Полный текст (1 313 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
سُورَةُ التَّحْرِيمِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ. . . (١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَبْتَغِي) : هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «تُحَرِّمُ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.
قَالَ تَعَالَى: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ. . . (٢)) .
وَأَصْلُ (تَحِلَّةَ) : تَحْلِلَةَ، فَأُسْكِنَ الْأَوَّلُ وَأُدْغِمَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)) .
وَ (إِذْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِاذْكُرْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَرَّفَ بَعْضَهُ) : مَنْ شَدَّدَ عَدَّاهُ إِلَى اثْنَيْنِ، وَالثَّانِي مَحْذُوفٌ؛ أَيْ عَرَّفَ بَعْضَهُ بَعْضَ نِسَائِهِ، وَمَنْ خَفَّفَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُجَازَاةِ، لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْعِرْفَانِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَارِفًا بِالْجَمِيعِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [الْبَقَرَةِ: ٢٣٤] وَنَحْوَهُ؛ أَيْ يُجَازِيكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ تَتُوبَا) : جَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْكُمَا، أَوْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمَا، وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ (فَقَدْ صَغَتْ) لِأَنَّ إِصْغَاءَ الْقَلْبِ إِلَى ذَلِكَ ذَنْبٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلُوبُكُمَا) : إِنَّمَا جَمَعَ، وَهُمَا اثْنَانِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ قَلْبًا، وَمَا لَيْسَ فِي الْإِنْسَانِ مِنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ جَازَ أَنْ يُجْعَلَ الِاثْنَانِ فِيهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَجَازَ أَنْ يُجْعَلَ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ.
وَقِيلَ: وَجْهُهُ أَنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ.
стр. 1227
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُوَ مَوْلَاهُ) : مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ خَبَرُ إِنَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «هُوَ» فَصْلًا. فَأَمَّا «جِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ مَوَالِيهِ. أَوْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي مَوْلَاهُ، أَوْ عَلَى مَعْنَى الِابْتِدَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَ «الْمَلَائِكَةُ» مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وَ «ظَهِيرٌ» : خَبَرُ الْجَمِيعِ؛ وَهُوَ وَاحِدٌ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ؛ أَيْ ظُهَرَاءُ.
قَالَ تَعَالَى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)) .
وَ (مُسْلِمَاتٍ) : نَعْتٌ آخَرُ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الصِّفَاتِ كَذَلِكَ.
فَأَمَّا الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَبْكَارًا) : فَلَا بُدَّ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى بَعْضُهُنَّ ثَيِّبَاتٌ وَبَعْضُهُنَّ أَبْكَارٌ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُوا) : فِي هَذَا الْفِعْلِ عَيْنُهُ؛ لِأَنَّ فَاءَهُ وَلَامَهُ مُعَلَّتَانِ، فَالْوَاوُ حُذِفَتْ فِي الْمُضَارِعِ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرَةٍ، وَالْأَمْرُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُضَارِعِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى النَّعْتِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَوْبَةً نَصُوحًا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ؛ قِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ فَاعِلٍ؛ أَيْ نَاصِحَةً؛ عَلَى الْمَجَازِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا؛ وَهُوَ مَصْدَرٌ لَا غَيْرَ؛ مِثْلُ الْقُعُودِ.
стр. 1228
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَقُولُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.
قَالَ تَعَالَى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ) : أَيْ مَثَلُ امْرَأَةِ نُوحٍ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي يس وَغَيْرِهَا. وَ (كَانَتَا) : مُسْتَأْنَفٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)) .
وَ (إِذْ قَالَتْ) : الْعَامِلُ فِي إِذْ: الْمَثَلُ. وَ (عِنْدَكَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِابْنِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «بَيْتًا» .
قَالَ تَعَالَى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا. . . (١٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَرْيَمَ) : أَيْ وَاذْكُرْ مَرْيَمَ، أَوْ: وَمَثَلُ مَرْيَمَ. وَ (فِيهِ) : الْهَاءُ تَعُودُ عَلَى الْفَرْجِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1229
سُورَةُ الْمُلْكِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (طِبَاقًا) : وَاحِدُهَا طَبَقَةٌ، وَقِيلَ: طَبَقٌ.
وَ (تَفَاوُتٌ) بِالْأَلْفِ، وَضَمُّ الْوَاوِ: مَصْدَرُ تَفَاوَتَ. وَتَفَوُّتٌ بِالتَّشْدِيدِ: مَصْدَرُ تَفَوَّتَ، وَهُمَا لُغَتَانِ. وَ (كَرَّتَيْنِ) مَصْدَرٌ؛ أَيْ رَجْعَتَيْنِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ: لِلَّذِينِ.
وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى «عَذَابِ السَّعِيرِ» .
قَالَ تَعَالَى: (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَسُحْقًا) : فَأَلْزَمَهُمْ سُحْقًا، أَوْ فَأَسْحَقَهُمْ سُحْقًا.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ خَلَقَ) : «مَنْ» فِي مَوْضِعِ رَفْعِ فَاعِلِ يَعْلَمُ؛ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ أَلَا يَعْلَمُ الْخَالِقُ خَلْقَهُ.
وَقِيلَ: الْفَاعِلُ مُضْمَرٌ، وَ «مَنْ» مَفْعُولٌ.
قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)) .
стр. 1230
قَوْلُهُ تَعَالَى: (النُّشُورُ أَأَمِنْتُمْ) : يُقْرَأُ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْأَصْلِ، وَبِقَلْبِهَا وَاوًا فِي الْوَصْلِ؛ لِانْضِمَامِ الرَّاءِ قَبْلَهَا. وَ (أَنْ يَخْسِفَ) وَ (أَنْ يُرْسِلَ) : هُمَا بَدَلَانِ مِنْ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ.
قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «صَافَّاتٍ» حَالًا، وَ «فَوْقَهُمْ» ظَرْفٌ لَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «فَوْقَهُمْ» حَالًا، وَ «صَافَّاتٍ» : حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «فَوْقَهُمْ» .
(وَيَقْبِضْنَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ يَصْفُفْنَ وَيَقْبِضْنَ؛ أَيْ صَافَّاتٍ وَقَابِضَاتٍ. وَ (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَقْبِضْنَ، وَمَفْعُولُ يَقْبِضْنَ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ أَجْنِحَتَهُنَّ.
قَالَ تَعَالَى: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ. . . (٢٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمَّنْ) : «مَنْ» مُبْتَدَأٌ؛ وَهَذَا خَبَرُهُ، وَ «الَّذِي» وَصِلَتُهُ: نَعْتٌ لِهَذَا، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ. وَ (يَنْصُرُكُمْ) : نَعَتُ «جُنْدٌ» مَحْمُولٌ عَلَى اللَّفْظِ، وَلَوْ جُمِعَ عَلَى الْمَعْنَى لَجَازَ.
قَالَ تَعَالَى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُكِبًّا) : حَالٌ، وَ «عَلَى وَجْهِهِ» : تَوْكِيدٌ، وَأَهْدَى خَبَرُ [٢٠٧] «مَنْ» وَخَبَرُ «مَنْ» الثَّانِيَةِ مَحْذُوفٌ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (غَوْرًا) : هُوَ خَبَرُ أَصْبَحَ، أَوْ حَالٌ إِنْ جَعَلْتَهَا التَّامَّةَ. وَفِيهِ بُعْدٌ.
وَالْغَوْرُ: مَصْدَرٌ فِي مَعْنَى الْغَائِرِ. وَيُقْرَأُ «غُؤُورًا» بِالضَّمِّ وَالْهَمْزِ عَلَى فُعُولٍ، وَقُلِبَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً لِانْضِمَامِهَا ضَمًّا لَازِمًا، وَوُقُوعِ الْوَاوِ بَعْدَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 1231
سُورَةُ الْقَلَمِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ن وَالْقَلَمِ) : هُوَ مِثْلُ «يس وَالْقُرْآنِ» وَقَدْ ذُكِرَ.
قَالَ تَعَالَى: (بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: الْبَاءُ زَائِدَةٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَفْتُونَ مَصْدَرٌ، مِثْلُ الْمَفْعُولِ وَالْمَيْسُورِ؛ أَيْ بِأَيِّكُمُ الْفُتُونُ؛ أَيِ الْجُنُونُ.
وَالثَّالِثُ: هِيَ بِمَعْنَى فِي؛ أَيْ فِي أَيِّ طَائِفَةٍ مِنْكُمُ الْجُنُونُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) : إِنَّمَا أَثْبَتَ النُّونَ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى تُدْهِنُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ جَوَابَ التَّمَنِّي، وَفِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ بِغَيْرِ نُونٍ عَلَى الْجَوَابِ.
قَالَ تَعَالَى: (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ كَانَ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الشَّرْطِ، وَبِفَتْحِهَا عَلَى أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ، فَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ: (إِذَا تُتْلَى) أَيْ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ يَكْفُرُ، وَإِذَا جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا كَانَ التَّقْدِيرُ: لِأَنْ كَانَ ذَا مَالٍ يَكْفُرُ، وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ «تُتْلَى» وَلَا) : «مَالٍ» لِأَنَّ مَا بَعْدَ إِذَا لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧)) .
و (مُصْبِحِينَ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي يَصْرِمُنَّهَا لَا فِي أَقْسَمُوا.
стр. 1232
قَالَ تَعَالَى: (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)) .
وَ (عَلَى حَرْدٍ) : يَتَعَلَّقُ بِـ «قَادِرِينَ» . وَ «قَادِرِينَ» : حَالٌ.
وَقِيلَ: خَبَرُ غَدَوْا؛ لِأَنَّهَا حُمِلَتْ عَلَى أَصْبَحُوا.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلِاسْتِقْرَارِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «جَنَّاتٍ» .
قَالَ تَعَالَى: (أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. . . (٣٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَالِغَةٌ) : بِالرَّفْعِ: نَعْتٌ لِأَيْمَانٌ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الظَّرْفُ الْأَوَّلُ، أَوِ الثَّانِي.
قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يُكْشَفُ) أَيِ اذْكُرْ يَوْمَ يُكْشَفُ. وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِيهِ «خَاشِعَةً» .
وَيُقْرَأُ «تَكْشِفُ» أَيْ شِدَّةُ الْقِيَامَةِ. وَخَاشِعَةً: حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يَدْعُونَ» .
قَالَ تَعَالَى: (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ. . . (٤٤)) .
وَ (مَنْ يُكَذِّبُ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَفْعُولِ، أَوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ.
стр. 1233
سُورَةُ الْحَاقَّةِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْحَاقَّةُ) : قِيلَ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْوَاقِعَةِ. وَ (مَا) الثَّانِيَةُ: مُبْتَدَأٌ، وَ «أَدْرَاكَ» : الْخَبَرُ. وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
قَالَ تَعَالَى: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)) .
وَ (الطَّاغِيَةِ) : مَصْدَرٌ كَالْعَافِيَةِ. وَقِيلَ: اسْمُ فَاعِلٍ بِمَعْنَى الزَّائِدَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)) .
(سَخَّرَهَا) : مُسْتَأْنَفٌ، أَوْ صِفَةٌ، وَ «حُسُومًا» : مَصْدَرٌ؛ أَيْ قَطْعًا لَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعٌ؛ أَيْ مُتَتَابِعَاتٍ. وَ (صَرْعَى) : حَالٌ، وَ «كَأَنَّهُمْ» : حَالٌ أُخْرَى مِنَ الضَّمِيرِ فِي صَرْعَى.
وَ (خَاوِيَةٍ) : عَلَى لُغَةِ مَنْ أَنَّثَ النَّخْلَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)) .
وَ (بَاقِيَةٍ) : نَعْتٌ؛ أَيْ حَالَةٍ بَاقِيَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى بَقِيَّةٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩)) .
وَ (مَنْ قَبْلَهُ) : أَيْ مَنْ تَقَدَّمَهُ بِالْكُفْرِ، وَ (مَنْ قَبْلَهُ) : أَيْ مَنْ عِنْدَهُ وَفِي جُمْلَتِهِ.
وَ (بِالْخَاطِئَةِ) أَيْ جَاءُوا بِالْفَعْلَةِ ذَاتِ الْخَطَأِ عَلَى النَّسَبِ، مِثْلُ تَامِرٍ، وَلَابِنٍ.
стр. 1234
قَالَ تَعَالَى: (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَعِيَهَا) : هُوَ مَعْطُوفٌ؛ أَيْ وَلِتَعِيَهَا. وَمَنْ سَكَّنَ الْعَيْنَ فَرَّ مِنَ الْكَسْرَةِ، مِثْلُ فَخْذٍ.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)) .
(وَاحِدَةً) : تَوْكِيدٌ؛ لِأَنَّ النَّفْخَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا وَاحِدَةً.
قَالَ تَعَالَى: (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (٢٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (٢٦)) .
(وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ) : بِالتَّخْفِيفِ. وَقُرِئَ مُشَدَّدًا؛ أَيْ حُمِلَتِ الْأَهْوَالُ.
وَ (يَوْمَئِذٍ) : ظَرْفٌ لِـ «وَقَعَتْ» وَ (يَوْمئِذٍ) : ظَرْفٌ لِـ «وَاهِيَةٌ» .
قَالَ تَعَالَى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)) .
وَ (هَاؤُمُ) : اسْمٌ لِلْفِعْلِ بِمَعْنَى خُذُوا. وَ (كِتَابِيَهْ) : مَنْصُوبٌ بِاقْرَءُوا، لَا بِـ «هَاؤُمُ» ، عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَبِهَاؤُمُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ.
وَ (رَاضِيَةٍ) : عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: هِيَ بِمَعْنَى مَرَضِيَّةٍ، مِثْلُ دَافِقٍ بِمَعْنَى مَدْفُوقٍ.
وَالثَّانِي: عَلَى النَّسَبِ؛ أَيْ ذَاتِ رِضًا، مِثْلُ لَابِنٍ وَتَامِرٍ.
وَالثَّالِثُ: هِيَ عَلَى بَابِهَا؛ وَكَأَنَّ الْعِيشَةَ رَضِيَتْ بِمَحَلِّهَا وَحُصُولِهَا فِي مُسْتَحِقِّهَا، أَوْ أَنَّهَا لَا حَالَ أَكْمَلُ مِنْ حَالِهَا، فَهُوَ مَجَازٌ.
قَالَ تَعَالَى: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا أَغْنَى عَنِّي) : يَحْتَمِلُ النَّفْيَ وَالِاسْتِفْهَامَ، وَالْهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ لِتَتَّفِقَ رُءُوسُ الْآيِ.
قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)) .
وَ (الْجَحِيمَ) : مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ.
стр. 1235
وَ (ذَرْعُهَا سَبْعُونَ) : صِفَةٌ لِسِلْسِلَةٍ، وَ «فِي» تَتَعَلَّقُ بِـ «اسْلُكُوهُ» وَلَمْ تَمْنَعِ الْفَاءُ مِنْ ذَلِكَ، وَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ فَاسْلُكُوهُ، وَ «ثُمَّ» لِتَرْتِيبِ الْخَبَرِ عَنِ الْمَقُولِ قَرِيبًا مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)) .
وَالنُّونُ فِي «غِسْلِينَ» زَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ غَسَّالَةُ أَهْلِ النَّارِ.
وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لَيْسَ لَهُ حَمِيمٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينَ وَلَا طَعَامٌ.
وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَطْعَمُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ) [الْبَقَرَةِ: ٢٤٩] وَأَمَّا خَبَرُ لَيْسَ فَهُوَ «هَاهُنَا» ، أَوْ «لَهُ» وَأَيُّهُمَا كَانَ خَبَرًا فَالْآخَرُ إِمَّا حَالٌ مِنْ حَمِيمٍ أَوْ مَعْمُولُ الْخَبَرِ، وَلَا يَكُونُ «الْيَوْمَ» خَبَرًا؛ لِأَنَّهُ زَمَانٌ، وَالِاسْمُ جُثَّةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)) .
وَ (قَلِيلًا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَعْرَافِ. وَ (تَنْزِيلٌ) : فِي يس.
قَالَ تَعَالَى: (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)) .
وَ (بِالْيَمِينِ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَخَذْنَا، أَوْ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ، وَقِيلَ: مِنَ الْمَفْعُولِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) : «مِنْ» زَائِدَةٌ، وَ «أَحَدٍ» مُبْتَدَأٌ، وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: «حَاجِزِينَ» ، وَجُمِعَ عَلَى مَعْنَى أَحَدٍ، وَجُرَّ عَلَى لَفْظِ أَحَدٍ.
وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِمَا، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِمِنْكُمْ فَصْلًا؛ وَأَمَّا «مِنْكُمْ» عَلَى هَذَا فَحَالٌ مِنْ أَحَدٍ. وَقِيلَ: تَبْيِينٌ.
وَالثَّانِي: الْخَبَرُ «مِنْكُمْ» وَ «عَنْ» يَتَعَلَّقُ بِحَاجِزِينَ. وَالْهَاءُ فِي «إِنَّهُ» لِلْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.
стр. 1236
سُورَةُ الْمَعَارِجِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَأَلَ) : يُقْرَأُ بِالْهَمْزَةِ وَبِالْأَلِفِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: هِيَ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ عَلَى التَّخْفِيفِ. وَالثَّانِي: هِيَ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ: هُمَا يَتَسَاوَلَانِ.
وَالثَّالِثُ: هِيَ مِنَ الْيَاءِ مِنَ السَّيْلِ. وَالسَّائِلُ يُبْنَى عَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ.
وَالْبَاءُ: بِمَعْنَى عَنْ. وَقِيلَ: هِيَ عَلَى بَابِهَا؛ أَيْ سَالَ بِالْعَذَابِ كَمَا يَسِيلُ الْوَادِي بِالْمَاءِ. وَاللَّامُ تَتَعَلَّقُ بِوَاقِعٍ. وَقِيلَ: هِيَ صِفَةٌ أُخْرَى لِلْعَذَابِ. وَقِيلَ: بِسَأَلَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هُوَ لِلْكَافِرِينَ.
قَالَ تَعَالَى: (مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ) .
وَ (مِنْ) : تَتَعَلَّقُ بِدَافِعٍ؛ أَيْ لَا يُدْفَعُ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِوَاقِعٍ، وَلَمْ يَمْنَعِ النَّفْيُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ «لَيْسَ» فِعْلٌ. وَ «ذِي» : صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَ (تَعْرُجُ) : مُسْتَأْنَفٌ.
قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)) .
وَ (يَوْمَ تَكُونُ) : بَدَلٌ مِنْ قَرِيبٍ. (وَلَا يَسْأَلُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ؛ أَيْ حَمِيمًا عَنْ حَالِهِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا؛ وَالتَّقْدِيرُ: عَنْ حَمِيمٍ.
قَالَ تَعَالَى: (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابٍ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١)) .
стр. 1237
وَ (يُبَصَّرُونَهُمْ) : مُسْتَأْنَفٌ. وَقِيلَ: حَالٌ، وَجُمِعَ الضَّمِيرُ عَلَى مَعْنَى الْحَمِيمِ.
وَ (يَوَدُّ) : مُسْتَأْنَفٌ، أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ، أَوِ الْمَرْفُوعِ. وَ (لَوْ) : بِمَعْنَى أَنْ.
قَالَ تَعَالَى: (نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَزَّاعَةً) : أَيْ هِيَ نَزَّاعَةٌ. وَقِيلَ: هِيَ بَدَلٌ مِنْ «لَظَى» وَقِيلَ: كِلَاهُمَا خَبَرٌ. وَقِيلَ: خَبَرُ إِنَّ.
وَقِيلَ: «لَظَى» بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إِنَّ، وَنَزَّاعَةٌ خَبَرُهَا.
وَأَمَّا النَّصْبُ فَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي ﴿تَدْعُو﴾ مُقَدّمَة وَقيل هِيَ حَال مِمَّا دلّت عَلَيْهِ لظى أَي تتلظى نزاعة وَقيل هُوَ حَال من الضَّمِير فِي لَظَى، عَلَى أَنْ تَجْعَلَهَا صِفَةً غَالِبَةً؛ مِثْلُ الْحَارِثِ وَعَبَّاسٍ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: أَعْنِي وَ «تَدْعُو» : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي نَزَّاعَةً إِذَا لَمْ تُعْمِلْهُ فِيهَا.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)) .
وَ (هَلُوعًا) : حَالٌ مُقَدَّرَةٌ، وَ (جَزُوعًا) : حَالٌ أُخْرَى، وَالْعَامِلُ فِيهَا هَلُوعًا. وَ (إِذَا) ظَرْفٌ لِجَزُوعًا، وَكَذَلِكَ «مَنُوعًا» .
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا الْمُصَلِّينَ) : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْإِنْسَانُ، وَهُوَ جِنْسٌ؛ فَلِذَلِكَ سَاغَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ.
قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي جَنَّاتٍ) : هُوَ ظَرْفٌ لِـ «مُكْرَمُونَ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا خَبَرَيْنِ.
стр. 1238
وَ (مُهْطِعِينَ) : حَالٌ مِنَ «الَّذِينَ كَفَرُوا» وَكَذَلِكَ «عِزِينَ» . وَ «قِبَلَكَ» مَعْمُولُ مُهْطِعِينَ. وَ (عِزِينَ) : جَمْعُ عِزَةٍ، وَالْمَحْذُوفُ مِنْهُ الْوَاوُ، وَقِيلَ: الْيَاءُ؛ وَهُوَ مِنْ عَزَوْتُهُ إِلَى أَبِيهِ وَعَزَيْتُهُ؛ لِأَنَّ الْعِزَةَ الْجَمَاعَةُ، وَبَعْضُهُمْ مُنْضَمٌّ إِلَى بَعْضٍ؛ كَمَا أَنَّ الْمَنْسُوبَ مَضْمُومٌ إِلَى الْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ. وَ «عَنْ» يَتَعَلَّقُ بِعِزِينَ: أَيْ مُتَفَرِّقِينَ عَنْهُمَا؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا.
قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ «يَوْمِهِمْ» أَوْ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي.
وَ (سِرَاعًا) وَ (كَأَنَّهُمْ) : حَالَانِ، وَ «النُّصُبُ» قَدْ ذُكِرَ فِي الْمَائِدَةِ. (خَاشِعَةً) : حَالٌ مِنْ يَخْرُجُونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1239
سُورَةُ نُوحٍ ﵇.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ أَنْذِرْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى أَيْ، وَأَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وَقَدْ ذُكِرَتْ نَظَائِرُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ (١٥)) .
وَ (طِبَاقًا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْمُلْكِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)) .
وَ (نَبَاتًا) : اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، فَيَقَعُ مَوْقِعَ إِنْبَاتٍ، وَنَبْتٍ، وَتَنْبِيتٍ؛ وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَنَبَتُّمْ نَبَاتًا.
قَالَ تَعَالَى: (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)) .
وَ (مِنْهَا) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتَسْلُكُوا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)) .
وَ (كُبَّارًا) : بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، بِمَعْنَى كَبِيرٍ. وَ (وَدًّا) بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ، لُغَتَانِ، وَأَمَّا «يَغُوثَ، وَيَعُوقَ» فَلَا يَنْصَرِفَانِ لِوَزْنِ الْفِعْلِ وَالتَّعْرِيفِ، وَقَدْ صَرَفَهُمَا قَوْمٌ عَلَى أَنَّهُمَا نَكِرَتَانِ.
قَالَ تَعَالَى: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ) : «مَا» زَائِدَةٌ؛ أَيْ مِنْ أَجْلِ خَطَايَاهُمْ «أُغْرِقُوا» . وَأَصْلُ (دَيَّارًا) دَيْوَارَ؛ لِأَنَّهُ فَيْعَالُ، مِنْ دَارَ يَدُورُ، ثُمَّ أُدْغِمَ.
стр. 1240
سُورَةُ الْجِنِّ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُوحِيَ إِلَيَّ) : يُقْرَأُ أُحِيَ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَأَصْلُهُ وُحِيَ، يُقَالُ: وَحَيَ وَأَوْحَى، ثُمَّ قُلِبَتِ الْوَاوُ الْمَضْمُومَةُ هَمْزَةً. وَمَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ «أَنَّ» فَبَعْضُهُ مَفْتُوحٌ وَبَعْضُهُ مَكْسُورٌ، وَفِي بَعْضِهِ اخْتِلَافٌ، فَمَا كَانَ مَعُطُوفًا عَلَى أَنَّهُ اسْتَمَعَ فَهُوَ مَفْتُوحٌ لَا غَيْرَ؛ لِأَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَمَوْضِعُهَا رَفْعٌ بِالْوَحْيِ؛ وَمَا كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى «إِنَّا سَمِعْنَا» فَهُوَ مَكْسُورٌ؛ لِأَنَّهُ حُكِيَ بَعْدَ الْقَوْلِ؛ وَمَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْهَاءِ فِي «بِهِ» كَانَ عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ عَلَى تَقْدِيرِ الْعَطْفِ؛ وَلَا يُجِيزُهُ الْبَصْرِيُّونَ؛ لِأَنَّ حَرْفَ الْجَزْمِ يَلْزَمُ إِعَادَتُهُ عِنْدَهُمْ هُنَا.
فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) : فَالْفَتْحُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «أَنَّهُ اسْتَمَعَ» فَيَكُونُ قَدْ أُوحِيَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِتَدْعُوا؛ أَيْ فَلَا تُشْرِكُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ لَهُ؛ أَيْ مَوَاضِعَ السُّجُودِ.
وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ مَسْجِدٍ؛ وَهُوَ مَصْدَرٌ. وَمَنْ كَسَرَ اسْتَأْنَفَ. وَأَمَّا «وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ» فَيَحْتَمِلُ الْعَطْفَ عَلَى «أَنَّهُ اسْتَمَعَ» وَعَلَى «إِنَّا سَمِعْنَا» .
стр. 1241
قَالَ تَعَالَى: (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)) .
(شَطَطًا) : نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ قَوْلًا شَطَطًا؛ وَكَذَلِكَ «كَذِبًا» أَيْ قَوْلًا كَذِبًا.
وَيُقْرَأُ تَقَوَّلَ: بِالتَّشْدِيدِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «كَذِبًا» مَفْعُولًا وَنَعْتًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)) .
(رَصَدًا) : أَيْ مَرْصَدًا، أَوْ ذَا إِرْصَادٍ. وَ (أَشَرٌّ) : فَاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ أُرِيدَ شَرٌّ.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)) .
وَ (قِدَدًا) : جَمْعُ قِدَّةٍ، مِثْلُ عِدَّةٍ وَعَدَدٍ. وَ (هَرَبًا) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا) : أَنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَ «لَوْ» عِوَضٌ، كَالسِّينِ وَسَوْفَ، وَقِيلَ: «لَوْ» بِمَعْنَى إِنْ، وَإِنْ بِمَعْنَى اللَّامِ، وَلَيْسَتْ لَازِمَةً؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ) [الْأَحْزَابِ: ٦٠] . وَقَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا) [الْمَائِدَةِ: ٧٣] ذَكَرَهُ ابْنُ فَضَّالٍ فِي الْبُرْهَانِ.
стр. 1242
قَالَ تَعَالَى: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)) .
وَالْهَاءُ فِي «يَدْعُوهُ» ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ؛ أَيْ قَامَ مُوَحِّدًا اللَّهَ.
وَ (لِبَدًا) : جَمْعُ لِبْدَةٍ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، مِثْلُ حُطَمَ؛ وَهُوَ نَعْتٌ لِلْمُبَالِغَةِ. وَيُقْرَأُ مُشَدَّدًا مِثْلُ: صُوِّمَ.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا بَلَاغًا) : هُوَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. وَ (مَنْ أَضْعَفُ) : قَدْ ذُكِرَ أَمْثَالُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)) .
وَ (مَنِ ارْتَضَى) : «مَنِ» اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ. وَقِيلَ: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ: فَإِنَّهُ.
وَ (رَصَدًا) : مَفْعُولُ يَسْلُكُ؛ أَيْ مَلَائِكَةً رَصَدًا.
وَ (عَدَدًا) : مَصْدَرٌ، لِأَنَّ أَحْصَى بِمَعْنَى عَدَّ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1243
سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْمُزَّمِّلُ) : أَصْلُهُ الْمُتَزَمِّلُ؛ فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ زَايًا، وَأُدْغِمَتْ.
وَقَدْ قُرِئَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الزَّايِ؛ وَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مُضَاعَفٌ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيِ الْمُزَّمِّلُ نَفْسَهُ. وَالثَّانِي: هُوَ مُفْتَعِلٌ؛ فَأُبْدِلَتِ الْفَاءُ مِيمًا.
قَالَ تَعَالَى: (نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نِصْفَهُ) : فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ بَدَلٌ مِنَ «اللَّيْلِ» بَدَلَ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ؛ وَ «إِلَّا قَلِيلًا» : اسْتِثْنَاءٌ مِنْ نِصْفَهُ.
وَالثَّانِي: هُوَ بَدَلٌ مِنْ «قَلِيلًا» وَهُوَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: «أَوِ انْقُصْ مِنْهُ» ، «أَوْ زِدْ عَلَيْهِ» وَالْهَاءُ فِيهِمَا لِلنِّصْفِ؛ فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النِّصْفِ لَصَارَ التَّقْدِيرُ: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ قَلِيلًا، أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا؛ أَيْ عَلَى الْبَاقِي؛ وَالْقَلِيلُ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مُقَدَّرٍ، فَالنُّقْصَانُ مِنْهُ لَا يُعْقَلُ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَشَدُّ وَطْئًا) : بِكَسْرِ الْوَاوِ بِمَعْنَى مُوَاطَأَةً؛ وَبِفَتْحِهَا. وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ. وَوَطْأً عَلَى فَعْلٍ، وَهُوَ مَصْدَرُ وَطِئَ، وَهُوَ تَمْيِيزٌ.
стр. 1244
قَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَبْتِيلًا) : مَصْدَرٌ عَلَى غَيْرِ الْمَصْدَرِ، وَاقِعٌ مَوْضِعَ تَبَتُّلٍ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى بَتِّلْ نَفْسَكَ تَبْتِيلًا.
قَالَ تَعَالَى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ) : يُقْرَأُ بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ بَدَلًا مِنِ «اسْمٍ» ، أَوْ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ: «فَاتَّخِذْهُ» أَيِ اتَّخِذْ رَبَّ الْمَشْرِقِ. وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مُبْتَدَأٌ، وَ «لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» الْخَبَرُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْمُكَذِّبِينَ) : هُوَ مَفْعُولٌ مَعَهُ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ.
وَ (النَّعْمَةِ) بِفَتْحِ النُّونِ: التَّنَعُّمُ؛ وَبِكَسْرِهَا: كَثْرَةُ الْخَيْرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) : أَيْ تَمْهِيلًا قَلِيلًا، أَوْ زَمَانًا قَلِيلًا.
قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ تَرْجُفُ) : هُوَ ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرَارِ فِي خَبَرِ إِنَّ.
وَقِيلَ: هُوَ وَصْفٌ لِعَذَابٍ؛ أَيْ وَاقِعًا يَوْمَ تَرْجُفُ. وَقِيلَ: هُوَ ظَرْفٌ لِأَلِيمٍ.
وَأَصْلُ مَهِيلٍ: مَهْيُولٍ، فَحُذِفَتِ الْوَاوُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَسُكِّنَتِ الْيَاءُ؛ وَالْيَاءُ عِنْدَ الْأَخْفَشِ وَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً.
قَالَ تَعَالَى: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ. . . (١٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) : إِنَّمَا أَعَادَهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ؛ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَعَصَاهُ فِرْعَوْنُ.
стр. 1245
قَالَ تَعَالَى: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمًا) : هُوَ مَفْعُولُ «تَتَّقُونَ» أَيْ تَتَّقُونَ عَذَابَ يَوْمٍ.
وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولُ «كَفَرْتُمْ» أَيْ بِيَوْمٍ. وَ (يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ) : نَعْتُ الْيَوْمِ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، أَيْ فِيهِ.
وَ (مُنْفَطِرٌ) بِغَيْرِ تَاءٍ عَلَى النَّسَبِ، أَيْ ذَاتُ انْفِطَارٍ. وَقِيلَ: ذُكِرَ حَمْلًا عَلَى مَعْنَى السَّقْفِ. وَقِيلَ: السَّمَاءُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) : بِالْجَرِّ حَمْلًا عَلَى «ثُلُثَيِ» وَبِالنَّصْبِ حَمْلًا عَلَى «أَدْنَى» . (وَطَائِفَةٌ) : مَعْطُوفٌ عَلَى ضَمِيرِ الْفَاعِلِ، وَجَرَى الْفَصْلُ مَجْرَى التَّوْكِيدِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ سَيَكُونُ) : أَنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَالسِّينُ عِوَضٌ مِنْ تَخْفِيفِهَا وَحُذِفَ اسْمُهَا. وَ (يَبْتَغُونَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يَضْرِبُونَ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُوَ خَيْرًا) : هُوَ فَصْلٌ، أَوْ بَدَلٌ، أَوْ تَوْكِيدٌ، وَ «خَيْرًا» : الْمَفْعُولُ الثَّانِي.
стр. 1246
سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)) (الْمُدَّثِّرُ) : كَالْمُزَّمِّلِ. وَقَدْ ذُكِرَ .
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَسْتَكْثِرُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ. وَبِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّهُ جَوَابٌ، أَوْ بَدَلٌ. وَبِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ لِتَسْتَكْثِرَ. وَالتَّقْدِيرُ: فِي جَعْلِهِ جَوَابًا: إِنَّكَ إِنْ لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ أَوْ بِعَطِيَّتِكَ تَزْدَدْ مِنَ الثَّوَابِ، لِسَلَامَةِ ذَلِكَ عَنِ الْإِبْطَالِ بِالْمَنِّ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٦٤] .
قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِذَا نُقِرَ) : «إِذَا» : ظَرْفٌ، وَفِي الْعَامِلِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: هُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ «فَذَلِكَ» لِأَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى النَّقْرِ، وَ «يَوْمَئِذٍ» : بَدَلٌ مِنْ «إِذَا» وَ «ذَلِكَ» مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ «يَوْمٌ عَسِيرٌ» أَيْ نَقْرُ يَوْمٍ. وَالثَّانِي: الْعَامِلُ فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ «عَسِيرٌ» أَيْ تَعْسِيرٌ، وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ نَفْسُ عَسِيرٍ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا. وَالثَّالِثُ: يَخْرُجُ عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ «إِذَا» مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ فَذَلِكَ، وَالْفَاءُ زَائِدَةٌ. فَأَمَّا «يَوْمَئِذٍ» فَظَرْفُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ بَدَلٍ مِنْ «ذَلِكَ» . أَوْ مُبْتَدَأٌ وَ «يَوْمٌ عَسِيرٌ» : خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ «ذَلِكَ»
стр. 1247
وَ (عَلَى) : يَتَعَلَّقُ بِعَسِيرٍ، أَوْ هِيَ نَعْتٌ لَهُ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِيهِ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ «يَسِيرٌ» أَوْ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ خَلَقْتُ) : هُوَ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أَوْ مَعْطُوفٌ.
وَ (وَحِيدًا) : حَالٌ مِنَ التَّاءِ فِي «خَلَقْتُ» أَوْ مِنَ الْهَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، أَوْ مِنْ «مَنْ» أَوْ مِنَ الْيَاءِ فِي ذَرْنِي.
قَالَ تَعَالَى: (لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تُبْقِي) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «سَقَرَ» وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى التَّعْظِيمِ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا؛ أَيْ هِيَ لَا تُبْقِي.
وَ (لَوَّاحَةٌ) بِالرَّفْعِ؛ أَيْ هِيَ لَوَّاحَةٌ. وَبِالنَّصْبِ مِثْلُ «لَا تُبْقِي» أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي أَيِّ الْفِعْلَيْنِ شِئْتَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جُنُودَ رَبِّكَ) : هُوَ مَفْعُولٌ يَلْزَمُ تَقْدِيمُهُ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ إِلَى مَذْكُورٍ.
وَ (أَدْبَرَ) وَدَبِرَ، لُغَتَانِ. وَيُقْرَأُ إِذْ، وَإِذَا.
قَالَ تَعَالَى: (نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَذِيرًا) : فِي نَصْبِهِ أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا: هُوَ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي قُمْ، فِي أَوَّلِ السُّورَةِ. وَالثَّانِي: مِنَ الضَّمِيرِ فِي «فَأَنْذِرْ» - حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ. وَالثَّالِثُ: هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «إِحْدَى» . وَالرَّابِعُ: هُوَ حَالٌ مِنْ نَفْسِ «إِحْدَى» . وَالْخَامِسُ: حَالٌ مِنَ الْكُبَرِ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهَا.
стр. 1248
وَالسَّادِسُ: حَالٌ مِنِ اسْمِ إِنَّ. وَالسَّابِعُ: أَنَّ نَذِيرًا فِي مَعْنَى إِنْذَارٍ؛ أَيْ فَأَنْذِرْ إِنْذَارًا؛ أَوْ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ لِإِنْذَارِ الْبَشَرِ. وَفِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَا لَا نَرْتَضِيهِ وَلَكِنْ حَكَيْنَاهَا. وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ، تَقْدِيرُهُ: عَظُمَتْ عَلَيْهِ نَذِيرًا.
قَالَ تَعَالَى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِمَنْ شَاءَ) : هُوَ بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي جَنَّاتٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يَتَسَاءَلُونَ» .
قَالَ تَعَالَى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) : هَذِهِ الْجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ الْفَاعِلِ، وَهُوَ جَوَابُ مَا سَلَكَكُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)) .
وَ (مُعْرِضِينَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ. وَ (كَأَنَّهُمْ) : حَالٌ هِيَ بَدَلٌ مِنْ «مُعْرِضِينَ» أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ.
وَ (مُسْتَنْفِرَةٌ) بِالْكَسْرِ: نَافِرَةٌ، وَبِالْفَتْحِ: مُنَفَّرَةٌ. (فَرَّتْ) : حَالٌ، وَ «قَدْ» مَعَهَا مُقَدَّرَةٌ، أَوْ خَبَرٌ آخَرُ.
стр. 1249
قَالَ تَعَالَى: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)) .
وَ (مُنَشَّرَةً) بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَبِالتَّخْفِيفِ وَسُكُونِ النُّونِ مِنْ أَنْشَرْتَ، إِمَّا بِمَعْنَى أَمَرَ بِنَشْرِهَا وَمَكَّنَ مِنْهُ؛ مِثْلُ أَلْحَمْتُكَ عِرْضَ فُلَانٍ؛ أَوْ بِمَعْنَى مَنْشُورَةٍ، مِثْلُ أَحْمَدْتُ الرَّجُلَ؛ أَوْ بِمَعْنَى أَنْشَرَ اللَّهُ الْمَيِّتَ؛ أَيْ أَحْيَاهُ فَكَأَنَّهُ أَحْيَا مَا فِيهَا بِذِكْرِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤)) .
وَالْهَاءُ فِي «إِنَّهُ» لِلْقُرْآنِ، أَوْ لِلْوَعِيدِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ. . . (٥٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) أَيْ إِلَّا وَقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ عِزَّ وَجَلَّ
стр. 1250
سُورَةُ الْقِيَامَةِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)) .
فِي (لَا) وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ زَائِدَةٌ، كَمَا زِيدَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ) [سُورَةُ الْحَدِيدِ: ٢٩] .
وَالثَّانِي: لَيْسَتْ زَائِدَةً، وَفِي الْمَعْنَى وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هِيَ نَفْيٌ لِلْقَسَمِ بِهَا كَمَا نُفِيَ الْقَسَمُ بِالنَّفْسِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ «لَا» رَدٌّ لِكَلَامٍ مُقَدَّرٍ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: أَنْتَ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ فِي قَوْلِكَ: نَبْعَثُ؛ فَقَالَ لَا، ثُمَّ ابْتَدَأَ؛ فَقَالَ: أُقْسِمُ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ، فَإِنَّ وَاوَ الْعَطْفِ تَأْتِي فِي مَبَادِئِ الْقَصَائِدِ كَثِيرًا، يُقَدَّرُ هُنَاكَ كَلَامٌ يُعْطَفُ عَلَيْهِ. وَقُرِئَ: «لَأُقْسِمُ» . وَفِي الْكَلَامِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ لَامُ التَّوْكِيدِ دَخَلَتْ عَلَى الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) [سُورَةُ النَّحْلِ: ١٢٤] ، وَلَيْسَتْ لَامَ الْقَسَمِ.
وَالثَّانِي: هِيَ لَامُ الْقَسَمِ، وَلَمْ تَصْحَبْهَا النُّونُ اعْتِمَادًا عَلَى الْمَعْنَى؛ وَلِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ صِدْقٌ؛ فَجَازَ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ غَيْرِ تَوْكِيدٍ.
وَقِيلَ: شُبِّهَتِ الْجُمْلَةُ الْفِعْلِيَّةُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ. . .) [سُورَةُ الْحِجْرِ: ٧٢] .
стр. 1251
قَالَ تَعَالَى: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَادِرِينَ) أَيْ بَلَى نَجْمَعُهَا؛ فَقَادِرِينَ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ.
وَ (أَمَامَهُ) : ظَرْفٌ؛ أَيْ لِيَكْفُرَ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ. وَ (يَسْأَلُ) : تَفْسِيرٌ لِيَفْجُرَ.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَى رَبِّكَ) : هُوَ خَبَرُ «الْمُسْتَقَرُّ» . وَ «يَوْمَئِذٍ» : مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ «الْمُسْتَقَرُّ» وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ الْمُسْتَقَرُّ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ؛ وَالْمَعْنَى: إِلَيْهِ الْمَرْجِعُ.
قَالَ تَعَالَى: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلِ الْإِنْسَانُ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «بَصِيرَةٌ» : خَبَرُهُ، وَ «عَلَى» يَتَعَلَّقُ بِالْخَبَرِ.
وَفِي التَّأْنِيثِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هِيَ دَاخِلَةٌ لِلْمُبَالَغَةِ؛ أَيْ بَصِيرٌ عَلَى نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: هُوَ عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ هُوَ حُجَّةٌ بَصِيرَةٌ عَلَى نَفْسِهِ؛ وَنَسَبَ الْإِبْصَارَ إِلَى الْحُجَّةِ لِمَا ذُكِرَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَقِيلَ: بَصِيرَةٌ هُنَا مَصْدَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: ذُو بَصِيرَةٍ؛ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى التَّبْيِينِ.
قَالَ تَعَالَى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وُجُوهٌ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «نَاضِرَةٌ» : خَبَرُهُ، وَجَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ لِحُصُولِ الْفَائِدَةِ. وَ (يَوْمَئِذٍ) : ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا؛ أَيْ ثُمَّ وُجُوهٌ. وَ «نَاضِرَةٌ» : صِفَةٌ.
وَأَمَّا «إِلَى» فَتَتَعَلَّقُ بِـ «نَاظِرَةٌ» الْأَخِيرَةِ.
стр. 1252
وَقَالَ بَعْضُ غُلَاةِ الْمُعْتَزِلَةِ: إِلَى هَاهُنَا: اسْمٌ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ؛ أَيْ مُنْتَظِرَةٌ نِعْمَةَ رَبِّهَا، وَالْمُرَادُ أَصْحَابُ الْوُجُوهِ.
قَالَ تَعَالَى: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (١٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (١٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا بَلَغَتِ) : الْعَامِلُ فِي «إِذَا» مَعْنَى: (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ) [سُورَةُ الْقِيَامَةِ: ٣٠] أَيْ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ رُفِعَتْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَ (التَّرَاقِيَ) : جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وَهِيَ فَعْلُوَةٌ، وَلَيْسَتْ بِتَفْعُلَةٍ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ تَرَقٍّ.
وَ (مَنْ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «رَاقٍ» : خَبَرُهُ؛ أَيْ مَنْ يَرْقِيهَا لِيُبْرِئَهَا.
وَقِيلَ: مَنْ يَرْفَعُهَا إِلَى اللَّهِ ؛ أَمَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، أَوْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ؟
قَالَ تَعَالَى: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَا صَدَّقَ) : «لَا» بِمَعْنَى مَا. وَ (يَتَمَطَّى) : فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْأَلِفُ مُبْدَلَةٌ مِنْ طَاءٍ، وَالْأَصْلُ يَتَمَطَّطُ؛ أَيْ يَتَمَدَّدُ فِي مَشْيِهِ كِبْرًا.
وَالثَّانِي: هُوَ بَدَلٌ مِنْ وَاوٍ؛ وَالْمَعْنَى: يَمُدُّ مَطَاهُ؛ أَيْ ظَهْرَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْلَى لَكَ) : وَزُنُ أَوْلَى فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: فَعْلَى، وَالْأَلِفُ لِلْإِلْحَاقِ، لَا لِلتَّأْنِيثِ.
وَالثَّانِي: هُوَ أَفْعَلُ، وَهُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ هَنَا عَلَمٌ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُنَوَّنْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ: هِيَ أَوْلَاةُ بِالتَّاءِ غَيْرُ مَصْرُوفٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «أَوْلَى» مُبْتَدَأً، وَ «لَكَ» : الْخَبَرُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ اسْمٌ لِلْفِعْلِ مَبْنِيٌّ، وَمَعْنَاهُ وَلِيَكَ شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ؛ وَ «لَكَ» تَبْيِينٌ.
стр. 1253
قَالَ تَعَالَى: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)) .
وَ (سُدًى) : حَالٌ، وَأَلِفُهُ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ.
وَ (يُمْنَى) - بِالْيَاءِ - عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَنِيِّ؛ فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلنُّطْفَةِ؛ لِأَنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وَالنُّطْفَةُ بِمَعْنَى الْمَاءِ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَالْقِرَاءَةِ بِالتَّاءِ.
وَ (الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) : بَدَلٌ مِنَ الزَّوْجَيْنِ. وَ (يُحْيِي) بِالْإِظْهَارِ لَا غَيْرَ؛ لِأَنَّ الْيَاءَ لَوْ أُدْغِمَتْ لَلَزِمَ الْجَمْعُ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ لَفْظًا وَتَقْدِيرًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1254
سُورَةُ الدَّهْرِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)) .
فِي «هَلْ» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى «قَدْ» وَالثَّانِي: هِيَ اسْتِفْهَامٌ عَلَى بَابِهَا، وَالِاسْتِفْهَامُ هُنَا لِلتَّقْرِيرِ، أَوِ التَّوْبِيخِ.
وَ (لَمْ يَكُنْ شَيْئًا) : حَالٌ مِنَ الْإِنْسَانِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)) .
وَ (أَمْشَاجٍ) : بَدَلٌ، أَوْ صِفَةٌ، وَهُوَ جَمْعُ مَشِيجٍ. وَجَازَ وَصْفُ الْوَاحِدِ بِالْجَمْعِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْلِ مُتَفَرِّقًا ثُمَّ جُمِعَ؛ أَيْ نُطْفَةٌ أَخْلَاطٌ.
وَ (نَبْتَلِيهِ) : حَالٌ مِنَ الْإِنْسَانِ؛ أَوْ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِمَّا شَاكِرًا) : «إِمَّا» هَاهُنَا لِتَفْصِيلِ الْأَحْوَالِ، وَشَاكِرًا، وَكَفُورًا: حَالَانِ؛ أَيْ يَنَالُهُ فِي كِلْتَا حَالَتَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَلَاسِلَ) : الْقِرَاءَةُ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ، وَنَوَّنَهُ قَوْمٌ أَخْرَجُوهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَقَرَّبَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِتْبَاعُهُ مَا بَعْدَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي الشِّعْرِ مِثْلَ ذَلِكَ مُنَوَّنًا فِي الْفَوَاصِلِ، وَإِنَّ هَذَا الْجَمْعَ قَدْ جُمِعَ،
стр. 1255
كَقَوْلِ الرَّاجِزِ:
قَدْ جَرَتِ الطَّيْرُ أَيَامِنِينَا
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ كَأْسٍ) : الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ خَمْرًا، أَوْ مَاءً مِنْ كأسٍ.
وَقِيلَ: «مِنْ» زَائِدَةٌ. وَ (كَانَ مِزَاجُهَا) : نَعْتٌ لِكَأْسٍ. وَأَمَّا «عَيْنًا» فَفِي نَصْبِهَا أَوْجُهٌ؛ أَحَدُهَا: هُوَ بَدَلٌ مِنْ مَوْضِعِ مِنْ كَأْسٍ. وَالثَّانِي: مِنْ كَافُورٍ؛ أَيْ مَاءَ عَيْنٍ، أَوْ خَمْرَ عَيْنٍ. وَالثَّالِثُ: بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ أَعْنِي. وَالرَّابِعُ: تَقْدِيرُهُ: أُعْطُوا عَيْنًا. وَالْخَامِسُ: يَشْرَبُونَ
عَيْنًا؛ وَقَدْ فَسَّرَهُ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَشْرَبُ بِهَا) : قِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى «مِنْ» وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ؛ أَيْ يَشْرَبُ مَمْزُوجًا بِهَا.
وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى؛ وَالْمَعْنَى: يَلْتَذُّ بِهَا.
وَ (يُفَجِّرُونَهَا) : حَالٌ.
قَالَ تَعَالَى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا. . . (٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُوفُونَ) : هُوَ مُسْتَأْنَفٌ أَلْبَتَّةَ.
стр. 1256
قَالَ تَعَالَى: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ فِي (جَزَاهُمْ) وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لَجَنَّةً.
و ﴿لَا يرَوْنَ﴾ يجوز أَن يكون حَالا من الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي ﴿متكئين﴾ وَأَن يكون حَالا أُخْرَى وَأَن يكون صفة لجنة
وَأَمَّا (وَدَانِيَةً) فَفِيهِ أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى «لَا يَرَوْنَ» أَوْ عَلَى (مُتَّكِئِينَ) فَيَكُونُ فِيهِ مِنَ الْوُجُوهِ مَا فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وَجَنَّةً دَانِيَةً.
وَقُرِئَ: وَدَانِيَةٌ - بِالرَّفْعِ - عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ، وَالْمُبْتَدَأُ: «ظِلَالُهَا» .
وَحُكِيَ بِالْجَرِّ؛ أَيْ فِي جَنَّةٍ دَانِيَةٍ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ عُطِفَ عَلَى الْمَجْرُورِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْجَارِّ. وَأَمَّا «ظِلَالُهَا» فَمُبْتَدَأٌ، وَ «عَلَيْهِمْ» الْخَبَرُ، عَلَى قَوْلِ مَنْ نَصَبَ دَانِيَةً أَوْ جَرَّهُ؛ لِأَنَّ دَنَا يَتَعَدَّى بِإِلَى؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِدَانِيَةً؛ لِأَنَّ دَنَا وَأَشْرَفَ بِمَعْنًى.
وَأَمَّا (وَذُلِّلَتْ) فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ وَقَدْ ذُلِّلَتْ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَوَارِيرَا قَوَارِيرَا) : يُقْرَآنِ بِالتَّنْوِينِ وَبِغَيْرِ التَّنْوِينِ. وَقَدْ ذُكِرَ،
стр. 1257
وَالْأَكْثَرُونَ يَقِفُونَ عَلَى الْأَوَّلِ بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ.
وَفِي نَصْبِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ خَبَرُ كَانَ. وَالثَّانِي: حَالٌ؛ وَ «كَانَ» تَامَّةٌ: أَيْ كُوِّنَتْ، وَحَسُنَ التَّكْرِيرُ لِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ بَيَانِ أَصْلِهَا، وَلَوْلَا التَّكْرِيرُ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ رَأْسَ آيَةٍ لِشِدَّةِ اتِّصَالِ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ. وَ (قَدَّرُوهَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِقَوَارِيرَ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.
قَالَ تَعَالَى: (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)) .
وَ (عَيْنًا) : فِيهَا مِنَ الْوُجُوهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأُولَى.
وَ (السَّلْسَبِيلُ) : كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَوَزْنُهَا فَعْلَلِيلُ مِثْلُ دَرْدَبِيسُ.
قَالَ تَعَالَى: (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ. . . (٢١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَالِيَهُمْ) : فِيهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ فَاعِلٌ، وَانْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمَجْرُورِ فِي «عَلَيْهِمْ» .
وَ (ثِيَابُ سُنْدُسٍ) : مَرْفُوعٌ بِهِ؛ أَيْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ عُلُوِّ السُّنْدُسِ؛ وَلَمْ يُؤَنَّثْ «عَالِيًا» لِأَنَّ تَأْنِيثَ الثِّيَابِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: هُوَ ظَرْفٌ؛ لِأَنَّ عَالِيَهُمْ: جُلُودُهُمْ، وَفِي هَذَا الْقَوْلِ ضَعْفٌ.
وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ الْيَاءِ؛ إِمَّا عَلَى تَخْفِيفِ الْمَفْتُوحِ الْمَنْقُوصِ، أَوْ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ.
وَيُقْرَأُ «عَالِيَتُهُمْ» - بِالتَّاءِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَ (خُضْرٌ) - بِالْجَرِّ: صِفَةٌ لِسُنْدُسٍ، وَبِالرَّفْعِ لِثِيَابُ.
(وَإِسْتَبْرَقٌ) - بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى سُنْدُسٍ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى ثِيَابُ.
стр. 1258
قَالَ تَعَالَى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ كَفُورًا) : «أَوْ» هُنَا عَلَى بَابِهَا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَتُفِيدُ فِي النَّهْيِ الْمَنْعُ مِنَ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ فِي الْإِبَاحَةِ جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيرِينَ؛ كَانَ التَّقْدِيرُ: جَالِسْ أَحَدَهُمَا؛ فَإِذَا نَهَى قَالَ: لَا تُكَلِّمْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا؛ فَالتَّقْدِيرُ: لَا تُكَلِّمْ أَحَدَهُمَا، فَأَيَّهُمَا كَلَّمَهُ كَانَ أَحَدَهُمَا، فَيَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْهُ؛ فَكَذَلِكَ فِي الْآيَةِ، وَيَؤُولُ الْمَنْعُ إِلَى تَقْدِيرِ: فَلَا تُطِعْ مِنْهُمَا آثِمًا وَلَا كَفُورًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. . . (٣٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) : أَيْ إِلَّا وَقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، أَوْ إِلَّا فِي حَالِ مَشِيئَةِ اللَّهِ .
قَالَ تَعَالَى: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)) .
وَ (الظَّالِمِينَ) : مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُعَذِّبُ الظَّالِمِينَ، وَفَسَّرَهُ الْفِعْلُ الْمَذْكُورُ؛ وَكَانَ النَّصْبُ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ قَدْ عَمِلَ فِيهِ الْفِعْلُ. وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1259
سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)) .
الْوَاوُ الْأُولَى لِلْقَسَمِ، وَمَا بَعْدَهَا لِلْعَطْفِ؛ وَلِذَلِكَ جَاءَتِ الْفَاءُ. وَ (عُرْفًا) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ مُتَتَابِعَةً، يَعْنِي الرِّيحَ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْمَلَائِكَةُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِالْعُرْفِ أَوْ لِلْعُرْفِ.
وَ (عَصْفًا) : مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ. وَ (ذِكْرًا) : مَفْعُولٌ بِهِ.
وَفِي (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُمَا مَصْدَرَانِ يَسْكُنُ أَوْسَطُهُمَا وَيُضَمُّ.
وَالثَّانِي: هُمَا جَمْعُ عَذِيرٍ وَنَذِيرٍ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَنْتَصِبَانِ عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ، أَوْ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ «ذِكْرًا» أَوْ بِذِكْرًا. وَعَلَى الثَّانِي هُمَا حَالَانِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «الْمُلْقِيَاتِ» أَيْ مُعْذِرِينَ وَمُنْذِرِينَ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّمَا) : «مَا» هَاهُنَا: بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْخَبَرُ «لَوَاقِعٌ» وَلَا تَكُونُ «مَا» مَصْدَرِيَّةً هُنَا وَلَا كَافَّةً.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِذَا النُّجُومُ) : جَوَابُ «إِذَا» مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: بَانَ الْأَمْرُ أَوْ فُصِلَ،
стр. 1260
أَوْ يُقَالُ: (لِأَيِّ يَوْمٍ) وَجَوَابُهَا الْعَامِلُ فِيهَا؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (طُمِسَتْ) جَوَابًا؛ لِأَنَّهُ الْفِعْلُ الْمُفَسِّرُ لِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، فَالْكَلَامُ لَا يَتِمُّ بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَإِذَا طُمِسَتِ النُّجُومُ، ثُمَّ حُذِفَ الْفِعْلُ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِمَا بَعْدَهُ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: الِاسْمُ بَعْدَ «إِذَا» مُبْتَدَأٌ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِمَا فِي إِذَا مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ الْمُتَقَاضِي لِلْفِعْلِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وُقِّتَتْ) : بِالْوَاوِ عَلَى الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْوَقْتِ.
وَقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (كِتَابًا مَوْقُوتًا) [سُورَةُ النِّسَاءِ: ١٠٣] .
وَقُرِئَ بِالْهَمْزِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ قَدْ ضُمَّتْ ضَمًّا لَازِمًا، فَهُرِبَ مِنْهَا إِلَى الْهَمْزَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِأَيِّ يَوْمٍ) : أَيْ يُقَالُ لَهُمْ. وَ (لِيَوْمِ الْفَصْلِ) : تَبْيِينٌ لِمَا قَبْلَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيْلٌ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ. وَ (يَوْمَئِذٍ) : نَعْتٌ لَهُ، أَوْ ظَرْفٌ لَهُ. وَ (لِلْمُكَذِّبِينَ) : الْخَبَرُ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الرَّفْعِ؛ أَيْ ثُمَّ نَحْنُ نُتْبِعُهُمْ؛ وَلَيْسَ
стр. 1261
بِمَعْطُوفٍ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَهْلَكْنَا الْمُجْرِمِينَ، ثُمَّ أَتْبَعْنَاهُمُ الْآخِرِينَ فِي الْهَلَاكِ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إِهْلَاكَ الْآخِرِينَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ. وَقُرِئَ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ شَاذًّا؛ وَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ عَلَى التَّخْفِيفِ، لَا عَلَى الْجَزْمِ. وَالثَّانِي: هُوَ مَجْزُومٌ. وَالْمَعْنَى: ثُمَّ أَتْبَعْنَاهُمُ الْآخِرِينَ فِي الْوَعْدِ بِالْإِهْلَاكِ، أَوْ أَرَادَ بِالْآخِرِينَ آخِرَ مَنْ أُهْلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَى قَدَرٍ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ مُؤَخَّرًا إِلَى قَدَرٍ.
وَ (قَدَرْنَا) - بِالتَّخْفِيفِ - أَجْوَدُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ» وَلَمْ يَقُلْ: الْمُقَدِّرُونَ، وَمَنْ شَدَّدَ الْفِعْلَ نَبَّهَ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَاسْتَغْنَى بِهِ عَنِ التَّكْثِيرِ بِتَشْدِيدِ الِاسْمِ. وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ فَنِعَمَ الْقَادِرُونَ نَحْنُ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كِفَاتًا) : جَمْعُ كَافِتٍ، مِثْلُ صَائِمٍ وَصِيَامٍ. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ، مِثْلُ كِتَابٍ وَحِسَابٍ، وَالتَّقْدِيرُ: ذَاتُ كَفْتٍ؛ أَيْ جَمْعٍ. وَأَمَّا «أَحْيَاءً» فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ مَفْعُولُ «كِفَاتًا» .
وَالثَّانِي: هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِجَعَلْنَا بَعْضَ الْأَرْضِ أَحْيَاءً بِالنَّبَاتِ؛ وَ «كِفَاتًا» عَلَى هَذَا حَالٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧)) .
وَالتَّاءُ فِي «فُرَاتٍ» أَصْلٌ.
قَالَ تَعَالَى: (انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (٣٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا ظَلِيلٍ) : نَعْتٌ لِظِلٍّ.
стр. 1262
وَ (الْقَصْرُ) بِسُكُونِ الصَّادِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ الْمَبْنِيُّ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ جَمْعُ قَصَرَةٍ، وَهِيَ أَصْلُ النَّخْلَةِ وَالشَّجَرَةِ.
وَ (جِمَالَاتٌ) : جَمْعُ جِمَالَةٍ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ، مِثْلُ الذِّكَارَةِ وَالْحِجَارَةِ، وَالضَّمُّ لُغَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَذَا) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ (يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ) : خَبَرُهُ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ؛ وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الظَّرْفِ؛ أَيْ هَذَا الْمَذْكُورُ فِي يَوْمِ لَا يَنْطِقُونَ. وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعَ الْمَوْضِعِ مَبْنِيَّ اللَّفْظِ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْجُمْلَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَيَعْتَذِرُونَ) : فِي رَفْعِهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: هُوَ نَفْيٌ كَالَّذِي قَبْلَهُ؛ أَيْ فَلَا يَعْتَذِرُونَ. وَالثَّانِي: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ؛ أَيْ: فَهُمْ يَعْتَذِرُونَ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ نُطْقًا يَنْفَعُهُمْ؛ أَيْ لَا يَنْطِقُونَ فِي بَعْضِ الْمَوَاقِفِ، وَيَنْطِقُونَ فِي بَعْضِهَا؛ وَلَيْسَ بِجَوَابِ النَّفْيِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَحُذِفَ النُّونُ.
قَالَ تَعَالَى: (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَلِيلًا) : أَيْ تَمَتُّعًا أَوْ زَمَانًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1263
سُورَةُ النَّبَأِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)) .
قَدْ ذَكَرْنَا حَذْفَ أَلِفِ «مَا» فِي الِاسْتِفْهَامِ.
وَ (عَنْ) : مُتَعَلِّقَةٌ بِـ «يَتَسَاءَلُونَ» فَأَمَّا «عَنْ» الثَّانِيَةُ فَبَدَلٌ مِنَ الْأُولَى، وَأَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُعَادَ مَحْذُوفَةٌ؛ أَوْ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ آخَرَ غَيْرِ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ؛ أَيْ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ. (الَّذِي) : يَحْتَمِلُ الْجَرَّ، وَالنَّصْبَ، وَالرَّفْعَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)) .
(أَزْوَاجًا) : حَالٌ؛ أَيْ مُتَجَانِسِينَ مُتَشَابِهِينَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلْفَافًا) : هُوَ جَمْعُ لِفٍّ، مِثْلُ جِذْعٍ وَأَجْذَاعٍ. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ لُفٍّ، وَلُفٌّ جَمْعُ لَفَّاءَ.
قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يُنْفَخُ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ «يَوْمَ الْفَصْلِ» أَوْ مِنْ «مِيقَاتٍ» أَوْ هُوَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَعْنِي.
وَ (أَفْوَاجًا) : حَالٌ.
стр. 1264
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلطَّاغِينَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «مَآبًا» أَيْ مَرْجِعًا لِلطَّاغِينَ، وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمِرْصَادًا، وَأَنْ تَتَعَلَّقَ اللَّامُ بِنَفْسِ «مِرْصَادًا» .
وَ (لَابِثِينَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، فِي «الطَّاغِينَ» - حَالٌ مُقَدَّرَةٌ.
وَ (أَحْقَابًا) : مَعْمُولُ لَابِثِينَ. وَقِيلَ: مَعْمُولُ «لَا يَذُوقُونَ» وَيُرَادُ: بِـ «أَحْقَابًا» هُنَا الْأَبَدُ، وَ «لَا يَذُوقُونَ» : حَالٌ أُخْرَى، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي لَابِثِينَ.
وَ (جَزَاءً) : مَصْدَرٌ؛ أَيْ جُوزُوا جَزَاءً بِذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)) .
وَ (كِذَّابًا) بِالتَّشْدِيدِ: مَصْدَرٌ كَالتَّكْذِيبِ، وَبِالتَّخْفِيفِ مَصْدَرُ كَذَبَ إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْكَذِبُ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى قَرِيبٌ مِنْ كَذَبَ. (وَكُلَّ شَيْءٍ) : مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. وَ (كِتَابًا) : حَالٌ؛ أَيْ مَكْتُوبًا؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ أَحْصَيْنَاهُ بِمَعْنَى كَتَبْنَاهُ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥)) (حَدَائِقَ) : بَدَلٌ مِنْ «مَفَازًا» .
وَ (لَا يَسْمَعُونَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي خَبَرِ إِنَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.
قَالَ تَعَالَى: (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧)) .
(عَطَاءً) : اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ جَزَاءً.
стр. 1265
وَ (رَبِّ السَّمَاوَاتِ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَفِي خَبَرِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: «الرَّحْمَنُ» فَيَكُونُ مَا بَعْدَهُ خَبَرًا آخَرَ، أَوْ مُسْتَأْنَفًا.
وَالثَّانِي: «الرَّحْمَنُ» نَعْتٌ، وَ «لَا يَمْلِكُونَ» : الْخَبَرُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «رَبُّ» خَبِّرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هُوَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ، وَ «الرَّحْمَنُ» وَمَا بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. وَيُقْرَأُ «رَبِّ» وَ «الرَّحْمَنِ» بِالْجَرِّ بَدَلًا مِنْ «رَبِّكَ» .
قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ . . .)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يَقُومُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ «لَا يَمْلِكُونَ» وَلِـ «خِطَابًا» ، وَ «لَا يَتَكَلَّمُونَ» . وَ «صَفًّا» : حَالٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ. . . (٤٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يَنْظُرُ) : أَيْ عَذَابَ يَوْمٍ، فَهُوَ بَدَلٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَرِيبٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →