصِّلَةِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ أَهْلَكْنَاهُمْ. وَأَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. وَ (لَاعِبِينَ) : حَالٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١)) .
وَ (أَجْمَعِينَ) تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ. (يَوْمَ لَا يُغْنِي) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ (يَوْمَ الْفَصْلِ) وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ «مِيقَاتُهُمْ» وَلَكِنَّهُ بُنِيَ، وَأَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْفَصْلُ؛ أَيْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ لَا يُغْنِي؛ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ) : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ؛ أَيْ مَنْ ﵀ بِقَبُولِ الشَّفَاعَةِ عَنْهُ.
стр. 1145
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ مَفْعُولِ يَنْصُرُونَ؛ أَيْ لَا يَنْصُرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ.
قَالَ تَعَالَى: (كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَغْلِي) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْكَافِ، أَيْ يُشْبِهُ الْمُهْلَ غَالِيًا. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنَ الْمُهْلِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هُوَ يَغْلِي؛ أَيِ الزَّقُّومُ أَوِ الطَّعَامُ.
وَأَمَّا الْكَافُ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ: هُوَ كَالْمُهْلِ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ «طَعَامِ» لِأَنَّهُ لَا عَامِلَ فِيهَا إِذْ ذَاكَ.
وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ؛ أَيِ الشَّجَرَةِ؛ وَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ غَلْيًا كَغَلْيِ الْحَمِيمِ.
(فَاعْتِلُوهُ) : بِكَسْرِ التَّاءِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ.
قَالَ تَعَالَى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذُقْ إِنَّكَ) : «إِنَّكَ» : يُقْرَأُ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ اسْتِهْزَاءٌ بِهِ؛ وَقِيلَ: أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ عِنْدَ قَوْمِكَ. وَيُقْرَأُ بِالْفَتْحِ؛ أَيْ ذُقْ عَذَابَ أَنَّكَ أَنْتَ.
стр. 1146
وَ (مَقَامٍ)
بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ: مَذْكُورَةٌ فِي الْأَحْزَابِ. وَ (فِي جَنَّاتٍ) : بَدَلٌ مِنْ «مَقَامٍ» بِتَكْرِيرِ الْجَارِّ.
وَأَمَّا «يَلْبَسُونَ» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ إِنَّ فَيَتَعَلَّقَ بِهِ «فِي» وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وَ (كَذَلِكَ) أَيْ فِعْلُنَا كَذَلِكَ، أَوِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
وَ (يَدْعُونَ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي زَوَّجْنَا. وَ (لَا يَذُوقُونَ) : حَالٌ أُخْرَى مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَدْعُونَ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي آمِنِينَ، أَوْ حَالٌ أُخْرَى بَعْدَ آمِنِينَ، أَوْ صِفَةٌ لِآمِنِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) : قِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ؛ أَيْ مَاتُوا الْمَوْتَةَ.
وَقِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ عِنْدَ مَوْتِهِ فِي الدُّنْيَا بِمَنْزِلَتِهِ فِي الْجَنَّةِ لِمُعَايَنَتِهِ مَا يُعْطَاهُ مِنْهَا، أَوْ مَا يَتَيَقَّنُهُ مِنْ نَعِيمِهَا. وَقِيلَ: «إِلَّا» بِمَعْنَى بَعْدَ. وَقِيلَ: بِمَعْنَى سِوَى. وَ (فَضْلًا) : مَصْدَرٌ؛ أَيْ تَفَضَّلْنَا بِذَلِكَ تَفْضِيلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1147
سُورَةُ الْجَاثِيَةِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ التَّاءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ «إِنَّ» مُضْمَرَةٌ حُذِفَتْ لِدَلَالَةِ إِنَّ الْأُولَى عَلَيْهَا، وَلَيْسَتْ «آيَاتٌ» مَعْطُوفَةً عَلَى آيَاتٍ الْأُولَى لِمَا فِيهِ مِنَ الْعَطْفِ عَلَى عَامِلَيْنَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كَرَّرَ «آيَاتٍ» لِلتَّوْكِيدِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ لَفْظِ آيَاتٍ الْأَوْلَى، فَأَعْرَبَهَا بِإِعْرَابِهِ؛ كَقَوْلِكَ: إِنَّ بِثَوْبِكَ دَمًا، وَبِثَوْبِ زَيْدٍ دَمًا؛ فَدَمٌ الثَّانِي مُكَرَّرٌ؛ لِأَنَّكَ مُسْتَغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ.
وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَ «فِي خَلْقِكِمْ» : خَبَرُهُ؛ وَهِيَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ.
وَقِيلَ: هِيَ فِي الرَّفْعِ عَلَى التَّوْكِيدِ أَيْضًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ) فَمَجْرُورَةٌ بِفِي مُقَدَّرَةٍ غَيْرِ الْأُولَى.
وَ (آيَاتٌ) بِالْكَسْرِ وَالرَّفْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «اخْتِلَافِ» مَعْطُوفًا عَلَى الْمَجْرُورِ بِفِي، وَ «آيَاتٍ» تَوْكِيدٌ.
وَأَجَازَ قَوْمٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْعَطْفِ عَلَى عَامِلَيْنَ.
قَالَ تَعَالَى: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَتْلُوهَا) : قَدْ ذُكِرَ إِعْرَابُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) [الْبَقَرَةِ: ٢٥٢] .
стр. 1148
قَالَ تَعَالَى: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْمَعُ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى الصِّفَةِ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «أَثِيمٍ» أَوْ مُسْتَأْنَفٌ.
وَ (تُتْلَى) : حَالٌ، وَ «كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا» : حَالٌ أَيْضًا.
قَالَ تَعَالَى: (مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا مَا اتَّخَذُوا) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «مَا كَسَبُوا» وَ «مَا» فِيهِمَا بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ.
وَ (مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ) : قَدْ ذُكِرَ فِي سَبَأٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَمِيعًا مِنْهُ) : «مِنْهُ» : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِسَخَّرَ، وَأَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِجَمِيعٍ.
وَيُقْرَأُ مِنْهُ - بِالنَّصْبِ؛ أَيْ الِامْتِنَانِ، أَوْ مَنَّ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنَّةً.
وَيُقْرَأُ «مِنْهُ» بِالرَّفْعِ وَالْإِضَافَةِ، عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ «سَخَّرَ» أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ: ذَلِكَ مَنُّهُ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا) : قَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي إِبْرَاهِيمَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَجْزِيَ قَوْمًا) بِالْيَاءِ وَالنُّونِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
стр. 1149
وَيُقْرَأُ عَلَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ وَنَصْبِ «قَوْمٍ» وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْجَيِّدُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لِيَجْزِيَ الْخَيْرَ قَوْمًا؛ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَفْعُولٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ، كَقَوْلِكَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، وَإِقَامَةُ الْمَفْعُولِ الثَّانِي مَقَامَ الْفَاعِلِ جَائِزَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ الْمَصْدَرَ؛ أَيْ لِيَجْزِيَ الْجَزَاءَ، وَهُوَ بَعِيدٌ.
قَالَ تَعَالَى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) : يُقْرَأُ «سَوَاءً» بِالرَّفْعِ؛ فَمَحْيَاهُمْ: مُبْتَدَأٌ، وَمَمَاتُهُمْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَسَوَاءً: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
وَيُقْرَأُ (سَوَاءً) بِالنَّصْبِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْكَافِ؛ أَيْ نَجْعَلُهُمْ مِثْلَ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْحَالِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثَانِيًا لِحَسِبَ، وَالْكَافُ حَالٌ، وَقَدْ دَخَلَ اسْتِوَاءُ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي الْحُسْبَانِ.
وَ (مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) : مَرْفُوعَانِ بِسَوَاءٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَوٍ وَقَدْ قُرِئَ بِاعْتِمَادِهِ.
وَيُقْرَأُ: (مَمَاتَهُمْ) - بِالنَّصْبِ؛ أَيْ فِي مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ، وَالْعَامِلُ فِيهِ نَجْعَلُ أَوْ سَوَاءٌ. وَقِيلَ: هُمَا ظَرْفَانِ فَأَمَّا الضَّمِيرُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ فَيَرْجِعُ إِلَى الْقَبِيلَيْنِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفَّارِ، لِأَنَّ مَحْيَاهُمْ كَمَمَاتِهِمْ؛ وَلِهَذَا سُمِّيَ الْكَافِرُ مَيْتًا.
قَالَ تَعَالَى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)) .
وَ (عَلَى عِلْمٍ) : حَالٌ.
وَ (مَنْ يَهْدِيهِ) : اسْتِفْهَامٌ. (مِنْ بَعْدِ اللَّهِ) أَيْ مِنْ بَعْدِ إِضْلَالِ اللَّهِ إِيَّاهُ.
стр. 1150
قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ «يَوْمَ» الْأَوَّلِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلُّ أُمَّةٍ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «تُدْعَى» : خَبَرُهُ.
وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ بَدَلًا مِنْ كُلٍّ الْأُولَى، فَتُدْعَى عَلَى هَذَا مَفْعُولٌ ثَانٍ، أَوْ وَصْفٌ لِكُلٍّ، أَوْ لِأُمَّةٍ.
قَالَ تَعَالَى: (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَنْطِقُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْكِتَابِ، أَوْ خَبَرًا ثَانِيًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ.
وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ «إِنَّ» وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ. وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ «إِنَّ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا) تَقْدِيرُهُ: إِنْ نَحْنُ إِلَّا نَظُنُّ ظَنًّا، فَإِلَّا مُؤَخَّرَةٌ، وَلَوْلَا هَذَا التَّقْدِيرُ: لَكَانَ الْمَعْنَى: مَا نَظُنُّ إِلَّا نَظُنُّ. وَقِيلَ: هِيَ فِي مَوْضِعِهَا؛ لِأَنَّ نَظُنُّ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ وَالشَّكِّ؛ فَاسْتَثْنَى الشَّكَّ؛ أَيْ مَا لَنَا اعْتِقَادٌ إِلَّا الشَّكُّ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي السَّمَاوَاتِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْكِبْرِيَاءِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرَارُ؛ وَأَنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وَالْعَامِلُ فِيهِ الظَّرْفُ الْأَوَّلُ أَوِ الْكِبْرِيَاءُ؛ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْعَظَمَةِ.
стр. 1151
سُورَةُ الْأَحْقَافِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ قَبْلِ هَذَا) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ؛ أَيْ بِكِتَابٍ مُنَزَّلٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا.
(أَوْ أَثَارَةٍ) : بِالْأَلْفِ؛ أَيْ بَقِيَّةٍ، وَأَثَرَةٍ - بِفَتْحِ الثَّاءِ وَسُكُونِهَا؛ أَيْ مَا يُؤْثَرُ؛ أَيْ يُرْوَى.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ) : «مَنْ» : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَدْعُو، وَهِيَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا كُنْتُ بِدْعًا) : أَيْ ذَا بِدْعٍ؛ يُقَالُ: أَمْرُهُمْ بِدْعٌ؛ أَيْ مُبْتَدَعٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا؛ أَيْ مَا كُنْتُ أَوَّلَ مَنِ ادَّعَى الرِّسَالَةَ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الدَّالِّ، وَهُوَ جَمْعُ بِدْعَةٍ؛ أَيْ ذَا بِدَعٍ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَفَرْتُمْ بِهِ) أَيْ وَقَدْ كَفَرْتُمْ فَيَكُونُ حَالًا.
стр. 1152
وَأَمَّا جَوَابُ الشَّرْطِ فَمَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أَلَسْتُمْ ظَالِمِينَ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ عَاطِفَةً عَلَى فِعْلِ الشَّرْطِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ) : الْعَامِلُ فِي «إِذْ» مَحْذُوفٌ؛ أَيْ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا ظَهْرَ عِنَادُهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِمَامًا وَرَحْمَةً) : حَالَانِ مِنْ «كِتَابُ مُوسَى» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِسَانًا) : هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مُصَدِّقٌ، أَوْ حَالٌ مِنْ كِتَابٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُصِفَ.
وَيَجُوزُ أَنَّ يَكُونَ مَفْعُولًا لِمُصَدِّقٍ؛ أَيْ هَذَا الْكِتَابُ يُصَدِّقُ لِسَانَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
(وَبُشْرَى) : مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ «لِيُنْذِرَ» .
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَا خَوْفٌ) : دَخَلَتِ الْفَاءُ فِي خَبَرِ «إِنَّ» لِمَا فِي «الَّذِينَ» مِنَ الْإِبْهَامِ؛ وَبَقَاءِ مَعْنَى الِابْتِدَاءِ بِخِلَافِ لَيْتَ وَلَعَلَّ. وَ (خَالِدِينَ فِيهَا) : حَالٌ مِنْ «أَصْحَابِ الْجَنَّةِ» .
وَ (جَزَاءً) : مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ؛ أَيْ جُوزُوا جَزَاءً؛ أَوْ هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
стр. 1153
قَالَ تَعَالَى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حُسْنًا) : هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِوَصَّى، وَالْمَعْنَى: أَلْزَمْنَاهُ حُسْنًا.
وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَصِيَّةً ذَاتِ حُسْنٍ. وَيُقْرَأُ: حَسَنًا بِفَتْحَتَيْنِ؛ أَيْ إِيصَاءً حَسَنًا، أَوْ أَلْزَمْنَاهُ فِعْلًا حَسَنًا.
وَيُقْرَأُ إِحْسَانًا؛ أَيْ أَلْزَمْنَاهُ إِحْسَانًا. وَ (كُرْهًا) : حَالٌ؛ أَيْ كَارِهَةً.
(وَحَمْلُهُ) ؛ أَيْ وَمُدَّةُ حَمْلِهِ (وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ) : وَ (أَرْبَعِينَ) : مَفْعُولُ بَلَغَ؛ أَيْ بَلَغَ تَمَامَ أَرْبَعِينَ.
و ﴿فِي ذريتي﴾ فِي هُنَا ظرف أَي اجْعَل الصّلاح فيهم
قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ) : أَيْ هُمْ فِي عِدَادِهِمْ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. وَ (وَعْدَ الصِّدْقِ) : مَصْدَرُ وَعَدَ، وَقَدْ دَلَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَ (أُفٍّ) : قَدْ ذُكِرَ فِي سُبْحَانَ وَ «لَكُمَا» تَبْيِينٌ.
(أَتَعِدَانِنِي) - بِكَسْرِ النُّونِ الْأُولَى. وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا، وَهِيَ لُغَةٌ شَاذَّةٌ فِي فَتْحِ نُونِ الِاثْنَيْنِ، وَحَسُنَتْ هُنَا شَيْئًا لِكَثْرَةِ الْكَسَرَاتِ.
стр. 1154
وَ (أَنْ أُخْرَجَ) أَيْ بِأَنْ أُخْرَجَ. وَقِيلَ: لَا يُحْتَاجُ إِلَى الْبَاءِ؛ وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ.
(وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ) : حَالٌ، وَ «اللَّهَ» سُبْحَانَهُ: مَفْعُولُ يَسْتَغِيثَانِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى يَسْأَلَانِ. وَ (وَيْلَكَ) : مَصْدَرٌ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِعْلُهُ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ؛ أَيْ أَلْزَمَكَ اللَّهُ وَيْلَكَ.
وَ (فِي أُمَمٍ) : أَيْ فِي عِدَادِهِمْ، وَمِنْ تَتَعَلَّقُ بِـ «خَلَتْ» .
قَالَ تَعَالَى: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِيُوَفِّيَهُمْ) : مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللَّامُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ وَلَيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ - أَيْ جَزَاءَ أَعْمَالِهِمْ - جَازَاهُمْ، أَوْ عَاقَبَهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ) : أَيِ اذْكُرُوا؛ أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ يُقَالُ: لَهُمْ أَذْهَبْتُمْ؛ فَيَكُونُ ظَرْفًا لِلْمَحْذُوفِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)) .
قَوْلُهُ
تَعَالَى: (مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ) : الْإِضَافَةُ فِي تَقْدِيرِ الِانْفِصَالِ؛ أَيْ مُسْتَقْبِلًا أَوْدِيَتَهُمْ، وَهُوَ نَعْتٌ لِعَارِضٍ. وَ (مُمْطِرُنَا) أَيْ مُمْطِرٌ إِيَّانَا فَهُوَ نَكِرَةٌ أَيْضًا، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ؛ أَيْ لَيْسَ كَمَا ظَنَنْتُمْ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ. وَ (رِيحٌ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هُوَ رِيحٌ، أَوْ هِيَ بَدَلٌ مِنْ (مَا) .
وَ (تُدَمِّرُ) نَعْتٌ لِلرِّيحِ.
وَ (لَا تَرَى) : بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَتَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ.
وَ (مَسَاكِنُهُمْ) : مَفْعُولٌ بِهِ.
стр. 1155
وَيُقْرَأُ عَلَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ بِالْيَاءِ؛ أَيْ لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ - بِالرَّفْعِ، وَهُوَ الْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَ «إِنْ» بِمَعْنَى مَا النَّافِيَةِ وَقِيلَ: «إِنْ» زَائِدَةٌ؛ أَيْ فِي الَّذِي مَكَّنَّاكُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُرْبَانًا) : هُوَ مَفْعُولُ اتَّخَذُوا، وَ «آلِهَةً» بَدَلٌ مِنْهُ.
وَقِيلَ: «قُرْبَانًا» مَصْدَرٌ، وَ «آلِهَةً» مَفْعُولٌ بِهِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: لِلتَّقَرُّبِ بِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ؛ أَيْ ذَلِكَ كَذِبُهُمْ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، مَصْدَرُ أَفَكَ؛ أَيْ صَرَفَ، وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ. وَقُرِئَ: «أَفَكَهُمْ» عَلَى لَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي؛ أَيْ صَرَفَهُمْ. وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ مُشَدَّدًا. وَقُرِئَ «آفَكَهُمْ» مَمُدُودًا؛ أَيْ أَكْذَبَهُمْ. وَقُرِئَ: «آفِكُهُمْ» مَكْسُورُ الْفَاءِ مَمْدُودٌ مَضْمُومُ الْكَافِ؛ أَيْ صَارِفُهُمْ -. (وَمَا كَانُوا) : مَعْطُوفٌ عَلَى إِفْكِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩))
стр. 1156
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ صَرَفْنَا) : أَيْ وَاذْكُرْ؛ إِذْ. وَ (يَسْتَمِعُونَ) نَعْتٌ لَنَفَرٍ، وَلَمَّا كَانَ النَّفَرُ جَمَاعَةً قَالَ: يَسْتَمِعُونَ، وَلَوْ قَالَ تَعَالَى «يَسْتَمِعُ» جَازَ حَمْلًا عَلَى اللَّفْظِ.
قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَمْ يَعْيَ) : اللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ: عَيِيَ يَعِيَا، وَقَدْ جَاءَ عَيَّ يَعِيُّ.
وَالْبَاءُ فِي (بِقَادِرٍ) زَائِدَةٌ فِي خَبَرِ «إِنَّ» وَجَازَ ذَلِكَ لَمَّا اتَّصَلَ بِالنَّفْيِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ.
قَالَ تَعَالَى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَاعَةً) : ظَرْفٌ لِيَلْبَثُوا.
وَ (بَلَاغٌ) : أَيْ هُوَ بَلَاغٌ، وَيُقْرَأُ بَلَاغًا؛ أَيْ بَلِّغْ بَلَاغًا.
وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ: أَيْ مِنْ نَهَارٍ ذِي بَلَاغٍ، وَيُقْرَأُ «بَلِّغْ» عَلَى الْأَمْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1157
سُورَةُ مُحَمَّدٍ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ كَفَرُوا) : مُبْتَدَأٌ، وَ «أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ» : خَبَرُهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ؛ أَيْ أَضَلَّ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ وَمِثْلُهُ: «وَالَّذِينَ آمَنُوا» .
قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِذا لَقِيتُمُ) : الْعَامِلُ فِي «إِذَا» هُوَ الْعَامِلُ فِي «ضَرْبَ» وَالتَّقْدِيرُ: فَاضْرِبُوا ضَرْبَ الرِّقَابِ؛ فَضَرْبٌ هُنَا مَصْدَرُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ نَفْسُ الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّهُ مُؤَكَّدٌ. وَ (مَنًّا) : مَصْدَرٌ؛ أَيْ إِمَّا أَنْ تَمُنُّوا مَنًّا، وَإِمَّا أَنْ تُفَادُوا فِدَاءً.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَفْعُولَيْنِ؛ أَيْ أَوْلُوهُمْ مَنًّا، أَوِ اقْبَلُوا فِدَاءً.
وَ (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ) : أَيْ أَهْلُ الْحَرْبِ. (ذَلِكَ) أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَرَّفَهَا) أَيْ قَدْ عَرَّفَهَا، فَهُوَ حَالٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)) .
стр. 1158
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تَعِسُوا أَوْ أُتْعِسُوا؛ وَدَلَّ عَلَيْهِمَا «تَعْسًا» . وَدَخَلَتِ الْفَاءُ تَنْبِيهًا عَلَى الْخَبَرِ.
وَ (لَهُمْ) : تَبْيِينٌ. (وَأَضَلَّ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ.
وَالْهَاءُ فِي «أَمْثَالِهَا» ضَمِيرُ الْعَاقِبَةِ، أَوِ الْعُقُوبَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) : أَيْ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ.
وَ (أَخْرَجَتْكَ) : الْكَافُ لِلْقَرْيَةِ لَا لِلْمَحْذُوفِ، وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الضَّمَائِرِ لِلْمَحْذُوفِ.
قَالَ تَعَالَى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَنْ زُيِّنَ) : هُوَ خَبَرُ مَنْ.
قَالَ تَعَالَى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ) : أَيْ فِيمَا نَقُصُّ عَلَيْكَ مَثَلُ الْجَنَّةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيهَا أَنْهَارٌ) : مُسْتَأْنَفٌ شَارِحٌ لِمَعْنَى الْمَثَلِ.
وَقِيلَ: (مَثَلُ الْجَنَّةِ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (فِيهَا أَنْهَارٌ) : جُمْلَةٌ هِيَ خَبَرُهُ.
وَقِيلَ: «الْمَثَلُ» زَائِدٌ، فَتَكُونُ «الْجَنَّةُ» فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ؛ مِثْلُ قَوْلِهِمْ:
. . . ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا وَ «اسْمُ» زَائِدٌ.
(غَيْرِ آسِنٍ) : عَلَى فَاعِلٍ، مِنْ أَسَنَ بِفَتْحِ السِّينِ؛ وَأَسِنٍ، مِنْ أَسِنَ بِكَسْرِهَا، وَهِيَ لُغَةٌ.
стр. 1159
وَ (لَذَّةٍ) : صِفَةُ الْخَمْرِ؛ وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ؛ أَيْ ذَاتِ لَذَّةٍ.
وَ (مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) أَيْ لَهُمْ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ صِنْفٌ أَوْ زَوْجَانِ.
(وَمَغْفِرَةٌ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَحْذُوفِ؛ أَوِ الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ وَلَهُمْ مَغْفِرَةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَنْ هُوَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أَيْ حَالُهُمْ كَحَالِ مَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي الْإِقَامَةِ الدَّائِمَةِ.
وَقِيلَ: هُوَ اسْتِهْزَاءٌ بِهِمْ.
وَقِيلَ: هُوَ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ؛ أَيْ أَكَمَنْ هُوَ.
وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ يُشْبِهُونَ مَنْ هُوَ خَالِدٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)) .
وَ (آنِفًا) : ظَرْفٌ؛ أَيْ وَقْتًا مُؤْتَنِفًا.
وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَالَ؛ أَيْ مُؤْتَنِفًا. (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا) : يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ وَالنَّصْبَ. (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) : أَيْ ثَوَابَهَا.
قَالَ تَعَالَى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَأْتِيَهُمْ) : مَوْضِعُهُ نَصْبٌ بَدَلًا مِنَ السَّاعَةِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ.
(فَأَنَّى لَهُمْ) : هُوَ خَبَرُ «ذِكْرَاهُمْ» ، وَالشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ؛ أَيْ أَنَّى لَهُمْ ذِكْرَاهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ.
وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: أَنَّى لَهُمُ الْخَلَاصُ إِذَا جَاءَ تَذْكِرَتُهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)) .
стр. 1160
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَظَرَ الْمَغْشِيِّ) : أَيْ نَظَرًا مِثْلَ نَظَرِ الْمَغْشِيِّ.
وَ (أَوْلَى) مُبْتَدَأٌ، وَ (لَهُمْ) : الْخَبَرُ. وَأَوْلَى مُؤَنَّثُهُ أُولَاتٌ.
وَقِيلَ: الْخَبَرُ: «طَاعَةٌ» . وَقِيلَ: طَاعَةٌ صِفَةٌ لِسُورَةٍ؛ أَيْ ذَاتُ طَاعَةٍ أَوْ مُطَاعَةٌ.
وَقيل طَاعَة مُبْتَدأ وَالتَّقْدِير طَاعَة وَقَول مَعْرُوف أمثل من غَيره
وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: أَمْرُنَا طَاعَةٌ. (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ) : الْعَامِلُ فِي «إِذَا» مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَاصْدُقْ.
وَقِيلَ: الْعَامِلُ «فَلَوْ صَدَقُوا» أَيْ لَوْ صُدِّقُوا إِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ؛ وَالتَّقْدِيرُ: إِذَا عَزَمَ أَصْحَابُ الْأَمْرِ، أَوْ يَكُونُ الْمَعْنَى: تَحَقَّقَ الْأَمْرُ. وَ (أَنْ تُفْسِدُوا) : خَبَرُ عَسَى، وَ «إِنْ تَوَلَّيْتُمْ» مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا.
وَيُقْرَأُ: «تَوَلَّيْتُمْ» أَيْ وُلِّيَ عَلَيْكُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ) : أَيِ الْمُفْسِدُونَ، وَدَلَّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الشَّيْطَانُ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «سَوَّلَ لَهُمْ» : خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ «إِنَّ» .
(وَأَمْلَى) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْخَبَرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ ضَمِيرَ اسْمِ اللَّهِ ؛ فَيَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.
следующие страницы →