← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وَ (جَزَاءً) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ بِتَقْدِيرِ جَازَيْنَاهُمْ. وَ (كُفِرَ) أَيْ بِهِ، وَهُوَ نُوحٌ ﵇. وَيُقْرَأُ «كَفَرَ» عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ؛ أَيِ الْكَافِرُ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦)) . وَ (مُدَّكِرٍ) بِالدَّالِ، وَأَصْلُهُ الذَّالُ وَالتَّاءُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي يُوسُفَ. وَيُقْرَأُ بِالذَّالِ مُشَدَّدَةً، وَقَدْ ذُكِرَ أَيْضًا. (وَنُذُرِ) : بِمَعْنَى إِنْذَارٍ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَنُذُرِي. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)) . وَ (مُسْتَمِرٍّ) نَعْتٌ لِنَحْسٍ. وَقِيلَ: لِيَوْمٍ. وَ (كَأَنَّهُمْ) : حَالٌ. وَ «مُنْقَعِرٍ» : نَعْتٌ لِنَخْلٍ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. قَالَ تَعَالَى: (فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَبَشَرًا) : هُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الْمَذْكُورُ؛ أَيْ أَنَتَّبِعُ بَشَرًا، وَ «مِنَّا» : نَعْتٌ. وَيُقْرَأُ «أَبَشَرٌ» بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَ «مِنَّا» نَعْتٌ لَهُ. وَ (وَاحِدًا) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِي «نَتَّبِعُهُ» .

стр. 1192

قَالَ تَعَالَى: (أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ بَيْنِنَا) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ؛ أَيْ عَلَيْهِ مُنْفَرِدًا. وَ (أَشِرٌ) بِكَسْرِ الشِّينِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ؛ مِثْلُ فَرِحٍ وَفَرُحٍ. وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَهُوَ أَفْعَلُ مِنَ الشَّرِّ، وَهُوَ شَاذٌّ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةَ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)) . (فِتْنَةً) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ حَالٌ وَ (قِسْمَةٌ) : بِمَعْنَى مَقْسُومٍ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الظَّاءِ؛ أَيْ كَهَشِيمِ الرَّجُلِ الَّذِي يَجْعَلُ الشَّجَرَ حَظِيرَةً. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهَا؛ أَيْ كَهَشِيمِ الشَّجَرِ الْمُتَّخَذِ حَظِيرَةً. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الِاحْتِظَارِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا آلَ لُوطٍ) : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ. وَقِيلَ: مُتَّصِلٌ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ أُرْسِلَ عَلَيْهِمُ الْحَاصِبُ فَهَلَكُوا إِلَّا آلَ لُوطٍ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَكُونُ الْحَاصِبُ لَمْ يُرْسَلْ عَلَى آلِ لُوطٍ. وَ (سَحَرٍ) : مَصْرُوفٌ، لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ. وَ (نِعْمَةً) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ مَصْدَرٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)) .

стр. 1193

قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ) : الْجُمْهُورُ عَلَى النَّصْبِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ يُفَسِّرُهُ الْمَذْكُورُ. وَ (بِقَدَرٍ) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ، أَوْ مِنْ كُلَّ؛ أَيْ مُقَدَّرًا. وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَ «خَلَقْنَاهُ» نَعْتٌ لِكُلٍّ، أَوْ لِشَيْءٍ، وَ «بِقَدَرٍ» خَبَرُهُ؛ وَإِنَّمَا كَانَ النَّصْبُ أَقْوَى لِدَلَالَتِهِ عَلَى عُمُومِ الْخَلْقِ، وَالرَّفْعُ لَا يَدُلُّ عَلَى عُمُومِهِ، بَلْ يُفِيدُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٍ فَهُوَ بِقَدَرٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَعَلُوهُ) : هُوَ نَعْتٌ لِشَيْءٍ أَوْ كُلٍّ، وَ «فِي الزُّبُرِ» : خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَنَهَرٍ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ، وَهُوَ وَاحِدٌ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ النُّونِ وَالْهَاءِ عَلَى الْجَمْعِ مِثْلُ سَقْفٍ وَسُقُفٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَكِّنُ الْهَاءَ، فَيَكُونُ مِثْلَ أَسَدٍ وَأُسُدٍ. وَ (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: «فِي جَنَّاتٍ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1194

سُورَةُ الرَّحْمَنِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (الرَّحْمَنُ (١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الرَّحْمَنُ) : ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا آيَةٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: اللَّهُ الرَّحْمَنُ؛ لِيَكُونَ الْكَلَامُ تَامًّا. وَعَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ يَكُونُ «الرَّحْمَنُ» مُبْتَدَأً، وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ. قَالَ تَعَالَى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)) . وَ (خَلَقَ الْإِنْسَانَ) : مُسْتَأْنَفٌ، وَكَذَلِكَ «عَلَّمَهُ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْإِنْسَانِ مُقَدَّرَةً، وَ «قَدْ» مَعَهَا مُرَادَةٌ. قَالَ تَعَالَى: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِحُسْبَانٍ) : أَيْ يَجْرِيَانِ بِحُسْبَانٍ. (وَالسَّمَاءَ) بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الْمَذْكُورُ؛ وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمٍ قَدْ عَمِلَ فِيهِ الْفِعْلُ، وَهُوَ الضَّمِيرُ فِي «يَسْجُدَانِ» أَوْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «الْإِنْسَانِ» . قَالَ تَعَالَى: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ لَا تَطْغَوْا) : أَيْ لِئَلَّا تَطْغَوْا. وَقِيلَ: «لَا» لِلنَّهْيِ، وَأَنْ بِمَعْنَى أَيْ، وَالْقَوْلُ مُقَدَّرٌ. وَ (تُخْسِرُوا) بِضَمِّ التَّاءِ؛ أَيْ وَلَا تُنْقِصُوا الْمَوْزُونَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فِي الْمِيزَانِ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ السِّينِ وَالتَّاءِ، وَمَاضِيهِ خَسِرَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.

стр. 1195

قَالَ تَعَالَى: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلْأَنَامِ) : تَتَعَلَّقُ اللَّامُ بِوَضْعِهَا. وَقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِمَا بَعْدَهَا؛ أَيْ لِلْأَنَامِ «فِيهَا فَاكِهَةٌ» فَيكُونُ إِمَّا خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ، أَوْ تَبْيِينًا. قَالَ تَعَالَى: (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْحَبُّ) يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى «النَّخْلِ» (وَالرَّيْحَانُ) كَذَلِكَ. وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ؛ أَيْ وَخَلَقَ الْحَبَّ ذَا الْعَصْفِ، وَخَلَقَ الرَّيْحَانَ. وَيُقْرَأُ: الرَّيْحَانِ، بِالْجَرِّ، عَطْفًا عَلَى الْعَصْفِ. قَالَ تَعَالَى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَالْفَخَّارِ) : هُوَ نَعْتٌ لِصَلْصَالٍ. وَ (مِنْ نَارٍ) : نَعْتٌ لِمَارِجٍ. قَالَ تَعَالَى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ) : أَيْ هُوَ رَبُّ. وَقِيلَ: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ «مَرَجَ» . وَ (يَلْتَقِيَانِ) : حَالٌ. وَ (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يَلْتَقِيَانِ» . وَ (لَا يَبْغِيَانِ) : حَالٌ أَيْضًا. قَالَ تَعَالَى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا) قَالُوا: التَّقْدِيرُ مِنْ أَحَدِهِمَا:

стр. 1196

قَالَ تَعَالَى: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْمُنْشَآتُ) : بِفَتْحِ الشِّينِ وَهُوَ الْوَجْهُ. (فِي الْبَحْرِ) : مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِهَا؛ أَيْ تُنْشِئُ الْمَسِيرَ، وَهُوَ مَجَازٌ. وَ (كَالْأَعْلَامِ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «الْمُنْشَآتُ» . وَالْهَاءُ فِي «عَلَيْهَا» لِلْأَرْضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذُو الْجَلَالِ) بِالرَّفْعِ وَهُوَ نَعْتٌ لِلْوَجْهِ، وَبِالْجَرِّ نَعْتٌ لِلْمَجْرُورِ. قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلَّ يَوْمٍ) : هُوَ ظَرْفٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ «هُوَ فِي شَأْنٍ» ؛ أَيْ يُقَلِّبُ الْأُمُورَ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ تَعَالَى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَنَفْرُغُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الرَّاءِ، وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا مِنْ أَجْلِ حَرْفِ الْحَلْقِ، وَمَاضِيهِ فَرَغَ بِفَتْحِ الرَّاءِ. وَقَدْ سُمِعَ فِيهِ فَرِغَ بِكَسْرِ الرَّاءِ، فَتُفْتَحُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِثْلُ نَصِبَ يَنْصَبُ. قَالَ تَعَالَى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)) .

стр. 1197

قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَنْفُذُونَ) : لَا نَافِيَةٌ بِمَعْنَى «مَا» . قَالَ تَعَالَى: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)) . وَ (شُوَاظٌ) بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ لُغَتَانِ، قَدْ قُرِئَ بِهِمَا. وَ (مِنْ نَارٍ) : صِفَةٌ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ. (وَنُحَاسٌ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى شُوَاظٍ، وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى نَارٍ؛ وَالرَّفْعُ أَقْوَى فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ النُّحَاسَ: الدُّخَانُ، وَهُوَ الشُّوَاظُ مِنَ النَّارِ. قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)) . وَ (الدِّهَانُ) : جَمْعُ دُهْنٍ، وَقِيلَ: هُوَ مُفْرَدٌ، وَهُوَ النِّطْعُ. قَالَ تَعَالَى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)) . (جَانٌّ) : فَاعِلٌ. وَيُقْرَأُ بِالْهَمْزِ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ حُرِّكَتْ فَانْقَلَبَتْ هَمْزَةً، وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ. قَالَ تَعَالَى: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَطُوفُونَ) : هُوَ حَالٌ مِنَ «الْمُجْرِمِينَ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وَ (آنٍ) : فَاعِلٌ، مِثْلُ قَاضٍ. قَالَ تَعَالَى: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَوَاتَا) : الْأَلِفُ قَبْلَ التَّاءِ بَدَلٌ مِنْ يَاءٍ. وَقِيلَ: مِنْ وَاوٍ؛ وَهُوَ صِفَةٌ لِجَنَّتَانِ. أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَالْأَفْنَانُ: جَمْعُ فَنَنٍ؛ وَهُوَ الْغُصْنُ. قَالَ تَعَالَى: (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُتَّكِئِينَ) : هُوَ حَالٌ مِنْ «خَافَ» وَالْعَامِلُ فِيهِ الظَّرْفُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) : أَصْلُ الْكَلِمَةِ فِعْلٌ عَلَى اسْتَفْعَلَ، فَلَمَّا سُمِّيَ بِهِ قُطِعَتْ هَمْزَتُهُ، وَقِيلَ: هُوَ أَعْجَمِيٌّ.

стр. 1198

وَقُرِئَ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ النُّونِ. وَهُوَ سَهْوٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي الْأَسْمَاءِ، بَلْ فِي الْمَصَادِرِ وَالْأَفْعَالِ. قَالَ تَعَالَى: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيهِنَّ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِمَنَازِلِ الْجَنَّتَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ لِلْفُرُشِ؛ أَيْ عَلَيْهِنَّ، وَأُفْرِدَ الظَّرْفُ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ. وَ (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ) : وَصْفٌ لِقَاصِرَاتِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ غَيْرُ مَحْضَةٍ، وَكَذَلِكَ «كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ» . قَالَ تَعَالَى: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)) . وَ (الْإِحْسَانِ) : خَبَرُ جَزَاءُ، وَدَخَلَتْ إِلَّا عَلَى الْمَعْنَى. قَالَ تَعَالَى: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَيْرَاتٌ) : هُوَ جَمْعُ خَيْرَةٍ، يُقَالُ: امْرَأَةٌ خَيْرَةٌ. وَقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. وَ (حُورٌ) : بَدَلٌ مِنْ «خَيْرَاتٌ» . وَقِيلَ: الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ فِيهِنَّ حُورٌ. قَالَ تَعَالَى: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)) . وَ (مُتَّكِئِينَ) : حَالٌ، وَصَاحِبُ الْحَالِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ فِي «قَبْلَهُمْ» . وَ (رَفْرَفٍ) : فِي مَعْنَى الْجَمْعِ؛ فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِـ «خُضْرٍ» وَقُرِئَ رَفْرَافٍ، وَكَذَلِكَ «عَبْقَرِيٍّ» . قَالَ تَعَالَى: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)) . وَ (ذِي الْجَلَالِ) : نَعْتٌ لِرَبِّكَ؛ وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يُوصَفُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1199

سُورَةُ الْوَاقِعَةِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)) . الْعَامِلُ فِي «إِذَا» عَلَى أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: هُوَ مَفْعُولُ اذْكُرْ. وَالثَّانِي: هُوَ ظَرْفٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ: «لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ» أَيْ إِذَا وَقَعَتْ لَمْ تُكَذَّبْ. وَالثَّالِثُ: هُوَ ظَرْفٌ لِخَافِضَةٍ أَوْ رَافِعَةٍ؛ أَيْ إِذَا وَقَعَتْ خَفَضَتْ وَرَفَعَتْ. وَالرَّابِعُ: هُوَ ظَرْفٌ لِرُجَّتْ؛ وَإِذَا الثَّانِيَةُ عَلَى هَذَا تَكْرِيرٌ لِلْأُولَى، أَوْ بَدَلٌ مِنْهَا. وَالْخَامِسُ: هُوَ ظَرْفٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ: فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ؛ أَيْ إِذَا وَقَعَتْ بَانَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ فِيهَا. وَكَاذِبَةٌ [بِمَعْنَى الْكَذِبِ، كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لَيْسَ لَهَا حَالَةٌ كَاذِبَةٌ] أَيْ مَكْذُوبٌ فِيهَا. وَ (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هِيَ خَافِضَةٌ قَوْمًا، وَرَافِعَةٌ آخَرِينَ. وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «كَاذِبَةٌ» أَوْ فِي «وَقَعَتْ» . قَالَ تَعَالَى: (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا رُجَّتِ) : «إِذَا» بَدَلٌ مِنْ إِذَا الْأُولَى. وَقِيلَ: هُوَ ظَرْفٌ لِرَافِعَةٌ. وَقِيلَ: لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ «فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ» . وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولُ اذْكُرْ.

стр. 1200

قَالَ تَعَالَى: (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ. وَ (مَا أَصْحَابُ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، خَبَرُ الْأَوَّلِ. فَإِنْ قِيلَ: أَيْنَ الْعَائِدُ مِنَ الْجُمْلَةِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ؟ . قِيلَ: لَمَّا كَانَ «أَصْحَابُ» الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ضَمِيرٍ. وَقِيلَ: «مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ» لَا مَوْضِعَ لَهُ، وَكَذَلِكَ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ؛ وَخَبَرُ الْأَوَّلِ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْمَشْأَمَةِ لَيْسُوا مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. قَالَ تَعَالَى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالسَّابِقُونَ) : الْأَوَّلُ مُبْتَدَأٌ وَالثَّانِي خَبَرُهُ؛ أَيِ السَّابِقُونَ بِالْخَيْرِ السَّابِقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: الثَّانِي نَعْتٌ لِلْأَوَّلِ، أَوْ تَكْرِيرٌ تَوْكِيدًا، وَالْخَبَرُ «أُولَئِكَ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي جَنَّاتِ) : أَيْ هُمْ فِي جَنَّاتٍ، أَوْ يَكُونُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «الْمُقَرَّبُونَ» . أَوْ ظَرْفًا. وَقِيلَ: هُوَ خَبَرُ «ثُلَّةٌ» وَعَلَى الْأَقْوَالِ الْأُوَلِ يَكُونُ الْكَلَامُ تَامًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: «النَّعِيمِ» وَيَكُونُ فِي «ثُلَّةٌ» وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ «عَلَى سُرُرٍ» . وَالثَّانِي: هُوَ خَبَرٌ؛ أَيْ هُمْ ثُلَّةٌ. وَ (مُتَّكِئِينَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «عَلَى» وَ «مُتَقَابِلِينَ» : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «مُتَّكِئِينَ» . قَالَ تَعَالَى: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)) .

стр. 1201

و (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا. وَ (بِأَكْوَابٍ) : يَتَعَلَّقُ بِيَطُوفُ. قَالَ تَعَالَى: (وَحُورٌ عِينٌ) (٢٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَحُورٌ عِينٌ) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ، وَفِيهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «وِلْدَانٌ» أَيْ يَطُفْنَ عَلَيْهِمْ لِلتَّنَعُّمِ، لَا لِلْخِدْمَةِ. وَالثَّانِي: تَقْدِيرُهُ: لَهُمْ حُورٌ، أَوْ عِنْدَهُمْ، أَوْ وَثُمَّ. وَالثَّالِثُ: تَقْدِيرُهُ: وَنِسَاؤُهُمْ حُورٌ. وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ: يُعْطَوْنَ، أَوْ يُجَازَوْنَ. وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَكْوَابٍ فِي اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْحُورَ لَا يُطَافُ بِهِنَّ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «جَنَّاتٍ» أَيْ: فِي جَنَّاتٍ، وَفِي حُورٍ. وَالْحُورُ: جَمْعُ حَوْرَاءَ؛ وَالْعِينُ جَمْعُ عَيْنَاءَ، وَلَمْ يُضَمَّ أَوَّلُهُ لِئَلَّا تَنْقَلِبَ الْيَاءُ وَاوًا. قَالَ تَعَالَى: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)) . وَ (جَزَاءً) مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ: يُجْزَوْنَ جَزَاءً. قَالَ تَعَالَى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا قِيلًا) : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ. وَ (سَلَامًا) : بَدَلٌ، أَوْ صِفَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولُ «قِيلًا» . وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا مَقْطُوعَةٍ) : قِيلَ: هُوَ نَعْتٌ لِفَاكِهَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهَا. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)) .

стр. 1202

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْشَأْنَاهُنَّ) : الضَّمِيرُ لِلْفُرُشِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا النِّسَاءُ. وَالْعُرُبُ: جَمْعُ عَرُوبٍ، وَالْأَتْرَابُ: جَمَعُ تِرْبٍ. قَالَ تَعَالَى: (لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَنْشَأْنَاهُنَّ أَوْ بِجَعَلْنَاهُنَّ؛ إِذْ هُوَ نَعْتٌ لِأَتْرَابٍ. وَ (ثُلَّةٌ) أَيْ وَهُمْ ثُلَّةٌ. وَكَذَلِكَ «فِي سَمُومٍ» أَيْ هُمْ فِي سَمُومٍ. وَالْيَاءُ فِي «يَحْمُومٍ» زَائِدَةٌ، وَوَزْنُهُ يَفْعُولُ، مِنَ الْحِمَمِ، أَوِ الْحَمِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ شَجَرٍ) : أَيْ لَآكِلُونَ شَيْئًا مِنْ شَجَرٍ. وَقِيلَ: «مِنْ» زَائِدَةٌ. وَ (مِنْ زَقُّومٍ) : نَعْتٌ لِشَجَرٍ، أَوْ لِشَيْءٍ الْمَحْذُوفِ. وَقِيلَ: «مِنْ» الثَّانِيَةُ زَائِدَةٌ؛ أَيْ لَآكِلُونَ زَقُّومًا مِنْ شَجَرٍ. وَالْهَاءُ فِي «مِنْهَا» لِلشَّجَرِ. وَالْهَاءُ فِي «عَلَيْهِ» لِلْمَأْكُولِ. وَ (شُرْبَ الْهِيمِ) : بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ؛ فَالْفَتْحُ مَصْدَرٌ، وَالْآخَرَانِ اسْمٌ لَهُ. وَقِيلَ: هِيَ لُغَاتٌ فِي الْمَصْدَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: شُرْبًا مِثْلَ شُرْبِ الْهِيمِ. وَ (الْهِيمِ) : جَمْعُ أَهْيَمَ، وَهَيْمَاءَ.

стр. 1203

قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَوْ تَعْلَمُونَ) : هُوَ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الْمَوْصُوفِ وَالصِّفَةِ. وَ (فِي كِتَابٍ) : صِفَةٌ أُخْرَى لِقُرْآنٍ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي كِرِيمٍ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قَالَ تَعَالَى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَمَسُّهُ) : هُوَ نَفْيٌ. وَقِيلَ: هُوَ نَهْيٌ حُرِّكَ بِالضَّمِّ. وَ (تَنْزِيلٌ) أَيْ هُوَ تَنْزِيلٌ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِقُرْآنٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)) . (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) أَيْ شُكْرَ رِزْقِكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)) . وَ (تَرْجِعُونَهَا) : جَوَابُ «لَوْلَا» وَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ جَوَابِ الثَّانِيَةِ. وَقِيلَ عَكْسُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَوْلَا الثَّانِيَةُ تَكْرِيرٌ. قَالَ تَعَالَى: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ) : جَوَابُ أَمَّا: «فَرَوْحٌ» . وَأَمَّا «إِنْ» فَاسْتُغْنِيَ بِجَوَابِ «أَمَّا» عَنْ جَوَابِهَا لِأَنَّ «إِنْ» قَدْ حُذِفَ جَوَابُهَا فِي مَوَاضِعَ، وَالتَّقْدِيرُ: فَلَهُ رَوْحٌ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا؛ فَالْفَتْحُ مَصْدَرٌ، وَالضَّمُّ اسْمٌ لَهُ. وَقِيلَ: هُوَ الْمُتَرَوَّحُ بِهِ. وَالْأَصْلُ فِي «رَيْحَانٌ» : رَيْوُحَانُ عَلَى فَيْعُلَانُ؛ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً، وَأُدْغِمَ، ثُمَّ خُفِّفَ، مِثْلُ: سَيِّدٍ وَسَيْدٍ. وَقِيلَ: هُوَ فَعْلَانُ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَإِنْ سُكِّنَتْ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا. قَالَ تَعَالَى: (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَنُزُلٌ) : أَيْ فَلَهُ نُزُلٌ. (وَتَصْلِيَةُ) بِالرَّفْعِ: عَطْفًا عَلَى نُزُلٌ، وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى حَمِيمٍ. وَ (حَقُّ الْيَقِينِ) : أَيُّ حَقُّ الْخَبَرِ الْيَقِينِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: حَقِيقَةُ الْيَقِينِ. وَ (الْعَظِيمِ) : صِفَةٌ لِرَبِّكَ، وَقِيلَ: لِلِاسْمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1204

سُورَةُ الْحَدِيدِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُحْيِي) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، وَالْعَامِلُ الِاسْتِقْرَارُ؛ وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «تُؤْمِنُونَ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَدْ أَخَذَ) : بِالْفَتْحِ؛ أَيِ اللَّهُ أَوِ الرَّسُولُ، وَبِالضَّمِّ عَلَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ أَنْفَقَ) : فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: وَمَنْ لَمْ يُنْفِقْ، وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: «مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) : قَدْ ذُكِرَ فِي النِّسَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ تَرَى) : هُوَ ظَرْفٌ لِيُضَاعِفَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: يُؤْجَرُونَ يَوْمَ تَرَى.

стр. 1205

وَقِيلَ: الْعَامِلُ «يَسْعَى» وَ «يَسْعَى» : حَالٌ. وَ (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) : ظَرْفٌ لِيَسْعَى؛ أَوْ حَالٌ مِنَ النُّورِ، وَكَذَلِكَ (بِأَيْمَانِهِمْ) . وَقُرِئَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: بِأَيْمَانِهِمُ اسْتَحَقُّوهُ، أَوْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يُقَالُ: لَهُمْ: «بُشْرَاكُمْ» . وَ (بُشْرَاكُمُ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «جَنَّاتٌ» خَبَرُهُ؛ أَيْ دُخُولُ جَنَّاتٍ. قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يَقُولُ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ يَوْمَ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: يَفُوزُونَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ. (انْظُرُونَا) : انْتَظِرُونَا. وَأَنْظِرُونَا: أَخِّرُونَا. وَ (وَرَاءَكُمْ) : اسْمٌ لِلْفِعْلِ، فِيهِ ضَمِيرُ فَاعِلٍ؛ أَيِ ارْجِعُوا، ارْجِعُوا، وَلَيْسَ بِظَرْفٍ لِقِلَّةِ فَائِدَتِهِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَكُونُ إِلَّا إِلَى وَرَاءٍ. . . . وَالْبَاءُ فِي «بِسُورٍ» زَائِدَةٌ. وَقِيلَ: لَيْسَتْ زَائِدَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَاطِنُهُ) : الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِبَابٍ، أَوْ لِسُورٍ. وَ (يُنَادُونَهُمْ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «بَيْنَهُمْ» ، أَوْ مُسْتَأْنَفٌ. قَالَ تَعَالَى: (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هِيَ مَوْلَاكُمْ) : قِيلَ: الْمَعْنَى أَوْلَى بِكُمْ. وَقيل هُوَ مصدر مثل المأوى وَقيل هُوَ مَكَان قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)) .

стр. 1206

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَخْشَعَ) : هُوَ فَاعِلُ «يَأْنِ» ، وَاللَّامُ لِلتَّبْيِينِ. وَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَفِي «نَزَلَ» ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ، وَلَا تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً لِئَلَّا يَبْقَى الْفِعْلُ بِلَا فَاعِلٍ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَقْرَضُوا اللَّهَ) : فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ اسْمِ «إِنَّ» وَخَبَرِهَا، وَهُوَ «يُضَاعَفُ لَهُمْ» وَإِنَّمَا قِيلَ: ذَلِكَ لِئَلَّا يُعْطَفَ الْمَاضِي عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ بِمَعْنَى الَّذِي؛ أَيْ إِنَّ الَّذِينَ تَصَدَّقُوا. قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُضَاعَفُ لَهُمْ) : الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ هُوَ الْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ؛ فَلَا ضَمِيرَ فِي الْفِعْلِ. وَقِيلَ: فِيهِ ضَمِيرٌ؛ أَيْ يُضَاعَفُ لَهُمُ التَّصَدُّقُ؛ أَيْ أَجْرُهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) : هُوَ ظَرْفٌ لِلشُّهَدَاءِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «أُولَئِكَ» مُبْتَدَأً، وَ «هُمْ» مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، أَوْ فَصْلٌ، وَ «الصِّدِّيقُونَ» مُبْتَدَأٌ، وَ «الشُّهَدَاءِ» مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَ «عِنْدَ رَبِّهِمْ» : الْخَبَرُ. وَقيل الْوَقْف على الشُّهَدَاء ثمَّ يَبْتَدِئ عِنْد رَبهم لَهُم قَالَ تَعَالَى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مِنْ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ؛ أَيْ ثَبَتَ لَهَا هَذِهِ الصِّفَاتُ مُشَبَّهَةً بِغَيْثٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أَيْ مَثَلُهَا كَمَثَلِ غَيْثٍ.

стр. 1207

وَ (أُعِدَّتْ) : صِفَةٌ لِجَنَّاتٍ. قَالَ تَعَالَى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا. . . (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الْأَرْضِ) يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْجَارُّ بِمُصِيبَةٍ؛ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ، وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لَهَا عَلَى اللَّفْظِ أَوِ الْمَوْضِعِ؛ وَمِثْلُهُ «وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ» وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِأَصَابَ. وَ (فِي كِتَابٍ) : حَالٌ؛ أَيْ إِلَّا مَكْتُوبَةٌ. وَ (مِنْ قَبْلِ) : نَعْتٌ لِكِتَابٍ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: (لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِكَيْلَا) : كَيْ هَاهُنَا هِيَ النَّاصِبَةُ بِنَفْسِهَا، لِأَجْلِ دُخُولِ اللَّامِ عَلَيْهَا، كَأَنِ النَّاصِبَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) : هُوَ مِثْلُ الَّذِي فِي النِّسَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيهِ بَأْسٌ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْحَدِيدِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَرُسُلَهُ) هُوَ مَنْصُوبٌ بِيَنْصُرُهُ؛ أَيْ وَيَنْصُرُ رُسُلَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعُطْوفًا عَلَى «مَنْ» لِئَلَّا يُفْصَلَ بِهِ بَيْنَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (بِالْغَيْبِ) وَبَيْنَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَهُوَ يَنْصُرُهُ. قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)) .

стр. 1208

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَرَهْبَانِيَّةً) : هُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ «ابْتَدَعُوهَا» لَا بِالْعَطْفِ عَلَى الرَّحْمَةِ؛ لِأَنَّ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَبْتَدِعُونَهُ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِمَا، وَابْتَدَعُوهَا نَعْتٌ لَهُ؛ وَالْمَعْنَى: فَرَضَ عَلَيْهِمْ لُزُومَ رَهْبَانِيَّةٍ ابْتَدَعُوهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) . قَالَ تَعَالَى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ) : لَا زَائِدَةٌ، وَالْمَعْنَى: لِيَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَجْزَهُمْ. وَقِيلَ: لَيْسَتْ زَائِدَةً، وَالْمَعْنَى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَجْزَ الْمُؤْمِنِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1209

سُورَةُ الْمُجَادِلَةِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَشْتَكِي) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى «تُجَادِلُ» وَأَنْ يَكُونَ حَالًا. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُمَّهَاتِهِمْ) : بِكَسْرِ التَّاءِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ «مَا» وَبِضَمِّهَا عَلَى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ. وَ (مُنْكَرًا) : أَيْ قَوْلًا مُنْكَرًا. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» : مُبْتَدَأٌ أَيْضًا؛ تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِمْ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَقَوْلُهُ: «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا» مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِمَا قَالُوا) : اللَّامُ تَتَعَلَّقُ بِيَعُودُونَ، وَالْمَعْنَى يَعُودُونَ لِلْمَقُولِ فِيهِ، هَذَا إِنْ جَعَلْتَ «مَا» مَصْدَرِيَّةً. وَيَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَهُ بِمَعْنَى الَّذِي، وَنَكِرَةً مَوْصُوفَةً. وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى فِي. وَقِيلَ: بِمَعْنَى إِلَى. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ؛ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ يَعُودُونَ، فَعَلَيْهِمْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ لِمَا قَالُوا. وَالْعَوْدُ هُنَا لَيْسَ بِمَعْنَى تَكْرِيرِ الْفِعْلِ؛ بَلْ بِمَعْنَى الْعَزْمِ عَلَى الْوَطْءِ.

стр. 1210

قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ) أَيْ يُعَذَّبُونَ، أَوْ يُهَانُونَ، أَوِ اسْتَقَرَّ ذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ ظَرْفُ «أَحْصَاهُ» . قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثَلَاثَةٍ) : هُوَ مَجْرُورٌ بِإِضَافَةِ «نَجْوَى» إِلَيْهِ؛ وَهِيَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّنَاجِي، أَوْ الِانْتِجَاءِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النَّجْوَى اسْمًا لِلْمُتَنَاجِينَ، فَيَكُونَ «ثَلَاثَةٍ» صِفَةً، أَوْ بَدَلًا. (وَلَا أَكْثَرَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْعَدَدِ. وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَوْضِعِ «مِنْ نَجْوَى» . قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَتَنَاجَوْنَ) : يُقْرَأُ: (وَيَنْتَجُونَ) وَهُمَا بِمَعْنًى؛ يُقَالُ: تَنَاجَوْا وَانْتَجَوْا. قَالَ تَعَالَى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِذْ لَمْ) : قِيلَ: «إِذْ» بِمَعْنَى إِذَا، كَمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ) [غَافِرٍ: ٧١] .

стр. 1211

وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى إِنِ الشَّرْطِيَّةِ، وَقِيلَ: هِيَ عَلَى بَابِهَا مَاضِيَةٌ، وَالْمَعْنَى: إِنَّكُمْ تَرَكْتُمْ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى، فَتَدَارَكُوهُ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ. قَالَ تَعَالَى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (اسْتَحْوَذَ) : إِنَّمَا صَحَّتِ الْوَاوُ هُنَا بِنْيَةً عَلَى الْأَصْلِ، وَقِيَاسُهُ اسْتَحَاذَ، مِثْلَ اسْتَقَامَ. قَالَ تَعَالَى: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَأَغْلِبَنَّ) : هُوَ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وَقِيلَ: هُوَ جَوَابُ كَتَبَ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى قَالَ. قَالَ تَعَالَى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُوَادُّونَ) : هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِتَجِدُ، أَوْ حَالٌ، أَوْ صِفَةٌ لِقَوْمٍ. وَ «تَجِدُ» : بِمَعْنَى تُصَادِفُ عَلَى هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1212

سُورَةُ الْحَشْرِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَانِعَتُهُمْ) : هُوَ خَبَرُ أَنَّ، وَ «حُصُونُهُمْ» : مَرْفُوعٌ بِهِ. وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُخْرِبُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَأَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلرُّعْبِ؛ فَلَا يَكُونُ لَهُ مَوْضِعٌ. قَالَ تَعَالَى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)) . اللِّينَةُ: عَيْنُهَا وَاوٌ؛ لِأَنَّهَا مِنَ اللَّوْنِ، قُلِبَتْ لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ خَيْلٍ) : مِنْ زَائِدَةٌ. وَ «الدُّولَةُ» بِالضَّمِّ فِي الْمَالِ، وَبِالْفَتْحِ فِي النُّصْرَةِ، وَقِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ. قَالَ تَعَالَى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلْفُقَرَاءِ) : قِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلِذِي الْقُرْبَى) [الْحَشْرِ: ٧] . وَمَا بَعْدَهُ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: اعْجَبُوا. وَ (يَبْتَغُونَ) : حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)) .

стр. 1213

(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا) : قِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «الْمُهَاجِرِينَ» فَـ «يُحِبُّونَ» عَلَى هَذَا: حَالٌ. وَقِيلَ: هُوَ مُبْتَدَأٌ وَ «يُحِبُّونَ» الْخَبَرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْإِيمَانَ) : قِيلَ: الْمَعْنَى: وَأَخْلَصُوا الْإِيمَانَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَدَارَ الْإِيمَانِ وَقِيلَ: الْمَعْنَى تَبَوَّءُوا الْإِيمَانَ؛ أَيْ جَعَلُوهُ مَلْجَأً لَهُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَاجَةً) : أَيْ مَسَّ حَاجَةٍ. قَالَ تَعَالَى: (لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَنْصُرُونَهُمْ) : لَمَّا كَانَ الشَّرْطُ مَاضِيًا جَازَ تَرْكُ جَزْمِ الْجَوَابِ. قَالَ تَعَالَى: (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)) . وَالْجِدَارُ: وَاحِدٌ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ. وَقَدْ قُرِئَ «مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ» وَجُدُرٌ عَلَى الْجَمْعِ. قَالَ تَعَالَى: (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَثَلِ) : أَيْ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ. وَ (قَرِيبًا) أَيِ اسْتَقَرُّوا مِنْ قَبْلِهِمْ زَمَنًا قَرِيبًا، أَوْ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ قَرِيبًا؛ أَيْ عَنْ قَرِيبٍ. قَالَ تَعَالَى: (فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا) : يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْخَبَرِ. وَ (أَنَّهُمَا فِي النَّارِ) الِاسْمُ. وَيُقْرَأُ بِالْعَكْسِ. وَ (خَالِدَيْنِ فِيهَا) : حَالٌ، وَحَسُنَ لَمَّا كَرَّرَ اللَّفْظَ. وَيُقْرَأُ «خَالِدَانِ» عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ «أَنَّ» . قَالَ تَعَالَى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْمُصَوِّرُ) : بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَرَفْعِ الرَّاءِ، عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ، وَبِفَتْحِهَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ «الْبَارِئُ» ، وَبِالْجَرِّ عَلَى التَّشْبِيهِ بِالْحَسَنِ الْوَجْهِ عَلَى الْإِضَافَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1214

سُورَةُ الْمُمْتَحِنَةِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تُلْقُونَ) : هُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «تَتَّخِذُوا» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وَالْبَاءُ فِي «بِالْمَوَدَّةِ» زَائِدَةٌ وَ (يُخْرِجُونَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «كَفَرُوا» أَوْ مُسْتَأْنَفٌ. وَ (إِيَّاكُمْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّسُولِ. وَ (أَنْ تُؤْمِنُوا) : مَفْعُولٌ لَهُ مَعْمُولُ «يُخْرِجُونَ» . وَ (إِنْ كُنْتُمْ) : جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ: لَا تَتَّخِذُوا. وَ (جِهَادًا) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَوْ مَعْمُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ؛ أَيْ جَاهَدْتُمْ جِهَادًا. وَ (تُسِرُّونَ) : تَوْكِيدٌ لِتُلْقُونَ بِتَكْرِيرِ مَعْنَاهُ. قَالَ تَعَالَى: (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ. . . (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : ظَرْفٌ لِـ «يَفْصِلُ» أَوْ لِقَوْلِهِ: «لَنْ تَنْفَعَكُمْ» . وَفِي «يَفْصِلُ» قِرَاءَاتٌ ظَاهِرَةُ الْإِعْرَابِ، إِلَّا أَنَّ مَنْ لَمْ يُسَمِّ الْفَاعِلَ جَعَلَ الْقَائِمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ «بَيْنَكُمْ» كَمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) [الْأَنْعَامِ: ٩٤] . قَالَ تَعَالَى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)) .

стр. 1215

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي إِبْرَاهِيمَ) : فِيهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: هُوَ نَعْتٌ آخَرُ لِأُسْوَةٌ. وَالثَّانِي: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِـ «حَسَنَةٌ» تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِالْعَامِلِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «حَسَنَةٌ» . وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ خَبَرَ كَانَ، وَ «لَكُمْ» تَبْيِينٌ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِأُسْوَةٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ وُصِفَتْ. وَ (إِذْ) : ظَرْفٌ لِخَبَرِ كَانَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ خَبَرَ كَانَ. وَ (بُرَآءُ) : جَمْعُ بَرِيءٍ، مِثْلُ: ظَرِيفٍ وَظُرَفَاءُ، وَبُرَاءُ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ مِثْلُ: رُخَالٍ، قِيلَ: الْهَمْزَةُ مَحْذُوفَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعٌ بِرَأْسِهِ. وَبِرَاءٌ بِالْكَسْرِ، مِثْلُ: ظِرَافٍ. وَبِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ مِثْلُ سَلَامٍ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنَّا ذَوُو بَرَاءٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا قَوْلَ) : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَالْمَعْنَى: لَا تَتَأَسَّوْا بِهِ فِي الِاسْتِغْفَارِ لِلْكُفَّارِ. قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ. . . (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِمَنْ كَانَ) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَحْزَابِ. قَالَ تَعَالَى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ. . . (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَبَرُّوهُمْ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ [عَلَى الْبَدَلِ] مِنَ الَّذِينَ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ؛ أَيْ عَنْ بِرِّ الَّذِينَ، وَكَذَلِكَ (أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) [الْمُمْتَحَنَةِ: ٩] .

стр. 1216

قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ. . . (١٠)) . وَ (تُمْسِكُوا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَعْرَافِ. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)) . وَ (يُبَايِعْنَكَ) : حَالٌ. وَ (يَفْتَرِينَهُ) : نَعَتٌ لِبُهْتَانٍ، أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «يَأْتِينَ» . قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَئِسَ؛ أَيْ يَئِسُوا مِنْ بَعْثِ أَصْحَابِ الْقُبُورِ؛ وَأَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ كَائِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ.

стр. 1217

سُورَةُ الصَّفِّ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)) . قَوْله تَعَالَى ﴿أَن تَقولُوا﴾ يجوز أَن يكون فَاعل ﴿كبر﴾ أَو على تَقْدِير هُوَ وَيكون التَّقْدِير كبر ذَلِك وَأَن يكون بَدَلا و ﴿مقتا﴾ تَمْيِيز قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)) . وَ (صَفًّا) : حَالٌ، وَكَذَلِكَ (كَأَنَّهُمْ) . قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُصَدِّقًا) : حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا رَسُولٌ. أَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ. وَ (مِنَ التَّوْرَاةِ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «بَيْنَ» . وَ (مُبَشِّرًا) : حَالٌ؛ أَيْضًا. وَ (اسْمُهُ أَحْمَدُ) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ نَعْتًا لِرَسُولِ، أَوْ فِي مَوْضِعِ نَصْبِ حَالٍ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يَأْتِي» . قَالَ تَعَالَى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُتِمُّ نُورِهِ) : بِالتَّنْوِينِ وَالْإِضَافَةِ، وَإِعْرَابُهَا ظَاهِرٌ. وَ (بِالْهُدَى) : حَالٌ مِنْ «رَسُولِهِ» ﷺ . قَالَ تَعَالَى: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ. . . (١١)) .

стр. 1218

قَوْلُهُ تَعَالَى: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) : هُوَ تَفْسِيرُ (تِجَارَةٍ) فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى الْبَدَلِ، أَوْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى تَقْدِيرِ هِيَ، وَأَنْ مَحْذُوفَةٌ، وَلَمَّا حُذِفَتْ بَطُلَ عَمَلُهَا. قَالَ تَعَالَى: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. . . (١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَغْفِرْ لَكُمْ) : فِي جَزْمِهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، تَقْدِيرُهُ: إِنْ تُؤْمِنُوا يَغْفِرْ لَكُمْ، وَ «تُؤْمِنُونَ» بِمَعْنَى آمَنُوا. وَالثَّانِي: هُوَ جَوَابٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَامُ؛ وَالْمَعْنَى: هَلْ تَقْبَلُونَ إِنْ دَلَلْتُكُمْ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى اللَّفْظِ، وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ إِيَّاهُمْ لَا تُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ لَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ. . . (١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأُخْرَى) : فِي مَوْضِعِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: نَصْبٌ عَلَى تَقْدِيرِ: وَيُعْطِكُمْ أُخْرَى. وَالثَّانِي: هُوَ نَصْبٌ بِتُحِبُّونَ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ «تُحِبُّونَهَا» . وَالثَّالِثُ: مَوْضِعُهَا رَفْعٌ، أَيْ وَثَمَّ أُخْرَى، أَوْ يَكُونُ الْخَبَرُ «نَصْرٌ» أَيْ هِيَ نَصْرٌ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَا قَالَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ. وَقِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، إِذِ الْمَعْنَى: انْصُرُوا اللَّهَ كَمَا نَصَرَ الْحَوَارِيُّونَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1219

سُورَةُ الْجُمُعَةِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْمَلِكِ) : يُقْرَأُ هُوَ وَمَا بَعْدَهُ بِالْجَرِّ عَلَى النَّعْتِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْقَافِ مِنَ «الْقُدُّوسِ» وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا؛ وَهُمَا لُغَتَانِ. قَالَ تَعَالَى: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَآخَرِينَ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى الْأُمِّيِّينَ. قَالَ تَعَالَى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَحْمِلُ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ «الْحِمَارِ» وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الْمَثَلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِئْسَ مَثَلُ) : «مَثَلُ» هَذَا فَاعِلُ بِئْسَ، وَفِي «الَّذِينَ» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ نَعْتًا لِلْقَوْمِ، وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ هَذَا الْمَثَلُ. وَالثَّانِي: فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ تَقْدِيرُهُ: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ مَثَلُ الَّذِينَ، فَمَثَلُ الْمَحْذُوفُ هُوَ الْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، وَقَدْ حُذِفَ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ. . . (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) : الْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ لِمَا فِي «الَّذِي» مِنْ شَبَهِ الشَّرْطِ؛ وَمَنَعَ مِنْهُ قَوْمٌ، وَقَالُوا: إِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأَ، أَوِ اسْمُ إِنَّ، وَالَّذِي هُنَا صِفَةٌ. وَضَعَّفُوهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ وَهُوَ أَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الْمَوْتِ لَا يُنْجِي مِنْهُ؛ فَلَمْ يُشْبِهِ الشَّرْطَ؛ وَقَالَ هَؤُلَاءِ: الْفَاءُ زَائِدَةٌ.

стр. 1220

وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الصِّفَةَ وَالْمَوْصُوفَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَلِأَنَّ «الَّذِي» لَا يَكُونُ إِلَّا صِفَةً، فَإِذَا لَمْ يُذْكَرِ الْمَوْصُوفُ مَعَهَا دَخَلَتِ الْفَاءُ وَالْمَوْصُوفُ مُرَادٌ، فَكَذَلِكَ إِذَا صُرِّحَ بِهِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ ثَانِيًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ خَلْقًا كَثِيرًا يَظُنُّونَ أَنَّ الْفِرَارَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ يُنْجِيهِمْ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) : «مِنْ» بِمَعْنَى فِي، وَالْجُمُعَةِ - بِضَمَّتَيْنِ، وَبِإِسْكَانِ الْمِيمِ: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الِاجْتِمَاعِ. وَقِيلَ: فِي الْمَسْكَنِ: هُوَ بِمَعْنَى الْمُجْتَمَعِ فِيهِ، مِثْلُ: رَجُلٌ ضُحْكَةٌ؛ أَيْ يُضْحَكُ مِنْهُ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ؛ أَيْ يَوْمَ الْمَكَانِ الْجَامِعِ؛ مِثْلُ: رَجُلٌ ضُحَكَةٌ؛ أَيْ كَثِيرُ الضَّحِكِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا. . . (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَيْهَا) : إِنَّمَا أَنَّثَ الضَّمِيرَ؛ لِأَنَّهُ أَعَادَهُ إِلَى التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَهَمَّ عِنْدَهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1221

سُورَةُ الْمُنَافِقينَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَأَنَّهُمْ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي «قَوْلِهِمْ» . وَقِيلَ: هِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ. وَ (خُشُبٌ) : بِالضَّمِّ وَالْإِسْكَانِ: جَمْعُ خَشَبٍ، مِثْلُ أَسَدٍ وَأُسُدٍ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحَتَيْنِ، وَالْوَاحِدَةُ خَشَبَةٌ. وَيَحْسَبُونَ حَالٌ مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ. وَقِيلَ: مُسْتَأْنَفٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)) (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَسُولُ اللَّهِ) : الْعَامِلُ فِيهِ: «يَسْتَغْفِرْ» وَلَوْ أَعْمَلَ تَعَالَوْا لَقَالَ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، أَوْ كَانَ يَنْصِبُ. وَ (لَوَّوْا) بِالتَّخْفِيفِ، وَالتَّشْدِيدِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَالْهَمْزَةُ فِي «أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ» مَفْتُوحَةٌ، هَمْزَةُ قَطْعٍ، وَهَمْزَةُ الْوَصْلِ مَحْذُوفَةٌ وَقَدْ وَصَلَهَا قَوْمٌ عَلَى أَنَّهُ حُذِفَ الِاسْتِفْهَامُ لِدَلَالَةِ أَمْ عَلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. . . (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَيُخْرِجَنَّ) : يُقْرَأُ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ وَالتَّشْدِيدِ، وَ «الْأَعَزُّ» : فَاعِلٌ، وَ «الْأَذَلَّ» : مَفْعُولٌ. وَيُقْرَأُ عَلَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ، وَالْأَذَلُّ - عَلَى هَذَا: حَالٌ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ زَائِدَةٌ، أَوْ يَكُونُ مَفْعُولَ حَالٍ مَحْذُوفَةٍ؛ أَيْ مُشْبِهًا الْأَذَلَّ.

стр. 1222

قَالَ تَعَالَى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتِنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَكُونَ) : بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ. وَيُقْرَأُ بِالْجَزْمِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى. وَالْمَعْنَى: إِنْ أَخَّرْتَنِي أَكُنْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1223

سُورَةُ التَّغَابُنِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَبَشَرٌ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «يَهْدُونَنَا» : الْخَبَرُ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا؛ أَيْ: أَيَهْدِينَا بَشَرٌ. قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ. . . (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ) : هُوَ ظَرْفٌ لِخَبِيرٍ. وَقِيلَ: لَمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ؛ أَيْ تَتَفَاوَتُونَ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: اذْكُرُوا يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ. . . (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَهْدِ قَلْبَهُ) : يُقْرَأُ بِالْهَمْزِ؛ أَيْ يَسْكُنْ قَلْبُهُ. قَالَ تَعَالَى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ) : هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ) [النِّسَاءِ: ١٧١] . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1224

سُورَةُ الطَّلَاقِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ. . . (١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا طَلَّقْتُمُ) : قِيلَ: التَّقْدِيرُ: قُلْ لِأُمَّتِكَ: إِذَا طَلَّقْتُمْ. وَقِيلَ: الْخِطَّابُ لَهُ ﷺ وَلِغَيْرِهِ. (لِعِدَّتِهِنَّ) أَيْ عِنْدَ أَوَّلِ مَا يُعْتَدُّ لَهُنَّ [بِهِ] وَهُوَ فِي قُبُلِ الطُّهْرِ. قَالَ تَعَالَى: (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَالِغُ أَمْرِهِ) : يُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ، وَالنَّصْبِ، وَبِالْإِضَافَةِ وَالْجَرِّ، وَالْإِضَافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ. وَيُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ وَالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ «بَالِغُ» . وَقِيلَ: أَمْرِهِ مُبْتَدَأٌ، وَبَالِغُ خَبَرُهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. . . (٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ فَعِدَّتُهُنَّ كَذَلِكَ. وَ (أَجَلُهُنَّ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «أَنْ يَضَعْنَ» : خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ أُولَاتِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَجَلُهُنَّ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ؛ أَيْ وَأَجَلُ أُولَاتِ الْأَحْمَالِ. قَالَ تَعَالَى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ. . . (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ) : «مِنْ» هَاهُنَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ؛ وَالْمَعْنَى: تَسَبَّبُوا

стр. 1225

فِي إِسْكَانِهِنَّ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي تَسْكُنُونَ، وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ وُجْدِكُمْ) . وَالْوُجْدُ: الْغِنَى. وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَكَسْرُهَا وَمِنْ وُجْدِكُمْ: بَدَلٌ مِنْ «مِنْ حَيْثُ» . قَالَ تَعَالَى: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَسُولًا) : فِي نَصْبِهِ أَوْجُهٌ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَنْتَصِبَ بِذِكْرًا؛ أَيْ أَنْزَلَ إِلَيْكُمْ أَنْ ذَكَرَ رَسُولًا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ «ذِكْرًا» وَيَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنَى الرِّسَالَةِ. وَ «يَتْلُو» عَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذِكْرًا شَرَفَ رَسُولٍ، أَوْ ذِكْرًا ذِكْرَ رَسُولٍ؛ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الشَّرَفَ، وَقَدْ أَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَ الْمُضَافِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ وَأَرْسَلَ رَسُولًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ ثَانِيَةٌ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «خَالِدِينَ» . قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ. . . (١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِثْلَهُنَّ) : مَنْ نَصَبَ عَطَفَهُ؛ أَيْ وَخَلَقَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ، وَمَنْ رَفَعَ اسْتَأْنَفَهُ. وَ (يَتَنَزَّلُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَا قَبْلَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 1226

سُورَةُ التَّحْرِيمِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ. . . (١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَبْتَغِي) : هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «تُحَرِّمُ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. قَالَ تَعَالَى: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ. . . (٢)) . وَأَصْلُ (تَحِلَّةَ) : تَحْلِلَةَ، فَأُسْكِنَ الْأَوَّلُ وَأُدْغِمَ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)) . وَ (إِذْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِاذْكُرْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَرَّفَ بَعْضَهُ) : مَنْ شَدَّدَ عَدَّاهُ إِلَى اثْنَيْنِ، وَالثَّانِي مَحْذُوفٌ؛ أَيْ عَرَّفَ بَعْضَهُ بَعْضَ نِسَائِهِ، وَمَنْ خَفَّفَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُجَازَاةِ، لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْعِرْفَانِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَارِفًا بِالْجَمِيعِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [الْبَقَرَةِ: ٢٣٤] وَنَحْوَهُ؛ أَيْ يُجَازِيكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ تَتُوبَا) : جَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْكُمَا، أَوْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمَا، وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ (فَقَدْ صَغَتْ) لِأَنَّ إِصْغَاءَ الْقَلْبِ إِلَى ذَلِكَ ذَنْبٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلُوبُكُمَا) : إِنَّمَا جَمَعَ، وَهُمَا اثْنَانِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ قَلْبًا، وَمَا لَيْسَ فِي الْإِنْسَانِ مِنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ جَازَ أَنْ يُجْعَلَ الِاثْنَانِ فِيهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَجَازَ أَنْ يُجْعَلَ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ. وَقِيلَ: وَجْهُهُ أَنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ.

стр. 1227

قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُوَ مَوْلَاهُ) : مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ خَبَرُ إِنَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «هُوَ» فَصْلًا. فَأَمَّا «جِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ مَوَالِيهِ. أَوْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي مَوْلَاهُ، أَوْ عَلَى مَعْنَى الِابْتِدَاءِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَ «الْمَلَائِكَةُ» مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وَ «ظَهِيرٌ» : خَبَرُ الْجَمِيعِ؛ وَهُوَ وَاحِدٌ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ؛ أَيْ ظُهَرَاءُ. قَالَ تَعَالَى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)) . وَ (مُسْلِمَاتٍ) : نَعْتٌ آخَرُ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الصِّفَاتِ كَذَلِكَ. فَأَمَّا الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَبْكَارًا) : فَلَا بُدَّ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى بَعْضُهُنَّ ثَيِّبَاتٌ وَبَعْضُهُنَّ أَبْكَارٌ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُوا) : فِي هَذَا الْفِعْلِ عَيْنُهُ؛ لِأَنَّ فَاءَهُ وَلَامَهُ مُعَلَّتَانِ، فَالْوَاوُ حُذِفَتْ فِي الْمُضَارِعِ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرَةٍ، وَالْأَمْرُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُضَارِعِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى النَّعْتِ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَوْبَةً نَصُوحًا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ؛ قِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ فَاعِلٍ؛ أَيْ نَاصِحَةً؛ عَلَى الْمَجَازِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا؛ وَهُوَ مَصْدَرٌ لَا غَيْرَ؛ مِثْلُ الْقُعُودِ.

стр. 1228

قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَقُولُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. قَالَ تَعَالَى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ) : أَيْ مَثَلُ امْرَأَةِ نُوحٍ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي يس وَغَيْرِهَا. وَ (كَانَتَا) : مُسْتَأْنَفٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)) . وَ (إِذْ قَالَتْ) : الْعَامِلُ فِي إِذْ: الْمَثَلُ. وَ (عِنْدَكَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِابْنِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «بَيْتًا» . قَالَ تَعَالَى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا. . . (١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَرْيَمَ) : أَيْ وَاذْكُرْ مَرْيَمَ، أَوْ: وَمَثَلُ مَرْيَمَ. وَ (فِيهِ) : الْهَاءُ تَعُودُ عَلَى الْفَرْجِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1229

سُورَةُ الْمُلْكِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (طِبَاقًا) : وَاحِدُهَا طَبَقَةٌ، وَقِيلَ: طَبَقٌ. وَ (تَفَاوُتٌ) بِالْأَلْفِ، وَضَمُّ الْوَاوِ: مَصْدَرُ تَفَاوَتَ. وَتَفَوُّتٌ بِالتَّشْدِيدِ: مَصْدَرُ تَفَوَّتَ، وَهُمَا لُغَتَانِ. وَ (كَرَّتَيْنِ) مَصْدَرٌ؛ أَيْ رَجْعَتَيْنِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ: لِلَّذِينِ. وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى «عَذَابِ السَّعِيرِ» . قَالَ تَعَالَى: (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَسُحْقًا) : فَأَلْزَمَهُمْ سُحْقًا، أَوْ فَأَسْحَقَهُمْ سُحْقًا. قَالَ تَعَالَى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ خَلَقَ) : «مَنْ» فِي مَوْضِعِ رَفْعِ فَاعِلِ يَعْلَمُ؛ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ أَلَا يَعْلَمُ الْخَالِقُ خَلْقَهُ. وَقِيلَ: الْفَاعِلُ مُضْمَرٌ، وَ «مَنْ» مَفْعُولٌ. قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)) .

стр. 1230

قَوْلُهُ تَعَالَى: (النُّشُورُ أَأَمِنْتُمْ) : يُقْرَأُ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْأَصْلِ، وَبِقَلْبِهَا وَاوًا فِي الْوَصْلِ؛ لِانْضِمَامِ الرَّاءِ قَبْلَهَا. وَ (أَنْ يَخْسِفَ) وَ (أَنْ يُرْسِلَ) : هُمَا بَدَلَانِ مِنْ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ. قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «صَافَّاتٍ» حَالًا، وَ «فَوْقَهُمْ» ظَرْفٌ لَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «فَوْقَهُمْ» حَالًا، وَ «صَافَّاتٍ» : حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «فَوْقَهُمْ» . (وَيَقْبِضْنَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ يَصْفُفْنَ وَيَقْبِضْنَ؛ أَيْ صَافَّاتٍ وَقَابِضَاتٍ. وَ (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَقْبِضْنَ، وَمَفْعُولُ يَقْبِضْنَ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ أَجْنِحَتَهُنَّ. قَالَ تَعَالَى: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ. . . (٢٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمَّنْ) : «مَنْ» مُبْتَدَأٌ؛ وَهَذَا خَبَرُهُ، وَ «الَّذِي» وَصِلَتُهُ: نَعْتٌ لِهَذَا، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ. وَ (يَنْصُرُكُمْ) : نَعَتُ «جُنْدٌ» مَحْمُولٌ عَلَى اللَّفْظِ، وَلَوْ جُمِعَ عَلَى الْمَعْنَى لَجَازَ. قَالَ تَعَالَى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُكِبًّا) : حَالٌ، وَ «عَلَى وَجْهِهِ» : تَوْكِيدٌ، وَأَهْدَى خَبَرُ [٢٠٧] «مَنْ» وَخَبَرُ «مَنْ» الثَّانِيَةِ مَحْذُوفٌ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (غَوْرًا) : هُوَ خَبَرُ أَصْبَحَ، أَوْ حَالٌ إِنْ جَعَلْتَهَا التَّامَّةَ. وَفِيهِ بُعْدٌ. وَالْغَوْرُ: مَصْدَرٌ فِي مَعْنَى الْغَائِرِ. وَيُقْرَأُ «غُؤُورًا» بِالضَّمِّ وَالْهَمْزِ عَلَى فُعُولٍ، وَقُلِبَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً لِانْضِمَامِهَا ضَمًّا لَازِمًا، وَوُقُوعِ الْوَاوِ بَعْدَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ
следующие страницы →