← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) : مِنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِحَسَدًا ; أَيِ ابْتِدَاءُ الْحَسَدِ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (وَدَّ) أَوْ بِـ (يَرُدُّونَكُمْ) . (حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) : أَيِ اعْفُوا إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ. . . . . . . . . . . . (١١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا تُقَدِّمُوا) : مَا شَرْطِيَّةٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تُقَدِّمُوا) . وَ (مِنْ خَيْرٍ) : مِثْلُ قَوْلِهِ: مِنْ آيَةٍ فِي: مَا نَنْسَخْ. (تَجِدُوهُ) : ثَوَابَهُ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَ (عِنْدَ اللَّهِ) : ظَرْفٌ لِتَجِدُوا، أَوْ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ كَانَ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ (يَدْخُلَ) لِأَنَّ الْفِعْلَ مُفْرِغٌ لِمَا بَعْدَ إِلَّا «وَكَانَ» مَحْمُولٌ عَلَى لَفْظِ مَنْ فِي الْإِفْرَادِ. وَ (هُودًا) : جَمْعُ هَائِدٍ ; مِثْلُ عَائِذٍ وَعُوذٍ، وَهُوَ مِنْ هَادَ يَهُودُ إِذَا تَابَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) . وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُهُ يَهْوُدُ فَحُذِفَتِ الْيَاءُ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، وَجُمِعَ عَلَى مَعْنَى مِنْ. وَ (أَوْ) : هُنَا لِتَفْصِيلِ مَا أُجْمِلَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا، وَقَالَتِ النَّصَارَى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، وَلَمْ يَقُلْ كُلٌّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، فَلَمَّا لَمْ يُفَصِّلْ فِي قَوْلِهِ: «وَقَالُوا» ؛ جَاءَ بِأَوْ لِلتَّفْصِيلِ ; إِذْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ. وَ (نَصَارَى) : جَمْعُ نَصْرَانٍ، مِثْلُ سَكْرَانٍ وَسُكَارَى.

стр. 107

(هَاتُوا) : فِعْلٌ مُعْتَلُّ اللَّامِ ; تَقُولُ فِي الْمَاضِي هَاتَا يُهَاتِي مُهَاتَاةً، مِثْلُ رَامِي يُرَامِي مُرَامَاةً، وَهَاتُوا مِثْلُ رَامُوا، وَأَصْلُهُ هَاتِيُوا، ثُمَّ سُكِّنَتِ الْيَاءُ، وَحُذِفَتْ لِمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ اشْتَرَوْا وَنَظَائِرِهِ، وَتَقُولُ لِلرَّجُلِ فِي الْأَمْرِ: هَاتِ مِثْلُ رَامِ، وَلِلْمَرْأَةِ هَاتِي مِثْلُ رَامِي، وَعَلَيْهِ فَقِسْ بَقِيَّةَ تَصَارِيفِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَهَاتُوا فِعْلٌ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَتَقْدِيرُهُ: أَحْضِرُوا. (بُرْهَانَكُمْ) : وَالنُّونُ فِي بُرْهَانٍ أَصْلٌ عِنْدَ قَوْمٍ ; لِقَوْلِهِمْ بَرْهَنْتُ فَثَبَتَتِ النُّونُ فِي الْفِعْلِ، وَزَائِدَةٌ عِنْدَ آخَرِينَ ; لِأَنَّهُ مِنْ «الْبَرَهِ» وَهُوَ الْقَطْعُ وَالْبُرْهَانُ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ. قَالَ تَعَالَى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلَى) : جَوَابُ النَّفْيِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: (بَلَى مَنْ كَسَبَ) [الْبَقَرَةِ: ٨١] وَ (أَسْلَمَ) : وَ (وَجْهَهُ) : وَ «هُوَ» كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى لَفْظِ مَنْ، وَكَذَلِكَ: (فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) ، وَقَوْلُهُ: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَاهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا قَالَتْ: وَأَصْلُ يَتْلُونَ يَتْلُوُونَ، فَسُكِّنَتِ الْوَاوُ، ثُمَّ حُذِفَتْ ; لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. (كَذَلِكَ قَالَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَنْصُوبٍ، بِـ (قَالَ) ; وَهُوَ مَصْدَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ، وَالتَّقْدِيرُ: قَوْلًا مِثْلُ قَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْمَلُونَ ; فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ: (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) : مَنْصُوبًا بِـ (يَعْمَلُونَ) أَوْ بِـ (قَالَ) عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ،

стр. 108

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ عَنْهُ، وَالْعَائِدُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: قَالَهُ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مَفْعُولًا لِيَعْمَلُونَ. وَالْمَعْنَى مِثْلَ قَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ اعْتِقَادَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ مَفْعُولُ قَالَ: لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى مَفْعُولَهُ، وَهُوَ الضَّمِيرُ الْمَحْذُوفُ. وَ (فِيهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَخْتَلِفُونَ) . قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ أَظْلَمُ) : مَنِ اسْتِفْهَامٌ فِي مَعْنَى النَّفْيِ، وَهُوَ رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَأَظْلَمُ خَبَرُهُ، وَالْمَعْنَى لَا أَحَدَ أَظْلَمُ. (مِمَّنْ مَنَعَ) : مَنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي: «أَنْ يُذْكَرَ» فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ مَسَاجِدَ، بَدَلُ الِاشْتِمَالِ تَقْدِيرُهُ: ذِكْرَ اسْمِهِ فِيهَا. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ، تَقْدِيرُهُ: كَرَاهِيَةَ أَنْ يُذْكَرَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، تَقْدِيرُهُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ. وَتَتَعَلَّقُ مِنْ إِذَا ظَهَرَتْ بِمَنَعَ ; كَقَوْلِكَ مَنَعْتُهُ مِنْ كَذَا. وَإِذَا حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ مَعَ أَنَّ بَقِيَ الْجَرُّ، وَقِيلَ يَصِيرُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ) [الْبَقَرَةِ: ٢٦] . (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) : خَرَابٌ: اسْمٌ لِلتَّخْرِيبِ مِثْلُ السَّلَامِ اسْمٌ لِلتَّسْلِيمِ، وَلَيْسَ بِاسْمٍ لِلْجُثَّةِ. وَقَدْ أُضِيفَ اسْمُ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَفْعُولِ ; لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْمَصْدَرِ.

стр. 109

(إِلَّا خَائِفِينَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَدْخُلُوهَا. (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَلَيْسَتْ حَالًا مِثْلَ خَائِفِينَ ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمُ الْخِزْيَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ حَالٍ ; لَا فِي حَالِ دُخُولِهِمُ الْمَسَاجِدَ خَاصَّةً. قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) : هُمَا مَوْضِعُ الشُّرُوقِ وَالْغُرُوبِ. (فَأَيْنَمَا) : شَرْطِيَّةٌ، وَ (تُوَلُّوا) : مَجْزُومٌ بِهِ، وَهُوَ النَّاصِبُ لِأَيْنَ، وَالْجَوَابُ (فَثَمَّ) . وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ: تَوَلَّوْا بِفَتْحِ التَّاءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مُسْتَقْبَلٌ أَيْضًا، وَتَقْدِيرُهُ تَتَوَلَّوْا فَحَذَفَ التَّاءَ الثَّانِيَةَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَاضِي، وَالضَّمِيرُ لِلْغَائِبِينَ، وَالتَّقْدِيرُ أَيْنَمَا يَتَوَلَّوْنَ. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا قَدْ وَقَعَ، وَلَا يَكُونُ أَيْنَ شَرْطًا فِي اللَّفْظِ، بَلْ فِي الْمَعْنَى، كَمَا تَقُولُ مَا صَنَعْتَ صَنَعْتُ، إِذَا أَرَدْتَ الْمَاضِيَ. وَهَذَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ: أَيْنَ إِمَّا اسْتِفْهَامٌ، وَإِمَّا شَرْطٌ، وَلَيْسَ لَهَا مَعْنًى ثَالِثٌ. وَ (ثَمَّ) : اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْبَعِيدِ عَنْكَ، وَبُنِيَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى حَرْفِ الْإِشَارَةِ. وَقِيلَ: بُنِيَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى حَرْفِ الْخِطَابِ ; لِأَنَّكَ تَقُولُ فِي الْحَاضِرِ هُنَا، وَفِي الْغَائِبِ هُنَاكَ، وَثَمَّ نَابَ عَنْ هُنَاكَ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ((١١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) : يُقْرَأُ بِالْوَاوِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) [الْبَقَرَةِ: ١١١] . وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ وَاوٍ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. (كُلٌّ لَهُ) : تَقْدِيرُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلٍّ أَنْ تُسْتَعْمَلَ مُضَافَةً، وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ جُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ إِلَى مَنْعِ دُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَى كُلٍّ ; لِأَنَّ

стр. 110

تَخْصِيصَهَا بِالْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَلْفُوظًا بِهِ كَانَ فِي حُكْمِ الْمَلْفُوظِ بِهِ، وَحَمَلَ الْخَبَرَ عَلَى مَعْنَى كُلٍّ فَجَمَعَهُ فِي قَوْلِهِ: قَانِتُونَ وَلَوْ قَالَ قَانِتٌ جَازَ عَلَى لَفْظِ كُلٍّ. قَالَ تَعَالَى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ) ; أَيْ مُبْدِعُهَا ; كَقَوْلِهِمْ سَمِيعٌ بِمَعْنَى مُسْمِعٌ، وَالْإِضَافَةُ هُنَا مَحْضَةٌ ; لِأَنَّ الْإِبْدَاعَ لَهُمَا مَاضٍ. (وَإِذَا قَضَى) : إِذَا ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْجَوَابُ تَقْدِيرُهُ، وَإِذَا قَضَى أَمْرًا يَكُونُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَيَكُونُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى يَقُولُ، أَوْ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ; أَيْ فَهُوَ يَكُونُ. وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ لَفْظِ الْأَمْرِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُنْ لَيْسَ بِأَمْرٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ ; إِذْ لَيْسَ هُنَاكَ مُخَاطَبٌ بِهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى عَلَى سُرْعَةِ التَّكَوُّنِ ; يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْخِطَابَ بِالتَّكَوُّنِ لَا يَرِدُ عَلَى الْمَوْجُودِ ; لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مُتَكَوِّنٌ وَلَا يَرِدُ عَلَى الْمَعْدُومِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لَا يَبْقَى إِلَّا لَفْظُ الْأَمْرِ، وَلَفْظُ الْأَمْرِ يَرِدُ، وَلَا يُرَادُ بِهِ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) [مَرْيَمَ: ٣٨] وَكَقَوْلِهِ: (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ) [مَرْيَمَ: ٧٥] . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ جَوَابَ الْأَمْرِ، لَا بُدَّ أَنْ يُخَالِفَ الْأَمْرَ، إِمَّا فِي الْفِعْلِ أَوْ فِي الْفَاعِلِ، أَوْ فِيهِمَا فَمِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُكَ اذْهَبْ يَنْفَعُكَ زَيْدٌ فَالْفِعْلُ، وَالْفَاعِلُ فِي الْجَوَابِ غَيْرُهُمَا فِي الْأَمْرِ وَتَقُولُ: اذْهَبْ يَذْهَبْ زَيْدٌ فَالْفِعْلَانِ مُتَّفِقَانِ وَالْفَاعِلَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَتَقُولُ اذْهَبْ تَنْتَفِعْ فَالْفَاعِلَانِ مُتَّفِقَانِ وَالْفِعْلَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَأَمَّا أَنْ يَتَّفِقَ الْفِعْلَانِ وَالْفَاعِلَانِ فَغَيْرُ جَائِزٍ كَقَوْلِكَ اذْهَبْ تَذْهَبْ وَالْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ شَرْطًا لِنَفْسِهِ.

стр. 111

قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ. . . . . . (١١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ) : لَوْلَا هَذِهِ إِذَا وَقَعَ بَعْدَهَا الْمُسْتَقْبَلُ كَانَتْ تَحْضِيضًا، وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَهَا الْمَاضِي كَانَتْ تَوْبِيخًا، وَعَلَى كِلَا قِسْمَيْهَا هِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالْفِعْلِ ; لِأَنَّ التَّحْضِيضَ وَالتَّوْبِيخَ لَا يَرِدَانِ إِلَّا عَلَى الْفِعْلِ. (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) : يُنْقَلُ مِنْ إِعْرَابِ الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ إِلَى هُنَا مَا يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْمَوْضِعُ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ) : الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمَفْعُولِ، تَقْدِيرُهُ: أَرْسَلْنَاكَ وَمَعَكَ الْحَقُّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ ; أَيْ وَمَعَنَا الْحَقُّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ; أَيْ بِسَبَبِ إِقَامَةِ الْحَقِّ. (بَشِيرًا وَنَذِيرًا) : حَالَانِ. (وَلَا تُسْأَلُ) : مَنْ قَرَأَ بِالرَّفْعِ وَضَمَّ التَّاءَ فَمَوْضِعُهُ حَالٌ أَيْضًا أَيْ وَغَيْرُ مَسْئُولٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ اللَّامِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْقِرَاءَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)) .

стр. 112

قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُوَ الْهُدَى) : هُوَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَوْكِيدًا لِاسْمِ إِنَّ، وَفَصْلًا، وَمُبْتَدَأً، وَقَدْ سَبَقَ نَظِيرُهُ مِنَ الْعِلْمِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي جَاءَكَ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. . . . . (١٢١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ) : (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ، وَآتَيْنَاهُمْ صِلَتُهُ، وَ (يَتْلُونَهُ) حَالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنْ هُمْ، أَوْ مِنَ الْكِتَابِ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا وَقْتَ إِتْيَانِهِ تَالِينَ لَهُ. وَ (حَقَّ) مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ; لِأَنَّهَا صِفَةٌ لِلتِّلَاوَةِ فِي الْأَصْلِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ تِلَاوَةً حَقًّا، وَإِذَا قُدِّمَ وَصْفُ الْمَصْدَرِ، وَأُضِيفَ إِلَيْهِ انْتَصَبَ نَصْبَ الْمَصْدَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وَ (أُولَئِكَ) مُبْتَدَأٌ وَ (يُؤْمِنُونَ بِهِ) خَبَرُهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الَّذِينَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَتْلُونَهُ خَبَرَ الَّذِينَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أُوتِيَ الْكِتَابَ تَلَاهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ; لِأَنَّ مَعْنَى حَقَّ تِلَاوَتِهِ الْعَمَلُ بِهِ، وَقِيلَ يَتْلُونَهُ الْخَبَرُ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ لَفْظُهُ عَامٌّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، وَهُوَ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ يُرَادُ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ) إِذْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ أَيِ اذْكُرْ، وَالْأَلِفُ فِي ابْتَلَى مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ وَأَصْلُهُ مِنْ بَلَى يَبْلُو إِذَا اخْتَبَرَ. وَفِي إِبْرَاهِيمَ لُغَاتٌ: إِحْدَاهَا إِبْرَاهِيمُ بِالْأَلِفِ وَالْيَاءِ ; وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَ «

стр. 113

إِبْرَاهمُ» كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ تُحْذَفُ الْيَاءُ، وَإِبْرَاهَامُ ; بِأَلِفَيْنِ، وَإِبْرَاهُمُ بِأَلِفِ وَاحِدَةٍ وَضَمِّ الْهَاءِ ; وَبِكُلٍّ قُرِئَ. وَهُوَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مَعْرِفَةٌ ; وَجَمْعُهُ أَبَارِهُ عِنْدَ قَوْمٍ ; وَعِنْدَ آخَرِينَ بَرَاهِمُ. وَقِيلَ فِيهِ أَبَارِهَةُ وَبَرَاهِمَةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَاعِلُكَ) : يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; لِأَنَّهُ مِنْ جَعَلَ الَّتِي بِمَعْنَى صَيَّرَ وَ (لِلنَّاسِ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِجَاعِلٍ ; أَيْ لِأَجْلِ النَّاسِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ; وَالتَّقْدِيرُ: إِمَامًا لِلنَّاسِ ; فَلَمَّا قَدَّمَهُ نَصَبَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) : الْمَفْعُولَانِ مَحْذُوفَانِ، وَالتَّقْدِيرُ: اجْعَلْ فَرِيقًا مِنْ ذُرِّيَّتِي إِمَامًا. (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى جَعْلِ الْعَهْدِ هُوَ الْفَاعِلُ. وَيُقْرَأُ الظَّالِمُونَ عَلَى الْعَكْسِ ; وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ لِأَنَّ مَا نِلْتَهُ فَقَدْ نَالَكَ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ جَعَلْنَا) : مِثْلُ «وَإِذِ ابْتَلَى» . وَجَعَلَ هَاهُنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى صَيَّرَ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى خَلَقَ، أَوْ وَضَعَ ; فَيَكُونُ (مَثَابَةً) : حَالًا. وَأَصْلُ مَثَابَةٍ مَثُوبَةٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ ثَابَ يَثُوبُ إِذَا رَجَعَ. وَ (لِلنَّاسِ) : صِفَةٌ لِمَثَابَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِجَعَلْنَا، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِأَجْلِ نَفْعِ النَّاسِ. وَ (وَاتَّخِذُوا) : يُقْرَأُ عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ، وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَثَابُوا وَاتَّخَذُوا.

стр. 114

وَيُقْرَأُ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مُسْتَأْنَفًا. وَ (مِنْ مَقَامِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ ; أَيْ بَعْضُ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ بِمَعْنَى فِي. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ. وَ (مُصَلًّى) : مَفْعُولُ اتَّخَذُوا، وَأَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ، وَوَزْنُهُ مُفْعَلٌ، وَهُوَ مَكَانٌ لَا مَصْدَرٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، وَفِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: مَكَانُ مُصَلًّى ; أَيْ مَكَانُ صَلَاةٍ، وَالْمَقَامُ مَوْضِعُ الْقِيَامِ، وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ هُنَا ; لِأَنَّ قِيَامَ إِبْرَاهِيمَ لَا يُتَّخَذُ مُصَلًّى. (أَنْ طَهِّرَا) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «أَنْ» هُنَا بِمَعْنَى أَيِ الْمُفَسِّرَةِ ; لِأَنَّ عَهِدْنَا بِمَعْنَى قُلْنَا وَالْمُفَسِّرَةُ تَرِدُ بَعْدَ الْقَوْلِ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ فَلَا مَوْضِعَ لَهَا عَلَى هَذَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وَصِلَتُهَا الْأَمْرُ، وَهَذَا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِلَةً فِي أَنَّ دُونَ غَيْرِهَا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِأَنْ طَهِّرَا فَيَكُونُ مَوْضِعُهَا جَرًّا أَوْ نَصْبًا عَلَى الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ. وَ (السُّجُودِ) : جَمْعُ سَاجِدٍ، وَقِيلَ هُوَ مَصْدَرٌ، وَفِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ; أَيِ الرُّكَّعِ ذَوِي السُّجُودِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب اجْعَل هَذَا بَلَدا آمنا وارزق أَهله من الثمرات من آمن مِنْهُم بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر قَالَ وَمن كفر فأمتعه قَلِيلا ثمَّ أضطره إِلَى عَذَاب النَّار وَبئسَ الْمصير﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى: (اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا) : اجْعَلْ بِمَعْنَى صَيِّرْ ; وَهَذَا الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ ; وَبَلَدًا الْمَفْعُولُ الثَّانِي ; وَ (آمِنًا) صِفَةُ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَأَمَّا الَّتِي فِي إِبْرَاهِيمَ فَتُذْكَرُ هُنَاكَ.

стр. 115

(مَنْ آمَنَ) : مَنْ بَدَلٌ مِنْ أَهْلِهِ، وَهُوَ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كَلٍّ (وَمَنْ كَفَرَ) : فِي مَنْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ، وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ: وَأَرْزُقُ مَنْ كَفَرَ وَحَذَفَ الْفِعْلَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. (فَأُمَتِّعُهُ) : عَطَفَ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ عَلَى هَذَا مُبْتَدَأٌ، وَ «فَأُمَتِّعُهُ» خَبَرُهُ ; لِأَنَّ الَّذِي لَا تَدْخُلُ الْفَاءُ فِي خَبَرِهَا ; إِلَّا إِذَا كَانَ الْخَبَرُ مُسْتَحَقًّا بِصِلَتِهَا ; كَقَوْلِكَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وَالْكُفْرُ لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ التَّمْتِيعُ، فَإِنْ جَعَلْتَ الْفَاءَ زَائِدَةً عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ جَازَ، وَإِنْ جَعَلْتَ الْخَبَرَ مَحْذُوفًا وَ «فَأُمَتِّعُهُ» دَلِيلًا عَلَيْهِ ; جَازَ تَقْدِيرُهُ: وَمَنْ كَفَرَ أَرْزُقُهُ فَأُمَتِّعُهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ «مَنْ» شَرْطِيَّةً، وَالْفَاءُ جَوَابُهَا، وَقِيلَ الْجَوَابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَمَنْ كَفَرَ أَرْزُقُهُ، وَمَنْ عَلَى هَذَا رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوبَةً ; لِأَنَّ أَدَاةَ الشَّرْطِ لَا يَعْمَلُ فِيهَا جَوَابُهَا، بَلِ الشَّرْطُ، وَكَفَرَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بِمَعْنَى يَكْفُرُ، وَالْمَشْهُورُ فَأُمَتِّعُهُ بِالتَّشْدِيدِ وَضَمِّ الْعَيْنِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ أَوْ خَبَرٌ. وَقُرِئَ شَاذًّا بِسُكُونِ الْعَيْنِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَذَفَ الْحَرَكَةَ تَخْفِيفًا لِتَوَالِي الْحَرَكَاتِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ زَائِدَةً، وَأُمَتِّعُهُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَيُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ التَّاءِ، وَضَمِّ الْعَيْنِ، وَإِسْكَانِهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيُقْرَأُ فَأُمَتِّعُهُ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ تَمَامِ الْحِكَايَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ. (قَلِيلًا) : نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ لِظَرْفٍ مَحْذُوفٍ. (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى رَفْعِ الرَّاءِ، وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا وَوَصْلِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْأَمْرِ كَمَا تَقَدَّمَ. (

стр. 116

وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) : الْمَصِيرُ فَاعِلُ بِئْسَ، وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ النَّارُ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا. . . . . . (١٢٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْبَيْتِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْقَوَاعِدِ ; أَيْ كَائِنَةً مِنَ الْبَيْتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولًا بِهِ، بِمَعْنَى رَفْعِهَا عَنْ أَرْضِ الْبَيْتِ. وَ (الْقَوَاعِدَ) : جَمْعُ قَاعِدَةٍ ; وَوَاحِدُ قَوَاعِدِ النِّسَاءِ قَاعِدٌ. (وَإِسْمَاعِيلُ) : مَعْطُوفٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَالتَّقْدِيرُ: يَقُولَانِ رَبَّنَا، وَيَقُولَانِ هَذِهِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَقِيلَ إِسْمَاعِيلُ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُ رَبَّنَا ; لِأَنَّ الْبَانِيَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ، وَالدَّاعِيَ كَانَ إِسْمَاعِيلُ. قَالَ تَعَالَى: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا. . . . . . . . (١٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُسْلِمَيْنِ لَكَ) : مَفْعُولٌ ثَانٍ وَ (لَكَ) : مُتَعَلِّقٌ بِمُسْلِمَيْنِ ; لِأَنَّهُ بِمَعْنَى نُسْلِمُ لَكَ ; أَيْ نُخْلِصُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا ; أَيْ مُسْلِمَيْنِ عَامِلَيْنِ لَكَ (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ: مِنْ لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الْجَعْلِ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا ثَانِيًا. وَ (أُمَّةً) : مَفْعُولٌ أَوَّلٌ وَ (مُسْلِمَةً) : نَعْتٌ لِأُمَّةٍ، وَ «لَكَ» عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مُسْلِمَيْنِ،

стр. 117

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «أُمَّةً» مَفْعُولًا أَوَّلَ، «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا» نَعْتًا لِأُمَّةٍ تَقَدَّمَ عَلَيْهَا فَانْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ، وَمُسْلِمَةً مَفْعُولًا ثَانِيًا، وَالْوَاوُ دَاخِلَةٌ فِي الْأَصْلِ عَلَى أُمَّةٍ، وَقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا) : وَهُوَ جَائِزٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْكَلَامِ الْمَعْطُوفِ. (وَأَرِنَا) : الْأَصْلُ أَرْئِنَا ; فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ الَّتِي هِيَ عَيْنُ الْكَلِمَةِ فِي جَمِيعِ تَصَارِيفِ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ تَخْفِيفًا وَصَارَتِ الرَّاءُ مُتَحَرِّكَةً بِحَرَكَةِ الْهَمْزَةِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الرَّاءِ وَقُرِئَ بِإِسْكَانِهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْكَسْرَةَ هُنَا تَدُلُّ عَلَى الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ وَوَجْهُ الْإِسْكَانِ أَنْ يَكُونَ شَبَّهَ الْمُنْفَصِلَ بِالْمُتَّصِلِ فَسَكَنَ كَمَا سَكَنَ فَخِذٌ وَكَتِفٌ وَقِيلَ لَمْ يَضْبُطِ الرَّاوِي عَنِ الْقَارِئِ لِأَنَّ الْقَارِئَ اخْتَلَسَ فَظَنَّ أَنَّهُ سَكَّنَ وَوَاحِدُ الْمَنَاسِكِ مَنْسَكٌ وَمَنْسَكٌ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا. قَالَ تَعَالَى ﴿رَبنَا وَابعث فيهم رَسُولا مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِم آياتك﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَابْعَثْ فِيهِمْ) ذُكِرَ عَلَى مَعْنَى الْأُمَّةِ وَلَوْ قَالَ فِيهَا لَرَجَعَ إِلَى لَفْظِ الْأُمَّةِ: يَتْلُو عَلَيْهِمْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِرَسُولٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي مِنْهُمْ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرَارُ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَرْغَبُ) : مَنِ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ ; وَلِذَلِكَ جَاءَتْ إِلَّا بَعْدَهَا ; لِأَنَّ الْمُنْكَرَ مَنْفِيٌّ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَيَرْغَبُ الْخَبَرُ، وَفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى مَنْ (إِلَّا مَنْ) مَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَرْغَبُ. وَمَنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي

стр. 118

وَ (نَفْسَهُ) : مَفْعُولُ سَفِهَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ جَهِلَ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا مَنْ جَهِلَ خَلْقَ نَفْسِهِ أَوْ مَصِيرَهَا، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ سَفِهَ بِالتَّشْدِيدِ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ هُوَ تَمْيِيزٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِكَوْنِهِ مَعْرِفَةً. (فِي الْآخِرَةِ) : مُتَعَلِّقٌ بِالصَّالِحِينَ ; أَيْ وَإِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ فِي الْآخِرَةِ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَى هَذَا لِلتَّعْرِيفِ، لَا بِمَعْنَى الَّذِي ; لِأَنَّكَ لَوْ جَعَلْتَهَا بِمَعْنَى الَّذِي لَقَدَّمْتَ الصِّلَةَ عَلَى الْمَوْصُولِ. وَقِيلَ هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَفِي مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُبَيِّنُهُ «الصَّالِحِينَ» تَقْدِيرُهُ إِنَّهُ لَصَالِحٌ فِي الْآخِرَةِ، وَهَذَا يُسَمَّى التَّبْيِينُ وَنَظِيرُهُ. رَبَّيْتُهُ حَتَّى إِذَا تَمَعْدَدَا كَانَ جَزَائِي بِالْعَصَا أَنْ أُجْلَدَا تَقْدِيرُهُ: كَانَ جَزَائِي الْجَلْدُ بِالْعَصَا، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَالشِّعْرِ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ قَالَ لَهُ إِذْ ظَرْفٌ «لِاصْطَفَيْنَاهُ» ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إِذْ قَالَ: (لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) : مُقْتَضَى هَذَا اللَّفْظِ أَنْ يَقُولَ أَسْلَمْتُ لَكَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الرَّبِّ إِلَّا أَنَّهُ أَوْقَعَ الْمُظْهَرَ مَوْقِعَ الْمُضْمَرِ تَعْظِيمًا لِأَنَّ فِيهِ مَا لَيْسَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ رَبُّهُ وَفِي اللَّفْظِ الثَّانِي اعْتِرَافُهُ بِأَنَّهُ رَبُّ الْجَمِيعِ. قَالَ تَعَالَى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَوَصَّى بِهَا) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ [مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ] ، وَأَوْصَى بِالْأَلِفِ ; وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ،

стр. 119

وَالضَّمِيرُ فِي بِهَا يَعُودُ إِلَى الْمِلَّةِ. (وَيَعْقُوبُ) : مَعْطُوفٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَأَوْصَى يَعْقُوبُ بَنِيهِ ; لِأَنَّ يَعْقُوبَ أَوْصَى بَنِيهِ أَيْضًا كَمَا أَوْصَى إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي، وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ: يَا بَنِيَّ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ: يَا بَنِيَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَعْقُوبُ. وَالْأَلِفُ فِي: (اصْطَفَى) : بَدَلٌ مِنْ يَاءٍ بَدَلٍ مِنْ وَاوٍ، وَأَصْلُهُ مِنَ الصَّفْوَةِ، وَالْوَاوُ إِذَا وَقَعَتْ رَابِعًا فَصَاعِدًا قُلِبَتْ يَاءً، وَلِهَذَا تُمَالُ الْأَلِفُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. (فَلَا تَمُوتُنَّ) : النَّهْيُ فِي اللَّفْظِ عَنِ الْمَوْتِ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا تُفَارِقُوا الْإِسْلَامَ حَتَّى تَمُوتُوا: وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَالْعَامِلُ الْفِعْلُ قَبْلَ إِلَّا. قَالَ تَعَالَى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ كُنْتُمْ) : هِيَ الْمُنْقَطِعَةُ. أَيْ: بَلْ أَكُنْتُمْ شُهَدَاءَ؟ عَلَى جِهَةِ التَّوْبِيخِ. (إِذْ حَضَرَ) : يُقْرَأُ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ، وَتَلْيِينِ الثَّانِيَةِ، وَجَعْلِهَا بَيْنَ بَيْنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَلِّصُهَا يَاءً ; لِانْكِسَارِهَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى نَصْبِ: (يَعْقُوبَ) وَرَفْعِ: (الْمَوْتُ) . وَقُرِئَ بِالْعَكْسِ، وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ. وَ (إِذْ) : الثَّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الْأُولَى، وَالْعَامِلُ فِي الْأَوَّلِ شُهَدَاءُ، فَيَكُونُ عَامِلًا فِي الثَّانِيَةِ ; وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ ظَرْفًا لِحَضَرَ، فَلَا يَكُونُ عَلَى هَذَا بَدَلًا.

стр. 120

وَ (مَا) : اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ: بِـ (تَعْبُدُونَ) وَ: مَا هُنَا بِمَعْنَى مِنْ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْجَوَابِ: إِلَهُكَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» عَلَى بَابِهَا، وَيَكُونَ ذَلِكَ امْتِحَانًا لَهُمْ مِنْ يَعْقُوبَ. وَ (مِنْ بَعْدِي) : أَيْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِي ; فَحَذَفَ الْمُضَافَ. (وَإِلَهَ آبَائِكَ) : أَعَادَ ذِكْرَ الْإِلَهِ ; لِئَلَّا يُعْطَفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْجَارِّ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ (آبَائِكَ) عَلَى جَمْعِ التَّكْسِيرِ. وَ (إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) : بَدَلٌ مِنْهُمْ وَيُقْرَأُ: وَإِلَهُ أَبِيكَ ; وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ جَمْعُ تَصْحِيحٍ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّونَ لِلْإِضَافَةِ ; وَقَدْ قَالُوا: أَبٌ وَأَبُونَ وَأَبِينَ، فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ تَكُونُ الْأَسْمَاءُ بَعْدَهَا بَدَلًا أَيْضًا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وَفِيهِ عَلَى هَذَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُفْرَدًا فِي اللَّفْظِ مُرَادًا بِهِ الْجَمْعَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُفْرَدًا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ إِبْرَاهِيمُ بَدَلًا مِنْهُ، وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ عَطْفًا عَلَى أَبِيكَ، تَقْدِيرُهُ: وَإِلَهُ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ. (إِلَهًا وَاحِدًا) : بَدَلٌ مِنْ إِلَهٍ الْأُولَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُوَطِّئَةً كَقَوْلِكَ: رَأَيْتُ زَيْدًا رَجُلًا صَالِحًا، وَإِسْمَاعِيلُ يُجْمَعُ عَلَى سَمَاعِلَةٍ، وَمَسَاعِيلَ، وَأَسَامِيعَ. قَالَ تَعَالَى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تِلْكَ أُمَّةٌ) : الِاسْمُ مِنْهَا: «تِي» وَهِيَ مِنْ أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ لِلْمُؤَنَّثِ، وَالْيَاءُ مِنْ جُمْلَةِ الِاسْمِ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: التَّاءُ وَحْدَهَا الِاسْمُ، وَالْيَاءُ زَائِدَةٌ، وَحُذِفَتِ الْيَاءُ مَعَ اللَّامِ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا.

стр. 121

فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ تُكْسَرِ اللَّامُ وَتُقْرَأِ الْيَاءُ كَمَا فُعِلَ فِي ذَلِكَ؟ . قِيلَ: ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الثِّقَلِ لِوُقُوعِ الْيَاءِ بَيْنَ كَسْرَتَيْنِ، وَمَوْضِعُهَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَأُمَّةٌ خَبَرُهَا. وَ (قَدْ خَلَتْ) : صِفَةٌ لِأُمَّةٍ. وَ (لَهَا مَا كَسَبَتْ) : فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ أَيْضًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي خَلَتْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. (وَلَا تُسْأَلُونَ) : مُسْتَأْنَفٌ لَا غَيْرَ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ) . قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا. . . . . (١٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ نَصَارَى) : الْكَلَامُ فِي «أَوْ» هَاهُنَا كَالْكَلَامِ فِيهَا فِي قَوْلِهِ: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) [الْبَقَرَةِ: ١١١] ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: قَالَتِ الْيَهُودُ كُونُوا هُودًا، وَقَالَتِ النَّصَارَى كُونُوا نَصَارَى. (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) : تَقْدِيرُهُ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، أَوْ قُلِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ. وَ (حَنِيفًا) : حَالٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ; وَالْحَالُ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ضَعِيفٌ فِي الْقِيَاسِ، قَلِيلٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَالَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ عَامِلٍ فِيهَا، وَالْعَامِلُ فِيهَا هُوَ الْعَامِلُ فِي صَاحِبِهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ الْمُضَافُ فِي مِثْلِ هَذَا فِي الْحَالِ. وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ نَصَبَهُ عَلَى الْحَالِ أَنَّهُ قَدَّرَ الْعَامِلَ مَعْنَى اللَّامِ، أَوْ مَعْنَى الْإِضَافَةِ، وَهُوَ الْمُصَاحَبَةُ وَالْمُلَاصَقَةُ،

стр. 122

وَقِيلَ: حَسُنَ جَعْلُ حَنِيفًا حَالًا ; لِأَنَّ الْمَعْنَى نَتْبَعُ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَهَذَا جَيِّدٌ ; لِأَنَّ الْمِلَّةَ هِيَ الدِّينُ ; وَالْمُتَّبَعَ إِبْرَاهِيمُ، وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَعْنِي. قَالَ تَعَالَى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ. . . . . . . (١٣٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ رَبِّهِمْ) : الْهَاءُ وَالْمِيمُ تَعُودُ عَلَى النَّبِيِّينَ خَاصَّةً ; فَعَلَى هَذَا يَتَعَلَّقُ مِنْ بِأُوتِيَ الثَّانِيَةِ. وَقِيلَ تَعُودُ إِلَى مُوسَى وَعِيسَى أَيْضًا. وَيَكُونُ (وَمَا أُوتِيَ) : الثَّانِيَةُ تَكْرِيرًا وَهُوَ فِي الْمَعْنَى مِثْلَ الَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَلَّقُ مِنْ بِأُوتِيَ الْأُولَى. وَمَوْضِعُ مِنْ نَصْبٌ عَلَى أَنَّهَا بِالِابْتِدَاءِ، غَايَةُ الْإِيتَاءِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهَا حَالًا مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ، تَقْدِيرُهُ: وَمَا أُوتِيَهُ النَّبِيُّونَ كَائِنًا مِنْ رَبِّهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا أُوتِيَ الثَّانِيَةُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَمِنْ رَبِّهِمْ خَبَرُهُ. (بَيْنَ أَحَدٍ) : أَحَدٌ هُنَا هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي النَّفْيِ ; لِأَنَّ «بَيْنَ» لَا تُضَافُ إِلَّا إِلَى جَمْعٍ، أَوْ إِلَى وَاحِدٍ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ. وَقِيلَ أَحَدٌ هَاهُنَا بِمَعْنَى فَرِيقٍ. قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا. . . (١٣٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ) : الْبَاءُ زَائِدَةٌ. وَمِثْلِ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إِيمَانًا مِثْلَ إِيمَانِكُمْ، وَالْهَاءُ تَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ، أَوِ الْقُرْآنِ، أَوْ مُحَمَّدٍ،

стр. 123

وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَنَظِيرُ زِيَادَةِ الْبَاءِ هُنَا زِيَادَتُهَا فِي قَوْلِهِ: (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا) وَقِيلَ مِثْلُ هُنَا زَائِدَةٌ وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ بِإِسْقَاطِ مِثْلٍ. قَالَ تَعَالَى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً (١٣٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (صِبْغَةَ اللَّهِ) : الصِّبْغَةُ هُنَا: الدِّينُ، وَانْتِصَابُهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ; أَيِ اتَّبِعُوا دِينَ اللَّهِ. وَقِيلَ هُوَ إِغْرَاءٌ ; أَيْ عَلَيْكُمْ دِينَ اللَّهِ. وَقِيلَ هُوَ بَدَلٌ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ. (وَمَنْ أَحْسَنُ) : مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ. وَ (مِنَ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَ (صِبْغَةَ) : تَمْيِيزٌ. قَالَ تَعَالَى: (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ يَقُولُونَ) يُقْرَأُ بِالْيَاءِ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ) [الْبَقَرَةِ: ١٣٧] وَبِالتَّاءِ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: (أَتُحَاجُّونَنَا) [الْبَقَرَةِ: ١٣٩] . (هُودًا أَوْ نَصَارَى) : أَوْ هَاهُنَا مَثَّلَهَا فِي قَوْلِهِ: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى) [الْبَقَرَةِ: ١٣٥] أَيْ قَالَتِ الْيَهُودُ: كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ هُودًا، وَقَالَتِ النَّصَارَى: كَانُوا نَصَارَى. (

стр. 124

أَمِ اللَّهُ) : مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ أَمِ اللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمْ هَاهُنَا الْمُتَّصِلَةُ ; أَيْ أَيِّكُمْ أَعْلَمُ، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ. (كَتَمَ شَهَادَةً) : كَتَمَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَقَدْ حُذِفَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا هُنَا تَقْدِيرُهُ: كَتَمَ النَّاسَ شَهَادَةً فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «عِنْدَهُ» صِفَةٌ لِشَهَادَةٍ، وَكَذَلِكَ «مَنَّ اللَّهُ» وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعَلَّقَ مَنْ بِشَهَادَةٍ ; لِئَلَّا يَفْصِلَ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ بِالصِّفَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ عِنْدَهُ، وَمِنَ اللَّهِ، صِفَتَيْنِ لِشَهَادَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَ مِنْ ظَرْفًا لِلْعَامِلِ فِي الظَّرْفِ الْأَوَّلِ، وَأَنْ تَجْعَلَهَا حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي عِنْدَهُ. قَالَ تَعَالَى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا. . . . . . . (١٤٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ) : مِنَ النَّاسِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ يَقُولُ. (مَا وَلَّاهُمْ) : ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْقَوْلِ. (كَانُوا عَلَيْهَا) : فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ; تَقْدِيرُهُ: عَلَى تَوَجُّهِهَا أَوْ عَلَى اعْتِقَادِهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وَمِثْلُ هِدَايَتِنَا مَنْ نَشَاءُ، جَعَلْنَاكُمْ، وَجَعَلْنَا بِمَنْزِلَةِ صَيَّرْنَا. وَ (عَلَى النَّاسِ) : يَتَعَلَّقُ بِشُهَدَاءَ. (الْقِبْلَةَ) : هِيَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ، وَ «الَّتِي» صِفَةُ ذَلِكَ الْمَحْذُوفِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الْقِبْلَةَ الَّتِي ; وَقِيلَ الَّتِي صِفَةٌ لِلْقِبْلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا قِبْلَةً. (

стр. 125

مَنْ يَتَّبِعُ) : مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (نَعْلَمُ) وَ (مِمَّنْ يَنْقَلِبُ) : مُتَعَلِّقٌ بِـ (نَعْلَمُ) ، وَالْمَعْنَى لِيَفْصِلَ الْمُتَّبِعَ مِنَ الْمُنْقَلِبِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (مِنْ) اسْتِفْهَامًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ تُعَلَّقَ نَعْلَمُ عَنِ الْعَمَلِ، وَإِذَا عُلِّقَتْ عَنْهُ لَمْ يَبْقَ لِمَنْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ; لِأَنَّ مَا بَعْدَ الِاسْتِفْهَامِ لَا يَتَعَلَّقْ بِمَا قَبْلَهُ، وَلَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهَا بِـ (يَتَّبِعُ) ; لِأَنَّهَا فِي الْمَعْنَى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (نَعْلَمَ) ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَيَّ فَرِيقٍ يَتَّبِعُ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ. (عَلَى عَقِبَيْهِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ; أَيْ رَاجِعًا. (وَإِنْ كَانَتْ) : إِنِ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: «لَكَبِيرَةً» عِوَضٌ مِنَ الْمَحْذُوفِ. وَقِيلَ: فُصِلَ بِاللَّامِ بَيْنَ إِنَّ الْمُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنْ أَقْسَامِ إِنَّ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِنَّ بِمَعْنَى مَا، وَاللَّامُ بِمَعْنَى إِلَّا، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ وُقُوعَ اللَّامِ بِمَعْنَى إِلَّا لَا يَشْهَدُ لَهُ سَمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ، وَاسْمُ كَانَ مُضْمَرٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، تَقْدِيرُهُ: وَإِنْ كَانَتِ التَّوْلِيَةُ أَوِ الصَّلَاةُ أَوِ الْقِبْلَةُ. (إِلَّا عَلَى الَّذِينَ) : (عَلَى) مُتَعَلِّقَةٌ بِكَبِيرَةٍ وَدَخَلَتْ إِلَّا لِلْمَعْنَى وَلَمْ يُغَيَّرِ الْإِعْرَابُ. (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ) : خَبَرُ كَانَ مَحْذُوفٌ، وَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِذَلِكَ الْمَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُرِيدًا لِأَنْ يُضِيعُ إِيمَانَكُمْ، وَهَذَا مُتَكَرِّرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَمِثْلُهُ: (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) [النِّسَاءِ: ١٣٧] . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لِيُضِيعَ هُوَ الْخَبَرُ، وَاللَّامُ دَاخِلَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وَهُوَ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ اللَّامَ لَامُ الْجَرِّ، وَأَنَّ بَعْدَهَا مُرَادَةٌ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ عَلَى قَوْلِهِمْ مَا كَانَ لِلَّهِ إِضَاعَةُ إِيمَانِكُمْ. (رَءُوفٌ) : يُقْرَأُ بِوَاوٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ مِثْلَ شَكُورٍ. وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ وَاوٍ مِثْلَ يَقِظٍ، وَفَطِنٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ: بِالرَّؤُفِ الرَّحِيمِ.

стр. 126

قَالَ تَعَالَى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ. . . . . . (١٤٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ نَرَى) : لَفْظُهُ مُسْتَقْبَلٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُضِيُّ. وَ (فِي السَّمَاءِ) : مُتَعَلِّقٌ بِالْمَصْدَرِ ; وَلَوْ جُعِلَ حَالًا مِنَ الْوَجْهِ لَجَازَ. (فَوَلِّ) : يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، فَالْأَوَّلُ «وَجْهَكَ» وَالثَّانِي (شَطْرَ الْمَسْجِدِ) : وَقَدْ يَتَعَدَّى إِلَى الثَّانِي بِـ (إِلَى) كَقَوْلِكَ: وَلَّى وَجْهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَقَالَ النَّحَّاسُ شَطْرَ هُنَا ظَرْفٌ ; لِأَنَّهُ بِمَعْنَى النَّاحِيَةِ. (وَحَيْثُ) : ظَرْفٌ لِـ (وَلُّوا) ، وَإِنْ جَعَلْتَهَا شَرْطًا انْتَصَبَ بِـ «كُنْتُمْ» ; لِأَنَّهُ مَجْزُومٌ بِهَا وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ بِهِ. (أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَفِي أَوَّلِ السُّورَةِ مِثْلُهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ) : اللَّامُ تَوْطِئَةٌ لِلْقَسَمِ ; وَلَيْسَتْ لَازِمَةً ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ) [الْمَائِدَةِ: ٧٣] . (مَا تَبِعُوا) : أَيْ لَا يَتَّبِعُوا ; فَهُوَ مَاضٍ فِي مَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ، وَدَخَلَتْ «مَا» حَمْلًا عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي، وَحُذِفَتِ الْفَاءُ فِي الْجَوَابِ ; لِأَنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ مَاضٍ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّ هُنَا بِمَعْنَى لَوْ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ «مَا» فِي الْجَوَابِ، وَهُوَ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ إِنَّ لِلْمُسْتَقْبَلِ وَلَوْ لِلْمَاضِي. (إِذَنْ) : حَرْفٌ، وَالنُّونُ فِيهِ أَصْلٌ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الْجَوَابِ، وَلَا تَعْمَلُ هُنَا شَيْئًا ; لِأَنَّ عَمَلَهَا فِي الْفِعْلِ وَلَا فِعْلَ.

стр. 127

قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ. . . . . . (١٤٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ: «يَعْرِفُونَهُ» الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الظَّالِمِينَ ; فَيَكُونُ يَعْرِفُونَهُ حَالًا مِنَ الْكِتَابِ، أَوْ مِنَ الَّذِينَ ; لِأَنَّ فِيهِ ضَمِيرَيْنِ رَاجِعَيْنِ عَلَيْهِمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي، وَرَفْعًا عَلَى تَقْدِيرِ: «هُمْ» . (كَمَا) : صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ. قَالَ تَعَالَى: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) : ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَقِيلَ: الْحَقُّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: مَا كَتَمُوهُ الْحَقَّ، أَوْ مَا عَرَفُوهُ. وَقِيلَ: هُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ: يَعْرِفُونَهُ أَوْ يَتْلُونَهُ. وَ (مِنْ رَبِّكَ) : عَلَى الْوَجْهَيْنِ حَالٌ، وَقَرَأَ عَلِيٌّ ﵇: (الْحَقَّ) : بِالنَّصْبِ بِـ (يَعْلَمُونَ) . قَالَ تَعَالَى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ) : وِجْهَةٌ مُبْتَدَأٌ، وَلِكُلٍّ خَبَرُهُ. وَالتَّقْدِيرُ: لِكُلِّ فَرِيقٍ. وَوِجْهَةٌ جَاءَ عَلَى الْأَصْلِ، وَالْقِيَاسُ جِهَةٌ، مِثْلُ عِدَةٍ وَزِنَةٍ. وَالْوِجْهَةُ مَصْدَرٌ. فِي مَعْنَى الْمُتَوَجَّهِ إِلَيْهِ، كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ، وَهِيَ مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوَائِدِ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ تَوَجَّهُ أَوِ اتَّجَهَ، وَالْمَصْدَرُ التَّوَجُّهُ، أَوْ الِاتِّجَاهُ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنْهُ وَجْهٌ كَوَعْدٍ. (هُوَ مُوَلِّيهَا) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَفِي هُوَ وَجْهَانِ:

стр. 128

أَحَدُهُمَا: هُوَ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ ; أَيِ اللَّهُ مَوِّلِي تِلْكَ الْجِهَةَ ذَلِكَ الْفَرِيقَ ; أَيْ يَأْمُرُهُ بِهَا. وَالثَّانِي: هُوَ ضَمِيرُ كُلٍّ ; أَيْ ذَلِكَ الْفَرِيقُ مُوَلِّي الْوِجْهَةَ نَفْسَهُ. وَيُقْرَأُ مَوْلَاهَا بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهُوَ عَلَى هَذَا هُوَ ضَمِيرُ الْفَرِيقِ وَمَوْلَى لَمَّا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ هُوَ الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ فِيهِ، وَهَا ضَمِيرُ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَهُوَ ضَمِيرُ الْوِجْهَةِ، وَقِيلَ لِلتَّوْلِيَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ ضَمِيرَ اسْمِ اللَّهِ ; لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فِي الْمَعْنَى، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِوِجْهَةٍ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ: «وَلِكُلِّ وِجْهَةٍ» بِإِضَافَةِ كُلٍّ لِوِجْهَةٍ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ اللَّامُ زَائِدَةً ; وَالتَّقْدِيرُ: كُلُّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّيهَا أَهْلَهَا ; وَحَسَّنَ زِيَادَةَ اللَّامِ تَقَدُّمُ الْمَفْعُولِ ; وَكَوْنُ الْعَامِلِ اسْمَ فَاعِلٍ. (أَيْنَمَا) : ظَرْفٌ لِـ (تَكُونُوا) . قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ. . . . . . . . (١٤٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) : حَيْثُ هُنَا لَا تَكُونُ شَرْطًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهَا مَا، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ بِهَا مَعَ مَا فَعَلَى هَذَا يَتَعَلَّقُ مِنْ بِقَوْلِهِ: «فَوَلِّ» . وَ (إِنَّهُ لَلْحَقُّ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ التَّوَلِّي. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا وَغَيْرَ شَرْطٍ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ. (

стр. 129

لِئَلَّا) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِئَلَّا. وَ (حُجَّةٌ) : اسْمُ كَانَ، وَالْخَبَرُ لِلنَّاسِ، وَعَلَيْكُمْ صِفَةُ الْحُجَّةِ فِي الْأَصْلِ قُدِّمَتْ فَانْتَصَبَتْ عَلَى الْحَالِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْحُجَّةِ ; لِئَلَّا تَتَقَدَّمَ صِلَةُ الْمَصْدَرِ عَلَيْهِ. (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) : اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مَا عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ. (وَلِأُتِمَّ) : هَذِهِ اللَّامُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى اللَّامِ الْأُولَى. (عَلَيْكُمْ) : مُتَعَلِّقٌ بِأُتِمَّ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ نِعْمَتِي. قَالَ تَعَالَى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَا) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَهْتَدُونَ هِدَايَةً كَإِرْسَالِنَا، أَوْ إِتْمَامًا كَإِرْسَالِنَا، أَوْ نِعْمَةً كَإِرْسَالِنَا. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: التَّقْدِيرُ: فَاذْكُرُونِي كَمَا أَرْسَلْنَا ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَنْصُوبًا صِفَةً لِلذِّكْرِ ; أَيْ ذِكْرًا مِثْلَ إِرْسَالِي وَلَمْ تَمْنَعِ الْفَاءُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَمْ تَمْنَعْ فِي بَابِ الشَّرْطِ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْوَاتٌ) : جُمِعَ عَلَى مَعْنَى مَنْ ; وَأَفْرَدَ (يُقْتَلُ) عَلَى لَفْظِ مَنْ، وَلَوْ جَاءَ مَيِّتٌ كَانَ فَصِيحًا. وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُمْ أَمْوَاتٌ. (بَلْ أَحْيَاءٌ) : أَيْ بَلْ قُولُوا هُمْ أَحْيَاءٌ. وَ «لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ» : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَقُولُوا ; لِأَنَّهُ مَحْكِيٌّ، وَبَلْ لَا تَدْخُلُ فِي الْحِكَايَةِ هُنَا. (وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ) : الْمَعْفُولُ هُنَا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَا تَشْعُرُونَ بِحَيَاتِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)) .

стр. 130

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) : جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَالْفِعْلُ الْمُضَارِعُ يُبْنَى مَعَ نُونَيِ التَّوْكِيدِ، وَحُرِّكَتِ الْوَاوُ بِالْفَتْحَةِ لِخِفَّتِهَا. (مِنَ الْخَوْفِ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِشَيْءٍ. (مِنَ الْأَمْوَالِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَنَقَصَ شَيْئًا مِنَ الْأَمْوَالِ ; لِأَنَّ النَّقْصَ مَصْدَرُ نَقَصْتُ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ، وَقَدْ حُذِفَ الْمَفْعُولُ. وَيَجُوزُ عِنْدَ الْأَخْفَشِ أَنْ تَكُونَ (مِنْ) : زَائِدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ صِفَةً لِنَقْصٍ، وَتَكُونَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ ; أَيْ نَقْصٍ نَاشِئٍ مِنَ الْأَمْوَالِ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِلصَّابِرِينَ، أَوْ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَ «أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ» خَبَرُهُ، وَإِذَا وَجَوَابُهَا صِلَةُ الَّذِينَ. (إِنَّا لِلَّهِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَفْخِيمِ الْأَلِفِ فِي إِنَّا، وَقَدْ أَمَالَهَا بَعْضُهُمْ لِكَثْرَةِ مَا يُنْطَقُ بِهَذَا الْكَلَامِ، وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ ; لِأَنَّ الْأَلِفَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ «نَا» وَلَيْسَتْ مُنْقَلِبَةً وَلَا فِي حُكْمِ الْمُنْقَلِبَةِ. قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُولَئِكَ) : مُبْتَدَأٌ. وَ (صَلَوَاتٌ) : مُبْتَدَأٌ ثَانٍ. وَ (عَلَيْهِمْ) : خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الثَّانِي. وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ أُولَئِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَرْفَعَ صَلَوَاتٍ بِالْجَارِّ ; لِأَنَّهُ قَدْ قَوِيَ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا، وَمِثْلُهُ (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ) [الْبَقَرَةِ: ١٦١] . (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) : هُمْ مُبْتَدَأٌ أَوْ تَوْكِيدٌ أَوْ فَصْلٌ.

стр. 131

قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الصَّفَا) : أَلِفُ الصَّفَا مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ ; لِقَوْلِهِمْ فِي تَثْنِيَتِهِ صَفَوَانٍ. وَ (مِنْ شَعَائِرِ) : خَبَرُ إِنَّ ; وَفِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ ; تَقْدِيرُهُ: إِنَّ طَوَافَ الصَّفَا أَوْ سَعْيَ الصَّفَا، وَالشَّعَائِرُ جَمْعُ شَعِيرَةٍ، مِثْلُ صَحِيفَةِ وَصَحَائِفَ، وَالْجَيِّدُ هَمْزُهَا ; لِأَنَّ الْيَاءَ زَائِدَةٌ. (فَمَنْ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَهِيَ شَرْطِيَّةٌ، وَالْجَوَابُ (فَلَا جُنَاحَ) . وَاخْتَلَفُوا فِي تَمَامِ الْكَلَامِ هُنَا ; فَقِيلَ تَمَامُ الْكَلَامِ فَلَا جُنَاحَ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: «عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ» ; لِأَنَّ الطَّوَافَ وَاجِبٌ، وَعَلَى هَذَا خَبَرُ «لَا» مَحْذُوفٌ ; أَيْ لَا جُنَاحَ فِي الْحَجِّ. وَالْجَيِّدُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْوَجْهِ خَبَرًا، وَأَنْ يَطَّوَّفَ مُبْتَدَأٌ. وَيَضْعُفُ أَنْ يُجْعَلَ إِغْرَاءً ; لِأَنَّ الْإِغْرَاءَ إِنَّمَا جَاءَ مَعَ الْخِطَابِ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ عَنْ بَعْضِهِمْ: عَلَيْهِ رِجَلًا لَيْسَنِي. قَالَ: وَهُوَ شَاذٌّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَالْأَصْلُ أَنْ يَتَطَوَّفَ، فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَطَّافَ، وَالْأَصْلُ أَنْ يَتَطَافَ، وَهُوَ يَفْتَعِلُ مِنَ الطَّوَافِ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْوَقْفُ عَلَى «بِهِمَا» وَعَلَيْهِ خَبَرُ لَا وَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِي أَنْ يَطَّوَفَ، فَلَمَّا حُذِفَ فِي جُعِلَتْ أَنَّ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَعِنْدَ الْخَلِيلِ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، وَقَبْلَ التَّقْدِيرِ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَمْتَنِعُونَ مِنَ الطَّوَافِ بِهِمَا لِمَا كَانَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْأَصْنَامِ ; فَمَنْ قَالَ هَذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْدِيرِ لَا. (وَمَنْ تَطَوَّعَ) : يُقْرَأُ عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي، فَمَنْ عَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي وَالْخَبَرُ «فَإِنَّ اللَّهَ» وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَهُ،

стр. 132

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مَنْ» شَرْطًا، وَالْمَاضِي بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ. وَقُرِئَ: «يَطَّوَّعُ» عَلَى لَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ، فَمَنْ عَلَى هَذَا شَرْطٌ لَا غَيْرَ ; لِأَنَّهُ جَزَمَ بِهَا، وَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الطَّاءِ. وَ (خَيْرًا) : مَنْصُوبٌ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: بِخَيْرٍ، فَلَمَّا حَذَفَ الْحَرْفَ وَصَلَ الْفِعْلَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ تَطَوُّعًا خَيْرًا. وَإِذَا جَعَلْتَ مَنْ شَرْطًا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ حَذْفُ ضَمِيرٍ ; لِأَنَّ ضَمِيرَ مَنْ فِي يَطَّوَّعُ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْبَيِّنَاتِ) : «مِنَ» يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ ; لِأَنَّهَا حَالٌ مِنْ «مَا» أَوْ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ ; إِذِ الْأَصْلُ مَا أَنْزَلْنَاهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (أَنْزَلْنَا) عَلَى أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ. (مِنْ بَعْدِ) : مِنْ يَتَعَلَّقُ بِـ (يَكْتُمُونَ) ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِـ (أَنْزَلْنَا) لِفَسَادِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْإِنْزَالَ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ التَّبْيِينِ، إِنَّمَا الْكِتْمَانُ بَعْدَ التَّبْيِينِ. (فِي الْكِتَابِ) : فِي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (بَيَّنَّا) ، وَكَذَلِكَ اللَّامُ، وَلَمْ يَمْتَنِعْ تَعَلُّقُ الْجَارَّيْنِ بِهِ ; لِاخْتِلَافِ مَعْنَاهُمَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «فِي» حَالًا ; أَيْ كَائِنًا فِي الْكِتَابِ. (أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ إِنَّ. (وَيَلْعَنُهُمُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى «يَلْعَنُهُمْ» الْأُولَى، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا. . . . (١٦٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) : اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الضَّمِيرُ فِي يَلْعَنُهُمْ،

стр. 133

وَقِيلَ هُوَ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ الَّذِينَ كَتَمُوا لُعِنُوا قَبْلَ أَنْ يَتُوبُوا، وَإِنَّمَا جَاءَ الِاسْتِثْنَاءُ لِبَيَانِ قَبُولِ التَّوْبَةِ لَا لِأَنَّ قَوْمًا مِنَ الْكَاتِمِينَ لَمْ يُلْعَنُوا. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ) : قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ) [الْبَقَرَةِ: ١٥٧] وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (وَالْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ) بِالرَّفْعِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ اسْمِ اللَّهِ ; لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إِلَى الْفَاعِلِ. قَالَ تَعَالَى: (خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَالِدِينَ فِيهَا) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي عَلَيْهِمْ. (لَا يُخَفَّفُ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي خَالِدِينَ، وَلَيْسَتْ حَالًا ثَانِيَةً مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ; لِأَنَّ الِاسْمَ الْوَاحِدَ لَا يَنْتَصِبُ عَنْهُ حَالَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا لَا مَوْضِعَ لَهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَهٌ وَاحِدٌ) : إِلَهٌ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَوَاحِدٌ صِفَةٌ لَهُ. وَالْغَرَضُ هُنَا هُوَ الصِّفَةُ، إِذْ لَوْ قَالَ وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ لَكَانَ هُوَ الْمَقْصُودُ، إِلَّا أَنَّ فِي ذِكْرِهِ زِيَادَةَ تَوْكِيدٍ، وَهَذَا يُشْبِهُ الْحَالَ الْمُوَطِّئَةَ، كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ رَجُلًا صَالِحًا، وَكَقَوْلِكَ فِي الْخَبَرِ زَيْدٌ شَخْصٌ صَالِحٌ. (إِلَّا هُوَ) : الْمُسْتَثْنَى فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنْ مَوْضِعِ لَا إِلَهَ لِأَنَّ مَوْضِعَ لَا وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَوْ كَانَ مَوْضِعَ الْمُسْتَثْنَى نَصْبًا لَكَانَ إِلَّا إِيَّاهُ.

стр. 134

وَ (الرَّحْمَنُ) : بَدَلٌ مِنْ هُوَ. أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِهُوَ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ لَا يُوصَفُ وَلَا يَكُونُ خَبَرًا لِهُوَ ; لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى هُنَا لَيْسَ بِجُمْلَةٍ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْفُلْكِ) : يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَمِنَ الْجَمْعِ هَذَا الْمَوْضِعُ وَقَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [يُونُسَ: ٢٢] وَمِنَ الْمُفْرَدِ: (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) [الشُّعَرَاءِ: ١١٩] . وَمَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ ضَمَّةَ الْفَاءِ فِيهِ إِذَا كَانَ جَمْعًا غَيْرُ الضَّمَّةِ الَّتِي فِي الْوَاحِدِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ ضَمَّةَ الْجَمْعِ تَكُونُ فِيمَا وَاحِدُهُ غَيْرُ مَضْمُومٍ ; نَحْوَ: أُسْدٍ، وَكُتُبٍ، وَالْوَاحِدُ أَسَدٌ وَكِتَابٌ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الضَّمَّةُ فِي صَادِ مَنْصُورٍ، إِذَا رَخَّمْتَهُ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ يَا حَارِ، فَإِنَّهَا ضَمَّةٌ حَادِثَةٌ، وَعَلَى مَنْ قَالَ يَا حَارِ تَكُونُ الضَّمَّةُ فِي يَا مَنْصُ هِيَ الضَّمَّةُ فِي مَنْصُورٍ. (مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ) : مِنَ الْأُولَى لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَالثَّانِيَةُ لِبَيَانِ الْجِنْسِ، إِذْ كَانَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً وَغَيْرُهُ. (وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) : مَفْعُولُ بَثَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَبَثَّ فِيهَا دَوَابَّ مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ، وَيَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ أَنْ تَكُونَ مِنْ زَائِدَةٌ ; لِأَنَّهُ يُجِيزُهُ فِي الْوَاجِبِ. (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) : هُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُضِيفَ إِلَى الْفَاعِلِ، وَيَكُونَ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا، وَالتَّقْدِيرُ: وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ السَّحَابَ ; لِأَنَّ الرِّيَاحَ تَسُوقُ السَّحَابَ وَتُصَرِّفُهُ،

стр. 135

وَيُقْرَأُ (الرِّيَاحِ) بِالْجَمْعِ ; لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الرِّيحِ، وَبِالْإِفْرَادِ عَلَى الْجِنْسِ، أَوْ عَلَى إِقَامَةِ الْمُفْرَدِ مَقَامَ الْجَمْعِ. وَيَاءُ (الرِّيحِ) مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ رَاحَ يَرُوحُ، وَرَوْحَتُهُ، وَالْجَمْعُ أَرْوَاحٌ. وَأَمَّا الرِّيَاحُ فَالْيَاءُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ ; لِأَنَّهُ جَمْعٌ أَوَّلُهُ مَكْسُورٌ وَبَعْدَ حَرْفِ الْعِلَّةِ فِيهِ أَلِفٌ زَائِدَةٌ، وَالْوَاحِدُ عَيْنُهُ سَاكِنَةٌ، فَهُوَ مِثْلُ سَوْطٍ وَسِيَاطٍ، إِلَّا أَنَّ وَاوَ الرِّيحِ قُلِبَتْ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا. (بَيْنَ السَّمَاءِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْمُسَخَّرِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْمُسَخَّرِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقْفٌ تَامٌّ ; لِأَنَّ اسْمَ إِنَّ الَّتِي فِي أَوَّلِهَا خَاتِمَتُهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ يَتَّخِذُ) : مَنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي. (يُحِبُّونَهُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِلْأَنْدَادِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةً لِمَنْ إِذَا جَعَلْتَهَا نَكِرَةً. وَجَازَ الْوَجْهَانِ ; لِأَنَّ فِي الْجُمْلَةِ ضَمِيرَيْنِ أَحَدُهُمَا لِمَنْ، وَالْآخَرُ لِلْأَنْدَادِ، وَكَنَّى عَنِ الْأَنْدَادِ بِـ (هُمْ) ، كَمَا يُكَنَّى بِهَا عَمَّنْ يَعْقِلُ ; لِأَنَّهُمْ نَزَّلُوهَا مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْقِلُ. وَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ الْمَحْذُوفِ ; أَيْ حُبًّا كَحُبِّ اللَّهِ، وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ تَقْدِيرُهُ: كَحُبِّهِمُ اللَّهَ أَوْ كَحُبِّ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهَ. (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) : مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ «أَشَدُّ» مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ حُبًّا لِلَّهِ مِنْ حُبِّ هَؤُلَاءِ لِلْأَنْدَادِ. (

стр. 136

وَلَوْ يَرَى) : جَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ; لِأَنَّ الْمَوْعُودَ وَالْمُتَوَّعَدَ إِذَا عَرَفَ قَدْرَ النِّعْمَةِ وَالْعُقُوبَةِ وَقَفَ ذِهْنُهُ مَعَ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ ; وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ ذَهَبَ وَهْمُهُ إِلَى مَا هُوَ الْأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ، وَتَقْدِيرُ الْجَوَابِ: لَعَلِمُوا أَنَّ الْقُوَّةَ، أَوْ لَعَلِمُوا أَنَّ الْأَنْدَادَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى يَرَى بِالْيَاءِ، وَيَرَى هُنَا مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ، فَيَفْتَقِرُ إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; وَ: «أَنَّ الْقُوَّةَ» سَادٌّ مَسَدَّهُمَا. وَقِيلَ الْمَفْعُولَانِ مَحْذُوفَانِ، وَأَنَّ الْقُوَّةَ مَعْمُولُ جَوَابِ لَوْ ; أَيْ لَوْ عَلِمَ الْكُفَّارُ أَنْدَادَهُمْ لَا تَنْفَعُ لَعَلِمُوا أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ فِي النَّفْعِ وَالضُّرِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَرَى بِمَعْنَى عَلِمَ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَوْ عَرَفَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بُطْلَانَ عِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ أَوْ لَوْ عَرَفُوا مِقْدَارَ الْعَذَابِ لَعَلِمُوا أَنَّ الْقُوَّةَ أَوْ لَوْ عَرَفُوا أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ لَمَا عَبَدُوا الْأَصْنَامَ. وَقِيلَ يَرَى هُنَا مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ أَيْ لَوْ شَاهَدُوا آثَارَ قُوَّةِ اللَّهِ فَتَكُونُ أَنَّ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ مَفْعُولَ يَرَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولُ يَرَى مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: لَوْ شَاهَدُوا الْعَذَابَ لَعَلِمُوا أَنَّ الْقُوَّةَ، وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ) . وَيَرَوْنَ الْعَذَابَ مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ ; لِأَنَّ الَّتِي بِمَعْنَى الْعِلْمِ تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَإِذَا ذُكِرَ أَحَدُهُمَا لَزِمَ ذِكْرُ الْآخَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْعِرْفَانِ ; أَيْ إِذْ يَعْرِفُونَ شِدَّةَ الْعَذَابِ، وَقَدْ حَصَلَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ جَوَابَ لَوْ يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ قَبْلَ: إِنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، وَأَنْ يُقَدَّرَ بَعْدَهُ.

стр. 137

«وَلَوْ» يَلِيهَا الْمَاضِي، وَلَكِنْ وُضِعَ لَفْظُ الْمُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَهُ إِمَّا عَلَى حِكَايَةِ الْحَالِ، وَإِمَّا لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى صِدْقٌ فَمَا لَمْ يَقَعْ بِخَبَرِهِ فِي حُكْمِ مَا وَقَعَ. وَأَمَّا (إِذْ) فَظَرْفٌ وَقَدْ وَقَعَتْ هُنَا بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ وَوَضْعُهَا أَنْ تَدُلَّ عَلَى الْمَاضِي، إِلَّا أَنَّهُ جَازَ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ خَبَرَ اللَّهِ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ كَالْمَاضِي، أَوْ عَلَى حِكَايَةِ الْحَالِ بِإِذْ، كَمَا يُحْكَى بِالْفِعْلِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ وَضَعَ إِذْ مَوْضِعَ إِذَا، كَمَا يُوضَعُ الْفِعْلُ الْمَاضِي مَوْضِعَ الْمُسْتَقْبَلِ ; لَقُرْبِ مَا بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ إِنَّ زَمَنَ الْآخِرَةِ مَوْصُولٌ بِزَمَنِ الدُّنْيَا، فَجَعَلَ الْمُسْتَقْبَلَ مِنْهُ كَالْمَاضِي، إِذْ كَانَ الْمُجَاوِرُ لِلشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَهَذَا يَتَكَرَّرُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا ; كَقَوْلِهِ: «وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ» «وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ» . «وَإِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ» . (وَإِذْ يَرَوْنَ) : ظَرْفٌ لِيَرَى الْأُولَى، وَقُرِئَ وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالتَّاءِ، وَهِيَ مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ ; أَيْ لَوْ رَأَيْتَهُمْ وَقْتَ تَعْذِيبِهِمْ. وَيُقْرَأُ: يَرَوْنَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِعْرَابِ وَالْمَعْنَى. وَالْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنْ «أَنَّ الْقُوَّةَ» ، «وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ» . وَيُقْرَأُ: بِكَسْرِهَا فِيهِمَا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ لَقَالُوا: إِنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ. وَ (جَمِيعًا) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذين اتبعُوا لَو أَن لنا كرة فنتبرأ مِنْهُم كَمَا تبرؤوا منا كَذَلِك يُرِيهم الله أَعْمَالهم حسرات عَلَيْهِم وَمَا هم بِخَارِجِينَ من النَّار) .

стр. 138

قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ تَبَرَّأَ) : إِذْ هَذِهِ بَدَلٌ مِنْ إِذِ الْأُولَى، أَوْ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: (شَدِيدُ الْعَذَابِ) [الْبَقَرَةِ: ١٦٥] أَوْ مَفْعُولُ اذْكُرْ. وَتَبَرَّأَ بِمَعْنَى يَتَبَرَّأُ. (وَرَأَوُا الْعَذَابَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى تَبَرَّأَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَقَدْ مَعَهُ مُرَادَةٌ، وَالْعَامِلُ تَبَرَّأَ ; أَيْ تَبَرَّءُوا، وَقَدْ رَأَوُا الْعَذَابَ. (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ) : الْبَاءُ هُنَا لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَتَقَطَّعَتْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. (الْأَسْبَابُ) : الَّتِي كَانُوا يَرْجُونَ بِهَا النَّجَاةَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَاءُ لِلْحَالِ ; أَيْ تَقَطَّعَتْ مَوْصُولَةً بِهِمُ الْأَسْبَابُ كَقَوْلِكَ خَرَجَ زَيْدٌ بِثِيَابِهِ، وَقِيلَ بِهِمْ بِمَعْنَى عَنْهُمْ، وَقِيلَ الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَالتَّقْدِيرُ: قَطَّعَتْهُمُ الْأَسْبَابُ كَمَا تَقُولُ تَفَرَّقَتْ بِهِمُ الطُّرُقُ ; أَيْ فَرَّقَتْهُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) [الْأَنْعَامِ: ١٥٣] . (كَرَّةً) : مَصْدَرُ كَرَّ يَكِرُّ، إِذَا رَجَعَ. (فَنَتَبَرَّأَ) : مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَنْ، تَقْدِيرُهُ: لَوْ أَنَّ لَنَا أَنْ نَرْجِعَ فَأَنْ نَتَبَرَّأَ. وَجَوَابُ لَوْ عَلَى هَذَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَتَبَرَّأْنَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَوْ هُنَا تَمَنٍّ، فَنَتَبَرَّأَ مَنْصُوبٌ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي، وَالْمَعْنَى لَيْتَ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ. (كَذَلِكَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ; أَيِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ يُرِيهِمْ رَؤْيَةً كَذَلِكَ، أَوْ يَحْشُرُهُمْ كَذَلِكَ، أَوْ يَجْزِيهِمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَ (يُرِيهِمُ) : مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ هُنَا بِهَمْزَةِ النَّقْلِ ; وَ «حَسَرَاتٍ» عَلَى هَذَا حَالٌ،

стр. 139

وَقِيلَ يُرِيهِمْ ; أَيْ يُعَلِّمُهُمْ فَيَكُونُ حَسَرَاتٍ مَفْعُولًا ثَالِثًا. وَ (عَلَيْهِمْ) : صِفَةٌ لِحَسَرَاتٍ ; أَيْ كَائِنَةٌ عَلَيْهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ حَسَرَاتٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ، تَقْدِيرُهُ: عَلَى تَفْرِيطِهِمْ، كَمَا تَقُولُ تَحَسَّرُ عَلَى تَفْرِيطِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ) : الْأَصْلُ فِي كُلْ أُأْكُلْ ; فَالْهَمْزَةُ الْأُولَى هَمْزَةُ وَصْلٍ، وَالثَّانِيَةُ فَاءُ الْكَلِمَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ حَذَفُوا الْفَاءَ فَاسْتَغْنَوْا عَنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ لِتَحَرُّكِ مَا بَعْدَهَا، وَالْحَذْفُ هُنَا لَيْسَ بِقِيَاسٍ، وَلَمْ يَأْتِ إِلَّا فِي كُلْ وَخُذْ وَمُرْ. (حَلَالًا) : مَفْعُولُ كُلُوا فَتَكُونُ مِنْ مُتَعَلِّقَةً بِـ (كُلُوا) ، وَهِيَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ، وَيَكُونُ حَالًا مِنْ (حَلَالًا) ; وَالتَّقْدِيرُ: كُلُوا حَلَالًا مِمَّا فِي الْأَرْضِ فَلَمَّا قُدِّمَتِ الصِّفَةُ صَارَتْ حَالًا. فَأَمَّا (طَيِّبًا) فَهِيَ صِفَةٌ لِحَلَالٍ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَيَكُونُ صِفَةً لِحَلَالٍ. وَلَكِنَّ مَوْضِعَهَا بَعْدَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ لِئَلَّا يُفْصَلَ بِالصِّفَةِ بَيْنَ الْحَالِ وَذِي الْحَالِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مِمَّا» حَالًا مَوْضِعُهَا بَعْدَ طَيِّبٍ ; لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ صِفَاتٌ، وَأَنَّهَا قُدِّمَتْ عَلَى النَّكِرَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ طَيِّبًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ كُلُوا الْحَلَالَ مِمَّا فِي الْأَرْضِ أَكْلًا طَيِّبًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِتَ حَلَالًا عَلَى الْحَالِ مِنْ مَا، وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَطَيِّبًا صِفَةُ الْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ أَكْلًا حَلَالًا فَعَلَى هَذَا مَفْعُولُ كُلُوا مَحْذُوفٌ ; أَيْ كُلُوا شَيْئًا أَوْ رِزْقًا وَيَكُونُ «مِنْ» صِفَةً لِلْمَحْذُوفِ. وَيَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ أَنْ تَكُونَ مِنْ زَائِدَةً.

стр. 140

(خُطُوَاتِ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الطَّاءِ عَلَى إِتْبَاعِ الضَّمِّ الضَّمَّ، وَبِإِسْكَانِهَا لِلتَّخْفِيفِ. وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ فَتْحُهَا. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ بِهَمْزِ الْوَاوِ لِمُجَاوَرَتِهَا الضَّمَّةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَيُقْرَأُ شَاذًّا بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالطَّاءِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْوَاحِدُ خَطْوَةً وَالْخَطَوَةُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ خَطَوَاتٍ، وَبِالضَّمِّ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ، وَقِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. (إِنَّهُ لَكُمْ) : إِنَّمَا كَسَرَ الْهَمْزَةَ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ الْإِعْلَامَ بِحَالِهِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْفَتْحِ ; لِأَنَّهُ إِذَا فَتَحَ الْهَمْزَةَ صَارَ التَّقْدِيرُ: لَا تَتْبَعُوهُ لِأَنَّهُ لَكُمْ، وَاتِّبَاعُهُ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدُوًّا لَنَا. وَمِثْلُهُ: لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ ; كَسْرُ الْهَمْزَةِ أَجْوَدُ لِدَلَالَةِ الْكَسْرِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ الْحَمْدَ فِي كُلِّ حَالِ، وَكَذَلِكَ التَّنْبِيهُ. وَالشَّيْطَانُ هُنَا جِنْسٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ وَاحِدًا. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْ تَقُولُوا) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى بِالسُّوءِ ; أَيْ وَبِأَنْ تَقُولُوا. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْ نَتَّبِعُ بَلْ هَاهُنَا لِلْإِضْرَابِ عَنِ الْأَوَّلِ ; أَيْ لَا نَتَّبِعُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ; وَلَيْسَ بِخُرُوجٍ مِنْ قِصَّةٍ إِلَى قِصَّةٍ. وَ (أَلْفَيْنَا) : وَجَدْنَا الْمُتَعَدِّيَةُ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ ; وَقَدْ تَكُونُ مُتَعَدِّيَةً إِلَى مَفْعُولَيْنِ مِثْلُ وَجَدْتُ، وَهِيَ هَاهُنَا تَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ ; وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ: آبَاءَنَا وَعَلَيْهِ إِمَّا حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ ثَانٍ،

стр. 141

وَلَامُ أَلْفَيْنَا وَاوٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا لَوْ جَهِلَ مِنَ اللَّامَاتِ، أَنْ يَكُونَ وَاوًا. (أَوَلَوْ) الْوَاوُ لِلْعَطْفِ، وَالْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ، وَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَفَكَانُوا يَتْبَعُونَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) : مَثَلُ مُبْتَدَأٌ، وَ (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ) : خَبَرُهُ. وَفِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ ; تَقْدِيرُهُ: دَاعِي الَّذِينَ كَفَرُوا ; أَيْ مَثَلُ دَاعِيهِمْ إِلَى الْهُدَى ; كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِالْغَنَمِ ; وَإِنَّمَا قُدِّرَ ذَلِكَ لِيَصِحَّ التَّشْبِيهُ، فَادَّعَى الَّذِينَ كَفَرُوا كَالنَّاعِقِ بِالْغَنَمِ، وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَالْغَنَمِ الْمَنْعُوقِ بِهَا. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: لَمَّا أَرَادَ تَشْبِيهَ الْكُفَّارِ وَدَاعِيهِمْ، بِالْغَنَمِ وَدَاعِيهَا، قَابَلَ أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ بِالْآخَرِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ الْمَعْنَى. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي دُعَائِكَ إِيَّاهُمْ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: مَثَلُ الْكَافِرِينَ فِي دُعَائِهِمُ الْأَصْنَامَ كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِالْغَنَمِ. (إِلَّا دُعَاءً) : مَنْصُوبٌ بِـ (يَسْمَعُ) . وَإِلَّا قَدْ فَرَغَ قَبْلَهَا الْعَامِلُ مِنَ الْمَفْعُولِ. وَقِيلَ إِلَّا زَائِدَةٌ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَسْمَعُ دُعَاءً، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْمَعْنَى بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا صَوْتًا: (صُمٌّ) : أَيْ هُمْ صُمٌّ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ (١٧٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ) : الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ كُلُوا رِزْقَكُمْ، وَعِنْدَ الْأَخْفَشِ مِنْ زَائِدَةٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) : تُقْرَأُ الْمَيْتَةَ بِالنَّصْبِ، فَتَكُونُ مَا هَاهُنَا كَافَّةً، وَالْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ.

стр. 142

وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنْ تَكُونَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْمَيْتَةُ خَبَرُ إِنَّ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: حَرَّمَهُ اللَّهُ. وَيُقْرَأُ حُرِّمَ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْمَيْتَةُ خَبَرَ إِنَّ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَافَّةً وَالْمَيْتَةُ الْمَفْعُولَ الْقَائِمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَالْأَصْلُ الْمَيِّتَةُ بِالتَّشْدِيدِ ; لِأَنَّ بِنَاءَهُ فَيْعَلَةٌ، وَالْأَصْلُ مَيْوَتَةٌ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْيَاءُ وَالْوَاوُ وَسَبَقَتِ الْأُولَى بِالسُّكُونِ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ أَخْرَجَهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ خَفَّفَ حَذَفَ الْوَاوَ الَّتِي هِيَ عَيْنٌ، وَمِثْلُهُ سَيْدٌ وَهَيْنٌ فِي سَيِّدٍ وَهَيِّنٍ. وَلَامُ (وَالدَّمَ) : يَاءٌ مَحْذُوفَةٌ حُذِفَتْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ. وَالنُّونُ فِي (خِنْزِيرٍ) أَصْلٌ، وَهُوَ عَلَى مِثَالٍ غَرِيبٍ ; وَقِيلَ هِيَ زَائِدَةٌ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَزْرِ. (فَمَنِ اضْطُرَّ) : مَنْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ وَهِيَ شَرْطٌ، وَاضْطُرَّ فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِهَا، وَالْجَوَابُ «فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ النُّونِ عَلَى أَصْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَبِضَمِّهَا إِتْبَاعًا لِضَمَّةِ الطَّاءِ، وَالْحَاجِزُ غَيْرُ حَصِينٍ لِسُكُونِهِ وَضُمَّتِ الطَّاءُ عَلَى الْأَصْلِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ اضْطُرِرَ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الطَّاءِ ; وَوَجْهُهَا أَنَّهُ نَقَلَ كَسْرَةَ الرَّاءِ إِلَيْهَا. (غَيْرَ بَاغٍ) : نُصِبَ عَلَى الْحَالِ. (وَلَا عَادٍ) : مَعْطُوفٌ عَلَى بَاغٍ، وَلَوْ جَاءَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ غَيْرَ جَازَ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)) .

стр. 143

قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْكِتَابِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ ; أَيْ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ كَائِنًا مِنَ الْكِتَابِ. وَ (إِلَّا النَّارَ) : مَفْعُولُ «يَأْكُلُونَ» . (فِي بُطُونِهِمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ النَّارِ تَقْدِيرُهُ مَا يَأْكُلُونَ إِلَّا النَّارَ ثَابِتَةً أَوْ كَائِنَةً فِي بُطُونِهِمْ، وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْحَالُ مُقَدَّرَةً ; لِأَنَّهَا وَقْتَ الْأَكْلِ لَيْسَتْ فِي بُطُونِهِمْ، وَإِنَّمَا يَئُولُ إِلَى ذَلِكَ، وَالْجَيِّدُ أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِيَأْكُلُونِ، وَفِيهِ تَقْدِيرُ حَذْفِ مُضَافٍ ; أَيْ فِي طَرِيقِ بُطُونِهِمْ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْحَالِ عَلَى حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا وَفِي بُطُونِهِمْ حَالًا مِنْهُ أَوْ صِفَةً لَهُ ; أَيْ فِي بُطُونِهِمْ شَيْئًا، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْمَعْنَى عَلَى الْمَجَازِ وَلِلْإِعْرَابِ حُكْمُ اللَّفْظِ. قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ) : «مَا» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَالْكَلَامُ تَعَجُبٌ عَجَّبَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَصْبَرَ فِعْلٌ فِيهِ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ، وَهُوَ الْعَائِدُ عَلَى مَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا اسْتِفْهَامًا هُنَا، وَحُكْمُهَا فِي الْإِعْرَابِ كَحُكْمِهَا إِذَا كَانَتْ تَعَجُّبًا، وَهِيَ نَكِرَةٌ غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ تَامَّةٌ بِنَفْسِهَا. وَقِيلَ هِيَ نَفْيٌ أَيْ فَمَا أَصْبَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ. . . . . . (١٧٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «بِأَنَّ اللَّهَ» الْخَبَرُ ; وَالتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ الْعَذَابُ مُسْتَحَقٌّ بِمَا نَزَّلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مِنَ اسْتِحْقَاقِ عُقُوبَةِ الْكَافِرِ فَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ.

стр. 144

قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَيْسَ الْبِرَّ) : يُقْرَأُ بِرَفْعِ الرَّاءِ فَيَكُونُ: أَنْ تُوَلُّوا خَبَرَ لَيْسَ، وَقَوِيَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ تَقْدِيمُ الْفَاعِلِ عَلَى الْمَفْعُولِ. وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، وَأَنْ تُوَلُّوا اسْمَهَا، وَقَوِيَ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ قَرَأَ بِهِ ; لِأَنَّ (أَنْ تُوَلُّوا) أَعْرَفُ مِنَ الْبِرِّ، إِذْ كَانَ كَالْمُضْمَرِ فِي أَنَّهُ لَا يُوصَفُ، وَالْبِرُّ يُوصَفُ، وَمِنْ هُنَا قَوِيَتِ الْقِرَاءَةُ بِالنَّصْبِ فِي قَوْلِهِ: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ) . (قِبَلَ الْمَشْرِقِ) : ظَرْفٌ. وَلَكِنَّ الْبِرَّ يُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَنَصْبِ الْبِرِّ، وَبِتَخْفِيفِ النُّونِ وَرَفْعِ الْبِرِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَفِي التَّقْدِيرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبِرَّ هُنَا اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَرَّ يَبِرُّ، وَأَصْلُهُ بَرِرَ مِثْلُ فَطِنَ، فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الرَّاءِ إِلَى الْبَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ، مِثْلُ عَدْلٍ، فَصَارَ كَالْجُثَّةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ مَنْ آمَنَ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ لِحَذْفِ الْمُضَافِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْبِرَّ مَصْدَرٌ وَمَنْ آمَنَ جُثَّةٌ فَالْخَبَرُ غَيْرُ الْمُبْتَدَأِ فِي الْمَعْنَى فَيُقَدَّرُ مَا يَصِيرُ بِهِ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ.

стр. 145

(وَالْكِتَابِ) : هُنَا مُفْرَدُ اللَّفْظِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا ; وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِالْوَاحِدِ عَنِ الْجَمْعِ وَهُوَ يُرِيدُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُرْآنُ ; لِأَنَّ مَنْ آمَنَ بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِكُلِّ الْكُتُبِ ; لِأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهَا بِالصِّدْقِ. (عَلَى حُبِّهِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ; أَيْ آتَى الْمَالَ مُحِبًّا، وَالْحُبُّ مَصْدَرُ حَبَبْتُ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي أَحْبَبْتُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرُ أَحْبَبْتُ عَلَى حَذْفِ الزِّيَادَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْإِحْبَابُ. وَالْهَاءُ ضَمِيرُ الْمَالِ. أَوْ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ، أَوْ ضَمِيرُ الْإِيتَاءِ ; فَعَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ يَكُونُ الْمَصْدَرُ مُضَافًا إِلَى الْمَفْعُولِ. وَ (ذَوِي الْقُرْبَى) : مَنْصُوبٌ بِآتَى، لَا بِالْمَصْدَرِ ; لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَقَدِ اسْتَوْفَاهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ ضَمِيرَ مَنْ فَيَكُونُ الْمَصْدَرُ مُضَافًا إِلَى الْفَاعِلِ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَوِي الْقُرْبَى مَفْعُولَ الْمَصْدَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ آتَى، وَيَكُونُ مَفْعُولُ الْمَصْدَرِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ إِيَّاهُ ذَوِي الْقُرْبَى. (وَابْنَ السَّبِيلِ) : مُفْرَدٌ فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ جِنْسٌ أَوْ وَاحِدٌ فِي اللَّفْظِ مَوْضِعَ الْجَمْعِ. (وَفِي الرِّقَابِ) : أَيْ فِي تَخْلِيصِ الرِّقَابِ، أَوْ عِتْقِ الرِّقَابِ، وَ «فِي» مُتَعَلِّقَةٌ بِآتَى. (وَالْمُوفُونَ) : فِي رَفْعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَنْ آمَنَ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُوفُونَ.
следующие страницы →