← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِنْ خَيَّلَ. وَلَمْ يَجْمَعِ «الْحَرْثَ» ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ ; وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِدْغَامُ الثَّاءِ فِي الذَّالِ هُنَا لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ ; لِأَنَّ الرَّاءَ سَاكِنَةٌ، فَأَمَّا الْإِدْغَامُ فِي قَوْلِهِ «يَلْهَثُ ذَلِكَ» فَجَائِزٌ. وَ (الْمَآبِ) : مَفْعَلٌ، مِنْ آبَ يَئُوبُ، وَالْأَصْلُ مَأْوَبٌ، فَلَمَّا تَحَرَّكَتِ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ آبَ، قُلِبَتْ أَلِفًا. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ) : يُقْرَأُ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ، وَتُقْلَبُ الثَّانِيَةُ وَاوًا خَاصَّةً ; لِانْضِمَامِهَا وَتَلْيِينِهَا، وَهُوَ جَعْلُهَا بَيْنَ الْوَاوِ وَالْهَمْزَةِ، وَسَوَّغَ ذَلِكَ انْفِتَاحُ مَا قَبْلَهَا. (بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ) : «مِنْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِخَيْرٍ ; تَقْدِيرُهُ: بِمَا يَفْضُلُ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِخَيْرٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الْجَنَّةُ وَمَا فِيهَا مِمَّا رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا لِمَا زَهِدُوا فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا. (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) : خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ «جَنَّاتٌ» . وَ (تَجْرِي) : صِفَةٌ لَهَا. وَ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) : يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلِاسْتِقْرَارِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْجَنَّاتِ فِي الْأَصْلِ قُدِّمَ فَانْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ تَجْرِي. وَ (مِنْ تَحْتِهَا) : مُتَعَلِّقٌ بِتَجْرِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْأَنْهَارِ ; أَيْ تَجْرِي الْأَنْهَارُ كَائِنَةً تَحْتَهَا

стр. 247

وَيُقْرَأُ جَنَّاتٌ بِكَسْرِ التَّاءِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَجْرُورٌ بَدَلًا مِنْ خَيْرٍ، فَيَكُونُ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عَلَى هَذَا صِفَةٌ لِخَيْرٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي أَوْ بَدَلًا مِنْ مَوْضِعِ بِخَيْرٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّفْعُ عَلَى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُوَ جَنَّاتٌ ; وَمِثْلُهُ: (بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ) [الْحَجِّ: ٢٧] وَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَ (خَالِدِينَ فِيهَا) : حَالٌ إِنْ شِئْتَ مِنَ الْهَاءِ فِي تَحْتِهَا، وَإِنْ شِئْتَ مِنَ الضَّمِيرِ فِي اتَّقَوْا، وَالْعَامِلُ الِاسْتِقْرَارُ، وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ. (وَأَزْوَاجٌ) : مَعْطُوفٌ عَلَى جَنَّاتٍ بِالرَّفْعِ. فَأَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى فَيَكُونُ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ «وَلَهُمْ أَزْوَاجٌ» . (وَرِضْوَانٌ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ، وَنَظِيرُ الْكَسْرِ الْإِتْيَانُ وَالْحِرْمَانُ، وَنَظِيرُ الضَّمِّ الشُّكْرَانُ وَالْكُفْرَانُ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا، أَوْ بَدَلًا مِنْهُ. وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْعِبَادِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَخْصِيصًا لِعِلْمِ اللَّهِ، وَهُوَ جَائِزٌ عَلَى ضَعْفِهِ، وَيَكُونُ الْوَجْهُ فِيهِ إِعْلَامُهُمْ بِأَنَّهُ عَالِمٌ بِمِقْدَارِ مَشَقَّتِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ، فَهُوَ يُجَازِيهِمْ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ) [النِّسَاءِ: ٢٥] ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ «هُمْ» . قَالَ تَعَالَى: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)) .

стр. 248

قَوْلُهُ تَعَالَى: (الصَّابِرِينَ) : وَمَا بَعْدَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا، وَأَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا صِفَةً لِلَّذِينِ إِذَا جَعَلْتَهُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ أَوْ نَصْبٍ، وَإِنْ جَعَلْتَ الَّذِينَ رَفْعًا نَصَبْتَ الصَّابِرِينَ بِأَعْنِي. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ دَخَلَتِ الْوَاوُ فِي هَذِهِ وَكُلُّهَا لِقَبِيلٍ وَاحِدٍ؟ . فَفِيهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصِّفَاتِ إِذَا تَكَرَّرَتْ جَازَ أَنْ يُعْطَفَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْصُوفُ بِهَا وَاحِدًا، وَدُخُولُ الْوَاوِ فِي مِثْلِ هَذَا الضَّرْبِ تَفْخِيمٌ ; لِأَنَّهُ يُؤْذِنُ بِأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِالْمَدْحِ. وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُتَفَرِّقَةٌ فِيهِمْ، فَبَعْضُهُمْ صَابِرٌ، وَبَعْضُهُمْ صَادِقٌ، فَالْمَوْصُوفُ بِهَا مُتَعَدِّدٌ. قَالَ تَعَالَى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (شَهِدَ اللَّهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ وَفَاعِلٌ. وَيُقْرَأُ «شُهَدَاءُ اللَّهِ» : جَمْعُ شَهِيدٍ، أَوْ شَاهِدٍ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَزِيَادَةِ لَامٍ مَعَ اسْمِ اللَّهِ، وَهُوَ حَالٌ مِنْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى تَقْدِيرِ: هُمْ شُهَدَاءُ. وَيُقْرَأُ «شُهَدَاءُ اللَّهِ» بِالرَّفْعِ وَالْإِضَافَةِ. وَ (أَنَّهُ) : أَيْ بِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَوْ جَرٍّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. (قَائِمًا) : حَالٌ مِنْ هُوَ وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الْجُمْلَةِ ; أَيْ يُفْرَدُ قَائِمًا. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنَ اسْمِ اللَّهِ ; أَيْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْقَائِمَ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) : مِثْلُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ فِي قَوْلِهِ: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [الْبَقَرَةِ: ١٦٣] وَقَدْ ذُكِرَ.

стр. 249

قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الدِّينَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَيُقْرَأُ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ مَصْدَرٌ، وَمَوْضِعُهُ جَرٌّ، بَدَلًا مِنْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ; أَيْ شَهِدَ اللَّهُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ بِأَنَّ الدِّينَ. وَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْقِسْطِ. وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنَ الْمَوْضِعِ. وَالْبَدَلُ عَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا بَدَلُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وَهُوَ هُوَ. وَيَجُوزُ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ. (عِنْدَ اللَّهِ) : ظَرْفٌ الْعَامِلُ فِيهِ الدِّينُ، وَلَيْسَ بِحَالٍ مِنْهُ ; لِأَنَّ أَنْ تَعْمَلُ فِي الْحَالِ. (بَغْيًا) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ ; وَالتَّقْدِيرُ: اخْتَلَفُوا بَعْدَ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ لِلْبَغْيِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ (وَمَنْ يَكْفُرْ) : «مِنْ» مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ يَكْفُرُ. وَقِيلَ: الْجُمْلَةُ مِنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ هِيَ الْخَبَرُ. وَقِيلَ: الْخَبَرُ هُوَ الْجَوَابُ، وَالتَّقْدِيرُ: سَرِيعُ الْحِسَابِ لَهُ. قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنِ اتَّبَعَنِ) : «مَنْ» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلَى التَّاءِ فِي أَسْلَمْتُ ; أَيْ وَأَسَلَمَ مَنِ اتَّبَعَنِي وُجُوهَهُمْ لِلَّهِ. وَقِيلَ: هُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ كَذَلِكَ.

стр. 250

وَيَجُوزُ إِثْبَاتُ الْيَاءِ عَلَى الْأَصْلِ، وَحَذْفُهَا تَشْبِيهًا لَهُ بِرُءُوسِ الْآيِ وَالْقَوَافِي كَقَوْلِ الْأَعْشَى: فَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيَادِي الْبِلَا دَ مِنْ حَذَرِ الْمَوْتِ أَنْ يَأْتِيَنْ. وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ (أَأَسْلَمْتُمْ) : هُوَ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ ; أَيْ أَسْلَمُوا، كَقَوْلِهِ: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [الْمَائِدَةِ: ٩١] ; أَيِ انْتَهُوا. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَبَشِّرْهُمْ) : هُوَ خَبَرُ إِنَّ، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِيهِ حَيْثُ كَانَتْ صِلَةَ الَّذِي فِعْلًا، وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِاسْتِحْقَاقِ الْبِشَارَةِ بِالْعَذَابِ جَزَاءً عَلَى الْكُفْرِ، وَلَا تَمْنَعُ إِنَّ مِنْ دُخُولِ الْفَاءِ فِي الْخَبَرِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تُغَيِّرْ مَعْنَى الِابْتِدَاءِ بَلْ أَكَّدَتْهُ، فَلَوْ دَخَلَتْ عَلَى الَّذِي «كَأَنَّ» ، أَوْ «لَيْتَ» لَمْ يَجُزْ دُخُولُ الْفَاءِ فِي الْخَبَرِ. وَيُقْرَأُ: (وَيُقَاتِلُونَ النَّبِيِّينَ) ، (وَيَقْتُلُونَ) هُوَ الْمَشْهُورُ وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُدْعَوْنَ) : فِي مَوْضِعِ حَالٍ مِنَ الَّذِينَ: (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةً لِفَرِيقٍ ; أَوْ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [الْبَقَرَةِ: ٢١٦] . قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)) .

стр. 251

قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ ذَلِكَ الْأَمْرُ ذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: (بِأَنَّهُمْ قَالُوا) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِمَّا فِي ذَا مِنْ مَعْنَى الْإِشَارَةِ ; أَيْ ذَلِكَ الْأَمْرُ مُسْتَحَقًّا بِقَوْلِهِمْ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَالْجَيِّدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ وَبِأَنَّهُمْ خَبَرُهُ ; أَيْ ذَلِكَ الْعَذَابُ مُسْتَحَقٌّ بِقَوْلِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ) كَيْفَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَصْنَعُونَ، أَوْ كَيْفَ يَكُونُونَ. وَقِيلَ: كَيْفَ ظَرْفٌ لِهَذَا الْمَحْذُوفِ، وَإِذَا ظَرْفٌ لِلْمَحْذُوفِ أَيْضًا. قَالَ تَعَالَى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلِ اللَّهُمَّ) : الْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ عِوَضٌ مِنْ يَاءٍ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَصْلُ يَا اللَّهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ، وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ، وَمَوْضِعُ بَيَانِ ضَعْفِهِ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ. (مَالِكَ الْمُلْكِ) : هُوَ نِدَاءٌ ثَانٍ ; ; أَيْ يَا مَالِكَ الْمُلْكِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلَى الْمَوْضِعِ ; لِأَنَّ الْمِيمَ فِي آخِرِ الْمُنَادَى تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَأَجَازَ الْمُبَرِّدُ وَالزَّجَّاجُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً. (تُؤْتِي الْمُلْكَ) : هُوَ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْمَعْطُوفَاتِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ أَنْتَ. وَقِيلَ: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ. وَقِيلَ: الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْمُنَادَى ; وَانْتِصَابُ الْحَالِ عَلَى الْمُنَادَى مُخْتَلَفٌ

стр. 252

فِيهِ ; وَالتَّقْدِيرُ: مَنْ يَشَاءُ إِتْيَانُهُ إِيَّاهُ، وَمَنْ يَشَاءُ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ. (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) : مُسْتَأْنَفٌ. وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْجُمَلِ. قَالَ تَعَالَى: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) : يُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) [الْبَقَرَةِ: ١٧٣] . (بِغَيْرِ حِسَابٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ الْمَحْذُوفِ ; أَيْ تَرْزَقُ مَنْ تَشَاؤُهُ غَيْرَ مُحَاسِبٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ ; أَيْ تَشَاءُ غَيْرَ مُحَاسِبٍ لَهُ، أَوْ غَيْرَ مُضَيِّقٍ لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ رِزْقًا غَيْرَ قَلِيلٍ. قَالَ تَعَالَى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ) : هُوَ نَهْيٌ. وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ فِيهِ الرَّفْعَ عَلَى الْخَبَرِ، وَالْمَعْنَى لَا يَبْتَغِي. (مِنْ دُونِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةً لِأَوْلِيَاءَ. (فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) : التَّقْدِيرُ: فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ دِينِ اللَّهِ، فَمِنَ اللَّهِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ; لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا. (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا) : هَذَا رُجُوعٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ، وَمَوْضِعُ أَنْ تَتَّقُوا نَصْبٌ ; لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ،

стр. 253

وَأَصْلُ (تُقَاةً) وُقْيَةٌ، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ تَاءً لِانْضِمَامِهَا ضَمًّا لَازِمًا ; مِثْلَ تُجَاهٍ، وَأُبْدِلَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَانْتِصَابُهَا عَلَى الْحَالِ. وَيُقْرَأُ تَقِيَّةً، وَوَزْنُهَا فَعِيلَةٌ، وَالْيَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ أَيْضًا. (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) : أَيْ عِقَابَ نَفْسِهِ، كَذَا قَالَ الزَّجَّاجُ. وَقَالَ غَيْرُهُ لَا حَذْفَ هُنَا. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) : هُوَ مُسْتَأْنَفٌ ; وَلَيْسَ مِنْ جَوَابِ الشَّرْطِ ; لِأَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِيهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ. قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ تَجِدُ) : يَوْمَ هُنَا مَفْعُولٌ بِهِ ; أَيِ اذْكُرْ. وَقِيلَ: هُوَ ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ «قَدِيرٌ» . وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِيهِ «وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ» . وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِيهِ «وَيُحَذِّرُكُمُ» ; أَوْ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ عِقَابَهُ يَوْمَ تَجِدُ فَالْعَامِلُ فِيهِ الْعِقَابُ لَا التَّحْذِيرُ. (مَا عَمِلَتْ) : مَا فِيهِ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ مَفْعُولٌ أَوَّلُ، وَ (مُحْضَرًا) : الْمَفْعُولُ الثَّانِي، هَكَذَا ذَكَرُوا، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ (مُحْضَرًا) حَالًا، وَنَجِدُ الْمُتَعَدِّيَةُ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ. (وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي أَيْضًا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْأُولَى ; وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ مُحْضَرًا أَيْضًا. وَ (تَوَدُّ) : عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ تَجِدُ.

стр. 254

وَالثَّانِي: أَنَّهَا شَرْطٌ، وَارْتَفَعَ تَوَدُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْفَاءَ ; أَيْ فَهِيَ تَوَدُّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَذْفٍ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ هُنَا مَاضٍ، وَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الشَّرْطِ لَفْظُ الْجَزْمِ جَازَ فِي الْجَزَاءِ الْجَزْمُ وَالرَّفْعُ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا، فَتَكُونُ التَّاءُ مَحْذُوفَةً ; أَيْ فَإِنْ تَتَوَلَّوْا ; وَهُوَ خِطَابٌ كَالَّذِي قَبْلَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْغَيْبَةِ، فَيَكُونُ لَفْظُهُ لَفْظُ الْمَاضِي. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذُرِّيَّةً) : قَدْ ذَكَرْنَا وَزْنَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْقِرَاءَاتِ، فَأَمَّا نَصْبُهَا فَعَلَى الْبَدَلِ مِنْ نُوحٍ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ آدَمَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذُرِّيَّةٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْهُمْ أَيْضًا، وَالْعَامِلُ فِيهَا اصْطَفَى. (بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِذُرِّيَّةً. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ قَالَتِ) : قِيلَ: تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ. وَقِيلَ: هُوَ ظَرْفٌ لِعَلِيمٍ. وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِيهِ اصْطَفَى الْمُقَدَّرَةُ مَعَ آلِ عِمْرَانَ. (مُحَرَّرًا) : حَالٌ مِنْ «مَا» وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِي ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مِمَّنْ يَعْقِلُ بَعْدُ

стр. 255

وَقِيلَ: هُوَ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ غُلَامًا مُحَرَّرًا، وَإِنَّمَا قَدَّرُوا غُلَامًا ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَجْعَلُونَ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَّا الرِّجَالَ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَضَعْتُهَا أُنْثَى) : أُنْثَى حَالٌ مِنَ الْهَاءِ أَوْ بَدَلٌ مِنْهَا. (بِمَا وَضَعَتْ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ التَّاءِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهَا، بَلْ مُعْتَرِضٌ ; وَجَازَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الرَّبِّ تَعَالَى وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّ التَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهَا وَالْأُولَى أَقْوَى ; لِأَنَّ الْوَجْهَ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُقَالَ: وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ. وَوَجْهُ جَوَازِهِ أَنَّهَا وَضَعَتِ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ تَفْخِيمًا. وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ التَّاءِ، كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهَا ذَلِكَ. (سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) : هَذَا الْفِعْلُ مِمَّا يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي تَارَةً بِنَفْسِهِ، وَتَارَةً بِحَرْفِ الْجَرِّ، تَقُولُ الْعَرَبُ: سَمَّيْتُكَ زَيْدًا، وَبِزَيْدٍ. قَالَ تَعَالَى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) : هُوَ هُنَا مَصْدَرٌ عَلَى غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ نَائِبٌ عَنْ إِثْبَاتٍ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَنَبَتَتْ نَبَاتًا، وَالنَّبْتُ وَالنَّبَاتَ بِمَعْنًى ; وَقَدْ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنِ النَّابِتِ. وَتَقَبَّلَهَا: أَيْ قَبِلَهَا،

стр. 256

وَيُقْرَأُ عَلَى لَفْظِ الدُّعَاءِ فِي تَقَبَّلَهَا وَأَنْبَتَهَا وَكَفَّلَهَا، وَرَبَّهَا بِالنَّصْبِ ; أَيْ يَا رَبَّهَا وَ «زَكَرِيَّا» الْمَفْعُولُ الثَّانِي. وَيُقْرَأُ فِي الْمَشْهُورِ كَفَّلَهَا بِفَتْحِ الْفَاءِ. وَقُرِئَ أَيْضًا بِكَسْرِهَا، وَهِيَ لُغَةٌ يُقَالُ كَفِلَ يَكْفَلُ مِثْلُ عَلِمَ يَعْلَمُ. وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ، وَالْفَاعِلُ اللَّهُ، وَزَكَرِيَّا الْمَفْعُولُ. وَهَمْزَةُ زَكَرِيَّا لِلتَّأْنِيثِ، إِذْ لَيْسَتْ مُنْقَلِبَةً وَلَا زَائِدَةَ لِلتَّكْثِيرِ وَلَا لِلْإِلْحَاقِ. وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: هَذِهِ إِحْدَاهَا. وَالثَّانِيَةُ: الْقَصْرُ. وَالثَّالِثَةُ: زَكَرِيُّ بِيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ. وَالرَّابِعَةُ: زَكَرُ بِغَيْرِ يَاءٍ) . (كُلَّمَا) : قَدْ ذَكَرْنَا إِعْرَابَهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ. وَ (الْمِحْرَابَ) : مَفْعُولُ دَخَلَ، وَحَقُّ «دَخَلَ» أَنْ يَتَعَدَّى بِفِي أَوْ بِإِلَى، لَكِنَّهُ اتُّسِعَ فِيهِ فَأُوصِلَ بِنَفْسِهِ إِلَى الْمَفْعُولِ. وَ (عِنْدَهَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِوَجَدَ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الرِّزْقِ، وَهُوَ صِفَةٌ لَهُ فِي الْأَصْلِ ; أَيْ رِزْقًا كَائِنًا عِنْدَهَا. وَ (وَجَدَ) الْمُتَعَدِّي إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ جَوَابُ كُلَّمَا. وَأَمَّا (قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ) : فَهُوَ مُسْتَأْنَفٌ ; فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْطِفْهُ بِالْفَاءِ، وَلِذَلِكَ «قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَالَ بَدَلًا مِنْ وَجَدَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَقَالَ، فَحَذَفَ الْفَاءَ كَمَا حُذِفَتْ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الْأَنْعَامِ: ١٢١] ; وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا. وَهَذَا الْمَوْضِعُ يُشْبِهُ جَوَابَ الشَّرْطِ ; لِأَنَّ «كُلَّمَا» تُشْبِهُ الشَّرْطَ فِي اقْتِضَائِهَا الْجَوَابَ.

стр. 257

(هَذَا) : مُبْتَدَأٌ، وَأَنَّى خَبَرُهُ ; وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ أَيْنَ وَ «لَكِ» تَبْيِينٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ هَذَا بِلَكِ، وَأَنَّى ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرَارِ. قَالَ تَعَالَى: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُنَالِكَ) : أَكْثَرُ مَا يَقَعُ هُنَا ظَرْفُ مَكَانٍ، وَهُوَ أَصْلُهَا، وَقَدْ وَقَعَتْ هُنَا زَمَانًا، فَهِيَ فِي ذَلِكَ كَعِنْدَ فَإِنَّكَ تَجْعَلُهَا زَمَانًا، وَأَصْلُهَا الْمَكَانُ، كَقَوْلِكَ أَتَيْتُكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقِيلَ: هُنَا مَكَانٌ ; أَيْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ دَعَا زَكَرِيَّا، وَالْكَافُ حَرْفٌ لِلْخِطَابِ، وَبِهَا تَصِيرُ هُنَا لِلْمَكَانِ الْبَعِيدِ عَنْكَ، وَدَخَلَتِ اللَّامُ لِزِيَادَةِ الْبُعْدِ، وَكُسِرَتْ عَلَى أَصْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ هِيَ وَالْأَلِفُ قَبْلَهَا. وَقِيلَ: كُسِرَتْ لِئَلَّا تَلْتَبِسَ بِلَامِ الْمِلْكِ، وَإِذَا حَذَفْتَ الْكَافَ فَقُلْتَ «هُنَا» لِلْمَكَانِ الْحَاضِرِ، وَالْعَامِلُ فِي هُنَا «دَعَا» . (قَالَ) : مِثْلُ (قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ) . (مِنْ لَدُنْكَ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَبْ لِي ; فَيَكُونُ «مِنْ» لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الْهِبَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ صِفَةً لِـ (ذُرِّيَّةً) : قُدِّمَتْ فَانْتَصَبَتْ عَلَى الْحَالِ. وَ (سَمِيعُ) : بِمَعْنَى سَامِعٍ. قَالَ تَعَالَى: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَنَادَتْهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى إِثْبَاتِ تَاءِ التَّأْنِيثِ ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ جَمَاعَةٌ.

стр. 258

وَكَرِهَ قَوْمٌ التَّاءَ ; لِأَنَّهَا لِلتَّأْنِيثِ، وَقَدْ زَعَمَتِ الْجَاهِلِيَّةُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ إِنَاثٌ، فَلِذَلِكَ قَرَأَ مَنْ قَرَأَ: (فَنَادَاهُ) بِغَيْرِ تَاءٍ وَالْقِرَاءَةُ بِهِ جَيِّدَةٌ ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ جَمْعٌ، وَمَا اعْتَلُّوا بِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى إِثْبَاتِ التَّاءِ فِي قَوْلِهِ: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ) [آلِ عِمْرَانَ: ٤٢] وَهُوَ قَائِمٌ حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِي نَادَتْهُ (يُصَلِّي) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَائِمٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةً لِقَائِمٌ. (أَنَّ اللَّهَ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ; أَيْ بِأَنَّ اللَّهَ وَبِكَسْرِهَا ; أَيْ قَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ ; لِأَنَّ النِّدَاءَ قَوْلٌ. (يُبَشِّرُكَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى التَّشْدِيدِ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الشِّينِ مُخَفَّفًا، وَبِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ مُخَفَّفًا أَيْضًا، يُقَالُ بَشَرْتُهُ وَبَشَّرْتُهُ وَأَبْشَرْتُهُ ; وَمِنْهُ قَوْلُهُ: (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ) [فُصِّلَتْ: ٣٠] . (يَحْيَى) : اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ ; وَقِيلَ: سُمِّي بِالْفِعْلِ الَّذِي مَاضِيهِ حَيَّ. (مُصَدِّقًا) : حَالٌ مِنْهُ. (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا) : كَذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (غُلَامٌ) : اسْمُ يَكُونُ، وَلِي خَبَرُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ يَكُونُ عَلَى أَنَّهَا تَامَّةٌ فَيَكُونُ لِي مُتَعَلِّقًا بِهَا أَوْ حَالًا مِنْ «غُلَامٌ» ; أَيْ «أَنَّى» يَحْدُثُ غُلَامٌ لِي؟ وَأَنَّى بِمَعْنَى كَيْفَ، أَوْ مِنْ أَيْنَ؟ .

стр. 259

(بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) : وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ (بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ) : وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ; لِأَنَّ مَا بَلَغَكَ فَقَدْ بَلَغْتَهُ (عَاقِرٌ) : أَيْ ذَاتُ عُقْرٍ فَهُوَ عَلَى النَّسَبِ ; وَهُوَ فِي الْمَعْنَى مَفْعُولٌ ; أَيْ مَعْقُورَةٌ ; وَلِذَلِكَ لَمْ تَلْحَقْ تَاءُ التَّأْنِيثِ. (كَذَلِكَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; أَيْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ فِعْلًا كَذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)) . قُولُهُ تَعَالَى: (اجْعَلْ لِي آيَةً) : أَيْ صَيِّرْ لِي ; فَآيَةٌ مَفْعُولٌ أَوَّلُ وَلِي مَفْعُولٌ ثَانٍ. (آيَتُكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (أَلَّا تُكَلِّمَ) : خَبَرُهُ ; وَإِنْ كَانَ قَدْ قُرِئَ تُكَلِّمُ بِالرَّفْعِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى تَقْدِيرِ: إِنَّكَ لَا تُكَلِّمُ ; كَقَوْلِهِ: (أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) [طه: ٨٩] . (إِلَّا رَمْزًا) : اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ; لِأَنَّ الْإِشَارَةَ لَيْسَتْ كَلَامًا. وَالْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ، وَهُوَ مَصْدَرُ رَمَزَ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا، وَهُوَ جَمْعُ رُمُزَةٍ بِضَمَّتَيْنِ، وَأَقَرَّ ذَلِكَ فِي الْجَمْعِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسَكَّنَ الْمِيمِ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا أَتْبَعَ الضَّمُّ الضَّمَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا غَيْرَ جَمْعٍ وَضُمَّ إِتْبَاعًا كَالْيُسْرِ وَالْيُسُرِ. (كَثِيرًا) : أَيْ ذِكْرًا كَثِيرًا. وَ (الْعَشِيِّ) : مُفْرَدٌ. وَقِيلَ: جَمْعُ عَشِيَّةٍ. (وَالْإِبْكَارِ) : مَصْدَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَوَقْتَ الْإِبْكَارِ، يُقَالُ أَبْكَرَ إِذَا دَخَلَ فِي الْبُكْرَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)) .

стр. 260

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَتِ) : تَقْدِيرُهُ: وَاذْكُرْ إِذْ قَالَتْ وَإِنْ شِئْتَ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ) [آلِ عِمْرَانَ ٣٥] وَالْأَصْلُ فِي اصْطَفَى اصْتَفَى، ثُمَّ أُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً ; لِتُوَافِقَ الصَّادَ فِي الْإِطْبَاقِ. وَكَرَّرَ اصْطَفَى إِمَّا تَوْكِيدًا وَإِمَّا لِيُبَيِّنَ مَنِ اصْطَفَاهَا عَلَيْهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الْأَمْرُ ذَلِكَ ; فَعَلَى هَذَا «مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ» حَالٌ مِنْ ذَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبْتَدَأً، وَمِنْ أَنْبَاءِ خَبَرُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «نُوحِيهِ» خَبَرُ ذَلِكَ، وَ (مِنْ أَنْبَاءِ) حَالًا مِنَ الْهَاءِ فِي نُوحِيهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِنُوحِيهِ ; أَيِ الْإِيحَاءُ مَبْدُوءٌ بِهِ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ. (إِذْ يُلْقُونَ) : ظَرْفٌ لِكَانَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلِاسْتِقْرَارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ لَدَيْهِمْ. وَالْأَقْلَامُ جَمْعُ قَلَمٍ، وَالْقَلَمُ بِمَعْنَى الْمَقْلُومِ ; أَيِ الْمَقْطُوعِ ; كَالنَّقْضِ بِمَعْنَى الْمَنْقُوضِ ; وَالْقَبْضِ بِمَعْنَى الْمَقْبُوضِ. (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; أَيْ يَقْتَرِعُونَ أَيَّهُمْ، فَالْعَامِلُ فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ «يُلْقُونَ» وَ (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) مِثْلُ: (إِذْ يُلْقُونَ) . وَيَخْتَصِمُونَ بِمَعْنَى اخْتَصَمُوا، وَكَذَلِكَ يُلْقُونَ ; أَيْ أَلْقَوْا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَكَى الْحَالَ.

стр. 261

قَالَ تَعَالَى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ) : إِذْ بَدَلٌ مِنْ إِذَا الَّتِي قَبْلَهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَخْتَصِمُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ. (مِنْهُ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، وَمِنْ هُنَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ. (اسْمُهُ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «الْمَسِيحُ» خَبَرُهُ، وَ «عِيسَى» بَدَلٌ مِنْهُ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا آخَرَ ; لِأَنَّ تَعَدُّدَ الْأَخْبَارِ يُوجِبُ تَعَدُّدَ الْمُبْتَدَأِ. وَالْمُبْتَدَأُ هُنَا مُفْرَدٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ اسْمُهُ، وَلَوْ كَانَ عِيسَى خَبَرًا آخَرَ لَكَانَ أَسْمَاؤُهُ أَوْ أَسْمَاؤُهَا عَلَى تَأْنِيثِ الْكَلِمَةِ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِكَلِمَةٍ. وَ (ابْنُ مَرْيَمَ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُوَ ابْنُ. . . . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِمَّا قَبْلَهُ وَلَا صِفَةً ; لِأَنَّ ابْنَ مَرْيَمَ لَيْسَ بِاسْمٍ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَا تَقُولُ اسْمُ هَذَا الرَّجُلِ ابْنُ عَمْرٍو إِلَّا إِذَا كَانَ قَدْ عَلَّقَ عَلَمًا عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ الضَّمِيرَ فِي اسْمِهِ عَلَى مَعْنَى الْكَلِمَةِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِيُبَشِّرُكِ بِمُكَوَّنٍ أَوْ مَخْلُوقٍ. (وَجِيهًا - وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ - وَيُكَلِّمُ) : أَحْوَالٌ مُقَدَّرَةٌ، وَصَاحِبُهَا مَعْنَى الْكَلِمَةِ، وَهُوَ مُكَوَّنٌ أَوْ مَخْلُوقٌ. وَجَازَ أَنْ يَنْتَصِبَ الْحَالُ عَنْهُ وَهُوَ نَكِرَةٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ وُصِفَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحْوَالًا مِنَ الْمَسِيحِ، وَلَا مِنْ عِيسَى، وَلَا مِنَ ابْنِ مَرْيَمَ ; لِأَنَّهَا أَخْبَارٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الِابْتِدَاءُ أَوِ الْمُبْتَدَأُ أَوْ هُمَا، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَعْمَلُ فِي الْحَالِ.

стр. 262

وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَحْوَالًا مِنَ الْهَاءِ فِي اسْمِهِ ; لِلْفَصْلِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمَا، وَلِعَدَمِ الْعَامِلِ فِي الْحَالِ. قَالَ تَعَالَى: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الْمَهْدِ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُكَلِّمُ ; أَيْ يُكَلِّمُهُمْ صَغِيرًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا. : (وَكَهْلًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مَعْطُوفَةً عَلَى وَجِيهًا، وَأَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَوْضِعِ «فِي الْمَهْدِ» إِذَا جَعَلْتَهُ حَالًا. (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) : حَالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى وَجِيهًا. قَالَ تَعَالَى: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ) : قَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [آلِ عِمْرَانَ: ٤٠] قِصَّةَ زَكَرِيَّا. وَ (إِذَا قَضَى أَمْرًا) : مَشْرُوحٌ فِي الْبَقَرَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيُعَلِّمُهُ) : يُقْرَأُ بِالنُّونِ حَمْلًا عَلَى قَوْلِهِ: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) [آلِ عِمْرَانَ: ٤٤] وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ حَمْلًا عَلَى «يُبَشِّرُكَ» ، وَمَوْضِعُهُ حَالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى (وَجِيهًا) .

стр. 263

(وَرَسُولًا) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ صِفَةٌ مِثْلُ صَبُورٍ وَشَكُورٍ، فَيَكُونُ حَالًا أَيْضًا ; أَوْ مَفْعُولًا بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ: وَيَجْعَلُهُ رَسُولًا ; وَفَعُولٌ هُنَا بِمَعْنَى مُفْعَلٍ ; أَيْ مُرْسَلًا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: أَبْلِغْ أَبَا سَلْمَى رَسُولًا تُرَوِّعُهُ. فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعْطُوفًا عَلَى الْكِتَابِ ; أَيْ نُعَلِّمُهُ رِسَالَةً ; فَإِلَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِرَسُولٍ ; لِأَنَّهُمَا يَعْمَلَانِ عَمَلَ الْفِعْلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «إِلَى» نَعْتًا لِرَسُولٍ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. (أَنِّي) : فِي مَوْضِعِ الْجُمْلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: جَرٌّ ; أَيْ بِأَنِّي، وَذَلِكَ مَذْهَبُ الْخَلِيلِ، وَلَوْ ظَهَرَتِ الْبَاءُ لَتَعَلَّقَتْ بِرَسُولٍ، أَوْ بِمَحْذُوفٍ يَكُونُ صِفَةً لِرَسُولٍ ; أَيْ نَاطِقًا بِأَنِّي، أَوْ مُخْبِرًا. وَالثَّانِي: مَوْضِعُهَا نَصْبٌ عَلَى الْمَوْضِعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ: يَذْكُرُ أَنِّي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ رَسُولٍ إِذَا جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا تَقْدِيرُهُ: وَنُعَلِّمُهُ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ. وَالثَّالِثُ: مَوْضِعُهَا رَفْعٌ ; أَيْ هُوَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ إِذَا جَعَلْتَ رَسُولًا مَصْدَرًا أَيْضًا. (بِآيَةٍ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ مُحْتَجًّا بِآيَةٍ. (مِنْ رَبِّكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِآيَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِجِئْتُ. (أَنِّي أَخْلُقُ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَفِي مَوْضِعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: جَرٌّ بَدَلًا مِنْ آيَةٍ. وَالثَّانِي: رَفْعٌ ; أَيْ هِيَ أَنِّي. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ «أَنِّي» الْأُولَى. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ.

стр. 264

(كَهَيْئَةِ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هَيْئَةً كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وَالْهَيْئَةُ مَصْدَرٌ فِي مَعْنَى الْمُهَيَّأِ كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ. وَقِيلَ: الْهَيْئَةُ اسْمٌ لِحَالِ الشَّيْءِ وَلَيْسَتْ مَصْدَرًا، وَالْمَصْدَرُ التَّهَيُّؤُ وَالتَّهْيِئَةُ. وَيُقْرَأُ (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) : عَلَى إِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْيَاءِ وَحَذْفِهَا، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ اشْتِقَاقُ الطَّيْرِ وَأَحْكَامُهُ، وَالْهَاءُ فِي (فِيهِ) : تَعُودُ عَلَى مَعْنَى الْهَيْئَةِ ; لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْمُهَيَّأِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَعُودَ عَلَى الْكَافِ ; لِأَنَّهَا اسْمٌ بِمَعْنَى مِثْلَ، وَأَنْ تَعُودَ عَلَى الطَّيْرِ، وَأَنْ تَعُودَ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمَحْذُوفِ. (فَيَكُونُ) : أَيْ فَيَصِيرُ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَانَ هُنَا التَّامَّةَ ; لِأَنَّ مَعْنَاهَا صَارَ، وَصَارَ بِمَعْنَى انْتَقَلَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النَّاقِصَةَ، وَ «طَائِرًا» عَلَى الْأَوَّلِ حَالٌ، وَعَلَى الثَّانِي خَبَرٌ. وَ (بِإِذْنِ اللَّهِ) : يَتَعَلَّقُ بِيَكُونُ. (بِمَا تَأْكُلُونَ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَنَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَمَصْدَرِيَّةً، وَكَذَلِكَ مَا الْأُخْرَى. وَالْأَصْلُ فِي: (تَدَّخِرُونَ) : تَذْدَخِرُونَ إِلَّا أَنَّ الذَّالَ مَجْهُورَةٌ، وَالتَّاءَ مَهْمُوسَةٌ، فَلَمْ يَجْتَمِعَا ; فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ دَالًا ; لِأَنَّهَا مِنْ مَخْرَجِهَا لِتَقْرُبَ مِنَ الذَّالِ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الذَّالُ دَالًا، وَأُدْغِمَتْ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقْلِبُ التَّاءَ ذَالًا، وَيُدْغِمُ، وَيُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ الذَّالِ، وَفَتْحِ الْخَاءِ، وَمَاضِيهِ ذَخُرَ. قَالَ تَعَالَى: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)) .

стр. 265

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمُصَدِّقًا) : حَالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: «بِآيَةٍ» ; أَيْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ وَمُصَدِّقًا «لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ» وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى وَجِيهًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى لَفْظِ الْغَيْبَةِ: مِنَ التَّوْرَاةِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي الظَّرْفِ، وَهُوَ بَيْنَ. وَالْعَامِلُ فِيهَا الِاسْتِقْرَارُ أَوْ نَفْسُ الظَّرْفِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «مَا» فَيَكُونُ الْعَامِلُ فِيهَا مُصَدِّقًا. (وَلِأُحِلَّ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ ; تَقْدِيرُهُ: لِأُخَفِّفَ عَنْكُمْ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ) : هَذَا تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ ; لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْهُمُ الْكُفْرَ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ «مِنْ» بِأَحَسَّ وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْكُفْرِ. (أَنْصَارِي) : هُوَ جَمْعُ نَصِيرٍ كَشَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ جَمْعُ نَصْرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، إِلَّا أَنْ تُقَدِّرَ فِيهِ حَذْفَ مُضَافٍ ; أَيْ مَنْ صَاحِبُ نَصْرِي أَوْ تَجْعَلَهُ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ. وَ (إِلَى) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وَتَقْدِيرُهُ: مَنْ أَنْصَارِي مُضَافًا إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى أَنْصَارِ اللَّهِ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى مَعَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّ إِلَى لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مَعَ وَلَا قِيَاسَ يُعَضِّدُهُ.

стр. 266

(الْحَوَارِيُّونَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَهُوَ الْأَصْلُ ; لِأَنَّهَا يَاءُ النِّسْبَةِ. وَيُقْرَأُ بِتَخْفِيفِهَا ; لِأَنَّهُ فَرَّ مِنْ تَضْعِيفِ الْيَاءِ، وَجَعَلَ ضَمَّةَ الْيَاءِ الْبَاقِيَةَ دَلِيلٌ عَلَى الْأَصْلِ. كَمَا قَرَأُوا: (يَسْتَهْزِئُونَ) : مَعَ أَنَّ ضَمَّةَ الْيَاءِ بَعْدَ الْكَسْرَةِ مُسْتَثْقَلٌ. وَاشْتِقَاقُ الْكِلِمَةِ مِنَ الْحَوَرِ ; وَهُوَ الْبَيَاضُ ; وَكَانَ الْحَوَارِيُّونَ يُقَصِّرُونَ الثِّيَابَ. وَقِيلَ: اشْتِقَاقُهُ مِنْ حَارَ يَحُورُ إِذَا رَجَعَ، فَكَأَنَّهُمُ الرَّاجِعُونَ إِلَى اللَّهِ ; وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ نَقَاءِ الْقَلْبِ وَخُلُوصِهِ وَصِدْقِهِ. قَالَ تَعَالَى: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) : فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: مَعَ الشَّاهِدِينَ لَكَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) : وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ تَفْخِيمًا، وَالْأَصْلُ وَهُوَ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) : كِلَاهُمَا لِلْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَتَعَرَّفَانِ بِالْإِضَافَةِ وَالتَّقْدِيرُ: رَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُتَوَفِّيكَ ; لِأَنَّهُ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يُتَوَفَّى بَعْدَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: الْوَاوُ لِلْجَمْعِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ. وَقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَرَافِعُكَ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَا تَقْدِيمَ فِيهِ وَلَا تَأْخِيرَ. (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ) : قِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِنَبِيِّنَا ﵊، فَيَكُونُ الْكَلَامُ تَامًّا عَلَى مَا قَبْلَهُ،

стр. 267

وَقِيلَ: هُوَ لِعِيسَى، وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ظَاهِرُونَ عَلَى الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَى قَبْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِالْمُلْكِ وَالْغَلَبَةِ. فَأَمَّا يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَيُجَازِي كُلًّا عَلَى عَمَلِهِ. قَالَ تَعَالَى: (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «الَّذِينَ» مُبْتَدَأٌ «فَأُعَذِّبُهُمْ» خَبَرُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ فَأُعَذِّبُهُمْ ; تَقْدِيرُهُ: فَأُعَذِّبُ بِغَيْرِ ضَمِيرِ مَفْعُولٍ لِعَمَلِهِ فِي الظَّاهِرِ قَبْلَهُ، فَحَذَفَ وَجَعَلَ الْفِعْلَ الْمَشْغُولَ بِضَمِيرِ الْفَاعِلِ مُفَسِّرًا لَهُ، وَمَوْضِعُ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ بَعْدَ الصِّلَةِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ الْفِعْلُ قَبْلَ الَّذِينَ ; لِأَنَّ «أَمَّا» لَا يَلِيهَا الْفِعْلُ. وَمِثْلُهُ: (وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ) . (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) [فُصِّلَتْ: ١٧] فِيمَنْ نَصَبَ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ وَنَتْلُوهُ خَبَرُهُ. وَالثَّانِي: الْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ وَذَلِكَ خَبَرُهُ ; أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ، وَنَتْلُوهُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيِ الْأَمْرُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ مَتْلُوًّا وَ «مِنَ الْآيَاتِ» حَالٌ مِنَ الْهَاءِ. وَالثَّالِثُ: ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ ; وَمِنَ الْآيَاتِ خَبَرُهُ ; وَنَتْلُوهُ حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الْإِشَارَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ «نَتْلُوهُ» تَقْدِيرُهُ: نَتْلُو ذَلِكَ فَيَكُونُ مِنَ الْآيَاتِ حَالًا مِنَ الْهَاءِ أَيْضًا. وَ (الْحَكِيمِ) : هُنَا بِمَعْنَى الْمُحْكَمِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)) .

стр. 268

قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) : هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ فَلَا مَوْضِعَ لَهَا، وَقِيلَ: مَوْضِعُهَا حَالٌ مِنْ آدَمَ، وَ «قَدْ» مَعَهُ مُقَدَّرَةٌ وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى التَّشْبِيهِ، وَالْهَاءُ لِآدَمَ، وَمِنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِخَلْقٍ، وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُهُ: خَلَقَهُ كَائِنًا مِنْ تُرَابٍ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَيْهِ. (ثُمَّ قَالَ لَهُ) : ثُمَّ هَاهُنَا لِتَرْتِيبِ الْخَبَرِ، لَا لِتَرْتِيبِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: «كُنْ» لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ خَلْقِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمَعْنَى تَفْسِيرٌ لِمَعْنَى الْخَلْقِ، وَقَدْ جَاءَتْ ثُمَّ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِتَرْتِيبِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ ; كَقَوْلِهِ: (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ) [يُونُسَ: ٤٦] وَتَقُولُ: زَيْدٌ عَالِمٌ، ثُمَّ هُوَ كَرِيمٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِتَرْتِيبِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى صَوَّرَهُ طِينًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ لَحْمًا وَدَمًا. قَالَ تَعَالَى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ عِيسَى، وَمَنْ شُرْطِيَّةٌ، وَالْمَاضِي بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ. وَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَ «مِنَ الْعِلْمِ» حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا مَصْدَرِيَّةٌ عَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ وَالْجُمْهُورِ ; لِأَنَّ مَا الْمَصْدَرِيَّةُ لَا يَعُودُ إِلَيْهَا ضَمِيرٌ، وَفِي حَاجَّكَ ضَمِيرُ فَاعِلٍ، إِذْ لَيْسَ بَعْدَهُ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا، وَالْعِلْمُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا ; لِأَنَّ مِنْ لَا تُزَادُ فِي الْجَوَابِ، وَيُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وَمِنْ زَائِدَةً، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ بَعْدِ مَجِيءِ الْعِلْمِ إِيَّاكَ. وَالْأَصْلُ فِي: (تَعَالَوْا) : تَعَالَيُوا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَاضِي تَعَالَى وَالْيَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ ;

стр. 269

لِأَنَّهُ مِنَ الْعُلُوِّ فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً لِوُقُوعِهَا رَابِعَةً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْيَاءُ أَلِفًا، فَإِذَا جَاءَتْ وَاوُ الْجَمْعِ حُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَبَقِيَتِ الْفَتْحَةُ تَدُلُّ عَلَيْهَا. وَ (نَدْعُ) : جَوَابٌ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ وَ (نَبْتَهِلْ) : وَ (نَجْعَلْ) : مَعْطُوفَانِ عَلَيْهِ، وَنَجْعَلِ الْمُتَعَدِّيَةُ إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; أَيْ نُصَيِّرُ وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي: «عَلَى الْكَاذِبِينَ» . قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَهُوَ الْقَصَصُ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ إِنَّ. (إِلَّا اللَّهُ) : خَبَرٌ «مِنْ إِلَهٍ» تَقْدِيرُهُ: وَمَا إِلَهٌ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَاضِيًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا تَقْدِيرُهُ: يَتَوَلَّوْا ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ حَرْفَ الْمُضَارَعَةِ لَا يُحْذَفُ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَوَاءٍ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْجَرِّ، وَهُوَ صِفَةٌ لِكَلِمَةٍ، وَيُقْرَأُ «سَوَاءً» بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَيُقْرَأُ «كِلْمَةٍ» بِكَسْرِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالنَّقْلِ مِثْلُ فَخْذٍ وَكَبْدٍ. (بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) : ظَرْفٌ لِسَوَاءٍ ; أَيْ لِتَسْتَوِيَ الْكَلِمَةُ بَيْنَنَا،

стр. 270

وَلَمْ تُؤَنَّثْ سَوَاءٍ، وَهُوَ صِفَةُ مُؤَنَّثٍ ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: (أَلَّا نَعْبُدَ) : فَفِي مَوْضِعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: جَرٌّ بَدَلًا مِنْ سَوَاءٍ، أَوْ مِنْ كَلِمَةٍ تَقْدِيرُهُ: تَعَالَوْا إِلَى تَرْكِ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. وَالثَّانِي: هُوَ رَفْعٌ، تَقْدِيرُهُ: هِيَ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَأَنْ هِيَ الْمَصْدَرِيَّةُ، وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى سَوَاءٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ ; أَيْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ التَّوْحِيدُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (أَلَّا نَعْبُدَ) مُبْتَدَأً، وَالظَّرْفُ خَبَرَهُ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِكَلِمَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ أَلَّا نَعْبُدَ بِالظَّرْفِ. (فَإِنْ تَوَلَّوْا) : هُوَ مَاضٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَتَوَلَّوْا لِفَسَادِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَقُولُوا اشْهَدُوا خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَتَوَلَّوْا لِلْمُشْرِكِينَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى فِي الْكَلَامِ جَوَابُ الشَّرْطِ ; وَالتَّقْدِيرُ: فَقُولُوا لَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِمَ تُحَاجُّونَ) : الْأَصْلُ لِمَا، فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ لِمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ) [الْبَقَرَةِ: ٩١] وَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتُحَاجُّونَ. (إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ) : مِنْ يَتَعَلَّقُ بِأُنْزِلَتْ ; وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ. قَالَ تَعَالَى: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَا أَنْتُمْ) : هَا لِلتَّنْبِيهِ. وَقِيلَ: هِيَ بَدَلٌ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ. وَيُقْرَأُ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ وَالْمَدِّ، وَبِتَلْيِينِ الْهَمْزَةِ وَالْمَدِّ، وَبِالْقَصْرِ وَالْهَمْزَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا

стр. 271

إِعْرَابَ هَذَا الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ) [الْبَقَرَةِ: ٨٥] (فِيمَا) : هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَ (عِلْمٌ) : مُبْتَدَأٌ، وَلَكُمْ خَبَرُهُ، وَبِهِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ; لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِعِلْمٍ فِي الْأَصْلِ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِعِلْمٍ ; إِذْ فِيهِ تَقْدِيمُ الصِّلَةِ عَلَى الْمَوْصُولِ، فَإِنْ عَلَّقْتَهَا بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الْمَصْدَرُ جَازَ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى تَبْيِينًا. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِإِبْرَاهِيمَ) : الْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِأَوْلَى، وَخَبَرُ إِنَّ «لَلَّذِينِ اتَّبَعُوهُ» وَأَوْلَى أَفْعَلُ مِنْ وَلِيَ يَلِي، وَأَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ ; لِأَنَّ فَاءَهُ وَاوٌ، فَلَا تَكُونُ لَامُهُ وَاوًا ; إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا فَاؤُهُ وَلَامُهُ وَاوَانِ إِلَّا وَاوٌ. (وَهَذَا النَّبِيُّ) : مَعْطُوفٌ عَلَى خَبَرِ إِنَّ. وَيُقْرَأُ «النَّبِيَّ» بِالنَّصْبِ ; أَيْ وَاتَّبَعُوا هَذَا النَّبِيَّ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجْهَ النَّهَارِ) : وَجْهَ ظَرْفٌ لِآمِنُوا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «وَاكْفُرُوا آخِرَهُ» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِأُنْزِلَ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِمَّا قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَا تُقِرُّوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ، فَعَلَى هَذَا اللَّامُ غَيْرُ زَائِدَةٍ.

стр. 272

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً، وَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى ; أَيِ اجْحَدُوا كُلَّ أَحَدٍ إِلَّا مَنْ تَبِعَ. وَالثَّانِي: أَنَّ النِّيَّةَ التَّأْخِيرُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَا تُصَدِّقُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ إِلَّا مَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، فَاللَّامُ عَلَى هَذَا زَائِدَةٌ، وَمَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَحَدٍ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى) : فَمُعْتَرِضٌ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ لِأَنَّهُ مُشَدَّدٌ، وَهَذَا الْوَجْهُ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيمُ الْمُسْتَثْنَى عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَعَلَى الْعَامِلِ فِيهِ، وَتَقْدِيمُ مَا فِي صِلَةِ أَنْ عَلَيْهَا، فَعَلَى هَذَا مَوْضِعُ «أَنْ يُؤْتَى» ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: جَرٌّ، تَقْدِيرُهُ: وَلَا تُؤْمِنُوا بِأَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ ; تَقْدِيرُهُ: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ مَخَافَةَ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ. وَقِيلَ: أَنْ يُؤْتَى مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: «قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ» ، وَالتَّقْدِيرُ: أَنْ لَا يُؤْتَى ; أَيْ هُوَ أَنْ لَا يُؤْتَى، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى يُؤْتَى، وَجَمَعَ الضَّمِيرَ لِأَحَدٍ ; لِأَنَّهُ فِي مَذْهَبِ الْجَمْعِ، كَمَا قَالَ (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) [الْبَقَرَةِ: ١٣٦] وَيُقْرَأُ أَنْ يُؤْتَى عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَمَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، تَقْدِيرُهُ: إِتْيَانُ أَحَدٍ مِثْلُ مَا أُوتِيتُمْ، يُمْكِنُ أَوْ يُصَدَّقُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أَتُصَدِّقُونَ أَنْ يُؤْتَى، أَوْ أَتُشِيعُونَ. وَيُقْرَأُ شَاذًّا أَنْ يُؤْتَى عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَأَحَدٌ فَاعِلُهُ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ أَنْ يُؤْتِيَ أَحَدٌ أَحَدًا.

стр. 273

(يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُوَ يُؤْتِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ) : مَنْ مُبْتَدَأٌ، وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ خَبَرُهُ، وَالشَّرْطُ وَجَوَابُهُ صِفَةٌ لِمَنْ ; لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ، وَكَمَا يَقَعُ الشَّرْطُ خَبَرًا يَقَعُ صِلَةً وَصِفَةً وَحَالًا. وَقَرَأَ أَبُو الْأَشْهَبِ الْعُطَارِدِيُّ: «تِأْمَنْهُ» بِكَسْرِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ. وَ (بِقِنْطَارٍ) : الْبَاءُ بِمَعْنَى فِي ; أَيْ فِي حِفْظِ قِنْطَارٍ، وَقِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى عَلَى. (يُؤَدِّهِ) : فِيهِ خَمْسُ قِرَاءَاتٍ، إِحْدَاهَا كَسْرُ الْهَاءِ وَصِلَتُهَا بِيَاءٍ فِي اللَّفْظِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عِلَّةَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. وَالثَّانِيَةُ كَسْرُ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ اكْتَفَى بِالْكَسْرَةِ عَنِ الْيَاءِ لِدَلَالَتِهَا عَلَيْهَا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى الْهَاءِ شَيْءٌ كَبَقِيَّةِ الضَّمَائِرِ. وَالثَّالِثَةُ: إِسْكَانُ الْهَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُجْرِيَ الْوَصْلُ مُجْرَى الْوَقْفِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَحَقُّ هَاءِ الضَّمِيرِ الْحَرَكَةُ، وَإِنَّمَا تَسَكَّنُ هَاءُ السَّكْتِ. وَالرَّابِعَةُ ضَمُّ الْهَاءِ، وَصِلَتُهَا بِوَاوٍ فِي اللَّفْظِ عَلَى تَبْيِينِ الْهَاءِ الْمَضْمُومَةِ بِالْوَاوِ ; لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الضَّمَّةِ، كَمَا بُيِّنَتِ الْمَكْسُورَةُ بِالْيَاءِ. وَالْخَامِسَةُ: ضَمُّ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ وَاوٍ لِدَلَالَةِ الضَّمَّةِ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَيَجُوزُ تَحْقِيقُ الْهَمْزَةِ وَإِبْدَالُهَا وَاوًا لِلضَّمَّةِ قَبْلَهَا. (إِلَّا مَا دُمْتَ) : «مَا» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الظَّرْفِ ; أَيْ إِلَّا مُدَّةَ دَوَامِكَ.

стр. 274

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ; لِأَنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْمَصْدَرُ قَدْ يَقَعُ حَالًا، وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا فِي حَالِ مُلَازَمَتِكَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الدَّالِ، وَمَاضِيهِ دَامَ يَدُومُ مِثْلُ قَالَ يَقُولُ وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الدَّالِ، وَمَاضِيهِ دِمْتَ تَدَامُ مِثْلُ خِفْتَ تَخَافُ، وَهِيَ لُغَةٌ) . (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ) : أَيْ ذَلِكَ مُسْتَحَقٌّ بِأَنَّهُمْ. (فِي الْأُمِّيِّينَ) : صِفَةٌ لِـ «سَبِيلٌ» قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فَصَارَتْ حَالًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلِاسْتِقْرَارِ فِي «عَلَيْنَا» وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى عَمَلٍ لَيْسَ فِي الْحَالِ. فَيَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا، وَسَبِيلٌ اسْمُ لَيْسَ، وَعَلَيْنَا الْخَبَرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ سَبِيلٌ بِعَلَيْنَا فَيَكُونُ فِي لَيْسَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ. (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ «عَلَى» بِيَقُولُونَ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى يَفْتَرُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْكَذِبَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْكَذِبَ ; لِأَنَّ الصِّلَةَ لَا تَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَوْصُولِ. وَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى التَّبْيِينِ. (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. قَالَ تَعَالَى: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلَى) : فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: بَلَى عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: «مَنْ أَوْفَى» وَهِيَ شَرْطٌ، «فَإِنَّ اللَّهَ» جَوَابُهُ وَالْمَعْنَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُمْ، فَوُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لتحسبوه من الْكتاب وَمَا هُوَ من الْكتاب (٧٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَلْوُونَ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِفَرِيقٍ، وَجُمِعَ عَلَى الْمَعْنَى، وَلَوْ أُفْرِدَ جَازَ عَلَى اللَّفْظِ،

стр. 275

وَالْجُمْهُورُ عَلَى إِسْكَانِ اللَّامِ، وَإِثْبَاتِ وَاوَيْنِ بَعْدَهَا. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَضَمِّ الْيَاءِ عَلَى التَّكْثِيرِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ اللَّامِ وَوَاوٍ وَاحِدَةٍ سَاكِنَةٍ، وَالْأَصْلُ يَلْوُونَ كَقِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، إِلَّا أَنَّهُ هَمَزَ الْوَاوَ لِانْضِمَامِهَا، ثُمَّ أَلْقَى حَرَكَتَهَا عَلَى اللَّامِ. وَالْأَلْسِنَةُ: جَمْعُ لِسَانٍ، وَهُوَ عَلَى لُغَةِ مَنْ ذَكَّرَ اللِّسَانَ، وَأَمَّا مَنْ أَنَّثَهُ فَإِنَّهُ يَجْمَعُهُ عَلَى أَلْسُنٍ. وَ (بِالْكِتَابِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْأَلْسِنَةِ ; أَيْ مُلْتَبِسَةٌ بِالْكِتَابِ، أَوْ نَاطِقَةٌ بِالْكِتَابِ. وَ (مِنَ الْكِتَابِ) : هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِحَسِبَ. قَالَ تَعَالَى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ يَقُولَ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى يُؤْتِيَهُ. وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. (بِمَا كُنْتُمْ) : فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَبَّانِيِّينَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى السَّبَبِ، فَتَتَعَلَّقُ بِكَانَ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ ; أَيْ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةً بِرَبَّانِيِّينَ. (تَعْلَمُونَ) : يُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ ; أَيْ تَعْرِفُونَ، وَبِالتَّشْدِيدِ ; أَيْ تُعَلِّمُونَهُ غَيْرَكُمْ. (تَدْرُسُونَ) : يُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ ; أَيْ تَدْرُسُونَ الْكِتَابَ، فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وَيُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَضَمِّ التَّاءِ ; أَيْ تُدَرِّسُونَ النَّاسَ الْكِتَابَ.

стр. 276

قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا يَأْمُرَكُمْ) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ ; أَيْ وَلَا يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ أَوِ النَّبِيُّ، فَهُوَ مُسْتَأْنَفٌ، وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى يَقُولُ، فَيَكُونُ الْفَاعِلُ ضَمِيرَ النَّبِيِّ أَوِ الْبَشَرِ، وَيُقْرَأُ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ فِرَارًا مِنْ تَوَالِي الْحَرَكَاتِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ. (إِذْ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِإِضَافَةِ بَعْدَ إِلَيْهَا. (أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِإِضَافَةِ إِذْ إِلَيْهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمَا آتَيْتُكُمْ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَخَذَ ; أَيْ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَفِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: لِرِعَايَةِ مَا آتَيْتُكُمْ. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمِيثَاقِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ ; أَيْ تَوَثَّقْنَا عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ. وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ. وَ (مِنْ كِتَابٍ) : حَالٌ مِنَ الْمَحْذُوفِ، أَوْ مِنَ الَّذِي. وَيُقْرَأُ بِالْفَتْحِ وَتَخْفِيفِ «مَا» وَفِيهَا وَجْهَانِ:

стр. 277

أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَمَوْضِعُهَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَاللَّامُ لَامُ الِابْتِدَاءِ دَخَلَتْ لِتَوْكِيدِ مَعْنَى الْقَسَمِ. وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ; أَيِ الَّذِي أُوتِيتُمُوهُ مِنَ الْكِتَابِ، وَالنَّكِرَةُ هُنَا كَالْمَعْرِفَةِ. وَالثَّانِي: الْخَبَرُ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَالْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى الْمُبْتَدَأِ وَاللَّامُ جَوَابُ الْقَسَمِ ; لِأَنَّ أَخْذَ الْمِيثَاقِ قَسَمٌ فِي الْمَعْنَى. فَأَمَّا قَوْلُهُ: (ثُمَّ جَاءَكُمْ) : فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا آتَيْتُكُمْ، وَالْعَائِدُ عَلَى «مَا» مِنْ هَذَا الْمَعْطُوفِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ جَاءَكُمْ بِهِ، وَاسْتَغْنَى عَنْ إِظْهَارِهِ بِقَوْلِهِ بِهِ فِيمَا بَعْدُ. وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: لِمَا مَعَكُمْ فِي مَوْضِعِ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ: مُصَدِّقٌ لَهُ ; لِأَنَّ الَّذِي مَعَهُمْ هُوَ الَّذِي آتَاهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَائِدُ ضَمِيرَ الِاسْتِقْرَارِ الْعَامِلَ فِي مَعَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي «بِهِ» تَعُودُ عَلَى الرَّسُولِ، وَالْعَائِدُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ، وَسَوَّغَ ذَلِكَ طُولُ الْكَلَامِ، وَأَنَّ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ تَصْدِيقٌ لِلَّذِي أُوتِيَهُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ «مَا» شَرْطٌ، وَاللَّامُ قَبْلَهُ لِتَلَقِّي الْقَسَمِ، كَالَّتِي فِي قَوْلِهِ (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ) [الْأَحْزَابِ: ٦٠] وَلَيْسَتْ لَازِمَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ) [الْمَائِدَةِ: ٧٣] ; فَعَلَى هَذَا تَكُونُ «مَا» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِآتَيْتُ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي ضَمِيرُ الْمُخَاطَبِ، وَمِنْ كِتَابٍ مِثْلُ مِنْ آيَةٍ فِي قَوْلِهِ (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) [الْبَقَرَةِ: ١٠٦] وَبَاقِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ظَاهِرٌ. وَيُقْرَأُ «لَمَّا» بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا الزَّمَانِيَّةُ ; أَيْ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ لَمَّا آتَيْنَاهُمْ شَيْئًا مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، وَرَجَعَ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ عَلَى الْمَأْلُوفِ مِنْ طَرِيقَتِهِمْ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ لِمَنْ مَا، ثُمَّ أَبْدَلَ مِنَ النُّونِ مِيمًا لِمُشَابَهَتِهَا إِيَّاهَا، فَتَوَالَتْ ثَلَاثُ مِيمَاتٍ،

стр. 278

فَحَذَفَ الثَّانِيَةَ لِضَعْفِهَا بِكَوْنِهَا بَدَلًا، وَحُصُولِ التَّكْرِيرِ بِهَا، ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى ابْنُ جِنِّيٍّ فِي الْمُحْتَسَبِ. وَيُقْرَأُ آتَيْتُكُمْ عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ) : وَلِقَوْلِهِ: إِصْرِي. وَيُقْرَأُ آتَيْنَاكُمْ عَلَى لَفْظِ الْجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ. (أَأَقْرَرْتُمْ) : فِيهِ حَذْفٌ ; أَيْ بِذَلِكَ. وَ (إِصْرِي) : بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا. قَالَ تَعَالَى ﴿فَمن تولى بعد ذَلِك فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَنْ تَوَلَّى) : مَنْ مُبْتَدَأٌ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَأَنْ تَكُونَ شَرْطًا. (فَأُولَئِكَ) : مُبْتَدَأٌ ثَانٍ. وَ (هُمُ الْفَاسِقُونَ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُمْ فَصْلًا. قَالَ تَعَالَى: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَغَيْرَ) : مَنْصُوبٌ بِـ «يَبْغُونَ» وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ كَذَلِكَ قَبْلَهُ، وَبِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَالتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهُمْ. (طَوْعًا وَكَرْهًا) : مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَصْدَرَيْنِ عَلَى غَيْرِ الصَّدْرِ ; لِأَنَّ أَسْلَمَ بِمَعْنَى انْقَادَ وَأَطَاعَ. (تُرْجَعُونَ) : بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ وَبِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ آمَنَّا) : تَقْدِيرُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ آمَنَّا ; أَيْ أَنَا وَمَنْ مَعِي، أَوْ أَنَا وَالْأَنْبِيَاءُ،

стр. 279

وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: قُلْ لَهُمْ قُولُوا آمَنَّا. قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى إِظْهَارِ الْغَيْنَيْنِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْإِدْغَامُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ كَسْرَةَ الْغَيْنِ الْأُولَى تَدُلُّ عَلَى الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ. وَ (دِينًا) : تَمْيِيزٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ يَبْتَغِ. وَ (غَيْرَ) : صِفَةٌ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فَصَارَتْ حَالًا. (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) : هُوَ فِي الْإِعْرَابِ مِثْلُ قَوْلِهِ: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [الْبَقَرَةِ: ١٣٠] وَقَدْ ذُكِرَ. قَالَ تَعَالَى: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ) : حَالٌ أَوْ ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا يَهْدِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ. (وَشَهِدُوا) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي كَفَرُوا، وَقَدْ مَعَهُ مُقَدَّرَةٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ يَهْدِي ; لِأَنَّهُ يَهْدِي مَنْ «شَهِدَ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ» . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى كَفَرُوا ; أَيْ كَيْفَ يَهْدِيهِمْ بَعْدَ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَأَنْ شَهِدُوا ; أَيْ بَعْدَ أَنْ آمَنُوا، وَأَنْ شَهِدُوا فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ. قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُولَئِكَ) : مُبْتَدَأٌ وَ (جَزَاؤُهُمْ) : مُبْتَدَأٌ ثَانٍ ; وَ (أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ) : أَنَّ وَاسْمُهَا وَخَبَرُهَا خَبَرُ جَزَاءٍ ; أَيْ جَزَاؤُهُمُ اللَّعْنَةُ.

стр. 280

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَزَاؤُهُمْ بَدَلًا مِنْ أُولَئِكَ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ. قَالَ تَعَالَى: (خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَالِدِينَ فِيهَا) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي عَلَيْهِمْ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الْجَارُّ، أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَفِيهَا: يَعْنِي اللَّعْنَةَ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَهَبًا) : تَمْيِيزٌ، وَالْهَاءُ فِي بِهِ تَعُودُ عَلَى الْمِلْءِ أَوْ عَلَى ذَهَبٍ. قَالَ تَعَالَى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِمَّا تُحِبُّونَ) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ; لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ لَا تُنْفَقُ. فَإِنْ جَعَلْتَ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى رَأْيِ أَبِي عَلِيٍّ. (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ) : قَدْ ذُكِرَ نَظِيرُهُ فِي الْبَقَرَةِ. وَالْهَاءُ فِي: بِهِ تَعُودُ عَلَى «مَا» أَوْ عَلَى «شَيْءٍ» . قَالَ تَعَالَى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حِلًّا) : أَيْ حَلَالًا، وَالْمَعْنَى كَانَ كُلُّهُ حِلًّا. (إِلَّا مَا حَرَّمَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ اسْمِ كَانَ وَالْعَامِلُ فِيهِ كَانَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ حِلًّا، وَيَكُونُ فِيهِ ضَمِيرٌ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ ; لِأَنَّ حِلًّا وَحَلَالًا فِي مَوْضِعِ اسْمِ الْفَاعِلِ بِمَعْنَى الْجَائِزِ وَالْمُبَاحِ. (مِنْ قَبْلِ) : مُتَعَلِّقٌ بِحَرَّمَ.

стр. 281

قَالَ تَعَالَى: (فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِافْتَرَى، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْكَذِبِ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى إِظْهَارِ اللَّامِ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَيُقْرَأُ بِالْإِدْغَامِ ; لِأَنَّ الصَّادَ فِيهَا انْبِسَاطٌ، وَفِي اللَّامِ انْبِسَاطٌ بِحَيْثُ يَتَلَاقَى طَرَفَاهُمَا فَصَارَا مُتَقَارِبَيْنِ ; وَالتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهُمْ صَدَقَ اللَّهُ. (حَنِيفًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَمِنَ الْمِلَّةِ ; وَذَكَّرَ لِأَنَّ الْمِلَّةَ وَالدِّينَ وَاحِدٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وُضِعَ لِلنَّاسِ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِبَيْتٍ، وَالْخَبَرُ «لِلَّذِي» . وَ (مُبَارَكًا وَهُدًى) : حَالَانِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي وُضِعَ. وَإِنْ شِئْتَ فِي الْجَارِّ، وَالْعَامِلُ فِيهِمَا الِاسْتِقْرَارُ. قَالَ تَعَالَى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً مُضْمِرَةً لِمَعْنَى الْبَرَكَةِ وَالْهُدَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهَا حَالًا أُخْرَى. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ لِلْعَالَمِينَ ; وَالْعَامِلُ فِيهِ هُدًى. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «مُبَارَكًا» وَهُوَ الْعَامِلُ فِيهَا.

стр. 282

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِهُدًى كَمَا أَنَّ لِلْعَالَمِينَ كَذَلِكَ. وَ (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) : مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ مِنْهَا مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ. (وَمَنْ دَخَلَهُ) : مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ; أَيْ وَمِنْهَا أَمْنُ مَنْ دَخَلَهُ. وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ: هِيَ مَقَامٌ. وَقِيلَ: بَدَلٌ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ قَدْ عَبَّرَ عَنِ الْآيَاتِ بِالْمَقَامِ، وَبِأَمْنِ الدَّاخِلِ. وَقِيلَ: (وَمَنْ دَخَلَهُ) : مُسْتَأْنَفٌ، وَمَنْ شَرْطِيَّةٌ. وَ (حِجُّ الْبَيْتِ) : مَصْدَرٌ يُقْرَأُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَهُمَا لُغَتَانِ. وَقِيلَ: الْكَسْرُ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ «عَلَى النَّاسِ» . وَلِلَّهِ يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِقْرَارِ فِي عَلَى، تَقْدِيرُهُ: اسْتَقَرَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ لِلَّهِ وَعَلَى النَّاسِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، إِمَّا حَالًا، وَإِمَّا مَفْعُولًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ حَالًا ; لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْحَالِ عَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى، وَالْحَالُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْعَامِلِ الْمَعْنَوِيِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ «الْحَجُّ» بِالْجَارِّ الْأَوَّلِ، أَوِ الثَّانِي، وَالْحَجُّ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إِلَى الْمَفْعُولِ. (مَنِ اسْتَطَاعَ) : بَدَلٌ مِنَ النَّاسِ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ تَقْدِيرُهُ: هُمْ مَنِ اسْتَطَاعَ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ مَنِ اسْتَطَاعَ، وَالْجُمْلَةُ بَدَلٌ أَيْضًا، وَقِيلَ: هُوَ مَرْفُوعٌ بِالْحَجِّ تَقْدِيرُهُ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ مَنِ اسْتَطَاعَ. فَعَلَى هَذَا فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ ; تَقْدِيرُهُ: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْهُمْ، لِيَكُونَ فِي الْجُمْلَةِ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: مَنْ مُبْتَدَأٌ شَرْطٌ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَنِ اسْتَطَاعَ فَلْيَحُجَّ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَفَرَ) : وَجَوَابُهَا.

стр. 283

قَالَ تَعَالَى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِمَ تَصُدُّونَ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِعْلِ وَ «مِنْ» مَفْعُولُهُ. وَ (تَبْغُونَهَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي تَصُدُّونَ، أَوْ مِنَ السَّبِيلِ ; لِأَنَّ فِيهَا ضَمِيرَيْنِ رَاجِعَيْنِ إِلَيْهِمَا ; فَلِذَلِكَ صَحَّ أَنْ تُجْعَلَ حَالًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَ: (عِوَجًا) : حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَرُدُّوكُمْ، وَأَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ (كَافِرِينَ) وَهُوَ فِي الْمَعْنَى مِثْلَ قَوْلِهِ: (كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) [آلِ عِمْرَانَ: ٨٦] . قَالَ تَعَالَى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)) . فِي قَوْلِهِ: (وَلَا تَفَرَّقُوا) : الْأَصْلُ تَتَفَرَّقُوا، فَحَذَفَ التَّاءَ الثَّانِيَةَ، وَقَدْ ذُكِرَ وَجْهُهُ فِي الْبَقَرَةِ، وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ سَكَّنَ التَّاءَ الْأُولَى حِينَ نَزَّلَهَا مُتَّصِلَةً بِالْأَلِفِ، ثُمَّ أَدْغَمَ. (نِعْمَةَ اللَّهِ) : هُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ. وَ (عَلَيْكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ، كَمَا تَقُولُ أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ النِّعْمَةِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. (

стр. 284

إِذْ كُنْتُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلنِّعْمَةِ، وَأَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلِاسْتِقْرَارِ فِي عَلَيْكُمْ، إِذَا جَعَلْتَهُ حَالًا. (فَأَصْبَحْتُمْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النَّاقِصَةَ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ " بِنِعْمَتِهِ " ; فَيَكُونَ الْمَعْنَى " فَأَصْبَحْتُمْ فِي نِعْمَتِهِ، أَوْ مُتَلَبِّسِينَ بِنِعْمَتِهِ، أَوْ مَشْمُولِينَ. وَ (إِخْوَانًا) : عَلَى هَذَا حَالٌ يَعْمَلُ فِيهَا أَصْبَحَ أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَارُّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (إِخْوَانًا) خَبَرَ أَصْبَحَ، وَيَكُونُ الْجَارُّ حَالًا يَعْمَلُ فِيهِ أَصْبَحَ، أَوْ حَالًا مِنْ إِخْوَانٍ ; لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَهُ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأَصْبَحَ ; لِأَنَّ النَّاقِصَةَ تَعْمَلُ فِي الْجَارِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (إِخْوَانًا) ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: تَآخَيْتُمْ بِنِعْمَتِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَصْبَحَ تَامَّةً، وَيَكُونُ الْكَلَامُ فِي " بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا " قَرِيبًا مِنَ الْكَلَامِ فِي النَّاقِصَةِ. وَالْإِخْوَانُ: جَمْعُ أَخٍ، مِنَ الصَّدَاقَةِ، لَا مِنَ النَّسَبِ. وَالشَّفَا: يُكْتَبُ بِالْأَلِفِ، وَهِيَ مِنَ الْوَاوِ، تَثْنِيَةُ شَفَوَانِ. و ﴿من النَّار﴾ صفة لحفرة وَمن للتَّبْعِيض وَالضَّمِير فى ﴿مِنْهَا﴾ للنار أَو للحفرة قَالَ تَعَالَى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)) . (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ " كَانَ " هُنَا التَّامَّةَ، فَتَكُونُ " أُمَّةٌ " فَاعِلًا، وَ " يَدْعُونَ " صِفَتُهُ، وَمِنْكُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَكُنْ، أَوْ بِمَحْذُوفٍ، عَلَى أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِأُمَّةٍ قُدِّمَ عَلَيْهَا فَصَارَ حَالًا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النَّاقِصَةَ، وَأُمَّةٌ اسْمَهَا، وَيَدْعُونَ الْخَبَرَ ; وَمِنْكُمْ إِمَّا حَالٌ مِنْ أُمَّةٍ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِكَانَ النَّاقِصَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَدْعُونَ صِفَةً وَمِنْكُمُ الْخَبَرُ.

стр. 285

قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) : إِنَّمَا حَذَفَ التَّاءَ ; لِأَنَّ تَأْنِيثَ الْبَيِّنَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ; وَلِأَنَّهَا بِمَعْنَى الدَّلِيلِ. قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ) : هُوَ ظَرْفٌ لِعَظِيمٍ، أَوْ لِلِاسْتِقْرَارِ فِي لَهُمْ، وَفِي تَبَيَضُّ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: فَتْحُ التَّاءِ وَكَسْرُهَا مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَتَبْيَاضُّ بِالْأَلِفِ مَعَ فَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَكَذَلِكَ تَسْوَدُّ. (أَكَفَرْتُمْ) : تَقْدِيرُهُ: فَيُقَالُ لَهُمْ أَكَفَرْتُمْ، وَالْمَحْذُوفُ هُوَ الْخَبَرُ. قَالَ تَعَالَى: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ. قَالَ تَعَالَى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) : قِيلَ: كُنْتُمْ فِي عِلْمِي. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى صِرْتُمْ. وَقِيلَ: كَانَ زَائِدَةٌ ; وَالتَّقْدِيرُ: أَنْتُمْ خَيْرَ، وَهَذَا خَطَأٌ ; لِأَنَّ كَانَ لَا تُزَادُ فِي أَوَّلِ الْجُمْلَةِ، وَلَا تَعْمَلُ فِي خَيْرٍ. (تَأْمُرُونَ) : خَبَرٌ ثَانٍ، أَوْ تَفْسِيرٌ لِخَبَرٍ، أَوْ مُسْتَأْنَفٌ. (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) : أَيْ لَكَانَ الْإِيمَانُ، لَفْظُ الْفِعْلِ عَلَى إِرَادَةِ الْمَصْدَرِ. (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ) : هُوَ مُسْتَأْنَفٌ.
следующие страницы →