Полный текст (1 313 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِذَلِكَ، وَذَلِكَ يُكَنَّى بِهِ عَنِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلشَّرَابِ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَغَيَّرِ الشَّرَابُ مَعَ سُرْعَةِ التَّغَيُّرِ إِلَيْهِ فَأَنْ لَا يَتَغَيَّرَ الطَّعَامُ أَوْلَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَفْرَدَ فِي مَوْضِعِ التَّثْنِيَةِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَكَأَنَّ فِي الْعَيْنَيْنِ حَبَّ قَرَنْفُلٍ ... أَوْ سُنْبُلٌ كُحِلَتْ بِهِ فَانْهَلَّتِ.
(وَلِنَجْعَلَكَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أَرَيْنَاكَ ذَلِكَ لِتَعْلَمَ قَدْرَ قُدْرَتِنَا وَلِنَجْعَلَكَ. وَقِيلَ الْوَاوُ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: وَلِنَجْعَلَكَ فَعَلْنَا ذَلِكَ.
(كَيْفَ نُنْشِزُهَا) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْعِظَامِ، وَالْعَامِلُ فِي كَيْفَ نُنْشِزُهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَعْمَلَ فِيهَا انْظُرْ ; لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ مَا قَبْلَهُ، وَلَكِنْ كَيْفَ وَنَنْشُرُهَا جَمِيعًا حَالٌ مِنَ الْعِظَامِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا انْظُرْ ; تَقْدِيرُهُ: انْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ مُحْيَاةً.
«وَنَنْشُرُهَا» يُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الشِّينِ، وَمَاضِيهِ نَشَرَ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُطَاوِعٌ أَنْشَرَ اللَّهُ الْمَيِّتَ فَنُشِرَ، وَيَكُونُ نَشَرَ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى أَنْشَرَ، فَاللَّازِمُ وَالْمُتَعَدِّي بِلَفْظٍ وَاحِدٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنَ النَّشْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الطَّيِّ ; أَيْ يَبْسُطُهَا بِالْإِحْيَاءِ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الشِّينِ ; أَيْ نُحْيِيهَا، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) [عَبَسَ: ٢٢] وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ ; أَيْ نَرْفَعُهَا وَهُوَ مِنَ النَّشْزِ ; وَهُوَ الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَفِيهَا عَلَى هَذَا قِرَاءَتَانِ: ضَمُّ النُّونِ، وَكَسْرُ الشِّينِ مِنْ أَنْشَزْتُهُ.
стр. 212
وَفَتْحُ النُّونِ وَضَمُّ الشِّينِ وَمَاضِيهِ نَشَزْتُهُ، وَهُمَا لُغَتَانِ.
وَ (لَحْمًا) : مَفْعُولٌ ثَانٍ. (قَالَ أَعْلَمُ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ، عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَيُقْرَأُ بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْأَمْرِ، وَفَاعِلُ قَالَ: اللَّهُ وَقِيلَ: فَاعِلُهُ عُزَيْزٌ، وَأَمَرَ نَفْسَهُ كَمَا يَأْمُرُ الْمُخَاطَبَ، كَمَا تَقُولُ لِنَفْسِكَ اعْلَمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ، وَهَذَا يُسَمَّى التَّجْرِيدُ.
وَقُرِئَ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِ اللَّامِ، وَالْمَعْنَى أَعْلِمِ النَّاسَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ) : الْعَامِلُ فِي «إِذْ» مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ فَهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ لَا ظَرْفٌ.
وَ (أَرِنِي) : يُقْرَأُ بِسُكُونِ الرَّاءِ ; وَقَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) [الْبَقَرَةِ: ١٢٨] .
(كَيْفَ تُحْيِ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأَرِنِي ; أَيْ أَرِنِي كَيْفِيَّةَ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَكَيْفَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتُحْيِي.
لِيَطْمَئِنَّ اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ ; تَقْدِيرُهُ: سَأَلْتُكَ لِيَطْمَئِنَّ.
وَالْهَمْزَةُ فِي يَطْمَئِنَّ أَصْلٌ، وَوَزْنُهُ يَفْعَلِلَّ ; وَلِذَلِكَ جَاءَ (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ) [النِّسَاءِ: ١٠٣] مِثْلُ اقْشَعْرَرْتُمْ. (مِنَ الطَّيْرِ) : صِفَةٌ لِأَرْبَعَةٍ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَّقْتَهَا بِخُذْ.
وَأَصْلُ الطَّيْرِ مَصْدَرُ طَارَ يَطِيرُ طَيْرًا ; مِثْلُ بَاعَ يَبِيعُ بَيْعًا، ثُمَّ سَمَّى الْجِنْسَ بِالْمَصْدَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ طَيِّرًا مِثْلُ سَيِّدٍ، ثُمَّ خُفِّفَتْ كَمَا خُفِّفَ سَيِّدٌ.
стр. 213
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا مِثْلُ تَاجِرٍ وَتَجْرٌ، وَالطَّيْرُ وَاقِعٌ عَلَى الْجِنْسِ وَالْوَاحِدُ طَائِرٌ.
(فَصُرْهُنَّ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الصَّادِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَبِكَسْرِ الصَّادِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَلَهُمَا مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَمِلْهُنَّ، يُقَالُ صَارَهُ يَصُورُهُ وَيُصِيرُهُ إِذَا أَمَالَهُ ; فَعَلَى هَذَا تَتَعَلَّقُ إِلَى بِالْفِعْلِ وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أَمِلْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ قَطِّعْهُنَّ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنْ يُصَوِّرَهُ وَيُصَيِّرَهُ بِمَعْنَى يُقَطِّعُهُ، فَعَلَى هَذَا فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ «إِلَى» ; أَيْ فَقَطِّعْهُنَّ بَعْدَ أَنْ تُمِيلَهُنَّ إِلَيْكَ.
وَالْأَجْوَدُ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ إِلَيْكُمْ حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ الْمُضْمَرِ ; تَقْدِيرُهُ: فَقَطِّعْهُنَّ مُقَرَّبَةً إِلَيْكَ، أَوْ مُمَالَةً، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَضُمُّهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُهَا ; مِثْلُ مُدَّهُنَّ، فَالضَّمُّ عَلَى الْإِتْبَاعِ، وَالْفَتْحُ لِلتَّخْفِيفِ، وَالْكَسْرُ عَلَى أَصْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَالْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ مِنْ صَرَّهُ يَصُرُّهُ إِذَا جَمَعَهُ.
(مِنْهُنَّ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ «جُزْءًا» وَأَصْلُهُ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ قُدِّمَ عَلَيْهَا فَصَارَ حَالًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِاجْعَلْ.
وَفِي الْجُزْءِ لُغَتَانِ: ضَمُّ الزَّايِ، وَتَسْكِينُهَا، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا. وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ كَسْرُ الْجِيمِ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَرَأَ بِهِ.
وَقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ مِنْ غَيْرِ هَمْزَةٍ، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ نَوَى الْوَقْفَ عَلَيْهِ فَحَذَفَ الْهَمْزَةَ بَعْدَ أَنْ أَلْقَى حَرَكَتَهَا عَلَى الزَّايِ، ثُمَّ شَدَّدَ الزَّايَ، كَمَا تَقُولُ فِي الْوَقْفِ هَذَا فَرَحٌ ثُمَّ أَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ.
стр. 214
وَ (يَأْتِينَكَ) : جَوَابُ الْأَمْرِ. وَ (سَعْيًا) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ سَاعِيَاتٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا ; لِأَنَّ السَّعْيَ وَالْإِتْيَانَ مُتَقَارِبَانِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ يَأْتِينَكَ إِتْيَانًا.
قَالَ تَعَالَى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ) : فِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ
إِنْفَاقِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ، أَوْ مَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ، وَمَثَلُ مُبْتَدَأٌ، وَ (كَمَثَلِ حَبَّةٍ) : خَبَرُهُ ; وَإِنَّمَا قُدِّرَ الْمَحْذُوفُ ; لِأَنَّ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ لَا يُشَبَّهُونَ بِالْحَبَّةِ، بَلْ إِنْفَاقُهُمْ أَوْ نَفَقَتُهُمْ.
(أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِحَبَّةٍ.
(فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) : ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِسَنَابِلَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ مِائَةُ حَبَّةٍ بِالْجَارِّ ; لِأَنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ لَمَّا وَقَعَ صِفَةً.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ صِفَةً لِسَبْعٍ ; كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ سَبْعَةَ رِجَالٍ أَحْرَارٍ وَأَحْرَارًا.
وَيُقْرَأُ فِي الشَّاذِّ مِائَةً بِالنَّصْبِ، بَدَلًا مِنْ سَبْعٍ، أَوْ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أَخْرَجَتْ، وَالنُّونُ فِي سُنْبُلَةٍ زَائِدَةٌ، وَأَصْلُهُ مِنْ أَسْبَلَ ; وَقِيلَ: هِيَ أَصْلٌ، وَالْأَصْلُ فِي مِائَةٍ مِئْيَةٌ، يُقَالُ أَمْأَتِ الدَّرَاهِمُ إِذَا صَارَتْ مِائَةً، ثُمَّ حُذِفَتِ اللَّامُ تَخْفِيفًا كَمَا حُذِفَتْ لَامُ يَدٍ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ «لَهُمْ أَجْرُهُمْ» .
وَلَامُ الْأَذَى يَاءٌ ; يُقَالُ أَذِيَ يَأْذِي أَذًى ; مِثْلَ نَصِبَ يَنْصَبُ نَصَبًا.
قَالَ تَعَالَى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)) .
стр. 215
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ) : مُبْتَدَأٌ، (وَمَغْفِرَةٌ) : مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ; وَالتَّقْدِيرُ: وَسَبَبُ مَغْفِرَةٍ ; لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ، فَلَا تَفَاضُلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ فِعْلِ عَبْدِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَغْفِرَةُ مُجَاوَزَةَ الْمُزَكِّي وَاحْتِمَالَهُ لِلْفَقِيرِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ وَالْخَبَرُ «خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ» وَ (يَتْبَعُهَا) : صِفَةٌ لِصَدَقَةٍ.
وَقِيلَ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ أَمْثَلُ مِنْ غَيْرِهِ. وَمَغْفِرَةٌ مُبْتَدَأٌ، وَخَيْرٌ خَبَرُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَالَّذِي يُنْفِقُ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ، تَقْدِيرُهُ: إِبْطَالًا كَإِبْطَالِ الَّذِي يُنْفِقُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِينَ ; أَيْ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ مُشْبِهِينَ الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ ; أَيْ مُشْبِهِينَ الَّذِي يُبْطِلُ إِنْفَاقَهُ بِالرِّيَاءِ.
وَ (رِئَاءَ النَّاسِ) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ يُنْفِقُ مُرَائِيًا) : وَالْهَمْزَةُ الْأُولَى فِي رِئَاءٍ عَيْنُ الْكَلِمَةِ ; لِأَنَّهُ مِنْ رَاءَى ; وَالْأَخِيرَةُ بَدَلٌ مِنَ الْيَاءِ لِوُقُوعِهَا طَرَفَا بَعْدَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ كَالْقَضَاءِ وَالدِّمَاءِ.
وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ الْأُولَى بِأَنْ تُقْلَبَ يَاءً فِرَارًا مِنْ ثِقَلِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ الْكَسْرَةِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ، وَالْمَصْدَرُ هُنَا مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ.
стр. 216
وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ «فَمَثَلُهُ» لِرَبْطِ الْجُمْلَةِ بِمَا قَبْلَهَا.
وَالصَّفْوَانُ: جَمْعُ صَفْوَانَةٍ، وَالْجَيِّدُ أَنْ يُقَالَ هُوَ جِنْسُ جَمْعٍ ; وَلِذَلِكَ عَادَ الضَّمِيرُ إِلَيْهِ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ فِي قَوْلِهِ «عَلَيْهِ تُرَابٌ» .
وَقِيلَ: هُوَ مُفْرَدٌ. وَقِيلَ: وَاحِدُهُ صَفَا، وَجَمْعُ فَعَلَ عَلَى فِعْلَانٍ قَلِيلٌ، وَحُكِيَ صِفْوَانٌ بِكَسْرِ الصَّادِ، وَهُوَ أَكْثَرُ الْجُمُوعِ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَهُوَ شَاذٌّ ; لِأَنَّ فَعْلَانًا شَاذٌّ فِي الْأَسْمَاءِ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ فِي الْمَصَادِرِ مِثْلُ الْغَلَيَانِ، وَالصِّفَاتِ مِثْلُ يَوْمٍ صَحَوَانٍ. وَ (عَلَيْهِ تُرَابٌ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِصَفْوَانٍ، وَلَكَ أَنْ تَرْفَعَ تُرَابًا بِالْجَرِّ ; لِأَنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَأَنْ تَرْفَعَهُ بِالِابْتِدَاءِ.
وَالْفَاءُ فِي: (فَأَصَابَهُ) عَاطِفَةٌ عَلَى الْجَارِّ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ: اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ.
وَهَذَا أَحَدُ مَا يُقَوِّي شَبَهَ الظَّرْفِ بِالْفِعْلِ.
وَالْأَلِفُ فِي «أَصَابَ» مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ صَابَ يَصُوبُ.
(فَتَرَكَهُ صَلْدًا) : هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) [الْبَقَرَةِ: ١٧] . وَقَدْ ذُكِرَ فِي
أَوَّلِ السُّورَةِ: (لَا يَقْدِرُونَ) : مُسْتَأْنَفٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ ; وَإِنَّمَا جَمَعَ هُنَا بَعْدَ مَا أَفْرَدَ فِي قَوْلِهِ كَالَّذِي وَمَا بَعْدَهُ ; لِأَنَّ الَّذِي هُنَا جِنْسٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إِلَيْهِ مُفْرَدًا وَجَمْعًا، وَلَا يَجُوزَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الَّذِي ; لِأَنَّهُ قَدْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ «فَمِثْلُهُ» وَمَا بَعْدَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ابْتِغَاءَ) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، (وَتَثْبِيتًا) : مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا حَالَيْنِ ; أَيْ مُبْتَغِينَ وَمُتَثَبِّتِينَ.
стр. 217
(مِنْ أَنْفُسِهِمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بِمَعْنَى اللَّامِ ; أَيْ تَثْبِيتًا لِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا تَقُولُ فَعَلْتُ ذَلِكَ كَسْرًا فِي شَهْوَتِي. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَلَى أَصْلِهَا ; أَيْ تَثْبِيتًا صَادِرًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَالتَّثْبِيتُ مَصْدَرُ فِعْلٍ مُتَعَدٍّ ; فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَكُونُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَفْعُولُ الْمَصْدَرِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي يَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: وَيُثْبِتُونَ أَعْمَالَهُمْ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَثْبِيتًا بِمَعْنَى تَثَبُّتٍ فَيَكُونُ لَازِمًا، وَالْمَصَادِرُ قَدْ تَخْتَلِفُ وَيَقَعُ بَعْضُهَا مَوْقِعَ بَعْضٍ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) [الْمُزَّمِّلِ: ٨] أَيْ تَبَتُّلًا.
وَفِي قَوْلِهِ: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) : حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وَمَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ; لِأَنَّ الْمُنْفِقَ لَا يُشَبَّهُ بِالْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا تُشَبَّهُ النَّفَقَةُ الَّتِي تَزْكُو بِالْجَنَّةِ الَّتِي تُثْمِرُ.
(وَالرَّبْوَةُ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ، وَفِيهَا لُغَةٌ أُخْرَى رُبَاوَةٌ، وَقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ كُلِّهِ.
(أَصَابَهَا) : صِفَةٌ لِلْجَنَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْجَنَّةِ ; لِأَنَّهَا قَدْ وُصِفَتْ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ، وَ «قَدْ» مَعَ الْفِعْلِ مَقَدَّرَةٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ صِفَةً لِرَبْوَةٍ ; لِأَنَّ الْجَنَّةَ بَعْضُ الرَّبْوَةِ.
وَالْوَابِلُ مِنْ وَبَلَ، وَيُقَالُ أَوْبَلَ فَهُوَ مَوْبِلٌ، وَهِيَ صِفَةٌ غَالِبَةٌ لَا يُحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى ذِكْرِ الْمَوْصُوفِ، وَ (آتَتْ) : مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَقَدْ حُذِفَ أَحَدُهُمَا ; أَيْ أَعْطَتْ صَاحِبَهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إِلَى وَاحِدٍ ; لِأَنَّ مَعْنَى آتَتْ أَخْرَجَتْ وَهُوَ مِنَ الْإِيتَاءِ، وَهُوَ الرِّيعُ، وَالْأُكْلُ بِسُكُونِ الْكَافِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ، وَقَدْ قُرِئَ جَمْعًا، وَالْوَاحِدُ مِنْهُ أُكْلَةٌ
стр. 218
وَهُوَ الْمَأْكُولُ، وَأَضَافَ الْأَكْلَ إِلَيْهَا ; لِأَنَّهَا مَحَلُّهُ أَوْ سَبَبُهُ. وَ (ضِعْفَيْنِ) : حَالٌ ; أَيْ مُضَاعَفًا.
(فَطَلٌّ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: فَالَّذِي يُصِيبُهَا طَلٌّ، أَوْ فَالْمُصِيبُ لَهَا أَوْ فَمُصِيبُهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا تَقْدِيرُهُ: فَيُصِيبُهَا طَلٌّ، وَحَذَفَ الْفِعْلَ لِدَلَالَةِ فِعْلِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ. وَالْجَزْمُ فِي يُصِبْهَا بِلَمْ لَا بِإِنْ ; لِأَنَّ لَمْ عَامِلٌ يَخْتَصُّ بِالْمُسْتَقْبَلِ وَإِنْ قَدْ وَلِيَهَا الْمَاضِي، وَقَدْ يُحْذَفُ مَعَهَا الْفِعْلُ، فَجَازَ أَنْ يَبْطُلَ عَمَلُهَا.
قَالَ تَعَالَى: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ نَخِيلٍ) : صِفَةٌ لِجَنَّةٍ، وَنَخِيلٌ جَمْعٌ، وَهُوَ نَادِرٌ، وَقِيلَ: هُوَ جِنْسٌ.
وَ (تَجْرِي) : صِفَةٌ أُخْرَى. (لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) : فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَهُ فِيهَا رِزْقٌ مِنْ كُلٍّ، أَوْ ثَمَرَاتٌ مَنْ كُلِّ أَنْوَاعِ الثَّمَرَاتِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (مِنْ) مُبْتَدَأٌ وَمَا قَبْلَهُ الْخَبَرُ ; لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ لَا يَكُونُ جَارًّا وَمَجْرُورًا إِلَّا إِذَا كَانَ حَرْفُ الْجَرِّ زَائِدًا وَلَا فَاعِلًا ; لِأَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ لَا يَكُونُ فَاعِلًا، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مِنْ) زَائِدَةً عَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، وَلَا عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ لَهُ فِيهَا كُلُّ الثَّمَرَاتِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ هَاهُنَا الْكَثْرَةَ لَا الِاسْتِيعَابَ فَيَجُوزُ عِنْدَ الْأَخْفَشِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ زِيَادَةُ (مِنْ) فِي الْوَاجِبِ، وَإِضَافَةُ (كُلٍّ) إِلَى مَا بَعْدَهَا بِمَعْنَى اللَّامِ ; لِأَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ غَيْرُ الْمُضَافِ.
стр. 219
(وَأَصَابَهُ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ أَحَدٍ، وَ «قَدْ» مُرَادَةٌ، تَقْدِيرُهُ: وَقَدْ أَصَابَهُ.
وَقِيلَ: وُضِعَ الْمَاضِي مَوْضِعَ الْمُضَارِعِ، وَقِيلَ: حُمِلَ فِي الْعَطْفِ عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَعْنَى أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ لَوْ كَانَتْ لَهُ جَنَّةٌ فَأَصَابَهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ، إِذْ لَا حَاجَةَ إِلَى تَغْيِيرِ اللَّفْظِ مَعَ صِحَّةِ مَعْنَاهُ. (وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ فِي أَصَابَهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي أَصْلِ الذُّرِّيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ أَصْلَهَا ذُرْوَةٌ، مِنْ ذَرَّ يَذُرُّ إِذَا نَشَرَ، فَأُبْدِلَتِ الرَّاءُ الثَّانِيَةُ يَاءً لِاجْتِمَاعِ الرَّاءَاتِ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً، ثُمَّ أُدْغِمَتْ، ثُمَّ كُسِرَتِ الرَّاءُ إِتْبَاعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُ الذَّالَ إِتْبَاعًا أَيْضًا، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ ذَرَّ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ الْيَاءَيْنِ، فَوَزْنُهُ فِعْلِيَّةٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مِنْ ذَرَأَ بِالْهَمْزَةِ، فَأَصْلُهُ عَلَى هَذَا ذَرُوءَةٌ فَعُولَةٌ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ يَاءً، وَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً، فِرَارًا مِنْ ثِقَلِ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ وَالضَّمَّةِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ مِنْ ذَرَا يَذْرُو، لِقَوْلِهِ: (تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) [الْكَهْفِ: ٤٥] فَأَصْلُهُ ذَرُووَةٌ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً، ثُمَّ عُمِلَ مَا تَقَدَّمَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِعْلِيَّةً عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
(فَأَصَابَهَا) : مَعْطُوفٌ عَلَى صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)) .
стр. 220
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ) : الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ شَيْئًا مِنْ طَيِّبَاتِ. وَقَدْ ذُكِرَ مُسْتَوْفًى فِيمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا تَيَمَّمُوا) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَخْفِيفِ التَّاءِ، وَمَاضِيهِ تَيَمَّمُ وَالْأَصْلُ تَتَيَمَّمُوا، فَحَذَفَ التَّاءَ الثَّانِيَةَ، كَمَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: «تَظَاهَرُونَ» .
وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، وَقَبْلَهُ أَلِفٌ وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، وَإِنَّمَا سَوَّغَ ذَلِكَ الْمَدُّ الَّذِي فِي الْأَلِفِ، وَقُرِئَ بِضَمِّ التَّاءِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْذِفْ شَيْئًا، وَوَزْنُهُ تَفْعَلُوا.
(مِنْهُ) : مُتَعَلِّقَةٌ بِـ «تُنْفِقُونَ» وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ فِي تَيَمَّمُوا، وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ ; لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ مِنْهُ يَقَعُ بَعْدَ الْقَصْدِ إِلَيْهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْخَبِيثِ ; لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ ضَمِيرًا يَعُودُ إِلَيْهِ ; أَيْ مُنْفِقًا مِنْهُ.
(وَالْخَبِيثُ) : صِفَةٌ غَالِبَةٌ، فَلِذَلِكَ لَا يُذْكَرُ مَعَهَا الْمَوْصُوفُ.
(وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ) : مُسْتَأْنَفٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ. (إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ إِلَّا فِي حَالِ الْإِغْمَاضِ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ التَّاءِ، وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَمَاضِيهِ أَغْمَضَ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ، وَقَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ ; أَيْ تُغْمِضُوا أَبْصَارَكُمْ أَوْ بَصَائِرَكُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا مِثْلُ أَغْضَى عَنْ كَذَا، وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَبْصَارُكُمْ.
وَيُقْرَأُ تُغْمَضُوا: بِضَمِّ التَّاءِ وَالتَّخْفِيفِ، وَفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَالْمَعْنَى إِلَّا أَنْ تُحْمَلُوا عَلَى التَّغَافُلِ عَنْهُ، وَالْمُسَامَحَةِ فِيهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أُغْمِضَ إِذَا صُودِفَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ; كَقَوْلِكَ أُحْمِدَ الرَّجُلُ ; أَيْ وُجِدَ مَحْمُودًا،
стр. 221
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ التاءِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ مَنْ غَمِضَ يَغْمِضُ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي غَمُضَ، وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَهُوَ مِنْ غَمُضَ، كَظَرُفَ ; أَيْ خَفِيَ عَلَيْكُمْ رَأْيُكُمْ فِيهِ.
قَالَ تَعَالَى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَعِدُكُمُ) : أَصْلُهُ يَوْعِدُكُمْ، فَحُذِفَتِ الْوَاوُ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرَةٍ، وَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَقَدْ يَجِيءُ بِالْبَاءِ يُقَالُ: وَعَدْتُهُ بِكَذَا.
(مَغْفِرَةً) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً، وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُتَعَلِّقًا بِيَعِدُ ; أَيْ يَعِدُكُمْ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ: وَفَضْلًا تَقْدِيرُهُ: مِنْهُ اسْتَغْنَى بِالْأُولَى عَنْ إِعَادَتِهَا.
قَالَ تَعَالَى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يُؤْتَ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ التَّاءِ ; وَ «مَنْ» عَلَى هَذَا مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهَا الْخَبَرُ وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ التَّاءِ، فَمَنْ عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيُؤْتَ، وَيُؤْتَ مَجْزُومٌ بِهَا، فَقَدْ عَمِلَ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ.
وَالْأَصْلُ فِي: (يَذَّكَّرُ) : يَتَذَكَّرُ، فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ ذَالًا لِتَقْرُبَ مِنْهَا فَتُدْغَمَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا أَنْفَقْتُمْ) : مَا شَرْطٌ. وَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَلِيهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَهُ فِي قَوْلِهِ: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) [الْبَقَرَةِ: ١٩٧] .
قَالَ تَعَالَى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)) .
стр. 222
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَنِعِمَّا) : نِعْمَ فِعْلٌ جَامِدٌ لَا يَكُونُ فِيهِ مُسْتَقْبَلٌ، وَأَصْلُهُ نَعِمَ كَعَلِمَ، وَقَدْ جَاءَ عَلَى ذَلِكَ فِي الشِّعْرِ إِلَّا أَنَّهُمْ سَكَّنُوا الْعَيْنَ، وَنَقَلُوا حَرَكَتَهَا إِلَى النُّونِ، لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلَى الْأَصْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُ النُّونَ مَفْتُوحَةً عَلَى الْأَصْلِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُ النُّونَ وَالْعَيْنَ إِتْبَاعًا، وَبِكُلٍّ قَدْ قُرِئَ.
وَفِيهِ قِرَاءَةٌ أُخْرَى هُنَا ; وَهِيَ إِسْكَانُ الْعَيْنِ وَالْمِيمِ، مَعَ الْإِدْغَامِ وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ ; وَقِيلَ: إِنِ الرَّاوِيَ لَمْ يَضْبِطِ الْقِرَاءَةَ ; لِأَنَّ الْقَارِئَ اخْتَلَسَ كَسْرَةَ الْعَيْنِ فَظَنَّهُ إِسْكَانًا، وَفَاعِلُ نِعْمَ مُضْمَرٌ، وَمَا بِمَعْنَى شَيْءٍ، وَهُوَ الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ ; أَيْ نِعْمَ الشَّيْءُ شَيْئًا. (هِيَ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ مَا الشَّيْءُ الْمَمْدُوحُ فَيُقَالُ هِيَ ; أَيِ الْمَمْدُوحُ الصَّدَقَةُ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هِيَ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا وَنِعْمَ وَفَاعِلُهَا الْخَبَرَ ; أَيِ الصَّدَقَةُ نِعْمَ الشَّيْءُ، وَاسْتَغْنَى عَنْ ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ لِاشْتِمَالِ الْجِنْسِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ.
(فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) : الْجُمْلَةُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَمَوْضِعُهَا جَزْمٌ، وَهُوَ ضَمِيرُ مَصْدَرٍ لَمْ يُذْكَرْ، وَلَكِنْ ذُكِرَ فِعْلُهُ ; وَالتَّقْدِيرُ: فَالْإِخْفَاءُ خَيْرٌ لَكُمْ، أَوْ فَدَفْعُهَا إِلَى الْفُقَرَاءِ فِي خُفْيَةٍ خَيْرٌ. (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ) : يُقْرَأُ بِالنُّونِ عَلَى إِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى اللَّهِ .
وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَيْضًا، وَعَلَى تَقْدِيرٍ آخَرَ ; وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ ضَمِيرُ الْإِخْفَاءِ.
وَيُقْرَأُ وَتُكَفَّرُ - بِالتَّاءِ - عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَى ضَمِيرِ الصَّدَقَةِ.
стр. 223
وَيُقْرَأُ بِجَزْمِ الرَّاءِ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ فَهُوَ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ ; أَيْ وَنَحْنُ، أَوْ وَهِيَ. وَ (مِنْ) : هُنَا زَائِدَةٌ عِنْدَ الْأَخْفَشِ ; فَيَكُونُ: سَيِّئَاتُكُمُ الْمَفْعُولُ، وَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ شَيْئًا مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَالسَّيِّئَةُ فِعْلِيَّةٌ، وَعَيْنُهَا وَاوٌ ; لِأَنَّهَا مِنْ سَاءَ يَسُوءُ فَأَصْلُهَا سَيْوِئَةٌ، ثُمَّ عَمِلَ فِيهَا مَا ذَكَرْنَا فِي: صَيِّبٍ.
قَالَ تَعَالَى: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٣٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلْفُقَرَاءِ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرُ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: الصَّدَقَاتُ الْمَذْكُورَةُ لِلْفُقَرَاءِ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: أَعْطُوا لِلْفُقَرَاءِ. (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) : «فِي» مُتَعَلِّقَةٌ بِأُحْصِرُوا عَلَى أَنَّهَا ظَرْفٌ لَهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا ; أَيْ أُحْصِرُوا مُجَاهِدِينَ.
(لَا يَسْتَطِيعُونَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ أَحُصِرُوا ; أَيْ أُحْصِرُوا عَاجِزِينَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. (يَحْسَبُهُمُ) : حَالٌ أَيْضًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا لَا مَوْضِعَ لَهُ.
وَفِيهِ لُغَتَانِ: كَسْرُ السِّينِ وَفَتْحُهَا، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا.
وَ (الْجَاهِلُ) : جِنْسٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعُ، وَلَا يُرَادُ بِهِ وَاحِدٌ.
(مِنَ التَّعَفُّفِ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ «مِنْ» بِيَحْسَبُ ; أَيْ يَحْسَبُهُمْ مِنْ أَجْلِ التَّعَفُّفِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَعْنَى أَغْنِيَاءَ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ إِلَى ضِدِّ الْمَقْصُودِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ حَالَهُمْ يَخْفَى عَلَى الْجَاهِلِ بِهِمْ، فَيَظُنُّهُمْ أَغْنِيَاءَ، وَلَوْ عُلِّقَتْ: مِنْ بِأَغْنِيَاءَ صَارَ الْمَعْنَى أَنَّ الْجَاهِلَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ أَغْنِيَاءَ، وَلَكِنْ بِالتَّعَفُّفِ وَالْغَنِيُّ بِالتَّعَفُّفِ فَقِيرٌ مِنَ الْمَالِ.
стр. 224
(تَعْرِفُهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَ (لَا يَسْأَلُونَ) : مِثْلُهُ.
وَ (إِلْحَافًا) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ يَسْأَلُونَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يُلْحِفُونَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ تَقْدِيرُهُ: وَلَا يَسْأَلُونَ مُلْحِفِينَ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) : الْمَوْصُولُ وَصِلَتُهُ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ هُنَا لِشَبَهِ الَّذِي بِالشَّرْطِ فِي إِبْهَامِهِ وَوَصْلِهِ بِالْفِعْلِ.
(بِاللَّيْلِ) : ظَرْفٌ ;، وَالْبَاءُ فِيهِ بِمَعْنَى فِي.
وَ (سِرًّا وَعَلَانِيَةً) : مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا) : مُبْتَدَأٌ. «لَا يَقُومُونَ» خَبَرُهُ، وَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ وَصْفًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا قِيَامًا مِثْلَ قِيَامِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ. وَلَامُ الرِّبَا وَاوٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ رَبَا يَرْبُو، وَتَثْنِيَتُهُ رِبَوَانِ، وَيُكْتَبُ بِالْأَلِفِ.
وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ كَتْبَهُ وَتَثْنِيَتُهُ بِالْيَاءِ، قَالُوا لِأَجْلِ الْكَسْرَةِ الَّتِي فِي أَوَّلِهِ، وَهُوَ خَطَأٌ عِنْدَنَا.
وَ (مِنَ الْمَسِّ) : يَتَعَلَّقُ بِيَتَخَبَّطُهُ ; أَيْ مِنْ جِهَةِ الْجُنُونِ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
стр. 225
(ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ. وَ «بِأَنَّهُمْ قَالُوا» الْخَبَرُ ; أَيْ مُسْتَحَقٌّ بِقَوْلِهِمْ.
(جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ) : إِنَّمَا لَمْ تَثْبُتِ التَّاءُ لِأَنَّ تَأْنِيثَ الْمَوْعِظَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَالْمَوْعِظَةُ وَالْوَعْظُ بِمَعْنًى.
قَالَ تَعَالَى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا) : رَوَى أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَرَأَ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَضَمِّ الْبَاءِ، وَوَاوٍ سَاكِنَةٍ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ بَعِيدَةٌ إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ اسْمٌ فِي آخِرِهِ وَاوٌ قَبْلَهَا ضَمَّةٌ، لَا سِيَّمَا وَقَبْلَ الضَّمَّةِ كَسْرَةٌ، وَقَدْ يُئَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ هَذِهِ افْعُوا، فَتُقْلَبُ الْأَلِفُ فِي الْوَقْفِ وَاوًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَضْبِطِ الرَّاوِي حَرَكَةَ الْبَاءِ، أَوْ يَكُونَ سَمَّى قُرْبَهَا مِنَ الضَّمَّةِ ضَمًّا.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا بَقِيَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْبَاءِ، وَقَدْ قُرِئَ شَاذًّا بِسُكُونِهَا، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ خَفَّفَ بِحَذْفِ الْحَرَكَةِ عَنِ الْيَاءِ بَعْدَ الْكَسْرَةِ، وَقَدْ قَالَ الْمُبَرِّدُ: تَسْكِينُ يَاءِ الْمَنْقُوصِ فِي النَّصْبِ مِنْ أَحْسَنِ الضَّرُورَةِ هَذَا مَعَ أَنَّهُ مُعْرَبٌ فَهُوَ فِي الْفِعْلِ الْمَاضِي أَحْسَنُ.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأْذَنُوا) : يُقْرَأُ بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الذَّالِ، وَمَاضِيهِ أَذِنَ، وَالْمَعْنَى: فَأَيْقِنُوا بِحَرْبٍ. وَيُقْرَأُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَالْمَدِّ وَكَسْرِ الذَّالِ وَمَاضِيهِ آذِنْ ; أَيْ أَعْلِمْ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ فَأَعْلِمُوا غَيْرَكُمْ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى صِيرُوا عَالِمِينَ بِالْحَرْبِ.
стр. 226
(لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) : يُقْرَأُ بِتَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ فِي الْأَوَّلِ، وَتَرْكِ التَّسْمِيَةِ فِي الثَّانِي، وَوَجْهُهُ أَنَّ مَنْعَهُمْ مِنَ الظُّلْمِ أَهَمُّ فَبُدِئَ بِهِ.
وَيُقْرَأُ بِالْعَكْسِ ; وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ قَدَّمَ مَا تَطْمَئِنُّ بِهِ نُفُوسُهُمْ مِنْ نَفْيِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ، ثُمَّ مَنَعَهُمْ مِنَ الظُّلْمِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ; لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ) : كَانَ هُنَا التَّامَّةُ ; أَيْ إِنْ حَدَثَ ذُو عُسْرَةٍ، وَقِيلَ: هِيَ النَّاقِصَةُ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ لَكُمْ عَلَيْهِ حَقٌّ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَلَوْ نَصَبَ فَقَالَ ذَا عُسْرَةٍ لَكَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مَعْنِيًّا بِالذِّكْرِ السَّابِقِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي اللَّفْظِ إِلَّا أَنْ يُتَمَحَّلَ لِتَقْدِيرِهِ: وَالْعُسْرَةُ وَالْعُسْرُ بِمَعْنًى.
وَالنَّظِرَةُ بِكَسْرِ الظَّاءِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْكَسْرِ، وَيُقْرَأُ بِالْإِسْكَانِ إِيثَارًا لِلتَّخْفِيفِ كَفَخِذٍ وَفَخْذٍ وَكَتِفٍ وَكَتْفٍ.
وَيُقْرَأُ فَنَاظِرَةٌ بِالْأَلِفِ، وَهِيَ مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ، وَيُقْرَأُ فَنَاظِرْهُ عَلَى الْأَمْرِ كَمَا تَقُولُ سَاهِلْهُ بِالتَّأْخِيرِ. (إِلَى مَيْسَرَةٍ) : أَيْ إِلَى وَقْتِ مَيْسَرَةٍ، أَوْ وُجُودِ مَيْسَرَةٍ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ السِّينِ وَالتَّأْنِيثِ.
стр. 227
وَقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ، وَجَعْلِ الْهَاءِ ضَمِيرًا، وَهُوَ بِنَاءٌ شَاذٌّ لَمْ يَأْتِ مِنْهُ إِلَّا مَكْرُمٌ وَمَعْوُنٌ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَدْ تُؤَوَّلَ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ مَكْرَمَةٍ وَمَعُوَنَةٍ.
وَتَحْتَمِلُ الْقِرَاءَةُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ جَمَعَ مَيْسَرَةً، كَمَا قَالُوا فِي الْبِنَاءَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَيْسُورَةً، فَحَذَفَ الْوَاوَ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الضَّمَّةِ عَلَيْهَا، وَارْتِفَاعُ نَظِرَةٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ فَعَلَيْكُمْ نَظِرَةٌ وَإِلَى يَتَعَلَّقُ بِنَظِرَةٍ.
(وَأَنْ تَصَدَّقُوا) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ، وَأَصْلُهُ تَتَصَدَّقُوا، فَقَلَبَ التَّاءَ الثَّانِيَةَ صَادًا، وَأَدْغَمَهَا، وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى أَنَّهُ حَذَفَ التَّاءَ حَذْفًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تُرْجَعُونَ فِيهِ) : الْجُمْلَةُ صِفَةُ يَوْمٍ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَبِضَمِّهَا عَلَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَجَعْتُهُ ; أَيْ رَدَدْتُهُ ; وَهُوَ مُتَعَدٍّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا بُنِيَ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ: (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «كُلٍّ» ; لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْجَمْعِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُرْجَعُونَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالْيَاءِ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ ; كَقَوْلِهِ: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [يُونُسَ: ٢٢] .
стр. 228
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَى أَجَلٍ) : هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِتَدَايَنْتُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِدَيْنٍ ; أَيْ مُؤَخَّرٍ وَمُؤَجَّلٍ.
وَأَلِفُ (مُسَمًّى) مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ، وَكَذَا كُلُّ أَلِفٍ وَقَعَتْ رَابِعَةً فَصَاعِدًا إِذَا كَانَتْ مُنْقَلِبَةً، فَإِنَّهَا تَكُونُ مُنْقَلِبَةً عَنْ يَاءٍ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي أَصْلِ الْيَاءِ.
(بِالْعَدْلِ) : مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: «وَلْيَكْتُبْ» ; أَيْ لِيَكْتُبْ بِالْحَقِّ ; فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ; أَيْ وَلْيَكْتُبْ عَادِلًا، وَيَجُوزَ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ; أَيْ بِسَبَبِ الْعَدْلِ، وَقِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ وَالتَّقْدِيرُ: وَلْيَكْتُبِ الْعَدْلَ.
وَقِيلَ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِكَاتِبٌ ; أَيْ كَاتِبٌ مَوْصُوفٌ بِالْعَدْلِ أَوْ مُخْتَارٌ.
(كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَهُوَ مِنْ تَمَامٍ أَنْ يُكْتَبَ.
وَقِيلَ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: «فَلْيَكْتُبْ» وَيَكُونُ الْكَلَامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ أَنْ يَكْتُبَ وَالتَّقْدِيرُ: فَلْيَكْتُبْ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ.
(وَلْيُمْلِلِ) : مَاضِي هَذَا الْفِعْلِ أَمَلَّ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى أَمْلَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: (فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ) ، وَفِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
стр. 229
(مِنْهُ شَيْئًا) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ مِنْ بِيَبْخَسَ، وَيَكُونُ لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الْبَخْسِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: شَيْئًا مِنْهُ فَلَمَّا قَدَّمَهُ صَارَ حَالًا، وَالْهَاءُ لِلْحَقِّ.
(أَنْ يُمِلَّ) : «هُوَ» هُوَ هُنَا تَوْكِيدٌ، وَالْفَاعِلُ مُضْمَرٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْهَاءِ ; لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ مُنْفَصِلَةٌ عَمَّا قَبْلَهَا، فَهِيَ مَبْدُوءٌ بِهَا.
وَقُرِئَ بِإِسْكَانِهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ أَجْرَى الْمُنْفَصِلَ مَجْرَى الْمُتَّصِلِ بِالْوَاوِ أَوِ الْفَاءِ أَوِ اللَّامِ ; نَحْوَ: وَهُوَ، فَهُوَ، لَهُوَ. (بِالْعَدْلِ) : مِثْلُ الْأُولَى. (مِنْ رِجَالِكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِشَهِيدَيْنِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِاسْتَشْهِدُوا.
(فَإِنْ لَمْ يَكُونَا) : الْأَلِفُ ضَمِيرُ الشَّاهِدَيْنِ.
(فَرَجُلٌ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٌ ; أَيْ فَالْمُسْتَشْهَدُ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. وَقِيلَ: هُوَ فَاعِلٌ ; أَيْ فَلْيُسْتَشْهَدْ رَجُلٌ وَقِيلَ: الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ يَشْهَدُونَ.
وَلَوْ كَانَ قَدْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكَانَ التَّقْدِيرُ: فَاسْتَشْهِدُوا.
وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ وَامْرَأْتَانِ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ خَفَّفَ الْهَمْزَةَ، فَقَرُبَتْ مِنَ الْأَلِفِ، وَالْمُقَرَّبَةُ مِنَ الْأَلِفِ فِي حُكْمِهَا، وَلِهَذَا لَا يُبْتَدَأُ بِهَا، فَلَمَّا صَارَتْ كَالْأَلِفِ قَلَبَهَا هَمْزَةً سَاكِنَةً، كَمَا قَالُوا خَأْتَمٌ وَعَأْلَمٌ.
قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَكَّنَ الْهَمْزَةَ ; لِأَنَّ الْمَفْتُوحَ لَا يَسْكُنُ لِخِفَّةِ الْفَتْحَةِ لَوْ قِيلَ: إِنَّهُ سَكَّنَ الْهَمْزَةَ لِتَوَالِي الْحَرَكَاتِ، وَتَوَالِي الْحَرَكَاتِ يُجْتَنَبُ، وَإِنْ كَانَتِ الْحَرَكَةُ فَتْحَةً كَمَا سَكَّنُوا بَاءَ ضَرَبْتَ لَكَانَ حَسَنًا. (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةٌ لِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، تَقْدِيرُهُ مَرْضِيُّونَ.
وَقِيلَ: هُوَ صِفَةٌ لِشَهِيدَيْنِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمَا.
وَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ: «مِنْ رِجَالِكُمْ» وَأَصْلُ تَرْضَوْنَ تَرْضَوُونَ ; لِأَنَّ لَامَ الرِّضَا وَاوٌ لِقَوْلِكَ الرِّضْوَانُ.
стр. 230
(مِنَ الشُّهَدَاءِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَحْذُوفِ ; أَيْ تَرْضَوْنَهُ كَائِنًا مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ: «مَنْ» .
(أَنْ تَضِلَّ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهَا الْمَصْدَرِيَّةُ النَّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ، وَهُوَ مَفْعُولٌ لَهُ، وَتَقْدِيرُهُ: لِأَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا. (فَتُذَكِّرَ) : بِالنَّصْبِ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ قُلْتَ لَيْسَ الْغَرَضُ مِنَ اسْتِشْهَادِ الْمَرْأَتَيْنِ مَعَ الرَّجُلِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا، فَكَيْفَ يُقَدَّرُ بِاللَّامِ؟ .
فَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ: إِنَّ هَذَا كَلَامٌ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، وَعَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ تُقَدِّمَ مَا فِيهِ السَّبَبُ فَيُجْعَلُ فِي مَوْضِعِ الْمُسَبِّبِ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ إِلَيْهِ، وَمَثَلُهُ قَوْلُكَ أَعْدَدْتُ هَذِهِ الْخَشَبَةَ أَنْ تَمِيلَ الْحَائِطُ فَأَدْعَمُهُ بِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّكَ لَمْ تَقْصِدْ بِإِعْدَادِ الْخَشَبَةِ مَيْلَ الْحَائِطِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى لِأَدْعَمَ بِهَا الْحَائِطَ إِذَا مَالَ، فَكَذَلِكَ الْآيَةُ ; لِأَنْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى إِذَا ضَلَّتْ أَوْ لِضَلَالِهَا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: مَخَافَةَ أَنْ تَضِلَّ ; لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ فَتُذَكِّرَ، فَيَصِيرُ الْمَعْنَى مَخَافَةَ أَنْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى إِذَا ضَلَّتْ، وَهَذَا عَكْسُ الْمُرَادِ.
وَيُقْرَأُ (فَتُذَكِّرَ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. وَيُقْرَأُ (إِنْ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهَا شَرْطٌ وَفَتْحَةُ اللَّامِ عَلَى هَذَا حَرَكَةُ بِنَاءٍ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، فَتُذَكِّرُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَرَفْعُ الْفِعْلِ لِدُخُولِ الْفَاءِ الْجَوَابَ.
وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الْكَافِ، وَتَخْفِيفِهَا، يُقَالُ ذَكَرْتُهُ وَأَذْكَرْتُهُ، وَ «إِحْدَاهُمَا» الْفَاعِلُ، وَ «الْأُخْرَى» الْمَفْعُولُ، وَيَصِحُّ فِي الْمَعْنَى الْعَكْسُ إِلَّا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي الْإِعْرَابِ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ
стр. 231
النَّحْوِيِّينَ ; لِأَنَّ الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِمَا عَلَامَةُ الْإِعْرَابِ أَوْجَبُوا تَقْدِيمَ الْفَاعِلِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُخَافُ فِيهِ اللَّبْسُ، فَعَلَى هَذَا إِذَا أُمِنَ اللَّبْسُ جَازَ تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ، كَقَوْلِكَ كَسَرَ عِيسَى الْعَصَا، وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ; لِأَنَّ النِّسْيَانَ وَالْإِذْكَارَ لَا يَتَعَيَّنُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ; بَلْ ذَلِكَ عَلَى الْإِيهَامِ، وَقَدْ عُلِمَ بِقَوْلِهِ: «فَتُذَكِّرَ» أَنَّ الَّتِي تُذَكِّرُ هِيَ الذَّاكِرَةَ، وَالَّتِي تُذَكَّرُ هِيَ النَّاسِيَةَ، كَمَا عُلِمَ مِنْ لَفْظِ كَسْرِ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْكَسْرُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ إِحْدَاهُمَا فَاعِلًا، وَالْأُخْرَى مَفْعُولًا، وَأَنْ يَعْكِسَ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ فَتُذَكِّرُهَا الْأُخْرَى؟ قِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَعَادَ الظَّاهِرَ لِيَدُلَّ عَلَى الْإِيهَامِ فِي الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ، وَلَوْ أَضْمَرَ لَتَعَيَّنَ عَوْدُهُ إِلَى الْمَذْكُورِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ تَقْدِيرُهُ: فَتُذَكِّرُهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِحْدَاهُمَا الثَّانِيَةَ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا فِي هَذَا الْوَجْهِ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ هُوَ الْمُظْهَرُ بِعَيْنِهِ وَالْمُظْهَرُ الْأَوَّلُ فَاعِلُ تَضِلَّ فَلَوْ جُعِلَ الضَّمِيرُ لِذَلِكَ الْمُظْهَرِ لَكَانَتِ النَّاسِيَةُ هِيَ الْمُذَكِّرَةُ وَذَا مُحَالٌ.
وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي لِتُذَكِّرَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الشَّهَادَةَ وَنَحْوُ ذَلِكَ ; وَكَذَلِكَ مَفْعُولُ: «يَأْبَ» . وَتَقْدِيرُهُ: وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِقَامَةَ الشَّهَادَةِ، وَتَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ.
وَ (إِذَا) : ظَرْفٌ لِيَأْبَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْمَفْعُولِ الْمَحْذُوفِ.
وَ (أَنْ تَكْتُبُوهُ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَسْأَمُوا، وَتَسْأَمُوا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، وَقِيلَ: بِحَرْفِ الْجَرِّ. وَ (صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا) : حَالَانِ مِنَ الْهَاءِ.
وَ (إِلَى) : مُتَعَلِّقَةٌ بِتَكْتُبُوهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ أَيْضًا.
وَ (عِنْدَ اللَّهِ) : ظَرْفٌ لِأَقْسَطَ. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: (لِلشَّهَادَةِ) : يَتَعَلَّقُ بِأَقْوَمَ، وَأَفْعَلُ يَعْمَلُ فِي الظُّرُوفِ وَحُرُوفِ الْجَرِّ،
стр. 232
وَصَحَّتِ الْوَاوُ فِي «أَقْوَمَ» كَمَا صَحَّتْ فِي فِعْلِ التَّعَجُّبِ، وَذَلِكَ لِجُمُودِهِ وَإِجْرَائِهِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ الْجَامِدَةِ.
وَ (أَقْوَمُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَقَامَ الْمُتَعَدِّيَةِ لَكِنَّهُ حَذَفَ الْهَمْزَةَ الزَّائِدَةَ ثُمَّ أَتَى بِهَمْزَةِ أَفْعَلَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) [الْكَهْفِ: ١٢] فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَثْبَتُ لِإِقَامَتِكُمُ الشَّهَادَةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَامَ اللَّازِمِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى ذَلِكَ أَثْبَتُ لِقِيَامِ الشَّهَادَةِ، وَقَامَتِ الشَّهَادَةُ ثَبَتَتْ، وَأَلِفُ (أَدْنَى) : مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ دَنَا يَدْنُو.
وَ (أَلَّا تَرْتَابُوا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; وَتَقْدِيرُهُ: وَأَدْنَى لِئَلَّا تَرْتَابُوا، أَوْ إِلَى أَنْ لَا تَرْتَابُوا. (تِجَارَةً) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ تَكُونَ التَّامَّةُ، وَ (حَاضِرَةً) صِفَتُهَا.
وَتَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النَّاقِصَةَ، وَاسْمُهَا تِجَارَةٌ، وَحَاضِرَةٌ صِفَتُهَا، وَ «تُدِيرُونَهَا» الْخَبَرُ، وَ «بَيْنَكُمْ» ظَرْفٌ لِتُدِيرُونَهَا.
وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْفَاعِلِ مُضْمَرًا فِيهِ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمُبَايَعَةُ تِجَارَةً، وَالْجُمْلَةُ الْمُسْتَثْنَاةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ ; لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالِاسْتِشْهَادِ فِي كُلِّ مُعَامَلَةٍ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ التِّجَارَةَ الْحَاضِرَةَ، وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا فِي حَالِ حُضُورِ التِّجَارَةِ.
وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي: «فَلَيْسَ» إِيذَانًا بِتَعَلُّقِ مَا بَعْدَهَا بِمَا قَبْلَهَا.
وَ (أَلَّا تَكْتُبُوهَا) : تَقْدِيرُهُ: فِي أَلَّا تَكْتُبُوهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْإِعْرَابِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
(وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ) : فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ الْقِرَاءَاتِ قَدْ ذُكِرَتْ فِي قَوْلِهِ: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ) [الْبَقَرَةِ: ٢٢٣] ، وَقُرِئَ هُنَا بِإِسْكَانِ الرَّاءِ مَعَ التَّشْدِيدِ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ ; لِأَنَّهُ فِي التَّقْدِيرِ: جَمَعَ بَيْنَ ثَلَاثِ سَوَاكِنٍ إِلَّا أَنَّ لَهُ وَجْهًا وَهُوَ أَنَّ الْأَلِفَ لِمَدِّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْمُتَحَرِّكِ فَيَبْقَى سَاكِنَانِ، وَالْوَقْفُ
стр. 233
عَلَيْهِ مُمْكِنٌ، ثُمَّ أَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ، أَوْ يَكُونُ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقْفَةً يَسِيرَةً، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي الْقَوَافِي. وَالْهَاءُ فِي: (فَإِنَّهُ) تَعُودُ عَلَى الْإِبَاءِ أَوِ الْإِضْرَارِ. وَ (بِكُمْ) : مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَاحِقٌ بِكُمْ. (وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) : مُسْتَأْنَفٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ.
وَقِيلَ: مَوْضِعُهُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي اتَّقُوا تَقْدِيرُهُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ مَضْمُونًا التَّعْلِيمَ أَوِ الْهِدَايَةَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُقَدَّرَةً.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَرِهَانٌ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَالْوَثِيقَةُ أَوِ التَّوَثُّقُ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا، وَهُوَ جَمْعُ رَهْنٍ مِثْلُ سَقْفٍ وَسُقْفٍ وَأَسَدٍ وَأُسْدٍ، وَالتَّسْكِينُ لِثِقَلِ الضَّمَّةِ بَعْدَ الضَّمَّةِ.
وَقِيلَ: رُهْنٌ جَمْعُ رِهَانٍ، وَرِهَانٌ جَمْعُ رَهْنٍ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ مِثْلُ كَلْبٍ وَكِلَابٍ، وَالرَّهْنُ مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى مَرْهُونٍ.
(الَّذِي اؤْتُمِنَ) : إِذَا وَقَفْتَ عَلَى الَّذِي ابْتَدَأْتَ أُؤْتُمِنَ، فَالْهَمْزَةُ لِلْوَصْلِ، وَالْوَاوُ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ الَّتِي هِيَ فَاءُ الْفِعْلِ، فَإِذَا وَصَلْتَ حَذَفْتَ هَمْزَةَ الْوَصْلِ، وَأَعَدْتَ الْوَاوَ إِلَى أَصْلِهَا، وَهُوَ الْهَمْزَةُ، وَحُذِفَتْ يَاءُ «الَّذِي» ; لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَقَدْ أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ يَاءً سَاكِنَةً، وَيَاءُ الَّذِي مَحْذُوفَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ
стр. 234
(أَمَانَتَهُ) مَفْعُولُ يُؤَدُّ لَا مَصْدَرُ اؤْتُمِنَ، وَالْأَمَانَةُ بِمَعْنَى الْمُؤْتَمَنِ.
(وَلَا تَكْتُمُوا) : الْجُمْهُورُ عَلَى التَّاءِ لِلْخِطَابِ كَصَدْرِ الْآيَةِ.
وَقُرِئَ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ ; لِأَنَّ قَبْلَهُ غَيْبًا إِلَّا أَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ مُفْرَدٌ فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ جِنْسٌ فَلِذَلِكَ جَاءَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا عَلَى الْمَعْنَى.
(فَإِنَّهُ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ مَنْ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ.
وَ (آثِمٌ) : فِيهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ خَبَرُ إِنَّ وَ «قَلْبُهُ» مَرْفُوعٌ بِهِ.
وَالثَّانِي: كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ بَدَلٌ مِنْ آثِمٌ، لَا عَلَى نِيَّةِ طَرْحِ الْأَوَّلِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ قَلْبُهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي آثِمٌ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ قَلْبُهُ مُبْتَدَأٌ، وَآثِمٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ.
وَأَجَازَ قَوْمٌ قَلْبَهُ بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ ; وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ) : يَقْرَآنِ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ; أَيْ هُوَ يَغْفِرُ، وَبِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ، وَالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمَعْنَى بِإِضْمَارِ أَنْ ; تَقْدِيرُهُ: فَأَنْ يَغْفِرَ وَهَذَا يُسَمَّى الصَّرْفُ، وَالتَّقْدِيرُ: يَكُنْ مِنْهُ حِسَابٌ فَغُفْرَانٌ.
وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ بِحَذْفِ الْفَاءِ، وَالْجَزْمِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ يُحَاسِبْكُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْمُؤْمِنُونَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّسُولِ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ تَامًّا عِنْدَهُ. وَقِيلَ:
стр. 235
الْمُؤْمِنُونَ مُبْتَدَأٌ، وَ «كُلٌّ» مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَالتَّقْدِيرُ: كُلٌّ مِنْهُمْ وَ: «آمَنَ» خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الثَّانِي، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْأَوَّلِ، وَأَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي آمَنَ رَدًّا عَلَى لَفْظِ كُلٍّ.
(وَكُتُبِهِ) : يُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى الْجَمْعِ ; لِأَنَّ الَّذِي مَعَهُ جَمْعٌ وَيُقْرَأُ وَ «كِتَابُهُ» عَلَى الْإِفْرَادِ وَهُوَ جِنْسٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُرْآنُ وَحْدَهُ.
(وَرُسُلِهِ) : يُقْرَأُ بِالضَّمِّ وَالْإِسْكَانِ، وَقَدْ ذُكِرَ وَجْهُهُ.
(لَا نُفَرِّقُ) : تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; وَأَضَافَ «بَيْنَ» إِلَى أَحَدٍ ; لِأَنَّ أَحَدًا فِي مَعْنَى الْجَمْعِ. (وَقَالُوا) : مَعْطُوفٌ عَلَى آمَنَ.
(غُفْرَانَكَ) : أَيِ اغْفِرْ غُفْرَانَكَ، فَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ.
وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: نَسْأَلُكَ غُفْرَانَكَ.
قَالَ تَعَالَى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَسَبَتْ) وَفِي الثَّانِيَةِ (اكْتَسَبَتْ) : قَالَ قَوْمٌ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: «وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا» . وَقَالَ: «ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ» ; فَجَعَلَ الْكَسْبَ فِي السَّيِّئَاتِ، كَمَا جَعَلَهُ فِي الْحَسَنَاتِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: اكْتَسَبَ افْتَعَلَ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الْكُلْفَةِ، وَفِعْلُ السَّيِّئَةِ شَدِيدٌ لِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ.
(لَا تُؤَاخِذْنَا) : يُقْرَأُ بِالْهَمْزَةِ وَالتَّخْفِيفِ، وَالْمَاضِي آخَذْتُهُ، وَهُوَ مِنَ الْأَخْذِ بِالذَّنْبِ، وَحُكِيَ: وَاخَذْتُهُ بِالْوَاوِ.
стр. 236
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ تَعَالَى: (الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)) .
(الم) : قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ، وَالْمِيمُ مِنْ «مِيمٍ» حُرِّكَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَهُوَ الْمِيمُ وَلَامُ التَّعْرِيفِ فِي اسْمِ اللَّهِ، وَلَمْ تُحَرَّكْ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الْيَاءِ قَبْلَهَا، لِأَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْحُرُوفِ الَّتِي عَلَى هَذَا الْمِثَالِ تَسْكُنُ إِذَا لَمْ يَلْقَهَا سَاكِنٌ بَعْدَهَا، كَقَوْلِهِ لَامْ مِيمْ ذَلِكَ الْكِتَابُ، وَ «حم» ، وَ «طس» ، وَ «ق» ، وَ «ك» . وَفُتِحَتْ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كَثْرَةُ اسْتِعْمَالِ اسْمِ اللَّهِ بَعْدَهَا. وَالثَّانِي: ثِقَلُ الْكَسْرَةِ بَعْدَ الْيَاءِ وَالْكَسْرَةِ، وَأَجَازَ الْأَخْفَشُ كَسْرَهَا، وَفِيهِ مِنَ الْقُبْحِ مَا ذَكَرْنَا.
وَقِيلَ: فُتِحَتْ لِأَنَّ حَرَكَةَ هَمْزَةِ اللَّهِ أُلْقِيَتْ عَلَيْهَا. وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ هَمْزَةَ الْوَصْلِ لَا حَظَّ لَهَا فِي الثُّبُوتِ فِي الْوَصْلِ حَتَّى تُلْقَى حَرَكَتُهَا عَلَى غَيْرِهَا.
وَقِيلَ: الْهَمْزَةُ فِي اللَّهِ هَمْزَةُ قَطْعٍ، وَإِنَّمَا حُذِفَتْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، فَلِذَلِكَ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى الْمِيمِ ; لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الثُّبُوتَ، وَهَذَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ أَدَاةَ التَّعْرِيفِ أَلْ.
(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) : قَدْ ذُكِرَ إِعْرَابَهُ فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ.
قَالَ تَعَالَى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ) : هُوَ خَبَرٌ آخَرُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: (لَا تَأْخُذُهُ) [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] فَمِثْلُهُ هَاهُنَا.
стр. 237
وَقُرِئَ «نَزَلَ» عَلَيْكَ بِالتَّخْفِيفِ، وَ «الْكِتَابُ» بِالرَّفْعِ، وَفِي الْجُمْلَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هِيَ مُنْقَطِعَةٌ. وَالثَّانِي: هِيَ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلَهَا، وَالضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِنْ عِنْدِهِ.
وَ (بِالْحَقِّ) : حَالٌ مِنَ الْكِتَابِ. وَ (مُصَدِّقًا) : إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ حَالًا ثَانِيًا، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنْ مَوْضِعِ قَوْلِهِ «بِالْحَقِّ» ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْمَجْرُورِ.
(التَّوْرَاةَ) : فَوْعَلَةٌ، مِنْ وَرَى الزَّنْدُ يَرِي إِذَا ظَهَرَ مِنْهُ النَّارُ ; فَكَأَنَّ التَّوْرَاةَ ضِيَاءٌ مِنَ الضَّلَالِ، فَأَصْلُهَا وَوَرْيَةٌ، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ الْأُولَى تَاءً، كَمَا قَالُوا تَوْلَجُ، وَأَصْلُهُ وَوْلَجُ، وَأُبْدِلَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا، وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُهَا تَوْرِيَةٌ عَلَى تَفْعِلَةٌ كَتَوْصِيَةٍ، ثُمَّ أُبْدِلَ مِنَ الْكَسْرَةِ الْفَتْحَةُ فَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا، كَمَا قَالُوا فِي نَاصِيَةٍ نَاصَاةٌ، وَيَجُوزُ إِمَالَتُهَا لِأَنَّ أَصْلَ أَلِفِهَا يَاءٌ.
(وَالْإِنْجِيلَ) : إِفْعِيلٌ مِنَ النَّجْلِ، وَهُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يَتَفَرَّعُ عَنْهُ غَيْرُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْوَلَدُ نَجْلًا، وَاسْتَنْجَلَ الْوَادِي إِذَا نَزَّ مَاؤُهُ.
وَقِيلَ: هُوَ مِنَ السَّعَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ نَجَلْتُ الْإِهَابَ إِذَا شَقَقْتُهُ، وَمِنْهُ عَيْنٌ نَجْلَاءُ وَاسِعَةُ الشَّقِّ، فَالْإِنْجِيلُ الَّذِي هُوَ كِتَابُ عِيسَى تَضَمَّنَ سَعَةً لَمْ تَكُنْ لِلْيَهُودِ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ: «الْأَنْجِيلَ» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ، إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ أَفْعِيلٌ، إِلَّا أَنَّ الْحَسَنَ ثِقَةٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهَا.
وَ (مِنْ قَبْلُ) : يَتَعَلَّقُ بِأَنْزَلَ، وَبُنِيَتْ «قَبْلُ» لِقَطْعِهَا عَنِ الْإِضَافَةِ، وَالْأَصْلُ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ، فَقَبْلُ فِي حُكْمِ بَعْضِ الِاسْمِ، وَبَعْضُ الِاسْمِ لَا يَسْتَحِقُّ إِعْرَابًا.
: (هُدًى) : حَالٌ مِنَ الْإِنْجِيلِ وَالتَّوْرَاةِ، وَلَمْ يُثَنَّ ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ.
стр. 238
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْإِنْجِيلِ، وَدَلَّ عَلَى حَالٌ لِلتَّوْرَاةِ مَحْذُوفَةٌ، كَمَا يَدُلُّ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ. وَ (لِلنَّاسِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِهُدًى، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ.
وَ (الْفُرْقَانَ) : فُعْلَانِ مِنَ الْفَرْقِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْفَارِقِ أَوِ الْمَفْرُوقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَا الْفُرْقَانِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَهُمْ عَذَابٌ) : ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ إِنَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ الْعَذَابُ بِالظَّرْفِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الْأَرْضِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِشَيْءٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيَخْفَى.
قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الْأَرْحَامِ) : فِي مُتَعَلِّقَةٌ بِيُصَوِّرُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْكَافِ وَالْمِيمِ ; أَيْ يُصَوِّرُكُمْ وَأَنْتُمْ فِي الْأَرْحَامِ مُضَغٌ.
(كَيْفَ يَشَاءُ) : كَيْفَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَشَاءُ، وَهُوَ حَالٌ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: يَشَاءُ تَصْوِيرَكُمْ.
وَقِيلَ: كَيْفَ ظَرْفٌ لِيَشَاءُ، وَمَوْضِعُ الْجُمْلَةِ حَالٌ تَقْدِيرُهُ: يُصَوِّرُكُمْ عَلَى مَشِيئَتِهِ ; أَيْ مُرِيدًا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الْكَافِ وَالْمِيمِ ; أَيْ يُصَوِّرُكُمْ مُتَقَلِّبِينَ عَلَى مَشِيئَتِهِ.
(لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) : هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [الْبَقَرَةِ: ١٦٣] .
قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (
стр. 239
مِنْهُ آيَاتٌ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْكِتَابِ.
وَلَكَ أَنْ تَرْفَعَ آيَاتٍ بِالظَّرْفِ ; لِأَنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ، وَلَكَ أَنْ تَرْفَعَهُ بِالِابْتِدَاءِ، وَالظَّرْفُ خَبَرُهُ.
(هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةً لِآيَاتٍ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَ (أُمُّ) وَهُوَ خَبَرٌ عَنْ جَمْعٍ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ الْآيَاتِ بِمَنْزِلَةِ آيَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَفْرَدَ عَلَى الْمَعْنَى.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَفْرَدَ فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: (وَعَلَى سَمْعِهِمْ) [الْبَقَرَةِ: ٧] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى كُلٌّ مِنْهُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ) [النُّورِ: ٤] ; أَيْ فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
(وَأُخَرُ) : مَعْطُوفٌ عَلَى آيَاتٍ.
وَ (مُتَشَابِهَاتٌ) : نَعْتٌ لِأُخَرَ.
فَإِنْ قِيلَ: وَاحِدَةُ مُتَشَابِهَاتٍ مُتَشَابِهَةٌ، وَوَاحِدَةُ أُخَرَ أُخْرَى، وَالْوَاحِدُ هُنَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ بِهَذَا الْوَاحِدِ، فَلَا يُقَالُ أُخْرَى مُتَشَابِهَةٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْوَاحِدَةِ يُشْبِهُ بَعْضًا، وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ آيَةٍ تُشْبِهُ آيَةً أُخْرَى، فَكَيْفَ صَحَّ وَصْفُ هَذَا الْجَمْعِ بِهَذَا الْجَمْعِ، وَلَمْ يُوصَفْ مُفْرَدُهُ بِمُفْرَدِهِ.
قِيلَ: التَّشَابُهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْأَشْيَاءُ الْمُتَشَابِهَةُ كَانَ كُلٌّ مِنْهَا مُشَابِهًا لِلْآخَرِ، فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ التَّشَابُهُ إِلَّا فِي حَالَةِ الِاجْتِمَاعِ، وَصَفَ الْجَمْعَ بِالْجَمْعِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ يُشَابِهُ بَاقِيهَا ; فَأَمَّا الْوَاحِدُ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ) [الْقَصَصِ: ١٥] : فَثَنَّى الضَّمِيرَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُقَالُ فِي الْوَاحِدِ يَقْتَتِلُ. (مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) : مَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَمِنْهُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ، وَالْهَاءُ تَعُودَ عَلَى الْكِتَابِ. (
стр. 240
ابْتِغَاءَ) : مَفْعُولٌ لَهُ. وَالتَّأْوِيلُ مَصْدَرُ أَوَّلَ يُؤَوِّلُ، وَأَصْلُهُ مِنْ آلَ يَئُولُ، إِذَا انْتَهَى نِهَايَتَهُ.
وَ (الرَّاسِخُونَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ أَيْضًا.
وَ (يَقُولُونَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ.
وَقِيلَ: الرَّاسِخُونَ مُبْتَدَأٌ، وَيَقُولُونَ الْخَبَرُ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، بَلْ يُؤْمِنُونَ بِهِ.
(كُلٌّ) : مُبْتَدَأٌ ; أَيْ كُلُّهُ أَوْ كُلٌّ مِنْهُ.
وَ (مِنْ عِنْدِ) : الْخَبَرُ، وَمَوْضِعُ «آمَنَّا» وَكُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا نُصِبَ بِيَقُولُونَ.
قَالَ تَعَالَى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ التَّاءِ وَنَصْبِ الْقُلُوبِ ; يُقَالُ زَاغَ الْقَلْبُ وَأَزَاغَهُ اللَّهُ. وَقُرِئَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَرَفْعِ الْقُلُوبِ عَلَى نِسْبَةِ الْفِعْلِ إِلَيْهَا.
وَ (إِذْ هَدَيْتَنَا) : لَيْسَ بِظَرْفٍ ; لِأَنَّهُ أُضِيفَ إِلَيْهِ بَعْدَ.
(مِنْ لَدُنْكَ) : لَدُنْ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكُونِ، وَهِيَ مُضَافَةٌ لِأَنَّ عِلَّةَ بِنَائِهَا مَوْجُودَةٌ بَعْدَ الْإِضَافَةِ، وَالْحُكْمُ يَتْبَعُ الْعِلَّةَ، وَتِلْكَ الْعِلَّةُ أَنَّ لَدُنْ بِمَعْنَى «عِنْدَ» الْمُلَاصِقَةِ لِلشَّيْءِ، فَعِنْدَ إِذَا ذُكِرَتْ لَمْ تَخْتَصَّ بِالْمُقَارَبَةِ، وَلَدُنْ عِنْدَ مَخْصُوصٍ ; فَقَدْ صَارَ فِيهَا مَعْنًى لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ ; بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُفِيدُهُ الْحَرْفُ، فَصَارَتْ كَأَنَّهَا مُتَضَمِّنَةً لِلْحَرْفِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي
стр. 241
أَنْ يُوضَعَ دَلِيلًا عَلَى الْقُرْبِ ; وَمِثْلُهُ ثُمَّ وَهُنَا ; لِأَنَّهُمَا بُنِيَا لَمَّا تَضَمَّنَا حَرَفَ الْإِشَارَةِ.
وَفِيهَا لُغَاتٌ هَذِهِ إِحْدَاهَا، وَهِيَ فَتْحُ اللَّامِ وَضَمُّ الدَّالِ وَسُكُونُ النُّونِ.
وَالثَّانِيَةُ: كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ الدَّالَ سَاكِنَةٌ، وَذَلِكَ تَخْفِيفٌ كَمَا خُفِّفَ عَضُدٌ.
وَالثَّالِثَةُ: بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الدَّالِ.
وَالرَّابِعَةُ: لَدَى.
وَالْخَامِسَةُ: لَدُ: بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّ الدَّالِ مِنْ غَيْرِ نُونٍ.
وَالسَّادِسَةُ: بِفَتْحِ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ، وَلَا شَيْءَ بَعْدَ الدَّالِ.
قَالَ تَعَالَى: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَامِعُ النَّاسِ) : الْإِضَافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ ; لِأَنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ. وَالتَّقْدِيرُ: جَامِعٌ النَّاسَ. (لِيَوْمٍ) : تَقْدِيرُهُ: لِعَرْضِ يَوْمٍ، أَوْ حِسَابِ يَوْمٍ.
وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى فِي ; أَيْ فِي يَوْمٍ. وَالْهَاءُ فِي «فِيهِ» تَعُودُ عَلَى الْيَوْمِ ; وَإِنْ شِئْتَ عَلَى الْجَمْعِ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَى الْحِسَابِ أَوِ الْعَرْضِ. وَ (لَا رَيْبَ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِيَوْمٍ. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ) : أَعَادَ ذِكْرَ اللَّهِ مُظْهَرًا تَفْخِيمًا، وَلَوْ قَالَ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ كَانَ مُسْتَقِيمًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَلَيْسَ مَحْكِيًّا عَمَّنْ تَقَدَّمَ.
وَ (الْمِيعَادَ) : مِفْعَالٌ، مِنَ الْوَعْدِ، قُلِبَتْ وَاوُهُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)) .
стр. 242
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَنْ تُغْنِيَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى التَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْفَاعِلِ، وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ ; لِأَنَّ تَأْنِيثَ الْفَاعِلِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا.
(مِنَ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. وَالْمَعْنَى لَنْ تَدْفَعَ الْأَمْوَالُ عَنْهُمْ عَذَابَ اللَّهِ وَ (شَيْئًا) : عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: غِنًى.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مَفْعُولًا بِهِ عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ مَعْنَى تُغْنِيَ عَنْهُمْ تَدْفَعُ، وَيَكُونُ مِنَ اللَّهِ صِفَةً لِشَيْءٍ فِي الْأَصْلِ قُدِّمَ فَصَارَ حَالًا ; وَالتَّقْدِيرُ: لَنْ تَدْفَعَ عَنْهُمُ الْأَمْوَالُ شَيْئًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
وَالْوَقُودُ بِالْفَتْحِ الْحَطَبُ، وَبِالضَّمِّ التَّوَقُّدُ، وَقِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى.
قَالَ تَعَالَى: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَدَأْبِ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; وَفِي ذَلِكَ الْمَحْذُوفِ أَقْوَالٌ.
أَحَدُهَا تَقْدِيرُهُ: كَفَرُوا كُفْرًا كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَلَيْسَ الْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ هَاهُنَا هُوَ الَّذِي فِي صِلَةِ الَّذِينَ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدِ انْقَطَعَ تَعَلُّقُهُ بِالْكَافِ ; لِأَجْلِ اسْتِيفَاءِ الَّذِينَ خَبَرَهُ، وَلَكِنْ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ «كَفَرُوا» الَّتِي هِيَ صِلَةٌ.
وَالثَّانِي: تَقْدِيرُهُ: عُذِّبُوا عَذَابًا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَدَلَّ عَلَيْهِ أُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ.
وَالثَّالِثُ: تَقْدِيرُهُ: بَطُلَ انْتِفَاعُهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وَالرَّابِعُ: تَقْدِيرُهُ: كَذَّبُوا تَكْذِيبًا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الضَّمِيرُ فِي كَذَّبُوا لَهُمْ، وَفِي ذَلِكَ تَخْوِيفٌ لَهُمْ لِعِلْمِهِمْ بِمَا حَلَّ بِآلِ فِرْعَوْنَ، وَفِي أَخْذِهِ لِآلِ فِرْعَوْنَ.
(وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) : عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ.
стр. 243
وَقِيلَ: الْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرَ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: دَأْبُهُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ; فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ فِي (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ جَرٌّ بِالْعَطْفِ أَيْضًا، وَكَذَّبُوا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَ «قَدْ» مَعَهُ مُرَادَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا لَا مَوْضِعَ لَهُ ذُكِرَ لِشَرْحِ حَالِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ تَمَّ عَلَى فِرْعَوْنَ، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مُبْتَدَأٌ، وَ «كَذَّبُوا» خَبَرُهُ. وَ (شَدِيدُ الْعِقَابِ) : تَقْدِيرُهُ: شَدِيدٌ عِقَابُهُ ; فَالْإِضَافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ.
وَقِيلَ: شَدِيدٌ هُنَا بِمَعْنَى مُشَدَّدٌ ; فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مِنْ إِضَافَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَقَدْ جَاءَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ وَمُفْعَلٍ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ) : يُقْرَآنِ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ ; أَيْ وَاجَهَهُمْ بِذَلِكَ وَبِالْيَاءِ، تَقْدِيرُهُ: أَخْبِرْهُمْ بِأَحْوَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ.
(وَبِئْسَ الْمِهَادُ) : أَيْ جَهَنَّمُ، فَحَذَفَ الْمَخْصُوصَ بِالذَّمِّ.
قَالَ تَعَالَى: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ) : آيَةٌ اسْمُ كَانَ ; وَلَمْ يُؤَنَّثْ، لِأَنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَلِأَنَّهُ فُصِلَ ; وَلِأَنَّ الْآيَةَ وَالدَّلِيلَ بِمَعْنًى. وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: «لَكُمْ» وَ «فِئَتَيْنِ» نَعْتٌ لِآيَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ «فِي فِئَتَيْنِ» ، وَلَكُمْ مُتَعَلِّقٌ بِكَانَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَكُمْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ عَلَى أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِآيَةٍ ; أَيْ آيَةٌ كَائِنَةٌ لَكُمْ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ.
стр. 244
وَ (الْتَقَتَا) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ نَعْتًا لِفِئَتَيْنِ. وَ (فِئَةٌ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ إِحْدَاهُمَا فِئَةٌ.
(وَأُخْرَى) : نَعْتٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وَفِئَةٌ أُخْرَى «كَافِرَةٌ» .
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا قَرَّرْتَ فِي الْأَوَّلِ إِحْدَاهُمَا مُبْتَدَأً كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ وَالْأُخْرَى ; أَيْ وَالْأُخْرَى فِئَةٌ كَافِرَةٌ.
قِيلَ: لَمَّا عُلِمَ أَنَّ التَّفْرِيقَ هُنَا لِنَفْسِ الْمُثَنَّى الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ كَانَ التَّعْرِيفُ وَالتَّنْكِيرُ وَاحِدًا.
وَيُقْرَأُ فِي الشَّاذِّ «فِئَةٌ تُقَاتِلُ، وَأُخْرَى كَافِرَةٌ» بِالْجَرِّ فِيهِمَا عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ فِئَتَيْنِ.
وَيُقْرَأُ أَيْضًا بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْتَقَتَا ; تَقْدِيرُهُ: الْتَقَتَا مُؤْمِنَةٌ وَكَافِرَةٌ. وَفِئَةٌ وَأُخْرَى عَلَى هَذَا لِلْحَالِ.
وَقِيلَ: فِئَةٌ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا، عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ رَفَعَ، بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْتَقَتَا.
(تَرَوْنَهُمْ) : يُقْرَأُ بِالتَّاءِ مَفْتُوحَةً، وَهُوَ مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ.
وَ (مِثْلَيْهِمْ) : حَالٌ ; وَ (رَأْيَ الْعَيْنِ) : مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ.
وَيُقْرَأُ فِي الشَّاذِّ «تَرَوْنَهُمْ» بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَهُوَ مِنْ أَوْرَى إِذَا دَلَّهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ ; كَقَوْلِكَ أَرَيْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ وَيُقْرَأُ فِي الْمَشْهُورِ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ.
فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالتَّاءِ فَلِأَنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ خِطَابٌ، وَمَوْضِعُ الْجُمْلَةِ عَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا صِفَةً لِفِئَتَيْنِ ; لِأَنَّ فِيهَا ضَمِيرًا يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْكَافِ فِي لَكُمْ.
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالْيَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى التَّاءِ، إِلَّا أَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ ; وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَقَدْ ذُكِرَ نَحْوُهُ.
стр. 245
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ عَلَى كُلِّ الْأَقْوَالِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: رَأْيَ الْعَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ رُؤْيَةَ الْقَلْبِ عِلْمٌ، وَمُحَالٌ أَنْ يَعْلَمَ الشَّيْءَ شَيْئَيْنِ.
(يُؤَيِّدُ) : يُقْرَأُ بِالْهَمْزِ عَلَى الْأَصْلِ وَبِالتَّخْفِيفِ ; وَتَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ هُنَا جَعْلُهَا وَاوًا خَالِصَةً ; لِأَجْلِ الضَّمَّةِ قَبْلَهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ لِقُرْبِهَا مِنَ الْأَلِفِ.
وَلَا يَكُونُ مَا قَبْلَ الْأَلِفِ إِلَّا مَفْتُوحًا، وَلِذَلِكَ لَمْ تُجْعَلِ الْهَمْزَةُ الْمَبْدُوءُ بِهَا بَيْنَ بَيْنَ لِاسْتِحَالَةِ الِابْتِدَاءِ بِالْأَلِفِ.
قَالَ تَعَالَى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (زُيِّنَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الزَّايِ، وَرَفْعِ «حُبُّ» .
وَيُقْرَأُ بِالْفَتْحِ وَنَصْبِ حُبُّ، تَقْدِيرُهُ: زَيَّنَ لِلنَّاسِ الشَّيْطَانُ عَلَى مَا جَاءَ صَرِيحًا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى، وَحُرِّكَتِ الْهَاءُ فِي «الشَّهَوَاتِ» ; لِأَنَّهَا اسْمٌ غَيْرُ صِفَةٍ.
(مِنَ النِّسَاءِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الشَّهَوَاتِ. وَالنُّونُ فِي الْقِنْطَارِ أَصْلٌ، وَوَزْنُهُ فِعْلَالٌ مِثْلُ حِمْلَاقٌ. وَقِيلَ: هِيَ زَائِدَةٌ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ قَطَرَ يَقْطُرُ إِذَا جَرَى، وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ يُشَبَّهَانِ بِالْمَاءِ فِي الْكَثْرَةِ وَسُرْعَةِ التَّقَلُّبِ.
و ﴿من الذَّهَب﴾ فى مَوضِع الْحَال من المقنطرة
(وَالْخَيْلِ) : مَعْطُوفٌ عَلَى النِّسَاءِ، لَا عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ; لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى قِنْطَارًا وَوَاحِدُ الْخَيْلِ خَائِلٌ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخُيَلَاءِ، مِثْلُ طَيْرٍ وَطَائِرٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ بَلْ هُوَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ، وَالْوَاحِدُ فَرَسٌ، وَلَفْظُهُ لَفْظُ الْمَصْدَرِ.
стр. 246
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِنْ خَيَّلَ. وَلَمْ يَجْمَعِ «الْحَرْثَ» ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ ; وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِدْغَامُ الثَّاءِ فِي الذَّالِ هُنَا لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ ; لِأَنَّ الرَّاءَ سَاكِنَةٌ، فَأَمَّا الْإِدْغَامُ فِي قَوْلِهِ «يَلْهَثُ ذَلِكَ» فَجَائِزٌ.
وَ (الْمَآبِ) : مَفْعَلٌ، مِنْ آبَ يَئُوبُ، وَالْأَصْلُ مَأْوَبٌ، فَلَمَّا تَحَرَّكَتِ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ آبَ، قُلِبَتْ أَلِفًا.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ) : يُقْرَأُ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ، وَتُقْلَبُ الثَّانِيَةُ وَاوًا خَاصَّةً ; لِانْضِمَامِهَا وَتَلْيِينِهَا، وَهُوَ جَعْلُهَا بَيْنَ الْوَاوِ وَالْهَمْزَةِ، وَسَوَّغَ ذَلِكَ انْفِتَاحُ مَا قَبْلَهَا.
(بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ) : «مِنْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِخَيْرٍ ; تَقْدِيرُهُ: بِمَا يَفْضُلُ ذَلِكَ، وَلَا
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِخَيْرٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الْجَنَّةُ وَمَا فِيهَا مِمَّا رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا لِمَا زَهِدُوا فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا. (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) : خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ «جَنَّاتٌ» . وَ (تَجْرِي) : صِفَةٌ لَهَا.
وَ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) : يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلِاسْتِقْرَارِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْجَنَّاتِ فِي الْأَصْلِ قُدِّمَ فَانْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ تَجْرِي. وَ (مِنْ تَحْتِهَا) : مُتَعَلِّقٌ بِتَجْرِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْأَنْهَارِ ; أَيْ تَجْرِي الْأَنْهَارُ كَائِنَةً تَحْتَهَا
стр. 247
وَيُقْرَأُ جَنَّاتٌ بِكَسْرِ التَّاءِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَجْرُورٌ بَدَلًا مِنْ خَيْرٍ، فَيَكُونُ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عَلَى هَذَا صِفَةٌ لِخَيْرٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي أَوْ بَدَلًا مِنْ مَوْضِعِ بِخَيْرٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّفْعُ عَلَى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُوَ جَنَّاتٌ ; وَمِثْلُهُ: (بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ) [الْحَجِّ: ٢٧] وَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَ (خَالِدِينَ فِيهَا) : حَالٌ إِنْ شِئْتَ مِنَ الْهَاءِ فِي تَحْتِهَا، وَإِنْ شِئْتَ مِنَ الضَّمِيرِ فِي اتَّقَوْا، وَالْعَامِلُ الِاسْتِقْرَارُ، وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ.
(وَأَزْوَاجٌ) : مَعْطُوفٌ عَلَى جَنَّاتٍ بِالرَّفْعِ. فَأَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى فَيَكُونُ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ «وَلَهُمْ أَزْوَاجٌ» . (وَرِضْوَانٌ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ، وَنَظِيرُ الْكَسْرِ الْإِتْيَانُ وَالْحِرْمَانُ، وَنَظِيرُ الضَّمِّ الشُّكْرَانُ وَالْكُفْرَانُ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا، أَوْ بَدَلًا مِنْهُ.
وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْعِبَادِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَخْصِيصًا لِعِلْمِ اللَّهِ، وَهُوَ جَائِزٌ عَلَى ضَعْفِهِ، وَيَكُونُ الْوَجْهُ فِيهِ إِعْلَامُهُمْ بِأَنَّهُ عَالِمٌ بِمِقْدَارِ مَشَقَّتِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ، فَهُوَ يُجَازِيهِمْ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ) [النِّسَاءِ: ٢٥] ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ «هُمْ» .
قَالَ تَعَالَى: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)) .
стр. 248
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الصَّابِرِينَ) : وَمَا بَعْدَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا، وَأَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا صِفَةً لِلَّذِينِ إِذَا جَعَلْتَهُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ أَوْ نَصْبٍ، وَإِنْ جَعَلْتَ الَّذِينَ رَفْعًا نَصَبْتَ الصَّابِرِينَ بِأَعْنِي.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ دَخَلَتِ الْوَاوُ فِي هَذِهِ وَكُلُّهَا لِقَبِيلٍ وَاحِدٍ؟ .
فَفِيهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصِّفَاتِ إِذَا تَكَرَّرَتْ جَازَ أَنْ يُعْطَفَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْصُوفُ بِهَا وَاحِدًا، وَدُخُولُ الْوَاوِ فِي مِثْلِ هَذَا الضَّرْبِ تَفْخِيمٌ ; لِأَنَّهُ يُؤْذِنُ بِأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِالْمَدْحِ. وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُتَفَرِّقَةٌ فِيهِمْ، فَبَعْضُهُمْ صَابِرٌ، وَبَعْضُهُمْ صَادِقٌ، فَالْمَوْصُوفُ بِهَا مُتَعَدِّدٌ.
قَالَ تَعَالَى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (شَهِدَ اللَّهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ وَفَاعِلٌ.
وَيُقْرَأُ «شُهَدَاءُ اللَّهِ» : جَمْعُ شَهِيدٍ، أَوْ شَاهِدٍ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَزِيَادَةِ لَامٍ مَعَ اسْمِ اللَّهِ، وَهُوَ حَالٌ مِنْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى تَقْدِيرِ: هُمْ شُهَدَاءُ.
وَيُقْرَأُ «شُهَدَاءُ اللَّهِ» بِالرَّفْعِ وَالْإِضَافَةِ.
وَ (أَنَّهُ) : أَيْ بِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَوْ جَرٍّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. (قَائِمًا) : حَالٌ مِنْ هُوَ وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الْجُمْلَةِ ; أَيْ يُفْرَدُ قَائِمًا.
وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنَ اسْمِ اللَّهِ ; أَيْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْقَائِمَ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
(الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) : مِثْلُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ فِي قَوْلِهِ: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [الْبَقَرَةِ: ١٦٣] وَقَدْ ذُكِرَ.
стр. 249
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الدِّينَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَيُقْرَأُ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ مَصْدَرٌ، وَمَوْضِعُهُ جَرٌّ، بَدَلًا مِنْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ; أَيْ شَهِدَ اللَّهُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ بِأَنَّ الدِّينَ. وَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْقِسْطِ.
وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنَ الْمَوْضِعِ. وَالْبَدَلُ عَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا بَدَلُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وَهُوَ هُوَ. وَيَجُوزُ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ. (عِنْدَ اللَّهِ) : ظَرْفٌ الْعَامِلُ فِيهِ الدِّينُ، وَلَيْسَ بِحَالٍ مِنْهُ ; لِأَنَّ أَنْ تَعْمَلُ فِي الْحَالِ. (بَغْيًا) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ ; وَالتَّقْدِيرُ: اخْتَلَفُوا بَعْدَ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ لِلْبَغْيِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ (وَمَنْ يَكْفُرْ) : «مِنْ» مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ يَكْفُرُ. وَقِيلَ: الْجُمْلَةُ مِنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ هِيَ الْخَبَرُ.
وَقِيلَ: الْخَبَرُ هُوَ الْجَوَابُ، وَالتَّقْدِيرُ: سَرِيعُ الْحِسَابِ لَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنِ اتَّبَعَنِ) : «مَنْ» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلَى التَّاءِ فِي أَسْلَمْتُ ; أَيْ وَأَسَلَمَ مَنِ اتَّبَعَنِي وُجُوهَهُمْ لِلَّهِ.
وَقِيلَ: هُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ كَذَلِكَ.
стр. 250
وَيَجُوزُ إِثْبَاتُ الْيَاءِ عَلَى الْأَصْلِ، وَحَذْفُهَا تَشْبِيهًا لَهُ بِرُءُوسِ الْآيِ وَالْقَوَافِي كَقَوْلِ الْأَعْشَى: فَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيَادِي الْبِلَا دَ مِنْ حَذَرِ الْمَوْتِ أَنْ يَأْتِيَنْ.
وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ (أَأَسْلَمْتُمْ) : هُوَ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ ; أَيْ أَسْلَمُوا، كَقَوْلِهِ: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [الْمَائِدَةِ: ٩١] ; أَيِ انْتَهُوا.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَبَشِّرْهُمْ) : هُوَ خَبَرُ إِنَّ، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِيهِ حَيْثُ كَانَتْ صِلَةَ الَّذِي فِعْلًا، وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِاسْتِحْقَاقِ الْبِشَارَةِ بِالْعَذَابِ جَزَاءً عَلَى الْكُفْرِ، وَلَا تَمْنَعُ إِنَّ مِنْ دُخُولِ الْفَاءِ فِي الْخَبَرِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تُغَيِّرْ مَعْنَى الِابْتِدَاءِ بَلْ أَكَّدَتْهُ، فَلَوْ دَخَلَتْ عَلَى الَّذِي «كَأَنَّ» ، أَوْ «لَيْتَ» لَمْ يَجُزْ دُخُولُ الْفَاءِ فِي الْخَبَرِ. وَيُقْرَأُ: (وَيُقَاتِلُونَ النَّبِيِّينَ) ، (وَيَقْتُلُونَ) هُوَ الْمَشْهُورُ وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُدْعَوْنَ) : فِي مَوْضِعِ حَالٍ مِنَ الَّذِينَ: (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةً لِفَرِيقٍ ; أَوْ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [الْبَقَرَةِ: ٢١٦] .
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)) .
следующие страницы →