← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ صَرَفْنَا) : أَيْ وَاذْكُرْ؛ إِذْ. وَ (يَسْتَمِعُونَ) نَعْتٌ لَنَفَرٍ، وَلَمَّا كَانَ النَّفَرُ جَمَاعَةً قَالَ: يَسْتَمِعُونَ، وَلَوْ قَالَ تَعَالَى «يَسْتَمِعُ» جَازَ حَمْلًا عَلَى اللَّفْظِ. قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَمْ يَعْيَ) : اللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ: عَيِيَ يَعِيَا، وَقَدْ جَاءَ عَيَّ يَعِيُّ. وَالْبَاءُ فِي (بِقَادِرٍ) زَائِدَةٌ فِي خَبَرِ «إِنَّ» وَجَازَ ذَلِكَ لَمَّا اتَّصَلَ بِالنَّفْيِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ. قَالَ تَعَالَى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَاعَةً) : ظَرْفٌ لِيَلْبَثُوا. وَ (بَلَاغٌ) : أَيْ هُوَ بَلَاغٌ، وَيُقْرَأُ بَلَاغًا؛ أَيْ بَلِّغْ بَلَاغًا. وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ: أَيْ مِنْ نَهَارٍ ذِي بَلَاغٍ، وَيُقْرَأُ «بَلِّغْ» عَلَى الْأَمْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1157

سُورَةُ مُحَمَّدٍ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ كَفَرُوا) : مُبْتَدَأٌ، وَ «أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ» : خَبَرُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ؛ أَيْ أَضَلَّ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ وَمِثْلُهُ: «وَالَّذِينَ آمَنُوا» . قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِذا لَقِيتُمُ) : الْعَامِلُ فِي «إِذَا» هُوَ الْعَامِلُ فِي «ضَرْبَ» وَالتَّقْدِيرُ: فَاضْرِبُوا ضَرْبَ الرِّقَابِ؛ فَضَرْبٌ هُنَا مَصْدَرُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ نَفْسُ الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّهُ مُؤَكَّدٌ. وَ (مَنًّا) : مَصْدَرٌ؛ أَيْ إِمَّا أَنْ تَمُنُّوا مَنًّا، وَإِمَّا أَنْ تُفَادُوا فِدَاءً. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَفْعُولَيْنِ؛ أَيْ أَوْلُوهُمْ مَنًّا، أَوِ اقْبَلُوا فِدَاءً. وَ (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ) : أَيْ أَهْلُ الْحَرْبِ. (ذَلِكَ) أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَرَّفَهَا) أَيْ قَدْ عَرَّفَهَا، فَهُوَ حَالٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)) .

стр. 1158

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تَعِسُوا أَوْ أُتْعِسُوا؛ وَدَلَّ عَلَيْهِمَا «تَعْسًا» . وَدَخَلَتِ الْفَاءُ تَنْبِيهًا عَلَى الْخَبَرِ. وَ (لَهُمْ) : تَبْيِينٌ. (وَأَضَلَّ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ. وَالْهَاءُ فِي «أَمْثَالِهَا» ضَمِيرُ الْعَاقِبَةِ، أَوِ الْعُقُوبَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) : أَيْ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ. وَ (أَخْرَجَتْكَ) : الْكَافُ لِلْقَرْيَةِ لَا لِلْمَحْذُوفِ، وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الضَّمَائِرِ لِلْمَحْذُوفِ. قَالَ تَعَالَى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَنْ زُيِّنَ) : هُوَ خَبَرُ مَنْ. قَالَ تَعَالَى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ) : أَيْ فِيمَا نَقُصُّ عَلَيْكَ مَثَلُ الْجَنَّةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيهَا أَنْهَارٌ) : مُسْتَأْنَفٌ شَارِحٌ لِمَعْنَى الْمَثَلِ. وَقِيلَ: (مَثَلُ الْجَنَّةِ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (فِيهَا أَنْهَارٌ) : جُمْلَةٌ هِيَ خَبَرُهُ. وَقِيلَ: «الْمَثَلُ» زَائِدٌ، فَتَكُونُ «الْجَنَّةُ» فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ؛ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: . . . ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا وَ «اسْمُ» زَائِدٌ. (غَيْرِ آسِنٍ) : عَلَى فَاعِلٍ، مِنْ أَسَنَ بِفَتْحِ السِّينِ؛ وَأَسِنٍ، مِنْ أَسِنَ بِكَسْرِهَا، وَهِيَ لُغَةٌ.

стр. 1159

وَ (لَذَّةٍ) : صِفَةُ الْخَمْرِ؛ وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ؛ أَيْ ذَاتِ لَذَّةٍ. وَ (مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) أَيْ لَهُمْ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ صِنْفٌ أَوْ زَوْجَانِ. (وَمَغْفِرَةٌ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَحْذُوفِ؛ أَوِ الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ وَلَهُمْ مَغْفِرَةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَنْ هُوَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أَيْ حَالُهُمْ كَحَالِ مَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي الْإِقَامَةِ الدَّائِمَةِ. وَقِيلَ: هُوَ اسْتِهْزَاءٌ بِهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ؛ أَيْ أَكَمَنْ هُوَ. وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ يُشْبِهُونَ مَنْ هُوَ خَالِدٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)) . وَ (آنِفًا) : ظَرْفٌ؛ أَيْ وَقْتًا مُؤْتَنِفًا. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَالَ؛ أَيْ مُؤْتَنِفًا. (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا) : يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ وَالنَّصْبَ. (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) : أَيْ ثَوَابَهَا. قَالَ تَعَالَى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَأْتِيَهُمْ) : مَوْضِعُهُ نَصْبٌ بَدَلًا مِنَ السَّاعَةِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ. (فَأَنَّى لَهُمْ) : هُوَ خَبَرُ «ذِكْرَاهُمْ» ، وَالشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ؛ أَيْ أَنَّى لَهُمْ ذِكْرَاهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: أَنَّى لَهُمُ الْخَلَاصُ إِذَا جَاءَ تَذْكِرَتُهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)) .

стр. 1160

قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَظَرَ الْمَغْشِيِّ) : أَيْ نَظَرًا مِثْلَ نَظَرِ الْمَغْشِيِّ. وَ (أَوْلَى) مُبْتَدَأٌ، وَ (لَهُمْ) : الْخَبَرُ. وَأَوْلَى مُؤَنَّثُهُ أُولَاتٌ. وَقِيلَ: الْخَبَرُ: «طَاعَةٌ» . وَقِيلَ: طَاعَةٌ صِفَةٌ لِسُورَةٍ؛ أَيْ ذَاتُ طَاعَةٍ أَوْ مُطَاعَةٌ. وَقيل طَاعَة مُبْتَدأ وَالتَّقْدِير طَاعَة وَقَول مَعْرُوف أمثل من غَيره وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: أَمْرُنَا طَاعَةٌ. (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ) : الْعَامِلُ فِي «إِذَا» مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَاصْدُقْ. وَقِيلَ: الْعَامِلُ «فَلَوْ صَدَقُوا» أَيْ لَوْ صُدِّقُوا إِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ؛ وَالتَّقْدِيرُ: إِذَا عَزَمَ أَصْحَابُ الْأَمْرِ، أَوْ يَكُونُ الْمَعْنَى: تَحَقَّقَ الْأَمْرُ. وَ (أَنْ تُفْسِدُوا) : خَبَرُ عَسَى، وَ «إِنْ تَوَلَّيْتُمْ» مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا. وَيُقْرَأُ: «تَوَلَّيْتُمْ» أَيْ وُلِّيَ عَلَيْكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ) : أَيِ الْمُفْسِدُونَ، وَدَلَّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الشَّيْطَانُ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «سَوَّلَ لَهُمْ» : خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ «إِنَّ» . (وَأَمْلَى) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْخَبَرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ ضَمِيرَ اسْمِ اللَّهِ ؛ فَيَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.

стр. 1161

وَيُقْرَأُ: أُمْلِيَ، عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ؛ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ «لَهُمْ» وَالثَّانِي: ضَمِيرُ الشَّيْطَانِ. قَالَ تَعَالَى: (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَضْرِبُونَ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ ضَمِيرًا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ لَا يَكُونُوا) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «يَسْتَبْدِلْ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1162

سُورَةُ الْفَتْحِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عِنْدَ اللَّهِ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْفَوْزِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَهُ فِي الْأَصْلِ، قُدِّمَ فَصَارَ حَالًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِمَكَانِ الْفَوْزِ أَو لما دلّ عَلَيْهِ الْفَوْز؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْفَوْزِ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ. وَ (الظَّانِّينَ) : صِفَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ. قَالَ تَعَالَى: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِتُؤْمِنُوا) : بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْكُمْ. وَبِالْيَاءِ لِأَنَّ قَبْلَهُ غَيْبًا. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) : هُوَ خَبَرُ إِنَّ. وَ (يَدُ اللَّهِ) : مُبْتَدَأٌ. وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ لَإِنَّ، أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «يُبَايِعُونَ» أَوْ مُسْتَأْنَفٌ.

стр. 1163

قَالَ تَعَالَى: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُرِيدُونَ) : هُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي «ذَرُونَا» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ «الْمُخَلَّفُونَ» وَأَنْ يُسْتَأْنَفَ. وَ (كَلَامَ اللَّهِ) بِالْأَلْفِ. وَيُقْرَأُ: «كَلِمَ اللَّهِ» وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تُقَاتِلُونَهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مُقَدَّرَةً. (أَوْ يُسْلِمُونَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى «تُقَاتِلُونَهُمْ» . وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ «أَوْ يُسْلِمُوا» وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ. وَ «أَوْ» بِمَعْنَى «إِلَى أَنْ» ، أَوْ حَتَّى. قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَغَانِمَ) : أَيْ وَأَثَابَهُمْ مَغَانِمَ، أَوْ أَثَابَكُمْ مَغَانِمَ؛ لِأَنَّهُ يُقْرَأُ: «تَأْخُذُونَهَا» بِالتَّاءِ وَالْيَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأُخْرَى) : أَيْ وَوَعَدَكُمْ أُخْرَى، وَأَثَابَكُمْ أُخْرَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً. وَ «لَمْ تَقْدِرُوا» صِفَتُهُ، وَ «قَدْ أَحَاطَ» : الْخَبَرُ.

стр. 1164

وَيَجُوزُ أَنَّ تَكُونَ «هَذِهِ» صِفَةً، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ وَثَمَّ أُخْرَى. وَ (سُنَّةَ اللَّهِ) : قَدْ ذُكِرَ فِي سُبْحَانَ. قَالَ تَعَالَى: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْهَدْيَ) : هُوَ مَعْطُوفٌ؛ أَيْ وَصَدُّوا الْهَدْيَ. وَ (مَعْكُوفًا) : حَالٌ مِنَ الْهَدْيِ. وَ (أَنْ يَبْلُغَ) : عَلَى تَقْدِيرِ: مِنْ أَنْ يَبْلُغَ، أَوْ عَنْ أَنْ يَبْلُغَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الْهَدْيِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ؛ أَيْ صَدُّوا بُلُوغَ الْهَدْيِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَطَؤُهُمْ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنْ «رِجَالٌ» بَدَلَ الِاشْتِمَالِ؛ أَيْ وَطْءَ رِجَالٍ بِالْقَتْلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي «تَعْلَمُوهُمْ» أَيْ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ وَطْأَهُمْ؛ فَهُوَ اشْتِمَالٌ أَيْضًا، وَلَمْ تَعْلَمُوهُمْ صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ. (فَتُصِيبَكُمْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى «تَطَؤُوا» . وَ «بِغَيْرِ عِلْمٍ» : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، أَوْ صِفَةٌ لِمَعَرَّةٍ. (لَعَذَّبْنَا) : جَوَابُ لَوْ تَزَيَّلُوا، وَجَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ أَغْنَى عَنْهُ جَوَابُ لَوْ. قِيلَ: هُوَ جَوَابُهُمَا جَمِيعًا. وَقِيلَ: هُوَ جَوَابُ الْأَوَّلِ. وَجَوَابُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) : هُوَ بَدَلٌ؛ وَحَسُنَ لَمَّا أُضِيفَ إِلَى مَا حَصَّلَ مَعْنًى، فَهُوَ كَصِفَةِ النَّكِرَةِ الْمُبْدَلَةِ.

стр. 1165

وَ (كَلِمَةَ التَّقْوَى) : أَيِ الْعَمَلَ، أَوِ النُّطْقَ، أَوْ الِاعْتِقَادَ، فَحُذِفَ لِفَهْمِ الْمَعْنَى. قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْحَقِّ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِصَدَقَ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الرُّؤْيَا. (لَتَدْخُلُنَّ) : هُوَ تَفْسِيرُ الرُّؤْيَا. أَوْ مُسْتَأْنَفٌ؛ أَيْ وَاللَّهِ لَتَدْخُلُنَّ. وَ (آمِنِينَ) : حَالٌ، وَالشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ مُسَدَّدٌ. وَ (مُحَلِّقِينَ) : حَالٌ أُخْرَى، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي آمِنِينَ. (لَا تَخَافُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُؤَكِّدَةً، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا؛ أَيْ لَا تَخَافُونَ أَبَدًا. قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْهُدَى) : هُوَ حَالٌ، أَيْ أَرْسَلَهُ هَادِيًا. قَالَ تَعَالَى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُحَمَّدٌ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ. وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: «رَسُولُ اللَّهِ» فَيَتِمُّ الْوَقْفُ إِلَّا أَنْ تَجْعَلَ «الَّذِينَ» فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ؛ أَيْ وَرَسُولِ الَّذِينَ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ «أَشِدَّاءُ» أَيْ هُمْ أَشِدَّاءُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «رَسُولُ اللَّهِ» صِفَةً، وَ «الَّذِينَ» مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُبْتَدَأِ، وَ «أَشِدَّاءُ» الْخَبَرُ. وَ (رُحَمَاءُ) : خَبَرٌ ثَانٍ، وَكَذَلِكَ «تَرَاهُمْ» وَ «يَبْتَغُونَ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «تَرَاهُمْ» مُسْتَأْنَفًا.

стр. 1166

وَيُقْرَأُ (أَشِدَّاءَ) ، وَ (رُحَمَاءَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي الظَّرْفِ، وَهُوَ «مَعَهُ» وَسُجَّدًا: حَالٌ ثَانِيَةٌ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «رُكَّعًا» مُقَدَّرَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «يَبْتَغُونَ» حَالًا ثَالِثَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: (سِيمَاهُمْ) : هُوَ فِعْلٌ مَنْ سَامَ يَسُومُ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مُسَوِّمِينَ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٢٥] وَ (فِي وُجُوهِهِمْ) : خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَ «مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ» : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ) : إِنْ شِئْتَ عَطَفْتَهُ عَلَى الْمَثَلِ الْأَوَّلِ؛ أَيْ هَذِهِ صِفَاتُهُمْ فِي الْكِتَابَيْنِ؛ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أَيْ هُمْ كَزَرْعٍ؛ أَوْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ؛ أَيْ مُمَاثِلِينَ؛ أَوْ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ تَمْثِيلًا كَزَرْعٍ. وَ (شَطْأَهُ) بِالْهَمْزِ، وَبِغَيْرِ هَمْزٍ وَلَا أَلِفٍ؛ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَلْقَى حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى الطَّاءِ وَحَذَفَهَا. وَيُقْرَأُ بِالْأَلْفِ عَلَى الْإِبْدَالِ، وَبِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ، وَهِيَ لُغَةٌ. وَ (عَلَى سُوقِهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ قَائِمًا عَلَى سُوقِهِ، وَأَنْ يَكُونَ ظَرْفًا. وَ (يُعْجِبُ) : حَالٌ. وَ (مِنْهُمْ) : لِبَيَانِ الْجِنْسِ تَفْضِيلًا لَهُمْ بِتَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1167

سُورَةُ الْحُجُرَاتِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تُقَدِّمُوا) : الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ لَا تُقَدِّمُوا مَا لَا يَصْلُحُ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالدَّالِ؛ أَيْ تَتَقَدَّمُوا. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَحْبَطَ) : أَيْ مَخَافَةَ أَنْ تَحْبَطَ، أَوْ لِأَنْ تَحْبَطَ، عَلَى أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ. وَقِيلَ: لِئَلَّا تَحْبَطَ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُولَئِكَ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «الَّذِينَ امْتَحَنَ» : خَبَرُهُ. وَ (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) : جُمْلَةٌ أُخْرَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «الَّذِينَ امْتَحَنَ» صِفَةً لِأُولَئِكَ، وَ «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» الْخَبَرُ، وَالْجَمِيعُ خَبَرُ إِنَّ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تُصِيبُوا) : هُوَ مِثْلُ: «أَنْ تَحْبَطَ» . قَالَ تَعَالَى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)) .

стр. 1168

قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَوْ يُطِيعُكُمْ) : هُوَ مُسْتَأْنَفٌ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرَارُ؛ وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ جَازَ أَنْ يَقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ؛ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لَوْ كَلَّمْتُهُ لَكَلَّمَنِي؛ أَيْ مُتَهَيِّءٌ لِذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَضْلًا) : هُوَ مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ مَصْدَرٌ مِنْ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ تَزْيِينَهُ الْإِيمَانَ تَفَضُّلٌ، أَوْ هُوَ مَفْعُولٌ. وَ (طَائِفَتَانِ) : فَاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ. وَ (اقْتَتَلُوا) : جَمْعٌ عَلَى آحَادِ الطَّائِفَتَيْنِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) : بِالتَّثْنِيَةِ، وَالْجَمْعِ، وَالْمَعْنَى: مَفْهُومٌ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَيْتًا) : هُوَ حَالٌ مِنَ اللَّحْمِ، أَوْ مِنْ أَخِيهِ. (فَكَرِهْتُمُوهُ) : الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: عَرَضَ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ فَكَرِهْتُمُوهُ. وَالْمَعْنَى: يُعْرَضُ عَلَيْكُمْ فَتَكْرَهُونَهُ. وَقِيلَ: إِنْ صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ فَأَنْتُمْ تَكْرَهُونَهُ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِتَعَارَفُوا) أَيْ لِيَعْرِفَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَيُقْرَأُ لِتَعْرِفُوا (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَأَنَّ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ الْمَفْعُولُ.

стр. 1169

قَالَ تَعَالَى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَلِتْكُمْ) : يُقْرَأُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْيَاءِ، وَمَاضِيهِ أَلَتَ. وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ هَمْزٍ؛ وَمَاضِيهِ لَاتَ يَلِيتُ؛ وَهُمَا لُغَتَانِ، وَمَعْنَاهُمَا النُّقْصَانُ. وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ: يُلْيِتُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1170

سُورَةُ ق . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)) . مَنْ قَالَ: (ق) قَسَمٌ؛ جَعَلَ الْوَاوَ فِي (وَالْقُرْآنِ) عَاطِفَةً، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَتْ وَاوَ الْقَسَمِ، وَجَوَابُ الْقَسَمِ مَحْذُوفٌ. قِيلَ: هُوَ قَوْلُهُ: (قَدْ عَلِمْنَا. . . (٤)) أَيْ لَقَدْ، وَحُذِفَتِ اللَّامُ لِطُولِ الْكَلَامِ. وَقِيلَ: هُوَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَتُبْعَثُنَّ، أَوْ لَتُرْجَعُنَّ، عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَاتِ. وَ (بَلْ) : لِلْخُرُوجِ مِنْ قِصَّةٍ إِلَى قِصَّةٍ. وَ (إِذَا) : مَنْصُوبَةٌ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْجَوَابُ؛ أَيْ نَرْجِعُ. قَالَ تَعَالَى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوْقَهُمْ) : هُوَ حَالٌ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ ظَرْفٌ لِيَنْظُرُوا. وَ (الْأَرْضُ) : مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ السَّمَاءِ؛ أَيْ وَيَرَوُا الْأَرْضَ؛ فَـ «مَدَدْنَاهَا» عَلَى هَذَا حَالٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى تَقْدِيرِ: وَمَدَدْنَا الْأَرْضَ. وَ (تَبْصِرَةً) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ؛ أَيْ ذَاتُ تَبْصِيرٍ؛ أَوْ مَصْدَرٌ؛ أَيْ بَصَّرْنَاهُمْ تَبْصِرَةً. (وَذِكْرَى) : كَذَلِكَ.

стр. 1171

قَالَ تَعَالَى: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) : أَيْ وَحَبَّ النَّبْتِ الْمَحْصُودِ، وَحُذِفَ الْمَوْصُوفُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ فِي تَقْدِيرِ صِفَةِ الْأَوَّلِ؛ أَيْ وَالْحَبَّ الْحَصِيدَ؛ وَهَذَا بَعِيدٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَمِثْلُهُ: (حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق: ١٦] أَيْ حَبْلِ الْعِرْقِ الْوَرِيدِ؛ وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ؛ أَيْ وَارِدٌ، أَوْ بِمَعْنَى مَوْرُودٍ فِيهِ. (وَالنَّخْلَ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْحَبِّ. وَ (بَاسِقَاتٍ) : حَالٌ. وَ (لَهَا طَلْعٌ) : حَالٌ أَيْضًا. وَنَضِيدٌ بِمَعْنَى مَنْضُودٍ وَ (رِزْقًا) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْمَصْدَرِ. وَ (بِهِ) أَيْ بِالْمَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَنَعْلَمُ) : أَيْ وَنَحْنُ نَعْلَمُ، فَالْجُمْلَةُ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى (إِذْ يَتَلَقَّى) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِأَقْرَبُ، وَأَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ. وَ (قَعِيدٌ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «عَنِ الشِّمَالِ» خَبَرُهُ، وَدَلَّ «قَعِيدٌ» هَذَا عَلَى «قَعِيدٌ» الْأَوَّلِ؛ أَيْ عَنِ الْيَمِينِ قَعِيدٌ. وَقِيلَ: «قَعِيدٌ» الْمَذْكُورُ الْأَوَّلُ، وَالثَّانِي: مَحْذُوفٌ.

стр. 1172

وَقِيلَ: لَا حَذْفَ، وَقَعِيدٌ بِمَعْنَى قَعِيدَانِ، وَأَغْنَى الْوَاحِدُ عَنْ الِاثْنَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَتْ لَهُ نَظَائِرُ. وَ (رَقِيبٌ عَتِيدٌ) : وَاحِدٌ فِي اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى: رَقِيبَانِ عَتِيدَانِ. قَالَ تَعَالَى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْحَقِّ) : هُوَ حَالٌ، أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَعَهَا سَائِقٌ) : الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِنَفْسٍ، أَوْ كُلٍّ، أَوْ حَالٌ مِنْ كُلٍّ؛ وَجَازَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُمُومِ، وَالتَّقْدِيرُ: يُقَالُ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ، وَذُكِّرَ عَلَى الْمَعْنَى. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَذَا) : مُبْتَدَأٌ، وَفِي «مَا» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ نَكِرَةٌ، وَ «عَتِيدٌ» صِفَتُهَا. وَ «لَدَيَّ» مَعْمُولُ عَتِيدٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «لَدَيَّ» صِفَةً أَيْضًا، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَ «مَا» وَصِفَتُهَا خَبَرُ هَذَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ «مَا» مُبْتَدَأً، وَ «لَدَيَّ» صِلَةً، وَ «عَتِيدٌ» خَبَرَ «مَا» وَالْجُمْلَةُ خَبَرَ «هَذَا» . وَيَجُوزُ أَنَّ تَكُونَ «مَا» بَدَلًا مِنْ هَذَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «عَتِيدٌ» خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَيَكُونُ «مَا لَدَيَّ» خَبَرًا عَنْ «هَذَا» أَيْ هُوَ عَتِيدٌ، وَلَوْ جَاءَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ لَجَازَ نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ. قَالَ تَعَالَى: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلْقِيَا) أَيْ يُقَالُ ذَلِكَ، وَفِي لَفْظِ التَّثْنِيَةِ هُنَا أَوْجُهٌ؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ خِطَابُ الْمَلَكَيْنِ. وَالثَّانِي: هُوَ لِوَاحِدٍ، وَالْأَلِفُ عِوَضٌ مِنْ تَكْرِيرِ الْفِعْلِ؛ أَيْ أَلْقِ أَلْقِ. وَالثَّالِثُ: هُوَ لِوَاحِدٍ؛ وَلَكِنْ خَرَجَ عَلَى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ عَلَى عَادَتِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ خَلِيلِيَّ عُوجَا،

стр. 1173

وَخَلِيلِيَّ مُرَّا بِي؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ أَنْ يَصْحَبَهُ فِي السَّفَرِ اثْنَانِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُخَاطِبُ الْوَاحِدَ بِخِطَابِ الِاثْنَيْنِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: فَإِنْ تَزْجُرَانِي يَا بْنَ عَفَّانَ أَنْزَجِرْ ... وَإِنْ تَدَعَانِي أَحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعًا وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْأَلِفَ بَدَلٌ مِنَ النُّونِ الْخَفِيفَةِ، وَأُجْرِيَ الْوَصْلُ مَجْرَى الْوَقْفِ. قَالَ تَعَالَى: (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُرِيبٍ الَّذِي) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ التَّنْوِينِ. وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا فِرَارًا مِنَ الْكَسَرَاتِ وَالْيَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢)) . (غَيْرَ بَعِيدٍ) : أَيْ مَكَانًا غَيْرَ بَعِيدٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَمْ يُؤَنَّثْ؛ لِأَنَّ الْجَنَّةَ وَالْبُسْتَانَ وَالْمَنْزِلَ مُتَقَارِبَاتٌ. وَ (هَذَا مَا تُوعَدُونَ) : التَّقْدِيرُ: يُقَالُ لَهُمْ: «هَذَا. . .» وَالْيَاءُ فِي «تُوعَدُونَ» عَلَى الْغَيْبَةِ؛ وَالتَّاءُ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْخِطَابِ. قَالَ تَعَالَى: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ خَشِيَ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أَيْ هُمْ مَنْ خَشِيَ، أَوْ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ «الْمُتَّقِينَ» أَوْ مِنْ «كُلِّ أَوَّابٍ» أَوْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ أَعْنِي مَنْ خَشِيَ. وَقِيلَ: «مَنْ» : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُقَالُ لَهُمُ ادْخُلُوهَا. وَ (بِسَلَامٍ) : حَالٌ.

стр. 1174

قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) أَيْ زَمَنُ ذَلِكَ «يَوْمُ الْخُلُودِ» . قَالَ تَعَالَى: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيهَا) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَشَاءُونَ؛ وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «مَا» أَوْ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ. وَ (كَمْ) : نُصِبَ بِـ «أَهْلَكْنَا» . وَ (هُمْ أَشَدُّ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَرًّا صِفَةً لِقَرْنٍ، وَنَصْبًا صِفَةً لِكَمْ. وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي «فَنَقَّبُوا» عَطْفًا عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ بَطَشُوا فَنَقَّبُوا، وَفِيهَا قِرَاءَاتٌ ظَاهِرَةُ الْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى: هَلْ لَهُمْ، أَوْ هَلْ لِمَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُمْ. (مِنْ مَحِيصٍ) : أَيْ مَهْرَبٍ، فَحُذِفَ الْخَبَرُ. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، جَمْعُ دُبُرٍ، وَبِكَسْرِهَا مَصْدَرُ أَدْبَرَ؛ وَالتَّقْدِيرُ: وَقْتَ إِدْبَارِ السُّجُودِ. وَ (يَوْمَ يَسْمَعُونَ) : بَدَلٌ مِنْ «يَوْمَ يُنَادِي» . وَ (يَوْمَ تَشَقَّقُ) ظَرْفٌ لِلْمَصِيرِ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ يَوْمَ الْأَوَّلِ. وَ (سِرَاعًا) : حَالٌ؛ أَيْ يَخْرُجُونَ سِرَاعًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «يَوْمَ تَشَقَّقُ» ظَرْفًا لِهَذَا الْمُقَدَّرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1175

سُورَةُ الذَّارِيَاتِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَرْوًا) : مَصْدَرٌ الْعَامِلُ فِيهِ اسْمُ الْفَاعِلِ. وَ (وِقْرًا) : مَفْعُولُ «الْحَامِلَاتِ» وَ (يُسْرًا) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ مُيَسَّرَةً. وَ (أَمْرًا) : مَفْعُولُ «الْمُقَسِّمَاتِ» . قَالَ تَعَالَى: (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُؤْفَكُ عَنْهُ) : الْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى الدِّينِ؛ أَوْ عَلَى «مَا تُوعَدُونَ» . وَقِيلَ: عَلَى «قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ» أَيْ يُصْرَفُ عَنْ ذَلِكَ مَنْ صُرِفَ عَنِ الْحَقِّ. قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ هُمْ) : هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْجُمْلَةِ، وَمَوْضِعُهُ رَفْعٌ؛ أَيْ هُوَ يَوْمُ هُمْ. . . . وَقِيلَ: هُوَ مُعْرَبٌ، وَفُتِحَ عَلَى حُكْمِ الظَّرْفِ. وَقِيلَ: مَوْضِعُهُ نَصْبٌ؛ أَيْ أَعْنِي يَوْمَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ ظَرْفٌ لِلدِّينِ؛ أَيْ يَوْمَ الْجَزَاءِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: يُجَازَوْنَ يَوْمَ هُمْ. وَ (هُمْ) : مُبْتَدَأٌ وَ «يُفْتَنُونَ» : الْخَبَرُ وَعَدَّاهُ بِعَلَى؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يُجْبَرُونَ عَلَى النَّارِ. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى فِي.

стр. 1176

قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)) . وَ (آخِذِينَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ وَالظَّرْفُ خَبَرُ إِنَّ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَاءَ الظَّرْفُ هُنَا خَبَرًا؛ وَ «آخِذِينَ» حَالًا، وَعَكْسُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) [الزُّخْرُفِ: ٧٤] . قِيلَ: الْخَبَرُ مَقْصُودُ الْجُمْلَةِ، وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ الْمُجْرِمِينَ الْإِخْبَارُ عَنْ تَخْلِيدِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يَكُونُ فِي النَّارِ؛ وَلَكِنْ يَخْرُجُ مِنْهَا؛ فَأَمَّا «إِنَّ الْمُتَّقِينَ. . .» فَجُعِلَ الظَّرْفُ فِيهَا خَبَرًا؛ لِأَنَّهُمْ يَأْمَنُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا، فَجُعِلَ آخِذِينَ فَضْلَةً. قَالَ تَعَالَى: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَانُوا قَلِيلًا) : فِي خَبَرِ «كَانَ» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: «مَا يَهْجَعُونَ» وَفِي «مَا» عَلَى هَذَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ زَائِدَةٌ؛ أَيْ كَانُوا يَهْجَعُونَ قَلِيلًا، وَ «قَلِيلًا» نَعْتٌ لِظَرْفٍ، أَوْ مَصْدَرٌ؛ أَيْ زَمَانًا قَلِيلًا، أَوْ هُجُوعًا قَلِيلًا. وَالثَّانِي: هِيَ نَافِيَةٌ؛ ذَكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، وَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ مَا فِي حَيِّزِهِ، وَ «قَلِيلًا» مِنْ حَيِّزِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ (قَلِيلًا) : خَبَرُ كَانَ وَ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ؛ أَيْ كَانُوا قَلِيلًا هُجُوعُهُمْ؛ كَمَا تَقُولُ: كَانُوا يَقِلُّ هُجُوعُهُمْ. وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ «مَا يَهْجَعُونَ» بَدَلًا مِنَ اسْمِ كَانَ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ. وَ (مِنَ اللَّيْلِ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ «يَهْجَعُونَ» عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْدِيمِ مَعْمُولِ الْمَصْدَرِ عَلَيْهِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّبْيِينِ؛ أَيْ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ يَهْجَعُونَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ «قَلِيلًا» ثُمَّ اسْتَأْنَفَ؛ فَقَالَ: مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّكَ إِنْ جَعَلْتَ «مَا» نَافِيَةً فَسَدَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ جَعَلْتَهَا مَصْدَرِيَّةً لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَدْحٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ النَّاسِ يَهْجَعُونَ فِي اللَّيْلِ. (

стр. 1177

وَبِالْأَسْحَارِ) : الْبَاءُ بِمَعْنَى فِي. قَالَ تَعَالَى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ) : الْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ وَفِي أَنْفُسِكُمْ آيَاتٌ، وَمَنْ رَفَعَ بِالظَّرْفِ جَعَلَ ضَمِيرَ الْآيَاتِ فِي الظَّرْفِ. وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ «تُبْصِرُونَ» وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ وَالْفَاءَ يَمْنَعَانِ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ) : أَيْ سَبَبُ رِزْقِكُمْ، يَعْنِي الْمَطَرَ. قَالَ تَعَالَى: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِثْلَ مَا) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ نَعَتٌ لِـ «حَقٌّ» أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمَا خَبَرٌ وَاحِدٌ؛ مِثْلَ حُلْوٍ حَامِضٍ. وَ «مَا» زَائِدَةٌ عَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ. وَيُقْرَأُ بِالْفَتْحِ وَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مُعْرَبٌ، ثُمَّ فِي نَصْبِهِ عَلَى هَذَا أَوْجُهٌ؛ إِمَّا هُوَ حَالٌ مِنَ النَّكِرَةِ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهَا، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَرْفُوعُ الْمَوْضِعِ؛ وَلَكِنَّهُ فُتِحَ كَمَا فُتِحَ الظَّرْفُ فِي قَوْلِهِ: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) [الْأَنْعَامِ: ٩٤] عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ وَ «مَا» عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ زَائِدَةٌ أَيْضًا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ مَبْنِيٌّ، وَفِي كَيْفِيَّةِ بِنَائِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ رَكِبَ مَعَ «مَا» كَخَمْسَةَ عَشَرَ، وَ «مَا» عَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً، وَأَنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بُنِيَتْ لِأَنَّهَا أُضِيفَتْ إِلَى مُبْهَمٍ، وَفِيهَا إِبْهَامٌ، وَقَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) [هُودٍ: ٦٦] فَتَكُونُ «مَا» عَلَى هَذَا أَيْضًا إِمَّا زَائِدَةً، وَإِمَّا بِمَعْنَى شَيْءٍ.

стр. 1178

وَأَمَّا «أَنَّكُمْ» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهَا جَرًّا بِالْإِضَافَةِ إِذَا جُعِلَتْ «مَا» زَائِدَةً، وَأَنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنْهَا إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى شَيْءٍ؛ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ رَفْعٍ عَلَى تَقْدِيرِ: هُوَ أَنَّكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ دَخَلُوا) : «إِذْ» ظَرْفٌ لِحَدِيثٍ، أَوْ لِضَيْفٍ، أَوْ لِمُكْرَمِينَ؛ لَا لِأَتَاكَ. وَقَدْ ذُكِرَ الْقَوْلُ فِي «سَلَامًا» فِي هُودٍ. قَالَ تَعَالَى: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي صَرَّةٍ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ. وَ (كَذَلِكَ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «قَالَ» الثَّانِيَةِ. قَالَ تَعَالَى: (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُسَوَّمَةً) : هُوَ نَعْتٌ لِحِجَارَةٍ أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ. وَ (عِنْدَ) : ظَرْفٌ لِمُسَوَّمَةٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَفِي مُوسَى) أَيْ وَتَرَكْنَا فِي مُوسَى آيَةً. وَ (إِذْ) : ظَرْفٌ لِآيَةٍ، أَوْ لِتَرَكْنَا، أَوْ نَعْتٌ لَهَا. وَ (بِسُلْطَانٍ) : حَالٌ مِنْ مُوسَى، أَوْ مِنْ ضَمِيرِهِ. وَ (بِرُكْنِهِ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ فِرْعَوْنَ. قَالَ تَعَالَى: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣)) . (وَفِي عَادٍ) ؛ (وَفِي ثَمُودَ) أَيْ وَتَرَكْنَا آيَةَ.

стр. 1179

قَالَ تَعَالَى: (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَوْمَ نُوحٍ) : يُقْرَأُ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى ثَمُودَ. وَبِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ: وَأَهْلَكْنَا؛ وَدَلَّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِهْلَاكِ الْأُمَمِ الْمَذْكُورِينَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى مَوْضِعِ «وَفِي مُوسَى» . وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَا بَعْدَهُ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ: أُهْلِكُوا. (وَالسَّمَاءَ) : مَنْصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ وَرَفَعْنَا السَّمَاءَ، وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا عَمِلَ فِيهِ الْفِعْلُ. «وَالْأَرْضَ» مِثْلُهُ. وَ (بِأَيْدٍ) : حَالٌ مِنَ الْفِعْلِ. وَ (نِعْمَ الْمَاهِدُونَ) أَيْ نَحْنُ، فَحُذِفَ الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ. (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِـ «خَلَقْنَا» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِـ «زَوْجَيْنِ» قُدِّمَ فَصَارَ حَالًا. قَالَ تَعَالَى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكَ) : أَيِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْمَتِينُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى النَّعْتِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ. وَقِيلَ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هُوَ الْمَتِينُ، وَهُوَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ مَعْنَى الْقُوَّةِ؛ إِذْ مَعْنَاهُ الْبَطْشُ، وَهَذَا فِي مَعْنَى الْقِرَاءَةِ بِالْجَرِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1180

سُورَةُ الطُّورِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)) . الْوَاوُ الْأُولَى لِلْقَسَمِ، وَمَا بَعْدَهَا لِلْعَطْفِ. قَالَ تَعَالَى: (فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي رِقٍّ) : «فِي» تَتَعَلَّقُ بِمَسْطُورٍ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا آخَرَ، وَجَوَابُ الْقَسَمِ: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ) [الطُّورِ: ٧] . قَالَ تَعَالَى: (مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَالَهُ مِنْ دَافِعٍ) : الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِوَاقِعٌ؛ أَيْ وَاقِعٌ غَيْرُ مَدْفُوعٍ. وَ (يَوْمَ) ظَرْفٌ لِدَافِعٍ، أَوْ لِوَاقِعٍ. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ: «فَوَيْلٌ» . وَ (يَوْمَ يُدَعُّونَ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ «يَوْمَ تَمُورُ» أَوْ ظَرْفٌ لِيُقَالُ الْمَقْدِرَةِ مَعَ هَذِهِ؛ أَيْ يُقَالُ لَهُمْ هَذِهِ. قَالَ تَعَالَى: (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَسِحْرٌ) : هُوَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. وَ (سَوَاءٌ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ صَبْرُكُمْ وَتَرْكُهُ سَوَاءٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاكِهِينَ) : حَالٌ، وَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى فِي.

стр. 1181

وَ (مُتَّكِئِينَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «كُلُوا» أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «وَقَاهُمْ» أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «آتَاهُمْ» أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي فَاكِهِينَ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «أَلْحَقْنَا بِهِمْ» : خَبَرُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ: وَأَكْرَمْنَا الَّذِينَ. وَ (اتَّبَعَتْهُمْ) : فِيهِ اخْتِلَافٌ قَدْ مَضَى أَصْلُهُ. وَ (أَلَتْنَاهُمْ) قَدْ ذُكِرَ فِي الْحُجُرَاتِ. وَ (مِنْ) الثَّانِيَةُ زَائِدَةٌ، وَالْأُولَى حَالٌ مِنْ شَيْءٍ، أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَلَتْنَا. وَ (يَتَنَازَعُونَ) : حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)) . وَ (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ) : بِالْفَتْحِ؛ أَيْ بِأَنَّهُ، أَوْ لِأَنَّهُ. وَقُرِئَ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. قَالَ تَعَالَى: (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِنِعْمَةِ رَبِّكَ) : الْبَاءُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ «بِكَاهِنٍ» أَوْ «مَجْنُونٍ» . وَالتَّقْدِيرُ: مَا أَنْتَ كَاهِنًا وَلَا مَجْنُونًا مُتَلَبِّسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ. وَ «أَمْ» فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مُنْقَطِعَةٌ، وَ «نَتَرَبَّصُ» : صِفَةُ «شَاعِرٌ» . قَالَ تَعَالَى: (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْتَمِعُونَ فِيهِ) : «فِي» هُنَا عَلَى بَابِهَا. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى عَلَى.

стр. 1182

قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ يَرَوْا) : قِيلَ: «إِنْ» عَلَى بَابِهَا. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى لَوْ. وَ (يَوْمَهُمُ) : مَفْعُولٌ بِهِ. وَ (يُصْعَقُونَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَمَاضِيهِ: صَعِقَ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا، وَمَاضِيهِ صَعِقَ، وَقِيلَ: صَعُقَ مِثْلُ سَعُدَ. وَ (يَوْمَ لَا يُغْنِي) : بَدَلٌ مِنْ «يَوْمِهِمْ» . قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)) . (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) : مِثْلُ أَدْبَارِ السُّجُودِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي «ق» .

стр. 1183

سُورَةُ النَّجْمِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا هَوَى) : الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ فِعْلُ الْقَسَمِ الْمَحْذُوفِ؛ أَيْ أُقْسِمُ بِالنَّجْمِ وَقت هويه وَقيل النَّجْم نزُول الْقُرْآن فَيكون الْعَامِل فِي الظّرْف نفس النَّجْم، وَجَوَابُ الْقَسَمِ «مَا ضَلَّ» . وَ (عَنِ) : عَلَى بَابِهَا؛ أَيْ لَا يَصْدُرُ نُطْقُهُ عَنِ الْهَوَى. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْبَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَّمَهُ) : صِفَةٌ لِلْوَحْيِ؛ أَيْ عَلَّمَهُ إِيَّاهُ. قَالَ تَعَالَى: (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاسْتَوَى) : أَيْ فَاسْتَقَرَّ. «وَهُوَ» مُبْتَدَأٌ، وَ «بِالْأُفُقِ» خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ «اسْتَوَى» . وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى فَاعِلِ «اسْتَوَى» وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ تَعَالَى: فَاسْتَوَى هُوَ وَهُوَ؛ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَعْنَى فَاسْتَوَيَا بِالْأُفُقِ؛ يَعْنِي مُحَمَّدًا وَجِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا. وَأَلِفُ «قَابَ» مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ، وَ «أَوْ» عَلَى الْإِبْهَامِ؛ أَيْ لَوْ رَآهُ الرَّائِي لَالْتَبَسَ عَلَيْهِ مِقْدَارُ الْقُرْبِ. قَالَ تَعَالَى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)) .

стр. 1184

قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ) : يُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ، وَ «مَا» : مَفْعُولُهُ؛ أَيْ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ الشَّيْءَ الَّذِي رَأَتِ الْعَيْنُ؛ أَوْ مَا رَأَى الْفُؤَادُ. وَيُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ، وَالْمَعْنَى قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ. وَ (تُمَارُونَهُ) : تُجَادِلُونَهُ. وَ (تَمْرُونَهُ) : تَجْحَدُونَهُ. وَ (نَزْلَةً) : مَصْدَرٌ؛ أَيْ مَرَّةً أُخْرَى؛ أَوْ رُؤْيَةً أُخْرَى. (عِنْدَ) : ظَرْفٌ لِرَأَى. وَ (عِنْدَهَا) : حَالٌ مِنَ السِّدْرَةِ. وَيُقْرَأُ: جَنَّهُ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ؛ وَهُوَ شَاذٌّ، وَالْمُسْتَعْمَلُ أَجَنَّهُ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ) : ظَرْفُ زَمَانٍ لَرَأَى. وَ (الْكُبْرَى) : مَفْعُولُ رَأَى. وَقِيلَ: هُوَ نَعْتٌ لِآيَاتٍ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ شَيْئًا مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ. قَالَ تَعَالَى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)) . وَ (اللَّاتَ) : تُكْتَبُ بِالتَّاءِ وَالْهَاءِ. وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ، وَفِي «الْعُزَّى» زَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا عَلَمَانِ. وَقِيلَ: هُمَا صِفَتَانِ غَالِبَتَانِ، مِثْلُ الْحَارِثِ وَالْعَبَّاسِ، فَلَا تَكُونُ زَائِدَةً. وَأَصْلُ اللَّاتِ لَوْيَةُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَى يَلْوِي، فَحُذِفَتِ الْيَاءُ، وَتَحَرَّكَتِ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا، فَقُلِبَتْ أَلِفًا. وَقِيلَ: لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ.

стр. 1185

وَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ لَاتَ يَلِيتُ، فَالتَّاءُ عَلَى هَذَا أَصْلٌ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، قَالُوا: وَهُوَ رَجُلٌ كَانَ يَلِتُّ لِلْحَاجِّ السَّوِيقَ وَغَيْرَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَلَمَّا مَاتَ عُبِدَ ذَلِكَ الْحَجَرُ. وَالْعُزَّى: فُعْلَى مِنَ الْعِزِّ. (وَمَنَاةَ) : عَلَمٌ لِصَنَمٍ؛ وَأَلِفُهُ مِنْ يَاءٍ؛ لِقَوْلِكَ: مَنَى يَمْنِي، إِذَا قَدَرَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْوَاوِ، وَمِنْهُ مَنَوَانِ. وَ (الْأُخْرَى) : تَوْكِيدٌ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا أُخْرَى. قَالَ تَعَالَى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ضِيزَى) : أَصْلُهُ ضُوزَى مِثْلَ: طُوبَى، كُسِرَ أَوَّلُهَا، فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً، وَلَيْسَتْ فِعْلَى فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا مَا حَكَاهُ ثَعْلَبٌ مِنْ قَوْلِهِمْ؛ رَجُلٌ كِيصَى، وَمِيتَةٌ حِيكَى. وَحَكَى غَيْرُهُ: امْرَأَةٌ عِزْهَى، وَامْرَأَةٌ سِعْلَى، وَالْمَعْرُوفُ عَزْهَاةٌ وَسِعْلَاةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ هَمَزَ «ضِيزَى» . قَالَ تَعَالَى: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَسْمَاءٌ) : يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى ذَوَاتِ أَسْمَاءٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (سَمَّيْتُمُوهَا) لِأَنَّ لَفْظَ الِاسْمِ لَا يُسَمَّى. وَ (أَمْ) : هُنَا مُنْقَطِعَةٌ.

стр. 1186

قَالَ تَعَالَى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا. . . (٢٦)) . وَ (شَفَاعَتُهُمْ) : جَمْعٌ عَلَى مَعْنَى كَمْ، لَا عَلَى اللَّفْظِ؛ وَهِيَ هُنَا خَبَرِيَّةٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ «لَا تُغْنِي» الْخَبَرُ. قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا. . . (٣١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَجْزِيَ) : اللَّامُ تَتَعَلَّقُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ» أَيْ حَفِظَ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ. وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ» أَيْ أَعْلَمُكُمْ بِمُلْكِهِ وَقُوَّتِهِ. . . . قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ (٣٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِلَّذِينِ أَحْسَنُوا، أَوْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى تَقْدِيرِ: «هُمْ» . وَ (إِلَّا اللَّمَمَ) : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ اللَّمَمَ: الذَّنَبُ الصَّغِيرُ. قَالَ تَعَالَى: (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَهُوَ يَرَى) : جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ فِعْلِيَّةٍ؛ وَالْأَصْلُ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَيَرَى، وَلَوْ جَاءَ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ نَصْبًا عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ. (وَإِبْرَاهِيمَ) عُطِفَ عَلَى مُوسَى. قَالَ تَعَالَى: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ لَا تَزِرُ) : «أَنْ» مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَمَوْضِعُ الْكَلَامِ جَرُّ بَدَلٍ مِنْ «مَا» أَوْ رَفْعٌ عَلَى تَقْدِيرِ: هُوَ أَنْ لَا. وَ (وِزْرَ) مَفْعُولٌ بِهِ؛ وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ.

стр. 1187

قَالَ تَعَالَى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْ لَيْسَ) : «أَنْ» مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ أَيْضًا، وَسَدَّ مَا فِي مَعْنَى لَيْسَ مِنَ النَّفْيِ مَسَدَّ التَّعْوِيضِ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَوْفَ يُرَى) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْيَاءِ، وَهُوَ الْوَجْهُ؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ «أَنَّ» وَفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى اسْمِهَا. وَقُرِئَ بِفَتْحِ الْيَاءِ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى اسْمِ «أَنَّ» وَهُوَ السَّعْيُ؛ وَالضَّمِيرُ الَّذِي فِيهِ لِلْهَاءِ، فَيَبْقَى الِاسْمُ بِغَيْرِ خَبَرٍ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: إِنَّ غُلَامَ زِيدٍ قَامَ - وَأَنْتَ تَعْنِي قَامَ زَيْدٌ، فَلَا خَبَرَ لِغُلَامٍ، وَقَدْ وُجِّهَ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ: سَوْفَ يَرَاهُ، فَتَعُودُ الْهَاءُ عَلَى السَّعْيِ، وَفِيهِ بُعْدٌ. قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) : هُوَ مَفْعُولُ يُجْزَى؛ وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ؛ لِأَنَّهُ وُصِفَ بِالْأَوْفَى، وَذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْمَجْزِيِّ بِهِ، لَا مِنْ صِفَةِ الْفِعْلِ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨)) . أَلِفُ «أَقْنَى» مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَادًا الْأُولَى) : يُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ؛ لِأَنَّ عَادًا اسْمُ الرَّجُلِ، أَوِ الْحَيِّ. وَالْهَمْزُ بَعْدُ مُحَقَّقٌ. وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ الْقَبِيلَةِ. وَيُقْرَأُ مُنَوَّنًا مُدْغَمًا؛ وَفِيهِ تَقْدِيرَانِ:

стр. 1188

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَلْقَى حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى اللَّامِ، وَحَذَفَ هَمْزَةَ الْوَصْلِ قَبْلَ اللَّامِ، فَلَقِيَ التَّنْوِينُ اللَّامَ الْمُتَحَرِّكَةَ، فَأُدْغِمَ فِيهَا؛ كَمَا قَالُوا: لَحْمَرُ. قَالَ تَعَالَى: (وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَثَمُودَ) : هُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ وَأَهْلَكَ ثَمُودَ، وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ «مَا أَبْقَى» مِنْ أَجْلِ حَرْفِ النَّفْيِ؛ وَكَذَلِكَ «قَوْمَ نُوحٍ» وَيَجُوزُ أَنْ يَعْطِفَ عَلَى «عَادًا» (وَالْمُؤْتَفِكَةَ) : مَنْصُوبٌ بِـ «أَهْوَى» . وَ (مَا غَشَّى) : مَفْعُولٌ ثَانٍ. قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)) . (كَاشِفَةٌ) : مَصْدَرٌ مِثْلُ الْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ؛ أَيْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَشْفٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَيْسَ لَهَا كَاشِفٌ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلَ رَاوِيَةٍ وَعَلَّامَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

стр. 1189

سُورَةُ الْقَمَرِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكُلُّ أَمْرٍ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ (مُسْتَقِرٌّ) : خَبَرُهُ. وَيقْرَأ بِفَتْح الْقَاف أَي مُسْتَقر عَلَيْهِ وَيجوز أَن يكون مصدرا كالاستقرار وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ صِفَةً لِأَمَرٍ؛ وَفِي «كُلُّ» وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ مَعْمُولٌ بِهِ، أَوْ أَتَى. وَالثَّانِي: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «السَّاعَةِ» . قَالَ تَعَالَى: (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حِكْمَةٌ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ «مَا» وَهُوَ فَاعِلُ (جَاءَهُمْ) . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. (فَمَا تُغْنِي) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً، وَأَنْ تَكُونَ اسْتِفْهَامًا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتُغْنِي. وَ (النُّذُرُ) : جَمْعُ نَذِيرٍ. قَالَ تَعَالَى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (نُكُرٍ) : بِضَمِّ النُّونِ وَالْكَافِ، وَبِإِسْكَانِ الْكَافِ؛ وَهُوَ صِفَةٌ بِمَعْنَى مُنْكَرٍ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. قَالَ تَعَالَى: (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)) .

стр. 1190

قَوْلُهُ تَعَالَى: (خُشَّعًا) : هُوَ حَالٌ، وَفِي الْعَامِلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَدْعُو؛ أَيْ يَدْعُوهُمُ الدَّاعِي، وَصَاحِبُ الْحَالِ الضَّمِيرُ الْمَحْذُوفُ. وَ «أَبْصَارُهُمْ» مَرْفُوعٌ بِخُشَّعًا، وَجَازَ أَنْ يَعْمَلَ الْجَمْعُ لِأَنَّهُ مُكَسَّرٌ. وَالثَّانِي: الْعَامِلُ «يَخْرُجُونَ» . وَقُرِئَ: خَاشِعًا؛ وَالتَّقْدِيرُ: فَرِيقًا خَاشِعًا؛ وَلَمْ يُؤَنَّثْ؛ لِأَنَّ تَأْنِيثَ الْفَاعِلِ تَأْنِيثُ الْجَمْعِ، وَلَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ خَاشِعًا بِيَدْعُو عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُهُ. وَ «يَخْرُجُونَ» عَلَى هَذَا حَالٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَبْصَارِ. وَ (كَأَنَّهُمْ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يَخْرُجُونَ» . وَ (مُهْطِعِينَ) : حَالٌ مِنَ الْضَّمِيرِ فِي «مُنْتَشِرٌ» عِنْدَ قَوْمٍ؛ وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي «مُنْتَشِرٌ» لِلْجَرَادِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَالٌ مَنْ «يَخْرُجُونَ» أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَحْذُوفِ. وَ (يَقُولُ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «مُهْطِعِينَ» . قَالَ تَعَالَى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَازْدُجِرَ) : الدَّالُ بَدَلٌ مِنَ التَّاءِ، لِأَنَّ التَّاءَ مَهْمُوسَةٌ وَالزَّايَ مَجْهُورَةٌ، فَأُبْدِلَتْ حَرْفًا مَجْهُورًا يُشَارِكُهَا فِي الْمَخْرَجِ وَهُوَ الدَّالُ. قَالَ تَعَالَى: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنِّي) : يُقْرَأُ بِالْفَتْحِ؛ أَيْ بِأَنِّي، وَبِالْكَسْرِ؛ لِأَنَّ «دَعَا» بِمَعْنَى قَالَ. قَالَ تَعَالَى: (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَالْتَقَى الْمَاءُ) : أَرَادَ الْمَاءَانِ، فَاكْتَفَى بِالْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ جِنْسٌ. وَ (عَلَى أَمْرٍ) : حَالٌ، أَوْ ظَرْفٌ. وَالْهَاءُ فِي «حَمَلْنَاهُ» لِنُوحٍ ﵇. وَ (تَجْرِي) : صِفَةٌ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ. وَ (بِأَعْيُنِنَا) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «تَجْرِي» أَيْ مَحْفُوظَةٌ.

стр. 1191

وَ (جَزَاءً) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ بِتَقْدِيرِ جَازَيْنَاهُمْ. وَ (كُفِرَ) أَيْ بِهِ، وَهُوَ نُوحٌ ﵇. وَيُقْرَأُ «كَفَرَ» عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ؛ أَيِ الْكَافِرُ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦)) . وَ (مُدَّكِرٍ) بِالدَّالِ، وَأَصْلُهُ الذَّالُ وَالتَّاءُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي يُوسُفَ. وَيُقْرَأُ بِالذَّالِ مُشَدَّدَةً، وَقَدْ ذُكِرَ أَيْضًا. (وَنُذُرِ) : بِمَعْنَى إِنْذَارٍ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَنُذُرِي. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)) . وَ (مُسْتَمِرٍّ) نَعْتٌ لِنَحْسٍ. وَقِيلَ: لِيَوْمٍ. وَ (كَأَنَّهُمْ) : حَالٌ. وَ «مُنْقَعِرٍ» : نَعْتٌ لِنَخْلٍ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. قَالَ تَعَالَى: (فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَبَشَرًا) : هُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الْمَذْكُورُ؛ أَيْ أَنَتَّبِعُ بَشَرًا، وَ «مِنَّا» : نَعْتٌ. وَيُقْرَأُ «أَبَشَرٌ» بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَ «مِنَّا» نَعْتٌ لَهُ. وَ (وَاحِدًا) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِي «نَتَّبِعُهُ» .

стр. 1192

قَالَ تَعَالَى: (أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ بَيْنِنَا) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ؛ أَيْ عَلَيْهِ مُنْفَرِدًا. وَ (أَشِرٌ) بِكَسْرِ الشِّينِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ؛ مِثْلُ فَرِحٍ وَفَرُحٍ. وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَهُوَ أَفْعَلُ مِنَ الشَّرِّ، وَهُوَ شَاذٌّ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةَ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)) . (فِتْنَةً) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ حَالٌ وَ (قِسْمَةٌ) : بِمَعْنَى مَقْسُومٍ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الظَّاءِ؛ أَيْ كَهَشِيمِ الرَّجُلِ الَّذِي يَجْعَلُ الشَّجَرَ حَظِيرَةً. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهَا؛ أَيْ كَهَشِيمِ الشَّجَرِ الْمُتَّخَذِ حَظِيرَةً. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الِاحْتِظَارِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا آلَ لُوطٍ) : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ. وَقِيلَ: مُتَّصِلٌ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ أُرْسِلَ عَلَيْهِمُ الْحَاصِبُ فَهَلَكُوا إِلَّا آلَ لُوطٍ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَكُونُ الْحَاصِبُ لَمْ يُرْسَلْ عَلَى آلِ لُوطٍ. وَ (سَحَرٍ) : مَصْرُوفٌ، لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ. وَ (نِعْمَةً) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ مَصْدَرٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)) .

стр. 1193

قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ) : الْجُمْهُورُ عَلَى النَّصْبِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ يُفَسِّرُهُ الْمَذْكُورُ. وَ (بِقَدَرٍ) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ، أَوْ مِنْ كُلَّ؛ أَيْ مُقَدَّرًا. وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَ «خَلَقْنَاهُ» نَعْتٌ لِكُلٍّ، أَوْ لِشَيْءٍ، وَ «بِقَدَرٍ» خَبَرُهُ؛ وَإِنَّمَا كَانَ النَّصْبُ أَقْوَى لِدَلَالَتِهِ عَلَى عُمُومِ الْخَلْقِ، وَالرَّفْعُ لَا يَدُلُّ عَلَى عُمُومِهِ، بَلْ يُفِيدُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٍ فَهُوَ بِقَدَرٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَعَلُوهُ) : هُوَ نَعْتٌ لِشَيْءٍ أَوْ كُلٍّ، وَ «فِي الزُّبُرِ» : خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَنَهَرٍ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ، وَهُوَ وَاحِدٌ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ النُّونِ وَالْهَاءِ عَلَى الْجَمْعِ مِثْلُ سَقْفٍ وَسُقُفٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَكِّنُ الْهَاءَ، فَيَكُونُ مِثْلَ أَسَدٍ وَأُسُدٍ. وَ (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: «فِي جَنَّاتٍ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1194

سُورَةُ الرَّحْمَنِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (الرَّحْمَنُ (١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الرَّحْمَنُ) : ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا آيَةٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: اللَّهُ الرَّحْمَنُ؛ لِيَكُونَ الْكَلَامُ تَامًّا. وَعَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ يَكُونُ «الرَّحْمَنُ» مُبْتَدَأً، وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ. قَالَ تَعَالَى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)) . وَ (خَلَقَ الْإِنْسَانَ) : مُسْتَأْنَفٌ، وَكَذَلِكَ «عَلَّمَهُ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْإِنْسَانِ مُقَدَّرَةً، وَ «قَدْ» مَعَهَا مُرَادَةٌ. قَالَ تَعَالَى: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِحُسْبَانٍ) : أَيْ يَجْرِيَانِ بِحُسْبَانٍ. (وَالسَّمَاءَ) بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الْمَذْكُورُ؛ وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمٍ قَدْ عَمِلَ فِيهِ الْفِعْلُ، وَهُوَ الضَّمِيرُ فِي «يَسْجُدَانِ» أَوْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «الْإِنْسَانِ» . قَالَ تَعَالَى: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ لَا تَطْغَوْا) : أَيْ لِئَلَّا تَطْغَوْا. وَقِيلَ: «لَا» لِلنَّهْيِ، وَأَنْ بِمَعْنَى أَيْ، وَالْقَوْلُ مُقَدَّرٌ. وَ (تُخْسِرُوا) بِضَمِّ التَّاءِ؛ أَيْ وَلَا تُنْقِصُوا الْمَوْزُونَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فِي الْمِيزَانِ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ السِّينِ وَالتَّاءِ، وَمَاضِيهِ خَسِرَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.

стр. 1195

قَالَ تَعَالَى: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلْأَنَامِ) : تَتَعَلَّقُ اللَّامُ بِوَضْعِهَا. وَقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِمَا بَعْدَهَا؛ أَيْ لِلْأَنَامِ «فِيهَا فَاكِهَةٌ» فَيكُونُ إِمَّا خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ، أَوْ تَبْيِينًا. قَالَ تَعَالَى: (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْحَبُّ) يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى «النَّخْلِ» (وَالرَّيْحَانُ) كَذَلِكَ. وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ؛ أَيْ وَخَلَقَ الْحَبَّ ذَا الْعَصْفِ، وَخَلَقَ الرَّيْحَانَ. وَيُقْرَأُ: الرَّيْحَانِ، بِالْجَرِّ، عَطْفًا عَلَى الْعَصْفِ. قَالَ تَعَالَى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَالْفَخَّارِ) : هُوَ نَعْتٌ لِصَلْصَالٍ. وَ (مِنْ نَارٍ) : نَعْتٌ لِمَارِجٍ. قَالَ تَعَالَى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ) : أَيْ هُوَ رَبُّ. وَقِيلَ: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ «مَرَجَ» . وَ (يَلْتَقِيَانِ) : حَالٌ. وَ (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يَلْتَقِيَانِ» . وَ (لَا يَبْغِيَانِ) : حَالٌ أَيْضًا. قَالَ تَعَالَى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا) قَالُوا: التَّقْدِيرُ مِنْ أَحَدِهِمَا:
следующие страницы →