← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَلَامُ أَلْفَيْنَا وَاوٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا لَوْ جَهِلَ مِنَ اللَّامَاتِ، أَنْ يَكُونَ وَاوًا. (أَوَلَوْ) الْوَاوُ لِلْعَطْفِ، وَالْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ، وَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَفَكَانُوا يَتْبَعُونَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) : مَثَلُ مُبْتَدَأٌ، وَ (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ) : خَبَرُهُ. وَفِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ ; تَقْدِيرُهُ: دَاعِي الَّذِينَ كَفَرُوا ; أَيْ مَثَلُ دَاعِيهِمْ إِلَى الْهُدَى ; كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِالْغَنَمِ ; وَإِنَّمَا قُدِّرَ ذَلِكَ لِيَصِحَّ التَّشْبِيهُ، فَادَّعَى الَّذِينَ كَفَرُوا كَالنَّاعِقِ بِالْغَنَمِ، وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَالْغَنَمِ الْمَنْعُوقِ بِهَا. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: لَمَّا أَرَادَ تَشْبِيهَ الْكُفَّارِ وَدَاعِيهِمْ، بِالْغَنَمِ وَدَاعِيهَا، قَابَلَ أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ بِالْآخَرِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ الْمَعْنَى. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي دُعَائِكَ إِيَّاهُمْ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: مَثَلُ الْكَافِرِينَ فِي دُعَائِهِمُ الْأَصْنَامَ كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِالْغَنَمِ. (إِلَّا دُعَاءً) : مَنْصُوبٌ بِـ (يَسْمَعُ) . وَإِلَّا قَدْ فَرَغَ قَبْلَهَا الْعَامِلُ مِنَ الْمَفْعُولِ. وَقِيلَ إِلَّا زَائِدَةٌ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَسْمَعُ دُعَاءً، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْمَعْنَى بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا صَوْتًا: (صُمٌّ) : أَيْ هُمْ صُمٌّ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ (١٧٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ) : الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ كُلُوا رِزْقَكُمْ، وَعِنْدَ الْأَخْفَشِ مِنْ زَائِدَةٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) : تُقْرَأُ الْمَيْتَةَ بِالنَّصْبِ، فَتَكُونُ مَا هَاهُنَا كَافَّةً، وَالْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ.

стр. 142

وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنْ تَكُونَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْمَيْتَةُ خَبَرُ إِنَّ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: حَرَّمَهُ اللَّهُ. وَيُقْرَأُ حُرِّمَ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْمَيْتَةُ خَبَرَ إِنَّ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَافَّةً وَالْمَيْتَةُ الْمَفْعُولَ الْقَائِمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَالْأَصْلُ الْمَيِّتَةُ بِالتَّشْدِيدِ ; لِأَنَّ بِنَاءَهُ فَيْعَلَةٌ، وَالْأَصْلُ مَيْوَتَةٌ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْيَاءُ وَالْوَاوُ وَسَبَقَتِ الْأُولَى بِالسُّكُونِ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ أَخْرَجَهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ خَفَّفَ حَذَفَ الْوَاوَ الَّتِي هِيَ عَيْنٌ، وَمِثْلُهُ سَيْدٌ وَهَيْنٌ فِي سَيِّدٍ وَهَيِّنٍ. وَلَامُ (وَالدَّمَ) : يَاءٌ مَحْذُوفَةٌ حُذِفَتْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ. وَالنُّونُ فِي (خِنْزِيرٍ) أَصْلٌ، وَهُوَ عَلَى مِثَالٍ غَرِيبٍ ; وَقِيلَ هِيَ زَائِدَةٌ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَزْرِ. (فَمَنِ اضْطُرَّ) : مَنْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ وَهِيَ شَرْطٌ، وَاضْطُرَّ فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِهَا، وَالْجَوَابُ «فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ النُّونِ عَلَى أَصْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَبِضَمِّهَا إِتْبَاعًا لِضَمَّةِ الطَّاءِ، وَالْحَاجِزُ غَيْرُ حَصِينٍ لِسُكُونِهِ وَضُمَّتِ الطَّاءُ عَلَى الْأَصْلِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ اضْطُرِرَ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الطَّاءِ ; وَوَجْهُهَا أَنَّهُ نَقَلَ كَسْرَةَ الرَّاءِ إِلَيْهَا. (غَيْرَ بَاغٍ) : نُصِبَ عَلَى الْحَالِ. (وَلَا عَادٍ) : مَعْطُوفٌ عَلَى بَاغٍ، وَلَوْ جَاءَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ غَيْرَ جَازَ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)) .

стр. 143

قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْكِتَابِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ ; أَيْ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ كَائِنًا مِنَ الْكِتَابِ. وَ (إِلَّا النَّارَ) : مَفْعُولُ «يَأْكُلُونَ» . (فِي بُطُونِهِمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ النَّارِ تَقْدِيرُهُ مَا يَأْكُلُونَ إِلَّا النَّارَ ثَابِتَةً أَوْ كَائِنَةً فِي بُطُونِهِمْ، وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْحَالُ مُقَدَّرَةً ; لِأَنَّهَا وَقْتَ الْأَكْلِ لَيْسَتْ فِي بُطُونِهِمْ، وَإِنَّمَا يَئُولُ إِلَى ذَلِكَ، وَالْجَيِّدُ أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِيَأْكُلُونِ، وَفِيهِ تَقْدِيرُ حَذْفِ مُضَافٍ ; أَيْ فِي طَرِيقِ بُطُونِهِمْ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْحَالِ عَلَى حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا وَفِي بُطُونِهِمْ حَالًا مِنْهُ أَوْ صِفَةً لَهُ ; أَيْ فِي بُطُونِهِمْ شَيْئًا، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْمَعْنَى عَلَى الْمَجَازِ وَلِلْإِعْرَابِ حُكْمُ اللَّفْظِ. قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ) : «مَا» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَالْكَلَامُ تَعَجُبٌ عَجَّبَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَصْبَرَ فِعْلٌ فِيهِ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ، وَهُوَ الْعَائِدُ عَلَى مَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا اسْتِفْهَامًا هُنَا، وَحُكْمُهَا فِي الْإِعْرَابِ كَحُكْمِهَا إِذَا كَانَتْ تَعَجُّبًا، وَهِيَ نَكِرَةٌ غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ تَامَّةٌ بِنَفْسِهَا. وَقِيلَ هِيَ نَفْيٌ أَيْ فَمَا أَصْبَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ. . . . . . (١٧٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «بِأَنَّ اللَّهَ» الْخَبَرُ ; وَالتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ الْعَذَابُ مُسْتَحَقٌّ بِمَا نَزَّلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مِنَ اسْتِحْقَاقِ عُقُوبَةِ الْكَافِرِ فَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ.

стр. 144

قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَيْسَ الْبِرَّ) : يُقْرَأُ بِرَفْعِ الرَّاءِ فَيَكُونُ: أَنْ تُوَلُّوا خَبَرَ لَيْسَ، وَقَوِيَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ تَقْدِيمُ الْفَاعِلِ عَلَى الْمَفْعُولِ. وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، وَأَنْ تُوَلُّوا اسْمَهَا، وَقَوِيَ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ قَرَأَ بِهِ ; لِأَنَّ (أَنْ تُوَلُّوا) أَعْرَفُ مِنَ الْبِرِّ، إِذْ كَانَ كَالْمُضْمَرِ فِي أَنَّهُ لَا يُوصَفُ، وَالْبِرُّ يُوصَفُ، وَمِنْ هُنَا قَوِيَتِ الْقِرَاءَةُ بِالنَّصْبِ فِي قَوْلِهِ: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ) . (قِبَلَ الْمَشْرِقِ) : ظَرْفٌ. وَلَكِنَّ الْبِرَّ يُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَنَصْبِ الْبِرِّ، وَبِتَخْفِيفِ النُّونِ وَرَفْعِ الْبِرِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَفِي التَّقْدِيرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبِرَّ هُنَا اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَرَّ يَبِرُّ، وَأَصْلُهُ بَرِرَ مِثْلُ فَطِنَ، فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الرَّاءِ إِلَى الْبَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ، مِثْلُ عَدْلٍ، فَصَارَ كَالْجُثَّةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ مَنْ آمَنَ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ لِحَذْفِ الْمُضَافِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْبِرَّ مَصْدَرٌ وَمَنْ آمَنَ جُثَّةٌ فَالْخَبَرُ غَيْرُ الْمُبْتَدَأِ فِي الْمَعْنَى فَيُقَدَّرُ مَا يَصِيرُ بِهِ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ.

стр. 145

(وَالْكِتَابِ) : هُنَا مُفْرَدُ اللَّفْظِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا ; وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِالْوَاحِدِ عَنِ الْجَمْعِ وَهُوَ يُرِيدُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُرْآنُ ; لِأَنَّ مَنْ آمَنَ بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِكُلِّ الْكُتُبِ ; لِأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهَا بِالصِّدْقِ. (عَلَى حُبِّهِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ; أَيْ آتَى الْمَالَ مُحِبًّا، وَالْحُبُّ مَصْدَرُ حَبَبْتُ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي أَحْبَبْتُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرُ أَحْبَبْتُ عَلَى حَذْفِ الزِّيَادَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْإِحْبَابُ. وَالْهَاءُ ضَمِيرُ الْمَالِ. أَوْ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ، أَوْ ضَمِيرُ الْإِيتَاءِ ; فَعَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ يَكُونُ الْمَصْدَرُ مُضَافًا إِلَى الْمَفْعُولِ. وَ (ذَوِي الْقُرْبَى) : مَنْصُوبٌ بِآتَى، لَا بِالْمَصْدَرِ ; لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَقَدِ اسْتَوْفَاهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ ضَمِيرَ مَنْ فَيَكُونُ الْمَصْدَرُ مُضَافًا إِلَى الْفَاعِلِ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَوِي الْقُرْبَى مَفْعُولَ الْمَصْدَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ آتَى، وَيَكُونُ مَفْعُولُ الْمَصْدَرِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ إِيَّاهُ ذَوِي الْقُرْبَى. (وَابْنَ السَّبِيلِ) : مُفْرَدٌ فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ جِنْسٌ أَوْ وَاحِدٌ فِي اللَّفْظِ مَوْضِعَ الْجَمْعِ. (وَفِي الرِّقَابِ) : أَيْ فِي تَخْلِيصِ الرِّقَابِ، أَوْ عِتْقِ الرِّقَابِ، وَ «فِي» مُتَعَلِّقَةٌ بِآتَى. (وَالْمُوفُونَ) : فِي رَفْعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَنْ آمَنَ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُوفُونَ.

стр. 146

وَالثَّانِي: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَهُمُ الْمُوفُونَ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ يَنْتَصِبُ «الصَّابِرِينَ» عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى مَعْطُوفٌ عَلَى مَنْ، وَلَكِنْ جَازَ النَّصْبُ لَمَّا تَكَرَّرَتِ الصِّفَاتُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى ذَوِي الْقُرْبَى لِئَلَّا يَفْصِلَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ فِي حُكْمِ الصِّلَةِ بِالْأَجْنَبِيِّ وَهُمُ الْمُوفُونَ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُعْطَفَ الْمُوفُونَ عَلَى الضَّمِيرِ فِي آمَنَ وَجَرَى طُولُ الْكَلَامِ مَجْرَى تَوْكِيدِ الضَّمِيرِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ «الصَّابِرِينَ» عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي، وَبِالْعَطْفِ عَلَى ذَوِي الْقُرْبَى ; لِأَنَّ الْمُوفُونَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ دَاخِلٌ فِي الصِّلَةِ. (وَحِينَ الْبَأْسِ) : ظَرْفٌ لِلصَّابِرِينَ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ; وَالتَّقْدِيرُ: الْحُرُّ مَأْخُوذٌ بِالْحُرِّ. (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ) : مَنْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي. وَالْخَبَرُ: (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) : وَالتَّقْدِيرُ: فَعَلَيْهِ اتِّبَاعٌ. وَ (مِنْ أَخِيهِ) : أَيٌّ مِنْ دَمِ أَخِيهِ، وَ «مِنْ» كِنَايَةٌ عَنْ وَلِيِّ الْقَاتِلِ ; أَيْ مَنْ جُعِلَ لَهُ مِنْ دَمِ أَخِيهِ بَدَلٌ، وَهُوَ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ. وَ (شَيْءٌ) : كِنَايَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْمُسْتَحَقِّ. وَقِيلَ «مِنْ» كِنَايَةٌ عَنِ الْقَاتِلِ ; وَالْمَعْنَى إِذَا عُفِيَ عَنِ الْقَاتِلِ فَقُبِلَتْ مِنْهُ الدِّيَةُ. وَقِيلَ: شَيْءٌ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ ; أَيْ مَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ عَفْوٌ ; كَمَا قَالَ: «لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا» ; أَيْ ضَيْرًا. (

стр. 147

وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ) : أَيْ إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ. (بِإِحْسَانٍ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأَدَاءٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَصْدَرِ، وَكَذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ، أَيْ فَعَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ عَادِلًا وَمُحْسِنًا، وَالْعَامِلُ فِي الْحَالِ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ. (فَمَنِ اعْتَدَى) : شَرْطٌ «فَلَهُ» جَوَابُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي. قَالَ تَعَالَى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) : يُقَالُ فِي الرَّفْعِ بِالْوَاوِ ; وَأُولِي بِالْيَاءِ فِي الْجَرِّ وَالنَّصْبِ، مِثْلُ ذَوُو، وَأُولُو جَمْعٌ، وَاحِدُهُ ذُو، مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ، وَلَيْسَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهِ. قَالَ تَعَالَى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ) : الْعَامِلُ فِي إِذَا كُتِبَ وَالْمُرَادُ بِحُضُورِ الْمَوْتِ حُضُورُ أَسْبَابِهِ وَمُقَدِّمَاتِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي فُرِضَتِ الْوَصِيَّةُ فِيهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْكُتُبِ حَقِيقَةَ الْخَطِّ فِي اللَّوْحِ بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى» وَنَحْوِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي إِذَا مَعْنَى الْإِصَاءِ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْوَصِيَّةُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ لَفْظُ الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ ; لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ، وَالْمَصْدَرُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ مَعْمُولُهُ، وَهَذَا الَّذِي يُسَمَّى التَّبْيِينُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) : فَجَوَابُهُ عِنْدَ الْأَخْفَشِ «الْوَصِيَّةُ» وَتُحْذَفُ الْفَاءُ ; أَيْ فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ. مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلَانِ.

стр. 148

فَالْوَصِيَّةُ عَلَى هَذَا مُبْتَدَأٌ وَ «وَلِلْوَالِدَيْنِ» خَبَرُهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ جَوَابُ الشَّرْطِ فِي الْمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَعْنَى كَتْبِ الْوَصِيَّةِ ; كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ ظَالِمٌ إِنْ فَعَلْتَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ الشَّرْطِ مَعْنَى الْإِيصَاءِ لَا مَعْنَى الْكَتْبِ، وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ رَفَعَ الْوَصِيَّةَ بِكُتِبَ، وَهُوَ الْوَجْهُ، وَقِيلَ الْمَرْفُوعُ بِكُتِبَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ، وَهُوَ عَلَيْكُمْ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. (بِالْمَعْرُوفِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ; أَيْ مُلْتَبِسَةٌ بِالْمَعْرُوفِ لَا جَوْرَ فِيهَا. (حَقًّا) : مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ; أَيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ كَتْبًا حَقًّا، أَوْ إِيصَاءً حَقًّا. وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ الرَّفْعُ بِمَعْنَى ; ذَلِكَ حَقٌّ. وَ (عَلَى الْمُتَّقِينَ) : صِفَةٌ لِحَقٍّ. وَقِيلَ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الْمَصْدَرِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الْمُؤَكِّدَ لَا يَعْمَلُ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ الْمَصْدَرُ الْمُنْتَصِبُ بِالْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ إِذَا نَابَ عَنْهُ ; كَقَوْلِكَ: ضَرْبًا زَيْدًا أَيِ اضْرِبْ. قَالَ تَعَالَى: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. . . . . . . . (١٨١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَنْ بَدَّلَهُ) : مَنْ شَرْطٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ وَالْهَاءُ ضَمِيرُ الْإِيصَاءِ ; لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْوَصِيَّةِ، وَقِيلَ هُوَ ضَمِيرُ الْكَتْبِ، وَقِيلَ هُوَ ضَمِيرُ الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ، أَوِ الْحُكْمُ الْمَأْمُورُ بِهِ، وَقِيلَ هُوَ ضَمِيرُ الْمَعْرُوفِ. وَقِيلَ ضَمِيرُ الْحَقِّ. (بَعْدَمَا سَمِعَهُ) : مَا مَصْدَرِيَّةٌ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي ; أَيْ بَعْدَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّبْدِيلِ. وَالْهَاءُ فِي: (إِثْمُهُ) : ضَمِيرُ التَّبْدِيلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ بَدَّلَ.

стр. 149

قَالَ تَعَالَى: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا. . . (١٨٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ مُوصٍ) : يُقْرَأُ بِسُكُونِ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ، وَهُوَ مِنْ أَوْصَى، وَبِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ، وَهُوَ مِنْ وَصَّى، وَكِلْتَاهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَلَا يُرَادُ بِالتَّشْدِيدِ هُنَا التَّكْثِيرُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ إِذَا شُدِّدَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّشْدِيدُ نَظِيرَ الْهَمْزَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَمِثْلُهُ نَزَلَ وَأَنْزَلَ. وَ (مِنْ) : مُتَعَلِّقَةٌ بِخَافَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلَى أَنْ تُجْعَلَ صِفَةً لِجَنَفٍ فِي الْأَصْلِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فَمَنْ خَافَ جَنَفًا كَائِنًا مِنْ مُوصٍ فَإِذَا قُدِّمَ انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ، وَمِثْلُهُ أَخَذْتُ مِنْ زَيْدٍ مَالًا إِنْ شِئْتَ عَلَّقْتَ: مِنْ بِأَخَذْتُ، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ التَّقْدِيرُ مَالًا كَائِنًا مِنْ زَيْدٍ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. . . . . . (١٨٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) : الْمَفْعُولُ الْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَفِي مَوْضِعِ الْكَافِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هِيَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِلْكَتْبِ ; أَيْ كَتْبًا كَمَا كُتِبَ ; فَمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَصْدَرِيَّةٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ صِفَةُ الصَّوْمِ ; أَيْ صَوْمًا مِثْلَ مَا كُتِبَ، فَمَا عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الَّذِي، أَيْ صَوْمًا مُمَاثِلًا لِلصَّوْمِ الْمَكْتُوبِ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ، وَصَوْمٌ هُنَا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الصِّيَامَ بِمَعْنَى أَنْ تَصُومُوا صَوْمًا. وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ حَالٍ مِنَ الصِّيَامِ ; أَيْ مُشْبِهًا لِلَّذِي كُتِبَ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةً لِلصِّيَامِ.

стр. 150

فَانٍ قِيلَ: الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ نَكِرَةٌ، وَالصِّيَامُ مَعْرِفَةٌ، وَالنَّكِرَةُ لَا تَكُونُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ. قِيلَ لَمَّا لَمْ يُرِدْ بِالصِّيَامِ صِيَامًا مُعَيَّنًا كَانَ كَالْمُنَكَّرِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا نَحْوَ ذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ الصِّيَامَ مَصْدَرٌ، وَالْمَصْدَرُ جِنْسٌ، وَتَعْرِيفُ الْجِنْسِ قَرِيبٌ مِنْ تَنْكِيرِهِ. قَالَ تَعَالَى: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٧٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) : لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِمَصْدَرِ «كُتِبَ» الْأُولَى لَا عَلَى الظَّرْفِ، وَلَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى السِّعَةِ ; لِأَنَّ الْكَافَ فِي كَمَا وَصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَالْمَصْدَرُ إِذَا وُصِفَ لَمْ يَعْمَلْ، وَكَذَلِكَ اسْمُ الْفَاعِلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِالصِّيَامِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَيَّامٍ بِقَوْلِهِ: «كَمَا كُتِبَ» وَيَعْمَلُ فِيهِ الْمَصْدَرُ كَالصِّلَةِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ بِأَجْنَبِيٍّ، وَإِنْ جُعِلَتْ صِفَةَ الصِّيَامِ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْمَصْدَرَ إِذَا وُصِفَ لَا يَعْمَلُ. وَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي أَيَّامٍ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: صُومُوا أَيَّامًا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَيَّامًا ظَرْفًا ; لِأَنَّ الظَّرْفَ يَعْمَلُ فِيهِ الْمَعْنَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ أَيَّامًا بِكُتِبَ ; لِأَنَّ الصِّيَامَ مَرْفُوعٌ بِهِ، وَكَمَا إِمَّا مَصْدَرٌ لِكُتِبَ، أَوْ نَعْتٌ لِلصِّيَامِ وَكِلَاهُمَا لَا يَمْنَعُ عَمَلَ الْفِعْلِ، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا وَمَفْعُولًا بِهِ عَلَى السِّعَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ عَلَى سَفَرٍ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَعْطُوفًا عَلَى خَبَرِ كَانَ تَقْدِيرُهُ أَوْ كَانَ

стр. 151

مُسَافِرًا ; وَإِنَّمَا دَخَلَتْ عَلَى هَاهُنَا ; لِأَنَّ الْمُسَافِرَ عَازِمٌ عَلَى إِتْمَامِ سَفَرِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أَوْ كَانَ عَازِمًا عَلَى إِتْمَامِ سَفَرٍ، وَسَفَرٌ هُنَا نَكِرَةٌ يُرَادُ بِهِ سَفَرٌ مُعَيَّنٌ وَهُوَ السَّفَرُ إِلَى الْمَسَافَةِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الشَّرْعِ. (فَعِدَّةٌ) : مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، وَفِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ; أَيْ صَوْمُ عِدَّةٍ، وَلَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فَلْيَصُمْ عِدَّةً. وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأَفْطَرَ فَعَلَيْهِ. وَ (مِنْ أَيَّامٍ) : نَعْتٌ لِعِدَّةٍ وَ (أُخَرَ) : لَا يَنْصَرِفُ لِلْوَصْفِ وَالْعَدْلِ عَنِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي فُعْلَى صِفَةً أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الْجَمْعِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، كَالْكُبْرَى وَالْكُبَرِ، وَالصُّغْرَى وَالصُّغَرِ. (يُطِيقُونَهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالْيَاءِ. وَقُرِئَ: «يُطَوَّقُونَهُ» بِوَاوٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَهُوَ مِنَ الطَّوْقِ الَّذِي هُوَ قَدْرُ الْوُسْعِ، وَالْمَعْنَى يُكْلَفُونَهُ. (فِدْيَةٌ) : يُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ وَ «طَعَامُ» بِالرَّفْعِ بَدَلًا مِنْهَا، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ ; أَيْ هِيَ طَعَامٌ. وَ (مِسْكِينٍ) : بِالْإِفْرَادِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا يَلْزَمُ بِإِفْطَارِ كُلِّ يَوْمٍ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ. وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. وَطَعَامٌ بِالْجَرِّ، وَمَسَاكِينُ بِالْجَمْعِ، وَإِضَافَةُ الْفِدْيَةِ إِلَى الطَّعَامِ، إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى جِنْسِهِ ; كَقَوْلِكَ خَاتَمُ فِضَّةٍ ; لِأَنَّ طَعَامَ الْمِسْكِينِ يَكُونُ فِدْيَةً وَغَيْرَ فِدْيَةٍ، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْمَسَاكِينَ ; لِأَنَّهُ جَمَعَ فِي قَوْلِهِ: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» فَقَابَلَ الْجَمْعَ بِالْجَمْعِ، وَلَمْ يَجْمَعْ فِدْيَةً ; لِأَمْرَيْنِ:

стр. 152

أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَصْدَرٌ، وَالْهَاءُ فِيهَا لَا تَدُلُّ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، بَلْ هِيَ لِلتَّأْنِيثِ فَقَطْ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا أَضَافَهَا إِلَى مُضَافٍ إِلَى الْجَمْعِ فُهِمَ مِنْهَا الْجَمْعُ، وَالطَّعَامُ هُنَا بِمَعْنَى الْإِطْعَامِ، كَالْعَطَاءِ بِمَعْنَى الْإِعْطَاءِ، وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ هُوَ الْمَطْعُومُ ; لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى الْمِسْكِينِ، وَلَيْسَ الطَّعَامُ لِلْمِسْكِينِ قَبْلَ تَمْلِيكِهِ إِيَّاهُ، فَلَوْ حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ مَجَازًا ; لِأَنَّهُ يَكُونُ تَقْدِيرُهُ فَعَلَيْهِ إِخْرَاجُ طَعَامٍ يَصِيرُ لِلْمَسَاكِينِ وَلَوْ حُمِلَتِ الْآيَةُ عَلَيْهِ لَمْ يَمْتَنِعْ ; لِأَنَّ حَذْفَ الْمُضَافِ جَائِزٌ وَتَسْمِيَةَ الشَّيْءِ بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ جَائِزٌ. (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) : الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى التَّطَوُّعِ، وَلَمْ يُذْكَرْ لَفْظُهُ بَلْ هُوَ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ. (وَأَنْ تَصُومُوا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ ; وَ «خَيْرٌ» خَبَرُهُ ; وَ «لَكُمْ» نَعْتٌ لِخَيْرٍ وَ «إِنْ كُنْتُمْ» شَرْطٌ مَحْذُوفُ الْجَوَابِ وَالدَّالُّ عَلَى الْمَحْذُوفِ أَنْ تَصُومُوا. قَالَ تَعَالَى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ (١٨٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (شَهْرُ رَمَضَانَ) : فِي رَفْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هِيَ شَهْرٌ يَعْنِي الْأَيَّامَ الْمَعْدُودَاتِ ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ: (الَّذِي أُنْزِلَ) : نَعْتًا لِلشَّهْرِ أَوْ لِرَمَضَانَ. وَالثَّانِي: هُوَ مُبْتَدَأٌ، ثُمَّ فِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الَّذِي أُنْزِلَ، وَالثَّانِي: أَنَّ الَّذِي أُنْزِلَ صِفَةٌ وَالْخَبَرُ هُوَ الْجُمْلَةُ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ: فَمَنْ شَهِدَ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ خَبَرًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْفَاءُ ; لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ لَا يُشْبِهُ الشَّرْطَ

стр. 153

قِيلَ الْفَاءُ عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ زَائِدَةٌ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ لَيْسَتْ زَائِدَةً ; وَإِنَّمَا دَخَلَتْ لِأَنَّكَ وَصَفْتَ الشَّهْرَ بِالَّذِي فَدَخَلَتِ الْفَاءُ كَمَا تَدْخُلُ فِي خَبَرِ نَفْسِ الَّذِي ; وَمِثْلُهُ: «قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ» . فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ الضَّمِيرُ الْعَائِدُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ مِنَ الْجُمْلَةِ؟ . قِيلَ: وُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَهُ تَفَخُّمًا ; أَيْ فَمَنْ شَهِدَهُ مِنْكُمْ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: لَا أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتُ شَيْءٌ بَغَّضَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا. أَيْ لَا يَسْبِقُهُ شَيْءٌ. وَمَنْ هُنَا شَرْطِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ ; وَمَا بَعْدَهَا الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، فَيَكُونُ الْخَبَرُ فَلْيَصُمْهُ. وَ (مِنْكُمْ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ ; وَمَفْعُولُ شَهِدَ مَحْذُوفٌ أَيْ شَهِدَ الْمِصْرَ. وَ (الشَّهْرَ) : ظَرْفٌ، أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى السِّعَةِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَمَنْ شَهِدَ هِلَالَ الشَّهْرِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ الصَّحِيحِ وَالَّذِي يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ الْحَاضِرُ بِالْمِصْرِ إِذَا كَانَ صَحِيحًا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هِلَالُ الشَّهْرِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الشَّهْرُ مَفْعُولًا بِهِ صَرِيحًا لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْهِلَالِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا قَدَّمْنَا مِنْ لُزُومِ الصَّوْمِ عَلَى الْعُمُومِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنَّ شَهِدَ بِمَعْنَى حَضَرَ، وَلَا يُقَالُ حَضَرْتُ هِلَالَ الشَّهْرِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ شَاهَدْتُ الْهِلَالَ وَالْهَاءُ فِي (فَلْيَصُمْهُ) : ضَمِيرُ الشَّهْرِ، وَهِيَ مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى السِّعَةِ، وَلَيْسَتْ ظَرْفًا، إِذْ لَوْ كَانَتْ ظَرْفًا لَكَانَتْ مَعَهَا فِي ; لِأَنَّ ضَمِيرَ الظَّرْفِ لَا يَكُونُ ظَرْفًا بِنَفْسِهِ. وَيُقْرَأُ «شَهْرُ رَمَضَانَ» بِالنَّصْبِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:

стр. 154

أَحَدُهَا: أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) وَالثَّانِي: عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي (شَهْرَ) . وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِـ (تَعْلَمُونَ) ; أَيْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَرَفَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَيُقْرَأُ فِي الشَّاذِّ شَهْرِي رَمَضَانَ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) : فَالْمَعْنَى فِي فَضْلِهِ، كَمَا تَقُولُ أُنْزِلَ فِي الشَّيْءِ آيَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ ظَرْفٌ ; أَيْ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. وَ (هُدًى) ; وَ (بَيِّنَاتٍ) : حَالَانِ مِنَ الْقُرْآنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) : الْبَاءُ هُنَا لِلْإِلْصَاقِ ; وَالْمَعْنَى يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ بِكُمُ الْيُسْرَ فِيمَا شَرَعَهُ لَكُمْ وَالتَّقْدِيرُ: يُرِيدُ اللَّهُ بِفِطْرِكُمْ فِي حَالِ الْعُذْرِ الْيُسْرَ. (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْيُسْرِ ; وَالتَّقْدِيرُ: لِأَنْ تُكْمِلُوا. وَاللَّامُ عَلَى هَذَا زَائِدَةٌ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [الْمَائِدَةِ: ٦] . وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لِيُسَهِّلَ عَلَيْكُمْ وَلِتُكْمِلُوا وَقِيلَ: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ فَعَلَ ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنِّي قَرِيبٌ) : أَيْ فَقُلْ لَهُمْ: إِنِّي ; لِأَنَّهُ جَوَابٌ: «إِذَا سَأَلَكَ» . وَ (أُجِيبُ) : خَبَرٌ ثَانٍ. وَ: (فَلْيَسْتَجِيبُوا) : بِمَعْنَى فَلْيُجِيبُوا ; كَمَا تَقُولُ: قَرَّ وَاسْتَقَرَّ بِمَعْنًى ; وَقَالُوا اسْتَجَابَهُ. بِمَعْنَى جَابَهُ. (لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الشِّينِ ; وَمَاضِيهِ رَشَدَ بِالْفَتْحِ.

стр. 155

وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وَمَاضِيهِ رَشِدَ بِكَسْرِهَا، وَهِيَ لُغَةٌ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الشِّينِ، وَمَاضِيهِ أَرْشَدَ ; أَيْ غَيْرُهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ) : لَيْلَةَ ظَرْفٌ لِأُحِلَّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِلرَّفَثِ مِنْ جِهَةِ الْإِعْرَابِ ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَصْدَرُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ مَعْمُولُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّيْلَةُ ظَرْفًا لِلرَّفَثِ عَلَى التَّبْيِينِ، وَالتَّقْدِيرُ: أُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَرْفُثُوا لَيْلَةَ الصِّيَامِ فَحَذَفَ وَجَعَلَ الْمَذْكُورَ مُبَيِّنًا لَهُ وَالْمُسْتَعْمَلُ الشَّائِعُ رَفَثَ بِالْمَرْأَةِ بِالْبَاءِ، وَإِنَّمَا جَاءَ هُنَا بِإِلَى ; لِأَنَّ مَعْنَى الرَّفَثِ الْإِفْضَاءُ، وَكَأَنَّهُ قَالَ الْإِفْضَاءَ. (إِلَى نِسَائِكُمْ) : وَالْهَمْزَةُ فِي نِسَاءٍ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ ; لِقَوْلِكَ فِي مَعْنَاهُ نِسْوَةٌ، وَهُوَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ بَلْ وَاحِدَتُهُ امْرَأَةٌ وَأَمَّا نِسَاءٌ فَجَمْعُ نِسْوَةٍ، وَقِيلَ: لَا وَاحِدَ لَهُ. (كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ) : كُنْتُمْ هُنَا لَفْظُهَا لَفْظُ الْمَاضِي، وَمَعْنَاهَا عَلَى الْمُضِيِّ أَيْضًا، وَالْمَعْنَى أَنَّ الِاخْتِيَانَ كَانَ يَقَعُ مِنْهُمْ فَتَابَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَرَادَ الِاخْتِيَانَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَذَكَرَ كَانَ لِيَحْكِيَ بِهَا الْحَالَ كَمَا تَقُولُ إِنْ فَعَلْتَ كُنْتَ ظَالِمًا وَأَلِفُ تَخْتَانُونَ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ خَانَ يَخُونُ، وَتَقُولُ فِي الْجَمْعِ خَوَنَةٌ. (فَالْآنَ) : حَقِيقَةُ الْآنَ الْوَقْتُ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ، وَقَدْ يَقَعُ عَلَى الْمَاضِي الْقَرِيبِ مِنْكَ، وَعَلَى الْمُسْتَقْبَلِ الْقَرِيبِ وُقُوعُهُ، تَنْزِيلًا لِلْقَرِيبِ مَنْزِلَةَ الْحَاضِرِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: «فَالْآنَ

стр. 156

بَاشِرُوهُنَّ» ; أَيْ فَالْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْكُمُ الْجِمَاعُ فِيهِ مِنَ اللَّيْلِ قَدْ أَبَحْنَاهُ لَكُمْ فِيهِ فَعَلَى هَذَا الْآنَ ظَرْفٌ لِـ «بَاشِرُوهُنَّ» . وَقِيلَ: الْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ: فَالْآنَ قَدْ أَبَحْنَا لَكُمْ أَنْ تُبَاشِرُوهُنَّ، وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ لَفْظُ الْأَمْرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْإِبَاحَةُ، فَعَلَى هَذَا الْآنَ عَلَى حَقِيقَتِهِ. (حَتَّى يَتَبَيَّنَ) : يُقَالُ تَبَيَّنَ الشَّيْءُ وَبَانَ، وَأَبَانَ، وَاسْتَبَانَ، كُلُّهُ لَازِمٌ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ أَبَانَ وَاسْتَبَانَ وَتَبَيَّنَ مُتَعَدِّيَةً، وَحَتَّى بِمَعْنَى إِلَى. وَ (مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأَنَّ الْمَعْنَى حَتَّى يُبَايِنَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ، كَمَا تَقُولُ بَانَتِ الْيَدُ مِنْ زَنْدِهَا ; أَيْ فَارَقَتْهُ. وَأَمَّا: (مِنَ الْفَجْرِ) : فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْأَبْيَضِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا، وَالْفَجْرُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ فَجَرَ يَفْجُرُ إِذَا شَقَّ. (إِلَى اللَّيْلِ) : إِلَى هَاهُنَا لِانْتِهَاءِ غَايَةِ الْإِتْمَامِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الصِّيَامِ لِيَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ. (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْمَعْنَى لَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَقَدْ نَوَيْتُمْ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ مُبَاشَرَتِهِنَّ فِي الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي غَيْرِ الِاعْتِكَافِ. (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) : دُخُولُ الْفَاءِ هُنَا عَاطِفَةً عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: تَنَبَّهُوا فَلَا تَقْرَبُوهَا. (كَذَلِكَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ بَيَانًا مِثْلَ هَذَا الْبَيَانِ يَبِينُ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)) .

стр. 157

قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَيْنَكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِتَأْكُلُوا لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا تَتَنَاقَلُوهَا فِيمَا بَيْنَكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْأَمْوَالِ ; أَيْ كَائِنَةٌ بَيْنَكُمْ، أَوْ دَائِرَةٌ بَيْنَكُمْ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ) [الْبَقَرَةِ: ٢٨٢] . وَ (بِالْبَاطِلِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَأْكُلُوا ; أَيْ لَا تَأْخُذُوهَا بِالسَّبَبِ الْبَاطِلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْأَمْوَالِ أَيْضًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ فِي تَأْكُلُوا ; أَيْ مُبْطِلِينَ. (وَتُدْلُوا) : مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلَى تَأْكُلُوا. وَاللَّامُ فِي (لِتَأْكُلُوا) : مُتَعَلِّقَةٌ بِتُدْلُوا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تُدْلُوا مَنْصُوبًا بِمَعْنَى الْجَمْعِ ; أَيْ لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ أَنْ تَأْكُلُوا وَتُدْلُوا وَ (بِالْإِثْمِ) : مِثْلُ بِالْبَاطِلِ. قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَنِ الْأَهِلَّةِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَحْرِيكِ النُّونِ، وَإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ اللَّامِ عَلَى الْأَصْلِ، وَيُقْرَأُ فِي الشُّذُوذِ بِإِدْغَامِ النُّونِ فِي اللَّامِ، وَحَذْفِ الْهَمْزَةِ، وَالْأَصْلُ الْأَهِلَّةُ فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى اللَّامِ فَتَحَرَّكَتْ، ثُمَّ حُذِفَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ لِتَحَرُّكِ اللَّامِ، فَصَارَتْ لَهِلَّةِ فَلَمَّا لَقِيَتِ النُّونُ اللَّامَ قُلِبَتِ النُّونُ لَامًا، وَأُدْغِمَتْ فِي اللَّامِ الْأُخْرَى وَمِثْلُهُ لَحْمَرُ فِي الْأَحْمَرِ، وَهِيَ لُغَةٌ. (

стр. 158

وَالْحَجِّ) : مَعْطُوفٌ عَلَى النَّاسِ. وَلَا اخْتِلَافَ فِي رَفْعِ «الْبِرُّ» هُنَا ; لِأَنَّ خَبَرَ لَيْسَ «بِأَنْ تَأْتُوا» وَلَزِمَ ذَلِكَ بِدُخُولِ الْبَاءِ فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا) إِذْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِأَحَدِهِمَا مَا يُعَيِّنُهُ اسْمًا أَوْ خَبَرًا. وَ (الْبُيُوتَ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الْبَاءِ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْجَمْعِ عَلَى فَعُولٍ، وَالْمُعْتَلُّ كَالصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا ضُمَّ أَوَّلُ هَذَا الْجَمْعِ لِيُشَاكِلَ ضَمَّةَ الثَّانِي، وَالْوَاوَ بَعْدَهُ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْبَاءِ ; لِأَنَّ بَعْدَهُ يَاءً، وَالْكَسْرَةُ مَنْ جِنْسِ الْيَاءِ، وَلَا يُحْتَفَلُ بِالْخُرُوجِ مِنْ كَسْرٍ إِلَى ضَمٍّ ; لِأَنَّ الضَّمَّةَ هُنَا فِي الْيَاءِ، وَالْيَاءُ مُقَدَّرَةٌ بِكَسْرَتَيْنِ، فَكَانَتِ الْكَسْرَةُ فِي الْبَاءِ كَأَنَّهَا وَلِيَتْ كَسْرَةً، هَكَذَا الْخِلَافُ فِي الْغُيُوبِ وَالْجُيُوبِ، وَالشُّيُوخِ وَمِنْ هَاهُنَا جَازَ فِي التَّصْغِيرِ الضَّمُّ وَالْكَسْرُ، فَيُقَالُ: بُيَيْتٌ وَبِيَيْتٌ. (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) : مِثْلُ «وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ» وَقَدْ تَقَدَّمَ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)) . يُقْرَأُ ثَلَاثَتُهَا بِالْأَلِفِ، وَهُوَ نَهْيٌ عَنْ مُقَدِّمَاتِ الْقَتْلِ ; فَيَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْقَتْلِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى، وَهُوَ مُشَاكِلٌ لِقَوْلِهِ «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَيُقْرَأُ ثَلَاثَتُهَا بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهُوَ مَنْعٌ مِنْ نَفْسِ الْقَتْلِ، وَهُوَ مُشَاكِلٌ لِقَوْلِهِ «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ» وَلِقَوْلِهِ: «فَاقْتُلُوهُمْ» وَالتَّقْدِيرُ: فِي قَوْلِهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ ; أَيْ فِيهِ.

стр. 159

(كَذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ. وَ (جَزَاءُ) : خَبَرُهُ، وَالْجَزَاءُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوبِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ جَزَاءُ اللَّهِ الْكَافِرِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْمَرْفُوعِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَالتَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ يُجْزَى الْكَافِرُونَ وَهَكَذَا فِي كُلِّ مَصْدَرٍ يُشَاكِلُ هَذَا. قَالَ تَعَالَى: (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ; أَيْ لَهُمْ (١٩٢)) . قَالَ تَعَالَى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَتَّى لَا تَكُونَ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى كَيْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى إِلَى أَنْ، وَكَانَ هُنَا تَامَّةٌ. وَقَوْلُهُ: (وَيَكُونَ الدِّينُ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَانَ تَامَّةً، وَأَنْ تَكُونَ نَاقِصَةً وَيَكُونُ «لِلَّهِ» الْخَبَرُ. (إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرُ «لَا» وَدَخَلَتْ إِلَّا لِلْمَعْنَى: فَفِي الْإِثْبَاتِ تَقُولُ الْعُدْوَانُ عَلَى الظَّالِمِينَ، فَإِذَا جِئْتَ بِالنَّفْيِ، وَإِلَّا بَقِيَ الْإِعْرَابُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَنْ» شُرْطِيَّةٌ، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي. بِمِثْلِ الْبَاءِ غَيْرَ زَائِدَةٍ وَالتَّقْدِيرُ: بِعُقُوبَةٍ مُمَاثِلَةٍ لِعُدْوَانِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً، وَتَكُونَ مِثْلَ صِفَةٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ عُدْوَانًا مِثْلَ عُدْوَانِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)) .

стр. 160

قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِأَيْدِيكُمْ) : الْبَاءُ زَائِدَةٌ، يُقَالُ أَلْقَى يَدَهُ وَأَلْقَى بِيَدِهِ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: لَيْسَتْ زَائِدَةً بَلْ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِعْلِ كَمَرَرْتُ بِزَيْدٍ: وَالتَّهْلُكَةُ تَفْعُلَةٌ مِنَ الْهَلَاكِ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى النَّصْبِ، وَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَتِمُّوا، وَهِيَ لَامُ الْمَفْعُولِ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ تَقْدِيرُهُ: كَائِنِينَ لِلَّهِ. وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ. (فَمَا اسْتَيْسَرَ) : مَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ فَعَلَيْكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ خَبَرًا وَالْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ فَالْوَاجِبُ مَا اسْتَيْسَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ: مَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ تَقْدِيرُهُ: فَأَهْدُوا، أَوْ فَأَدُّوا، وَاسْتَيْسَرَ بِمَعْنَى تَيَسَّرَ، وَالسِّينُ لَيْسَتْ لِلِاسْتِدْعَاءِ هُنَا. وَ (الْهَدْيُ) : بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ مَصْدَرٌ. فِي الْأَصْلِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُهْدَى. وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ; وَهُوَ جَمْعُ هَدِيَّةٍ. وَقِيلَ: هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. وَ (الْمَحِلُّ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَكَانًا وَأَنْ يَكُونَ زَمَانًا. (فَفِدْيَةٌ) : فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ. (مِنْ صِيَامٍ) فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٌ لِلْفِدْيَةِ. وَ (أَوْ) : هَاهُنَا لِلتَّخْيِيرِ عَلَى أَصْلِهَا.

стр. 161

وَالنُّسُكُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ ; لِأَنَّهُ مِنْ نَسَكَ يَنْسُكُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا الْمُنْسُوكُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لَا مَصْدَرًا، وَيَجُوزُ تَسْكِينُ السِّينِ. (فَإِذَا أَمِنْتُمْ) : إِذَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. (فَمَنْ تَمَتَّعَ) : شَرْطٌ فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ. (فَمَا اسْتَيْسَرَ) : جَوَابُ فَمَنْ، وَمَنْ جَوَابُهَا جَوَابُ إِذَا وَالْعَامِلُ فِي إِذَا مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: فَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ ; أَيْ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْهَدْيُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي خَبَرِهَا إِيذَانًا بِأَنَّ مَا بَعْدَهَا مُسْتَحَقٌّ بِالتَّمَتُّعِ. (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) : مَنْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَرْطًا، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي وَالتَّقْدِيرُ: فَعَلَيْهِ صِيَامٌ. وَقُرِئَ: صِيَامًا بِالنُّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ فَلْيَصُمْ، وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى ظَرْفِهِ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ فِي اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى السَّعَةِ. (وَسَبْعَةٍ) : مَعْطُوفَةٌ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَقُرِئَ: وَسَبْعَةً بِالنَّصْبِ تَقْدِيرُهُ: وَلْتَصُومُوا سَبْعَةً، أَوْ وَصُومُوا سَبْعَةً. (ذَلِكَ لِمَنْ) : اللَّامُ عَلَى أَصْلِهَا ; أَيْ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ. وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى ; أَيِ الْهَدْيُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ كَقَوْلِهِ: (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) [الرَّعْدِ: ٢٥] . قَالَ تَعَالَى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْحَجَّ) : مُبْتَدَأٌ، وَ: «أَشْهُرٌ» : الْخَبَرُ، وَالتَّقْدِيرُ: الْحَجُّ حَجُّ أَشْهَرٍ. وَقِيلَ: جَعَلَ الْأَشْهُرَ الْحَجَّ عَلَى السَّعَةِ.

стр. 162

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أَشْهُرُ الْحَجِّ أَشْهَرٌ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مُضَافٍ. (فَمَنْ فَرَضَ) : مَنْ مُبْتَدَأٌ ; وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَرْطًا بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْخَبَرُ فَلَا رَفَثَ وَمَا بَعْدَهُ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَا رَفَثَ مِنْهُ. وَيُقْرَأُ: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ) : بِالْفَتْحِ فِيهِنَّ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ اسْمُ لَا الْأُولَى وَ «لَا» مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْكِيدِ فِي الْمَعْنَى، وَالْخَبَرُ «فِي الْحَجِّ» . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَا الْمُكَرَّرَةُ مُسْتَأْنَفَةً، فَيَكُونُ فِي الْحَجِّ خَبَرُ لَا جِدَالَ ; وَخَبَرُ لَا الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ مَحْذُوفٌ ; أَيْ فَلَا رَفَثَ فِي الْحَجِّ، وَلَا فُسُوقَ فِي الْحَجِّ، وَاسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ بِخَبَرِ الْأَخِيرَةِ وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَبِشْرٌ قَائِمٌ، فَقَائِمٌ خَبَرُ بِشْرٍ وَخَبَرُ الْأَوَّلَيْنِ مَحْذُوفٌ، وَهَذَا فِي الظَّرْفِ أَحْسَنُ، وَتُقْرَأُ بِالرَّفْعِ فِيهِنَّ عَلَى أَنْ تَكُونَ «لَا» غَيْرَ عَامِلَةٍ، وَيَكُونَ مَا بَعْدَهَا مُبْتَدَأً وَخَبَرًا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَا عَامِلَةً عَمَلَ لَيْسَ، فَيَكُونَ فِي الْحَجِّ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَقُرِئَ بِرَفْعِ الْأَوَّلَيْنِ وَتَنْوِينِهِمَا وَفَتْحِ الْأَخِيرِ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ مَعْنَى فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ لَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا، وَمَعْنَى (وَلَا جِدَالَ) ; أَيْ لَا شَكَّ فِي فَرْضِ الْحَجِّ. وَقِيلَ: لَا جِدَالَ ; أَيْ لَا تُجَادِلُوا وَأَنْتُمْ مُحْرِمُونَ، وَالْفَتْحُ فِي الْجَمِيعِ أَقْوَى لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْيِ الْعُمُومِ.

стр. 163

(وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) : مِنْ خَيْرٍ فِيهِ أَوْجُهٌ قَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) : وَنَزِيدُهَا هُنَا وَجْهًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَيْرٍ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: مَا تَفْعَلُوا فِعْلًا مِنْ خَيْرٍ. قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَبْتَغُوا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ فِي أَنْ تَبْتَغُوا وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِ سِيبَوَيْهِ هُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَلَوْ ظَهَرَتْ فِي اللَّفْظِ لَجَازَ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ الْجُنَاحِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْجُنُوحِ وَالْمَيْلِ أَوْ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْإِثْمِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةً لِجُنَاحٍ، وَأَجَازَ قَوْمٌ أَنْ يَتَعَلَّقَ حَرْفُ الْجَرِّ بِلَيْسَ، وَفِيهِ ضَعْفٌ. (مِنْ رَبِّكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَبْتَغُوا) ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ أَيْضًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِفَضْلٍ فَيَتَعَلَّقُ مَنْ بِمَحْذُوفٍ. (فَإِذَا أَفَضْتُمْ) : ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ فَاذْكُرُوا، وَلَا تَمْنَعُ الْفَاءُ هُنَا مِنْ عَمَلِ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ. وَ (عَرَفَاتٍ) : جَمْعٌ سُمِّيَ بِهِ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ نَكِرَةً وَهُوَ مَعْرِفَةٌ، وَقَدْ نَصَبُوا عَنْهُ عَلَى الْحَالِ فَقَالُوا: هَذِهِ عَرَفَاتٌ مُبَارَكًا فِيهَا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بُقْعَةٌ بِعَيْنِهَا، وَمَثَلُهُ: أَبَانَانِ اسْمُ جَبَلٍ أَوْ بُقْعَةٍ.

стр. 164

وَالتَّنْوِينُ فِي عَرَفَاتٍ، وَجَمِيعِ جَمْعِ التَّأْنِيثِ نَظِيرُ النُّونِ فِي مُسْلِمُونَ، وَلَيْسَتْ دَلِيلَ الصَّرْفِ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَحْذِفُ التَّنْوِينَ وَيَكْسِرُ التَّاءَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُهَا، وَيَجْعَلُ التَّاءَ فِي الْجَمْعِ كَالتَّاءِ فِي الْوَاحِدِ، وَلَا يُصْرَفُ لِلتَّعْرِيفِ وَالتَّأْنِيثِ وَأَصْلُ أَفَضْتُمْ أَفْضَيْتُمْ لِأَنَّهُ فَاضَ يَفِيضُ إِذَا سَالَ، وَإِذَا كَثُرَ النَّاسُ فِي الطَّرِيقِ كَانَ مَشْيُهُمْ كَجَرَيَانِ السَّيْلِ. (عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ: كَمَا هَدَاكُمُ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ تَقْدِيرُهُ: فَاذْكُرُوهُ مُشْبِهِينَ لَكُمْ حِينَ هَدَاكُمْ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍ ; لِأَنَّ الْجُثَّةَ لَا تُشْبِهُ الْحَدَثَ ; وَمِثْلُهُ: (كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ) : الْكَافُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَوْ حَالٌ تَقْدِيرُهُ: فَاذْكُرُوا اللَّهَ مُبَالِغِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْكَافُ فِي الْأُولَى بِمَعْنَى «عَلَى» تَقْدِيرُهُ: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) [الْبَقَرَةِ: ٢٠٠] . (وَإِنْ كُنْتُمْ) : إِنْ هَاهُنَا مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَالتَّقْدِيرُ: إِنَّهُ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ ضَالِّينَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً) [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] . قَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس وَاسْتَغْفرُوا الله إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَاضَ النَّاسُ) الْجُمْهُورُ عَلَى رَفْعِ السِّينِ، وَهُوَ جَمْعٌ،

стр. 165

وَقُرِئَ النَّاسِي يُرِيدُ آدَمَ، وَهِيَ صِفَةٌ غَلَبَتْ عَلَيْهِ كَالْعَبَّاسِ وَالْحَرْثِ وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه: ١١٥] . قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنَاسِكَكُمْ) : وَاحِدُهَا مَنْسَكٌ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا. وَالْجُمْهُورُ عَلَى إِظْهَارِ الْكَافِ الْأُولَى، وَأَدْغَمَهَا بَعْضُهُمْ، شَبَّهَ حَرَكَةَ الْإِعْرَابِ بِحَرَكَةِ الْبِنَاءِ فَحَذَفَهَا. (أَوْ أَشَدَّ) : أَوْ هَاهُنَا لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَأَشَدَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلَى ذِكْرِكُمْ، تَقْدِيرُهُ: أَوْ كَأَشَدَّ ; أَيْ أَوْ كَذِكْرٍ أَشَدَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى الْكَافِ ; أَيْ أَوْ ذِكْرًا أَشَدَّ. وَ (ذِكْرًا) : تَمْيِيزٌ، وَهُوَ فِي مَوْضِعٍ مُشْكِلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ أَفْعَلَ تُضَافُ إِلَى مَا بَعْدَهَا إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا ; كَقَوْلِكَ ذِكْرُكَ أَشَدُّ ذِكْرٍ وَوَجْهُكَ أَحْسَنُ وَجْهٍ ; أَيْ أَشَدُّ الْأَذْكَارِ، وَأَحْسَنُ الْوُجُوهِ. وَإِذَا نَصَبْتَ مَا بَعْدَهَا كَانَ غَيْرَ الَّذِي قَبْلَهَا ; كَقَوْلِكَ زَيْدٌ أَفْرِهِ عَبْدًا، فَالْفَرَاهَةُ لِلْعَبْدِ لَا لِزَيْدٍ، وَالْمَذْكُورُ قَبْلَ أَشَدَّ هَاهُنَا هُوَ الذِّكْرُ، وَالذِّكْرُ لَا يُذْكَرُ حَتَّى يُقَالَ الذِّكْرُ أَشَدُّ ذِكْرًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ الذِّكْرُ أَشَدُّ ذِكْرٍ بِالْإِضَافَةِ ; لِأَنَّ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ، وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ، وَابْنُ جِنِّي وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ جَعَلَ الذِّكْرَ ذَاكِرًا عَلَى الْمَجَازِ، كَمَا تَقُولُ زَيْدٌ أَشَدُّ ذِكْرًا مِنْ عَمْرٍو وَعِنْدِي أَنَّ الْكَلَامَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى وَالتَّقْدِيرُ: أَوْ كُونُوا أَشَدَّ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنْكُمْ لِآبَائِكُمْ وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) ; أَيْ كُونُوا ذَاكِرِيهِ وَهَذَا أَسْهَلُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ.

стр. 166

قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ: فِي مُتَعَلِّقَةً بِآتِنَا وَأَنْ تَكُونَ صِفَةً لِحَسَنَةٍ قُدِّمَتْ فَصَارَتْ حَالًا. (وَقِنَا) : حُذِفَتْ مِنْهُ الْفَاءُ، كَمَا حُذِفَتْ فِي الْمُضَارِعِ إِذَا قَلْتَ يَقِي، وَحُذِفَتْ لَامُهَا لِلْجَزْمِ، وَاسْتُغْنِيَ عَنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ لِتَحَرُّكِ الْحَرْفِ الْمَبْدُوءِ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) : إِنْ قِيلَ: الْأَيَّامُ وَاحِدُهَا يَوْمٌ، وَالْمَعْدُودَاتُ وَاحِدُهَا مَعْدُودَةٌ، وَالْيَوْمُ لَا يُوصَفُ بِمَعْدُودَةٍ ; لِأَنَّ الصِّفَةَ هُنَا مُؤَنَّثَةٌ وَالْمَوْصُوفُ مُذَكَّرٌ، وَإِنَّمَا الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ أَيَّامٌ مَعْدُودَةٌ فَتَصِفُ الْجَمْعَ بِالْمُؤَنَّثِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَجْرَى مَعْدُودَاتٍ عَلَى لَفْظِ أَيَّامٍ وَقَابَلَ الْجَمْعَ بِالْجَمْعِ مَجَازًا وَالْأَصْلُ مَعْدُودَةٌ كَمَا قَالَ: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) [الْبَقَرَةِ: ٨٠] . وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ الْأَيَّامَ تَشْتَمِلُ عَلَى السَّاعَاتِ، وَالسَّاعَةُ مُؤَنَّثَةٌ فَجَازَ الْجَمْعُ عَلَى مَعْنَى سَاعَاتِ الْأَيَّامِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالذِّكْرِ فِي كُلِّ سَاعَاتِ هَذِهِ الْأَيَّامِ، أَوْ فِي مُعْظَمِهَا لَكَانَ جَوَابًا سَدِيدًا، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الشَّهْرُ وَالصَّيْفُ وَالشِّتَاءُ، فَإِنَّهَا يُجَابُ بِهَا عَنْ كَمْ وَكَمْ، إِنَّمَا يُجَابُ عَنْهَا بِالْعَدَدِ وَأَلْفَاظُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَيْسَتْ عَدَدًا، وَإِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءٌ لِمَعْدُودَاتٍ، فَكَانَتْ جَوَابًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.: (فَلَا إِثْمَ) : عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ عَلَى إِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ.

стр. 167

وَقُرِئَ: «فَلِثْمَ» وَوَجْهُهَا أَنَّهُ لَمَّا خَلَطَ لَا بِالِاسْمِ حَذَفَ الْهَمْزَةَ لِشَبَهِهَا بِالْأَلِفِ ; ثُمَّ حَذَفَ أَلِفَ لَا لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الثَّاءِ بَعْدَهَا. (لِمَنِ اتَّقَى) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: جَوَازُ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ لِمَنِ اتَّقَى. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ يُعْجِبُكَ) : مَنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَ (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) : مُتَعَلِّقٌ بِالْقَوْلِ وَالتَّقْدِيرُ: فِي أُمُورِ الدُّنْيَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (يُعْجِبُكَ) (وَيُشْهِدُ اللَّهَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى يُعْجِبُكَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُعْجِبُكَ ; أَيْ يُعْجِبُكَ وَهُوَ يُشْهِدُ اللَّهَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ فِي «قَوْلِهِ» وَالْعَامِلُ فِيهِ الْقَوْلُ، وَالتَّقْدِيرُ: يُعْجِبُكَ أَنْ يَقُولَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا مُقْسِمًا عَلَى ذَلِكَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَنَصْبِ اسْمِ اللَّهِ. وَقُرِئَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْهَاءِ وَرَفْعِ اسْمِ اللَّهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. (وَهُوَ أَلَدُّ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ صِفَةً مَعْطُوفَةً عَلَى يُعْجِبُكَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مَعْطُوفَةً عَلَى «وَيُشْهِدُ» . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُشْهِدُ. وَ (الْخِصَامِ) : هُنَا جَمْعُ خَصْمٍ نَحْوُ كَعْبٍ وَكِعَابٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ; وَفِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ ; أَيْ أَشَدُّ ذَوِي الْخِصَامِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِصَامُ هُنَا مَصْدَرًا فِي مَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ، كَمَا يُوصَفُ بِالْمَصْدَرِ فِي قَوْلِكَ: رَجُلٌ عَدْلٌ وَخَصْمٌ.

стр. 168

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَفْعَلُ هَا هُنَا لَا لِلْمُفَاضَلَةِ فَيَصِحُّ أَنْ يُضَافَ إِلَى الْمَصْدَرِ تَقْدِيرُهُ: وَهُوَ شَدِيدُ الْخُصُومَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ ضَمِيرُ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ «قَوْلُهُ» . قَوْلُهُ خِصَامٌ، وَالتَّقْدِيرُ: خِصَامُهُ أَلَدُّ الْخِصَامِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيُفْسِدَ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَعَى. (وَيُهْلِكَ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْكَافِ مَعْطُوفٌ عَلَى يُفْسِدَ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقُرِئَ بِضَمِّ الْكَافِ أَيْضًا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ ; أَيْ وَهُوَ يُهْلِكُ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى يُعْجِبُكَ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْنَى سَعَى ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: وَإِذَا تَوَلَّى يَسْعَى. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَضَمِّ الْكَافِ وَرَفْعِ الْحَرْثِ وَالتَّقْدِيرُ: وَيَهْلَكُ الْحَرْثُ بِسَعْيِهِ. وَقُرِئَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَاللَّامِ، وَهِيَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا. وَ (الْحَرْثَ) : مَصْدَرُ حَرَثَ يَحْرُثُ، وَهُوَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْمَحْرُوثِ. (وَالنَّسْلَ) : كَذَلِكَ بِمَعْنَى الْمَنْسُولِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْعِزَّةِ ; وَالتَّقْدِيرُ: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ مُلْتَبِسَةً بِالْإِثْمِ،

стр. 169

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ ; أَيْ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ آثِمًا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ فَيَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ; أَيْ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِسَبَبِ الْإِثْمِ. (فَحَسْبُهُ) : مُبْتَدَأٌ، وَ: (جَهَنَّمُ) : خَبَرُهُ. وَقِيلَ: جَهَنَّمُ فَاعِلُ حَسْبُهُ، لِأَنَّ حَسْبَهُ فِي مَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ ; أَيْ كَافِيهِ، وَقَدْ قُرِئَ بِالْفَاءِ الرَّابِطَةِ لِلْجُمْلَةِ بِمَا قَبْلَهَا وَسَدَّ الْفَاعِلُ مَسَدَّ الْخَبَرِ وَحَسْبُ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ اسْمِ الْفَاعِلِ. (وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) : الْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ ; أَيْ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ جَهَنَّمُ. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَفْخِيمِ مَرْضَاةِ. وَقُرِئَ بِالْإِمَالَةِ لِتُجَانِسَ كَسْرَةَ التَّاءِ. وَإِذَا اضْطَرَّ حَمْزَةُ هُنَا إِلَى الْوَقْفِ وَقَفَ بِالتَّاءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ لُغَةٌ فِي الْوَقْفِ عَلَى تَاءِ التَّأْنِيثِ حَيْثُ كَانَتْ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ دَلَّ بِالْوَقْفِ عَلَى التَّاءِ عَلَى إِرَادَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَهُوَ فِي تَقْدِيرِ الْوَصْلِ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي السِّلْمِ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا مَعَ إِسْكَانِ اللَّامِ وَبِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ ; وَهُوَ الصُّلْحُ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) [الْأَنْفَالِ: ٦١] . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْكَسْرُ بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ ; وَالْفَتْحُ بِمَعْنَى الصُّلْحِ.

стр. 170

(كَافَّةً) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي ادْخُلُوا. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنَ السِّلْمِ ; أَيْ فِي السِّلْمِ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ. قَالَ تَعَالَى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَلْ يَنْظُرُونَ) : لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ، وَمَعْنَاهُ النَّفْيُ وَلِهَذَا جَاءَتْ بَعْدَهُ إِلَّا. (فِي ظُلَلٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا، وَالظُّلَلُ جَمْعُ ظُلَّةٍ. وَيُقْرَأُ: فِي ظِلَالٍ ; قِيلَ: هُوَ جَمْعُ ظِلٍّ وَقِيلَ: جَمْعُ ظُلَّةٍ أَيْضًا مِثْلُ خُلَّةٍ وَخِلَالٍ وَقُلَّةٍ وَقِلَالٍ. (مِنَ الْغَمَامِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لَظُلَلٍ ; وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ مِنْ بِيَأْتِيَهُمْ ; أَيْ يَأْتِيَهُمْ مِنْ نَاحِيَةِ الْغَمَامِ. وَالْغَمَامُ جَمْعُ غَمَامَةٍ. (وَالْمَلَائِكَةُ) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى ظُلَلٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى الْغَمَامِ. قَالَ تَعَالَى: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَلْ) : فِيهِ لُغَتَانِ سَلْ، وَاسْأَلْ ; فَمَاضِي اسْأَلْ سَأَلَ بِالْهَمْزَةِ فَاحْتِيجَ فِي الْأَمْرِ إِلَى هَمْزَةِ الْوَصْلِ لِسُكُونِ السِّينِ وَفِي سَلْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْهَمْزَةَ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى السِّينِ، فَاسْتُغْنِيَ عَنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ لِتَحَرُّكِ السِّينِ.

стр. 171

وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ سَأَلَ يَسْأَلُ مِثْلُ خَافَ يَخَافُ، وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ. وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ، وَهِيَ اسَلْ، حَكَاهَا الْأَخْفَشُ، وَوَجْهُهَا أَنَّهُ أَلْقَى حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى السِّينِ وَحَذَفَهَا، وَلَمْ يَعْتَدَّ بِالْحَرَكَةِ لِكَوْنِهَا عَارِضَةً ; فَلِذَلِكَ جَاءَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ كَمَا قَالُوا لَحْمَرُ. (كَمْ آتَيْنَاهُمْ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; لِأَنَّهَا الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِسَلْ وَلَا تَعْمَلُ سَلْ فِي كَمْ ; لِأَنَّهَا اسْتِفْهَامٌ وَمَوْضِعُ كَمْ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَصْبٌ لِأَنَّهَا الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِآتَيْنَاهُمْ; وَالتَّقْدِيرُ: أَعِشْرِينَ آيَةً أَعْطَيْنَاهُمْ. وَالثَّانِي: هِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَآتَيْنَاهُمْ خَبَرُهَا، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: آتَيْنَاهُمُوهَا، أَوْ آتَيْنَاهُمْ إِيَّاهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. وَ (مِنْ آيَةٍ) : تَمْيِيزٌ لَكُمْ. وَالْأَحْسَنُ إِذَا فُصِلَ بَيْنَ كَمْ وَبَيْنَ مُمَيِّزِهَا أَنْ يُؤْتَى بِمَنْ. (وَمَنْ يُبَدِّلْ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْعَائِدُ الضَّمِيرُ فِي يُبَدِّلْ، وَقِيلَ: الْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: شَدِيدُ الْعِقَابِ لَهُ. قَالَ تَعَالَى: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (زُيِّنَ) : إِنَّمَا حُذِفَتِ التَّاءُ لِأَجْلِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَبَيْنَ مَا أُسْنِدَ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ تَأْنِيثَ الْحَيَاةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ; وَذَلِكَ يَحْسُنُ مَعَ الْفَصْلِ. وَالْوَقْفُ عَلَى آمَنُوا. (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا) : مُبْتَدَأٌ، وَ (فَوْقَهُمْ) : خَبَرُهُ. قَالَ تَعَالَى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) : حَالَانِ: (

стр. 172

وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ) «مَعَهُمْ» فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْكِتَابِ ; أَيْ وَأَنْزَلَ الْكِتَابَ شَاهِدًا لَهُمْ وَمُؤَيِّدًا، وَالْكِتَابُ جِنْسٌ أَوْ مُفْرَدٌ فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ. (وَبِالْحَقِّ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْكِتَابِ ; أَيْ مُشْتَمِلًا عَلَى الْحَقِّ وَمُمْتَزِجًا بِالْحَقِّ. (لِيَحْكُمَ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَنْزَلَ، وَفَاعِلُ (يَحْكُمُ) : اللَّهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ. (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ) : مِنْ تَتَعَلَّقُ بِاخْتَلَفَ، وَلَا يَمْنَعُ إِلَّا مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَقُولُ مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَ (بَغْيًا) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ اخْتَلَفَ. مِنَ الْحَقِّ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ فِي «فِيهِ» . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ مَا. (بِإِذْنِهِ) : حَالٌ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ; أَيْ مَأْذُونًا لَهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِهَدَى ; أَيْ هُدَاهُمْ بِأَمْرِهِ. قَالَ تَعَالَى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ حَسِبْتُمْ) : أَمْ بِمَنْزِلَةِ بَلْ وَالْهَمْزَةُ، فَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ. وَ (أَنْ تَدْخُلُوا) : أَنْ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ تَسُدُّ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. وَعِنْدَ الْأَخْفَشِ الْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ. (وَلَمَّا) : هُنَا: لَمْ دَخَلَتْ عَلَيْهَا «مَا» وَبَقِيَ جَزْمُهَا. (مَسَّتْهُمُ) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَا مَوْضِعَ لَهَا، وَهِيَ شَارِحَةٌ لِأَحْوَالِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تُضْمِرَ مَعَهَا قَدْ فَتَكُونُ حَالًا.

стр. 173

(حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) : يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِلَى أَنْ يَقُولَ الرَّسُولُ فَهُوَ غَايَةٌ، وَالْفِعْلُ هُنَا مُسْتَقْبَلٌ حُكِيَتْ بِهِ حَالُهُمْ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْمُضِيِّ ; وَالتَّقْدِيرُ: إِلَى أَنْ قَالَ الرَّسُولُ. وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَزُلْزِلُوا فَقَالَ الرَّسُولُ ; فَالزَّلْزَلَةُ سَبَبُ الْقَوْلِ، وَكِلَا الْفِعْلَيْنِ مَاضٍ فَلَمْ تَعْمَلْ فِيهِ حَتَّى. (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) : الْجُمْلَةُ وَمَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْقَوْلِ، وَفِي هَذَا الْكَلَامِ إِجْمَالٌ، وَتَفْصِيلُهُ أَنَّ أَتْبَاعَ الرَّسُولِ قَالُوا مَتَى نَصْرُ اللَّهِ فَقَالَ الرَّسُولُ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ، وَمَوْضِعُ مَتَى رَفْعٌ لِأَنَّهُ خَبَرُ الْمَصْدَرِ وَعَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ مَوْضِعُهُ نَصْبٌ عَلَى الظَّرْفِ وَنَصْرٌ مَرْفُوعٌ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ) : يَجُوزُ أَنْ تُلْقِيَ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى السِّينِ وَتَحْذِفَهَا وَمَنْ قَالَ سَأَلَ فَجَعَلَهَا أَلِفًا مُبْدَلَةً مِنْ وَلَوْ قَالَ يَسْأَلُونَكَ مِثْلُ يَخَافُونَكَ. (مَاذَا يُنْفِقُونَ) : فِي مَاذَا مَذْهَبَانِ لِلْعَرَبِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تجْعَلَ مَا اسْتِفْهَامًا بِمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ وَذَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَيُنْفِقُونَ صِلَتُهُ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، فَتَكُونُ مَا مُبْتَدَأٌ، وَذَا وَصِلَتُهُ خَبَرًا، وَلَا تجْعَلُ ذَا بِمَعْنَى الَّذِي إِلَّا مَعَ: «مَا» عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِ مَا. وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنْ تجْعَلَ «مَا» وَ «ذَا» بِمَنْزِلَةِ اسْمٍ وَاحِدٍ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَمَوْضِعُهُ هُنَا نَصْبٌ بِيُنْفِقُونَ، وَمَوْضِعُ الْجُمْلَةِ نَصْبٌ بِيَسْأَلُونَ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ.

стр. 174

(مَا أَنْفَقْتُمْ) : «مَا» شَرْطٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهَا. وَ (مِنْ خَيْرٍ) : قَدْ تَقَدَّمَ إِعْرَابُهُ: فَلِلْوَالِدَيْنِ جَوَابُ الشَّرْطِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي فَتَكُونُ مُبْتَدَأً، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ وَمِنْ خَيْرٍ حَالٌ مِنَ الْمَحْذُوفِ، فَلِلْوَالِدَيْنِ الْخَبَرُ فَأَمَّا. «وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ» فَشَرْطٌ أَلْبَتَّةَ. قَالَ تَعَالَى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٣١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى. وَقِيلَ: الْفَتْحُ بِمَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ، فَهُوَ مَصْدَرٌ، وَالضَّمُّ اسْمُ الْمَصْدَرِ. وَقِيلَ: الضَّمُّ بِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ، أَوْ إِذَا كَانَ مَصْدَرًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فُرِضَ الْقِتَالُ، إِكْرَاهٌ لَكُمْ فَيَكُونُ هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرْضِ، وَالْكَتْبِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْقِتَالِ فَيَكُونُ الْكُرْهُ بِمَعْنَى الْمَكْرُوهِ. (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا) : أَنْ وَالْفِعْلُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ فَاعِلُ (عَسَى) ، وَلَيْسَ فِي عَسَى ضَمِيرٌ. (وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِشَيْءٍ ; وَسَاغَ دُخُولُ الْوَاوِ لَمَّا كَانَتْ صُورَةُ الْجُمْلَةِ هُنَا كَصُورَتِهَا إِذَا كَانَتْ حَالًا وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ النَّكِرَةِ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِيهِ. قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)) .

стр. 175

قَوْلُهُ تَعَالَى: قِتَالٍ فِيهِ هُوَ بَدَلٌ مِنَ الشَّهْرِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ ; لِأَنَّ الْقِتَالَ يَقَعُ فِي الشَّهْرِ وَقَالَ الْكِسَائِيُّ هُوَ مَخْفُوضٌ عَلَى التَّكْرِيرِ يُرِيدُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: عَنْ قِتَالٍ فِيهِ ; وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْفَرَّاءِ ; لِأَنَّهُ قَالَ هُوَ مَخْفُوضٌ بِعَنْ مُضْمَرَةً وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا ; لِأَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ لَا يَبْقَى عَمَلُهُ بَعْدَ حَذْفِهِ فِي الِاخْتِيَارِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ مَجْرُورٌ عَلَى الْجِوَارِ، وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ قَوْلِهِمَا ; لِأَنَّ الْجِوَارَ مِنْ مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ وَالشُّذُوذِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا وُجِدَتْ عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ. وَفِيهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِقِتَالٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِقَاتِلٍ. وَقَدْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ فِي الشَّاذِّ وَوَجْهُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعَهُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ تَقْدِيرُهُ: أَجَائِزٌ قِتَالٌ فِيهِ. (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَجَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ ; لِأَنَّهَا قَدْ وُصِفَتْ بِقَوْلِهِ: فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: النَّكِرَةُ إِذَا أُعِيدَتْ أُعِيدَتْ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، كَقَوْلِهِ: فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ، قِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ تَعْظِيمَ الْقِتَالِ الْمَذْكُورِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ حَتَّى يُعَادَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ بَلِ الْمُرَادُ تَعْظِيمُ أَيِّ قِتَالٍ كَانَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَعَلَى هَذَا الْقِتَالُ الثَّانِي غَيْرُ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ. (وَصَدٌّ) : مُبْتَدَأٌ. وَ (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) : صِفَةٌ لَهُ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ (وَكُفْرٌ) : مَعْطُوفٌ عَلَى صَدٍّ. (وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ) : مَعْطُوفٌ أَيْضًا، وَخَبَرُ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ (أَكْبَرُ) .

стр. 176

وَقِيلَ: خَبَرُ صَدٍّ وَكُفْرٍ مَحْذُوفٌ أَيْضًا أَغْنَى عَنْهُ خَبَرُ إِخْرَاجِ أَهْلِهِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ عَلَى هَذَا أَكْبَرُ لَا كَبِيرَ كَمَا قَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إِخْرَاجُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ مِنْهُ أَكْبَرُ مِنَ الْكُفْرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا جَرُّ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَقَدْ ضُعِّفَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَسْأَلُوا عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، إِذْ لَمْ يَشُكُّوا فِي تَعْظِيمِهِ، وَإِنَّمَا سَأَلُوا عَنِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِدُخُولِهِ، فَخَافُوا مِنَ الْإِثْمِ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ عَيَّرُوهُمْ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْهَاءِ فِي بِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، إِلَّا أَنْ يُعَادَ الْجَارُّ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى السَّبِيلِ ; وَهَذَا لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ مَعْمُولُ الْمَصْدَرِ وَالْعَطْفُ بِقَوْلِهِ «وَكُفْرٌ بِهِ» يُفَرِّقُ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ وَالْجَيِّدُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الصَّدُّ تَقْدِيرُهُ: وَيَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الْفَتْحِ: ٢٥] . (حَتَّى يَرُدُّوكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَتَّى بِمَعْنَى كَيْ، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى إِلَى، وَهِيَ فِي الْوَجْهَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُقَاتِلُونَكُمْ، وَجَوَابُ (إِنِ اسْتَطَاعُوا) : مَحْذُوفٌ قَامَ مَقَامُهُ «وَلَا يَزَالُونَ» . (فَيَمُتْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى يَرْتَدِدْ، وَيَرْتَدِدْ مُظْهَرٌ لَمَّا سُكِّنَتِ الدَّالُ الثَّانِيَةُ لَمْ يُمْكِنْ تَسْكِينُ الْأُولَى لِئَلَّا يَجْتَمِعَ سَاكِنَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَرَبِيَّةِ يَرْتَدُّ، وَقَدْ قُرِئَ فِي الْمَائِدَةِ بِالْوَجْهَيْنِ، وَهُنَالِكَ تُعَلَّلُ الْقِرَاءَتَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمِنْكُمْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ الْمُضْمَرِ.

стр. 177

«وَمَنْ» فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ، وَالْخَبَرُ هُوَ الْجُمْلَةُ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ: (فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ) . قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (١١٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) : الْأَحْسَنُ الْقِرَاءَةُ بِالْبَاءِ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَصَغِيرٌ، وَيُقَالُ فِي الْفَوَاحِشِ الْعِظَامِ الْكَبَائِرُ وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ الصَّغَائِرُ، وَقَدْ قُرِئَ بِالثَّاءِ، وَهُوَ جَيِّدٌ فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْكَثْرَةَ كِبَرٌ، وَالْكَثِيرُ كَبِيرٌ، كَمَا أَنَّ الصَّغِيرَ يَسِيرٌ حَقِيرٌ. (وَإِثْمُهُمَا) وَ (نَفْعِهِمَا) : مَصْدَرَانِ مُضَافَانِ إِلَى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِضَافَةَ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ ; لِأَنَّ الْخَمْرَ هُوَ الَّذِي يُؤْثِمُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ إِلَيْهِمَا ; لِأَنَّهُمَا سَبَبُ الْإِثْمِ أَوْ مَحَلُّهُ. (قُلِ الْعَفْوَ) يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ، وَالْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: قُلِ الْمُنْفِقُ وَهَذَا إِذَا جَعَلْتَ مَاذَا مُبْتَدَأً وَخَبَرًا، وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يُنْفِقُونَ الْعَفْوَ ; وَهَذَا إِذَا جَعَلْتَ مَا وَذَا اسْمًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الْعَفْوَ جَوَابٌ وَإِعْرَابُ الْجَوَابِ كَإِعْرَابِ السُّؤَالِ. (كَذَلِكَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ تَبْيِينًا مِثْلُ هَذَا التَّبْيِينِ يُبَيِّنُ لَكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)) .

стр. 178

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) فِي مُتَعَلِّقَةٌ بِيَتَفَكَّرُونَ وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِيُبَيِّنُ. (إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) : إِصْلَاحٌ مُبْتَدَأٌ، وَلَهُمْ نَعْتٌ لَهُ وَخَيْرٌ خَبَرُهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: خَيْرٌ لَهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَيْرٌ لَكُمْ ; أَيْ إِصْلَاحُهُمْ نَافِعٌ لَكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ نَعْتًا لِخَيْرٍ قُدِّمَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَجَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ وَإِنْ لَمْ تُوصَفْ ; لِأَنَّ الِاسْمَ هُنَا فِي مَعْنَى الْفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ: أَصْلِحُوهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النَّكِرَةُ وَالْمَعْرِفَةُ هُنَا سَوَاءً ; لِأَنَّهُ جِنْسٌ. (فَإِخْوَانُكُمْ) : أَيْ فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ النَّصْبُ تَقْدِيرُهُ: فَقَدْ خَالَطْتُمْ إِخْوَانَكُمْ. وَ (الْمُفْسِدَ) وَ (الْمُصْلِحِ) : هُنَا جِنْسَانِ، وَلَيْسَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْمَعْهُودِ. (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ) : الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ إِعْنَاتَكُمْ: لَأَعْنَتَكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)) . قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات﴾ ماضى هَذَا الْفِعْل ثَلَاثَة أحرف يُقَال نكحت الْمَرْأَة إِذا تَزَوَّجتهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ) : بِضَمِّ التَّاءِ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَنْكَحْتُ الرَّجُلَ إِذَا زَوَّجْتُهُ. (وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) : لَوْ هَاهُنَا بِمَعْنَى أَنْ وَكَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَقَعَ بَعْدَ لَوِ الْفِعْلُ الْمَاضِي، وَلَوْ كَانَ جَوَابُهَا مُتَقَدِّمًا عَلَيْهَا (وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) : يُقْرَأُ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْجَنَّةِ وَالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ.

стр. 179

قَالَ تَعَالَى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَنِ الْمَحِيضِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحِيضُ مَوْضِعَ الْحَيْضِ، وَأَنْ يَكُونَ نَفْسَ الْحَيْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْوَطْءِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، أَوْ فِي مَكَانِ الْحَيْضِ، مَعَ وُجُودِ الْحَيْضِ (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ) : أَيْ وَطْءَ النِّسَاءِ ; وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْوَطْءِ الْمَمْنُوعِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْمَحِيضِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: هُوَ سَبَبُ أَذًى. (حَتَّى يَطْهُرْنَ) : يُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ وَمَاضِيهِ طَهُرْنَ ; أَيِ انْقَطَعَ دَمُهُنَّ، وَبِالتَّشْدِيدِ وَالْأَصْلُ يَتَطَهَّرْنَ ; أَيْ يَغْتَسِلْنَ، فَسَكَّنَ التَّاءَ وَقَلَبَهَا طَاءً وَأَدْغَمَهَا. (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) : مِنْ هُنَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ عَلَى أَصْلِهَا ; أَيْ مِنَ النَّاحِيَةِ الَّتِي تَنْتَهِي إِلَى مَوْضِعِ الْحَيْضِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى فِي لِيَكُونَ مُلَائِمًا لِقَوْلِهِ فِي الْمَحِيضِ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِالْإِتْيَانِ مِنْهُ. قَالَ تَعَالَى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَرْثٌ لَكُمْ) : إِنَّمَا أَفْرَدَ الْخَبَرَ وَالْمُبْتَدَأُ جَمْعٌ ; لِأَنَّ الْحَرْثَ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ ; أَيْ مَحْرُوثَاتٌ. (أَنَّى شِئْتُمْ) : أَيْ كَيْفَ شِئْتُمْ، وَقِيلَ: مَتَى شِئْتُمْ، وَقِيلَ: مِنْ أَيْنَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَوْضِعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ شِئْتُمُ الْإِتْيَانَ.

стр. 180

وَمَفْعُولُ (قَدَّمُوا) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: نِيَّةَ الْوَلَدِ، أَوْ نِيَّةَ الْإِعْفَافِ. (وَبَشِّرِ) : خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَجَرْيِ ذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ يَسْأَلُونَكَ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَبَرُّوا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ ; أَيْ مَخَافَةَ أَنْ تَبَرُّوا. وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لِئَلَّا تَبَرُّوا، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: فِي أَنْ تَبَرُّوا، فَلَمَّا حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ نُصِبَ ; وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِالْحَرْفِ الْمَحْذُوفِ. قَالَ تَعَالَى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي أَيْمَانِكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ «فِي» بِالْمَصْدَرِ، كَمَا تَقُولُ لَغَا فِي يَمِينِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْهُ تَقْدِيرُهُ: بِاللَّغْوِ كَائِنًا فِي أَيْمَانِكُمْ، وَيُقَرِّبُ عَلَيْكَ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّكَ لَوْ أَتَيْتَ بِالَّذِي لَكَانَ الْمَعْنَى مُسْتَقِيمًا، وَكَانَ صِفَةً كَقَوْلِكَ بِاللَّغْوِ الَّذِي فِي أَيْمَانِكُمْ. (بِمَا كَسَبَتْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» مَصْدَرِيَّةٌ فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى ضَمِيرٍ، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي أَوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً فَيَكُونُ الْعَائِدُ مَحْذُوفًا. قَالَ تَعَالَى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)) .
следующие страницы →