← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَقِيلَ: خَبَرُ صَدٍّ وَكُفْرٍ مَحْذُوفٌ أَيْضًا أَغْنَى عَنْهُ خَبَرُ إِخْرَاجِ أَهْلِهِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ عَلَى هَذَا أَكْبَرُ لَا كَبِيرَ كَمَا قَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إِخْرَاجُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ مِنْهُ أَكْبَرُ مِنَ الْكُفْرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا جَرُّ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَقَدْ ضُعِّفَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَسْأَلُوا عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، إِذْ لَمْ يَشُكُّوا فِي تَعْظِيمِهِ، وَإِنَّمَا سَأَلُوا عَنِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِدُخُولِهِ، فَخَافُوا مِنَ الْإِثْمِ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ عَيَّرُوهُمْ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْهَاءِ فِي بِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، إِلَّا أَنْ يُعَادَ الْجَارُّ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى السَّبِيلِ ; وَهَذَا لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ مَعْمُولُ الْمَصْدَرِ وَالْعَطْفُ بِقَوْلِهِ «وَكُفْرٌ بِهِ» يُفَرِّقُ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ وَالْجَيِّدُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الصَّدُّ تَقْدِيرُهُ: وَيَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الْفَتْحِ: ٢٥] . (حَتَّى يَرُدُّوكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَتَّى بِمَعْنَى كَيْ، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى إِلَى، وَهِيَ فِي الْوَجْهَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُقَاتِلُونَكُمْ، وَجَوَابُ (إِنِ اسْتَطَاعُوا) : مَحْذُوفٌ قَامَ مَقَامُهُ «وَلَا يَزَالُونَ» . (فَيَمُتْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى يَرْتَدِدْ، وَيَرْتَدِدْ مُظْهَرٌ لَمَّا سُكِّنَتِ الدَّالُ الثَّانِيَةُ لَمْ يُمْكِنْ تَسْكِينُ الْأُولَى لِئَلَّا يَجْتَمِعَ سَاكِنَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَرَبِيَّةِ يَرْتَدُّ، وَقَدْ قُرِئَ فِي الْمَائِدَةِ بِالْوَجْهَيْنِ، وَهُنَالِكَ تُعَلَّلُ الْقِرَاءَتَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمِنْكُمْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ الْمُضْمَرِ.

стр. 177

«وَمَنْ» فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ، وَالْخَبَرُ هُوَ الْجُمْلَةُ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ: (فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ) . قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (١١٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) : الْأَحْسَنُ الْقِرَاءَةُ بِالْبَاءِ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَصَغِيرٌ، وَيُقَالُ فِي الْفَوَاحِشِ الْعِظَامِ الْكَبَائِرُ وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ الصَّغَائِرُ، وَقَدْ قُرِئَ بِالثَّاءِ، وَهُوَ جَيِّدٌ فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْكَثْرَةَ كِبَرٌ، وَالْكَثِيرُ كَبِيرٌ، كَمَا أَنَّ الصَّغِيرَ يَسِيرٌ حَقِيرٌ. (وَإِثْمُهُمَا) وَ (نَفْعِهِمَا) : مَصْدَرَانِ مُضَافَانِ إِلَى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِضَافَةَ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ ; لِأَنَّ الْخَمْرَ هُوَ الَّذِي يُؤْثِمُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ إِلَيْهِمَا ; لِأَنَّهُمَا سَبَبُ الْإِثْمِ أَوْ مَحَلُّهُ. (قُلِ الْعَفْوَ) يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ، وَالْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: قُلِ الْمُنْفِقُ وَهَذَا إِذَا جَعَلْتَ مَاذَا مُبْتَدَأً وَخَبَرًا، وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يُنْفِقُونَ الْعَفْوَ ; وَهَذَا إِذَا جَعَلْتَ مَا وَذَا اسْمًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الْعَفْوَ جَوَابٌ وَإِعْرَابُ الْجَوَابِ كَإِعْرَابِ السُّؤَالِ. (كَذَلِكَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ تَبْيِينًا مِثْلُ هَذَا التَّبْيِينِ يُبَيِّنُ لَكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)) .

стр. 178

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) فِي مُتَعَلِّقَةٌ بِيَتَفَكَّرُونَ وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِيُبَيِّنُ. (إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) : إِصْلَاحٌ مُبْتَدَأٌ، وَلَهُمْ نَعْتٌ لَهُ وَخَيْرٌ خَبَرُهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: خَيْرٌ لَهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَيْرٌ لَكُمْ ; أَيْ إِصْلَاحُهُمْ نَافِعٌ لَكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ نَعْتًا لِخَيْرٍ قُدِّمَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَجَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ وَإِنْ لَمْ تُوصَفْ ; لِأَنَّ الِاسْمَ هُنَا فِي مَعْنَى الْفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ: أَصْلِحُوهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النَّكِرَةُ وَالْمَعْرِفَةُ هُنَا سَوَاءً ; لِأَنَّهُ جِنْسٌ. (فَإِخْوَانُكُمْ) : أَيْ فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ النَّصْبُ تَقْدِيرُهُ: فَقَدْ خَالَطْتُمْ إِخْوَانَكُمْ. وَ (الْمُفْسِدَ) وَ (الْمُصْلِحِ) : هُنَا جِنْسَانِ، وَلَيْسَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْمَعْهُودِ. (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ) : الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ إِعْنَاتَكُمْ: لَأَعْنَتَكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)) . قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات﴾ ماضى هَذَا الْفِعْل ثَلَاثَة أحرف يُقَال نكحت الْمَرْأَة إِذا تَزَوَّجتهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ) : بِضَمِّ التَّاءِ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَنْكَحْتُ الرَّجُلَ إِذَا زَوَّجْتُهُ. (وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) : لَوْ هَاهُنَا بِمَعْنَى أَنْ وَكَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَقَعَ بَعْدَ لَوِ الْفِعْلُ الْمَاضِي، وَلَوْ كَانَ جَوَابُهَا مُتَقَدِّمًا عَلَيْهَا (وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) : يُقْرَأُ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْجَنَّةِ وَالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ.

стр. 179

قَالَ تَعَالَى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَنِ الْمَحِيضِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحِيضُ مَوْضِعَ الْحَيْضِ، وَأَنْ يَكُونَ نَفْسَ الْحَيْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْوَطْءِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، أَوْ فِي مَكَانِ الْحَيْضِ، مَعَ وُجُودِ الْحَيْضِ (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ) : أَيْ وَطْءَ النِّسَاءِ ; وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْوَطْءِ الْمَمْنُوعِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْمَحِيضِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: هُوَ سَبَبُ أَذًى. (حَتَّى يَطْهُرْنَ) : يُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ وَمَاضِيهِ طَهُرْنَ ; أَيِ انْقَطَعَ دَمُهُنَّ، وَبِالتَّشْدِيدِ وَالْأَصْلُ يَتَطَهَّرْنَ ; أَيْ يَغْتَسِلْنَ، فَسَكَّنَ التَّاءَ وَقَلَبَهَا طَاءً وَأَدْغَمَهَا. (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) : مِنْ هُنَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ عَلَى أَصْلِهَا ; أَيْ مِنَ النَّاحِيَةِ الَّتِي تَنْتَهِي إِلَى مَوْضِعِ الْحَيْضِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى فِي لِيَكُونَ مُلَائِمًا لِقَوْلِهِ فِي الْمَحِيضِ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِالْإِتْيَانِ مِنْهُ. قَالَ تَعَالَى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَرْثٌ لَكُمْ) : إِنَّمَا أَفْرَدَ الْخَبَرَ وَالْمُبْتَدَأُ جَمْعٌ ; لِأَنَّ الْحَرْثَ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ ; أَيْ مَحْرُوثَاتٌ. (أَنَّى شِئْتُمْ) : أَيْ كَيْفَ شِئْتُمْ، وَقِيلَ: مَتَى شِئْتُمْ، وَقِيلَ: مِنْ أَيْنَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَوْضِعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ شِئْتُمُ الْإِتْيَانَ.

стр. 180

وَمَفْعُولُ (قَدَّمُوا) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: نِيَّةَ الْوَلَدِ، أَوْ نِيَّةَ الْإِعْفَافِ. (وَبَشِّرِ) : خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَجَرْيِ ذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ يَسْأَلُونَكَ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَبَرُّوا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ ; أَيْ مَخَافَةَ أَنْ تَبَرُّوا. وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لِئَلَّا تَبَرُّوا، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: فِي أَنْ تَبَرُّوا، فَلَمَّا حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ نُصِبَ ; وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِالْحَرْفِ الْمَحْذُوفِ. قَالَ تَعَالَى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي أَيْمَانِكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ «فِي» بِالْمَصْدَرِ، كَمَا تَقُولُ لَغَا فِي يَمِينِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْهُ تَقْدِيرُهُ: بِاللَّغْوِ كَائِنًا فِي أَيْمَانِكُمْ، وَيُقَرِّبُ عَلَيْكَ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّكَ لَوْ أَتَيْتَ بِالَّذِي لَكَانَ الْمَعْنَى مُسْتَقِيمًا، وَكَانَ صِفَةً كَقَوْلِكَ بِاللَّغْوِ الَّذِي فِي أَيْمَانِكُمْ. (بِمَا كَسَبَتْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» مَصْدَرِيَّةٌ فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى ضَمِيرٍ، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي أَوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً فَيَكُونُ الْعَائِدُ مَحْذُوفًا. قَالَ تَعَالَى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)) .

стр. 181

قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَهُوَ الِاسْتِقْرَارُ، وَهُوَ خَبَرٌ، وَالْمُبْتَدَأُ «تَرَبُّصُ» . وَعَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ هُوَ فِعْلٌ وَفَاعِلٌ. وَأَمَّا (مِنْ) فَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِيُؤْلُونَ يُقَالُ آلَى مِنَ امْرَأَتِهِ وَعَلَى امْرَأَتِهِ وَقِيلَ: الْأَصْلُ عَلَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ مِنْ مَقَامَ عَلَى، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَتَعَلَّقُ مِنْ بِمَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ، وَإِضَافَةُ التَّرَبُّصِ إِلَى الْأَشْهُرِ إِضَافَةُ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَفْعُولِ فِيهِ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى السَّعَةِ وَالْأَلِفُ فِي: فَاءُوا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ لِقَوْلِكَ فَاءَ يَفِي فَيْئَةً. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ) : أَيْ عَلَى الطَّلَاقِ، فَلَمَّا حُذِفَ الْحَرْفُ نُصِبَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَ عَزَمَ عَلَى نَوَى فَعَدَّاهُ بِغَيْرِ حَرْفٍ، وَالطَّلَاقُ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وَالْمَصْدَرُ التَّطْلِيقُ. قَالَ تَعَالَى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ) : قِيلَ: لَفْظُهُ خَبَرٌ، وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ ; أَيْ لَيَتَرَبَّصْنَ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى بَابِهِ، وَالْمَعْنَى: وَحُكْمُ الْمُطَلَّقَاتِ أَنْ يَتَرَبَّصْنَ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، وَانْتِصَابُ ثَلَاثَةٍ هُنَا عَلَى الظَّرْفِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ عَدَدٍ أُضِيفَ إِلَى زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ. وَ (قُرُوءٍ) : جَمْعُ كَثْرَةٍ، وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ قِلَّةٍ فَكَانَ الْوَجْهُ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ،

стр. 182

وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ ; فَقِيلَ: وَضَعَ جَمْعَ الْكَثْرَةِ فِي مَوْضِعِ جَمْعِ الْقِلَّةِ. وَقِيلَ: لَمَّا جَمَعَ فِي الْمُطَلَّقَاتِ أَتَى بِلَفْظِ جَمْعِ الْكَثْرَةِ ; لِأَنَّ كُلَّ مُطَلَّقَةٍ تَتَرَبَّصُ ثَلَاثَةً. وَقِيلَ: التَّفْسِيرُ: ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ مِنْ قُرُوءٍ. وَاحِدُ الْقُرُوءِ قُرْءٌ، وَقُرِئَ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ. (مَا خَلَقَ اللَّهُ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَأَنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ خَلَقَهُ اللَّهُ. (فِي أَرْحَامِهِنَّ) : يَتَعَلَّقُ بِخَلَقَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمَحْذُوفِ، وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ ; لِأَنَّ وَقْتَ خَلْقِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَتِمَّ خَلْقُهُ (وَبُعُولَتُهُنَّ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ التَّاءِ، وَأَسْكَنَهَا بَعْضُ الشُّذَّاذِ، وَوَجْهُهَا أَنَّهُ حَذَفَ الْإِعْرَابَ ; لِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالْمُتَّصِلِ نَحْوَ عَضُدٍ وَعَجُزٍ. (فِي ذَلِكَ) : قِيلَ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنِ الْعِدَّةِ فَعَلَى هَذَا يَتَعَلَّقُ بِأَحَقُّ ; أَيْ يَسْتَحِقُّ رَجْعَتَهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَحَقُّ أَنْ يَرُدَّهَا فِي الْعِدَّةِ وَإِنَّمَا يَرُدُّهَا فِي النِّكَاحِ أَوْ إِلَى النِّكَاحِ. وَقِيلَ: ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنِ النِّكَاحِ فَتَكُونُ «فِي» مُتَعَلِّقَةً بِالرَّدِّ. (بِالْمَعْرُوفِ) : يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِالِاسْتِقْرَارِ فِي قَوْلِهِ «وَلَهُنَّ» أَيِ اسْتَقَرَّ ذَلِكَ بِالْحَقِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةً لِمِثْلُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّفْ بِالْإِضَافَةِ. (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) : دَرَجَةٌ مُبْتَدَأٌ، وَلِلرِّجَالِ الْخَبَرُ. عَلَيْهِنَّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالِاسْتِقْرَارِ فِي اللَّامِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ نَصْبٍ حَالًا مِنَ الدَّرَجَةِ ; وَالتَّقْدِيرُ: دَرَجَةٌ كَائِنَةٌ عَلَيْهِنَّ، فَلَمَّا قَدَّمَ وَصْفَ النَّكِرَةِ عَلَيْهَا صَارَ حَالًا. وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِنَّ الْخَبَرُ، وَلَهُنَّ حَالٌ مِنْ دَرَجَةٍ ; لِأَنَّ الْعَامِلَ حِينَئِذٍ مَعْنَوِيٌّ، وَالْحَالُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.

стр. 183

قَالَ تَعَالَى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) : تَقْدِيرُهُ: عَدَدُ الطَّلَاقِ الَّذِي يَجُوزُ مَعَهُ الرَّجْعَةُ مَرَّتَانِ. (فَإِمْسَاكٌ) : أَيْ فَعَلَيْكُمْ إِمْسَاكٌ. وَ (بِمَعْرُوفٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِإِمْسَاكٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِمْسَاكٍ. (أَنْ تَأْخُذُوا) : مَفْعُولُهُ «شَيْئًا» وَ «مِمَّا» وَصُفٌ لَهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ فَصَارَ حَالًا. وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَآتَيْتُمْ تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَقَدْ حُذِفَ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الْعَائِدُ عَلَى مَا تَقْدِيرُهُ «آتَيْتُمُوهُنَّ إِيَّاهُ» . (إِلَّا أَنْ يَخَافَا) : أَنْ وَالْفِعْلُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ; وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا خَائِفِينَ، وَفِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا عَلَى كُلِّ حَالٍ، أَوْ فِي كُلِّ حَالٍ إِلَّا فِي حَالِ الْخَوْفِ. وَقَدْ قُرِئَ (يُخَافَا) بِضَمِّ الْيَاءِ ; أَيْ يُعْلَمَ مِنْهُمَا ذَلِكَ أَوْ يُخْشَى. (أَلَّا يُقِيمَا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَخَافَا ; تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ يَخَافَا تَرْكَ حُدُودِ اللَّهِ. (عَلَيْهِمَا) : خَبَرُ لَا. وَ (فِيمَا) : مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرَارِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِجُنَاحٍ، وَفِيمَا افْتَدَتِ الْخَبَرُ ; لِأَنَّ اسْمَ لَا إِذَا عَمِلَ يُنَوَّنُ.

стр. 184

(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ. وَ (تَعْتَدُوهَا) : بِمَعْنَى تَتَعَدُّوهَا. قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا) : أَيْ فِي أَنْ يَتَرَاجَعَا. (يُبَيِّنُهَا) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مِنَ الْحُدُودِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى الْإِشَارَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ضِرَارًا) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ مُضَارِّينَ ; كَقَوْلِكَ جَاءَ زَيْدٌ رَكْضًا. وَ (لِتَعْتَدُوا) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالضِّرَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لَامَ الْعَاقِبَةِ. (نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «عَلَيْكُمْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنِعْمَةٍ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ ; أَيْ أَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْهَا فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. (وَمَا أَنْزَلَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مَا» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى النِّعْمَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «يُعَظِّمُ» حَالًا إِنْ شِئْتَ مِنْ مَا وَالْعَائِدُ إِلَيْهَا الْهَاءُ فِي بِهِ وَإِنْ شِئْتَ مِنَ اسْمِ اللَّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا مُبْتَدَأً وَيَعِظُكُمْ خَبَرَهُ. وَ (مِنَ الْكِتَابِ) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، تَقْدِيرُهُ: وَمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)) .

стр. 185

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يَنْكِحْنَ) : تَقْدِيرُهُ: مِنْ أَنْ يَنْكِحْنَ، أَوْ عَنْ أَنْ يَنْكِحْنَ، فَلَمَّا حَذَفَ الْحَرْفَ، صَارَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَعِنْدَ الْخَلِيلِ هُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ. (إِذَا تَرَاضَوْا) : ظَرْفٌ لِأَنْ يَنْكِحْنَ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ ظَرْفًا لِتَعْضُلُوهُنَّ. (بِالْمَعْرُوفِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ، وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ تَرَاضِيًا كَائِنًا بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ الْفِعْلِ. (ذَلِكَ) : ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكُمْ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ فِي الْآيَةِ كُلِّهَا لِلْجَمْعِ، فَأَمَّا الْإِفْرَادُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَحْدَهُ، وَأَنْ يَكُونَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، وَأَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِالْوَاحِدِ عَنِ الْجَمْعِ. (أَزْكَى لَكُمْ) : الْأَلِفُ فِي أَزْكَى مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ زَكَا يَزْكُو. وَ (لَكُمْ) : صِفَةٌ لَهُ (وَأَطْهَرُ) : أَيْ لَكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)) . قَوْلُهُ : (وَالْوَالِدَاتُ) : الْوَالِدَاتُ وَالْوَالِدَةُ: صِفَتَانِ غَالِبَتَانِ ; فَلِذَلِكَ لَا يُذْكَرُ الْمَوْصُوفُ مَعَهُمَا لِجَرْيِهِمَا مَجْرَى الْأَسْمَاءِ. وَ (يُرْضِعْنَ) : مِثْلُ يَتَرَبَّصْنَ، وَقَدْ ذُكِرَ (حَوْلَيْنِ) : ظَرْفٌ، وَ (كَامِلَيْنِ) صِفَةٌ لَهُ ; وَفَائِدَةُ هَذِهِ الصِّفَةِ اعْتِبَارُ الْحَوْلَيْنِ

стр. 186

مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ، وَلَوْلَا ذِكْرُ الصِّفَةِ لَجَازَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا دُونَ الْحَوْلَيْنِ بِالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ. (لِمَنْ أَرَادَ) : تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ. (أَنْ يُتِمَّ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْيَاءِ، وَتَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَنَصْبِ «الرَّضَاعَةَ» . وَتُقْرَأُ بِالتَّاءِ مَفْتُوحَةً وَرَفْعِ الرَّضَاعَةِ. وَالْجَيِّدُ فَتْحُ الرَّاءِ فِي الرَّضَاعَةِ، وَكَسْرُهَا جَائِزٌ. وَقَدْ قُرِئَ بِهِ. (وَعَلَى الْمَوْلُودِ) : الْأَلِفُ وَاللَّامُ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ عَلَيْهَا الْهَاءُ فِي «لَهُ» وَلَهُ الْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ. (بِالْمَعْرُوفِ) : حَالٌ مِنَ الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ فِي عَلَى. (إِلَّا وُسْعَهَا) : مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَلَيْسَ بِمَنْصُوبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ; لِأَنَّ «كَلَّفَ» تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَلَوْ رَفَعَ الْوُسْعَ هُنَا لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ. (لَا تُضَارَّ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا. وَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَتَقْدِيرُهُ: لَا تُضَارِرْ - بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى، وَالْمَفْعُولُ عَلَى هَذَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ وَالِدًا بِسَبَبِ وَلَدِهَا. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الرَّاءُ الْأُولَى مَفْتُوحَةً عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَأَدْغَمَ لِأَنَّ الْحَرْفَيْنِ مِثْلَانِ، وَرَفَعَ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ، وَحُرِّكَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَكَانَ الْفَتْحُ أَوْلَى لِتَجَانُسِ الْأَلِفِ وَالْفَتْحَةِ قَبْلَهَا، وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ تُضَارِرْ وَتُضَارَرْ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ وَتَرْكِ تَسْمِيَتِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيِ قِرَاءَةِ الرَّفْعِ. وَقُرِئَ شَاذًّا بِسُكُونِ الرَّاءِ وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ حَذَفَ الرَّاءَ الثَّانِيَةَ فِرَارًا مِنَ التَّشْدِيدِ

стр. 187

فِي الْحَرْفِ الْمُكَرَّرِ، وَهُوَ الرَّاءُ، وَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ ; إِمَّا لِأَنَّهُ أَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ، أَوْ لِأَنَّ مَدَّةَ الْأَلِفِ تَجْرِي مَجْرَى الْحَرَكَةِ. (عَنْ تَرَاضٍ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةً لِفِصَالٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِأَرَادَا. (وَتَشَاوُرٍ) : أَيْ مِنْهُمَا. (تَسْتَرْضِعُوا) : مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ: أَجْنَبِيَّةً ; أَوْ غَيْرَ الْأُمِّ. (أَوْلَادَكُمْ) : مَفْعُولٌ حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ الْجَرِّ تَقْدِيرُهُ: لِأَوْلَادِكُمْ ; فَتَعَدَّى الْفِعْلُ إِلَيْهِ ; كَقَوْلِهِ: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ. (فَلَا جُنَاحَ) : الْفَاءُ جَوَابُ الشَّرْطِ. وَ (إِذَا سَلَّمْتُمْ) : شَرْطٌ أَيْضًا، وَجَوَابُهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَجَوَابُهُ ; وَذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الْعَامِلُ فِي إِذَا. (مَا آتَيْتُمْ) : يُقْرَأُ بِالْمَدِّ، وَالْمَفْعُولَانِ مَحْذُوفَانِ ; تَقْدِيرُهُ: مَا أَعْطَيْتُمُوهُنَّ إِيَّاهُ. وَيُقْرَأُ بِالْقَصْرِ ; تَقْدِيرُهُ: مَا جِئْتُمْ بِهِ، فَحُذِفَ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: تَقْدِيرُهُ: مَا جِئْتُمْ نَقْدَهُ أَوْ تَعْجِيلَهُ ; كَمَا تَقُولُ: أَتَيْتُ الْأَمْرَ ; أَيْ فَعَلْتُهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) : فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ ; وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ حُكْمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ; وَمِثْلُهُ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) [الْمَائِدَةِ: ٣٨] وَ (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) [النُّورِ: ٢] وَقَوْلُهُ: (يَتَرَبَّصْنَ) بَيَانُ الْحُكْمِ الْمَتْلُوِّ. وَهَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُبْتَدَأَ مَحْذُوفٌ، وَالَّذِينَ قَامَ مَقَامَهُ ; تَقْدِيرُهُ: وَأَزْوَاجُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ، وَالْخَبَرُ (يَتَرَبَّصْنَ) ، وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ: (وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) .

стр. 188

وَالثَّالِثُ: أَنَّ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وَ (يَتَرَبَّصْنَ) : الْخَبَرُ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهُمْ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وَتَقْدِيرُ الْخَبَرِ أَزْوَاجُهُمْ يَتَرَبَّصْنَ، فَأَزْوَاجُهُمْ مُبْتَدَأٌ، وَيَتَرَبَّصْنَ الْخَبَرُ، فَحُذِفَ الْمُبْتَدَأُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ تَرَكَ الْإِخْبَارَ عَنِ (الَّذِينَ) ، وَأَخْبَرَ عَنِ الزَّوْجَاتِ الْمُتَّصِلِ ذِكْرُهُنَّ بِالَّذِينِ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ مَعَهُنَّ فِي الِاعْتِدَادِ بِالْأَشْهُرِ، فَجَاءَ الْإِخْبَارُ عَمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ ; وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْيَاءِ فِي (يُتَوَفَّوْنَ) عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ ; وَالْمَعْنَى: يَسْتَوْفُونَ آجَالَهُمْ. وَ (مِنْكُمْ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ الْمُضْمَرِ. (وَعَشْرًا) : أَيْ عَشَرَ لَيَالٍ ; لِأَنَّ التَّارِيخَ يَكُونُ بِاللَّيْلَةِ إِذَا كَانَتْ هِيَ أَوَّلُ الشَّهْرِ وَالْيَوْمُ تَبَعٌ لَهَا. (بِالْمَعْرُوفِ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُؤَنَّثِ فِي الْفِعْلِ، أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ، أَوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) : الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ الْمَجْرُورَةِ ; فَيَكُونُ الْعَامِلُ فِيهِ عَرَّضْتُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «مَا» ، فَيَكُونُ الْعَامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرَارُ. وَالْخِطْبَةُ بِالْكَسْرِ: خِطَابُ الْمَرْأَةِ فِي التَّزْوِيجِ ; وَهِيَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ ; وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ خِطْبَتِكُمُ النِّسَاءَ.

стр. 189

وَ (أَوْ) : للْإِبَاحَة، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أَوْ أَكْنَنْتُمُوهُ، يُقَالُ أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ فِي نَفْسِي، إِذَا كَتَمْتُهُ، وَكَنَّنْتُهُ، إِذَا سَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ أَوْ نَحْوِهِ. (وَلَكِنْ) : هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ مِنْ قَوْلِهِ: (فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ) . وَ (سِرًّا) : مَفْعُولٌ بِهِ ; لِأَنَّهُ بِمَعْنَى النِّكَاحِ ; أَيْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ نِكَاحًا. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; تَقْدِيرُهُ: مُسْتَخْفِينَ بِذَلِكَ ; وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَا تُوَاعِدُوهُنَّ النِّكَاحَ سِرًّا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ مُوَاعَدَةً سِرًّا. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: فِي سِرٍّ فَيَكُونُ ظَرْفًا. (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَقِيلَ: مُتَّصِلٌ. (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ) : أَيْ عَلَى عُقْدَةِ النِّكَاحِ. وَقِيلَ: (تَعْزِمُوا) : بِمَعْنَى تَنْوُوا ; وَهَذَا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، فَيَعْمَلُ عَمَلَهُ. وَقِيلَ: تَعْزِمُوا بِمَعْنَى تَعْقِدُوا فَتَكُونُ عُقْدَةُ النِّكَاحِ مَصْدَرًا ; وَالْعُقْدَةُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ، فَيَكُونُ الْمَصْدَرُ مُضَافًا إِلَى الْمَفْعُولِ. قَالَ تَعَالَى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ) : (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ، وَالزَّمَانُ مَعَهَا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فِي زَمَنِ تَرْكِ مَسِّهِنَّ. وَقِيلَ: مَا شَرْطِيَّةٌ ; أَيْ إِنْ لَمْ تَمَسُّوهُنَّ. وَيُقْرَأُ: (تَمَسُّوهُنَّ) بِفَتْحِ التَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِلرِّجَالِ. وَيُقْرَأُ: «تُمَاسُّوهُنَّ» بِضَمِّ التَّاءِ وَالْأَلِفِ بَعْدَ الْمِيمِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ ; فَيَجُوزُ

стр. 190

أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى نِسْبَةِ الْفِعْلِ إِلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَالْمُجَامَعَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ مِنَ الرَّجُلِ، وَالتَّمْكِينَ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَالِاسْتِدْعَاءَ مِنْهَا أَيْضًا، وَمِنْ هُنَا سُمِّيَتْ زَانِيَةً. (فَرِيضَةً) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرًا، وَأَنْ تَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، وَهُوَ الْجَيِّدُ، وَفَعِيلَةً هُنَا بِمَعْنَى مُفْعُولَةٍ، وَالْمَوْصُوفُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مُتْعَةٌ مَفْرُوضَةٌ. (وَمَتِّعُوهُنَّ) : مَعْطُوفٌ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ ; تَقْدِيرُهُ: فَطَلِّقُوهُنَّ وَمَتِّعُوهُنَّ. (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الرَّفْعِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ تَقْدِيرُهُ: بِقَدْرِ الْوُسْعِ. وَفِي الْجُمْلَةِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلَى الْمُوسِعِ مِنْكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لَا مَوْضِعَ لَهَا. وَيُقْرَأُ: (قَدَرَهُ) بِالنَّصْبِ، وَهُوَ مَفْعُولٌ عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ مَعْنَى مَتِّعُوهُنَّ ; أَيْ لِيُؤَدِّ كُلٌّ مِنْكُمْ قَدْرَ وُسْعِهِ، وَأَجْوَدُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَأَوْجَبُوا عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرَهُ، وَالْقَدَرُ وَالْقَدْرُ لُغَتَانِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا. وَقِيلَ: الْقَدْرُ بِالتَّسْكِينِ الطَّاقَةُ، وَبِالتَّحْرِيكِ الْمِقْدَارُ. (مَتَاعًا) : اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وَالْمَصْدَرُ التَّمْتِيعُ، وَاسْمُ الْمَصْدَرِ يَجْرِي مَجْرَاهُ. (حَقًّا) : مَصْدَرُ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. وَ (عَلَى) : مُتَعَلِّقَةٌ بِالنَّاصِبِ لِلْمَصْدَرِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَدْ فَرَضْتُمْ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. (فَنِصْفُ) : أَيْ فَعَلَيْكُمْ نِصْفُ، أَوْ فَالْوَاجِبُ نِصْفُ.

стр. 191

وَلَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكَانَ وَجْهُهُ: فَأَدُّوا نِصْفَ مَا فَرَضْتُمْ. (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) : أَنْ وَالْفِعْلُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَالتَّقْدِيرُ: فَعَلَيْكُمْ نِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا فِي حَالِ الْعَفْوِ، وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ: «إِلَّا أَنْ يَخَافَا» بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا. وَالنُّونُ فِي «يَعْفُونَ» ضَمِيرُ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ، وَالْوَاوُ قَبْلَهَا لَامُ الْكَلِمَةِ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ هُنَا مَبْنِيٌّ ; فَهُوَ مِثْلُ يَخْرُجْنَ وَيَقْعُدْنَ، فَأَمَّا قَوْلُكَ الرِّجَالُ يَعْفُونَ ; فَهُوَ مِثْلُ النِّسَاءِ يَعْفُونَ فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُ فِي التَّقْدِيرِ ; فَالرِّجَالُ يَعْفُونَ أَصْلُهُ يَعْفُوُونَ مِثْلُ يَخْرُجُونَ، فَحُذِفَتِ الْوَاوُ الَّتِي هِيَ لَامُ الْفِعْلِ، وَبَقِيَتْ وَاوُ الضَّمِيرِ، وَالنُّونُ عَلَامَةُ الرَّفْعِ، وَفِي قَوْلِكَ: النِّسَاءُ يَعْفُونَ ; لَمْ يُحْذَفْ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا. (وَأَنْ تَعْفُوا) : مُبْتَدَأٌ، وَ (أَقْرَبُ) : خَبَرُهُ، وَ (لِلتَّقْوَى) : مُتَعَلِّقٌ بِأَقْرَبُ. وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ أَقْرَبُ مِنَ التَّقْوَى ; وَأَقْرَبُ إِلَى التَّقْوَى، إِلَّا أَنَّ اللَّامَ هُنَا تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى غَيْرِ مَعْنَى إِلَى وَغَيْرِ مَعْنَى مِنْ ; فَمَعْنَى اللَّامُ الْعَفْوُ أَقْرَبُ مِنْ أَجْلِ التَّقْوَى، فَاللَّامُ تَدُلُّ عَلَى عِلَّةِ قُرْبِ الْعَفْوِ، وَإِذَا قُلْتَ أَقْرَبُ إِلَى التَّقْوَى كَانَ الْمَعْنَى مُقَارِبُ التَّقْوَى، كَمَا تَقُولُ أَنْتَ أَقْرَبُ إِلَيَّ، وَأَقْرَبُ مِنَ التَّقْوَى، يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْعَفْوُ وَالتَّقْوَى قَرِيبَيْنِ، وَلَكِنَّ الْعَفْوَ أَشَدُّ قُرْبًا مِنَ التَّقْوَى. وَلَيْسَ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى هَذَا، بَلْ عَلَى مَعْنَى اللَّامِ. وَتَاءُ التَّقْوَى مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ ; وَوَاوُهَا مُبْدَلَةٌ مِنْ يَاءٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ وَقَيْتُ. (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ) : فِي «وَلَا تَنْسَوْا» مِنَ الْقِرَاءَاتِ وَوَجْهُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي «اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ» . (بَيْنَكُمْ) : ظَرْفٌ لِتَنْسَوْا أَوْ حَالٌ مِنَ الْفَضْلِ وَقُرِئَ: «وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ» عَلَى بَابِ الْمُفَاعَلَةِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُتَارَكَةِ، لَا بِمَعْنَى السَّهْوِ. قَالَ تَعَالَى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)) .

стр. 192

قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَافِظُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ الْوَاقِعَةِ مِنْ وَاحِدٍ ; كَعَاقَبْتُ اللِّصَّ، وَعَافَاهُ اللَّهُ، وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ الْوَاقِعَةِ مِنَ اثْنَيْنِ، وَيَكُونُ وُجُوبُ تَكْرِيرِ الْحِفْظِ جَارِيًا مَجْرَى الْفَاعِلِينَ ; إِذْ كَانَ الْوُجُوبُ حَاثًّا عَلَى الْفِعْلِ ; فَكَأَنَّهُ شَرِيكُ الْفَاعِلِ الْحَافِظِ، كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ: (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى) [الْبَقَرَةِ: ٥١] ; فَالْوَعْدُ كَانَ مِنَ اللَّهِ وَالْقَبُولُ مِنْ مُوسَى، وَجُعِلَ الْقَبُولُ كَالْوَعْدِ. وَفِي حَافِظُوا مَعْنَى لَا يَجُودُ فِي احْفَظُوا ; وَهُوَ تَكْرِيرُ الْحِفْظِ. (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) : خُصَّتْ بِالذِّكْرِ وَإِنْ دَخَلَتْ فِي الصَّلَوَاتِ تَفْضِيلًا لَهَا. وَالْوُسْطَى: فُعْلَى مِنَ الْوَسَطِ. (لِلَّهِ) : يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ اللَّامُ بِقُومُوا، وَإِنْ شِئْتَ: بِـ «قَانِتِينَ» . قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَرِجَالًا) : حَالٌ مِنَ الْمَحْذُوفِ، تَقْدِيرُهُ: فَصَلُّوا رِجَالًا، أَوْ فَقُومُوا رِجَالًا، وَرِجَالًا: جَمْعُ رَاجِلٍ، كَصَاحِبٍ وَصِحَابٍ، وَفِيهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا. (كَمَا عَلَّمَكُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; أَيْ ذِكْرًا مِثْلَ مَا عَلَّمَكُمْ. وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ: (كَمَا أَرْسَلْنَا) [الْبَقَرَةِ: ١٥١] وَفِي قَوْلِهِ: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) [الْبَقَرَةِ: ١٩٨] . قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)) .

стр. 193

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) : الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُوصُونَ وَصِيَّةً، هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَصَبَ: «وَصِيَّةً» . وَمَنْ رَفَعَ الْوَصِيَّةَ فَالتَّقْدِيرُ: وَعَلَيْهِمْ وَصِيَّةٌ، وَ «عَلَيْهِمُ» الْمُقَدَّرَةُ خَبَرٌ لِوَصِيَّةً. وَ (لِأَزْوَاجِهِمْ) : نَعْتٌ لِلْوَصِيَّةِ. وَقِيلَ: هُوَ خَبَرُ الْوَصِيَّةِ، وَعَلَيْهِمْ خَبَرٌ ثَانٍ أَوْ تَبْيِينٌ. وَقِيلَ: الَّذِينَ فَاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: لِيُوصِ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وَصِيَّةً، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَصَبَ وَصِيَّةً. (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ) : مَصْدَرٌ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى يُوصُونَ وَيُوصُونَ بِمَعْنَى يُمَتِّعُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الْوَصِيَّةِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَصَبَهَا، أَوْ صِفَةً لِوَصِيَّةٍ. وَإِلَى الْحَوْلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَتَاعٍ، أَوْ صِفَةٌ لَهُ. وَقِيلَ: مَتَاعًا حَالٌ ; أَيْ مُتَمَتِّعِينَ أَوْ ذَوِي مَتَاعٍ. (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) : غَيْرَ هُنَا تَنْتَصِبُ انْتِصَابَ الْمَصْدَرِ عِنْدَ الْأَخْفَشِ ; تَقْدِيرُهُ: لَا إِخْرَاجًا. وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ حَالٌ. وَقِيلَ: هُوَ صِفَةُ مَتَاعٍ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ) : ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَ (حَقًّا) : مَصْدَرٌ. وَقَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ قَبْلُ. قَالَ تَعَالَى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ) : قَدْ ذُكِرَ فِي آيَةِ الصِّيَامِ.

стр. 194

قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ) : الْأَصْلُ فِي تَرَى تَرْأَى، مِثْلُ تَرْعَى، إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ اتَّفَقُوا عَلَى حَذْفِ الْهَمْزَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ تَخْفِيفًا، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا جَاءَ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ عَلَى أَصْلِهِ، وَلَمَّا حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ بَقِيَ آخِرُ الْفِعْلِ أَلِفًا، فَحُذِفَتْ فِي الْجَزْمِ، وَالْأَلِفُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ، فَأَمَّا فِي الْمَاضِي فَلَا تُحْذَفُ الْهَمْزَةُ. وَإِنَّمَا عَدَّاهُ هُنَا بِإِلَى ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَلَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إِلَى كَذَا، وَالرُّؤْيَةُ هُنَا بِمَعْنَى الْعِلْمِ، وَالْهَمْزَةُ فِي «أَلَمِ» اسْتِفْهَامٌ، وَالِاسْتِفْهَامُ إِذَا دَخَلَ عَلَى النَّفْيِ صَارَ إِيجَابًا وَتَقْرِيرًا، وَلَا يَبْقَى الِاسْتِفْهَامُ وَلَا النَّفْيُ فِي الْمَعْنَى. (ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَمَاتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى الْأَمْرِ هُنَا الْخَبَرُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ; أَيْ فَأَمَاتَهُمْ فَكَانَ الْعَطْفُ عَلَى الْمَعْنَى. وَأَلِفُ أَحْيَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَاتِلُوا) : الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ: فَأَطِيعُوا وَقَاتِلُوا، أَوْ فَلَا تَحْذَرُوا الْمَوْتَ، كَمَا حَذَرَهُ مَنْ قَبْلَهُمْ وَلَمْ يَنْفَعْهُمُ الْحَذَرُ. قَالَ تَعَالَى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ ذَا الَّذِي) : مَنِ اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَذَا خَبَرُهُ، وَالَّذِي نَعْتٌ لِذَا، أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ. وَ (يُقْرِضُ) : صِلَةُ الَّذِي، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مَنْ) وَ (ذَا) : بِمَنْزِلَةِ اسْمٍ وَاحِدٍ، كَمَا كَانَتْ: "

стр. 195

مَاذَا " ; لِأَنَّ " مَا " أَشَدُّ إِبْهَامًا مِنْ " مَنْ " إِذَا كَانَتْ مَنْ لِمَنْ يَعْقِلُ، وَمِثْلُهُ: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ) [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] وَالْقَرْضُ: اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وَالْمَصْدَرُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْإِقْرَاضُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَرْضُ هُنَا بِمَعْنَى الْمُقْرِضِ، كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ. وَ (حَسَنًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ مَالًا إِقْرَاضًا حَسَنًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَالِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الطَّيِّبِ أَوِ الْكَثِيرِ. (فَيُضَاعِفَهُ) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى يُقْرِضُ، أَوْ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ; أَيْ فَاللَّهُ يُضَاعِفُهُ. وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَصْدَرِ يُقْرِضُ فِي الْمَعْنَى، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا بِإِضْمَارِ أَنْ ; لِيَصِيرَ مَصْدَرًا مَعْطُوفًا عَلَى مَصْدَرٍ تَقْدِيرُهُ: مَنْ ذَا الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ قَرْضٌ فَمُضَاعَفَةٌ مِنَ اللَّهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمُسْتَفْهَمَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ الْمُقْرِضُ فِي اللَّفْظِ فَهُوَ عَنِ الْإِقْرَاضِ فِي الْمَعْنَى، فَكَأَنَّهُ قَالَ أَيُقْرِضُ اللَّهَ أَحَدٌ فَيُضَاعِفُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابَ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى اللَّفْظِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَفْهَمَ عَنْهُ فِي اللَّفْظِ الْمُقْرِضِ لَا الْقَرْضِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يُعْطَفُ عَلَى الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ قَرْضًا كَمَا يُعْطَفُ الْفِعْلُ عَلَى الْمَصْدَرِ بِإِضْمَارِ أَنْ مِثْلُ قَوْلِ الشَّاعِرِ: لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي.

стр. 196

قِيلَ: لَا يَصِحُّ هَذَا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَرْضًا هُنَا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَكِّدُ لَا يُقَدَّرُ بِأَنْ وَالْفِعْلِ. وَالثَّانِي: أَنَّ عَطْفَهُ عَلَيْهِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِيُقْرِضُ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمُضَاعَفَةَ لَيْسَتْ مَقْرَضَةً، وَإِنَّمَا هِيَ فِعْلٌ مِنَ اللَّهِ. وَيُقْرَأُ يُضَعِّفُهُ بِالتَّشْدِيدِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَبِالتَّخْفِيفِ مَعَ الْأَلِفِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ. وَيُضَاعِفُ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ الْوَاقِعَةِ مِنْ وَاحِدٍ كَمَا ذَكَرْنَا فِي حَافِظُوا. وَ (أَضْعَافًا) : جَمْعُ ضِعْفٍ، وَالضِّعْفُ هُوَ الْعَيْنُ، وَلَيْسَ بِالْمَصْدَرِ، وَالْمَصْدَرُ الْأَضْعَافُ أَوِ الْمُضَاعَفَةُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ فِي يُضَاعِفُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثَانِيًا عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ مَعْنَى يُضَاعِفُهُ يُصَيِّرُهُ أَضْعَافًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ ضِعْفٍ، وَالضِّعْفُ اسْمٌ وَقَعَ مَوْقِعَ الْمَصْدَرِ كَالْعَطَاءِ ; فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلْمُعْطَى، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى الْإِعْطَاءِ قَالَ الْقَطَامِيُّ: أَكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ الْمَوْتِ عَنِّي ... وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِائَةَ الرِّتَاعَا. فَيَكُونُ انْتِصَابُ أَضْعَافًا عَلَى الْمَصْدَرِ ; فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ جُمِعَ؟ قِيلَ: لِاخْتِلَافِ جِهَاتِ التَّضْعِيفِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْإِخْلَاصِ، وَمِقْدَارِ الْمُقْرَضِ، وَاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْجَزَاءِ. (وَيَبْسُطُ) : يُقْرَأُ بِالسِّينِ، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَبِالصَّادِّ عَلَى إِبْدَالِهَا مِنَ السِّينِ لِتُجَانِسَ الطَّاءَ فِي الِاسْتِعْلَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)) .

стр. 197

قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) : مِنْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ ; لِأَنَّهَا حَالٌ ; أَيْ كَائِنًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَ (مِنْ بَعْدِ) : مُتَعَلِّقٌ بِالْجَارِّ الْأَوَّلِ، أَوْ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَوَّلُ ; وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ بَعْدِ مَوْتِ مُوسَى. وَ (إِذْ) : بَدَلٌ مِنْ " بَعْدِ " ; لِأَنَّهُمَا زَمَانَانِ. " نُقَاتِلْ " الْجُمْهُورُ عَلَى النُّونِ، وَالْجَزْمُ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَقَدْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ فِي الشَّاذِّ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقُرِئَ بِالْيَاءِ وَالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَلِكٍ، وَقُرِئَ بِالْيَاءِ وَالْجَزْمِ أَيْضًا عَلَى الْجَوَابِ ; وَمِثْلُهُ: " فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي " بِالرَّفْعِ وَالْجَزْمِ. (عَسَيْتُمْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ السِّينِ ; لِأَنَّهُ عَلَى فِعْلِ تَقُولُ عَسَى مِثْلَ رَمَى. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِهَا وَهِيَ لُغَةٌ، وَالْفِعْلُ مِنْهَا عَسَى مِثْلُ خَشِيَ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ عَسٍ مِثْلُ عَمٍ، حَكَاهُ ابْنُ الْإِعْرَابِيِّ. وَخَبَرُ عَسَى (أَلَّا تُقَاتِلُوا) : وَالشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا. (وَمَا لَنَا) : مَا اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَنَا الْخَبَرُ وَدَخَلَتِ الْوَاوُ لِتَدُلَّ عَلَى رَبْطِ هَذَا الْكَلَامِ بِمَا قَبْلَهُ، وَلَوْ حُذِفَتْ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا عَنْهُ، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ فِي اللَّفْظِ وَإِنْكَارٌ فِي الْمَعْنَى. (أَلَّا نُقَاتِلَ) : تَقْدِيرُهُ: فِي أَنْ لَا نُقَاتِلَ ; أَيْ فِي تَرْكِ الْقِتَالِ، فَتَتَعَلَّقُ " فِي " بِالِاسْتِقْرَارِ، أَوْ بِنَفْسِ الْجَارِّ، فَيَكُونُ أَنْ لَا نُقَاتِلَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَجَرٍّ عِنْدَ الْخَلِيلِ،

стр. 198

وَقَالَ الْأَخْفَشُ " أَنْ زَائِدَةٌ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، تَقْدِيرُهُ: وَمَا لَنَا غَيْرَ مُقَاتِلِينَ ; مِثْلَ قَوْلِهِ: (مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا) وَقَدْ أَعْمَلَ " أَنْ " وَهِيَ زَائِدَةٌ. (وَقَدْ أُخْرِجْنَا) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ نُقَاتِلُ. (وَأَبْنَائِنَا) : مَعْطُوفٌ عَلَى دِيَارِنَا، وَفِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: وَمِنْ بَيْنِ أَبْنَائِنَا. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (طَالُوتَ) : هُوَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ ; مَعْرِفَةٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ، وَلَيْسَ بِمُشْتَقٍّ مِنَ الطُّولِ، كَمَا أَنَّ إِسْحَاقَ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ مِنَ السَّحْقِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظٌ تُقَارِبُ أَلْفَاظَ الْعَرَبِيَّةِ. وَ (مَلِكًا) : حَالٌ، وَ (أَنَّى) : بِمَعْنَى أَيْنَ، أَوْ بِمَعْنَى كَيْفَ، وَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمَلِكِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا «يَكُونُ» ; وَلَا يَعْمَلُ فِيهَا وَاحِدٌ مِنَ الظَّرْفَيْنِ ; لِأَنَّهُ عَامِلٌ مَعْنَوِيٌّ، فَلَا يَتَقَدَّمُ الْحَالُ عَلَيْهِ. وَ (يَكُونُ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النَّاقِصَةَ فَيَكُونُ الْخَبَرُ «لَهُ» ، وَ «عَلَيْنَا» حَالٌ مِنَ الْمَلِكِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ يَكُونُ أَوِ الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عَلَيْنَا، وَلَهُ حَالٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ التَّامَّةَ، فَيَكُونُ لَهُ مُتَعَلِّقًا بِيَكُونُ، وَعَلَيْنَا حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ يَكُونُ. (وَنَحْنُ أَحَقُّ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْيَاءُ وَمِنْ يَتَعَلَّقَانِ بِأَحَقَّ. وَأَصْلُ السَّعَةِ وَسَعَةٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَحَقُّهَا فِي الْأَصْلِ الْكَسْرُ، وَإِنَّمَا حُذِفَتْ فِي الْمَصْدَرِ لَمَّا حُذِفَتْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَأَصْلُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ الْكَسْرُ، وَهُوَ قَوْلُكَ: يَسَعُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تُحْذَفْ، كَمَا لَمْ تُحْذَفْ فِي يَوْجَلُ وَنَوْجَلُ، وَإِنَّمَا فُتِحَتْ مِنْ أَجْلِ حَرْفِ الْحَلْقِ فَالْفَتْحَةُ

стр. 199

عَارِضَةٌ، فَأَجْرَى عَلَيْهَا حُكْمَ الْكَسْرَةِ، ثُمَّ جُعِلَتْ فِي الْمَصْدَرِ مَفْتُوحَةً ; لِتُوَافِقَ الْفِعْلَ، وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَكَ: وَعَدَ يَعِدُّ مَصْدُرُهُ عِدَةٌ بِالْكَسْرِ لَمَّا خَرَجَ عَلَى أَصْلِهِ. وَ (مِنَ الْمَالِ) : نَعْتٌ لِلسَّعَةِ. (فِي الْعِلْمِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْبَسْطَةِ ; وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهَا. وَ (وَاسِعٌ) : قِيلَ: هُوَ عَلَى مَعْنَى النَّسَبِ ; أَيْ هُوَ ذُو سَعَةٍ. وَقِيلَ: جَاءَ عَلَى حَذْفِ الزَّائِدِ، وَالْأَصْلُ أَوْسَعُ فَهُوَ مُوَسَّعٌ. وَقِيلَ: هُوَ فَاعِلُ وَسِعَ ; فَالتَّقْدِيرُ: عَلَى هَذَا وَاسِعُ الْحِلْمِ ; لِأَنَّكَ تَقُولُ وَسِعَنَا حِلْمُهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يَأْتِيَكُمُ) : خَبَرُ أَنْ. وَالتَّاءُ فِي (التَّابُوتُ) أَصْلٌ وَوَزْنُهُ فَاعُولٌ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقَاقٌ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى التَّابُوهُ بِالْهَاءِ. وَقَدْ قُرِئَ بِهِ شَاذًّا، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا لُغَتَيْنِ، وَأَنْ تَكُونَ الْهَاءُ بَدَلًا مِنَ التَّاءِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَكُونُ فَعْلُوتًا مِنْ تَابَ يَتُوبُ؟ . قِيلَ: الْمَعْنَى لَا يُسَاعِدُهُ، وَإِنَّمَا يُشْتَقُّ إِذَا صَحَّ الْمَعْنَى. (فِيهِ سَكِينَةٌ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَكَذَلِكَ «تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ» . وَ (مِنْ رَبِّكُمْ) : نَعْتٌ لِلسَّكِينَةِ. وَ (مِمَّا تَرَكَ) : نَعْتٌ لِبَقِيَّةٍ. وَأَصْلُ (بَقِيَّةٌ) بَقْيَيَةٌ، وَلَامُ الْكَلِمَةِ يَاءٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي بَقِيَ ; لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا أَلَا تَرَى أَنَّ شَقِيَ أَصْلُهَا وَاوٌ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)) .

стр. 200

قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْجُنُودِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ فَصَلَ وَمَعَهُ الْجُنُودُ. وَالْيَاءُ فِي (مُبْتَلِيكُمْ) بَدَلٌ مِنْ وَاوٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ بَلَاهُ يَبْلُوهُ. وَ (بِنَهَرٍ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِهَا لُغَتَانِ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْقِرَاءَةِ فَتَحُهَا، وَقَرَأَ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ بِإِسْكَانِهَا، وَأَصْلُ النَّهْرِ وَالنَّهَارِ الِاتِّسَاعُ، وَمِنْهُ أَنْهَرَ الدَّمَ. (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ) : اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ، وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ، وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ اسْتِثْنَاءً مِنْ «مَنِ» الْأُولَى، وَإِنْ شِئْتَ مِنْ «مَنِ» الثَّانِيَةِ، وَاغْتَرَفَ مُتَعَدٍّ. وَ (غُرْفَةً) : بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَضَمِّهَا، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا، وَهُمَا لُغَتَانِ وَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْغُرْفَةُ مَصْدَرًا، وَأَنْ تَكُونَ الْمَغْرُوفَ. وَقِيلَ: الْغَرْفَةُ بِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَبِالضَّمِّ قَدْرُ مَا تَحْمِلُهُ الْيَدُ. وَ (بِيَدِهِ) : يَتَعَلَّقُ بِاغْتَرَفَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْغُرْفَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْمَحْذُوفِ. (إِلَّا قَلِيلًا) : مَنْصُوبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْمُوجَبِ. وَقَدْ قُرِئَ فِي الشَّاذِّ بِالرَّفْعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ» وَعَيْنُ الطَّاقَةِ وَاوٌ ; لِأَنَّهُ مِنَ الطَّوْقِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ. تَقُولُ طَوَّقْتُهُ الْأَمْرَ. وَخَبَرُ لَا (لَنَا) ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَعْمَلَ فِي (الْيَوْمَ) وَلَا فِي «بِجَالُوتَ» الطَّاقَةُ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَنُوِّنَتْ ; بَلِ الْعَامِلُ فِيهِمَا الِاسْتِقْرَارُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ بِجَالُوتَ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وَ (لَنَا) : تَبْيِينٌ أَوْ صِفَةٌ لِطَاقَةٍ، وَالْيَوْمَ يَعْمَلُ فِيهِ الِاسْتِقْرَارُ. وَجَالُوتُ مِثْلُ طَالُوتَ. (كَمْ مِنْ فِئَةٍ) : كَمْ هُنَا خَبَرِيَّةٌ، وَمَوْضِعُهَا رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ.

стр. 201

وَ (غَلَبَتْ) : خَبَرُهَا وَمَنْ زَائِدَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةً لِكَمْ، كَمَا تَقُولُ: عِنْدِي مِائَةٌ مِنْ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ، وَأَصْلُ فِئَةٍ فَيْئَةٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ فَاءَ يَفِيءُ إِذَا رَجَعَ ; فَالْمَحْذُوفُ عَيْنُهَا. وَقِيلَ: أَصْلُهَا فَيُؤَةٌ ; لِأَنَّهَا مِنْ فَأَوْتُ رَأْسَهُ إِذَا كَسَرْتُهُ، فَالْفِئَةُ قِطْعَةٌ مِنَ النَّاسِ. (بِإِذْنِ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ. وَالتَّقْدِيرُ: بِإِذْنِ اللَّهِ لَهُمْ ; وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهَا مَفْعُولًا بِهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِجَالُوتَ) : تَتَعَلَّقُ اللَّامُ بِبَرَزُوا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا ; أَيْ بَرَزُوا قَاصِدِينَ لِجَالُوتَ. قَالَ تَعَالَى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) : هُوَ حَالٌ، أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الدَّالِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ، وَ «النَّاسَ» مَفْعُولُهُ. وَ «بَعْضَهُمْ» بَدَلٌ مِنَ النَّاسِ، بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَيُقْرَأُ دِفَاعٌ بِكَسْرِ الدَّالِ، وَبِالْأَلِفِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرَ دَفَعْتُ أَيْضًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرَ دَافَعْتُ. (بِبَعْضٍ) : هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي يَتَعَدَّى إِلَيْهِ الْفِعْلُ بِحَرْفِ الْجَرِّ.

стр. 202

قَالَ تَعَالَى: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ) : تِلْكَ مُبْتَدَأٌ، وَآيَاتُ اللَّهِ الْخَبَرُ. وَ (نَتْلُوهَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْآيَاتِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى الْإِشَارَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وَ (بِالْحَقِّ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْآيَاتِ الْمَنْصُوبِ ; أَيْ مُلْتَبِسَةً بِالْحَقِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ ; أَيْ وَمَعَنَا الْحَقُّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْكَافِ ; أَيْ وَمَعَكَ الْحَقُّ. قَالَ تَعَالَى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تِلْكَ الرُّسُلُ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. وَ (فَضَّلْنَا) : حَالٌ مِنَ الرُّسُلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرُّسُلُ نَعْتًا، أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ، وَفَضَّلْنَا الْخَبَرَ. (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، لَا مَوْضِعَ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ مَوْضِعِ فَضَّلْنَا. وَيُقْرَأُ (كَلَّمَ اللَّهَ) : بِالنَّصْبِ، وَيُقْرَأُ «كَالَمَ اللَّهُ» . وَ: (دَرَجَاتٍ) : حَالٌ مِنْ بَعْضِهِمْ ; أَيْ ذَا دَرَجَاتٍ. وَقِيلَ: دَرَجَاتٌ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَقِيلَ: انْتِصَابُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ ; لِأَنَّ الدَّرَجَةَ بِمَعْنَى الرِّفْعَةِ ; فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ رَفَعَاتٍ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: عَلَى دَرَجَاتٍ، أَوْ فِي دَرَجَاتٍ، أَوْ إِلَى دَرَجَاتٍ، فَلَمَّا حَذَفَ حَرْفَ الْجَرِّ، وَصَلَ الْفِعْلُ بِنَفْسِهِ. (

стр. 203

مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنْ بَعْدِهِمْ بِإِعَادَةِ حَرْفِ الْجَرِّ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مِنْ» الثَّانِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِاقْتَتَلَ، وَالضَّمِيرُ الْأَوَّلُ يَرْجِعُ إِلَى الرُّسُلِ، وَالضَّمِيرُ فِي جَاءَتْهُمْ يَرْجِعُ إِلَى الْأُمَمِ. (وَلَكِنِ) : اسْتِدْرَاكٌ لِمَا دَلَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ اقْتِتَالَهُمْ كَانَ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ الِاخْتِلَافَ بِقَوْلِهِ: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ) وَالتَّقْدِيرُ: فَاقْتَتَلُوا. (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) : اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْمَعْنَى أَيْضًا ; لِأَنَّ الْمَعْنَى وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَمَنَعَهُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، وَقَدْ أَرَادَ أَنْ لَا يَمْنَعَهُمْ، أَوْ أَرَادَ اخْتِلَافَهُمْ وَاقْتِتَالَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٤٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْفِقُوا) : مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ شَيْئًا. (مِمَّا) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ رَزَقْنَاكُمُوهُ. (لَا بَيْعٌ فِيهِ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةً لِيَوْمٍ. (وَلَا خُلَّةٌ) : أَيْ فِيهِ. (وَلَا شَفَاعَةٌ) : أَيْ فِيهِ. وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، وَقَدْ مَضَى تَعْلِيلُهُ فِي قَوْلِهِ: (فَلَا رَفَثَ) [الْبَقَرَةِ: ١٩٧] . قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ; وَقَدْ ذَكَرْنَا مَوْضِعَ هُوَ فِي قَوْلِهِ: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) .

стр. 204

(الْحَيُّ الْقَيُّومُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُوَ، وَأَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ لَا تَأْخُذُهُ، وَأَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ هُوَ، وَأَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ لَا إِلَهَ. وَالْقَيُّومُ: فَيْعُولٌ مِنْ قَامَ يَقُومُ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ، وَسَبَقَتِ الْأُولَى بِالسُّكُونِ، قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً، وَأُدْغِمَتَا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعُولًا مِنْ هَذَا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ قَوُّومًا بِالْوَاوِ ; لِأَنَّ الْعَيْنَ الْمُضَاعَفَةَ أَبَدًا مِنْ جِنْسِ الْعَيْنِ الْأَصْلِيَّةِ ; مِثْلُ: سُبُّوحٍ وَقُدُّوسٍ، وَمِثْلُ ضَرَّابٍ وَقَتَّالٍ، فَالزَّائِدُ مِنْ جِنْسِ الْعَيْنِ، فَلَمَّا جَاءَتِ الْيَاءُ دَلَّ أَنَّهُ فَيْعُولٌ. وَيُقْرَأُ الْقَيِّمُ عَلَى فَيْعِلٍ ; مِثْلُ سَيِّدٍ وَمَيِّتٍ. وَيُقْرَأُ الْقَيَّامُ عَلَى فَيْعَالٌ، مِثْلُ بَيْطَارٍ. وَقَدْ قُرِئَ فِي الشَّاذِّ الْقَائِمِ مِثْلُ قَوْلِهِ: قَائِمًا بِالْقِسْطِ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ أَيْضًا «الْحَيُّ الْقَيُّومُ» بِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي. وَعَيْنُ الْحَيِّ وَلَامُهُ يَاءَانِ، وَلَهُ مَوْضِعٌ يُشْبَعُ الْقَوْلَ فِيهِ. (لَا تَأْخُذُهُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَوْضِعٌ، وَفِي ذَلِكَ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ خَبَرًا آخَرَ لِلَّهِ، أَوْ خَبَرًا لِلْحَيِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْقَيُّومِ ; أَيْ يَقُومُ بِأَمْرِ الْخَلْقِ غَيْرَ غَافِلٍ. وَأَصْلُ السِّنَةِ وَسَنَةٌ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ وَسِنَ يَسِنُ ; مِثْلُ: وَعَدَ يَعِدُ، فَلَمَّا حُذِفَتِ الْوَاوُ فِي الْفِعْلِ، حُذِفَتْ فِي الْمَصْدَرِ. (وَلَا نَوْمٌ) : لَا زَائِدَةَ لِلتَّوْكِيدِ، وَفَائِدَتُهَا أَنَّهَا لَوْ حُذِفَتْ لَاحْتَمَلَ الْكَلَامُ أَنْ يَكُونَ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا قَالَ وَلَا نَوْمٌ نَفَاهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ.

стр. 205

(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا آخَرَ لِمَا تَقَدَّمَ وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. (مَنْ ذَا الَّذِي) : قَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ) [الْبَقَرَةِ: ٢٤٥] . وَ (عِنْدَهُ) : ظَرْفٌ لِيَشْفَعُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَشْفَعُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَشْفَعُ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: بَلِ الْحَالُ أَقْوَى ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُشَفِّعْ مَنْ هُوَ عِنْدَهُ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ فَشَفَاعَةُ غَيْرِهِ أَبْعَدُ. (إِلَّا بِإِذْنِهِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا أَحَدَ يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا مَأْذُونًا لَهُ أَوْ إِلَّا وَمَعَهُ إِذْنٌ أَوْ إِلَّا فِي حَالِ الْإِذْنِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ; أَيْ بِإِذْنِهِ يَشْفَعُونَ، كَمَا تَقُولُ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ ; أَيْ هُوَ آلَةُ الضَّرْبِ. وَ (يَعْلَمُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا آخَرَ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. (مِنْ عِلْمِهِ) : أَيْ مَعْلُومِهِ ; لِأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا بِمَا شَاءَ وَعِلْمُهُ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لَهُ لَا يُحَاطُ بِهِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ ; وَلِهَذَا قَالَ: (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه: ١١٠] . (إِلَّا بِمَا شَاءَ) : بَدَلٌ مِنْ شَيْءٍ ; كَمَا تَقُولُ مَا مَرَرْتُ بِأَحَدٍ إِلَّا بِزَيْدٍ. (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْوَاوِ، وَكَسْرِ السِّينِ، عَلَى أَنَّهُ فَعِلَ، وَالْكُرْسِيُّ فَاعِلُهُ، وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ السِّينِ عَلَى تَخْفِيفِ الْكَسْرَةِ، كَعِلِمٍ فِي عَلِمَ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ السِّينِ وَرَفْعِ الْعَيْنِ. وَكُرْسِيُّهُ بِالْجَرِّ. (السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. وَالْكُرْسِيُّ: فُعْلِيٌّ مِنَ الْكَرَسِ، وَهُوَ الْجَمْعُ، وَالْفَصِيحُ فِيهِ ضَمُّ الْكَافِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا لِلْإِتْبَاعِ. (وَلَا يَئُودُهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْأَصْلِ.

стр. 206

وَيُقْرَأُ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ، كَمَا حُذِفَتْ هَمْزَةُ أُنَاسٍ، وَيُقْرَأُ بِوَاوٍ مَضْمُومَةٍ مَكَانَ الْهَمْزَةِ عَلَى الْإِبْدَالِ. وَ (الْعَلِيُّ) : فَعِيلٌ، وَأَصْلُهُ عَلِيُو ; لِأَنَّهُ مِنْ عَلَا يَعْلُو. قَالَ تَعَالَى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ تَبَيَّنَ) : الرُّشْدُ الْجُمْهُورُ عَلَى إِدْغَامِ الدَّالِ فِي التَّاءِ ; لِأَنَّهَا مِنْ مَخْرَجِهَا، وَتَحْوِيلُ الدَّالِ إِلَى التَّاءِ أَوْلَى ; لِأَنَّ الدَّالَ شَدِيدَةٌ، وَالتَّاءَ مَهْمُوسَةٌ، وَالْمَهْمُوسُ أَخَفُّ. وَيُقْرَأُ بِالْإِظْهَارِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِمَا ذَكَرْنَا. وَالرُّشْدُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ رَشَدَ بِفَتْحِ الشِّينِ يَرْشُدُ بِضَمِّهَا، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالشِّينِ وَفِعْلُهُ رَشِدَ يَرْشَدُ مِثْلُ عَلِمَ يَعْلَمُ. (مِنَ الْغَيِّ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ، وَأَصْلُ الْغَيِّ غَوَى ; لِأَنَّهُ مِنْ غَوَى يَغْوِي، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَسَبْقِهَا ثُمَّ أُدْغِمَتْ. وَ (الطَّاغُوتِ) : يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَيُسْتَعْمَلُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فِي الْجَمْعِ وَالتَّوْحِيدِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا) [الزُّمَرِ: ١٧] وَأَصْلُهُ طَغْيُوتٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ طَغَيْتَ تَطْغَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْوَاوِ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ فِيهِ يَطْغُو أَيْضًا، وَالْيَاءُ أَكْثَرُ، وَعَلَيْهِ جَاءَ الطُّغْيَانُ، ثُمَّ قُدِّمَتِ اللَّامُ فَجُعِلَتْ قَبْلَ الْغَيْنِ، فَصَارَ طَيْغُوتًا أَوْ طَوْغُوتًا، فَلَمَّا تَحَرَّكَ الْحَرْفُ، وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهُ، قُلِبَ أَلِفًا، فَوَزْنُهُ الْآنَ فَلْعُوتٌ. وَهُوَ مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ مِثْلُ الْمَلَكُوتِ وَالرَّهَبُوتِ. (

стр. 207

الْوُثْقَى) : تَأْنِيثُ الْأَوْثَقِ، مِثْلُ الْوُسْطَى وَالْأَوْسَطِ وَجَمْعُهُ الْوِثَقُ مِثْلُ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَأَمَّا الْوُثُقُ بِضَمَّتَيْنِ فَجَمْعُ وَثِيقٍ. (لَا انْفِصَامَ لَهَا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْعُرْوَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْوُثْقَى. قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) : مُبْتَدَأٌ، أَوْلِيَاؤُهُمْ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، «الطَّاغُوتُ» خَبَرُ الثَّانِي، وَالثَّانِي وَخَبَرُهُ خَبَرُ الْأَوَّلِ. وَقَدْ قُرِئَ الطَّوَاغِيتُ عَلَى الْجَمْعِ، وَإِنَّمَا جُمِعَ، وَهُوَ مَصْدَرٌ ; لِأَنَّهُ صَارَ اسْمًا لِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. (يُخْرِجُونَهُمْ) : مُسْتَأْنَفٌ لَا مَوْضِعَ لَهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الطَّاغُوتِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً) [الْمَعَارِجِ: ١٥: ١٦] وَسَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ. فَأَمَّا: (يُخْرِجُهُمْ) : فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «وَلِيُّ» . قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ آتَاهُ اللَّهُ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَجَرٍّ عِنْدَ الْخَلِيلِ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ: لِأَنْ آتَاهُ اللَّهُ ; فَهُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ ; وَالْعَامِلُ فِيهِ «حَاجَّ» وَالْهَاءُ ضَمِيرُ إِبْرَاهِيمَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ضَمِيرَ الَّذِي، وَ (إِذْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِحَاجَّ، وَأَنْ تَكُونَ لِآتَاهُ.

стр. 208

وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ «أَنْ آتَاهُ» وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ الظَّرْفَ غَيْرُ الْمَصْدَرِ، فَلَوْ كَانَ بَدَلًا لَكَانَ غَلَطًا، إِلَّا أَنْ تَجْعَلَ إِذْ بِمَعْنَى أَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ، وَسَيَمُرُّ بِكَ فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهُ. (أَنَا أُحْيِي) : الِاسْمُ الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ، وَإِنَّمَا زِيدَتِ الْأَلِفُ عَلَيْهَا فِي الْوَقْفِ لِبَيَانِ حَرَكَةِ النُّونِ، فَإِذَا وَصَلْتَهُ بِمَا بَعْدَهُ حَذَفْتَ الْأَلِفَ لِلْغَنِيَّةِ عَنْهَا. وَقَدْ قَرَأَ نَافِعٌ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِي الْوَصْلِ، وَذَلِكَ عَلَى إِجْرَاءِ الْوَصْلِ مَجْرَى الْوَقْفِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي الشِّعْرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي) : دَخَلَتِ الْفَاءُ إِيذَانًا بِتَعَلُّقِ هَذَا الْكَلَامِ بِمَا قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى إِذَا ادَّعَيْتَ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ وَلَمْ تَفْهَمْ، فَالْحُجَّةُ أَنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ، هَذَا هُوَ الْمَعْنَى. وَ (مِنَ الْمَشْرِقِ) وَ (مِنَ الْمَغْرِبِ) : مُتَعَلِّقَانِ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَا حَالَيْنِ، وَإِنَّمَا هُمَا لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الْإِتْيَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا حَالَيْنِ ; وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: مُسَخَّرَةً أَوْ مُنْقَادَةً. (فَبُهِتَ) : عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَيُقْرَأْ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّ الْهَاءِ، وَبِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَالْفِعْلُ فِيهِمَا لَازِمٌ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهِمَا، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ ضَمِيرُ إِبْرَاهِيمَ، وَ «الَّذِي» مَفْعُولٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي فَاعِلًا، وَيَكُونُ الْفِعْلُ لَازِمًا. قَالَ تَعَالَى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)) .

стр. 209

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ كَالَّذِي) : فِي الْكَافِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ، أَوِ الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ) [الشُّورَى: ١١] . وَالثَّانِي: هِيَ غَيْرُ زَائِدَةٍ، وَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ، وَالتَّقْدِيرُ: أَوْ رَأَيْتَ مِثْلَ الَّذِي، وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ» . وَ (أَوْ) : لِلتَّفْصِيلِ، أَوْ لِلتَّخْيِيرِ فِي التَّعَجُّبِ بِحَالِ أَيِ الْقَبِيلَيْنِ شَاءَ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: (أَوْ كَصَيِّبٍ) [الْبَقَرَةِ: ١٩] وَغَيْرِهِ. وَأَصْلُ الْقَرْيَةِ مِنْ قَرَيْتُ الْمَاءَ إِذَا جَمَعْتُهُ، فَالْقَرْيَةُ مُجْتَمَعُ النَّاسِ. (وَهِيَ خَاوِيَةٌ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةً لِقَرْيَةٍ. (عَلَى عُرُوشِهَا) : يَتَعَلَّقُ بِخَاوِيَةٍ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ وَاقِعَةٌ عَلَى سُقُوفِهَا. وَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْقَرْيَةِ ; تَقْدِيرُهُ: مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ عَلَى عُرُوشِهَا ; أَيْ مَرَّ عَلَى عُرُوشِ الْقَرْيَةِ ; وَأَعَادَ حَرْفَ الْجَرِّ مَعَ الْبَدَلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى عُرُوشِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ صِفَةً لِلْقَرْيَةِ، لَا بَدَلًا ; تَقْدِيرُهُ: عَلَى قَرْيَةٍ سَاقِطَةٍ عَلَى عُرُوشِهَا، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «وَهِيَ خَاوِيَةٌ» حَالًا مِنَ الْعُرُوشِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْقَرْيَةِ ; لِأَنَّهَا قَدْ وُصِفَتْ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ هَاءِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى الْإِضَافَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، مَعَ جَوَازِهِ. (أَنَّى) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيُحْيِ، وَهِيَ بِمَعْنَى مَتَى فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ظَرْفًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى كَيْفَ، فَيَكُونُ مَوْضِعُهَا حَالًا مِنْ هَذِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ. (مِائَةَ عَامٍ) : ظَرْفٌ لِأَمَاتَهُ عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَعْنَى أَلْبَثَهُ مَيِّتًا مِائَةَ عَامٍ.

стр. 210

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا عَلَى الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ الْأَمَانَةَ تَقَعُ فِي أَدْنَى زَمَانٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَأَمَاتَهُ، فَلَبِثَ مِائَةَ عَامٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ «كَمْ لَبِثْتَ» ثُمَّ قَالَ «بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ» . (كَمْ) : ظَرْفٌ لَلَبِثْتُ. (لَمْ يَتَسَنَّهْ) : الْهَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْوَقْفِ، وَأَصْلُ الْفِعْلِ عَلَى هَذَا فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ يَتَسَنَّنُ، مِنْ قَوْلِهِ: (حَمَإٍ مَسْنُونٍ) [الْحُجُرَاتِ: ٢٦، ٢٨، ٣٣] فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ نُونَاتٍ قُلِبَتِ الْأَخِيرَةُ يَاءً كَمَا قُلِبَتْ فِي تَظَنَّيْتُ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْيَاءُ أَلِفًا، ثُمَّ حُذِفَتْ لِلْجَزْمِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْأَلِفِ وَاوًا مِنْ قَوْلِكَ: أَسْنَى يُسْنَى إِذَا مَضَتْ عَلَيْهِ السُّنُونَ. وَأَصْلُ سَنَةٍ سَنْوَةٌ لِقَوْلِهِمْ سَنَوَاتٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ أَصْلًا، وَيَكُونَ اشْتِقَاقُهُ مِنَ السَّنَةِ، وَأَصْلُهَا سَنْهَةٌ، لِقَوْلِهِمْ سَنْهَاءُ، وَعَامَلْتُهُ مُسَانَهَةً ; فَعَلَى هَذَا تَثْبُتُ الْهَاءُ وَصْلًا وَوَقْفًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ تَثْبُتُ فِي الْوَقْفِ دُونَ الْوَصْلِ، وَمَنْ أَثْبَتَهَا فِي الْوَصْلِ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْوَقْفِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا فَاعِلُ يَتَسَنَّى؟ . قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لِاحْتِيَاجِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا إِلَى الْآخَرِ بِمَنْزِلَةِ شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَلِذَلِكَ أَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي الْفِعْلِ.

стр. 211

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِذَلِكَ، وَذَلِكَ يُكَنَّى بِهِ عَنِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلشَّرَابِ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَغَيَّرِ الشَّرَابُ مَعَ سُرْعَةِ التَّغَيُّرِ إِلَيْهِ فَأَنْ لَا يَتَغَيَّرَ الطَّعَامُ أَوْلَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَفْرَدَ فِي مَوْضِعِ التَّثْنِيَةِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَكَأَنَّ فِي الْعَيْنَيْنِ حَبَّ قَرَنْفُلٍ ... أَوْ سُنْبُلٌ كُحِلَتْ بِهِ فَانْهَلَّتِ. (وَلِنَجْعَلَكَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أَرَيْنَاكَ ذَلِكَ لِتَعْلَمَ قَدْرَ قُدْرَتِنَا وَلِنَجْعَلَكَ. وَقِيلَ الْوَاوُ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: وَلِنَجْعَلَكَ فَعَلْنَا ذَلِكَ. (كَيْفَ نُنْشِزُهَا) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْعِظَامِ، وَالْعَامِلُ فِي كَيْفَ نُنْشِزُهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَعْمَلَ فِيهَا انْظُرْ ; لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ مَا قَبْلَهُ، وَلَكِنْ كَيْفَ وَنَنْشُرُهَا جَمِيعًا حَالٌ مِنَ الْعِظَامِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا انْظُرْ ; تَقْدِيرُهُ: انْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ مُحْيَاةً. «وَنَنْشُرُهَا» يُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الشِّينِ، وَمَاضِيهِ نَشَرَ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُطَاوِعٌ أَنْشَرَ اللَّهُ الْمَيِّتَ فَنُشِرَ، وَيَكُونُ نَشَرَ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى أَنْشَرَ، فَاللَّازِمُ وَالْمُتَعَدِّي بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنَ النَّشْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الطَّيِّ ; أَيْ يَبْسُطُهَا بِالْإِحْيَاءِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الشِّينِ ; أَيْ نُحْيِيهَا، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) [عَبَسَ: ٢٢] وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ ; أَيْ نَرْفَعُهَا وَهُوَ مِنَ النَّشْزِ ; وَهُوَ الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَفِيهَا عَلَى هَذَا قِرَاءَتَانِ: ضَمُّ النُّونِ، وَكَسْرُ الشِّينِ مِنْ أَنْشَزْتُهُ.

стр. 212

وَفَتْحُ النُّونِ وَضَمُّ الشِّينِ وَمَاضِيهِ نَشَزْتُهُ، وَهُمَا لُغَتَانِ. وَ (لَحْمًا) : مَفْعُولٌ ثَانٍ. (قَالَ أَعْلَمُ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ، عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ. وَيُقْرَأُ بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْأَمْرِ، وَفَاعِلُ قَالَ: اللَّهُ وَقِيلَ: فَاعِلُهُ عُزَيْزٌ، وَأَمَرَ نَفْسَهُ كَمَا يَأْمُرُ الْمُخَاطَبَ، كَمَا تَقُولُ لِنَفْسِكَ اعْلَمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ، وَهَذَا يُسَمَّى التَّجْرِيدُ. وَقُرِئَ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِ اللَّامِ، وَالْمَعْنَى أَعْلِمِ النَّاسَ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ) : الْعَامِلُ فِي «إِذْ» مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ فَهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ لَا ظَرْفٌ. وَ (أَرِنِي) : يُقْرَأُ بِسُكُونِ الرَّاءِ ; وَقَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) [الْبَقَرَةِ: ١٢٨] . (كَيْفَ تُحْيِ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأَرِنِي ; أَيْ أَرِنِي كَيْفِيَّةَ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَكَيْفَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتُحْيِي. لِيَطْمَئِنَّ اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ ; تَقْدِيرُهُ: سَأَلْتُكَ لِيَطْمَئِنَّ. وَالْهَمْزَةُ فِي يَطْمَئِنَّ أَصْلٌ، وَوَزْنُهُ يَفْعَلِلَّ ; وَلِذَلِكَ جَاءَ (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ) [النِّسَاءِ: ١٠٣] مِثْلُ اقْشَعْرَرْتُمْ. (مِنَ الطَّيْرِ) : صِفَةٌ لِأَرْبَعَةٍ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَّقْتَهَا بِخُذْ. وَأَصْلُ الطَّيْرِ مَصْدَرُ طَارَ يَطِيرُ طَيْرًا ; مِثْلُ بَاعَ يَبِيعُ بَيْعًا، ثُمَّ سَمَّى الْجِنْسَ بِالْمَصْدَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ طَيِّرًا مِثْلُ سَيِّدٍ، ثُمَّ خُفِّفَتْ كَمَا خُفِّفَ سَيِّدٌ.

стр. 213

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا مِثْلُ تَاجِرٍ وَتَجْرٌ، وَالطَّيْرُ وَاقِعٌ عَلَى الْجِنْسِ وَالْوَاحِدُ طَائِرٌ. (فَصُرْهُنَّ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الصَّادِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَبِكَسْرِ الصَّادِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَلَهُمَا مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَمِلْهُنَّ، يُقَالُ صَارَهُ يَصُورُهُ وَيُصِيرُهُ إِذَا أَمَالَهُ ; فَعَلَى هَذَا تَتَعَلَّقُ إِلَى بِالْفِعْلِ وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أَمِلْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ قَطِّعْهُنَّ. وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنْ يُصَوِّرَهُ وَيُصَيِّرَهُ بِمَعْنَى يُقَطِّعُهُ، فَعَلَى هَذَا فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ «إِلَى» ; أَيْ فَقَطِّعْهُنَّ بَعْدَ أَنْ تُمِيلَهُنَّ إِلَيْكَ. وَالْأَجْوَدُ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ إِلَيْكُمْ حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ الْمُضْمَرِ ; تَقْدِيرُهُ: فَقَطِّعْهُنَّ مُقَرَّبَةً إِلَيْكَ، أَوْ مُمَالَةً، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَضُمُّهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُهَا ; مِثْلُ مُدَّهُنَّ، فَالضَّمُّ عَلَى الْإِتْبَاعِ، وَالْفَتْحُ لِلتَّخْفِيفِ، وَالْكَسْرُ عَلَى أَصْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَالْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ مِنْ صَرَّهُ يَصُرُّهُ إِذَا جَمَعَهُ. (مِنْهُنَّ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ «جُزْءًا» وَأَصْلُهُ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ قُدِّمَ عَلَيْهَا فَصَارَ حَالًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِاجْعَلْ. وَفِي الْجُزْءِ لُغَتَانِ: ضَمُّ الزَّايِ، وَتَسْكِينُهَا، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا. وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ كَسْرُ الْجِيمِ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَرَأَ بِهِ. وَقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ مِنْ غَيْرِ هَمْزَةٍ، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ نَوَى الْوَقْفَ عَلَيْهِ فَحَذَفَ الْهَمْزَةَ بَعْدَ أَنْ أَلْقَى حَرَكَتَهَا عَلَى الزَّايِ، ثُمَّ شَدَّدَ الزَّايَ، كَمَا تَقُولُ فِي الْوَقْفِ هَذَا فَرَحٌ ثُمَّ أَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ.

стр. 214

وَ (يَأْتِينَكَ) : جَوَابُ الْأَمْرِ. وَ (سَعْيًا) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ سَاعِيَاتٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا ; لِأَنَّ السَّعْيَ وَالْإِتْيَانَ مُتَقَارِبَانِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ يَأْتِينَكَ إِتْيَانًا. قَالَ تَعَالَى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ) : فِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ إِنْفَاقِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ، أَوْ مَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ، وَمَثَلُ مُبْتَدَأٌ، وَ (كَمَثَلِ حَبَّةٍ) : خَبَرُهُ ; وَإِنَّمَا قُدِّرَ الْمَحْذُوفُ ; لِأَنَّ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ لَا يُشَبَّهُونَ بِالْحَبَّةِ، بَلْ إِنْفَاقُهُمْ أَوْ نَفَقَتُهُمْ. (أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِحَبَّةٍ. (فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) : ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِسَنَابِلَ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ مِائَةُ حَبَّةٍ بِالْجَارِّ ; لِأَنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ لَمَّا وَقَعَ صِفَةً. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ صِفَةً لِسَبْعٍ ; كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ سَبْعَةَ رِجَالٍ أَحْرَارٍ وَأَحْرَارًا. وَيُقْرَأُ فِي الشَّاذِّ مِائَةً بِالنَّصْبِ، بَدَلًا مِنْ سَبْعٍ، أَوْ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أَخْرَجَتْ، وَالنُّونُ فِي سُنْبُلَةٍ زَائِدَةٌ، وَأَصْلُهُ مِنْ أَسْبَلَ ; وَقِيلَ: هِيَ أَصْلٌ، وَالْأَصْلُ فِي مِائَةٍ مِئْيَةٌ، يُقَالُ أَمْأَتِ الدَّرَاهِمُ إِذَا صَارَتْ مِائَةً، ثُمَّ حُذِفَتِ اللَّامُ تَخْفِيفًا كَمَا حُذِفَتْ لَامُ يَدٍ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ «لَهُمْ أَجْرُهُمْ» . وَلَامُ الْأَذَى يَاءٌ ; يُقَالُ أَذِيَ يَأْذِي أَذًى ; مِثْلَ نَصِبَ يَنْصَبُ نَصَبًا. قَالَ تَعَالَى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)) .

стр. 215

قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ) : مُبْتَدَأٌ، (وَمَغْفِرَةٌ) : مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ; وَالتَّقْدِيرُ: وَسَبَبُ مَغْفِرَةٍ ; لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ، فَلَا تَفَاضُلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ فِعْلِ عَبْدِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَغْفِرَةُ مُجَاوَزَةَ الْمُزَكِّي وَاحْتِمَالَهُ لِلْفَقِيرِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ وَالْخَبَرُ «خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ» وَ (يَتْبَعُهَا) : صِفَةٌ لِصَدَقَةٍ. وَقِيلَ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ أَمْثَلُ مِنْ غَيْرِهِ. وَمَغْفِرَةٌ مُبْتَدَأٌ، وَخَيْرٌ خَبَرُهُ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَالَّذِي يُنْفِقُ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ، تَقْدِيرُهُ: إِبْطَالًا كَإِبْطَالِ الَّذِي يُنْفِقُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِينَ ; أَيْ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ مُشْبِهِينَ الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ ; أَيْ مُشْبِهِينَ الَّذِي يُبْطِلُ إِنْفَاقَهُ بِالرِّيَاءِ. وَ (رِئَاءَ النَّاسِ) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ يُنْفِقُ مُرَائِيًا) : وَالْهَمْزَةُ الْأُولَى فِي رِئَاءٍ عَيْنُ الْكَلِمَةِ ; لِأَنَّهُ مِنْ رَاءَى ; وَالْأَخِيرَةُ بَدَلٌ مِنَ الْيَاءِ لِوُقُوعِهَا طَرَفَا بَعْدَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ كَالْقَضَاءِ وَالدِّمَاءِ. وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ الْأُولَى بِأَنْ تُقْلَبَ يَاءً فِرَارًا مِنْ ثِقَلِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ الْكَسْرَةِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ، وَالْمَصْدَرُ هُنَا مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ.
следующие страницы →