Полный текст (1 313 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
أَحَدُهُمَا: «هُوَ» ، وَهُوَ ضَمِيرُ الْبُخْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ يَبْخَلُونَ. وَالثَّانِي: هُوَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الْبُخْلُ، وَ «هُوَ» عَلَى هَذَا فَصْلٌ.
وَيُقْرَأُ: «تَحْسَبَنَّ» بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ فِيهِ إِضْمَارُ الْبُخْلِ، قَبْلَ ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى هَذَا فَصْلٌ، أَوْ تَوْكِيدٌ، وَالْأَصْلُ فِي (مِيرَاثُ) : مِوْرَاثٌ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَالْمِيرَاثُ مَصْدَرٌ كَالْمِيعَادِ.
قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ) : الْعَامِلُ فِي مَوْضِعِ إِنَّ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ قَالُوا، وَهِيَ الْمَحْكِيَّةُ بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِقَوْلِ الْمُضَافِ ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فِي إِعْمَالِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَصْلٌ ضَعِيفٌ وَيَزْدَادُ هُنَا ضَعْفًا ; لِأَنَّ الثَّانِيَ فِعْلٌ، وَالْأَوَّلَ مَصْدَرٌ، وَإِعْمَالُ الْفِعْلِ أَقْوَى. (سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا) : يُقْرَأُ بِالنُّونِ، وَمَا قَالُوا مَنْصُوبٌ بِهِ. (وَقَتْلَهُمُ) : مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي، وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ، وَتَسْمِيَةُ الْفَاعِلِ، وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَقَتْلُهُمْ بِالرَّفْعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. (
стр. 317
وَنَقُولُ) : بِالنُّونِ وَالْيَاءِ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «بِمَا» خَبَرُهُ ; وَالتَّقْدِيرُ: مُسْتَحَقٌّ بِمَا قَدَّمَتْ.
وَ (ظَلَّامٍ) : فَعَّالٍ مِنَ الظُّلْمِ. فَإِنْ قِيلَ: بِنَاءُ فَعَّالٍ لِلتَّكْثِيرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الظُّلْمِ الْكَثِيرِ نَفْيُ الظُّلْمِ الْقَلِيلِ، فَلَوْ قَالَ بِظَالِمٍ لَكَانَ أَدَلَّ عَلَى نَفْيِ الظُّلْمِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ فَعَّالًا قَدْ جَاءَ لَا يُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ كَقَوْلِ طَرَفَةَ.
وَلَسْتُ بِحَلَّالِ التِّلَاعِ مَخَافَةً وَلَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدُ الْقَوْمُ أَرْفُدِ.
لَا يُرِيدُ هَاهُنَا أَنَّهُ قَدْ يَحُلُّ التِّلَاعَ قَلِيلًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ: مَتَى يَسْتَرْفِدُ الْقَوْمُ أَرْفُدِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْبُخْلِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلِأَنَّ تَمَامَ الْمَدْحِ لَا يَحْصُلُ بِإِرَادَتِهِ الْكَثْرَةَ، وَالثَّانِي: أَنَّ ظَلَّامٍ هُنَا لِلْكَثْرَةِ، لِأَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلْعِبَادِ، وَفِي الْعِبَادِ كَثْرَةٌ، وَإِذَا قُوبِلَ بِهِمُ الظُّلْمُ كَانَ كَثِيرًا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا نَفَى الظُّلْمَ الْكَثِيرَ انْتَفَى الظُّلْمُ الْقَلِيلُ ضَرُورَةً ; لِأَنَّ الَّذِي يَظْلِمُ إِنَّمَا يَظْلِمُ لِانْتِفَاعِهِ بِالظُّلْمِ، فَإِذَا تَرَكَ الظُّلْمَ الْكَثِيرَ مَعَ زِيَادَةِ نَفْعِهِ فِي حَقِّ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّفْعُ وَالضُّرُّ، كَانَ لِلظُّلْمِ الْقَلِيلِ الْمَنْفَعَةِ أَتْرَكَ.
وَفِيهِ وَجْهٌ رَابِعٌ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى النَّسَبِ ; أَيْ لَا يُنْسَبُ إِلَى الظُّلْمِ فَيَكُونُ مِنْ بَزَّازٍ وَعَطَّارٍ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ قَالُوا) : هُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: (الَّذِينَ قَالُوا) [آلِ عِمْرَانَ: ١٨١] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإِضْمَارِ أَعْنِي، وَرَفْعًا عَلَى إِضْمَارِ «هُمْ» . (
стр. 318
أَلَّا نُؤْمِنَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى تَقْدِيرِ بِأَنْ لَا نُؤْمِنَ ; لِأَنَّ مَعْنَى عَهِدَ وَصَّى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ حَرْفِ الْجَرِّ وَإِفْضَاءِ الْفِعْلِ إِلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِنَفْسِ عَهِدَ ; لِأَنَّكَ تَقُولُ عَهِدْتُ إِلَيْهِ عَهْدًا لَا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَلْزَمْتُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تُكْتَبَ أَنْ مَفْصُولَةً وَمَوْصُولَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْذِفُهَا فِي الْخَطِّ اكْتِفَاءً بِالتَّشْدِيدِ.
(حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ) : فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ; تَقْدِيرُهُ: بِتَقْرِيبِ قُرْبَانٍ ; أَيْ يَشْرَعُ لَنَا ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالزُّبُرِ) : يُقْرَأُ بِغَيْرِ بَاءٍ، اكْتِفَاءً بِحَرْفِ الْعَطْفِ، وَبِالْبَاءِ عَلَى إِعَادَةِ الْجَارِّ، وَالزُّبُرِ جَمْعُ زَبُورٍ مِثْلُ رَسُولٍ وَرُسُلٍ (وَالْكِتَابِ) : جِنْسٌ.
قَالَ تَعَالَى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلُّ نَفْسٍ) : مُبْتَدَأٌ ; وَجَازَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُمُومِ ; وَ (ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) : الْخَبَرُ، وَأَنَّثَ عَلَى مَعْنَى كُلٍّ ; لِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ نُفُوسٌ وَلَوْ ذُكِرَ عَلَى لَفْظِ كُلٍّ جَازَ،
стр. 319
وَإِضَافَةُ (ذَائِقَةُ) غَيْرُ مَحْضَةٍ ; لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ يُحْكَى بِهَا الْحَالُ وَقُرِئَ شَاذًّا: ذَائِقَةٌ الْمَوْتَ بِالتَّنْوِينِ وَالْإِعْمَالِ، وَيُقْرَأُ شَاذًّا أَيْضًا «ذَائِقُهُ الْمَوْتُ» عَلَى جَعْلِ الْهَاءِ ضَمِيرَ كُلٍّ
عَلَى اللَّفْظِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. (وَإِنَّمَا) : «مَا» هَاهُنَا كَافَّةٌ ; فَلِذَلِكَ نَصَبَ «أُجُورَكُمْ» بِالْفِعْلِ، وَلَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى الَّذِي أَوْ مَصْدَرِيَّةً لَرَفَعَ أُجُورَكُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَتُبْلَوُنَّ) : الْوَاوُ فِيهِ لَيْسَتْ لَامَ الْكَلِمَةِ بَلْ وَاوَ الْجَمْعِ حُرِّكَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَضَمَّةُ الْوَاوِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَحْذُوفِ، وَلَمْ تُقْلَبِ الْوَاوُ أَلِفًا مَعَ تَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَارِضٌ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ هَمْزُهَا مَعَ انْضِمَامِهَا، وَلَوْ كَانَتْ لَازِمَةً لَجَازَ ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَتُبَيِّنُنَّهُ) ، (وَلَا تَكْتُمُونَهُ) : يُقْرَآنِ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ ; لِأَنَّ الرَّاجِعَ إِلَيْهِ الضَّمِيرُ اسْمٌ ظَاهِرٌ، وَكُلُّ ظَاهِرٍ يُكَنَّى عَنْهُ بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ.
وَيُقْرَآنِ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، تَقْدِيرُهُ: وَقُلْنَا لَهُمْ لَتُبَيِّنُنَّهُ.
وَلَمَّا كَانَ أَخْذُ الْمِيثَاقِ فِي مَعْنَى الْقَسَمِ، جَاءَ بِاللَّامِ وَالنُّونِ فِي الْفِعْلِ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا فِي يَكْتُمُونَ اكْتِفَاءً بِالتَّوْكِيدِ فِي الْفِعْلِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ تَكْتُمُونَهُ تَوْكِيدٌ.
قَالَ تَعَالَى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)) .
стр. 320
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ، وَكَذَلِكَ (فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ) : بِالْيَاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ. وَفَاعِلُ الْأَوَّلِ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ، وَأَمَّا مَفْعُولَاهُ فَمَحْذُوفَانِ
اكْتِفَاءً بِمَفْعُولَيْ تَحْسَبَنَّهُمْ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ فِيهِمَا وَاحِدٌ، فَالْفِعْلُ الثَّانِي تَكْرِيرٌ لِلْأَوَّلِ، وَحَسُنَ لَمَّا طَالَ الْكَلَامُ الْمُتَّصِلُ بِالْأَوَّلِ، وَالْفَاءُ زَائِدَةٌ، فَلَيْسَتْ لِلْعَطْفِ، وَلَا لِلْجَوَابِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِمَفَازَةٍ، هُوَ مَفْعُولُ حَسِبَ الْأَوَّلُ، وَمَفْعُولُهُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ مَفْعُولُ حَسِبَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ أَنْفُسَهُمْ بِمَفَازَةٍ، وَهُمْ فِي «فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ» هُوَ أَنْفُسَهُمْ؛ أَيْ: فَلَا يَحْسَبَنَّ أَنْفُسَهُمْ، وَأَغْنَى بِمَفَازَةٍ الَّذِي هُوَ مَفْعُولُ الْأَوَّلِ عَنْ ذِكْرِهِ ثَانِيًا لِحَسِبَ الثَّانِي.
وَهَذَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ مُتَعَسِّفٌ، عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ بِمَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ فِيهِمَا عَلَى الْخِطَابِ، وَبِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْهُمَا، وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْقَوْلُ فِيهِ أَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَالثَّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَفْعُولِ حَسِبَ الثَّانِي عَلَيْهِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَفَازَةٍ، وَأَغْنَى الْمَفْعُولُ الثَّانِي هُنَا عَنْ ذِكْرِهِ لِحَسِبَ الثَّانِي، وَحَسِبَ الثَّانِي مُكَرَّرٌ، أَوْ بَدَلٌ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْقِرَاءَةِ بِالْيَاءِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ فِيهِمَا وَاحِدٌ أَيْضًا، وَهُوَ النَّبِيُّ، وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ فِي الْأَوَّلِ، وَبِالتَّاءِ فِي الثَّانِي، ثُمَّ فِي التَّاءِ فِي الْفِعْلِ الثَّانِي وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْفَتْحُ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِوَاحِدٍ وَالضَّمُّ عَلَى أَنَّهُ لِجَمَاعَةٍ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَفْعُولَا الْفِعْلِ الْأَوَّلِ مَحْذُوفَيْنِ؛ لِدَلَالَةِ مَفْعُولَيِ الثَّانِي عَلَيْهِمَا، وَالْفَاءُ زَائِدَةً أَيْضًا، وَالْفِعْلُ الثَّانِي لَيْسَ بِبَدَلٍ وَلَا مُكَرَّرٍ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ غَيْرُ فَاعِلِ الْأَوَّلِ، وَالْمَفَازَةُ: مَفْعَلَةٌ مِنَ الْفَوْزِ.
стр. 321
وَ (مِنَ الْعَذَابِ) : مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَفَازَةِ؛ لِأَنَّ الْمَفَازَةَ مَكَانٌ، وَالْمَكَانُ لَا يَعْمَلُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَفَازَةُ مَصْدَرًا فَتَتَعَلَّقُ «مِنَ» بِهِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ فَائِزِينَ، فَالْمَصْدَرُ فِي مَوْضِعِ اسْمِ الْفَاعِلِ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (١٩٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ نَعْتًا «لِأُولِي» أَوْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ «هُمْ» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفًا؛ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ رَبَّنَا. (قِيَامًا وَقُعُودًا) : حَالَانِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «يَذْكُرُونَ» . (وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) : حَالٌ أَيْضًا، وَحَرْفُ الْجَرِّ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ هُوَ الْحَالُ فِي الْأَصْلِ؛ تَقْدِيرُهُ: وَمُضْطَجِعِينَ عَلَى جُنُوبِهِمْ. (وَيَتَفَكَّرُونَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى يَذْكُرُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا
أَيْضًا؛ أَيْ: يَذْكُرُونَ اللَّهَ مُتَفَكِّرِينَ. (بَاطِلًا) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَالْبَاطِلُ هُنَا فَاعِلٌ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ مِثْلُ الْعَاقِبَةِ، وَالْعَافِيَةِ؛ وَالْمَعْنَى مَا خَلَقْتُهُمَا عَبَثًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا تَقْدِيرُهُ: مَا خَلَقْتُ هَذَا خَالِيًا عَنْ حِكْمَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: خَلْقًا بَاطِلًا.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ هَذَا، وَالسَّابِقُ ذِكْرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالْإِشَارَةُ إِلَيْهَا بِهَذِهِ
стр. 322
فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحُدُهَا: أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى الْخَلْقِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: (خَلْقِ السَّمَاوَاتِ) ، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ مَصْدَرًا، وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ، وَيَكُونُ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى مَا هُوَ هُوَ فِي الْمَعْنَى. وَالثَّانِي: أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِمَعْنَى الْجَمْعِ، فَعَادَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: مَا خَلَقْتُ هَذَا الْمَذْكُورَ أَوِ الْمَخْلُوقَ. (فَقِنَا) : دَخَلَتِ الْفَاءُ لِمَعْنَى الْجَزَاءِ؛ فَالتَّقْدِيرُ: إِذَا نَزَّهْنَاكَ أَوْ وَحَّدْنَاكَ فَقِنَا. (مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتُدْخِلَ.
وَأَجَازَ قَوْمٌ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَهُوَ «فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ» .
وَأَجَازَ قَوْمٌ أَنْ يَكُونَ (مَنْ) مُبْتَدَأً، وَالشَّرْطُ وَجَوَابُهُ الْخَبَرَ، وَعَلَى جَمِيعِ الْأَوْجُهِ الْكَلَامُ كُلُّهُ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ إِنَّ.
قَالَ تَعَالَى: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) (١٩٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُنَادِي) : صِفَةٌ لَمُنَادِيًا، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مُنَادِيًا.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ الْفِعْلِ مَعَ دَلَالَةِ الِاسْمِ الَّذِي هُوَ مُنَادٍ عَلَيْهِ قِيلَ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا هُوَ تَوْكِيدٌ كَمَا تَقُولُ قُمْ قَائِمًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ وُصِلَ بِهِ مَا حَسَّنَ التَّكْرِيرَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «لِلْإِيمَانِ» . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْمِ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مَعْرُوفًا بِالنِّدَاءِ يَذْكُرُ مَا لَيْسَ بِنِدَاءٍ، فَلَمَّا قَالَ يُنَادِي ثَبَتَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا نِدَاءَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ.
وَمَفْعُولُ يُنَادِي مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: نَادَى النَّاسَ: (أَنْ آمِنُوا) : أَنْ هُنَا بِمَعْنَى أَيْ فَيَكُونُ النِّدَاءُ قَوْلَهُ آمِنُوا،
стр. 323
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَنِ الْمَصْدَرِيَّةَ وُصِلَتْ بِالْأَمْرِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: عَلَى هَذَا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ بِأَنْ آمِنُوا: (مَعَ الْأَبْرَارِ) : صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ الْمَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: أَبْرَارًا مَعَ الْأَبْرَارِ، وَأَبْرَارًا عَلَى هَذَا حَالٌ، وَالْأَبْرَارُ جَمْعُ بَرٍّ، وَأَصْلُهُ بَرِرٌ، كَكَتِفٍ وَأَكْتَافٍ. وَيَجُوزُ الْإِمَالَةُ فِي الْأَبْرَارِ تَغْلِيبًا لِكَسْرَةِ الرَّاءِ الثَّانِيَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (١٩٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى رُسُلِكَ) : أَيْ: عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، وَ «عَلَى» مُتَعَلِّقَةٌ بِوَعَدْتَنَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِآتِنَا وَ (الْمِيعَادَ) : مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْوَعْدِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) (١٩٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَامِلٍ مِنْكُمْ) : مِنْكُمْ: صِفَةٌ لِعَامِلٍ. وَ (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) : بَدَلٌ مِنْ «مِنْكُمْ» وَهُوَ بَدَلُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وَهُمَا لَعَيْنٍ وَاحِدَةٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَكَرٍ أَوِ أُنْثَى صِفَةً أُخْرَى لِعَامِلٍ يُقْصَدُ بِهَا الْإِيضَاحُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَكَرٍ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي مِنْكُمْ تَقْدِيرُهُ: اسْتَقَرَّ مِنْكُمْ كَائِنًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى. وَ (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) : مُسْتَأْنَفٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا أَوْ صِفَةً. (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا) : مُبْتَدَأٌ، وَ (لَأُكَفِّرَنَّ) : وَمَا اتَّصَلَ بِهِ الْخَبَرُ، وَهُوَ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. (
стр. 324
ثَوَابًا) : مَصْدَرٌ، وَفِعْلُهُ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ الْمُتَقَدِّمُ؛ لِأَنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ إِثَابَةٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَأُثِيبَنَّكُمْ ثَوَابًا، وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ وَقِيلَ: تَمْيِيزٌ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ كُوفِيٌّ.
وَالثَّوَابُ بِمَعْنَى الْإِثَابَةِ، وَقَدْ يَقَعُ بِمَعْنَى الشَّيْءِ الْمُثَابِ بِهِ، كَقَوْلِكَ هَذَا الدِّرْهَمُ ثَوَابُكَ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْجَنَّاتِ؛ أَيْ: مُثَابًا بِهَا، أَوْ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي لَأُدْخِلَنَّهُمْ؛ أَيْ: مُثَابِينَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أُدْخِلَنَّهُمْ أُعْطِينَّهُمْ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا بَدَلًا مِنْ جَنَّاتٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا؛ أَيْ: يُعْطِيهِمْ ثَوَابًا.
قَالَ تَعَالَى: (مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (١٩٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَتَاعٌ قَلِيلٌ) : أَيْ تَقَلُّبُهُمْ مَتَاعٌ، فَالْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ.
قَالَ تَعَالَى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) (١٩٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَخْفِيفِ النُّونِ. وَقُرِئَ بِتَشْدِيدِهَا وَالْإِعْرَابُ ظَاهِرٌ. (خَالِدِينَ فِيهَا) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي لَهُمْ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ، وَارْتِفَاعُ «جَنَّاتٌ» بِالِابْتِدَاءِ وَبِالْجَارِّ. (نُزُلًا) : مَصْدَرٌ، وَانْتِصَابُهُ بِالْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى لَهُمْ جَنَّاتٌ؛ أَيْ: نُزُلُهُمْ وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ هُوَ حَالٌ أَوْ تَمْيِيزٌ.
стр. 325
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعُ نَازِلٍ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
أَوْ يَنْزِلُونَ فَإِنَّا مَعْشَرٌ نُزُلُ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ فِي التَّذْكِرَةِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي خَالِدِينَ. وَيَجُوزُ إِذَا جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، فَيَكُونُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي فِيهَا؛ أَيْ: مَنْزُولَةً. (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) : إِنْ جَعَلْتَ نُزُلًا مَصْدَرًا كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ صِفَةً لَهُ وَإِنْ جَعَلْتَهُ جَمْعًا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ الْمَحْذُوفِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: نُزُلًا إِيَّاهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ أَيْ بِفَضْلِهِ. (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) : مَا بِمَعْنَى الَّذِي وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ خَيْرٌ وَ «لِلْأَبْرَارِ» نَعْتٌ لِـ (خَيْرٌ) . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ (لِلْأَبْرَارِ) ، وَالنِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ؛ أَيْ: وَالَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مُسْتَقِرٌّ لِلْأَبْرَارِ، وَخَيْرٌ عَلَى هَذَا خَبَرٌ ثَانٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِلْأَبْرَارِ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ، وَ (خَيْرٌ) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَهَذَا بِعِيدٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْفَصْلَ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ بِحَالٍ لِغَيْرِهِ، وَالْفَصْلَ بَيْنَ الْحَالِ وَصَاحِبِ الْحَالِ بِخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الِاخْتِيَارِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (١٩٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمَنْ يُؤْمِنُ) : «مَنْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبِ اسْمِ إِنَّ وَمَنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ.
стр. 326
وَ (خَاشِعِينَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُؤْمِنُ، وَجَاءَ جَمْعًا عَلَى مَعْنَى «مَنْ» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي إِلَيْهِمْ فَيَكُونُ الْعَامِلُ أُنْزِلَ. وَ (لِلَّهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِخَاشِعِينَ، وَقِيلَ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: «لَا يَشْتَرُونَ» وَهُوَ فِي نِيَّةِ التَّأْخِيرِ؛ أَيْ: لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا لِأَجْلِ اللَّهِ. (أُولَئِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «لَهُمْ أَجْرُهُمْ» فِيهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ لَهُمْ خَبَرُ أَجْرٍ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْأَوَّلِ؛ وَ «عِنْدَ رَبِّهِمْ» ظَرْفٌ لِلْأَجْرِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: لَهُمْ أَنْ يُؤْجَرُوا عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي لَهُمْ وَهُوَ ضَمِيرُ الْأَجْرِ، وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ الْأَجْرُ مُرْتَفِعًا بِالظَّرْفِ ارْتِفَاعَ الْفَاعِلِ بِفِعْلِهِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ ظَرْفًا لِلْأَجْرِ، وَحَالًا مِنْهُ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَجْرُهُمْ مُبْتَدَأً، وَعِنْدَ رَبِّهِمْ خَبَرَهُ، وَيَكُونَ لَهُمْ يَتَعَلَّقُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ مِنَ الِاسْتِقْرَارِ وَالثُّبُوتِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الظَّرْفِ.
стр. 327
سُورَةُ النِّسَاءِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (١) .
قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) فِي أَوَائِلِ الْبَقَرَةِ. (مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِخَلَقَكُمْ، وَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَكَذَلِكَ «مِنْهَا زَوْجَهَا» .
وَ (مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا) : نَعْتٌ لِرِجَالٍ؛ وَلَمْ يُؤَنِّثْهُ لِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ رِجَالًا بِمَعْنَى عَدَدٍ أَوْ جِنْسٍ أَوْ جَمْعٍ كَمَا ذُكِرَ الْفِعْلُ الْمُسْنَدُ إِلَى جَمَاعَةِ الْمُؤَنَّثِ؛ كَقَوْلِهِ: «وَقَالَ نِسْوَةٌ» وَقِيلَ: (كَثِيرًا) : نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: بَثًّا كَثِيرًا.
(تَسَاءَلُونَ) : يُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ السِّينِ، وَالْأَصْلُ تَتَسَاءَلُونَ، فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ الثَّانِيَةُ سِينًا، فِرَارًا مِنْ تَكْرِيرِ الْمِثْلِ، وَالتَّاءُ تُشْبِهُ السِّينَ فِي الْهَمْسِ، وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى حَذْفِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَةَ تَدُلُّ عَلَيْهَا وَدَخَلَ حَرْفُ الْجَرِّ فِي الْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى تَتَحَالَفُونَ بِهِ.
(وَالْأَرْحَامَ) : يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ وَفِيهِ وَجْهَانِ:
стр. 328
أَحَدُهُمَا: مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ؛ أَيْ: وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا. وَالثَّانِي: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَوْضِعِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، كَمَا تَقُولُ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وَعَمْرًا؛ وَالتَّقْدِيرُ: الَّذِي تُعَظِّمُونَهُ وَالْأَرْحَامَ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِهِ تَعْظِيمٌ لَهُ، وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ قِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَجْرُورِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي الشِّعْرِ عَلَى قُبْحِهِ، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ عَلَى ضَعْفٍ.
وَقِيلَ: الْجَرُّ عَلَى الْقَسَمِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ وَرَدَتْ بِالنَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ، وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِي الْقَسَمِ: وَبِرَبِّ الْأَرْحَامِ، هَذَا قَدْ أَغْنَى عَنْهُ مَا قَبْلَهُ.
وَقَدْ قُرِئَ شَاذًّا بِالرَّفْعِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَالْأَرْحَامُ مُحْتَرَمَةٌ، أَوْ وَاجِبٌ حُرْمَتُهَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) (٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالطَّيِّبِ) : هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِتَتَبَدَّلُوا. (إِلَى أَمْوَالِكُمْ) : إِلَى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: مُضَافَةً إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ: لَا تُضِيفُوهَا. (إِنَّهُ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ الْمَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ تَأْكُلُوا؛ أَيْ: إِنَّ الْأَكْلَ وَالْأَخْذَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْحَاءِ مِنْ «حُوبًا» وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وَقِيلَ: مَصْدَرٌ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مَصْدَرُ حَابَ يَحُوبُ إِذَا أَثِمَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) (٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ خِفْتُمْ) : فِي جَوَابِ هَذَا الشَّرْطِ وَجْهَانِ:
стр. 329
أَحَدُهُمَا: هُوَ قَوْلُهُ «فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ. . .» وَإِنَّمَا جُعِلَ جَوَابًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الْوَلَايَةِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَلَا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ النِّسَاءِ، مَعَ أَنَّ الْجَوْرَ يَقَعُ بَيْنَهُنَّ إِذَا كَثُرْنَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ إِذَا تَحَرَّجْتُمْ مِنْ هَذَا فَتَحَرَّجُوا مِنْ ذَاكَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: فَوَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى إِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي نِكَاحِ الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، ثُمَّ أَعَادَ هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: «فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تَعْدِلُوا» لَمَّا طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَجَوَابِهِ. ذَكَرَ هَذَا الْوَجْهَ أَبُو عَلِيٍّ.
(أَلَّا تُقْسِطُوا) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ التَّاءِ، وَهُوَ مِنْ أَقْسَطَ إِذَا عَدَلَ، وَقُرِئَ شَاذًّا بِفَتْحِهَا، وَهُوَ مِنْ قَسَطَ إِذَا جَارَ، وَتَكُونُ لَا زَائِدَةً. (مَا طَابَ) : «مَا» هُنَا بِمَعْنَى مَنْ، وَلَهَا نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ سَتَمُرُّ بِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقِيلَ: مَا تَكُونُ لِصِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ، وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا طَابَ يَدُلُّ عَلَى الطَّيِّبِ مِنْهُنَّ.
وَقِيلَ: هِيَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ؛ تَقْدِيرُهُ: فَانْكِحُوا جِنْسًا طَيِّبًا يَطِيبُ لَكُمْ، أَوْ عَدَدًا يَطِيبُ لَكُمْ، وَقِيلَ: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُقَدَّرُ بِهَا وَبِالْفِعْلِ مُقَدَّرٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ؛ أَيِ: انْكِحُوا الطَّيِّبَ. (مِنَ النِّسَاءِ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي طَابَ. (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) : نَكِرَاتٌ لَا تَنْصَرِفُ لِلْعَدْلِ وَالْوَصْفِ وَهِيَ بَدَلٌ مِنْ مَا. وَقِيلَ: هِيَ حَالٌ مِنَ النِّسَاءِ. وَيُقْرَأُ شَاذًّا.
«وَرُبَعَ» بِغَيْرِ أَلِفٍ؛ وَوَجْهُهَا أَنَّهُ حُذِفَ الْأَلِفُ كَمَا حُذِفَتْ فِي خِيَمٍ، وَالْأَصْلُ خِيَامٌ، وَكَمَا حُذِفَتْ فِي قَوْلِهِمْ: أَمْ وَاللَّهِ.
стр. 330
وَالْوَاوُ فِي «وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ» لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ الْمُوجِبِ لِلْجَمْعِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ عِيًّا؛ إِذْ مِنْ أَرَكِّ الْكَلَامِ أَنْ تُفَصَّلَ التِّسْعَةُ هَذَا التَّفْصِيلَ، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَثْنَى لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ ثِنْتَيْنِ فَقَطْ، بَلْ عَنْ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، وَثُلَاثَ عَنْ «ثَلَاثَ ثَلَاثَ» ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّخْيِيرُ لَا الْجَمْعُ. (فَوَاحِدَةً) : أَيْ: فَانْكِحُوا وَاحِدَةً، وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: فَالْمَنْكُوحَةُ وَاحِدَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَوَاحِدَةٌ تُكْفِي. (أَوْ مَا مَلَكَتْ) : أَوْ لِلتَّخْيِيرِ عَلَى بَابِهَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْإِبَاحَةِ. وَ «مَا» هُنَا بِمَنْزِلَةِ مَا فِي قَوْلِهِ «مَا طَابَ» . (أَلَّا تَعُولُوا) ؛ أَيْ: إِلَى أَنْ لَا تُعُولُوا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَهُ فِي آيَةِ الدَّيْنِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) (٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نِحْلَةً) : مَصْدَرٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى آتُوهُنَّ: أَنْحِلُوهُنَّ. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلَيْنِ؛ أَيْ: نَاحِلِينَ، وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الصَّدَقَاتِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنَ النِّسَاءِ؛ أَيْ: مَنْحُولَاتٍ. (نَفْسًا) : تَمْيِيزٌ وَالْعَامِلُ فِيهِ طِبْنَ، وَالْمُفْرَدُ هُنَا فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَفْهُومٌ، وَحَسَّنَ ذَلِكَ أَنَّ نَفْسًا هُنَا فِي مَعْنَى الْجِنْسِ، فَصَارَ كَدِرْهَمًا فِي قَوْلِكَ: عِنْدِي عِشْرُونَ دِرْهَمًا. (فَكُلُوهُ) : الْهَاءُ تَعُودُ عَلَى شَيْءٍ، وَالْهَاءُ فِي مِنْهُ تَعُودُ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَاتِ مَالٌ. (هَنِيئًا) : مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى فَعِيلٍ، وَهُوَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: أَكْلًا هَنِيئًا، وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ: مُهَنَّأً أَوْ طَيِّبًا.
стр. 331
وَ (مَرِيئًا) : مِثْلُهُ؛ وَالْمَرِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ؛ لِأَنَّكَ تَقُولُ أَمْرَأَنِي الشَّيْءَ إِذَا لَمْ تَسْتَعْمِلْهُ مَعَ هَنَائِي، فَإِنْ قُلْتَ: هَنَّانِي وَمَرَّانِي لَمْ تَأْتِ بِالْهَمْزَةِ فِي مَرَّانِي لِتَكُونَ تَابِعَةً لِهَنَّانِي.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) (٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْوَالَكُمُ الَّتِي) : الْجُمْهُورُ عَلَى إِفْرَادِ الَّتِي؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنَ الْأَمْوَالِ
مُذَكَّرٌ؛ فَلَوْ قَالَ اللَّوَاتِي لَكَانَ جَمْعًا، كَمَا أَنَّ الْأَمْوَالَ جَمْعٌ، وَالصِّفَةُ إِذَا جُمِعَتْ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمَوْصُوفَ جَمْعٌ كَانَ وَاحِدُهَا كَوَاحِدِ الْمَوْصُوفِ فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ اللَّوَاتِي جَمْعًا اعْتِبَارًا بِلَفْظِ الْأَمْوَالِ. (جَعَلَ اللَّهُ) : أَيْ: صَيَّرَهَا، فَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَالْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ الْعَائِدُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى خَلَقَ، فَيَكُونُ قِيَامًا حَالًا. (قِيَامًا) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَالْأَلِفِ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَامَ، وَالْيَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، وَأُبْدِلَتْ مِنْهَا لَمَّا أُعِلَّتْ فِي الْفِعْلِ، وَكَانَتْ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ سَبَبَ قِيَامِ أَبْدَانِكُمْ؛ أَيْ: بَقَائِهَا.
وَيُقْرَأُ قِيَمًا - بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الْحَوْلِ وَالْعِوَضِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تُثْبَتَ الْوَاوُ لِتَحَصُّنِهَا بِتَوَسُّطِهَا، كَمَا صَحَّتْ فِي الْحَوْلِ وَالْعِوَضِ، وَلَكِنْ أَبْدَلُوهَا يَاءً حَمْلًا عَلَى «قِيَامٍ» عَلَى اعْتِلَالِهَا فِي الْفِعْلِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا جَمْعُ قِيمَةٍ كَدِيمَةٍ وَدِيَمٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَمْوَالَ كَالْقِيَمِ لِلنُّفُوسِ إِذْ كَانَ بَقَاؤُهَا بِهَا،
стр. 332
وَقَالَ أَبُو عَلَيٍّ: هَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ قَدْ قُرِئَ فِي قَوْلِهِ: (دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) [الْأَنْعَامِ: ١٦١] ، وَفِي قَوْلِهِ: (الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا) [الْمَائِدَةِ: ٩٧] ، وَلَا يَصِحُّ مَعْنَى الْقِيمَةِ فِيهِمَا. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ قِيَامًا فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ كَمَا حُذِفَتْ فِي خِيَمٍ، وَيُقْرَأُ: قِوَامًا بِكَسْرِ الْقَافِ، وَبِوَاوٍ وَأَلِفٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَصْدَرُ قَاوَمْتُ قِوَامًا مِثْلُ لَاوَذْتُ لِوَاذًا، فَصَحَّتْ فِي الْمَصْدَرِ لَمَّا صَحَّتْ فِي الْفِعْلِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا اسْمٌ لِمَا يَقُومُ بِهِ الْأَمْرُ وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ. وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهُوَ مَصْدَرٌ صَحَّتْ عَيْنُهُ، وَجَاءَتْ عَلَى الْأَصْلِ كَالْعِوَضِ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَوَاوٍ وَأَلِفٍ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ مِثْلُ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ وَالدَّوَامِ. وَالثَّانِي: هُوَ لُغَةٌ فِي الْقِوَامِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْقَامَةِ؛ يُقَالُ جَارِيَةٌ حَسَنَةُ الْقَوَامِ وَالْقِوَامِ وَالتَّقْدِيرُ: الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ سَبَبَ بَقَاءِ قَامَاتِكُمْ.
(وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ «فِي» عَلَى أَصْلِهَا، وَالْمَعْنَى: اجْعَلُوا لَهُمْ فِيهَا رِزْقًا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا بِمَعْنَى مِنْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا) : حَتَّى هَاهُنَا غَيْرُ عَامِلَةٍ، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ عَلَى الْكَلَامِ لِمَعْنَى الْغَايَةِ، كَمَا تَدْخُلُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ؛ وَجَوَابُ إِذَا «فَإِنْ آنَسْتُمْ» وَجَوَابُ إِنْ «فَادْفَعُوا»
стр. 333
فَالْعَامِلُ فِي «إِذَا» مَا يَتَلَخَّصُ مِنْ مَعْنَى جَوَابِهَا؛ فَالتَّقْدِيرُ: إِذَا بَلَغُوا رَاشِدِينَ فَادْفَعُوا. (إِسْرَافًا وَبِدَارًا) : مَصْدَرَانِ مَفْعُولٌ لَهُمَا. وَقِيلَ: هُمَا مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: مُسْرِفِينَ وَمُبَادِرِينَ، وَالْبِدَارُ مَصْدَرُ بَادَرْتُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ الْيَتِيمَ مَارٌّ إِلَى الْكِبَرِ، وَالْوَلِيَّ مَارٌّ إِلَى أَخْذِ مَالِهِ، فَكَأَنَّهُمَا يَسْتَبِقَانِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مِنْ وَاحِدٍ» . (أَنْ يَكْبَرُوا) مَفْعُولُ بِدَارٍ؛ أَيْ: بِدَارًا كِبَرَهُمْ. (وَكَفَى بِاللَّهِ) : فِي فَاعِلِ كَفَى وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ اسْمُ اللَّهِ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، دَخَلَتْ لِتَدُلَّ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ، إِذِ التَّقْدِيرُ: اكْتَفِ بِاللَّهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْفَاعِلَ مُضْمَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: كَفَى الِاكْتِفَاءُ بِاللَّهِ، فَبِاللَّهِ عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولًا بِهِ. وَ (حَسِيبًا) : حَالٌ. وَقِيلَ: تَمْيِيزٌ. وَكَفَى يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَقَدْ حُذِفَا هُنَا؛ وَالتَّقْدِيرُ: كَفَاكَ اللَّهُ شَرَّهُمْ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ) [الْبَقَرَةِ: ١٣٧] .
قَالَ تَعَالَى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) (٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَلَّ مِنْهُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا «مِمَّا تَرَكَ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَحْذُوفِ فِي تَرَكَ؛ أَيْ: مِمَّا تَرَكَهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا أَوْ مُسْتَقِرًّا مِمَّا قَلَّ. (نَصِيبًا) : قِيلَ: هُوَ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْمَصْدَرِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ، إِذِ التَّقْدِيرُ: عَطَاءً أَوِ اسْتِحْقَاقًا.
وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ فِي قَوْلِهِ: «لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ» ، وَلِهَذَا حَسُنَتِ الْحَالُ عَنْهَا.
стр. 334
وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي قَلَّ، أَوْ كَثُرَ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أَوْجَبَ لَهُمْ نَصِيبًا. وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) (٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) : الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى الْمَقَسَّمِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْقِسْمَةِ عَدْلٌ عَلَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ خَلْفِهِمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِتَرَكُوا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ
«ذُرِّيَّةً» . (ضِعَافًا) : يُقْرَأُ بِالتَّفْخِيمِ عَلَى الْأَصْلِ، وَبِالْإِمَالَةِ لِأَجْلِ الْكَسْرَةِ، وَجَازَ ذَلِكَ مَعَ حَرْفِ الِاسْتِعْلَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَكْسُورٌ مُقَدَّمٌ فَفِيهِ انْحِدَارٌ. (خَافُوا) : يُقْرَأُ بِالتَّفْخِيمِ عَلَى الْأَصْلِ وَبِالْإِمَالَةِ؛ لِأَنَّ الْخَاءَ تَنْكَسِرُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ خِفْتُ، وَهُوَ جَوَابُ لَوْ وَمَعْنَاهَا إِنْ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (١٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ظُلْمًا) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. (فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ فِيهِ شَيْءٌ، وَالَّذِي يَخُصُّ هَذَا الْمَوْضِعَ أَنَّ فِي بُطُونِهِمْ حَالٌ مِنْ نَارًا، أَيْ: نَارًا كَائِنَةً فِي بُطُونِهِمْ، وَلَيْسَ بِظَرْفٍ لِيَأْكُلُونِ. ذَكَرَهُ فِي التَّذْكِرَةِ. (
стр. 335
وَسَيَصْلَوْنَ) يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَمَاضِيهِ صَلَى النَّارَ يَصْلَاهَا؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى) [اللَّيْلِ: ١٥] ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ عَلَى التَّكْثِيرِ.
قَالَ تَعَالَى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (١١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيُوصِي؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَفْرِضُ لَكُمْ أَوْ يَشْرَعُ فِي أَوْلَادِكُمْ؛ وَالتَّقْدِيرُ: فِي أَمْرِ أَوْلَادِكُمْ. (فَإِنْ كُنَّ) : الضَّمِيرُ لِلْمَتْرُوكَاتِ؛ أَيْ: فَإِنْ كَانَتِ الْمَتْرُوكَاتُ؛ وَدَلَّ ذِكْرُ الْأَوْلَادِ عَلَيْهِ. (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) : صِفَةُ لِنِسَاءً؛ أَيْ: أَكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْنِ. (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً) : بِالنَّصْبِ؛ أَيْ: كَانَتِ الْوَارِثَةُ وَاحِدَةً بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ. وَ: (النِّصْفُ) : بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ لُغَتَانِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا.: (فَلِأُمِّهِ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَبِكَسْرِهَا اتِّبَاعًا لِكَسْرَةِ اللَّامِ قَبْلَهَا، وَكَسْرِ الْمِيمِ
بَعْدَهَا. (
стр. 336
وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً) الْجَمْعُ هُنَا لِلِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ يَحْجُبَانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ عَلَى بَابِهِ، وَالِاثْنَانِ لَا يَحْجُبَانِ، وَالسُّدُسُ وَالثُّلُثُ وَالرُّبُعُ وَالثُّمُنُ بِضَمِّ أَوْسَاطِهَا، وَهِيَ اللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ، وَإِسْكَانُهَا لُغَةٌ، وَقَدْ قُرِئَ بِهَا.
(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ السُّدُسِ تَقْدِيرُهُ: مُسْتَحَقًّا مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ، وَالْعَامِلُ الظَّرْفُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا؛ أَيْ: يَسْتَقِرُّ لَهُمْ ذَلِكَ بَعْدَ إِخْرَاجِ الْوَصِيَّةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ حَذْفِ الْمُضَافِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ هُنَا الْمَالُ الْمُوصَى بِهِ، وَقِيلَ: تَكُونُ الْوَصِيَّةُ مَصْدَرًا مِثْلَ الْفَرِيضَةِ.
(أَوْ دَيْنٍ) : «أَوْ» لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وَلَا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكَ جَاءَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو، وَبَيْنَ قَوْلِكَ جَاءَ عَمْرٌو أَوْ زَيْدٌ؛ لِأَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَالْوَاحِدُ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ وَبِهَذَا يُفَسَّرُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: التَّقْدِيرُ: مِنْ بَعْدِ دَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّرْتِيبُ فِيمَا إِذَا اجْتَمَعَا فَيُقَدَّمُ الدَّيْنُ عَلَى الْوَصِيَّةِ. (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ) : مُبْتَدَأٌ. (لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) : الْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَأَيُّهُمْ مُبْتَدَأٌ، وَأَقْرَبُ خَبَرُهُ وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَدْرُونَ؛ وَهِيَ مُعَلَّقَةٌ عَنِ الْعَمَلِ لَفْظًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ وَ (نَفْعًا) : تَمْيِيزٌ. وَ (فَرِيضَةً) : مَصْدَرٌ لِفِعْلِ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: فُرِضَ ذَلِكَ فَرِيضَةً.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) (١٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ) : فِي «كَانَ» وَجْهَانِ:
стр. 337
أَحَدُهُمَا: هِيَ تَامَّةٌ وَرَجُلٌ فَاعِلُهَا، وَ «يُورَثُ» صِفَةٌ لَهُ وَ «كَلَالَةٌ» حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُورَثُ. وَالْكَلَالَةُ عَلَى
هَذَا: اسْمٌ لِلْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَالِدًا، وَلَوْ قُرِئَ - كَلَالَةٌ - بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ، أَوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُورَثُ لَجَازَ، غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَعْرِفْ أَحَدًا قَرَأَ بِهِ، فَلَا يُقْرَآنِ إِلَّا بِمَا نُقِلَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ كَانَ هِيَ النَّاقِصَةُ، وَرَجُلٌ اسْمُهَا وَيُورَثُ خَبَرُهَا وَ «كَلَالَةً» حَالٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: الْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْمَالِ الْمَوْرُوثِ، فَعَلَى هَذَا يَنْتَصِبُ «كَلَالَةً» عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي لِيُورَثُ كَمَا تَقُولُ وَرِثَ زِيدٌ مَالًا. وَقِيلَ: الْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْوَرَثَةِ الَّذِينَ لَيْسَ فِيهِمْ وَلَدٌ، وَلَا وَالِدٌ، فَعَلَى هَذَا لَا وَجْهَ لِهَذَا الْكَلَامِ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ لِأَنَّهُ لَا نَاصِبَ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ زَيْدٌ يُورَثُ إِخْوَةً لَمْ يَسْتَقِمْ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ الرَّاءِ مُخَفَّفَةً وَمُثْقَلَةً وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا وَقِيلَ: يَصِحُّ هَذَا الْمَذْهَبُ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ ذَا كَلَالَةٍ فَذَا حَالٌ أَوْ خَبَرُ كَانَ وَمَنْ كَسَرَ الرَّاءَ جَعَلَ كَلَالَةً مَفْعُولًا بِهِ وَتَكُونُ الْكَلَالَةُ إِمَّا الْوَرَثَةَ وَإِمَا الْمَالَ وَعَلَى كِلَا الْأَمْرَيْنِ أَحَدُ الْمَفْعُولَيْنِ مَحْذُوفٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: يُوَرِّثُ أَهْلَهُ مَالًا (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) : إِنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَلِمَ أَفْرَدَ الضَّمِيرَ وَذَكَرَهُ؟
قِيلَ: أَمَّا إِفْرَادُهُ فَلِأَنَّ «أَوْ» لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وَقَدْ قَالَ أَوِ امْرَأَةٌ، فَأَفْرَدَ الضَّمِيرَ لِذَلِكَ، وَأَمَّا تَذْكِيرُهُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَرْجِعُ إِلَى الرَّجُلِ لِأَنَّهُ مُذَكَّرٌ مَبْدُوءٌ بِهِ.
стр. 338
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَلَفْظُ أَحَدٍ مُذَكَّرٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَيِّتِ أَوِ الْمَوْرُوثِ، لِتَقَدُّمِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. (فَإِنْ كَانُوا) : الْوَاوُ ضَمِيرُ الْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ وَ (ذَلِكَ) : كِنَايَةٌ عَنِ الْوَاحِدِ. (يُوصَى بِهَا) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الصَّادِ؛ أَيْ: يُوصِي بِهَا الْمُحْتَضِرُ وَبِفَتْحِهَا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، وَيُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْثِيرِ. (غَيْرَ مُضَارٍّ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي يُوصِي.
، وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَنْوِينِ مُضَارٍّ، وَالتَّقْدِيرُ: غَيْرَ مَضَارٍّ بِوَرَثَتِهِ. وَ (وَصِيَّةً) : مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَصَّى اللَّهُ بِذَلِكَ، وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ غَيْرَ مُضَارٍّ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ: غَيْرَ مُضَارِّ وَصِيَّةٍ بِالْإِضَافَةِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَقْدِيرُهُ: غَيْرَ مُضَارِّ أَهْلِ وَصِيَّةٍ، أَوْ ذِي وَصِيَّةٍ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ. وَالثَّانِي: تَقْدِيرُهُ: غَيْرَ مُضَارِّ وَقْتِ وَصِيَّةٍ، فَحُذِفَ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الزَّمَانِ. وَيَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ هُوَ فَارِسُ حَرْبٍ؛ أَيْ: فَارِسٌ فِي الْحَرْبِ، وَيُقَالُ هُوَ فَارِسُ زَمَانِهِ؛ أَيْ: فِي زَمَانِهِ، كَذَلِكَ التَّقْدِيرُ: لِلْقِرَاءَةِ غَيْرَ مَضَارٍّ فِي وَقْتِ الْوَصِيَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (١٣ (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (١٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُدْخِلْهُ) : فِي الْآيَتَيْنِ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. (نَارًا خَالِدًا فِيهَا) : نَارًا: مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيُدْخِلُ، وَخَالِدًا حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ.
стр. 339
وَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِنَارٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَرَزَ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ لِجَرَيَانِهِ عَلَى غَيْرِ مَنْ هَوَ لَهُ، وَيَخْرُجُ عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ جَوَازُ جَعْلِهِ صِفَةً؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَشْتَرِطُونَ إِبْرَازَ الضَّمِيرِ فِي هَذَا النَّحْوِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) (١٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاللَّاتِي) : هُوَ جَمْعُ «الَّتِي» عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. وَقِيلَ: هِيَ صِيغَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْجَمْعِ، وَمَوْضِعُهَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ. وَالْخَبَرُ: فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ؛ وَجَازَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ، حَيْثُ وُصِلَتِ الَّتِي بِالْفِعْلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْسُنِ النَّصْبُ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْفِعْلِ قَبْلَ أَدَاةِ الشَّرْطِ لَا يَجُوزُ؛ وَتَقْدِيرُهُ: بَعْدَ الصِّلَةِ يَحْتَاجُ إِلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ غَيْرِ قَوْلِهِ: «فَاسْتَشْهِدُوا» ؛ لِأَنَّ اسْتَشْهِدُوا لَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ النَّصْبَ فِي اللَّاتِي، وَذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَعَ صِحَّةِ الِابْتِدَاءِ، وَأَجَازَ قَوْمٌ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اقْصُدُوا اللَّاتِي، أَوْ تَعَمَّدُوا. وَقِيلَ: الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ حُكْمُ اللَّاتِي. فَفِيمَا يُتْلَى هُوَ الْخَبَرُ، وَحُكْمُ هُوَ الْمُبْتَدَأُ، فَحُذِفَا لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: «فَاسْتَشْهِدُوا» ؛ لِأَنَّهُ الْحُكْمُ الْمَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ. (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ) : أَوْ عَاطِفَةٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: أَوْ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى إِلَّا أَنْ، وَكِلَاهُمَا مُسْتَقِيمٌ. (لَهُنَّ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ «يَجْعَلَ» وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ: «سَبِيلًا» .
قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا) : الْكَلَامُ فِي اللَّذَانِ كَالْكَلَامِ فِي اللَّاتِي، إِلَّا أَنَّ مَنْ أَجَازَ النَّصْبَ يَصِحُّ أَنْ يُقَدِّرَ فِعْلًا مِنْ جِنْسِ الْمَذْكُورِ؛ تَقْدِيرُهُ: آذَوُا اللَّذَيْنِ.
стр. 340
وَلَا يَجُوزُ أَنْ
يَعْمَلَ مَا بَعْدَ الْفَاءِ فِيمَا قَبْلَهَا هَاهُنَا، وَلَوْ عَرَا مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ هُنَا فِي حُكْمِ الْفَاءِ الْوَاقِعَةِ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ، وَتِلْكَ تَقْطَعُ مَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهَا. وَيُقْرَأُ اللَّذَانِ بِتَخْفِيفِ النُّونِ عَلَى أَصْلِ التَّثْنِيَةِ، وَبِتَشْدِيدِهَا عَلَى أَنَّ إِحْدَى النُّونَيْنِ عِوَضٌ مِنَ اللَّامِ الْمَحْذُوفَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اللَّذَيَانِ مِثْلُ الْعَمَيَانِ وَالشَّجَيَانِ، فَحُذِفَتِ الْيَاءُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ مُبْهَمٌ، وَالْمُبْهَمَاتُ لَا تُثَنَّى التَّثْنِيَةَ الصِّنَاعِيَّةَ، وَالْحَذْفُ مُؤْذِنٌ بِأَنَّ التَّثْنِيَةَ هُنَا مُخَالِفَةٌ لِلْقِيَاسِ، وَقِيلَ: حُذِفَتْ لِطُولِ الْكَلَامِ بِالصِّلَةِ، فَأَمَّا هَذَانِ وَهَاتَيْنِ وَفَذَانِكَ فَنَذْكُرُهَا فِي مَوَاضِعِهَا.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (١٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ) : مُبْتَدَأٌ، وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ: (عَلَى اللَّهِ) : أَيْ: ثَابِتَةٌ عَلَى اللَّهِ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ» حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ وَهُوَ قَوْلُهُ «عَلَى اللَّهِ» ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الظَّرْفُ أَوْ الِاسْتِقْرَارُ؛ أَيْ: كَائِنَةٌ لِلَّذِينِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي الْحَالِ التَّوْبَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِالْجَارِّ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ «لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ» ؛ وَأَمَّا «عَلَى اللَّهِ» فَيَكُونُ حَالًا مِنْ شَيْءٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: إِنَّمَا التَّوْبَةُ إِذْ كَانَتْ عَلَى اللَّهِ، أَوْ إِذَا كَانَتْ عَلَى اللَّهِ، فَإِذْ أَوْ إِذَا ظَرْفَانِ الْعَامِلُ فِيهِمَا الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ؛ لِأَنَّ الظَّرْفَ يَعْمَلُ فِيهِ الْمَعْنَى، وَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وَكَانَ التَّامَّةُ، وَصَاحِبُ الْحَالِ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ فِي كَانَ،
стр. 341
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى اللَّهِ حَالًا يَعْمَلُ فِيهَا الَّذِينَ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ مَعْنَوِيٌّ، وَالْحَالُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَعْنَوِيِّ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُمْ هَذَا بُسْرًا أَطْيَبُ مِنْهُ رُطَبًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (١٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ) : فِي مَوْضِعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ جَرٌّ عَطْفًا عَلَى الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ؛ أَيْ: وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ «أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ» . وَاللَّامُ لَامُ الِابْتِدَاءِ وَلَيْسَتْ لَا النَّافِيَةَ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (١٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَرِثُوا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ فَاعِلِ يَحِلُّ؛ وَ «النِّسَاءَ» فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَالنِّسَاءُ عَلَى هَذَا هُنَّ الْمَوْرُوثَاتُ، وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَرِثُ نِسَاءَ آبَائِهَا، وَتَقُولُ نَحْنُ أَحَقُّ بِنِكَاحِهِنَّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي؛ وَالتَّقْدِيرُ: أَنْ تَرِثُوا مِنَ النِّسَاءِ الْمَالَ.
وَ (كَرْهًا) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَفِيهِ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي آلِ عِمْرَانَ، (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى تَرِثُوا؛ أَيْ: وَلَا أَنْ تَعْضُلُوهُنَّ. وَالثَّانِي: هُوَ جَزْمٌ بِالنَّهْيِ فَهُوَ مُسْتَأْنَفٌ. (
стр. 342
لِتَذْهَبُوا) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَعْضِلُوا، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ مِنَ النِّكَاحِ، أَوْ مِنَ الطَّلَاقِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمُخَاطَبِ بِهِ، هَلْ هُمُ الْأَوْلِيَاءُ أَوِ الْأَزْوَاجُ. (مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) : الْعَائِدُ عَلَى مَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِيَّاهُ، وَهُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي. (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ. وَالثَّانِي: هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا فِي حَالِ إِتْيَانِهِنَّ الْفَاحِشَةَ. وَقِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ تَقْدِيرُهُ: وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ فِي حَالٍ إِلَّا فِي حَالِ إِتْيَانِ الْفَاحِشَةِ. (مُبَيِّنَةٍ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ؛ أَيْ: أَظْهَرَهَا صَاحِبُهَا، وَبِكَسْرِ الْيَاءِ وَالتَّشْدِيدِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا هِيَ
الْفَاعِلَةُ؛ أَيْ: تُبِيِّنُ حَالَ مُرْتَكِبِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنَ اللَّازِمِ يُقَالُ بَانَ الشَّيْءُ، وَأَبَانَ، وَتَبَيَّنَ، وَاسْتَبَانَ، وَبَيَّنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، وَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُشَدَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ. (بِالْمَعْرُوفِ) : مَفْعُولٌ أَوْ حَالٌ. (أَنْ تَكْرَهُوا) : فَاعِلُ عَسَى، وَلَا خَبَرَ لَهَا هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ إِذَا تَقَدَّمَ صَارَتْ عَسَى بِمَعْنَى قَرُبَ، فَاسْتَغْنَتْ عَنْ تَقْدِيرِ الْمَفْعُولِ الْمُسَمَّى خَبَرًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (٢٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ) : ظَرْفٌ لِلِاسْتِبْدَالِ.
стр. 343
وَفِي قَوْلِهِ: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا) : إِشْكَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَمَعَ الضَّمِيرَ، وَالْمُتَقَدِّمُ زَوْجَانِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهَا هِيَ الَّتِي تَكُونُ قَدْ أَعْطَاهَا مَالًا، فَيَنْهَاهُ عَنْ أَخْذِهِ، فَأَمَّا الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَسْتَحْدِثَهَا فَلَمْ يَكُنْ أَعْطَاهَا شَيْئًا حَتَّى يُنْهَى عَنْ أَخْذِهِ، وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ» وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّوْجِ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ لِجَمَاعَةِ الرِّجَالِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ قَدْ يُرِيدُ الِاسْتِبْدَالَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا؛ لِأَنَّ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَسْتَحْدِثَهَا يُفْضِي حَالُهَا إِلَى أَنْ تَكُونَ زَوْجًا، وَأَنْ يُرِيدَ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهَا كَمَا اسْتَبْدَلَ بِالْأُولَى، فَجُمِعَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
وَأَمَّا الْإِشْكَالُ الثَّانِي فَفِيهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ، وَالْأَصْلُ آتَيْتُمُوهُنَّ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُسْتَبْدَلَ بِهَا مُبْهَمَةٌ، فَقَالَ إِحْدَاهُنَّ إِذْ لَمْ تَتَعَيَّنْ حَتَّى يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَيْهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا نَحْوًا مِنْ هَذَا فِي قَوْلِهِ: (فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) . (بُهْتَانًا) : فُعْلَانِ مِنَ الْبَهْتِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) (٢١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ) : كَيْفَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَتَأْخُذُونَهُ جَائِرِينَ، وَهَذَا يَتَبَيَّنُ لَكَ بِجَوَابِ كَيْفَ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذْ قُلْتَ كَيْفَ أَخَذْتَ مَالَ زِيدٍ كَانَ الْجَوَابُ حَالًا تَقْدِيرُهُ: أَخَذْتُهُ ظَالِمًا أَوْ عَادِلًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَأَبَدًا يَكُونُ مَوْضِعُ كَيْفَ مِثْلَ مَوْضِعِ جَوَابِهَا. (وَقَدْ أَفْضَى) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْضًا (
стр. 344
وَأَخَذْنَ) : أَيْ: وَقَدْ أَخَذْنَ؛ لِأَنَّهَا حَالٌ مَعْطُوفَةٌ، وَالْفِعْلُ مَاضٍ، فَتُقَدَّرُ مَعَهُ قَدْ لِيُصْبِحَ حَالًا، وَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهَا تَقَدُّمُ ذِكْرِهَا. (مِنْكُمْ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَخَذْنَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ مِيثَاقٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) (٢٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا نَكَحَ) : مِثْلُ قَوْلِهِ: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) [النِّسَاءِ: ٢٤] وَكَذَلِكَ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، وَهُوَ يَتَكَرَّرُ فِي الْقُرْآنِ. (مِنَ النِّسَاءِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ «مَا» ، أَوْ مِنَ الْعَائِدِ عَلَيْهَا. (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) : فِي «مَا» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى مَنْ وَقَدْ ذُكِرَ. وَالثَّانِي: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَمَا سَلَفَ مَاضٍ، فَلَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِهِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
وَمَعْنَى الْمُنْقَطِعِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْأَوَّلِ؛ بَلْ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمُسْتَأْنَفِ، وَتُقَدَّرُ إِلَّا فِيهِ بِلَكِنَّ؛ وَالتَّقْدِيرُ هُنَا: وَلَا تَتَزَوَّجُوا مَنْ تَزَوَّجَهُ آبَاؤُكُمْ، وَلَا تَطَئُوا مَنْ وَطِئَهُ آبَاؤُكُمْ، لَكِنْ مَا سَلَفَ مِنْ ذَلِكَ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ، كَمَا تَقُولُ: مَا مَرَرْتُ بِرَجُلٍ إِلَّا بِامْرَأَةٍ؛ أَيْ: لَكِنْ مَرَرْتُ بِامْرَأَةٍ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ بَيَانُ مَعْنًى زَائِدٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَكَ: مَا مَرَرْتُ بِرَجُلٍ - صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْمُرُورِ بِرَجُلٍ مَا غَيْرِ مُتَعَرِّضٍ بِإِثْبَاتِ الْمُرُورِ بِامْرَأَةٍ أَوْ نَفْيِهِ، فَإِذَا قُلْتَ: إِلَّا بِامْرَأَةٍ، كَانَ إِثْبَاتًا لِمَعْنًى مَسْكُوتٍ عَنْهُ غَيْرِ مَعْلُومٍ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ نَفْيُهُ وَلَا إِثْبَاتُهُ.
(إِنَّهُ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ النِّكَاحِ. (وَمَقْتًا) : تَمَامُ الْكَلَامِ، ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ. (وَسَاءَ سَبِيلًا) : أَيْ: وَسَاءَ هَذَا السَّبِيلُ مِنْ نِكَاحِ مَنْ نَكَحَهُنَّ الْآبَاءُ. (سَبِيلًا) : تَمْيِيزُهُ،
стр. 345
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: «وَسَاءَ سَبِيلًا» مَعْطُوفًا عَلَى خَبَرِ كَانَ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَقُولًا فِيهِ سَاءَ سَبِيلًا.
قَالَ تَعَالَى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (٢٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُمَّهَاتُكُمْ) : الْهَاءُ زَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ فِيمَنْ يَعْقِلُ، فَأَمَّا مَالَا يَعْقِلُ فَيُقَالُ أُمَّاتُ الْبَهَائِمَ، وَقَدْ جَاءَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا جَاءَ فِي الْآخَرِ قَلِيلًا؛ فَيُقَالُ: أُمَّاتُ الرِّجَالِ، وَأُمَّهَاتُ الْبَهَائِمِ. (وَبَنَاتُكُمْ) : لَامُ الْكَلِمَةِ مَحْذُوفَةٌ؛ وَوَزْنُهُ فَعَاتُكُمْ؛ وَالْمَحْذُوفُ وَاوٌ أَوْ يَاءٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
فَأَمَّا بِنْتٌ، فَالتَّاءُ فِيهَا بَدَلٌ مِنَ اللَّامِ الْمَحْذُوفَةِ، وَلَيْسَتْ تَاءُ التَّأْنِيثِ؛ لِأَنَّ تَاءَ التَّأْنِيثِ لَا يَسْكُنُ مَا قَبْلَهَا، وَتُقْلَبُ هَاءً فِي الْوَقْفِ، فَبَنَاتٌ لَيْسَ بِجَمْعِ بِنْتٍ؛ بَلْ بَنَةٍ، وَكُسِرَتِ الْبَاءُ تَنْبِيهًا عَلَى الْمَحْذُوفِ، هَذَا عِنْدَ الْفَرَّاءِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَصْلُهَا الْفَتْحُ، وَعَلَى ذَلِكَ جَاءَ جَمْعُهَا وَمُذَكَّرُهَا وَهُوَ بَنُونَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ. وَأَمَّا أُخْتٌ فَالتَّاءُ فِيهَا بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْأُخُوَّةِ فَأَمَّا جَمْعُهَا فَأَخَوَاتٌ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ رُدَّ الْمَحْذُوفُ فِي أَخَوَاتٍ، وَلَمْ يُرَدَّ فِي
بَنَاتٍ؟ . قِيلَ: حُمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمْعَيْنِ عَلَى مُذَكَّرِهِ، فَمُذَكَّرُ بَنَاتٍ لَمْ يُرَدَّ فِيهِ الْمَحْذُوفُ؛ بَلْ جَاءَ نَاقِصًا فِي الْجَمْعِ؛ فَقَالُوا بَنُونَ؛ وَقَالُوا فِي جَمْعِ أَخٍ: إِخْوَةٌ وَإِخْوَانٌ، فَرُدَّ الْمَحْذُوفُ
стр. 346
وَالْعَمَّةُ تَأْنِيثُ العَمِّ وَالْخَالَةُ تَأْنِيثُ الْخَالِ، وَأَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ؛ لِقَوْلِكَ فِي الْجَمْعِ أَخْوَالٌ. (مِنَ الرَّضَاعَةِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ أَخَوَاتِكُمْ؛ أَيْ: وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَخَوَاتُكُمْ كَائِنَاتٌ مِنَ الرَّضَاعَةِ. (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) : نَعْتٌ لِنِسَائِكُمُ الَّتِي تَلِيهَا، وَلَيْسَتْ صِفَةً لِنِسَائِكُمُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: «وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ» لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ نِسَاءَكُمُ الْأُولَى مَجْرُورَةٌ بِالْإِضَافَةِ، وَنِسَاءَكُمُ الثَّانِيَةَ مَجْرُورَةٌ بِمِنْ، فَالْجَرَّانِ مُخْتَلِفَانِ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ لَا تَجْرِي عَلَيْهِ الصِّفَةُ كَمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْعَمَلُ. وَالثَّانِي: أَنَّ أُمَّ الْمَرْأَةِ تُحَرَّمُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَبِنْتُهَا لَا تُحَرَّمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ، فَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ. (وَمِنْ نِسَائِكُمُ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ رَبَائِبِكُمْ، وَإِنْ شِئْتَ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ الَّذِي هُوَ صِلَةٌ؛ تَقْدِيرُهُ: اللَّاتِي اسْتَقْرَرْنَ فِي حُجُورِكُمْ كَائِنَاتٌ مِنْ نِسَائِكُمْ. (وَأَنْ تَجْمَعُوا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلَى أُمَّهَاتِكُمْ. وَ (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (٢٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْمُحْصَنَاتُ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «أُمَّهَاتِكُمْ» وَ «مِنَ النِّسَاءِ» حَالٌ مِنْهُ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الصَّادِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِنَّ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ، وَذَاتُ الزَّوْجِ مُحَصَنَةٌ
стр. 347
بِالْفَتْحِ؛ لِأَنَّ زَوْجَهَا أَحْصَنَهَا؛ أَيْ: أَعَفَّهَا؛ فَأَمَّا الْمُحْصَنَاتُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَيُقْرَأُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، وَكِلَاهُمَا مَشْهُورٌ، فَالْكَسْرُ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ أَحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ أَوْ أَزْوَاجَهُنَّ، وَالْفَتْحُ عَلَى أَنَّهُنَّ أُحْصِنَّ بِالْأَزْوَاجِ أَوْ بِالْإِسْلَامِ، وَاشْتِقَاقُ الْكَلِمَةِ مِنَ التَّحْصِينِ وَهُوَ الْمَنْعُ.
(إِلَّا مَا مَلَكَتْ) : اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَالْمَعْنَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ذَوَاتُ
الْأَزْوَاجِ إِلَّا السَّبَايَا فَإِنَّهُنَّ حَلَالٌ، وَإِنْ كُنَّ ذَوَاتَ أَزْوَاجٍ. (كِتَابَ اللَّهِ) : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ بِكَتَبَ مَحْذُوفَةٍ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «حُرِّمَتْ» ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ كُتِبَ. وَقِيلَ: انْتِصَابُهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: الْزَمُوا كِتَابَ اللَّهِ. وَ (عَلَيْكُمْ) : إِغْرَاءٌ.
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: هُوَ إِغْرَاءٌ، وَالْمَفْعُولُ مُقَدَّمٌ، وَهَذَا عِنْدَنَا غَيْرُ جَائِزِ؛ لِأَنَّ عَلَيْكُمْ وَبَابُهُ عَامِلٌ ضَعِيفٌ، فَلَيْسَ لَهُ فِي التَّقْدِيمِ تَصَرُّفٌ، وَقُرِئَ «كُتِبَ عَلَيْكُمْ» ؛ أَيْ: كَتَبَ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ، وَعَلَيْكُمْ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ النَّاصِبِ لِلْمَصْدَرِ لَا بِالْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ هُنَا فَضْلَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّهُ نَابَ عَنِ الْفِعْلِ حَيْثُ لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ، فَهُوَ كَقَوْلِكَ: مُرُورًا بِزَيْدٍ؛ أَيِ: امْرُرْ. (وَأُحِلَّ لَكُمْ) : يُقْرَأُ بِالْفَتْحِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْفِعْلِ النَّاصِبِ لِكِتَابٍ، وَبِالضَّمِّ عَطْفًا عَلَى حُرِّمَتْ. (مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) : فِي مَا وَجْهَانِ:
стр. 348
أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى مَنْ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: «أَنْ تَبْتَغُوا» فِي مَوْضِعِ جَرٍّ أَوْ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ بِأَنْ تَبْتَغُوا، أَوْ لِأَنْ تَبْتَغُوا؛ أَيْ: أُبِيحَ لَكُمْ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ النِّسَاءِ بِالْمُهُورِ. وَالثَّانِي: أَنَّ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَالَّذِي كِنَايَةٌ عَنِ الْفِعْلِ؛ أَيْ: وَأُحِلَّ لَكُمْ تَحْصِيلُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ، وَأَنْ تَبْتَغُوا بَدَلٌ مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنْ تَبْتَغُوا فِي هَذَا الْوَجْهِ مِثْلَهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَ (مُحْصِنِينَ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي تَبْتَغُوا. (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ) : فِي «مَا» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى مَنْ، وَالْهَاءُ فِي «بِهِ» تَعُودُ عَلَى لَفْظِهَا. وَالثَّانِي: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْخَبَرُ «فَآتُوهُنَّ» وَالْعَائِدُ مِنْهُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: لِأَجْلِهِ؛ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَرْطًا، وَجَوَابُهَا فَآتُوهُنَّ، وَالْخَبَرُ فِعْلُ الشَّرْطِ وَجَوَابُهُ، أَوْ جَوَابُهُ فَقَطْ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَيَجُوزُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَلَا تَكُونُ شَرْطًا بَلْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَاسْتَمْتَعْتُمْ صِلَةٌ لَهَا، وَالْخَبَرُ فَآتُوهُنَّ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً لِفَسَادِ الْمَعْنَى، وَلِأَنَّ الْهَاءَ فِي «بِهِ» تَعُودُ عَلَى مَا، والْمَصْدَرِيَّةُ لَا يُعُودُ عَلَيْهَا ضَمِيرٌ. (مِنْهُنَّ) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِي بِهِ. (فَرِيضَةً) : مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢٥) .
стр. 349
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) : شَرْطٌ وَجَوَابُهُ: «فَمِمَّا مَلَكَتْ» . وَ (مِنْكُمْ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَسْتَطِعْ. (طَوْلًا) : مَفْعُولُ يَسْتَطِعْ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ لَهُ، وَفِيهِ حَذْفُ مُضَافٌ؛ أَيْ: لِعَدَمِ الطَّوْلِ. وَأَمَّا «أَنْ يَنْكِحَ» فَفِيهِ وَجْهَانِ:: أَحَدُهُمَا هُوَ بَدَلٌ مِنْ طَوْلٍ، وَهُوَ بَدَلُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وَهُمَا لِشَيْءٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الطَّوْلَ هُوَ الْقُدْرَةُ، أَوِ الْفَضْلُ، وَالنِّكَاحَ قُوَّةٌ وَفَضْلٌ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ بَدَلًا؛ بَلْ هُوَ مَعْمُولُ طَوْلٍ، وَفِيهِ عَلَى هَذَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَنْصُوبٌ بِطَوْلٍ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنَالَ نِكَاحَ الْمُحْصَنَاتِ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ: طُلْتُهُ؛ أَيْ: نِلْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
إِنَّ الْفَرَزْدَقَ صَخْرَةٌ عَادِيَّةٌ ... طَالَتْ فَلَيْسَ يَنَالُهَا الْأَوْعَالَا.
؛ أَيْ: طَالَتِ الْأَوْعَالَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ؛ أَيْ: إِلَى أَنْ يَنْكِحَ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ وُصْلَةً إِلَى نِكَاحِ الْمُحْصَنَاتِ.
وَقِيلَ: الْمَحْذُوفُ اللَّامُ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي مَوْضِعِ صِفَةِ طَوْلٍ وَالطَّوْلُ الْمَهْرُ؛ أَيْ: مَهْرًا كَائِنًا لِأَنْ يَنْكِحَ.
وَقِيلَ: هُوَ مَعَ تَقْدِيرِ اللَّامِ مَفْعُولُ الطَّوْلِ؛ أَيْ: طَوْلًا لِأَجْلِ نِكَاحِهِنَّ.
(فَمِنْ مَا) : فِي «مِنْ» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ زَائِدَةٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: فَلْيَنْكِحْ مَا مَلَكَتْ.
стр. 350
وَالثَّانِي: لَيْسَتْ زَائِدَةً، وَالْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلْيَنْكِحِ امْرَأَةً مِمَّا مَلَكَتْ، وَ «مِنْ» عَلَى هَذَا صِفَةٌ لِلْمَحْذُوفِ وَقِيلَ: مَفْعُولُ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ «فَتَيَاتِكُمْ» ؛ وَمِنَ الثَّانِيَةِ زَائِدَةٌ. وَ (وَالْمُؤْمِنَاتِ) : عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ صِفَةُ الْفَتَيَاتِ. وَقِيلَ: مَفْعُولُ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ «الْمُؤْمِنَاتِ» ؛ وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْفَتَيَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، وَمَوْضِعُ «مِنْ فَتَيَاتِكُمْ» إِذَا لَمْ تَكُنْ «مِنْ» زَائِدَةً حَالٌ مِنَ الْهَاءِ الْمَحْذُوفَةِ فِي مَلَكَتْ. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: فَلْيَنْكِحْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضِ الْفَتَيَاتِ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ» مُعْتَرِضًا بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ. وَ (بَعْضُكُمْ) : فَاعِلُ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفُ، وَالْجَيِّدُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُكُمْ مُبْتَدَأً. وَ «مِنْ بَعْضِ» خَبَرُهُ؛ أَيْ: بَعْضُكُمْ مِنْ جِنْسِ بَعْضٍ فِي النَّسَبِ وَالدِّينِ، فَلَا يَتَرَفَّعُ الْحُرُّ عَنِ الْأَمَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَقِيلَ (فَمِمَّا مَلَكَتْ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: فَالْمَنْكُوحَةُ مِمَّا مَلَكَتْ. (مُحْصَنَاتٍ) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ فِي «وَآتُوهُنَّ» (وَلَا مُتَّخِذَاتِ) : مَعْطُوفٌ عَلَى مُحْصَنَاتٍ، وَالْإِضَافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، وَالْأَخْدَانُ جَمْعُ خِدْنٍ مِثْلُ عَدْلٍ وَأَعْدَالٍ. (فَإِذَا
أُحْصِنَّ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ؛ أَيْ: بِالْأَزْوَاجِ، وَبِفَتْحِهَا؛ أَيْ: فُرُوجَهُنَّ. (فَإِنْ أَتَيْنَ) : الْفَاءُ جَوَابُ إِذَا. (فَعَلَيْهِنَّ) : جَوَابُ إِنْ. (مِنَ الْعَذَابِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الْعَامِلُ فِي صَاحِبِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ مَا؛ لِأَنَّهَا مَجْرُورَةٌ بِالْإِضَافَةِ، فَلَا يَكُونُ لَهَا عَامِلٌ. (
стр. 351
ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ. (لِمَنْ خَشِيَ) : الْخَبَرُ؛ أَيْ: جَائِزٌ لِلْخَائِفِ مِنَ الزِّنَى. (وَأَنْ تَصْبِرُوا) : مُبْتَدَأٌ؛ وَ (خَيْرٌ لَكُمْ) : خَبَرُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٢٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) : مَفْعُولُ يُرِيدُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: يُرِيدُ اللَّهُ ذَلِكَ؛ أَيْ: تَحْرِيمَ مَا حَرَّمَ وَتَحْلِيلَ مَا حَلَّلَ لِيُبَيِّنَ. وَاللَّامُ فِي لِيُبَيِّنَ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُرِيدُ، وَقِيلَ: اللَّامُ زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ، فَالنَّصْبُ بِأَنْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) (٢٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ) : مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ إِلَّا أَنَّهُ صَدَّرَ الْجُمْلَةَ الْأُولَى بِالِاسْمِ، وَالثَّانِيَةَ بِالْفِعْلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِالنَّصْبِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ، وَيُرِيدُ أَنْ يُرِيدَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (٢٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) : ضَعِيفًا حَالٌ. وَقِيلَ: تَمْيِيزٌ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ بِمِنْ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ شَيْءٍ ضَعِيفٍ؛ أَيْ: مِنْ طِينٍ، أَوْ مِنْ نُطْفَةٍ وَعَلَقَةٍ وَمُضْغَةٍ، كَمَا قَالَ (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) [الرُّومِ: ٥٤] فَلَمَّا حُذِفَ الْجَارُّ وَالْمَوْصُوفُ انْتَصَبَتِ الصِّفَةُ بِالْفِعْلِ نَفْسِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (٢٩) .
стр. 352
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً) : الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: لَا تَأْكُلُوهَا بِسَبَبٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بِالْبَاطِلِ، وَالتِّجَارَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْبَاطِلِ.
وَفِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ؛ أَيْ: إِلَّا فِي حَالِ كَوْنِهَا تِجَارَةً، أَوْ فِي وَقْتِ كَوْنِهَا تِجَارَةً، وَتِجَارَةٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا النَّاقِصَةُ؛ التَّقْدِيرُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمُعَامَلَةُ أَوِ التِّجَارَةُ تِجَارَةً. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَمْوَالُ تِجَارَةً. (عَنْ تَرَاضٍ) : فِي مَوْضِعِ صِفَةِ " تِجَارَةً ". (وَمِنْكُمْ) : صِفَةُ تَرَاضٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (٣٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَفْعَلْ) : " مَنْ " فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ) .
وَ (عُدْوَانًا وَظُلْمًا) : مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَوْ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ النُّونِ مِنْ نُصْلِيهِ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، يُقَالُ أَصْلَيْتُهُ النَّارَ وَصَلَيْتُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) (٣١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُدْخَلًا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهُوَ مَصْدَرُ دَخَلَ وَالتَّقْدِيرُ: وَنُدْخِلُهُ
стр. 353
فَيَدْخُلُ مَدْخَلًا؛ أَيْ: دُخُولًا، وَمَفْعَلٌ إِذَا وَقَعَ مَصْدَرًا كَانَ مَصْدَرَ فَعَلَ فَأَمَّا أَفْعَلَ فَمَصْدَرُهُ مُفْعَلٌ بِضَمِّ الْمِيمِ كَمَا ضُمَّتِ الْهَمْزَةُ. وَقِيلَ: مَدْخَلٌ هُنَا الْمَفْتُوحُ الْمِيمِ مَكَانٌ فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ مِثْلَ أَدْخَلْتُهُ بَيْتًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (٣٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا فَضَّلَ اللَّهُ) : " مَا " بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَالْعَائِدُ الْهَاءُ فِي " بِهِ " وَالْمَفْعُولُ " بَعْضَكُمْ ".
" وَاسْأَلُوا اللَّهَ " يُقْرَأُ سَلُوا بِغَيْرِ هَمْز، (وَاسْأَلُوا) بِالْهَمْز، وَقَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) ، وَمَفْعُولُ اسْأَلُوا مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: شَيْئًا: " مِنْ فَضْلِهِ ".
قَالَ تَعَالَى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) (٣٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا) : الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تُقْدِيرُهُ وَلِكُلِّ أَحَدٍ جَعَلْنَا مَوَالِيَ يَرِثُونَهُ. وَالثَّانِي: وَلِكُلِّ مَالٍ، وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ لِجَعَلَ " مَوَالِيَ ". وَالثَّانِي: لِكُلٍّ، وَالتَّقْدِيرُ: وَجَعَلْنَا وَرَّاثًا لِكُلِّ مَيِّتٍ، أَوْ لِكُلِّ مَالٍ. (مِمَّا تَرَكَ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ صِفَةُ مَالٍ الْمَحْذُوفِ؛ أَيْ: مِنْ مَالٍ تَرَكَهُ " الْوَالِدَانِ ". وَالثَّانِي: هُوَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَوَالِي؛ تَقْدِيرُهُ: يَرِثُونَ مَا تَرَكَ. وَقِيلَ: " مَا " بِمَعْنَى مَنْ؛ أَيْ: لِكُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ تَرَكَ الْوَالِدَانِ. (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ) : فِي مَوْضِعِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوَالِيَ؛ أَيْ: وَجَعَلْنَا الَّذِينَ عَاقَدَتْ وُرَّاثًا، وَكَانَ ذَلِكَ وَنُسِخَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ " فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ " تَوْكِيدًا؛
стр. 354
وَالثَّانِي: مَوْضِعُهُ نَصْبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ فَسَّرَهُ الْمَذْكُورُ؛ أَيْ: وَآتُوا الَّذِينَ عَاقَدَتْ. وَالثَّالِثُ: هُوَ رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَ " فَآتُوهُمْ " الْخَبَرُ. وَيُقْرَأُ عَاقَدَتْ بِالْأَلِفِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: عَاقَدَتْهُمْ، وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيْضًا هُوَ وَالْعَائِدُ تَقْدِيرُهُ: عَقَدَتْ حَلِفَهُمْ أَيْمَانُكُمْ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: عَقَدَتْ حَلِفَهُمْ ذَوُو أَيْمَانِكُمْ فَحُذِفَ الْمُضَافُ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ لِلْيَمِينِ الْحَالِفُونَ لَا الْأَيْمَانُ نَفْسُهَا.
قَالَ تَعَالَى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) (٣٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) : " عَلَى " مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوَّامُونَ. وَ (بِمَا) : مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ أَيْضًا، وَلَمَّا كَانَ الْحَرْفَانِ بِمَعْنَيَيْنِ، جَازَ تَعَلُّقُهُمَا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ؛ فَـ " عَلَى " عَلَى هَذَا لَهَا مَعْنًى غَيْرُ مَعْنَى الْبَاءِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: مُسْتَحِقِّينَ
بِتَفْضِيلِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ؛ وَصَاحِبُ الْحَالِ الضَّمِيرُ فِي قَوَّامُونَ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ. فَأَمَّا " مَا " فِي قَوْلِهِ " وَبِمَا أَنْفَقُوا " فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَتَتَعَلَّقُ مِنْ بِأَنْفَقُوا، وَلَا حَذْفَ فِي الْكَلَامِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: وَبِالَّذِي أَنْفَقُوهُ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ " مِنْ أَمْوَالِهِمْ " حَالًا. (فَالصَّالِحَاتُ) : مُبْتَدَأٌ. " قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ " خَبَرَانِ عَنْهُ.
стр. 355
وَقُرِئَ: " فَالصَّوَالِحُ قَوَانِتُ حَوَافِظُ " وَهُوَ جَمْعُ تَكْثِيرٍ دَلَّ عَلَى الْكَثْرَةِ، وَجَمْعُ التَّصْحِيحِ لَا يَدُلُ عَلَى الْكَثْرَةِ بِوَضْعِهِ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِيهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) [سَبَأٍ: ٣٧] . (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) : فِي " مَا " ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ " بِمَعْنَى الَّذِي، وَنَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَمَصْدَرِيَّةٌ. وَقُرِئَ: بِمَا حَفِظَ اللَّهَ، بِنَصْبِ اسْمِ اللَّهِ، وَمَا عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ، وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: بِمَا حَفِظَ أَمْرَ اللَّهِ، أَوْ دِينَ اللَّهِ، وَقَالَ قَوْمٌ هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: حَفِظَهُنَّ اللَّهُ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ خَلَا الْفِعْلُ عَنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ هُنَا جَمْعُ الْمُؤَنَّثِ، وَذَلِكَ يَظْهَرُ ضَمِيرُهُ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِمَا حَفِظَهُنَّ اللَّهُ، وَقَدْ صُوِّبَ هَذَا الْقَوْلُ، وَجُعِلَ الْفَاعِلُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، وَهُوَ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ فَلَا يَظْهَرُ لَهُ ضَمِيرٌ. (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ) : مِثْلُ قَوْلِهِ (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) [النِّسَاءِ: ١٥] وَمِثْلُ: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا) [النِّسَاءِ: ١٦] وَقَدْ ذُكِرَا. (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) : فِي: " فِي " وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ ظَرْفٌ لِلْهِجْرَانِ؛ أَيِ: اهْجُرُوهُنَّ فِي مَوَاضِعِ الِاضْطِجَاعِ؛ أَيِ: اتْرُكُوا مَضَاجِعَهُنَّ دُونَ تَرْكِ مُكَالَمَتِهِنَّ. الثَّانِي: هِيَ بِمَعْنَى السَّبَبِ؛ أَيْ: وَاهْجُرُوهُنَّ بِسَبَبِ الْمَضَاجِعِ، كَمَا تَقُولُ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ عُقُوبَةٌ. (
следующие страницы →