Полный текст (316 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَأَهْلُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ بِإِزَاءِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فَرِيقَانِ:
١- فريقٌ لَا يتورَّع عَنْ رَدِّهَا وَإِنْكَارِهَا إِذَا وَرَدَتْ بِمَا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ؛ بِدَعْوَى أَنَّهَا أَحَادِيثُ آحَادٍ لَا تُفِيدُ إلاَّ الظنَّ، وَالْوَاجِبُ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ الْيَقِينُ، وَهُؤَلَاءِ هُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْفَلَاسِفَةُ.
٢- وَفَرِيقٌ يُثبتها وَيْعْتَقِدُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ، وَلَكِنَّهُ يَشْتَغِلُ بِتَأْوِيلِهَا؛ كَمَا يَشْتَغِلُ بِتَأْوِيلِ آيَاتِ الْكِتَابِ، حَتَّى يخرِجَها عَنْ مَعَانِيهَا الظَّاهِرَةِ إِلَى مَا يُرِيدُهُ مِنْ معانٍ بِالْإِلْحَادِ وَالتَّحْرِيفِ، وهؤلاء هم متأخِّرو الْأَشْعَرِيَّةِ، وَأَكْثَرُهُمْ توسُّعًا فِي هَذَا الْبَابِ الْغَزَالِيُّ (١) ، والرَّازي (٢) .
قَوْلُهُ: ((وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ ... )) إلخ؛ يَعْنِي: أَنَّهُ كَمَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ تحريفٍ وَلَا تعطيلٍ وَلَا تكييفٍ وَلَا تمثيلٍ؛ كَذَلِكَ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا وَصَفَهُ بِهِ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِرَبِّهِ وَبِمَا يَجِبُ لَهُ، وَهُوَ رَسُولُهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
قَوْلُهُ: ((كَذَلِكَ)) ؛ أَيْ: إِيمَانًا مِثْلَ ذَلِكَ الْإِيمَانِ، خَالِيًا مِنَ التَّحْرِيفِ стр. 177
وَالتَّعْطِيلِ، وَمِنَ التَّكْيِيفِ وَالتَّمْثِيلِ بَلْ إِثْبَاتٌ لَهَا عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِعَظَمَةِ الرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ.
ـ[ (فَمِنْ ذَلِكَ: مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ : ((يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((فَمِنْ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ ... )) إلخ؛ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جِهَتَيْنِ:
الْأُولَى: صحَّته مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ؛ وَقَدْ ذَكَرَ المؤلِّف ﵀ أَنَّهُ متَّفق عَلَيْهِ. وَيَقُولُ الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِهِ ((الْعُلُوُّ للعليِّ الْغَفَّارِ)) (٢) :
((إِنَّ أَحَادِيثَ النُّزُولِ مُتَوَاتِرَةٌ، تُفِيدُ الْقَطْعَ)) .
وَعَلَى هَذَا؛ فَلَا مَجَالَ لِإِنْكَارٍ أَوْ جُحُودٍ.
الثَّانِيَةُ: مَا يُفِيدُهُ هَذَا الْحَدِيثُ؛ وَهُوَ إِخْبَارُهُ ﷺ بِنُزُولِ الربِّ ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ. стр. 178
وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ النُّزُولَ صِفَةٌ لِلَّهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، فَهُوَ لَا يُمَاثِلُ نُزُولَ الْخَلْقِ؛ كَمَا أَنَّ اسْتِوَاءَهُ لَا يُمَاثِلُ اسْتِوَاءَ الْخَلْقِ.
يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ:
((فالربُّ سُبْحَانَهُ إِذَا وَصَفَهُ رَسُولُهُ بِأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، وَأَنَّهُ يَدْنُو عَشِيَّةَ عَرَفَةَ إِلَى الْحُجَّاجِ، وَأَنَّهُ كلَّم مُوسَى بِالْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّهُ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دخانٌ، فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا؛ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَفْعَالُ مِنْ جِنْسِ مَا نُشَاهِدُهُ مِنْ نُزُولِ هَذِهِ الْأَعْيَانِ الْمَشْهُودَةِ حَتَّى يُقال: ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَفْرِيغَ مَكَانٍ وَشَغْلَ آخَرَ)) (١) .
فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِالنُّزُولِ صِفَةً حَقِيقِيَّةً لِلَّهِ ، عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي يَشَاءُ، فَيُثْبِتُونَ النُّزُولَ كَمَا يُثْبِتُونَ جَمِيعَ الصِّفَاتِ الَّتِي ثَبَتَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَقِفُونَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَا يكيِّفون وَلَا يمثِّلون وَلَا يَنْفُونَ وَلَا يعطِّلون، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ يَنْزِلُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُخْبِرْنَا كَيْفَ يَنْزِلُ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ فعَّال لِمَا يُرِيدُ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَلِهَذَا تَرَى خواصَّ الْمُؤْمِنِينَ يتعرَّضون فِي هَذَا الْوَقْتِ الْجَلِيلِ لِأَلْطَافِ رَبِّهِمْ وَمَوَاهِبِهِ، فَيَقُومُونَ لِعُبُودِيَّتِهِ؛ خَاضِعِينَ خَاشِعِينَ، دَاعِينَ متضرِّعين، يَرْجُونَ مِنْهُ حُصُولَ مَطَالِبِهِمُ الَّتِي وَعَدَهُمْ بِهَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ .
ـ[ (وَقَوْلُهُ ﷺ : ((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ التَّائِبِ مِنْ أَحَدِكُمْ]ـ стр. 179
ـ[بِرَاحِلَتِهِ)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا ... )) إلخ؛ تَتِمَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ؛ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ:
((لَلَّهُ أشدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ دويَّة مَهْلَكَةٍ وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَزَلَ عَنْهَا، فَنَامَ وَرَاحِلَتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَذَهَبَ فِي طَلَبِهَا، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، حَتَّى أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَرْجِعَنَّ فَلَأَمُوتَنَّ حَيْثُ كَانَ رَحْلِي، فَرَجَعَ، فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ: اللهمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ)) (٢) .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ صِفَةِ الْفَرَحِ لِلَّهِ ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الصِّفَاتِ: أَنَّهُ صِفَةٌ حَقِيقَةٌ لِلَّهِ ، عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ التَّابِعَةِ لِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ، فيَحْدُث لَهُ هَذَا الْمَعْنَى المعبَّر عَنْهُ بِالْفَرَحِ عِنْدَمَا يُحدِثُ عبدُه التوبةَ والإنابةَ إِلَيْهِ، وَهُوَ مستلزمٌ لِرِضَاهُ عَنْ عَبْدِهِ التَّائِبِ، وَقَبُولِهِ تَوْبَتَهُ.
وَإِذَا كَانَ الْفَرَحُ فِي الْمَخْلُوقِ عَلَى أَنْوَاعٍ؛ فَقَدْ يَكُونُ فَرَحَ خِفَّةٍ وَسُرُورٍ وَطَرَبٍ، وَقَدْ يَكُونُ فَرَحَ أشرٍ وبطرٍ؛ فَاللَّهُ منزَّه عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، ففرحهُ لَا يُشْبِهُ فَرَحَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، لَا فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي أَسْبَابِهِ، وَلَا فِي غَايَاتِهِ، стр. 180
فَسَبَبُهُ كَمَالُ رَحْمَتِهِ وَإِحْسَانُهُ الَّتِي يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يتعرَّضوا لَهَا، وَغَايَتُهُ إِتْمَامُ نِعْمَتِهِ عَلَى التَّائِبِينَ الْمْنِيبِينَ.
وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْفَرَحِ بِلَازِمِهِ، وَهُوَ الرِّضَا، وَتَفْسِيرُ الرِّضَا بِإِرَادَةِ الثَّوَابِ؛ فكلُّ ذَلِكَ نفيٌ وتعطيلٌ لِفَرَحِهِ وَرِضَاهُ سُبْحَانَهُ، أَوْجَبَهُ سوءُ ظنِّ هَؤُلَاءِ المعطِّلة بِرَبِّهِمْ، حَيْثُ توهَّموا أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ تَكُونُ فِيهِ كَمَا هِيَ فِي الْمَخْلُوقِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ تَشْبِيهِهِمْ وَتَعْطِيلِهِمْ.
ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﷺ : ((يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ؛ كِلاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ ... )) إلخ؛ يُثْبِتُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الضَّحِكَ لِلَّهِ كَمَا أَفَادَهُ هَذَا الْحَدِيثُ وَغَيْرُهُ ـ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ، وَالَّذِي لَا يُشْبِهُهُ ضَحِكُ الْمَخْلُوقِينَ عِنْدَمَا يستخفُّهم الْفَرَحُ، أَوْ يستفزُّهم الطَّرَبُ؛ بَلْ هُوَ مَعْنًى يَحْدُثُ فِي ذَاتِهِ عِنْدَ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ، وَإِنَّمَا يَحْدُثُ بِمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ؛ فَإِنَّ الضَّحِكَ إِنَّمَا يَنْشَأُ فِي الْمَخْلُوقِ عِنْدَ إِدْرَاكِهِ لأمرٍ عجيبٍ يَخْرُجُ عَنْ نَظَائِرِهِ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ تَسْلِيطَ الْكَافِرِ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ مَدعاةٌ فِي стр. 181
بَادِئِ الرَّأْيِ لِسَخَطِ اللَّهِ عَلَى هَذَا الْكَافِرِ، وَخِذْلَانِهِ، وَمُعَاقَبَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِذَا منَّ اللَّهُ عَلَى هَذَا الْكَافِرِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ، وَهَدَاهُ لِلدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يُسْتَشْهَدَ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ؛ كَانَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ حَقًّا.
وَهَذَا مِنْ كَمَالِ رَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ وَسَعَةِ فَضْلِهِ عَلَى عِبَادِهِ سُبْحَانَهُ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَقْتُلُهُ الْكَافِرُ، فَيُكْرِمُ اللَّهُ الْمُسْلِمَ بِالشَّهَادَةِ، ثُمَّ يمنُّ عَلَى ذَلِكَ الْقَاتِلِ، فَيَهْدِيهِ لِلْإِسْلَامِ وَالِاسْتِشْهَادِ فِي سَبِيلِهِ، فَيَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ جميعا.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ ضَحِكِهِ سُبْحَانَهُ بِالرِّضَا أَوِ الْقَبُولِ أَوْ أَنَّ الشَّيْءَ حلَّ عِنْدَهُ بمحلِّ مَا يُضْحَكُ مِنْهُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ فِي الْحَقِيقَةِ ضَحِكٌ؛ فَهُوَ نفيٌ لِمَا أَثْبَتَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَبِّهِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ.
ـ[ (وَقَوْلُهُ: ((عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ خَيْرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ آزِلينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ)) (١) . حَدِيثٌ حَسَنٌ) .]ـ стр. 182
/ش/ قَوْلُهُ: ((عَجِبَ رَبُّنا ... )) إلخ؛ هَذَا الْحَدِيثُ يُثْبِتُ لِلَّهِ صِفَةَ العَجَب، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ ﵊:
((عَجِبَ رَبُّكَ مِنْ شابٍّ لَيْسَ لَهُ صَبْوَةٌ)) (١) (٢) . стр. 183
وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ (١) ؛ بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى أنَّها ضميرٌ للرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ.
وَلَيْسَ عَجَبُهُ سُبْحَانَهُ نَاشِئًا عَنْ خَفَاءٍ فِي الْأَسْبَابِ أَوْ جَهْلٍ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ؛ كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي عَجَبِ الْمَخْلُوقِينَ؛ بَلْ هُوَ مَعْنًى يَحْدُثُ لَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مُقْتَضَى مَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِنْدَ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ، وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُتَعَجَّبَ مِنْهُ.
وَهَذَا العَجَب الَّذِي وَصَفَ بِهِ الرسولُ ربَّه هُنَّا مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ، وَهُوَ مِنْ كَمَالِهِ تَعَالَى، فَإِذَا تأخَّر الْغَيْثُ عَنِ الْعِبَادِ مَعَ فَقْرِهِمْ وشدَّة حَاجَتِهِمْ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الْيَأْسُ وَالْقُنُوطُ، وَصَارَ نَظَرُهُمْ قَاصِرًا عَلَى الْأَسْبَابِ الظاهرة، وحسبوا أن لا يَكُونَ وَرَاءَهَا فرجٌ مِنَ الْقَرِيبِ الْمُجِيبِ؛ فَيَعْجَبُ اللَّهُ مِنْهُمْ.
وَهَذَا محلٌّ عجيبٌ حَقًّا؛ إِذْ كَيْفَ يَقْنَطُونَ وَرَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كلَّ شَيْءٍ، وَالْأَسْبَابُ لِحُصُولِهَا قَدْ توفَّرت؟! فَإِنَّ حَاجَةَ الْعِبَادِ وَضَرُورَتَهُمْ مِنْ أَسْبَابِ رَحْمَتِهِ، وَكَذَا الدُّعَاءُ بِحُصُولِ الْغَيْثِ وَالرَّجَاءِ فِي اللَّهِ مِنْ أَسْبَابِهَا، وَقَدْ جَرَتْ عَادَتُهُ سُبْحَانَهُ فِي خَلْقِهِ أَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ الْيُسْرَ مَعَ الْعُسْرِ، وَأَنَّ الشِّدَّةَ لَا تَدُومُ، فَإِذَا انضمَّ إِلَى ذَلِكَ قُوَّةُ الْتِجَاءٍ وَطَمَعٍ فِي فَضْلِ اللَّهِ، وَتَضَرُّعٌ إِلَيْهِ ودعاء؛ فتح اللهم عَلَيْهِمْ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لَا يَخْطُرُ عَلَى الْبَالِ.
وَالْقُنُوطُ مَصْدَرُ (قَنَط) ، وَهُوَ الْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ؛ قَالَ تَعَالَى: стр. 184
﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾ (١) .
قَوْلُهُ: ((وقُرب خَيْرِهِ)) ؛ أَيْ: فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَقَدْ رُوِيَ: ((غِيَرِه)) (*) . والغِيَر: اسْمٌ مِنْ قَوْلِكَ: غَيَّرَ الشَّيْءَ فتغيَّر.
وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ:
((مَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ يلقَ الغِيَر)) (٢) ؛ أَيْ: تَغَيُّرَ الْحَالِ، وَانْتِقَالَهَا مِنَ الصَّلَاحِ إِلَى الْفَسَادِ.
قَوْلُهُ: ((آزِلِينَ قَنِطِينَ)) : حَالَانِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي ((إِلَيْكُمْ)) .
وَ ((آزِلين)) : جَمْعُ آزِِل، اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الأزْل؛ بِمَعْنَى الشِّدة وَالضِّيقِ. يُقَالُ: أَزِلَ الرَّجُلُ يأزَل أزَلاً، مِنْ بَابِ فَرِحَ؛ أَيْ: صَارَ فِي ضِيقٍ وَجَدْبٍ.
ـ[ (وَقَوْلُهُ ﷺ : ((لا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا رِجْلَهُ [وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَيْهَا قَدَمَهُ] فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، فَتَقُولُ: قَط قَط)) (٣) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((لَا تَزَالُ جهنَّم ... )) إلخ؛ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الرِّجْلِ стр. 185
والقدَم لِلَّهِ ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ تُجرى مَجْرَى بقيَّة الصِّفَاتِ، فتُثبت لِلَّهِ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِعَظَمَتِهِ سُبْحَانَهُ.
وَالْحِكْمَةُ مِنْ وَضْعِ رِجْلِهِ سُبْحَانَهُ فِي النَّارِ أَنَّهُ قَدْ وَعَدَ أَنْ يَمْلَأَهَا؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ .
وَلَمَّا كَانَ مُقْتَضَى رحمته وعدله أن لا يعذِّبَ أَحَدًا بِغَيْرِ ذنبٍ، وَكَانَتِ النَّارُ فِي غَايَةِ الْعُمْقِ وَالسَّعَةِ؛ حقَّق وَعْدَهُ تَعَالَى، فَوَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ، فَحِينَئِذٍ يَتَلَاقَى طَرَفَاهَا، وَلَا يَبْقَى فِيهَا فَضْلٌ عَنْ أَهْلِهَا.
وَأَمَّا الْجَنَّةُ؛ فَإِنَّهُ يَبْقَى فِيهَا فضلٌ عَنْ أَهْلِهَا مَعَ كَثْرَةِ مَا أَعْطَاهُمْ وَأَوْسَعَ لَهُمْ، فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرِينَ؛ كَمَا ثَبَتَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ (١) .
ـ[ (وَقَوْلُهُ: "يَقُولُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيُنَادِي بِصَوتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إلَى النَّارِ)) . مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (٢) . وَقَوْلُهُ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ]ـ стр. 186
ـ[تَرْجُمَانٌ)) (١)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((يَقُولُ تَعَالَى: يَا آدَمُ ... )) إلخ؛ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ إثباتُ الْقَوْلِ وَالنِّدَاءِ وَالتَّكْلِيمِ لِلَّهِ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنْ بيَّنَّا مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ هَذِهِ صِفَاتُ أَفْعَالٍ لَهُ سُبْحَانَهُ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَهُوَ قَالَ، وَيَقُولُ، وَنَادَى، وَيُنَادِي، وكلَّم، ويكلِّم، وَأَنَّ قَوْلَهُ وَنِدَاءَهُ وَتَكْلِيمَهُ إِنَّمَا يَكُونُ بِحُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ يَسْمَعُهَا مَنْ يُنَادِيهِ ويكلِّمه، وَفِي هَذَا ردٌّ عَلَى الْأَشَاعِرَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ كَلَامَهُ قَدِيمٌ، وَإِنَّهُ بِلَا حرفٍ وَلَا صوتٍ.
وَقَدْ دلَّ الْحَدِيثُ الثَّانِي عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ سيكلِّم جَمِيعَ عِبَادِهِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَهَذَا تكليمٌ عامٌّ؛ لِأَنَّهُ تكليمُ محاسبةٍ، فَهُوَ يشملُ المؤمنَ والكافرَ وَالْبَرَّ وَالْفَاجِرَ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ (٢) ؛ لِأَنَّ المنفيَّ هُنَا هُوَ التَّكْلِيمُ بِمَا يسرُّ المكلَّم، وَهُوَ تكليمٌ خاصٌّ، وَيُقَابِلُهُ تَكْلِيمُهُ سُبْحَانَهُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ تكليمَ مَحَبَّةٍ وَرِضْوَانٍ وَإِحْسَانٍ. стр. 187
ـ[ (وَقَوْلُهُ فِي رُقْيَةِ الْمَرِيضِ: ((رَبَّنَا اللهَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ اجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الأَرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجِعِ؛ [فَيَبْرَأَ] (١)) ) (٢)
[حَدِيثٌ حَسَنٌ] (٣) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [وَغَيرُهُ] (٤) .
وَقَوْلُهُ: ((أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ)) (٥) . [حَدِيثٌ صَحِيحٌ] (٦) .
وَقَوْلُهُ:]ـ стр. 188
ـ[ ((وَالْعَرْشُ فَوْقَ [الْمَاءِ] (١) ، وَاللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ)) (٢) [حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ] (٣) .]ـ
ـ[وَقَوْلُهُ لِلْجَارِيَةِ: ((أَيْنَ اللهُ؟)) . قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: ((مَنْ أَنَا؟)) . قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: ((أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ)) (٤) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .]ـ
/ش/قَوْلُهُ: ((رَبَّنَا اللَّهَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ ... )) إلخ؛ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ [وَالثَّانِي] (٥) صريحٌ فِي علوِّه تَعَالَى وَفَوْقِيَّتِهِ؛ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ (٦) . стр. 189
وَقَدْ سَبَقَ أَنْ قُلْنَا: إِنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ لَيْسَ الْمُرَادَ مِنْهَا أَنَّ السَّمَاءَ ظرفٌ حاوٍ لَهُ سُبْحَانَهُ؛ بَلْ (فِي) إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى (عَلَى) ؛ كَمَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاللُّغَةِ، وَ (فِي) تَكُونُ بِمَعْنَى (عَلَى) فِي مَوَاضِعَ كثيرةٍ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (١) ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ السَّمَاءِ جِهَةَ الْعُلُوِّ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَهِيَ نصٌّ فِي علوِّه تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ.
وَفِي حَدِيثِ الرُّقْيَةِ الْمَذْكُورِ توسُّلٌ إِلَى اللَّهِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بربوبيَّته وإلاهيَّته وَتَقْدِيسِ اسْمِهِ وعلوِّه عَلَى خَلْقِهِ وَعُمُومِ أَمْرِهِ الشَّرْعِيِّ وَأَمْرِهِ الْقَدَرِيِّ، ثُمَّ توسلٌ إِلَيْهِ بِرَحْمَتِهِ الَّتِي شَمَلَتْ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ جَمِيعًا أَنْ يَجْعَلَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ نَصِيبًا مِنْهَا، ثُمَّ توسلٌ إِلَيْهِ بِسُؤُالِ مَغْفِرَةِ الحُوب ـ وَهُوَ الذَّنْبُ الْعَظِيمُ ـ، ثُمَّ الْخَطَايَا الَّتِي هِيَ دُونَهُ، ثُمَّ توسلٌ إِلَيْهِ بِرُبُوبِيَّتِهِ الخاصَّة للطَّيِّبين مِنْ عِبَادِهِ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهُمُ، الَّتِي كَانَ مِنْ آثَارِهَا أَنْ غَمَرَهُمْ بِنَعِمِ الدِّين والدُّنيا الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ.
فَهَذِهِ الْوَسَائِلُ المتنوِّعة إِلَى اللَّهِ لَا يَكَادُ يُرَدُّ دُعَاءُ مَن توسَّل بِهَا، وَلِهَذَا دَعَا اللَّهَ بَعْدَهَا بِالشِّفَاءِ الَّذِي هُوَ شفاءُ اللَّهِ الَّذِي لَا يَدَعُ مَرَضًا إِلَّا أَزَالَهُ، وَلَا تعلُّق فِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
فَهَلْ يَفْقَهُ هَذَا عُبَّاد الْقُبُورِ مِنَ المتوسِّلين بِالذَّوَاتِ وَالْأَشَخْاصِ وَالْحَقِّ وَالْجَاهِ وَالْحُرْمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟!
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ ... )) (٢) إلخ؛ فَفِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ стр. 190
الْإِيمَانِ بعلوِّه تَعَالَى عَلَى عَرْشِهِ، وَبِإِحَاطَةِ (*) عِلْمِهِ بِالْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا.
فَسُبْحَانَ مَن هُوَ عليٌّ فِي دنوِّه، قريبٌ فِي علوِّه.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الرَّابِعُ (١) ؛ فَقَدْ تضمَّن شَهَادَةَ الرَّسُولِ ﷺ بِالْإِيمَانِ لِلْجَارِيَةِ الَّتِي اعْتَرَفَتْ بِعُلُوِّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ، فدلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ وَصْفَ العلوِّ مِنْ أَعْظَمِ أَوْصَافِ الْبَارِي جَلَّ شَأْنُهُ، حَيْثُ خصَّه بِالسُّؤَالِ عَنْهُ دُونَ بقيَّة الْأَوْصَافِ، ودلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ بعلوِّه الْمُطْلَقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الْإِيمَانِ، فمَن أَنْكَرَهُ؛ فَقَدْ حُرِم الْإِيمَانَ الصَّحِيحَ.
وَالْعَجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْحَمْقَى مِنَ المعطِّلة النُّفَاةِ زَعْمُهُمْ أَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِاللَّهِ مِنْ رَسُولِهِ، فَيَنْفُونَ عَنْهُ الْأَيْنَ بَعْدَمَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ مِنَ الرَّسُولِ مَرَّةً سَائِلًا غَيْرَهُ ـ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ـ، وَمَرَّةً مُجِيبًا لِمَنْ سَأَلَهُ بِقَوْلِهِ: أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا؟
ـ[ (وَقَوْلُهُ: ((أَفْضَلُ الإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ)) (٢) .]ـ стр. 191
ـ[حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَوْلُهُ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاةِ؛ فَلاَ يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)) (١) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ ﷺ : ((اللهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ [وَالأَرْضِ] (٢) وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ [نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ] (٣) كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ؛ اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ)) (٤) . [رِوَايَةُ] (٥) مُسْلِمٌ.]ـ стр. 192
ـ[وَقَوْلُهُ ﷺ : لَمَّا رَفَعَ [الصَّحَابَةُ] (١) أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ: ((أَيُّهَا النَّاسُ! ارْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا [بَصِيرًا] (٢) قَرِيبًا. إِنَّ الَّذي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ)) (٣) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ ... )) إلخ؛ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْإِيمَانِ هُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ وَالْمُرَاقَبَةِ، وهو أن العبدُ ربَّه كأنَّه يَرَاهُ وَيُشَاهِدُهُ، وَيَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ، فَلَا يتكلَّم وَلَا يَفْعَلُ وَلَا يَخُوضُ فِي أمرٍ إِلَّا وَاللَّهُ رقيبٌ مطَّلع عَلَيْهِ؛
قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيه﴾ ِ (٤) .
وَلَا شكَّ أَنَّ هَذِهِ المعيَّة إِذَا اسْتَحْضَرَهَا الْعَبْدُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ يَرَاهُ حَيْثُ نَهَاهُ، أَوْ أَنْ يَفْتَقِدَهُ حَيْثُ أَمَرَهُ، فَتَكُونُ عَوْنًا لَهُ عَلَى اجْتِنَابِ مَا حرَّم اللَّهُ، وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ صِلَةٍ وَمُنَاجَاةٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، فَيَخْشَعُ قَلْبُهُ، وَيَسْتَحْضِرُ عَظَمَةَ اللَّهِ стр. 193
وَجَلَالَهُ، فتقلُّ حَرَكَاتِهِ، وَلَا يُسِيءُ الْأَدَبَ مَعَ رَبِّهِ بِالْبَصْقِ أَمَامَهُ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ... )) إلخ؛ دلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يكونُ قِبَلَ وَجهِ المُصلِّي.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي ((الْعَقِيدَةِ الْحَمَوِيَّةِ)) (١) .
((إِنَّ الْحَدِيثَ حقٌّ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ قِبَل وَجْهِ الْمُصَلِّي، بَلْ هَذَا الْوَصْفُ يثبُتُ لِلْمَخْلُوقَاتِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ أَنَّهُ يُنَاجِي السَّمَاءَ أَوْ يُنَاجِي الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ؛ لَكَانَتِ السَّمَاءُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فَوْقَهُ، وَكَانَتْ أَيْضًا قِبل وَجْهِهِ)) . اهـ
قَوْلُهُ: ((اللهُمَّ ربَّ السموات ... )) إلخ؛ تضمَّن الْحَدِيثُ إِثْبَاتَ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: الْأَوَّلِ، وَالْآخِرِ، وَالظَّاهِرِ، وَالْبَاطِنِ، وَهِيَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَقَدْ فَسَّرَهَا النبيُّ ﷺ بِمَا لَا يدعُ مَجَالًا لقائلٍ، فَهُوَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ جَمِيعًا بِأَسْمَاءِ رَبِّهِ وَبِالْمَعَانِي الَّتِي تدلُّ عَلَيْهَا، فَلَا يصحُّ أَنْ يُلْتَفَت إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِ أَيًّا كَانَ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا يعلِّمنا نبيُّنا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ كَيْفَ نُثْنِي عَلَى ربِّنا قَبْلَ السُّؤَالِ، فَهُوَ يُثْنِي عَلَيْهِ بربوبيَّته الْعَامَّةِ الَّتِي انْتَظَمَتْ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ بربوبيَّتِه الْخَاصَّةِ الممثَّلة فِي إِنْزَالِهِ هَذِهِ الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ تَحْمِلُ الْهُدَى وَالنُّورَ إِلَى عِبَادِهِ، ثُمَّ يَعُوذُ وَيْعَتَصِمُ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ يَسْأَلُهُ فِي آخِرِ стр. 194
الْحَدِيثِ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ دَيْنَهُ، وَأَنْ يُغْنِيَهُ مِنْ فقرٍ.
قَوْلُهُ: ((أيُّها النَّاس! ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ... )) إلخ؛ أَفَادَ هَذَا الْحَدِيثُ قُرْبَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ عِبَادِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ أَصْوَاتَهُمْ؛ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السرَّ والنَّجوى، وَهَذَا الْقُرْبُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ قُرْبُ إِحَاطَةٍ، وَعِلْمٍ، وَسَمْعٍ، وَرُؤْيَةٍ، فَلَا يُنَافِي علوَّه عَلَى خَلْقِهِ.
ـ[ (قَوْلُهُ: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن لاَّ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا؛ فَافْعَلُوا)) (١) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .]ـ
/ش/ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْمُتَوَاتِرُ يَشْهَدُ لِمَا دلَّت عَلَيْهِ الْآيَاتُ السَّابِقَةُ مِنْ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ فِي الْجَنَّةِ، وتمتُّعهم بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ.
وَهَذِهِ النُّصُوصُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ تدلُّ عَلَى أَمْرَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا: علوُّه تعالى علىخلقه؛ لِأَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ مِنْ فَوْقِهِمْ.
ثَانِيهِمَا: أَنَّ أَعْظَمَ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ هُوَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ.
وَقَوْلُهُ: ((كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ)) ؛ الْمُرَادُ تَشْبِيهُ الرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ، لَا تَشْبِيهُ الْمَرْئِيِّ بِالْمَرْئِيِّ؛ يَعْنِي: أَنَّ رُؤْيَتَهُمْ لِرَبِّهِمْ تَكُونُ مِنَ الظُّهُورِ стр. 195
وَالْوُضُوحِ كَرُؤْيَةِ الْقَمَرِ فِي أَكْمَلِ حَالَاتِهِ، وَهِيَ كَوْنُهُ بَدْرًا، وَلَا يَحْجُبُهُ سَحَابٌ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ((لَا تُضامون فِي رُؤْيَتِهِ)) ؛ رُوِيَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ مِنَ التَّضامِّ؛ بِمَعْنَى: التَّزَاحُمِ والتَّلَاصُقِ، وَالتَّاءُ يَجُوزُ فِيهَا الضَّمُّ وَالْفَتْحُ، عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ تتضامُّون، فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وَرُوِيَ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنَ الضَّيْمِ؛ بِمَعْنَى: الظُّلْمِ؛ يَعْنِي: لَا يَلْحَقُكُمْ فِي رُؤْيَتِهِ ضيمٌ وَلَا غبنٌ.
وَفِي حثِّه ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ خَاصَّةً إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَن حَافَظَ عَلَيْهِمَا فِي جَمَاعَةٍ نَالَ هَذَا النَّعِيمَ الْكَامِلَ، الَّذِي يضمحلُّ بِإِزَائِهِ كُلُّ نَعِيمٍ، وَهُوَ يدلُّ عَلَى تَأْكِيدِ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ كَمَا دلَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ:
((يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ ملائكةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ)) (١) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ـ[ ( ... إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الَّتِي يُخْبِرُ فِيهَا رِسُولُ اللهِ ﷺ عَن رَّبِهِ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ؛ فَإِنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؛ كَمَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ؛ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلاَ تَمْثِيلٍ، بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الأُمَّةِ؛ كَمَا أَنَّ الأُمَّةَ هِيَ الْوَسَطُ فِي الأُمَمِ) .]ـ стр. 196
/ش/ قَوْلُهُ: ((إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ... )) إلخ. لَمَّا كَانَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنَ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ هُوَ كُلَّ مَا وَرَدَ فِي بَابِ الصِّفَاتِ مِنَ الْأَخْبَارِ؛ نبَّه عَلَى أَنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا ممَّا يُخْبِرُ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ عَنْ رَبِّهِ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ كَذَلِكَ، وَهُوَ وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِمَا يتضمَّنه مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ.
ثُمَّ عَادَ فأكَّد مُعْتَقَدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَهُوَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ مِنْ صِفَاتٍ؛ كَإِيمَانِهِمْ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ، وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ، وَلَا تَمْثِيلٍ.
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بِأَنَّهُمْ وسطٌ بَيْنَ فِرَق الضَّلَالِ والزَّيغ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ كَمَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ وسطٌ بَيْنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١) .
وَمَعْنَى ﴿وَسَطًا﴾ : عُدولاً خِيَارًا؛ كَمَا وردَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ (٢) . стр. 197
فَهَذِهِ الأمَّة وسطٌ بَيْنَ الْأُمَمِ الَّتِي تجنَحُ إِلَى الغلوِّ الضارِّ وَالْأُمَمِ الَّتِي تميلُ إِلَى التَّفريط المُهْلِكِ.
فَإِنَّ مِنَ الْأُمَمِ مَن غَلَا فِي الْمَخْلُوقِينَ، وَجَعَلَ لَهُمْ مِنْ صِفَاتِ الْخَالِقِ وَحُقُوقِهِ مَا جَعَلَ؛ كَالنَّصَارَى الَّذِينَ غَلَوا فِي الْمَسِيحِ والرُّهبان.
وَمِنْهُمْ مَن جَفَا الْأَنْبِيَاءَ وأتباعَهم، حَتَّى قتلهُم، وردَّ دَعْوَتَهُمْ؛ كَالْيَهُودِ الَّذِينَ قَتَلُوا زَكَرِيَّا وَيَحْيَى، وَحَاوَلُوا قَتْلَ الْمَسِيحِ، ورَمَوْه بالبُهتان.
وَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ؛ فَقَدْ آمَنَتْ بِكُلِّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ، وَاعْتَقَدَتْ رِسَالَتَهُمْ، وَعَرَفَتْ لَهُمْ مَقَامَاتِهِمُ الرَّفيعة الَّتِي فضَّلهم اللَّهُ بِهَا.
وَمِنَ الْأُمَمِ أَيْضًا مَن استحلَّت كلَّ خبيثٍ وطيِّبٍ.
وَمِنْهَا مَن حرَّم الطَّيِّبات غُلُوًّا وَمُجَاوَزَةً.
وَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ؛ فَقَدْ أحَلَّ اللَّهُ لَهَا الطَّيِّبات، وحرَّم عَلَيْهَا الْخَبَائِثَ..
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي مَنَّ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْكَامِلَةِ بالتوسُّط فِيهَا.
فَكَذَلِكَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ متوسِّطون بَيْنَ فِرَقِ الْأُمَّةِ الْمُبْتَدِعَةِ الَّتِي انحرفتْ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
стр. 198
ـ[ (فَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ اللهِ بَيْنَ أهْلِ التَّعْطِيلِ الْجَهْمِيَّةِ (١) ، وَأَهْلِ التَّمْثِيلِ الْمُشَبِّهَةِ) (٢) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((فهُم وسطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ اللَّهِ ... )) إلخ؛ يَعْنِي: أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وسَطٌ فِي بَابِ الصِّفَاتِ بَيْنَ مَن يَنْفِيهَا ويعطِّل الذَّاتَ العليَّة عَنْهَا، ويحرِّف مَا وَرَدَ فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ عَنْ مَعَانِيهَا الصَّحيحة إِلَى مَا يَعْتَقِدُهُ هُوَ مِنْ معانٍ بِلَا دليلٍ صَحِيحٍ، وَلَا عقلٍ صَرِيحٍ؛ كَقَوْلِهِمْ: رَحْمَةُ اللَّهِ: إِرَادَتُهُ الْإِحْسَانَ، وَيَدُهُ: قدرتُه، وعينُه: حِفْظُهُ وَرِعَايَتُهُ، وَاسْتِوَاؤُهُ عَلَى الْعَرْشِ: اسْتِيلَاؤُهُ ... إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ النَّفْيِ والتَّعطيل الَّتِي أَوْقَعَهُمْ فِيهَا سُوءُ ظنِّهم بربِّهم، وتوهُّمِهم أَنَّ قِيَامَ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِهِ لَا يُعْقَل إِلَّا عَلَى النَّحْوِ الْمَوْجُودِ فِي قِيَامِهَا بِالْمَخْلُوقِ.
وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ حَيْثُ يَقُولُ:
وَقُصَارَى أَمْرِ مَنْ أَوَّلَ أَنْ ظَنُّوا الظُّنُونَا ... فَيَقُولُونَ عَلَى الرَّحْمَنِ مَا لاَ يَعْلَمُونَا
وَإِنَّمَا سُمِّي أَهْلُ التَّعْطِيلِ جَهْمِيَّةً نِسْبَةً إِلَى الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ التِّرْمِذِيِّ رَأْسِ الْفِتْنَةِ واَلضَّلَالِ، وَقَدْ تُوُسِّع فِي هَذَا اللَّفْظِ حَتَّى أَصْبَحَ يُطلق عَلَى كُلِّ مَنْ نَفَى شَيْئًا مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَهُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ فِرَقِ стр. 199
النُّفاة؛ مِنْ فَلَاسِفَةٍ، وَمُعْتَزِلَةٍ، وَأَشْعَرِيَّةٍ، وَقَرَامِطَةٍ بَاطِنِيَّةٍ (١) .
فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَسَطٌ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ النُّفَاةِ وَبَيْنَ أَهْلِ التَّمْثِيلِ المشبِّهة الَّذِينَ شَبَّهُوا اللَّهَ بِخَلْقِهِ، ومثَّلوه بِعِبَادِهِ.
وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، فَهَذَا يردُّ عَلَى المشبِّهة. وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يردُّ عَلَى المعطِّلة.
وَأَمَّا أَهْلُ الْحَقِّ؛ فَهُمُ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى إِثْبَاتًا بِلَا تَمْثِيلٍ، وينزِّهُونه عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ تَنْزِيهًا بِلَا تَعْطِيلٍ، فَجَمَعُوا أَحْسَنَ مَا عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ؛ أَعْنِي: التَّنْزِيهَ وَالْإِثْبَاتَ، وتركوا ما أخطؤوا وأساؤوا فِيهِ مِنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّشْبِيهِ.
ـ[ (وَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ أَفْعَالِ الله بَيْنَ الْجَبْرِيَّةِ (٢) وَالْقَدَرِيَّةِ (٣) (٤)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَهُمْ وَسَطٌ ... )) إلخ؛ قَالَ الشَّيْخُ العلاَّمة مُحَمُّدُ بْنُ стр. 200
عَبْدِ الَعْزِيزِ بْنِ مَانِعٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ مَا نَصُّهُ (١) :
((اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ؛ هَلْ هِيَ مقدورةٌ لِلرَّبِّ أَمْ لَا؟
فَقَالَ جهمٌ وَأَتْبَاعُهُ ـ وَهُمُ الْجَبْرِيَّةُ ـ: إِنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ مقدورٌ للرَّب لَا لِلْعَبْدِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَشْعَرِيُّ وَأَتْبَاعُهُ: إِنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي الْمَقْدُورِ قُدْرَةُ الرَّبِّ دُونَ (٢) قُدْرَةِ الْعَبْدِ.
وَقَالَ جُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ ـ وَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ؛ أَيْ: نُفَاةُ الْقَدَرِ ـ: إِنَّ الرَّبَّ لَا يَقْدِرُ عَلَى عَيْنِ مَقْدُورِ الْعَبْدِ. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ مَقْدُورِهِ؟ فَأَثْبَتَهُ الْبَصْرِيُّونَ؛ كَأَبِي عَلِيٍّ، وَأَبِي هَاشِمٍ، ونَفَاهُ الكعبيُّ وَأَتْبَاعُهُ البغداديُّون.
وَقَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ بِهَا صَارُوا مُطِيعِينَ وَعُصَاةً، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ منفردٌ بِخَلْقِ الْمَخْلُوقَاتِ، لَا خَالِقَ لَهَا سِوَاهُ.
فَالْجَبْرِيَّةُ غلَوْا فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ، فنَفَوْا فِعْلَ الْعَبْدِ أَصْلًا.
وَالْمُعْتَزِلَةُ نُفَاةُ الْقَدَرِ جَعَلُوا الْعِبَادَ خَالِقِينَ مَعَ اللَّهِ، وَلِهَذَا كَانُوا مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَهَدَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَهْلَ السُّنَّةِ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صراطٍ مستقيمٍ، فَقَالُوا: الْعِبَادُ فَاعِلُونَ، وَاللَّهُ خَالِقُهُمْ стр. 201
وَخَالِقُ أَفْعَالِهِمْ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١)) ) اهـ
وَإِنَّمَا نَقَلْنَا هَذِهِ الْعِبَارَةَ بِنَصِّهَا؛ لِأَنَّهَا تلخيصٌ جيِّدٌ لِمَذَاهِبِ المتكلِّمين فِي الْقَدَرِ وَأَفْعَالِ الْعِبَادِ.
ـ[ (وَفِي بَابِ وَعِيدِ اللهِ بَيْنَ الْمُرْجِئَةِ (٢) [و] (٣) الْوَعِيدِيَّةِ (٤) مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغِيْرِهِمْ) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَفِي بَابِ وَعِيدِ اللَّهِ ... )) إلخ؛ يَعْنِي: أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَسَطٌ فِي بَابِ الْوَعِيدِ بَيْنَ المفرِّطين مِنَ الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ قَالُوا: لَا يضرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذنبٌ، كَمَا لَا تَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ. وَزَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ مجرَّد التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ، وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وسُمُّوا بِذَلِكَ نِسْبَةً إِلَى الْإِرْجَاءِ؛ أَيِ التَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَّرُوا الْأَعْمَالَ عَنِ الْإِيمَانِ.
وَلَا شكَّ أَنَّ الْإِرْجَاءَ بِهَذَا الْمَعْنَى كفرٌ يخرجُ صاحِبَهُ عَنِ الملَّة؛ فإنه لابد فِي الْإِيمَانِ مِنْ قولٍ بِاللِّسَانِ، واعتقادٍ بالجَنَان، وعملٍ بِالْأَرْكَانِ، فَإِذَا اختلَّ واحدٌ مِنْهَا لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا. стр. 202
وَأَمَّا الْإِرْجَاءُ الَّذِي نُسِبَ إِلَى بَعْضِ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ؛ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُوَافِقُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يعذِّب مَن يعذِّب مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ بِالنَّارِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِالشَّفَاعَةِ وَغَيْرِهَا، وَعَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِيمَانِ مِنْ نطقٍ بِاللِّسَانِ، وَعَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الْمَفْرُوضَةَ وَاجِبَةٌ يستحقُّ تَارِكُهَا الذمَّ وَالْعِقَابَ؛ فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْإِرْجَاءِ لَيْسَ كُفْرًا، وَإِنْ كَانَ قَوْلًا بَاطِلًا مبتَدعًا؛ لِإِخْرَاجِهِمُ الْأَعْمَالَ عَنِ الْإِيمَانِ.
وَأَمَّا الْوَعِيدِيَّةُ؛ فَهُمُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ اللَّهَ يَجِبُ عَلَيْهِ عَقْلًا أَنْ يعذِّب الْعَاصِيَ؛ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُثيب الْمُطِيعَ، فَمَنْ مَاتَ عَلَى كَبِيرَةٍ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ، وَمَذْهَبُهُمْ باطلٌ مخالفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (١) .
وَقَدِ اسْتَفَاضَتِ الْأَحَادِيثُ فِي خُرُوجِ عُصَاةِ الموحِّدين مِنَ النَّارِ وَدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ.
فَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وسطٌ بَيْنَ نُفَاةِ الْوَعِيدِ مِنَ الْمُرْجِئَةِ وَبَيْنَ مُوجِبِيهِ مِنَ القدريَّة، فمَن مَاتَ عَلَى كبيرةٍ عِنْدَهُمْ؛ فَأَمْرُهُ مفوَّضٌ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ؛ كَمَا دلَّت عَلَيْهِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ.
وَإِذَا عَاقَبَهُ بِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُدُ خُلُودَ الْكُفَّارِ، بَلْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ. стр. 203
ـ[ (وَفِي بَابِ [أَسْمَاءِ] (١) الإِيمَانِ والدِّينِ بَيْنَ الْحَرُورِيَّةِ (٢) وَالْمُعْتَزِلَةِ (٣) ، وَبَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ (٤)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَفِي بَابِ أَسْمَاءِ الْإِيمَانِ ... )) إلخ؛ كَانَتْ مَسْأَلَةُ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ من أول ماوقع فِيهِ النِّزَاعُ فِي الْإِسْلَامِ بَيْنَ الطَّوَائِفِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَكَانَ لِلْأَحْدَاثِ السِّيَاسِيَّةِ وَالْحُرُوبِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ عليٍّ وَمُعَاوِيَةَ ﵄ فِي ذَلِكَ الْحِينِ، وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا مِنْ ظُهُورِ الْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ والقدريَّة أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي ذَلِكَ النِّزَاعِ.
وَالْمُرَادُ بِالْأَسْمَاءِ هُنَا أَسْمَاءُ الدِّينِ، مِثْلُ: مُؤْمِنٍ، وَمُسْلِمٍ، وَكَافِرٍ، وَفَاسِقٍ ... إلخ.
وَالْمُرَادُ بِالْأَحْكَامِ أَحْكَامُ أَصْحَابِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَالْخَوَارِجُ الْحَرُورِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ لَا يستحقُّ اسمَ الْإِيمَانِ إِلَّا مَن صدَّق بجَنانه، وأقرَّ بِلِسَانِهِ، وَقَامَ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ، وَاجْتَنَبَ جَمِيعَ الْكَبَائِرِ. فَمُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ عِنْدَهُمْ لَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ.
وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا: هَلْ يسمَّى كَافِرًا أَوْ لَا؟
فَالْخَوَارِجُ يُسَمُّونَهُ كَافِرًا، ويستحلِّون دَمَهُ وَمَالَهُ، وَلِهَذَا كفَّروا عَلِيًّا стр. 204
وَمُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُمَا، واستحلُّوا مِنْهُمْ مَا يستحلُّون مِنَ الْكُفَّارِ.
وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ؛ فَقَالُوا: إِنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْكُفْرِ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَهَذَا أَحَدُ الْأُصُولِ الَّتِي قَامَ عَلَيْهَا مَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ.
واتَّفق الْفَرِيقَانِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَن مَاتَ عَلَى كَبِيرَةٍ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا فَهُوَ مخلَّد فِي النَّارِ.
فَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَهُمَا فِي أَمْرَيْنِ:
١- نَفْيُ الْإِيمَانِ عَنْ مُرْتِكِبِ الْكَبِيرَةِ.
٢- خُلُودُهُ فِي النَّارِ مَعَ الْكُفَّارِ.
وَوَقَعَ الْخِلَافُ أَيْضًا فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَسْمِيَتُهُ كَافِرًا.
وَالثَّانِي: اسْتِحْلَالُ دَمِهِ وَمَالِهِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الدُّنْيَوِيُّ.
وَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ؛ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ مَذْهَبِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ؛ فَمُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ عِنْدَهُمْ مؤمنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ، وَلَا يستحقُّ دُخُولَ النَّارِ.
فَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وسطٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ؛ فَمُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ عِنْدَهُمْ مؤمنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ، قَدْ نَقَصَ مِنْ إِيمَانِهِ بِقَدْرِ مَا ارْتَكَبَ مِنْ مَعْصِيَةٍ، فَلَا يَنْفُونَ عَنْهُ الْإِيمَانَ أَصْلًا؛ كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَلَا يَقُولُونَ بِأَنَّهُ كَامِلُ الْإِيمَانِ؛ كَالْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ. وَحُكْمُهُ فِي الْآخِرَةِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ قَدْ يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ ابْتِدَاءً، أَوْ يعذِّبه بِقَدْرِ مَعْصِيَتِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ وَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ كَمَا سَبَقَ، وَهَذَا الْحُكْمُ أَيْضًا وَسَطٌ بَيْنَ مَن يَقُولُ
стр. 205
بِخُلُودِهِ فِي النَّارِ، وَبَيْنَ مَن يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ عِقَابًا.
ـ[ (وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْنَ [الرَّافِضَةِ] (١) [و] (٢) الْخَوَارِجِ) (٣) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ... )) إلخ. الْمَعْرُوفُ أَنَّ الرَّافِضَةَ ـ قبَّحهم اللَّهُ ـ يَسُبُّونَ الصَّحَابَةَ ﵃، وَيَلْعَنُونَهُمْ، وَرُبَّمَا كفَّروهم أَوْ كفَّروا بَعْضَهُمْ، وَالْغَالِبِيَّةُ مِنْهُمْ ـ مَعَ سَبِّهِمْ لِكَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْخُلَفَاءِ ـ يَغْلُونَ فِي عليٍّ وَأَوْلَادِهِ، وَيَعْتَقِدُونَ فِيهِمُ الْإِلَهِيَّةَ.
وَقَدْ ظَهَرَ هَؤُلَاءِ فِي حَيَاةِ عليٍّ ﵁ بِزِعَامَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ الَّذِي كَانَ يَهُودِيًّا وَأَسْلَمَ وَأَرَادَ أَنْ يَكِيدَ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ؛ كَمَا كَادَ الْيَهُودُ مِنْ قَبْلُ لِلنَّصْرَانِيَّةِ وَأَفْسَدُوهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَقَدْ حرَّقهم عَلِيٌّ بِالنَّارِ لِإِطْفَاءِ فِتْنَتِهِمْ، وَرُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ:
لَمَّا رَأَيْتُ الأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرًا ... أَجَّجْتُ نَارِي وَدَعَوْتُ قَنْبَرًا (٤) стр. 206
وَأَمَّا الْخَوَارِجُ؛ فَقَدْ قَابَلُوا هَؤُلَاءِ الرَّوَافِضَ، فكفَّروا عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ ومَن مَعَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَاتَلُوهُمْ واستحلُّوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ فَكَانُوا وَسَطًا بَيْنَ غلوِّ هَؤُلَاءِ وَتَقْصِيرِ أُولَئِكَ، وَهَدَاهُمُ اللَّهُ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِفَضْلِ أَصْحَابِ نبيِّهم، وَأَنَّهُمْ أَكْمَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِيمَانًا وَإِسْلَامًا وَعِلْمًا وَحِكْمَةً، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَغْلُوا فِيهِمْ، وَلَمْ يَعْتَقِدُوا عِصْمَتَهُمْ؛ بَلْ قَامُوا بِحُقُوقِهِمْ، وأحبُّوهم لِعَظِيمِ سَابِقَتِهِمْ وَحُسْنِ بَلَائِهِمْ فِي نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ وَجِهَادِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ـ[ (فَصْلٌ: وَقَدْ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ الإِيمَانُ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَتَوَاتَرَ عَن رَّسُولِهِ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ؛ مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، عَلَى عَرْشِهِ، عَلِيٌّ (١) عَلَى خَلْقِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ]ـ стр. 207
ـ[مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا، يَعْلَمُ مَا هُمْ عَامِلُونَ؛ كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ في َقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١) . وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالْخَلْقِ؛ فَإِنَّ هَذَا لاَ تُوجِبُهُ (٢) ، اللُّغَةُ (٣) ، بَلِ الْقَمَرُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ وَغَيْرِ الْمُسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، رَقِيبٌ عَلَى خَلْقِهِ، مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ، مُطَّلِعٌ [عَلَيْهِم] (٤) ... إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَّعَانِي رُبُوبِِيَّتِهِ. وَكُلُّ هَذَا الْكَلامِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ ـ مِنْ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ مَعَنَا ـ حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ، لاَ يَحْتَاجُ إَلَى تَحْرِيفٍ، وَلَكِنْ يُصَانُ عَنِ]ـ стр. 208
ـ[الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ؛ مِثْلِ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿في السَّمَاء﴾ ؛ أَنَّ السَّمَاءَ تُظِلُّهُ أَوْ تُقِلُّهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالإِيمَانِ؛ فَإنَّ اللهَ قَدْ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَهُوَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ، وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ؛ إلاَّ بِإِذْنِهِ، وَمَنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَقَدْ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِيمَانِ ... )) إلخ. صرَّح المؤلِّف هُنَا بِمَسْأَلَةِ علوِّ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنًا مِنْ خَلْقِهِ؛ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَكَمَا تَوَاتَرَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِهِ، وَكَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ الَّذِينَ هُمْ أَكْمَلُهَا عِلْمًا وَإِيمَانًا، مؤكِّدًا بِذَلِكَ مَا سَبَقَ أَنْ ذَكَرَهُ فِي هَذَا الصَّدَدِ، ومشدِّدًا النَّكِيرَ عَلَى مَن أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ ومَن تَبِعَهُمْ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ اسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ لَا يُنَافِي معيَّته وَقُرْبَهُ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَإِنَّ المعيَّة لَيْسَ مَعْنَاهَا الِاخْتِلَاطَ وَالْمُجَاوَرَةَ الحسيَّة.
وَضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا بِالْقَمَرِ الَّذِي هُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ وَغَيْرِهِ أَيْنَمَا كَانَ؛ بِظُهُورِهِ وَاتِّصَالِ نُورِهِ، فَإِذَا جَازَ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْقَمَرِ، وَهُوَ مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ؛ أَفَلَا يَجُوزُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ الَّذِي أَحَاطَ بِعِبَادِهِ عِلْمًا وَقُدْرَةً، وَالَّذِي هُوَ شهيدٌ مطَّلع عَلَيْهِمْ, يَسْمَعُهُمْ، وَيَرَاهُمْ، وَيَعْلَمُ سرَّهم وَنَجْوَاهُمْ، بَلِ الْعَالَمُ كُلُّهُ سَمَاوَاتُهُ وَأَرْضُهُ مِنَ الْعَرْشِ
стр. 209
إِلَى الْفَرْشِ كُلُّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ سُبْحَانَهُ؛ كَأَنَّهُ بندقةٌ (١) فِي يَدِ أَحَدِنَا؛ أفلَا يَجُوزُ لِمَنْ هَذَا شَأْنُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مَعَ خَلْقِهِ مَعَ كَوْنِهِ عَالِيًا عَلَيْهِمْ بَائِنًا مِنْهُمْ فَوْقَ عَرْشِهِ؟!
بَلَى؛ يَجِبُ الْإِيمَانُ بكلٍّ مِنْ علوِّه تَعَالَى ومعيِّته، وَاعْتِقَادِهِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُساء فَهْمُ ذَلِكَ، أَوْ يُحمل عَلَى معانٍ فَاسِدَةٍ؛ كَأَنْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ معيَّةَ الِاخْتِلَاطِ وَالِامْتِزَاجِ؛ كَمَا يَزْعُمُهُ الْحُلُولِيَّةُ (٢) ! أَوْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فِي السَّمَاء﴾ أَنَّ السَّمَاءَ ظرفٌ حاوٍ لَهُ محيطٌ بِهِ! كَيْفَ وَقَدْ وسع كرسيُّه السموات وَالْأَرْضَ جَمِيعًا؟! وَهُوَ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ؟!
فَسُبْحَانَ مَن لَا يَبْلُغُهُ وَهْمُ الْوَاهِمِينَ، وَلَا تُدْرِكُهُ أَفْهَامُ الْعَالِمِينَ.
ـ[ (فَصْلٌ: وَقَد دَّخَلَ فِي ذَلِكَ الإِيمَانُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ (٣) مُجِيبٌ؛ كَمَا جَمَعَ بينَ ذَلِكَ في قَوْلُِهُِ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ... ﴾ الآيَة (٤) ، وَقَوْلُهُ ﷺ : ((إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى]ـ стр. 210
ـ[أَحَدِكُم مِّن عُنقِ رَاحِلَتِهِ)) (١) . وَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتِابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِهِ لاَ يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِنْ عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ نُعُوتِهِ، وَهُوَ عَلِيٌّ فِي دُنُوِّه، قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ (٢) الْإِيمَانُ ... )) إلخ. يَجِبُ الْإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ أَنَّهُ قريبٌ مجيبٌ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ قريبٌ ممَّن يَدْعُوهُ وَيُنَاجِيهِ، يَسْمَعُ دُعَاءَهُ وَنَجْوَاهُ، وَيُجِيبُ دُعَاءَهُ مَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ، فَهُوَ تَعَالَى قريبٌ قربَ الْعِلْمِ وَالْإِحَاطَةِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٣) .
وَبِهَذَا يتبيَّن أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ أَصْلًا بَيْنَ مَا ذُكر فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قُرْبِهِ تَعَالَى ومعيَّته وَبْيَنْ مَا فِيهِمَا مِنْ علوِّه تَعَالَى وفوقيَّته.
فَهَذِهِ كُلُّهَا نعوتٌ لَهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ فِي شيءٍ مِنْهَا.
ـ[ (وَمِنَ الإِيمَانِ باللهِ وَكُتُبِهِ الإيمانُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللهِ،]ـ стр. 211
ـ[مُنَزَّلٌ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَأَنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ كَلامُ اللهِ حَقِيقَةً، لاَ كَلامَ غَيْرِهِ. وَلا يَجُوزُ إِطْلاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلاَمِ اللهِ، أَوْ عِبَارَةٌ، بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلامَ اللهِ تَعَالَى حَقِيقَةً، فَإِنَّ الْكَلاَمَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لاَ إلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا. وَهُوَ كَلامُ اللهِ؛ حُرُوفُهُ، ومَعَانِيهِ، لَيْسَ كَلامُ اللهِ الْحُرُوفَ دُونَ الْمَعَانِي، وَلاَ الْمَعَانِيَ دُونَ الْحُرُوفِ) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَمِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ ... )) إلخ. جَعَلَ المصنِّف الْإِيمَانَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ دَاخِلًا فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ؛ لِأَنَّهُ صفةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، فَلَا يتمُّ الْإِيمَانُ بِهِ سُبْحَانَهُ إِلَّا بِهَا، إِذِ الْكَلَامُ لَا يَكُونُ إِلَّا صِفَةً للمتكلِّم، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ موصوفٌ بِأَنَّهُ متكلِّم بِمَا شَاءَ مَتَى شَاءَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ يتكلَّم؛ بِمَعْنَى أَنَّ نَوْعَ كَلَامِهِ قديمٌ وَإِنْ كَانَتْ آحَادُهُ لَا تَزَالُ تَقَعُ شَيْئًا بَعْدَ شيءٍ بِحَسَبِ حِكْمَتِهِ.
وَقَدْ قُلْنَا فِيمَا سَبَقَ: إِنَّ الْإِضَافَةَ فِي قَوْلِنَا: القْرُآنُ كَلَامُ اللَّهِ؛ هِيَ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، فَتُفِيدُ أَنَّ الْقُرْآنَ صِفَةُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ
стр. 212
بِهِ حَقِيقَةً بِأَلْفَاظِهِ وَمَعاِنيهِ، بِصَوْتِ نَفْسِهِ.
فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مخلوقٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَقَدْ أَعْظَمَ الفِرية عَلَى اللَّهِ، وَنَفَى كَلَامَ اللَّهِ عَنِ اللَّهِ وَصْفًا، وَجَعَلَهُ وَصْفًا لِمَخْلُوقٍ، وَكَانَ أَيْضًا متجنِّيًا عَلَى اللُّغَةِ، فَلَيْسَ فِيهَا متكلِّم بِمَعْنَى خَالِقٍ لِلْكَلَامِ.
ومَن زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْمَوْجُودَ بَيْنَنَا حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ؛ كَمَا تَقُولُهُ الكُلاَّبية، أَوْ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْهُ؛ كَمَا تَقُولُهُ الْأَشْعَرِيَّةُ؛ فَقَدْ قَالَ بِنِصْفِ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ حَيْثُ فرَّق بَيْنَ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي، فَجَعَلَ الْأَلْفَاظَ مَخْلُوقَةً، وَالْمَعَانِيَ عِبَارَةً عَنِ الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ؛ كَمَا أَنَّهُ ضَاهَى النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ بِحُلُولِ اللَّاهُوتِ ـ وَهُوَ الْكَلِمَةُ ـ فِي النَّاسُوتِ ـ وَهُوَ جَسَدُ عِيسَى ﵇؛ إِذْ قَالَ بِحُلُولِ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ الصِّفَةُ الْقَدِيمَةُ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمَخْلُوقَةِ، فَجَعَلَ الْأَلْفَاظَ نَاسُوتًا لَهَا.
وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ؛ حَيْثُ تصرَّف، فَمَهْمَا كَتَبْنَاهُ فِي الْمَصَاحِفِ، أَوْ تَلَوْنَاهُ بِالْأَلْسِنَةِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ ـ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ ـ إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى مَن قَالَهُ مُبْتَدِئًا؛ لَا إِلَى مَن قَالَهُ مبلِّغًا مؤدِّيًا.
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ: ((مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ)) ؛ فَهُوَ مِنَ الْبَدْءِ؛ يَعْنِي: أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي تكلَّم بِهِ ابْتِدَاءً، لَمْ يُبْتَدَأْ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ البُدُو؛ بِمَعْنَى الظُّهُورِ؛ يَعْنِي أَنَّهُ هُوَ الَّذِي تكلَّم بِهِ وَظَهَرَ مِنْهُ، لَمْ يَظْهَرْ مِنْ غَيْرِهِ.
وَمَعْنَى: ((إِلَيْهِ يَعُودُ)) ؛ أَيْ: يَرْجِعُ إِلَيْهِ وَصْفًا؛ لِأَنَّهُ وَصْفُهُ الْقَائِمُ بِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَعُودُ إِلَيْهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، حِينَ يُرْفَعُ مِنَ الْمَصَاحِفِ وَالصُّدُورِ؛
стр. 213
كَمَا وَرَدَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ (١) .
وَأَمَّا كَوْنُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ دَاخِلًا فِي الْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِهَا إِيمَانًا صَحِيحًا يَقْتَضِي إِيمَانَ الْعَبْدِ بِأَنَّ اللَّهَ تكلَّم بِهَا بِأَلْفَاظِهَا وَمَعانِيهَا، وَأَنَّهَا جَمِيعًا كَلَامُهُ هُوَ؛ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ، فَهُوَ الَّذِي تكلَّم بِالتَّوْرَاةِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَبِالْإِنْجِيلِ بِالسُّرْيَانِيَّةِ، وَبِالْقُرْآنِ بِلِسَانٍ عربيٍّ مُبِينٍ.
ـ[ (وَقَد دَّخَلَ أيْضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الإِيمَانِ بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَبِمَلاَئِكَتَهِ وَبِرُسُلِهِ: الإيمَانُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ صَحْوًا لَيْسَ [بِهَا] (٢) سَحَابٌ، وَكَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لاَ يُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ.]ـ стр. 214
ـ[يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهَ وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَرَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ؛ كَمَا يَشَاءُ اللهُ تَعَالَى) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَقَدْ دَخَلَ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ ... )) إلخ؛ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لربِّهم فِي الْجَنَّةِ؛ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّرِيحَةُ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى إِعَادَةِ الْكَلَامِ فِيهَا.
غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ: ((يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ)) قَدْ يُوهِمُ أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ أَيْضًا خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهَا عامَّة لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ؛ حِينَ يَجِيءُ الرَّبُّ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ (١) ؛ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ (٢) الْآيَةَ.
والعَرَصَات: جَمْعُ عَرَصة، وَهِيَ كُلُّ مَوْضِعٍ وَاسِعٍ لَا بِنَاءَ فِيهِ.
ـ[ (فَصْلٌ: وَمِنَ الإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الآخِرِ الإيمَانُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَيُؤْمِنُونَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ. فَأَمَّا الْفِتْنَةُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ [يُمْتَحَنُونَ] (٣) فِي قُبُورِهِمْ، فَيُقَالُ]ـ стр. 215
ـ[للرِّجُلِ: مَن رَّبُكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَ [مَن] (١) نَّبِيُّك؟ فيُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، فَيَقُولُ الْمؤْمِنُ: [رَبِّيَ اللهُ] (٢) ، وَالإِسْلاَمُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ ﷺ نَبِيِّي. وَأَمَّا الْمُرْتَابُ؛ فَيَقُولُ: هَاه هَاه؛ لاَ أَدْري، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ، فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ؛ إلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ؛ لَصَعِقَ (٣) . ثُمَّ بَعْدَ هّذِهِ الْفِتْنَةِ إمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عَذَابٌ، إِلَى أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةُ الْكُبْرى، فَتُعَادُ الأَرْوَاحُ إِلَى الأجْسَادِ) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَمِنَ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... )) إلخ؛ إِذَا كَانَ الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ أَحَدَ الْأَرْكَانِ السِّتَّةِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا الْإِيمَانُ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِهِ إِيمَانًا تَامًّا كَامِلًا لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا إِذَا آمَنَ الْعَبْدُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النبيُّ ﷺ مِنْ أُمُورِ الْغَيْبِ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ. следующие страницы →