← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قَالَ تَعَالَى: (فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِافْتَرَى، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْكَذِبِ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى إِظْهَارِ اللَّامِ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَيُقْرَأُ بِالْإِدْغَامِ ; لِأَنَّ الصَّادَ فِيهَا انْبِسَاطٌ، وَفِي اللَّامِ انْبِسَاطٌ بِحَيْثُ يَتَلَاقَى طَرَفَاهُمَا فَصَارَا مُتَقَارِبَيْنِ ; وَالتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهُمْ صَدَقَ اللَّهُ. (حَنِيفًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَمِنَ الْمِلَّةِ ; وَذَكَّرَ لِأَنَّ الْمِلَّةَ وَالدِّينَ وَاحِدٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وُضِعَ لِلنَّاسِ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِبَيْتٍ، وَالْخَبَرُ «لِلَّذِي» . وَ (مُبَارَكًا وَهُدًى) : حَالَانِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي وُضِعَ. وَإِنْ شِئْتَ فِي الْجَارِّ، وَالْعَامِلُ فِيهِمَا الِاسْتِقْرَارُ. قَالَ تَعَالَى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً مُضْمِرَةً لِمَعْنَى الْبَرَكَةِ وَالْهُدَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهَا حَالًا أُخْرَى. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ لِلْعَالَمِينَ ; وَالْعَامِلُ فِيهِ هُدًى. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «مُبَارَكًا» وَهُوَ الْعَامِلُ فِيهَا.

стр. 282

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِهُدًى كَمَا أَنَّ لِلْعَالَمِينَ كَذَلِكَ. وَ (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) : مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ مِنْهَا مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ. (وَمَنْ دَخَلَهُ) : مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ; أَيْ وَمِنْهَا أَمْنُ مَنْ دَخَلَهُ. وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ: هِيَ مَقَامٌ. وَقِيلَ: بَدَلٌ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ قَدْ عَبَّرَ عَنِ الْآيَاتِ بِالْمَقَامِ، وَبِأَمْنِ الدَّاخِلِ. وَقِيلَ: (وَمَنْ دَخَلَهُ) : مُسْتَأْنَفٌ، وَمَنْ شَرْطِيَّةٌ. وَ (حِجُّ الْبَيْتِ) : مَصْدَرٌ يُقْرَأُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَهُمَا لُغَتَانِ. وَقِيلَ: الْكَسْرُ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ «عَلَى النَّاسِ» . وَلِلَّهِ يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِقْرَارِ فِي عَلَى، تَقْدِيرُهُ: اسْتَقَرَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ لِلَّهِ وَعَلَى النَّاسِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، إِمَّا حَالًا، وَإِمَّا مَفْعُولًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ حَالًا ; لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْحَالِ عَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى، وَالْحَالُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْعَامِلِ الْمَعْنَوِيِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ «الْحَجُّ» بِالْجَارِّ الْأَوَّلِ، أَوِ الثَّانِي، وَالْحَجُّ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إِلَى الْمَفْعُولِ. (مَنِ اسْتَطَاعَ) : بَدَلٌ مِنَ النَّاسِ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ تَقْدِيرُهُ: هُمْ مَنِ اسْتَطَاعَ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ مَنِ اسْتَطَاعَ، وَالْجُمْلَةُ بَدَلٌ أَيْضًا، وَقِيلَ: هُوَ مَرْفُوعٌ بِالْحَجِّ تَقْدِيرُهُ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ مَنِ اسْتَطَاعَ. فَعَلَى هَذَا فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ ; تَقْدِيرُهُ: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْهُمْ، لِيَكُونَ فِي الْجُمْلَةِ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: مَنْ مُبْتَدَأٌ شَرْطٌ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَنِ اسْتَطَاعَ فَلْيَحُجَّ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَفَرَ) : وَجَوَابُهَا.

стр. 283

قَالَ تَعَالَى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِمَ تَصُدُّونَ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِعْلِ وَ «مِنْ» مَفْعُولُهُ. وَ (تَبْغُونَهَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي تَصُدُّونَ، أَوْ مِنَ السَّبِيلِ ; لِأَنَّ فِيهَا ضَمِيرَيْنِ رَاجِعَيْنِ إِلَيْهِمَا ; فَلِذَلِكَ صَحَّ أَنْ تُجْعَلَ حَالًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَ: (عِوَجًا) : حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَرُدُّوكُمْ، وَأَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ (كَافِرِينَ) وَهُوَ فِي الْمَعْنَى مِثْلَ قَوْلِهِ: (كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) [آلِ عِمْرَانَ: ٨٦] . قَالَ تَعَالَى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)) . فِي قَوْلِهِ: (وَلَا تَفَرَّقُوا) : الْأَصْلُ تَتَفَرَّقُوا، فَحَذَفَ التَّاءَ الثَّانِيَةَ، وَقَدْ ذُكِرَ وَجْهُهُ فِي الْبَقَرَةِ، وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ سَكَّنَ التَّاءَ الْأُولَى حِينَ نَزَّلَهَا مُتَّصِلَةً بِالْأَلِفِ، ثُمَّ أَدْغَمَ. (نِعْمَةَ اللَّهِ) : هُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ. وَ (عَلَيْكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ، كَمَا تَقُولُ أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ النِّعْمَةِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. (

стр. 284

إِذْ كُنْتُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلنِّعْمَةِ، وَأَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلِاسْتِقْرَارِ فِي عَلَيْكُمْ، إِذَا جَعَلْتَهُ حَالًا. (فَأَصْبَحْتُمْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النَّاقِصَةَ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ " بِنِعْمَتِهِ " ; فَيَكُونَ الْمَعْنَى " فَأَصْبَحْتُمْ فِي نِعْمَتِهِ، أَوْ مُتَلَبِّسِينَ بِنِعْمَتِهِ، أَوْ مَشْمُولِينَ. وَ (إِخْوَانًا) : عَلَى هَذَا حَالٌ يَعْمَلُ فِيهَا أَصْبَحَ أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَارُّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (إِخْوَانًا) خَبَرَ أَصْبَحَ، وَيَكُونُ الْجَارُّ حَالًا يَعْمَلُ فِيهِ أَصْبَحَ، أَوْ حَالًا مِنْ إِخْوَانٍ ; لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَهُ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأَصْبَحَ ; لِأَنَّ النَّاقِصَةَ تَعْمَلُ فِي الْجَارِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (إِخْوَانًا) ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: تَآخَيْتُمْ بِنِعْمَتِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَصْبَحَ تَامَّةً، وَيَكُونُ الْكَلَامُ فِي " بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا " قَرِيبًا مِنَ الْكَلَامِ فِي النَّاقِصَةِ. وَالْإِخْوَانُ: جَمْعُ أَخٍ، مِنَ الصَّدَاقَةِ، لَا مِنَ النَّسَبِ. وَالشَّفَا: يُكْتَبُ بِالْأَلِفِ، وَهِيَ مِنَ الْوَاوِ، تَثْنِيَةُ شَفَوَانِ. و ﴿من النَّار﴾ صفة لحفرة وَمن للتَّبْعِيض وَالضَّمِير فى ﴿مِنْهَا﴾ للنار أَو للحفرة قَالَ تَعَالَى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)) . (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ " كَانَ " هُنَا التَّامَّةَ، فَتَكُونُ " أُمَّةٌ " فَاعِلًا، وَ " يَدْعُونَ " صِفَتُهُ، وَمِنْكُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَكُنْ، أَوْ بِمَحْذُوفٍ، عَلَى أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِأُمَّةٍ قُدِّمَ عَلَيْهَا فَصَارَ حَالًا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النَّاقِصَةَ، وَأُمَّةٌ اسْمَهَا، وَيَدْعُونَ الْخَبَرَ ; وَمِنْكُمْ إِمَّا حَالٌ مِنْ أُمَّةٍ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِكَانَ النَّاقِصَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَدْعُونَ صِفَةً وَمِنْكُمُ الْخَبَرُ.

стр. 285

قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) : إِنَّمَا حَذَفَ التَّاءَ ; لِأَنَّ تَأْنِيثَ الْبَيِّنَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ; وَلِأَنَّهَا بِمَعْنَى الدَّلِيلِ. قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ) : هُوَ ظَرْفٌ لِعَظِيمٍ، أَوْ لِلِاسْتِقْرَارِ فِي لَهُمْ، وَفِي تَبَيَضُّ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: فَتْحُ التَّاءِ وَكَسْرُهَا مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَتَبْيَاضُّ بِالْأَلِفِ مَعَ فَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَكَذَلِكَ تَسْوَدُّ. (أَكَفَرْتُمْ) : تَقْدِيرُهُ: فَيُقَالُ لَهُمْ أَكَفَرْتُمْ، وَالْمَحْذُوفُ هُوَ الْخَبَرُ. قَالَ تَعَالَى: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ. قَالَ تَعَالَى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) : قِيلَ: كُنْتُمْ فِي عِلْمِي. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى صِرْتُمْ. وَقِيلَ: كَانَ زَائِدَةٌ ; وَالتَّقْدِيرُ: أَنْتُمْ خَيْرَ، وَهَذَا خَطَأٌ ; لِأَنَّ كَانَ لَا تُزَادُ فِي أَوَّلِ الْجُمْلَةِ، وَلَا تَعْمَلُ فِي خَيْرٍ. (تَأْمُرُونَ) : خَبَرٌ ثَانٍ، أَوْ تَفْسِيرٌ لِخَبَرٍ، أَوْ مُسْتَأْنَفٌ. (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) : أَيْ لَكَانَ الْإِيمَانُ، لَفْظُ الْفِعْلِ عَلَى إِرَادَةِ الْمَصْدَرِ. (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ) : هُوَ مُسْتَأْنَفٌ.

стр. 286

قَالَ تَعَالَى: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا أَذًى) : أَذًى مَصْدَرٌ مِنْ مَعْنَى يَضُرُّوكُمْ ; لِأَنَّ الْأَذَى وَالضَّرَرَ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا. وَقِيلَ: هُوَ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى لَنْ يَضُرُّوكُمْ بِالْهَزِيمَةِ، لَكِنْ يُؤْذُوكُمْ بِتَصَدِّيكُمْ لِقِتَالِهِمْ. (يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ) : الْأَدْبَارَ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَالْمَعْنَى: يَجْعَلُونَ ظُهُورَهُمْ تَلِيكُمْ. (ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) : مُسْتَأْنَفٌ، وَلَا يَجُوزُ الْجَزْمُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَطْفًا عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ ; لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ يَقَعُ عَقِيبَ الْمَشْرُوطِ ; وَثُمَّ لِلتَّرَاخِي ; فَلِذَلِكَ لَمْ تَصْلُحْ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ، وَالْمَعْطُوفُ عَلَى الْجَوَابِ كَالْجَوَابِ، وَهَذَا خَطَأٌ ; لِأَنَّ الْجَزْمَ فِي مِثْلِهِ قَدْ جَاءَ فِي قَوْلِهِ (ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [مُحَمَّدٍ: ٣٨] وَإِنَّمَا اسْتُؤْنِفَ هُنَا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَنْصُرُهُمْ قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا. قَالَ تَعَالَى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا بِحَبْلٍ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، تَقْدِيرُهُ: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ فِي كُلِّ حَالٍ، إِلَّا فِي حَالِ عَقْدِ الْعَهْدِ لَهُمْ، فَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ ; تَقْدِيرُهُ: إِلَّا مُتَمَسِّكِينَ بِحَبْلٍ.

стр. 287

قَالَ تَعَالَى: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَيْسُوا) : الْوَاوُ اسْمُ لَيْسَ، وَهِيَ رَاجِعَةٌ عَلَى الْمَذْكُورِينَ قَبْلَهَا، وَ (سَوَاءً) : خَبَرُهَا ; أَيْ لَيْسُوا مُسْتَوِينَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) : فَأُمَّةٌ مُبْتَدَأٌ، وَقَائِمَةٌ نَعْتٌ لَهُ، وَالْجَارُّ قَبْلَهُ خَبَرُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ فَاعِلَ الْجَارِّ، وَقَدْ وُضِعَ الظَّاهِرُ هُنَا مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ، وَالْأَصْلُ مِنْهُمْ أُمَّةٌ. وَقِيلَ: أُمَّةٌ رُفِعَ بِسَوَاءٍ، وَهَذَا ضَعِيفٌ فِي الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابِ ; لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ مِمَّا قَبْلَهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ خَبَرَ لَيْسَ. وَقِيلَ: أُمَّةٌ اسْمُ لَيْسَ، وَالْوَاوُ فِيهَا حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ، كَمَا قَالُوا: أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ. وَسَوَاءٌ الْخَبَرُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، إِذْ لَيْسَ الْغَرَضُ بَيَانَ تَفَاوُتِ الْأُمَّةِ الْقَائِمَةِ التَّالِيَةِ لِآيَاتِ اللَّهِ، بَلِ الْغَرَضُ أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا. (يَتْلُونَ) : صِفَةٌ أُخْرَى لِأُمَّةٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَائِمَةٍ، أَوْ مِنَ الْأُمَّةِ ; لِأَنَّهَا قَدْ وُصِفَتْ، وَالْعَامِلُ عَلَى هَذَا الِاسْتِقْرَارُ. وَ (آنَاءَ اللَّيْلِ) : ظَرْفٌ لِيَتْلُونَ لَا لِقَائِمَةٍ ; لِأَنَّ قَائِمَةً قَدْ وُصِفَتْ فَلَا تَعْمَلُ فِيمَا بَعْدَ الصِّفَةِ، وَوَاحِدُ الْآنَاءِ إِنًى مِثْلُ مِعًى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُ الْهَمْزَةَ، فَيَصِيرُ عَلَى وَزْنِ عَصَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنْي بِالْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ. (وَهُمْ يَسْجُدُونَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَتْلُونَ، أَوْ فِي قَائِمَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَكَذَلِكَ «يُؤْمِنُونَ. وَيَأْمُرُونَ. وَيَنْهَوْنَ» إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهَا أَحْوَالًا، وَإِنْ شِئْتَ اسْتَأْنَفْتَهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)) .

стр. 288

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا يَفْعَلُوا) : يُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَبِالْيَاءِ حَمْلًا عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ. قَالَ تَعَالَى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَثَلِ رِيحٍ) : فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: كَمَثَلِ مُهْلَكِ رِيحٍ ; أَيْ مَا يُنْفِقُونَ هَالِكٌ كَالَّذِي تُهْلِكُهُ. (فِيهَا صِرٌّ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ صِفَةِ الرِّيحِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَرْفَعَ صِرًّا بِالظَّرْفِ ; لِأَنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ عَلَى مَا قَبْلَهُ. وَ (أَصَابَتْ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ أَيْضًا صِفَةً لِرِيحٍ ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لَـ (صِرٌّ) ; لِأَنَّ الصِّرَّ مُذَكَّرٌ، وَالضَّمِيرُ فِي أَصَابَتْ مُؤَنَّثٌ. وَقِيلَ: لَيْسَ فِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ، بَلْ تَشْبِيهُ مَا أَنْفَقُوا بِمَعْنَى الْكَلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: (كَمَثَلِ رِيحٍ. . . .) إِلَى قَوْلِهِ: (فَأَهْلَكَتْهُ) مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَامْتَزَجَتِ الْمَعَانِي فِيهِ، وَفُهِمَ الْمَعْنَى. (ظَلَمُوا) : صِفَةٌ لِقَوْمٍ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ دُونِكُمْ) : صِفَةٌ لِبِطَانَةٍ. قِيلَ: مِنْ زَائِدَةٌ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى بِطَانَةً دُونَكُمْ فِي الْعَمَلِ وَالْإِيمَانِ. (لَا يَأْلُونَكُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَعْتٍ لِبِطَانَةٍ، أَوْ حَالٍ مِمَّا تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنْ، وَيَأْلُوا يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ. وَ (خَبَالًا) : عَلَى التَّمْيِيزِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ انْتَصَبَ لِحَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ، تَقْدِيرُهُ: لَا يَأْلُونَكُمْ فِي تَخْبِيلِكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ) . (

стр. 289

وَدُّوا) : مُسْتَأْنَفٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَأْلُونَكُمْ، وَقَدْ مَعَهُ مُرَادَةٌ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ ; أَيْ عَنَتَكُمْ. (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ) : حَالٌ أَيْضًا ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. (مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) : مَفْعُولُ بَدَتْ، وَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ; أَيْ ظَهَرَتْ خَارِجَةً مِنْ أَفْوَاهِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ) : قَدْ ذُكِرَ إِعْرَابُهُ فِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) [الْبَقَرَةِ: ٨٥] (بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) : الْكِتَابُ هُنَا جِنْسٌ ; أَيْ بِالْكُتُبِ كُلِّهَا، وَقِيلَ: هُوَ وَاحِدٌ. (عَضُّوا عَلَيْكُمُ) : عَلَيْكُمْ مَفْعُولُ عَضُّوا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ; أَيْ حَنِقِينَ عَلَيْكُمْ. (مِنَ الْغَيْظِ) : مُتَعَلِّقٌ بِعَضُّوا أَيْضًا، وَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ ; أَيْ مِنْ أَجْلِ الْغَيْظِ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ; أَيْ مُغْتَاظِينَ. (بِغَيْظِكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ كَمَا تَقُولُ مَاتَ بِالسُّمِّ ; أَيْ بِسَبَبِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ; أَيْ مُوتُوا مُغْتَاظِينَ. قَالَ تَعَالَى: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَضُرُّكُمْ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَهُوَ مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا بِمَعْنَى ضُرٍّ، وَيُقَالُ فِيهِ ضَارَّهُ يَضُورُهُ بِالْوَاوِ،

стр. 290

وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الضَّادِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا، وَهُوَ مِنْ ضَرَّ يَضُرُّ، وَفِي رَفْعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ فِي نِيَّةِ التَّقْدِيمِ ; أَيْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنْ تَتَّقُوا، وَهُوَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَذْفُ الْفَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُبَرِّدِ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الضَّمَّةُ إِعْرَابٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا لَيْسَتْ إِعْرَابًا ; بَلْ لَمَّا اضْطُرَّ إِلَى التَّحْرِيكِ حَرَّكَ بِالضَّمِّ إِتْبَاعًا لِضَمَّةِ الضَّادِ، وَقِيلَ: حَرَّكَهَا بِحَرَكَتِهَا الْإِعْرَابِيَّةِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهَا فِي الْأَصْلِ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مَجْزُومٌ حُرِّكَ بِالْفَتْحِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، إِذْ كَانَ أَخَفَّ مِنَ الضَّمِّ وَالْكَسْرِ. (شَيْئًا) : مَصْدَرٌ ; أَيْ ضَرَرًا. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ غَدَوْتَ) : أَيْ وَاذْكُرْ. (مِنْ أَهْلِكَ) : مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ ; وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ بَيْنِ أَهْلِكَ، وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ تَقْدِيرُهُ: فَارَقْتَ أَهْلَكَ. وَ (تُبَوِّئُ) : حَالٌ، وَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، وَإِلَى آخَرَ تَارَةً بِنَفْسِهِ، وَتَارَةً بِحَرْفِ الْجَرِّ، فَمِنَ الْأَوَّلِ هَذِهِ الْآيَةُ ; فَالْأَوَّلُ «الْمُؤْمِنِينَ» . وَالثَّانِي: «مَقَاعِدَ» وَمِنَ الثَّانِي: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ) [الْحَجِّ: ٢٦] وَقِيلَ: اللَّامُ فِيهِ زَائِدَةٌ. (لِلْقِتَالِ) : يَتَعَلَّقُ بِـ (تُبَوِّئُ) . وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَقَاعِدَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَقَاعِدَ ; لِأَنَّ الْمَقْعَدَ هُنَا الْمَكَانُ وَذَلِكَ لَا يَعْمَلُ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)) .

стр. 291

قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ هَمَّتْ) : إِذْ ظَرْفٌ لِـ (عَلِيمٌ) . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ (تُبَوِّئُ) ، وَأَنْ يَكُونَ لِـ (غَدَوْتَ) . (أَنْ تَفْشَلَا) : تَقْدِيرُهُ: بِأَنْ تَفْشَلَا ; فَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ، أَوْ جَرٌّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْخِلَافِ. (وَعَلَى) : يَتَعَلَّقُ بِيَتَوَكَّلُ، دَخَلَتِ الْفَاءُ لِمَعْنَى الشَّرْطِ، وَالْمَعْنَى إِنْ فَشِلُوا فَتَوَكَّلُوا أَنْتُمْ، وَإِنْ صَعُبَ الْأَمْرُ فَتَوَكَّلُوا. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِبَدْرٍ) : ظَرْفٌ، وَالْبَاءُ بِمَعْنَى فِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا. وَ (أَذِلَّةً) : جَمْعُ ذَلِيلٍ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ هَذَا الْبِنَاءِ فِرَارًا مِنْ تَكْرِيرِ اللَّامِ الَّذِي يَكُونُ فِي ذُلُلًا. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ) : تَقُولُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ «إِذْ هَمَّتْ» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِنَصَرَكُمْ. (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ) : هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ نَقَلَتْهُ إِلَّا الْإِثْبَاتِ، وَيَبْقَى زَمَانُ الْفِعْلِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. وَ (أَنْ يُمِدَّكُمْ) : فَاعِلُ يَكْفِيَكُمْ. (بِثَلَاثَةِ آلَافٍ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْفَاءِ، وَقَدْ أُسْكِنَتْ فِي الشَّوَاذِّ عَلَى أَنَّهُ أَجْرَى الْوَصْلَ مُجْرَى الْوَقْفِ، وَهَذِهِ التَّاءُ إِذَا وُقِفَ عَلَيْهَا كَانَتْ بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ الَّتِي يُوقَفُ عَلَيْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ تَاءَ التَّأْنِيثِ هِيَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهَا وَهِيَ لُغَةٌ. وَقُرِئَ شَاذًّا بِهَاءٍ سَاكِنَةٍ ; وَهُوَ إِجْرَاءُ الْوَصْلِ مُجْرَى الْوَقْفِ أَيْضًا، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْمُضَافَ وَالْمُضَافَ إِلَيْهِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ. (

стр. 292

مُسَوِّمِينَ) : بِكَسْرِ الْوَاوِ ; أَيْ مُسَوِّمِينَ خَيْلَهُمْ أَوْ أَنْفُسَهُمْ، وَبِفَتْحِهَا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا بُشْرَى) : مَفْعُولٌ ثَانٍ لِجَعَلَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، وَيَكُونُ جَعَلَ الْمُتَعَدِّيَةَ إِلَى وَاحِدٍ، وَالْهَاءُ فِي جَعَلَهُ تَعُودُ عَلَى إِمْدَادٍ أَوْ عَلَى التَّسْوِيمِ، أَوْ عَلَى النَّصْرِ أَوْ عَلَى التَّنْزِيلِ. (وَلِتَطْمَئِنَّ) : مَعْطُوفٌ عَلَى بُشْرَى إِذَا جَعَلْتَهَا مَفْعُولًا لَهُ، تَقْدِيرُهُ: لِيُبَشِّرَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ. وَيَجُوزُ يَتَعَلَّقُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بَشَّرَكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَقْطَعَ طَرَفًا) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ ; تَقْدِيرُهُ: لِيَقْطَعَ طَرَفًا أَمَدَّكُمْ بِالْمَلَائِكَةِ، أَوْ نَصَرَكُمْ. (أَوْ يَكْبِتَهُمْ) : قِيلَ: أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ. وَقِيلَ: هِيَ لِلتَّفْصِيلِ ; أَيْ كَانَ الْقَطْعُ لِبَعْضِهِمْ، وَالْكَبْتُ لِبَعْضِهِمْ، وَالتَّاءُ فِي يَكْبِتَهُمْ أَصْلٌ، وَقِيلَ: هِيَ بَدَلٌ مِنَ الدَّالِ، وَهُوَ مِنْ كَبَدْتُهُ أَصَبْتُ كَبِدَهُ. (فَتَنْقَلِبُوا) : مَعْطُوفٌ عَلَى يَقْطَعُ أَوْ يَكْبِتَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَيْسَ لَكَ) : اسْمُ لَيْسَ «شَيْءٌ» وَ «لَكَ» الْخَبَرُ. وَ «مِنَ الْأَمْرِ» حَالٌ مِنْ شَيْءٍ ; لِأَنَّهَا صِفَةٌ مُقَدَّمَةٌ. (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) : مَعْطُوفَانِ عَلَى يَقْطَعُ. وَقِيلَ: أَوْ بِمَعْنَى إِلَّا أَنْ.

стр. 293

قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَضْعَافًا) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الرِّبَا ; تَقْدِيرُهُ: مُضَاعَفًا. قَالَ تَعَالَى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَسَارِعُوا) : يُقْرَأُ بِالْوَاوِ وَحَذْفِهَا، فَمَنْ أَثْبَتَهَا عَطَفَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْأَوَامِرِ، وَمَنْ لَمْ يُثْبِتْهَا اسْتَأْنَفَ. وَيَجُوزُ إِمَالَةُ الْأَلِفِ هُنَا لِكَسْرَةِ الرَّاءِ. (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: عَرْضُهَا مِثْلُ عَرْضِ السَّمَاوَاتِ. (أُعِدَّتْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِلْجَنَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْهَا ; لِأَنَّهَا قَدْ وُصِفَتْ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا عَامِلَ، وَمَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مُتَأَوَّلٌ عَلَى ضَعْفِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَرْضَ هُنَا لَا يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ الْحَقِيقِيُّ ; بَلْ يُرَادُ بِهِ الْمَسَافَةُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْحَالِ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْحَالِ بِالْخَبَرِ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُتَّقِينَ، وَأَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي، وَأَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى إِضْمَارِ «هُمْ» . وَأَمَّا (الْكَاظِمِينَ) : فَعَلَى الْجَرِّ وَالنَّصْبِ.

стр. 294

قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي أَوْجُهِهِ الثَّلَاثَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَيَكُونُ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً ثَانِيًا، وَجَزَاؤُهُمْ ثَالِثًا، وَمَغْفِرَةٌ خَبَرُ الثَّالِثِ، وَالْجَمِيعُ خَبَرُ الَّذِينَ. وَ (ذَكَرُوا) : جَوَابُ إِذَا. (وَمَنْ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (يَغْفِرُ) : خَبَرُهُ. (إِلَّا اللَّهُ) : فَاعِلُ يَغْفِرُ، أَوْ بَدَلٌ مِنَ الْمُضْمَرِ فِيهِ، وَهُوَ الْوَجْهُ، لِأَنَّكَ إِذَا جَعَلْتَ اللَّهَ فَاعِلًا احْتَجْتَ إِلَى تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ ; أَيْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ لَهُ غَيْرُ اللَّهِ. (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُصِرُّوا، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي اسْتَغْفِرُوا، وَمَفْعُولُ يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ ; أَيْ يَعْلَمُونَ الْمُؤَاخَذَةَ بِهَا، أَوْ عَفْوَ اللَّهِ عَنْهَا. قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَنِعْمَ أَجْرُ) : الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ ; أَيْ وَنِعْمَ الْأَجْرُ الْجَنَّةُ. قَالَ تَعَالَى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِخَلَتْ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ سُنَنٍ، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي «سِيرُوا» ; لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى الشَّرْطِ ; أَيْ إِنْ شَكَكْتُمْ فَسِيرُوا. (كَيْفَ) : خَبَرُ «كَانَ» وَ «عَاقِبَةٌ» اسْمُهَا.

стр. 295

قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا تَهِنُوا) : الْمَاضِي وَهَنَ، وَحُذِفَتِ الْوَاوُ فِي الْمُضَارِعِ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ، وَ (الْأَعْلَوْنَ) : وَاحِدُهَا أَعْلَى، حُذِفَتْ مِنْهُ الْأَلِفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَبَقِيَتِ الْفَتْحَةُ تَدُلُّ عَلَيْهَا. قَالَ تَعَالَى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَرْحٌ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَرَحْتُهُ إِذَا جَرَحْتُهُ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْجُرْحِ أَيْضًا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: بِالضَّمِّ: أَلَمُ الْجِرَاحِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّهِمَا عَلَى الْإِتْبَاعِ كَالْيُسْرِ وَالْيُسُرِ، وَالطُّنْبِ وَالطُّنُبِ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ مَصْدَرُ قَرُحَ يَقْرَحُ إِذَا صَارَ لَهُ قُرْحَةً، وَهُوَ بِمَعْنَى دَمِيَ. (وَتِلْكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (الْأَيَّامُ) : خَبَرُهُ، وَ (نُدَاوِلُهَا) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى الْإِشَارَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَيَّامُ بَدَلًا، أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ، وَنُدَاوِلُهَا الْخَبَرُ، وَيُقْرَأُ يُدَاوِلُهَا بِالْيَاءِ، وَالْمَعْنَى مَفْهُومٌ.

стр. 296

وَ (بَيْنَ النَّاسِ) : ظَرْفٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ. (وَلِيَعْلَمَ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ ; تَقْدِيرُهُ: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ دَوَالَهَا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لِيَتَّعِظُوا وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ. وَقِيلَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ. وَ (مِنْكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَتَّخِذُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «شُهَدَاءَ» (وَلِيُمَحِّصَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى «وَلِيَعْلَمَ» . قَالَ تَعَالَى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ حَسِبْتُمْ) : أَمْ هُنَا مُنْقَطِعَةٌ ; أَيْ بَلْ أَحَسِبْتُمْ وَ (أَنْ تَدْخُلُوا) : أَنْ وَالْفِعْلُ يَسُدُّ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ. (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْمِيمِ عَطْفًا عَلَى الْأُولَى، وَبِضَمِّهَا عَلَى تَقْدِيرِ: وَهُوَ يَعْلَمُ، وَالْأَكْثَرُ فِي الْقِرَاءَةِ الْفَتْحُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَجْزُومٌ أَيْضًا، لَكِنَّ الْمِيمَ لَمَّا حُرِّكَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ حُرِّكَتْ بِالْفَتْحِ إِتْبَاعًا لِلْفَتْحَةِ قَبْلَهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى إِضْمَارِ أَنْ، وَالْوَاوُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْجَمْعِ، كَالَّتِي فِي قَوْلِهِمْ لَا تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبِ اللَّبَنَ. وَالتَّقْدِيرُ: أَظْنَنْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ، وَأَنْ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، وَيُقَرِّبُ عَلَيْكَ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّكَ لَوْ قَدَّرْتَ الْوَاوَ بِمَعَ صَحَّ الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابُ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْجَرِّ بِمِنْ وَإِضَافَتِهِ إِلَى الْجُمْلَةِ. وَقُرِئَ بِضَمِّ اللَّامِ ; وَالتَّقْدِيرُ: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أَنْ تَلْقَوْهُ

стр. 297

مِنْ قَبْلُ، فَأَنْ تَلْقَوْهُ بَدَلٌ مِنَ الْمَوْتِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ، وَالْمُرَادُ لِقَاءَ أَسْبَابِ الْمَوْتِ ; لِأَنَّهُ قَالَ: «فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ» وَإِذَا رَأَى الْمَوْتَ لَمْ تَبْقَ بَعْدَهُ حَيَاةٌ، وَيُقْرَأُ: «تُلَاقُوهُ» وَهُوَ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ; لِأَنَّ مَا لَقِيكَ فَقَدْ لَقِيتَهُ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ وَاحِدٍ مِثْلُ سَافَرْتُ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةً لِرَسُولٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي رَسُولٍ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «رُسُلٌ» نَكِرَةٌ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْمَعْرِفَةِ، وَمِنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِخَلَتْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الرُّسُلِ. أَفَإِنْ مَاتَ الْهَمْزَةُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ فِي مَوْضِعِهَا، وَالْفَاءُ تَدُلُّ عَلَى تَعَلُّقِ الشَّرْطِ بِمَا قَبْلَهُ، وَقَالَ يُونُسُ: الْهَمْزَةُ فِي مِثْلِ هَذَا حَقُّهَا أَنْ تَدْخُلَ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ تَقْدِيرُهُ: أَتَنْقَلِبُونَ عَلَى أَعْقَابِكُمْ إِنْ مَاتَ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ التَّنْبِيهُ أَوِ التَّوْبِيخُ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ الْمَشْرُوطِ، وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ الْحَقُّ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّكَ لَوْ قَدَّمْتَ الْجَوَابَ لَمْ يَكُنْ لِلْفَاءِ وَجْهٌ ; إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ تَقُولَ أَتَزُورُنِي فَإِنْ زُرْتُكَ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ: (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) [الْأَنْبِيَاءِ: ٣٤] وَالثَّانِي: أَنَّ الْهَمْزَةَ لَهَا صَدْرُ الْكَلَامِ، وَإِنْ لَهَا صَدْرُ الْكَلَامِ، وَقَدْ وَقَعَا فِي مَوْضِعِهِمَا، وَالْمَعْنَى يَتِمُّ بِدُخُولِ الْهَمْزَةِ عَلَى جُمْلَةِ الشَّرْطِ وَالْجَوَابِ ; لِأَنَّهُمَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ.

стр. 298

(عَلَى أَعْقَابِكُمْ) : حَالٌ ; أَيْ رَاجِعِينَ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ) : أَنْ تَمُوتَ اسْمُ كَانَ، وَ «إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» الْخَبَرُ وَاللَّامُ لِلتَّبْيِينِ مُتَعَلِّقَةٌ بَكَانِ. وَقِيلَ: هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ ; تَقْدِيرُهُ: الْمَوْتُ لِنَفْسٍ ; وَأَنْ تَمُوتَ تَبْيِينٌ لِلْمَحْذُوفِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ اللَّامُ بِتَمُوتَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْدِيمِ الصِّلَةِ عَلَى الْمَوْصُولِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: التَّقْدِيرُ: وَمَا كَانَ نَفْسٌ لِتَمُوتَ، ثُمَّ قُدِّمَتِ اللَّامُ. (كِتَابًا) : مَصْدَرٌ أَيْ كَتَبَ ذَلِكَ كِتَابًا. (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا) : بِالْإِظْهَارِ عَلَى الْأَصْلِ، وَبِالْإِدْغَامِ لِتَقَارُبِهِمَا. (نُؤْتِهِ مِنْهَا) : مِثْلُ: (يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) [آلِ عِمْرَانَ: ٧٥] (وَسَنَجْزِي) : بِالنُّونِ وَالْيَاءِ وَالْمَعْنَى مَفْهُومٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَأَيِّنْ) : الْأَصْلُ فِيهِ «أَيْ» الَّتِي هِيَ بَعْضٌ مِنْ كُلٍّ أُدْخِلَتْ عَلَيْهَا كَافُ التَّشْبِيهِ، وَصَارَ فِي مَعْنَى كَمِ الَّتِي لِلتَّكْثِيرِ ; كَمَا جُعِلَتِ الْكَافُ مَعَ ذَا فِي قَوْلِهِمْ «كَذَا» لِمَعْنَى لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَمَا أَنَّ مَعْنَى لَوْلَا بَعْدَ التَّرْكِيبِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا قَبْلَهُ، وَفِيهَا خَمْسَةُ أَوْجُهٍ كُلُّهَا قَدْ قُرِئَ بِهِ: فَالْمَشْهُورُ «كَأَيِّنْ» بِهَمْزَةٍ بَعْدَهَا يَاءٌ مُشَدَّدَةٌ وَهُوَ الْأَصْلُ.

стр. 299

وَالثَّانِي: «كَائِنٌ» بِأَلِفٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا هُوَ فَاعِلٌ مِنْ كَانَ يَكُونُ، حُكِيَ عَنِ الْمُبَرِّدِ، وَهُوَ بَعِيدُ الصِّحَّةِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ مُعْرَبًا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنَى التَّكْثِيرِ. وَالثَّانِي: أَنَّ أَصْلَهُ كَأَيِّنْ، قُدِّمَتِ الْيَاءُ الْمُشَدَّدَةُ عَلَى الْهَمْزَةِ، فَصَارَ كَيِّئٍ، فَوَزْنُهُ الْآنَ كَعْلِفٍ ; لِأَنَّكَ قَدَّمْتَ الْعَيْنَ وَاللَّامَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْيَاءُ الثَّانِيَةُ، لِثِقَلِهَا بِالْحَرَكَةِ وَالتَّضْعِيفِ، كَمَا قَالُوا فِي أَيِّهِمَا أَيْهُمَا، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْيَاءُ السَّاكِنَةُ أَلِفًا كَمَا أَبْدِلَتْ فِي آيَةٍ وَطَائِيٍّ وَقِيلَ: حُذِفَتِ الْيَاءُ السَّاكِنَةُ وَقُدِّمَتِ الْمُتَحَرِّكَةُ فَانْقَلَبَتْ أَلِفًا. وَقِيلَ: لَمْ يُحْذَفْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَكِنْ قُدِّمَتِ الْمُتَحَرِّكَةُ وَبَقِيَتِ الْأُخْرَى سَاكِنَةً وَحُذِفَتْ بِالتَّنْوِينِ مِثْلَ قَاضٍ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: كَإٍ عَلَى وَزْنِ كَعٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حُذِفَ إِحْدَى الْيَاءَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْأُخْرَى لِأَجْلِ التَّنْوِينِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ حُذِفَ الْيَاءَيْنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَاحْتَمَلَ ذَلِكَ لَمَّا امْتَزَجَ الْحَرْفَانِ. وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: «كَأْيٌ» بِيَاءٍ خَفِيفَةٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ حَذَفَ الْيَاءَ الثَّانِيَةَ، وَسَكَّنَ الْهَمْزَةَ لِاخْتِلَاطِ الْكَلِمَتَيْنِ، وَجَعَلَهُمَا كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، كَمَا سَكَّنُوا الْهَاءَ فِي لَهُوَ وَفَهُوَ، وَحَرَّكَ الْيَاءَ لِسُكُونِ مَا قَبْلَهَا. وَالْخَامِسُ: «كَيْئٌ» بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ قَبْلَ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي كَائِنٍ، وَقَدْ ذُكِرَ. فَأَمَّا التَّنْوِينُ فَأَبْقَى فِي الْكَلِمَةِ عَلَى مَا يَجِبُ لَهَا فِي الْأَصْلِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْذِفُهُ فِي الْوَقْفِ ; لِأَنَّهُ تَنْوِينٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُهُ فِيهِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ تَغَيَّرَ بِامْتِزَاجِ الْكَلِمَتَيْنِ. فَأَمَّا «أَيْ» فَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هِيَ مَصْدَرُ أَوَى يَأْوِي إِذَا انْضَمَّ وَاجْتَمَعَ، وَأَصْلُهُ أَوَى، فَاجْتَمَعَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ، وَسَبَقَتِ الْأُولَى بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتْ وَأُدْغِمَتْ مِثْلُ طَيٍّ وَشَيٍّ. وَأَمَّا مَوْضِعُ كَأَيِّنْ فَرَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَا تَكَادُ تُسْتَعْمَلُ إِلَّا وَبَعْدَهَا مِنْ، وَفِي الْخَبَرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا «قُتِلَ» وَفِي قُتِلَ الضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ، وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى كَأَيِّنْ ; لِأَنَّ كَأَيِّنْ فِي مَعْنَى

стр. 300

نَبِيٍّ ; وَالْجَيِّدُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى لَفْظِ كَأَيِّنْ، كَمَا تَقُولُ مِائَةُ نَبِيٍّ قُتِلَ، وَالضَّمِيرُ لِلْمِائَةِ إِذْ هِيَ الْمُبْتَدَأُ. فَإِنْ قُلْتَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأَنَّثْتَ فَقُلْتَ: قُتِلَتْ. قِيلَ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: كَثِيرٌ مِنَ الرِّجَالِ قُتِلَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ: مَعَهُ رِبِّيُّونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي قُتِلَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قُتِلَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةً لِنَبِيٍّ، وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ الْخَبَرُ، كَقَوْلِكَ: كَمْ مِنْ رَجُلٍ صَالِحٍ مَعَهُ مَالٌ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا ; أَيْ فِي الدُّنْيَا، أَوْ صَائِرٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قُتِلَ صِفَةً لِنَبِيٍّ، وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ حَالٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قُتِلَ لِرِبِّيِينَ، فَلَا ضَمِيرَ فِيهِ عَلَى هَذَا، وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ نَبِيٍّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا، فَيَصِيرُ فِي الْخَبَرِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِنَبِيٍّ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَيُقْرَأُ «قَاتَلَ» ; فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ مُضْمَرًا، وَمَا بَعْدَهُ حَالٌ، وَأَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ رِبِّيُّونَ. وَيُقْرَأُ: (قَتَّلَ) بِالتَّشْدِيدِ، فَعَلَى هَذَا لَا ضَمِيرَ فِي الْفِعْلِ لِأَجْلِ التَّكْثِيرِ، وَالْوَاحِدُ لَا تَكْثِيرَ فِيهِ، كَذَا ذَكَرَ ابْنُ جِنِّيٍّ، وَلَا يَمْتَنِعُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَمَاعَةِ، وَرِبِّيُّونَ بِكَسْرِ الرَّاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى الرَّبَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَيَجُوزُ ضَمُّ الرَّاءِ فِي الرَّبَّةِ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ قُرِئَ رُبِّيُّونَ بِالضَّمِّ، وَقِيلَ: مَنْ كَسَرَ أَتْبَعَ، وَالْفَتْحُ هُوَ الْأَصْلُ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الرَّبِّ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ. (

стр. 301

فَمَا وَهَنُوا) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْهَاءِ، وَقُرِئَ بِكَسْرِهَا، وَهِيَ لُغَةٌ، وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ. وَقُرِئَ بِإِسْكَانِهَا عَلَى تَخْفِيفِ الْمَكْسُورِ. وَ (اسْتَكَانُوا) : اسْتَفْعَلُوا مِنَ الْكَوْنِ، وَهُوَ الذُّلُّ، وَحُكِيَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّ أَصْلَهَا اسْتَكَنُوا، أُشْبِعَتِ الْفَتْحَةُ، فَنَشَأَتِ الْأَلِفُ وَهَذَا خَطَأٌ ; لِأَنَّ الْكَلِمَةَ فِي جَمِيعِ تَصَارِيفِهَا ثَبَتَتْ عَيْنُهَا ; تَقُولُ اسْتَكَانَ يَسْتَكِينُ اسْتِكَانَةً، فَهُوَ مُسْتَكِينٌ وَمُسْتَكَانٌ لَهُ وَالْإِشْبَاعُ لَا يَكُونُ عَلَى هَذَا الْحَدِّ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ اللَّامِ عَلَى أَنَّ اسْمَ كَانَ مَا بَعْدَ «إِلَّا» وَهُوَ أَقْوَى مِنْ أَنْ يُجْعَلَ خَبَرًا، وَالْأَوَّلُ اسْمًا ; لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ (أَنْ قَالُوا) : يُشْبِهُ الْمُضْمَرَ فِي أَنَّهُ لَا يُضْمَرُ فَهُوَ أَعْرَفُ. وَالثَّانِي: أَنَّ مَا بَعْدَ إِلَّا مُثْبَتٌ، وَالْمَعْنَى: كَانَ قَوْلُهُمْ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا دَأْبُهُمْ فِي الدُّعَاءِ. وَيُقْرَأُ بِرَفْعِ الْأَوَّلِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ كَانَ، وَمَا بَعْدَ إِلَّا الْخَبَرُ. (فِي أَمْرِنَا) : يَتَعَلَّقُ بِالْمَصْدَرِ، وَهُوَ إِسْرَافُنَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْهُ ; أَيْ إِسْرَافًا وَاقِعًا فِي أَمْرِنَا. قَالَ تَعَالَى: (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ النَّصْبَ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: بَلْ أَطِيعُوا اللَّهَ. قَالَ تَعَالَى: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الرُّعْبَ) : يُقْرَأُ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ. (

стр. 302

بِمَا أَشْرَكُوا) : الْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِنُلْقِي، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ لِتَعَلُّقِ «فِي» بِهِ أَيْضًا ; لِأَنَّ فِي ظَرْفٌ، وَالْبَاءُ بِمَعْنَى السَّبَبِ، فَهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَالثَّانِيَةُ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي، وَلَيْسَتْ مَصْدَرِيَّةً. (وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) : أَيِ النَّارُ، فَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وَالْمَثْوَى مَفْعَلٌ مِنْ ثَوَيْتُ، وَلَامُهُ يَاءٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ) : صَدَقَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ فِي مِثْلِ هَذَا النَّحْوِ، وَقَدْ يَتَعَدَّى إِلَى الثَّانِي بِحَرْفِ الْجَرِّ. فَيُقَالُ صَدَقْتَ زَيْدًا فِي الْحَدِيثِ: (إِذْ) : ظَرْفٌ لِصَدَقَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْوَعْدِ. (حَتَّى) : يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: دَامَ ذَلِكَ إِلَى وَقْتِ فَشَلِكُمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ فِي مِثْلِ هَذَا بِشَيْءٍ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ حَرْفَ جَرٍّ، بَلْ هِيَ حِرَفٌ تَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ بِمَعْنَى الْغَايَةِ، كَمَا تَدْخُلُ الْفَاءُ وَالْوَاوُ عَلَى الْجُمَلِ. وَجَوَابُ «إِذَا» مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بَانَ أَمْرُكُمْ. وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) . (ثُمَّ صَرَفَكُمْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ تُصْعِدُونَ) : تَقْدِيرُهُ: اذْكُرُوا إِذْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَعَصَيْتُمْ، أَوْ تَنَازَعْتُمْ، أَوْ فَشِلْتُمْ. (وَلَا تَلْوُونَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ التَّاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ) [آلِ عِمْرَانَ: ٧٨]

стр. 303

وَيُقْرَأُ بِضَمِّ التَّاءِ، وَمَاضِيهِ أَلْوَى، وَهِيَ لُغَةٌ، وَيُقْرَأُ: (عَلَى أَحَدٍ) بِضَمَّتَيْنِ، وَهُوَ الْجَبَلُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. (بِغَمٍّ) : التَّقْدِيرُ: بَعْدَ غَمٍّ ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةً لِغَمٍّ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى بِسَبَبِ الْغَمِّ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: بَدَلَ غَمٍّ فَيَكُونُ صِفَةً لَغَمٍّ أَيْضًا. (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا) : قِيلَ: «لَا» زَائِدَةٌ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ غَمَّهُمْ لِيُحْزِنَهُمْ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى تَرْكِهِمْ مَوَاقِفَهُمْ. وَقِيلَ: لَيْسَتْ زَائِدَةً ; وَالْمَعْنَى عَلَى نَفْيِ الْحُزْنِ عَنْهُمْ بِالتَّوْبَةِ. وَكَيْ هَاهُنَا هِيَ الْعَامِلَةُ بِنَفْسِهَا لِأَجْلِ اللَّامِ قَبْلَهَا. قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمَنَةً) : الْمَشْهُورُ فِي الْقِرَاءَةِ فَتْحُ الْمِيمِ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْأَمْنِ، وَيُقْرَأُ بِسُكُونِهَا، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِثْلُ الْأَمْرِ، وَ (نُعَاسًا) : بَدَلٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيَانٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نُعَاسًا هُوَ الْمَفْعُولُ، وَأَمَنَةً حَالٌ مِنْهُ، وَالْأَصْلُ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ نُعَاسًا ذَا أَمَنَةٍ ; لِأَنَّ النُّعَاسَ لَيْسَ هُوَ الْأَمْنُ ; بَلْ هُوَ الَّذِي حَصَلَ الْأَمْنُ بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمَنَةٌ مَفْعُولًا. (

стр. 304

يَغْشَى) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى أَنَّهُ النُّعَاسُ، وَبِالتَّاءِ لِلْأَمَنَةِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ. وَ (طَائِفَةً) : مُبْتَدَأٌ، وَ (قَدْ أَهَمَّتْهُمْ) : خَبَرُهُ: «يَظُنُّونَ» حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي أَهَمَّتْهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَهَمَّتْهُمْ صِفَةً، وَيَظُنُّونَ الْخَبَرَ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَالْعَامِلُ يَغْشَى، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْوَاوُ وَاوَ الْحَالِ. وَقِيلَ: الْوَاوُ بِمَعْنَى إِذْ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَ (غَيْرَ الْحَقِّ) : الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ ; أَيْ أَمْرًا غَيْرَ الْحَقِّ، وَبِاللَّهِ الثَّانِي. وَ (ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) : مَصْدَرٌ تَقْدِيرُهُ: ظَنًّا يُمَثِّلُ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ. (مِنْ شَيْءٍ) : مِنْ زَائِدَةٌ، وَمَوْضِعُهُ رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَنَا، فَمِنَ الْأَمْرِ عَلَى هَذَا حَالٌ; إِذِ الْأَصْلُ هَلْ شَيْءٌ مِنَ الْأَمْرِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَمْرِ هُوَ الْخَبَرُ، وَلَنَا تَبْيِينٌ، وَتَتِمُّ الْفَائِدَةُ كَقَوْلِهِ: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الْإِخْلَاصِ: ٤] . (كُلَّهُ لِلَّهِ) : يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَلَى التَّوْكِيدِ، أَوِ الْبَدَلِ، وَلِلَّهِ الْخَبَرُ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَلِلَّهِ الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ. (يَقُولُونَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُخْفُونَ وَ (شَيْءٍ) : اسْمُ كَانَ، وَالْخَبَرُ لَنَا، أَوْ مِنَ الْأَمْرِ مِثْلُ: «هَلْ لَنَا» . (لَبَرَزَ الَّذِينَ) : بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ وَيُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ; أَيْ أُخْرِجُوا بِأَمْرِ اللَّهِ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)) .

стр. 305

قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِذَا هُنَا يُحْكَى بِهَا حَالُهُمْ، فَلَا يُرَادُ بِهَا الْمُسْتَقْبَلُ لَا مَحَالَةَ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا قَالُوا وَهُوَ لِلْمَاضِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَفَرُوا، وَقَالُوا مَاضِيَيْنِ. وَيُرَادُ بِهَا الْمُسْتَقْبَلُ الْمَحْكِيُّ بِهِ الْحَالَ ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: يَكْفُرُونَ وَيَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمْ. (أَوْ كَانُوا غُزًّى) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَشْدِيدِ الزَّايِ، وَهُوَ جَمْعُ غَازٍ، وَالْقِيَاسُ غُزَاةٌ، كَقَاضٍ وَقُضَاةٍ، لَكِنَّهُ جَاءَ عَلَى فُعَّلٍ حَمْلًا عَلَى الصَّحِيحِ ; نَحْوَ شَاهِدٍ وَشُهَّدٍ وَصَائِمٍ وَصُوَّمٍ. وَيُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ الزَّايِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَصْلَهُ غُزَاةٌ، فَحُذِفَتِ الْهَاءُ تَخْفِيفًا ; لِأَنَّ التَّاءَ دَلِيلُ الْجَمْعِ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِ الصِّفَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ قِرَاءَةَ الْجَمَاعَةِ، فَحَذَفَ إِحْدَى الزَّايَيْنِ كَرَاهِيَةَ التَّضْعِيفِ. لِيَجْعَلَ اللَّهُ: اللَّامُ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ ; أَيْ نَدَمَهُمْ أَوْ أَوْقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ ذَلِكَ لِيَجْعَلَهُ حَسْرَةً، وَجَعَلَ هُنَا بِمَعْنَى صَيَّرَ، وَقِيلَ: اللَّامُ هُنَا لَامُ الْعَاقِبَةِ ; أَيْ صَارَ أَمْرُهُمْ إِلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا) . قَالَ تَعَالَى: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)) .

стр. 306

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ مُتُّمْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْمِيمِ، وَهُوَ الْأَصْلُ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ مِنْهُ يَمُوتُ، وَيُقْرَأُ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ لُغَةٌ، يُقَالُ: مَاتَ يَمَاتُ ; مِثْلُ خَافَ يَخَافُ، فَكَمَا تَقُولُ خِفْتَ تَقُولُ مِتَّ. (لَمَغْفِرَةٌ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (مِنَ اللَّهِ) : صِفَتُهُ. (وَرَحْمَةٌ) : مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَرَحْمَةٌ لَهُمْ. وَ «خَيْرٌ» الْخَبَرُ وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا ; أَيْ مِنْ جَمْعِهِمُ الْمَالَ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَإِلَى اللَّهِ) : اللَّامُ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَلِدُخُولِهَا عَلَى حَرْفِ الْجَرِّ جَازَ أَنْ يَأْتِيَ «يُحْشَرُونَ» غَيْرُ مُؤَكَّدٍ بِالنُّونِ، وَالْأَصْلُ لَتُحْشَرُونَ إِلَى اللَّهِ. قَالَ تَعَالَى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ) : مَا زَائِدَةٌ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ وَغَيْرُهُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَكِرَةً بِمَعْنَى شَيْءٍ، وَ (رَحْمَةٍ) بَدَلٌ مِنْهُ، وَالْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِـ «لِنْتَ» (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) : الْأَمْرُ هُنَا جِنْسٌ وَهُوَ عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِمُشَاوَرَتِهِمْ فِي الْفَرَائِضِ، وَلِذَلِكَ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي بَعْضِ الْأَمْرِ. (فَإِذَا عَزَمْتَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الزَّايِ ; أَيْ إِذَا تَخَيَّرْتَ أَمْرًا بِالْمُشَاوَرَةِ وَعَزَمْتَ عَلَى فِعْلِهِ «فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»

стр. 307

وَيُقْرَأُ بِضَمِّ التَّاءِ ; أَيْ إِذَا أَمَرْتُكَ بِفِعْلِ شَيْءٍ، فَتَوَكَّلْ عَلَيَّ، فَوُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَنْ ذَا الَّذِي) : هُوَ مِثْلُ: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ» وَقَدْ ذُكِرَ، (مِنْ بَعْدِهِ) : أَيْ مِنْ بَعْدِ خِذْلَانِهِ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ ضَمِيرُ الْخِذْلَانِ أَيْ بَعْدَ الْخِذْلَانِ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يَغُلَّ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْغَيْنِ عَلَى نِسْبَةِ الْفِعْلِ إِلَى النَّبِيِّ ; أَيْ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (يَأْتِ بِمَا غَلَّ) وَمَفْعُولُ يَغُلُّ مَحْذُوفٌ ; أَيْ يَغُلُّ الْغَنِيمَةَ أَوِ الْمَالَ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ، عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَفِي الْمَعْنَى ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَاضِيهِ أَغْلَلْتُهُ ; أَيْ نَسَبْتُهُ إِلَى الْغُلُولِ، كَمَا تَقُولُ أَكْذَبْتُهُ إِذَا نَسَبْتُهُ إِلَى الْكَذِبِ ; أَيْ لَا يُقَالُ عَنْهُ إِنَّهُ يَغُلُّ ; أَيْ يَخُونُ. الثَّانِي هُوَ مِنْ أَغْلَلْتُهُ، إِذَا وَجَدْتُهُ غَالًّا ; كَقَوْلِكَ أَحْمَدْتُ الرَّجُلَ إِذَا أَصَبْتُهُ مَحْمُودًا. وَالثَّالِثُ: مَعْنَاهُ أَنْ يَغُلَّهُ غَيْرُهُ ; أَيْ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُخَانَ. (وَمَنْ يَغْلُلْ) : مُسْتَأْنَفَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فِي حَالِ عِلْمِ الْغَالِّ بِعُقُوبَةِ الْغُلُولِ.

стр. 308

قَالَ تَعَالَى: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ) : مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ «كَمَنْ» الْخَبَرُ، وَلَا يَكُونُ شَرْطًا ; لِأَنَّ كَمَنْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا وَ (بِسَخَطٍ) : حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُمْ دَرَجَاتٌ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: ذُو دَرَجَاتٍ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ. وَ (عِنْدَ اللَّهِ) : ظَرْفٌ لِمَعْنَى دَرَجَاتٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: هُمْ مُتَفَاضِلُونَ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِدَرَجَاتٍ. قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِبَعْثٍ. وَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ) [الْبَقَرَةِ: ١٢٩. قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةٌ لِمُصِيبَةٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا أَصَابَكُمْ) : مَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ: «فَبِإِذْنِ اللَّهِ» ; أَيْ وَاقِعٌ بِإِذْنِ اللَّهِ. (

стр. 309

وَلِيَعْلَمَ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ ; أَيْ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ أَصَابَكُمْ هَذَا، وَيَجُوزَ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَعْنَى فَبِإِذْنِ اللَّهِ تَقْدِيرُهُ: فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِأَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ. (تَعَالَوْا قَاتِلُوا) : إِنَّمَا لَمْ يَأْتِ بِحَرْفِ الْعَطْفِ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجُمْلَتَيْنِ مَقْصُودَةً بِنَفْسِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ، وَتَعَالَوْا ذَكَرَ مَا لَوْ سَكَتَ عَنْهُ، لَكَانَ فِي الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: الْأَمْرُ الثَّانِي حَالٌ. (هُمْ لِلْكُفْرِ) : اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: «لِلْكُفْرِ» وَ «لِلْإِيمَانِ» مُتَعَلِّقَةٌ بِأَقْرَبَ، وَجَازَ أَنْ يَعْمَلَ أَقْرَبُ فِيهِمَا ; لِأَنَّهُمَا يُشْبِهَانِ الظَّرْفَ، وَكَمَا عَمِلَ أَطْيَبُ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا بُسْرًا أَطْيَبُ مِنْهُ رُطَبًا فِي الظَّرْفَيْنِ الْمُقَدَّرَيْنِ ; لِأَنَّ أَفْعَلَ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ وَزِيَادَتِهِ، فَيَعْمَلُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَعْنًى غَيْرِ الْآخَرِ ; فَتَقْدِيرُهُ: يَزِيدُ قُرْبُهُمْ إِلَى الْكُفْرِ عَلَى قُرْبِهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ، وَاللَّامُ هُنَا عَلَى بَابِهَا. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى إِلَى. (يَقُولُونَ) : مُسْتَأْنَفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي أَقْرَبِ ; أَيْ قَرُبُوا إِلَى الْكُفْرِ قَائِلِينَ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ قَالُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ صِفَةً لِلَّذِينِ نَافَقُوا، أَوْ بَدَلًا مِنْهُ وَفِي مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ الْمَجْرُورِ فِي أَفْوَاهِهِمْ أَوْ قُلُوبِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ «قُلْ فَادْرَءُوا» وَالتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهُمْ. (

стр. 310

وَقَعَدُوا) : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الصِّلَةِ مُعْتَرِضًا بَيْنَ قَالُوا وَمَعْمُولِهَا، وَهُوَ «لَوْ أَطَاعُونَا» وَأَنْ يَكُونَ حَالًا، وَقَدْ مُرَادَةٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلْ أَحْيَاءٌ) : أَيْ بَلْ هُمْ أَحْيَاءٌ. وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى (أَمْوَاتًا) ، كَمَا تَقُولُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا قَائِمًا ; بَلْ قَاعِدًا. وَقِيلَ: أَضْمَرَ الْفِعْلَ، تَقْدِيرُهُ: بَلِ احْسِبُوهُمْ أَحْيَاءً، وَحَذَفَ ذَلِكَ لِتَقَدُّمِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) : صِفَةٌ لِأَحْيَاءٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِأَحْيَاءٍ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَحْيَوْنَ عِنْدَ اللَّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ «يُرْزَقُونَ» ، وَيُرْزَقُونَ صِفَةٌ لِأَحْيَاءٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي أَحْيَاءٍ ; أَيْ يَحْيَوْنَ مَرْزُوقِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ إِذَا جَعَلْتَهُ صِفَةً. قَالَ تَعَالَى: (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَرِحِينَ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُرْزَقُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِأَحْيَاءٌ ; إِذَا نُصِبَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الْمَدْحِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الضَّمِيرِ فِي أَحْيَاءٌ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ. (مِنْ فَضْلِهِ) : حَالٌ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ فِي الظَّرْفِ ; تَقْدِيرُهُ: بِمَا آتَاهُمُوهُ كَائِنًا مِنْ فَضْلِهِ.

стр. 311

وَ (يَسْتَبْشِرُونَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى فَرِحِينَ ; لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ هُنَا يُشْبِهُ الْفِعْلَ الْمُضَارِعَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي فَرِحِينَ، أَوْ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي آتَاهُمْ. (مِنْ خَلْفِهِمْ) : مُتَعَلِّقٌ بِيَلْحَقُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا تَقْدِيرُهُ: مُتَخَلِّفِينَ عَنْهُمْ. (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) : أَيْ بِأَنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، فَأَنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وَمَوْضِعُ الْجُمْلَةِ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ ; أَيْ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِسَلَامَةِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لِأَنَّهُمْ لَا خَوْفَ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ. قَالَ تَعَالَى: (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَسْتَبْشِرُونَ) : هُوَ مُسْتَأْنَفٌ مُكَرَّرٌ لِلتَّوْكِيدِ. (وَأَنَّ اللَّهَ) : بِالْفَتْحِ عَطْفًا عَلَى بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ; أَيْ وَبِأَنَّ اللَّهَ وَبِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا) : فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أَوْ نَصْبٍ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ «هُمْ» ، أَوْ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ «لِلَّذِينِ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا» وَمِنْهُمْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي أَحْسَنُوا. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) : بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا أَوْ صِفَةٌ. (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) : الْفَاعِلُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: زَادَهُمُ الْقَوْلُ. (

стр. 312

حَسْبُنَا اللَّهُ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَحَسْبُ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ اسْمِ الْفَاعِلِ تَقْدِيرُهُ: فَحَسْبُنَا اللَّهُ ; أَيْ كَافِينَا. يُقَالُ أَحْسَبَنِي الشَّيْءُ ; أَيْ كَفَانِي. قَالَ تَعَالَى: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ. (لَمْ يَمْسَسْهُمْ) : حَالٌ أَيْضًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي انْقَلَبُوا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهَا بِنِعْمَةٍ، وَصَاحِبُ الْحَالِ الضَّمِيرُ فِي الْحَالِ ; تَقْدِيرُهُ: فَانْقَلَبُوا مُنَعَّمِينَ بَرِيئِينَ مِنْ سُوءٍ. (وَاتَّبَعُوا) : مَعْطُوفٌ عَلَى انْقَلَبُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ; أَيْ وَقَدِ اتَّبَعُوا. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكُمُ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «الشَّيْطَانُ» : خَبَرُهُ. وَ (يُخَوِّفُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَالْعَامِلُ الْإِشَارَةُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْطَانُ بَدَلًا أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ، وَيُخَوِّفُ الْخَبَرُ، وَالتَّقْدِيرُ: يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ، وَقُرِئَ فِي الشُّذُوذِ «يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاؤُهُ» وَقِيلَ: لَا حَذْفَ فِيهِ، وَالْمَعْنَى يُخَوِّفُ مَنْ يَتْبَعُهُ، فَأَمَّا مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ فَلَا يَخَافُهُ. (فَلَا تَخَافُوهُمْ) : إِنَّمَا جَمَعَ الضَّمِيرَ ; لِأَنَّ الشَّيْطَانَ جِنْسٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْأَوْلِيَاءِ.

стр. 313

قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَحْزُنْكَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الزَّايِ، وَالْمَاضِي حَزِنَهُ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ، وَالْمَاضِي أَحْزَنَ، وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وَقِيلَ: حَزِنَ حَدَثَ لَهُ الْحُزْنُ، وَحَزَنَتْهُ أَحْدَثَتْ لَهُ الْحُزْنَ، وَأَحْزَنَتْهُ عَرَّضَتْهُ لِلْحُزْنِ. (يُسَارِعُونَ) : يُقْرَأُ بِالْإِمَالَةِ وَالتَّفْخِيمِ، وَيُقْرَأُ يُسْرِعُونَ بِغَيْرِ أَلِفٍ مِنْ أَسْرَعِ. (شَيْئًا) : فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ ; أَيْ ضَرَرًا. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَفَاعِلُهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَأَمَّا الْمَفْعُولَانِ فَالْقَائِمُ مَقَامَهُمَا قَوْلُهُ «أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ» فَإِنَّ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ تَسُدُّ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. وَعِنْدَ الْأَخْفَشِ الْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: نَافِعًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَفِي «مَا» وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي.

стр. 314

وَالثَّانِي: مَصْدَرِيَّةٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَافَّةً وَلَا زَائِدَةً، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَانْتَصَبَ خَيْرٌ بِنُمْلِي، وَاحْتَاجَتْ أَنَّ إِلَى خَبَرٍ، إِذَا كَانَتْ مَا زَائِدَةً، أَوْ قُدِّرَ الْفِعْلُ يَلِيهَا، وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ. وَقَدْ قُرِئَ شَاذًّا بِالنَّصْبِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ خَبَرُ أَنَّ، وَلَهُمْ تَبْيِينٌ أَوْ حَالٌ مِنْ خَيْرٍ، وَقَدْ قُرِئَ فِي الشَّاذِّ بِكَسْرِ إِنَّ، وَهُوَ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَالْقَسَمُ وَجَوَابُهُ يَسُدَّانِ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ (تَحْسَبَنَّ) : بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ لِلنَّبِيِّ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ وَفِي الْمَفْعُولِ الثَّانِي وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْجُمْلَةُ مِنْ أَنْ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَفْعُولَ الْأَوَّلَ مَحْذُوفٌ أُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ وَالتَّقْدِيرُ: وَلَا تَحْسَبَنَّ إِمْلَاءَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وَقَوْلُهُ: أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ بَدَلٌ مِنَ الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ وَالْجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ وَالتَّقْدِيرُ: وَلَا تَحْسَبَنَّ أَنَّ إِمْلَاءَ الَّذِينَ كَفَرُوا خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ وَيَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَ أَنَّ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَدَلَ الِاشْتِمَالِ وَالْجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ. (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا) : مُسْتَأْنَفٌ، وَقِيلَ: أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ تَكْرِيرٌ لِلْأَوَّلِ وَلِيَزْدَادُوا هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِتَحْسَبَ عَلَى قِرَاءَةِ التَّاءِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ إِمْلَاءَ الَّذِينَ كَفَرُوا خَيْرًا لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا ; بَلْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا، وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَرَأَهُ كَذَلِكَ.

стр. 315

قَالَ تَعَالَى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ) : خَبَرُ كَانَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَا كَانَ اللَّهُ مُرِيدًا لِأَنْ يَذَرَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ لِيَذَرَ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ اللَّامِ يَنْتَصِبُ بِأَنْ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَتْرُكَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَخَبَرُ كَانَ هُوَ اسْمُهَا فِي الْمَعْنَى، وَلَيْسَ التَّرْكُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: اللَّامُ زَائِدَةٌ، وَالْخَبَرُ هُوَ الْفِعْلُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ مَا بَعْدَهَا قَدِ انْتَصَبَ فَإِنْ كَانَ النَّصْبُ بِاللَّامِ نَفْسِهَا فَلَيْسَتْ زَائِدَةً، وَإِنْ كَانَ النَّصْبُ بِأَنْ فَسَدَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَأَصْلُ يَذَرُ يَوْذَرُ، فَحُذِفَتِ الْوَاوُ تَشْبِيهًا لَهَا بِيَدَعُ ; لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا، وَلَيْسَ لِحَذْفِ الْوَاوِ فِي يَذَرُ عِلَّةٌ إِذْ لَمْ تَقَعْ بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ، وَلَا مَا هُوَ فِي تَقْدِيرِ الْكَسْرَةِ، بِخِلَافِ يَدَعُ فَإِنَّ الْأَصْلَ يَوْدَعُ فَحُذِفَتِ الْوَاوُ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ الْيَاءِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِي تَقْدِيرِ الْكَسْرَةِ ; إِذِ الْأَصْلُ يَوْدِعُ مِثْلُ يَوْعِدُ، وَإِنَّمَا فُتِحَتِ الدَّالُ مِنْ يَدَعُ ; لِأَنَّ لَامَهُ حَرْفٌ حَلْقِيٌّ فَيُفْتَحُ لَهُ مَا قَبْلَهُ، وَمِثْلُهُ يَسَعُ وَيَطَأُ، وَيَقَعُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنْ يَذَرُ مَاضِيًا اكْتِفَاءً بِتَرَكَ. (يَمِيزَ) : يُقْرَأُ بِسُكُونِ الْيَاءِ، وَمَاضِيهِ مَازَ وَبِتَشْدِيدِهَا، وَمَاضِيهِ مَيَّزَ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَيْسَ التَّشْدِيدُ لِتَعَدِّي الْفِعْلِ مِثْلُ فَرِحَ وَفَرَّحْتُهُ ; لِأَنَّ مَازَ وَمَيَّزَ يَتَعَدَّيَانِ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ، وَ «الَّذِينَ يَبْخَلُونَ» الْفَاعِلُ، وَفِي الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ وَجْهَانِ:

стр. 316

أَحَدُهُمَا: «هُوَ» ، وَهُوَ ضَمِيرُ الْبُخْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ يَبْخَلُونَ. وَالثَّانِي: هُوَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الْبُخْلُ، وَ «هُوَ» عَلَى هَذَا فَصْلٌ. وَيُقْرَأُ: «تَحْسَبَنَّ» بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ فِيهِ إِضْمَارُ الْبُخْلِ، قَبْلَ ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى هَذَا فَصْلٌ، أَوْ تَوْكِيدٌ، وَالْأَصْلُ فِي (مِيرَاثُ) : مِوْرَاثٌ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَالْمِيرَاثُ مَصْدَرٌ كَالْمِيعَادِ. قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ) : الْعَامِلُ فِي مَوْضِعِ إِنَّ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ قَالُوا، وَهِيَ الْمَحْكِيَّةُ بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِقَوْلِ الْمُضَافِ ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فِي إِعْمَالِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَصْلٌ ضَعِيفٌ وَيَزْدَادُ هُنَا ضَعْفًا ; لِأَنَّ الثَّانِيَ فِعْلٌ، وَالْأَوَّلَ مَصْدَرٌ، وَإِعْمَالُ الْفِعْلِ أَقْوَى. (سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا) : يُقْرَأُ بِالنُّونِ، وَمَا قَالُوا مَنْصُوبٌ بِهِ. (وَقَتْلَهُمُ) : مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي، وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ، وَتَسْمِيَةُ الْفَاعِلِ، وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَقَتْلُهُمْ بِالرَّفْعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. (

стр. 317

وَنَقُولُ) : بِالنُّونِ وَالْيَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «بِمَا» خَبَرُهُ ; وَالتَّقْدِيرُ: مُسْتَحَقٌّ بِمَا قَدَّمَتْ. وَ (ظَلَّامٍ) : فَعَّالٍ مِنَ الظُّلْمِ. فَإِنْ قِيلَ: بِنَاءُ فَعَّالٍ لِلتَّكْثِيرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الظُّلْمِ الْكَثِيرِ نَفْيُ الظُّلْمِ الْقَلِيلِ، فَلَوْ قَالَ بِظَالِمٍ لَكَانَ أَدَلَّ عَلَى نَفْيِ الظُّلْمِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ. فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ فَعَّالًا قَدْ جَاءَ لَا يُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ كَقَوْلِ طَرَفَةَ. وَلَسْتُ بِحَلَّالِ التِّلَاعِ مَخَافَةً وَلَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدُ الْقَوْمُ أَرْفُدِ. لَا يُرِيدُ هَاهُنَا أَنَّهُ قَدْ يَحُلُّ التِّلَاعَ قَلِيلًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ: مَتَى يَسْتَرْفِدُ الْقَوْمُ أَرْفُدِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْبُخْلِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلِأَنَّ تَمَامَ الْمَدْحِ لَا يَحْصُلُ بِإِرَادَتِهِ الْكَثْرَةَ، وَالثَّانِي: أَنَّ ظَلَّامٍ هُنَا لِلْكَثْرَةِ، لِأَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلْعِبَادِ، وَفِي الْعِبَادِ كَثْرَةٌ، وَإِذَا قُوبِلَ بِهِمُ الظُّلْمُ كَانَ كَثِيرًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا نَفَى الظُّلْمَ الْكَثِيرَ انْتَفَى الظُّلْمُ الْقَلِيلُ ضَرُورَةً ; لِأَنَّ الَّذِي يَظْلِمُ إِنَّمَا يَظْلِمُ لِانْتِفَاعِهِ بِالظُّلْمِ، فَإِذَا تَرَكَ الظُّلْمَ الْكَثِيرَ مَعَ زِيَادَةِ نَفْعِهِ فِي حَقِّ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّفْعُ وَالضُّرُّ، كَانَ لِلظُّلْمِ الْقَلِيلِ الْمَنْفَعَةِ أَتْرَكَ. وَفِيهِ وَجْهٌ رَابِعٌ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى النَّسَبِ ; أَيْ لَا يُنْسَبُ إِلَى الظُّلْمِ فَيَكُونُ مِنْ بَزَّازٍ وَعَطَّارٍ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ قَالُوا) : هُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: (الَّذِينَ قَالُوا) [آلِ عِمْرَانَ: ١٨١] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإِضْمَارِ أَعْنِي، وَرَفْعًا عَلَى إِضْمَارِ «هُمْ» . (

стр. 318

أَلَّا نُؤْمِنَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى تَقْدِيرِ بِأَنْ لَا نُؤْمِنَ ; لِأَنَّ مَعْنَى عَهِدَ وَصَّى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ حَرْفِ الْجَرِّ وَإِفْضَاءِ الْفِعْلِ إِلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِنَفْسِ عَهِدَ ; لِأَنَّكَ تَقُولُ عَهِدْتُ إِلَيْهِ عَهْدًا لَا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَلْزَمْتُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تُكْتَبَ أَنْ مَفْصُولَةً وَمَوْصُولَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْذِفُهَا فِي الْخَطِّ اكْتِفَاءً بِالتَّشْدِيدِ. (حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ) : فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ; تَقْدِيرُهُ: بِتَقْرِيبِ قُرْبَانٍ ; أَيْ يَشْرَعُ لَنَا ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالزُّبُرِ) : يُقْرَأُ بِغَيْرِ بَاءٍ، اكْتِفَاءً بِحَرْفِ الْعَطْفِ، وَبِالْبَاءِ عَلَى إِعَادَةِ الْجَارِّ، وَالزُّبُرِ جَمْعُ زَبُورٍ مِثْلُ رَسُولٍ وَرُسُلٍ (وَالْكِتَابِ) : جِنْسٌ. قَالَ تَعَالَى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلُّ نَفْسٍ) : مُبْتَدَأٌ ; وَجَازَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُمُومِ ; وَ (ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) : الْخَبَرُ، وَأَنَّثَ عَلَى مَعْنَى كُلٍّ ; لِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ نُفُوسٌ وَلَوْ ذُكِرَ عَلَى لَفْظِ كُلٍّ جَازَ،

стр. 319

وَإِضَافَةُ (ذَائِقَةُ) غَيْرُ مَحْضَةٍ ; لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ يُحْكَى بِهَا الْحَالُ وَقُرِئَ شَاذًّا: ذَائِقَةٌ الْمَوْتَ بِالتَّنْوِينِ وَالْإِعْمَالِ، وَيُقْرَأُ شَاذًّا أَيْضًا «ذَائِقُهُ الْمَوْتُ» عَلَى جَعْلِ الْهَاءِ ضَمِيرَ كُلٍّ عَلَى اللَّفْظِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. (وَإِنَّمَا) : «مَا» هَاهُنَا كَافَّةٌ ; فَلِذَلِكَ نَصَبَ «أُجُورَكُمْ» بِالْفِعْلِ، وَلَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى الَّذِي أَوْ مَصْدَرِيَّةً لَرَفَعَ أُجُورَكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَتُبْلَوُنَّ) : الْوَاوُ فِيهِ لَيْسَتْ لَامَ الْكَلِمَةِ بَلْ وَاوَ الْجَمْعِ حُرِّكَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَضَمَّةُ الْوَاوِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَحْذُوفِ، وَلَمْ تُقْلَبِ الْوَاوُ أَلِفًا مَعَ تَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَارِضٌ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ هَمْزُهَا مَعَ انْضِمَامِهَا، وَلَوْ كَانَتْ لَازِمَةً لَجَازَ ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَتُبَيِّنُنَّهُ) ، (وَلَا تَكْتُمُونَهُ) : يُقْرَآنِ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ ; لِأَنَّ الرَّاجِعَ إِلَيْهِ الضَّمِيرُ اسْمٌ ظَاهِرٌ، وَكُلُّ ظَاهِرٍ يُكَنَّى عَنْهُ بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ. وَيُقْرَآنِ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، تَقْدِيرُهُ: وَقُلْنَا لَهُمْ لَتُبَيِّنُنَّهُ. وَلَمَّا كَانَ أَخْذُ الْمِيثَاقِ فِي مَعْنَى الْقَسَمِ، جَاءَ بِاللَّامِ وَالنُّونِ فِي الْفِعْلِ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا فِي يَكْتُمُونَ اكْتِفَاءً بِالتَّوْكِيدِ فِي الْفِعْلِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ تَكْتُمُونَهُ تَوْكِيدٌ. قَالَ تَعَالَى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)) .

стр. 320

قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ، وَكَذَلِكَ (فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ) : بِالْيَاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ. وَفَاعِلُ الْأَوَّلِ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ، وَأَمَّا مَفْعُولَاهُ فَمَحْذُوفَانِ اكْتِفَاءً بِمَفْعُولَيْ تَحْسَبَنَّهُمْ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ فِيهِمَا وَاحِدٌ، فَالْفِعْلُ الثَّانِي تَكْرِيرٌ لِلْأَوَّلِ، وَحَسُنَ لَمَّا طَالَ الْكَلَامُ الْمُتَّصِلُ بِالْأَوَّلِ، وَالْفَاءُ زَائِدَةٌ، فَلَيْسَتْ لِلْعَطْفِ، وَلَا لِلْجَوَابِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِمَفَازَةٍ، هُوَ مَفْعُولُ حَسِبَ الْأَوَّلُ، وَمَفْعُولُهُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ مَفْعُولُ حَسِبَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ أَنْفُسَهُمْ بِمَفَازَةٍ، وَهُمْ فِي «فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ» هُوَ أَنْفُسَهُمْ؛ أَيْ: فَلَا يَحْسَبَنَّ أَنْفُسَهُمْ، وَأَغْنَى بِمَفَازَةٍ الَّذِي هُوَ مَفْعُولُ الْأَوَّلِ عَنْ ذِكْرِهِ ثَانِيًا لِحَسِبَ الثَّانِي. وَهَذَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ مُتَعَسِّفٌ، عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ بِمَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ فِيهِمَا عَلَى الْخِطَابِ، وَبِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْهُمَا، وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْقَوْلُ فِيهِ أَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَالثَّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَفْعُولِ حَسِبَ الثَّانِي عَلَيْهِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَفَازَةٍ، وَأَغْنَى الْمَفْعُولُ الثَّانِي هُنَا عَنْ ذِكْرِهِ لِحَسِبَ الثَّانِي، وَحَسِبَ الثَّانِي مُكَرَّرٌ، أَوْ بَدَلٌ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْقِرَاءَةِ بِالْيَاءِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ فِيهِمَا وَاحِدٌ أَيْضًا، وَهُوَ النَّبِيُّ، وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ فِي الْأَوَّلِ، وَبِالتَّاءِ فِي الثَّانِي، ثُمَّ فِي التَّاءِ فِي الْفِعْلِ الثَّانِي وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْفَتْحُ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِوَاحِدٍ وَالضَّمُّ عَلَى أَنَّهُ لِجَمَاعَةٍ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَفْعُولَا الْفِعْلِ الْأَوَّلِ مَحْذُوفَيْنِ؛ لِدَلَالَةِ مَفْعُولَيِ الثَّانِي عَلَيْهِمَا، وَالْفَاءُ زَائِدَةً أَيْضًا، وَالْفِعْلُ الثَّانِي لَيْسَ بِبَدَلٍ وَلَا مُكَرَّرٍ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ غَيْرُ فَاعِلِ الْأَوَّلِ، وَالْمَفَازَةُ: مَفْعَلَةٌ مِنَ الْفَوْزِ.
следующие страницы →