الرجلَ مُرتهنٌ بعقيقتهِ.
وقد قال أَحْمَد في موضعٍ آخرَ: مرتهنٌ عن الشفاعة لِوَالِدَيْهِ (١).
وأمَّا قولُه: "ويُدَمَّى": فقد اختُلِفَ في هذه اللفظة، فرواها هَمَّام بن يحيى عن قَتَادَة، فقال: "ويُدَمَّى"، وفسَّرها قَتَادَة بما تقدم حكايته.
وخالفَه في ذلك أكثرُ أهلِ العِلْمِ، وقالوا: هذا من فعل الجاهليَّة (٢).
стр. 107
وكرهه الزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والشّافِعِيُّ، وأَحمدُ، وإسْحَاق.
قال أَحمد: أكره أن يُدَمَّى رأسُ الصبيِّ، هذا من فعل الجاهليَّة (١).
وقال عبد الله بن أَحْمَدَ: سألتُ أبي عن العَقِيقَة: تُذْبَحُ (٢) ويُدَمَّى رأسُ الصبيِّ أو الجَارِيَةِ؟ فقال أبى: لا يُدَمَّى (٣).
وقال الخَلاّل: أخبرني العبَّاس بن أَحمد: أنَّ أبا عبد الله سُئِلَ عن تلطيخ رأس الصبيِّ بالدم، فقال: لا أحبُّه، إنه من فعل الجاهليَّة. قيل له: فإن هَمَّامًا كان يقول: يدمِّيه، فذكر أبو عبد الله عن رجل قال: كان يقول: يسمِّيه، ولا أحبُّ قول هَمَّام في هذا.
وأخبرنا أَحْمَد بن هاشِم (٤) الأنْطَاكِيّ قال: قال أَحْمَد: اختلف هَمَّامٌ وسعيدٌ في العَقِيقَةِ، قال: أحدهما "يُدَمَّى"، وقال الآخر: "يُسَمَّى".
وعن أَحْمَد رواية أخرى أن التَّدْمِيَةَ سنَّةٌ.
قال الخَلاّل: أخبرني عِصْمَةُ بنُ عصامٍ، قال: حدّثنا حَنْبَل قال:
стр. 108
سمعت أبا عبد الله في الصبيِّ يُدَمَّى رأسه؟ قال: هذه سنَّةٌ (١).
ومذهبُهُ الذي رواه عنه كافَّةُ أصحابهِ الكراهةُ (٢).
قال الخَلاّل: وأخبرني عصمةُ بنُ عصامٍ في موضعٍ آخر: حدّثنا حَنْبَل، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: يُحلَقُ رأسُ الصبيِّ.
وأخبرني محمَّد بن علي: حدّثنا صالح، وأنبأ أَحْمَدُ بنُ محمَّد بن حَازِمٍ، حدّثنا إسْحَاق، كلُّهم يذكر عن أبي عبد الله، قال: الدمُ مكروهٌ، لم يرْوَ إلا في حديثِ سَمُرَةَ (٣).
أخبرني محمَّدُ بنُ الحُسَينِ أنَّ الفَضْلَ حدَّثَهُمْ أنَّه قال لأبي عبد الله: يحلق رأسه؟ قال: نعم! قلت: فيُدَمَّى؟ قال: لا، هذا مِنْ فِعْلِ الجاهليَّةِ. قلت: فحديثُ قَتَادَةَ عن الحَسَنِ، كيفَ هوَ "ويُدَمَّى؟ " فقال: أمَّا هَمَّامٌ، فيقول: "ويُدَمَّى"، وأمَّا سعيد، فيقول: "ويُسمَّى".
وقال في رواية الأَثرَمِ: قال ابنُ أَبي عَرُوبَة: "يسمَّى"، وقال هَمَّام:
стр. 109
"ويُدَمَّى"، وما أُراه إلا خطأً.
وقد قال أبو عبد الله ابن ماجه في "سننه" (١): حدّثنا يَعقوبُ بنُ حُمَيدٍ بنِ كَاسِبٍ، حدّثنا عبدُ الله بنُ وهب، حدّثني عَمْرُو بنُ الحارث، عن أيُّوبِ بنِ موسى، أنه حدَّثه عن يزيدِ بنِ عبدٍ (٢) المُزَنِيّ، أن النبيّ ﷺ قال: "يُعَقُّ عنِ الغُلام ولا يُمَسُّ رأسهُ بدمٍ".
وقد تقدم حديث بُرَيدَةَ: كنا في الجاهليَّة إذا وُلِدَ لأحدنا غلامٌ، ذبح شاة، ولطَّخَ رأسه بدمها، فلما جاء الإسلام، كنَّا نذبحُ شاةً، ونحلِقُ رأسَه، ونلطِّخُه بزَعْفَرَان (٣).
وقد روى البَيهَقيّ وغيره من حديث ابن جُرَيجٍ عن يحيى بنِ سعيدٍ عن عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ قالت: كان أهل الجاهليَّة يجعلون قُطنةً في دم العَقِيقة، ويجعلونَهُ على رأسِ الصبيِّ. فأمَرَ النبيُّ ﷺ أن يُجعلَ مكانَ الدَّمِ خَلُوقًا (٤).
стр. 110
قال ابن المُنْذِر: "ثبتَ أن النبيَّ ﷺ قال: "أهْرِيقُوا عنه دمًا، وأمِيطُوا عنه الأذى". فإذا كان النبيّ ﷺ قد أمَرَنَا بإماطة الأذى عنه، والدَّمُ أذًى
ــ وهو من أكبر الأذى ــ فغير جائزٍ أن ينجَّسَ رأسُ الصبيِّ بالدَّمِ" (١).
стр. 111
الفصل الرابع
في الجوَابِ عن حُججِ من كَرهها
قال الإمام أَحْمَد في رواية حَنْبَل ـ وقد حُكِي عن بعض مَنْ كَرِهَهَا أنَّها من أمْرِ الجاهليَّة ـ قال: هذا لقلَّةِ عِلْمِهِمْ ومعرفتِهِم بالأخبارِ، والنبيُّ ﷺ قد عقَّ عن الحَسَنِ والحُسَيْن، وفعلَها أصحابُه، وجَعَلَها هؤلاء (١) مِنْ أمرِ الجاهليَّة، والعقيقةُ سنةٌ عن رسول الله ﷺ وقد قال: "الغُلام مُرْتَهنٌ بعقيقتِه"، وهو إسنادٌ جيِّدٌ، يَرْوِيْهِ أبو هُرَيْرَةَ عن النبيِّ ﷺ .
وقال في رواية الأَثْرَمِ: في العَقِيقَةِ أحاديثُ عن النبيّ ﷺ مُسْنَدَةٌ وعن أصحابِه وعن التَّابعِينَ، وقال هؤلاء: هي من عمل الجاهليَّة، وتبسَّم كالمُعْجَبِ (٢)!
وقال في رواية الميموني: قلت لأبي عبد الله: هل ثبت عن النبيِّ ﷺ في العَقِيقَة شيء؟ فقال: إي والله غيرُ حديثٍ عن النبيِّ ﷺ : عنِ الغُلامِ شاتانِ، وعن الجَارِيَةِ شاة (٣).
قلت له: فتِلكَ الأحاديثُ التي يعترض فيها؟ فقال: ليست بشيء، لا
стр. 112
يُعْبَأُ بها (١).
وأما حديثُ عَمْروِ بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه عن جَدِّه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا أحبُّ العُقُوقَ" فسياق الحديث من أدلة الاستحباب، فإنَّ لَفْظَهُ هكذا: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن العَقِيْقَة، فقال: "لا أُحِبُّ العُقُوقَ"، وكأنه كَرِهَ الاسمَ، فقالوا: يا رسولَ الله إنما نسألُكَ عن أَحَدِنَا يُولَد له ولدٌ. فقال: "مَنْ أحبَّ منكم أن يَنْسُكَ عن ولدِه، فَلْيَفعلْ، عن الغُلامِ شاتانِ مكافئتانِ، وعن الجَارِيَة شاةٌ" (٢).
وأما حديثُ أبي رافعٍ فلا يصحُّ (٣).
وقد قال الإمامُ أَحْمَد في هذه الأحاديث المعارِضَةِ لأحاديث العَقِيقَةِ: ليستْ بشيءٍ، لا يُعْبَأُ بها.
وقد استفاضتِ الأحاديثُ بأن النبيَّ ﷺ عقَّ عن الحَسَنِ والحُسَيْنِ، فروى أيُّوبُ عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عبَّاس: أن رسول الله ﷺ عقَّ عن الحَسَن والحُسَيْن كبشًا كبشًا. ذكره أبو داود (٤).
وذكر جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ عن قَتَادَةَ، عن أنسٍ، أن النبيّ ﷺ عقَّ عن
стр. 113
الحَسَنِ والحُسَينِ كبشينِ (١).
وذكر يحيى بنُ سعيدٍ، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَة، قالت: عقَّ رسولُ الله ﷺ عن الحَسَن والحُسَيْن يوم السَّابع (٢).
ولو صحَّ قولُهُ: "لا تَعُقِّي عنه" لم يدلَّ ذلك على كراهة العَقِيْقَةِ، لأنه ﷺ أحبَّ أن يَتحمَّل عنها العقيقة، فقال لها: لا تَعُقِّي، عقَّ هو ﷺ وكفاها المَؤُونَةَ.
وأما قولهم: إنها من فِعْلِ أهل الكتابِ. فالذي مِنْ فِعْلِهمْ تخصيصُ الذَّكَرِ بالعَقِيقَةِ دون الأنثى، كما دلّ عليه لفظُ الحديثِ، فإنه قال: "إنَّ اليَهُودَ تَعُقُّ عن الغُلام شاتينِ، ولا تَعُقُّ عن الجَارِيَة، فعقُّوا عن الغلامِ شاتينِ وعن الجاريةِ شاةً" (٣).
стр. 114
الفصل الخامس
في اشتقاقِهَا، ومِن أيِّ شيءٍ أُخذتْ
قال أبو عُمر (١): "فأمَّا العَقِيقَةُ في اللغة؛ فروى (٢) أبو عُبَيْدٍ عن الأَصْمَعِيِّ وغيرِه، أن أصلها: الشَّعر الذي يكون على رأس الصبيِّ حين يُولَد، وإنَّما سُمِّيَتْ الشاة التي تُذْبَحُ عنه عَقِيقَةً؛ لأنه يُحْلَقُ عنه ذلك الشَّعْرُ عند الذَّبْح. قال: ولهذا قال: "أمِيطُوا عنه الأذى" يعني ـ بذلك ـ الشَّعْرَ.
قال أبوعُبَيْدٍ: وهذا ممَّا قلتُ لك: إنهم ربَّما سمَّوا الشيءَ باسمِ غيره، إذا كان معه أومِنْ سببِهِ، فسمِّيَتِ الشاةُ عَقِيقَةً لعَقِيقَةِ الشَّعر، وكذلك كلُّ مولودٍ من البَهَائِمِ، فإن الشَّعْرَ الذي يكونُ عليه حينَ يُوَلدُ عَقِيْقَةٌ وعَقَّةٌ (٣). قال زُهَيْرٌ يَذْكُرُ حِمَارَ وَحْشٍ:
أَذَلِكَ أَمْ أَقَبُّ البَطْنِ جَأْبٌ ... عَلَيْهِ مِنْ عَقِيقَتِهِ عِفَاءُ (٤)
стр. 115
قال: يعني صغارَ الوَبَرِ.
وقال ابن الرِّقَاع (١) يصِفُ حِمَارًا:
تَحَسَّرَتْ عِقَّةٌ عَنْهُ فَأَنْسَلَهَا ... وَاجْتَابَ أُخْرَى جَدِيْدًا بَعْدَمَا ابْتَقَلَا (٢)
قال: يريدُ أنه لما فُطِمَ من الرَّضاعِ وأكلَ البَقْلَ، ألقَى عَقِيْقَتَهُ واجتابَ أُخرى.
قال أبو عُبَيد (٣): العقيقةُ والعِقَّةُ في النَّاس والحُمُرِ، ولم يُسْمَعْ في غير ذلك. انتهى كلام أبي عبيد (٤).
وقد أنكر الإمام أَحمد تفسيرَ أبي عُبيدٍ هذا للعَقِيقَةِ، وما ذكَرَهُ عن الأصمعيِّ وغيرِهِ في ذلك. وقال: إنما العقيقةُ الذَّبْح نَفْسُه. وقال: ولا
стр. 116
وَجْهَ لما قال أبُو عُبَيْدٍ (١).
قال أبو عُمَرَ (٢): واحتجَّ بعضُ المتأخِّرينَ لأَحمدَ في قوله هذا، بأن قال: ما قاله أَحمد من ذلك فمعروفٌ في اللغة، لأنه يقال: عقَّ: إذا قطع، ومنه: عقَّ والدَيْه: إذا قطعهما.
قال أبُو عُمَر: ويشهد لقول أَحمدَ قولُ الشَّاعرِ:
بِلَادٌ بِهَا عَقَّ الشَّبَابُ تَمَائِمَهُ ... وَأَوَّلُ أَرْضٍ مَسَّ جِلْدِي تُرَابُهَا (٣)
يريد: أنه لما شبَّ قُطِعَتْ عنه تمائمه.
ومِثْلُ (٤) هذا قولُ ابنِ مَيَّادَةَ:
بِلَادٌ بِهَا نِيْطَتْ عَليَّ تَمَائِمِي ... وَقُطِّعْنَ عَنِّي حِيْنَ أَدْرَكَنِي عَقْلي (٥)
قال أبُو عُمَر: وقول أَحمد في معنى العَقِيقَة في اللغة أَوْلَى من قول
стр. 117
أبي عُبيد، وأقربُ وأصوبُ، والله أعلم. انتهى كلام أبي عمر (١).
وقال الجَوهَريُّ: "عقَّ عن وَلَدهِ يَعُقُّ عقًّا: إذا ذبح عنه يوم أُسبوعِه، وكذلك إذا حلق عقيقتَه" (٢).
فجعل العقيقةَ لأمرينِ، وهذا أَوْلَى. والله أعلم.
وأمَّا قولُه في الحديث: "لا أُحبُّ العُقُوقَ" فهو تنبيهٌ على كراهة ما تَنْفِرُ عنه القلوبُ من الأسماء، وكان رسولُ الله ﷺ شديدَ الكراهةِ لذلك جدًّا، حتى كان يغيِّر الاسمَ القبيحَ بالحَسَن، ويتركُ النُّزولَ في الأرض القبيحةِ الاسمِ، والمرورَ بين الجبلَيْنِ القبيحِ اسمُهُمَا، وكان يحبُّ الاسمَ الحَسَنَ والفَأْلَ الحَسَنَ (٣).
وفي "الموطَّأ": أنَّ رسولَ الله ﷺ قال ـ لِلَقْحَةٍ ـ: "مَنْ يَحْلُبُ هذه؟ " فقام رجلٌ، فقال رسول الله ﷺ : "ما اسْمُكَ؟ " فقال: له الرجل (٤): مُرَّة، فقال له رسول الله
стр. 118
- ﷺ : "اجْلِسْ". ثم قال: "مَن يحلُبُ هذه؟ " فقام رجل آخر، فقال له رسول الله ﷺ : "ما اسمُك؟ " فقال: حَرْبٌ. فقال له رسول الله ﷺ : "اجْلِس"، ثم قال: "مَنْ يَحْلُبُ هذه؟ " فقام رجل آخر (١)، فقال له رسول الله ﷺ : "ما اسمُك؟ " فقال: يعيشُ، فقال له النبيُّ ﷺ : "احلُبْ". رواه مُرْسَلًا في "موطئه" (٢).
وأسنده ابن وَهْبٍ في "جامعه" (٣) فقال: حدّثني ابنُ لَهِيعَة، عن الحارث بن يزيد، عن عبد الرَّحمن بن جُبير، عن يعيش الغِفَارِيِّ، قال: دعا النبيُّ ﷺ يومًا بناقةٍ، فقال: "من يَحلُبُها؟ " فقام رجل، فقال: "ما اسمُكَ؟ " قال: مُرَّة، قال: "اقعُدْ"، فقام آخر فقال: "ما اسمُك؟ " قال: جَمْرَةٌ، قال: "اقْعُدْ". ثم قام رجل، فقال: "ما اسمك؟ " قال: يعيش، قال: "احْلُبْهَا".
قال أبُو عُمَر: "وهذا من باب الفَأْل الحَسَن، لا من باب الطِّيَرَةِ" (٤).
وعندي فيه وجهٌ آخر: وهو أنَّ بين الاسمِ والمُسمَّى علاقةً ورابطةً تُنَاسِبُه وقلَّما يتخلَّف ذلك؛ فالألفاظُ قَوَالِبُ المعاني، والأسماءُ قَوالبُ المسمَّيات.
стр. 119
وقَلَّ إنْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ ... إلَّا ومَعْنَاهُ، إنْ فَكَّرْتَ، في لَقَبِهْ (١)
فقُبحُ الاسمِ عنوانُ قُبحِ المسمَّى، كما أنَّ قُبْح الوجه عنوان قبح الباطن (٢).
ومن هاهنا ـ والله أعلم ـ أخذ عمرُ بن الخطَّاب ﵁ ما ذكره مالكٌ عنه، أنه قال لرجلٍ: ما اسمُك؟ فقال: جَمْرَةٌ، فقال: ابنُ مَن؟ قال: ابنُ شِهاب، قال: ممَّن؟ قال: من الحُرَقَةِ، قال: أين مَسكنُكَ؟ قال: بِحَرَّةِ النار، قال: بأيِّتها؟ قال: بِذَاتِ لَظًى. فقال عمر: أدركْ أهلك فقدِ احْتَرَقُوا. فكان كما قال عمرُ بنُ الخطابِ (٣) ﵁.
وقد ذكر ابنُ أبي خَيثَمةَ من حديث بُرَيدَةَ: كان رسولُ الله ﷺ لا يتطيَّر، فَرَكِبَ بُرَيْدَةُ في سبعينَ راكبًا من أهل بيتِهِ من بني أَسْلَمَ (٤)، فَلَقِيَ النبيَّ ﷺ ليلًا فقال له النبيُّ ﷺ : "مَنْ أَنْتَ؟ " قال: أنا بُرَيدَةُ، فالتفتَ إلى أبي بكر وقال: "يا أبا بكر بَرَدَ أمْرُنا وصَلُحَ (٥) ". ثمَّ قال: "ممَّن؟ " قلت:
стр. 120
مِنْ أَسْلَمَ، قال لأبي بكر (١): "الآن (٢) سَلِمْنَا"، ثم قال: "ممَّن؟ " قال: من بني سَهْمٍ، قال: "خَرَجَ سَهْمُكَ" (٣).
ولما رأى سُهَيلَ بنَ عَمْرٍو مُقْبِلًا يومَ صلحِ الحُدَيبِيَةِ، قال: "سهل أَمْرُكُم" (٤).
ولما انتهى (٥) في مَسِيرِهِ إلى جبلَينِ، فسأل عن اسمِهِما، فقالوا: مُخْزٍ وفَاضِحٌ، فعَدَلَ عنهما، ولم يسلُكْ بينهما (٦).
стр. 121
وغيَّر اسمَ عاصية بجميلة (١)، واسمَ أَصْرَمَ بزرْعَة (٢).
قال أبو داود في "السُّنن": وغيَّر النبيُّ ﷺ اسمَ العاصِ، وعَزِيزٍ وعَتَلَةَ (٣) وشَيْطَانٍ، والحَكَمِ، وغُرَابٍ، وشِهَابٍ، فسمَّاه: هِشَامًا، وسَمَّى حَرْبًا: سِلْمًا، وسمَّى المُضْطَجِعَ: المُنْبَعِثَ، وأرْضَ عَفِرَةَ سمَّاها: خَضِرَةَ، وشِعْبَ الضَّلالةِ سمَّاهُ: شِعْبَ الهُدَى، وبَنُو الزِّنْيَةِ (٤) سمَّاهُمْ: بني الرّشْدَةِ (٥).
وهذا بابٌ عجيبٌ من أبواب الدِّينِ، وهو العُدُولُ عن الاسمِ الذي تستقبِحُهُ العُقُولُ وتَنْفِرُ منه النُّفوس إلى الاسم الذي هو أحسنُ منه، والنفوس إليه أَمْيَلُ. وكان النبيّ ﷺ شديدَ الاعتناء بذلك حتى قال: "لايَقُلْ أحدُكُم: خَبُثَتْ نَفْسِي، ولكنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي" (٦).
стр. 122
فلما كان اسم العَقِيقة بينه وبين العُقُوق تناسب وتشابه (١)، كرهه ﷺ وقال: "إن الله لا يحب العُقُوق" ثم قال: "من وُلِدَ له مولودٌ فأحبَّ أن يَنْسُك عنه فَلْيفعلْ" (٢).
стр. 123
الفصل السَّادس
هل يُكْرهُ تَسميتُها عَقيقة ؟
اختُلِفَ فيه؛ فكرهتْ ذلك طائفةٌ. واحتجُّوا بأنَّ رسولَ الله ﷺ كَرِهَ الاسْمَ، فلا ينبغي أن يُطْلَقَ على هذه الذبيحةِ الاسمُ الذي كَرهَهُ.
قالوا (١): فالواجب ـ بظاهر هذا الحديث ـ أن يُقال لها: "نَسِيكَةٌ" ولا يقال لها: "عَقِيقَةٌ".
وقالت طائفةٌ أخرى: لا يكره ذلك، ورأوا إباحتَه.
واحتجُّوا بحديث سَمُرَةَ: "الغُلام مُرْتَهَنٌ بعَقِيْقَتِهِ"، وبحديث سلمانَ ابنِ عامرٍ "مع الغُلامِ عقيقتُه".
ففي هذين الحديثين لفظ العَقِيقَةِ، فدلَّ على الإباحةِ، لا على الكراهةِ.
قال أبو عُمَر: فدلَّ ذلك على الكراهةِ في الاسمِ، وعلى هذا كُتُبُ الفقهاءِ في كلِّ الأمصار، ليس فيها إلا العَقِيقَةُ، لا النَّسِيكَة (٢).
стр. 124
قال: على أنَّ حديثَ مالكٍ هذا ليس فيه التصريحُ بالكراهةِ، وكذلك حديثُ عَمْرو بنِ شُعَيْب عن أبيه عن جدِّه. إنَّما فيهما: كأنَّه كره الاسمَ. وقال: "من أحبَّ أن يَنْسُكَ عن ولدهِ فَلْيفعلْ" (١).
قلت: ونظير هذا اختلافُهم في تسميةِ العِشَاء بالعَتَمَةِ (٢)، وفيه روايتان عن الإمام أَحمد (٣).
والتحقيقُ في الموضعين: كراهةُ هَجْرِ الاسْمِ المشروعِ من العِشاءِ والنَّسِيكةِ، والاستبدالِ به اسمَ العَقيقةِ والعتَمَةِ.
فأمَّا إذا كان المستعمَلُ هو الاسْمُ الشَّرْعِيُّ، ولم يُهْجَرْ، وأُطْلِقَ الاسمُ الآخرُ أحيانًا، فلا بأس بذلك. وعلى هذا تتَّفِقُ الأَحَادِيثُ (٤). وبالله التَّوفيقُ.
стр. 125
الفصل السَّابع
في ذِكر الخلافِ في وجوبِها واستحبابِها،
وحُجَجِ الطَّائفتين
قال ابنُ المنذرِ (١): "واختَلفُوا في وُجُوبِ العقيقة؛ فقالت طائفةٌ: العقيقةُ واجبةٌ، لأن النبيَّ ﷺ أمَرَ بذلك، وأَمْرُهُ على الفَرْضِ (٢).
رُوِّينا عن الحسَنِ البَصْريِّ أنه قال في رجلٍ لم يُعَقَّ عنه، قال: يَعُقُّ عن نَفْسهِ، وكان لا يَرى على الجَارِيَة عقيقةً (٣).
стр. 126
قال: ورُوِي عن بُرَيْدَةَ: "أن النَّاس يُعْرَضُونَ يومَ القيامة على العَقِيقَة، كما يُعرَضون على الصَّلواتِ الخمسِ".
قال إسحَاقُ بنُ راهُويَه: حدّثنا يعلى بنُ عُبيد، قال: حدّثنا صالحُ بنُ حِبَّان، عن ابن بُرَيدَةَ، عن أبيه: أنَّ الناس يُعْرَضُونَ يومَ القيامةِ على العَقِيقَةِ، كمَا يُعْرَضُونَ على الصَّلواتِ الخمسِ.
فقلتُ لابن بُرَيدَةَ: وما العَقِيقَة؟ قال: المولودُ يولَدُ في الإسلامِ يَنبغِي أن يُعَقَّ عنه (١).
وقال أبو الزِّنَادِ: العَقِيقَةُ مِنْ أَمْرِ المُسْلمينَ الذي (٢) كانوا يَكْرهونَ تَرْكَهُ.
قال: ورُوِّينا عن الحَسَنِ البصريِّ أنه قال: العَقِيقَةُ عن الغُلامِ واجبةٌ يومَ سَابعِهِ".
وقال أبو عُمَر: "وأما اختلافُ العلماءِ في وجوبها؛ فذهب أهل
стр. 127
الظَّاهر إلى أن العَقِيقَةَ واجبةٌ فرضًا، منهم داود وغيره. قالوا: لأنَّ رسول الله ﷺ أَمَرَ بها وعَمِلَ بها وقال: "الغُلامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِه" و"مع الغُلام عَقِيقَتُه"، وقال: "عن الجَارِيَة شَاةٌ وعن الغُلامِ شَاتانِ"، ونحو هذا من الأحاديث، وكان بُرَيْدَةُ الأسْلَمِىُّ يُوجِبُها ويشبِّهها بالصلاة، وكان الحَسَنُ البصريُّ يذهب إلى أنها واجبةٌ عن الغُلامِ يومَ سابعِه، فإن لم يُعَقَّ عنه، عقَّ عن نفسهِ (١).
وقال اللَّيثُ بنُ سَعْدٍ: يُعَقُّ عن المولود أيَّام سَابِعِهِ في أيِّها شاؤوا، فإنْ لم يتهيَّأ لهمُ العقيقةُ في سابعهِ، فلا بأسَ أن يُعَقَّ عنه بعد ذلك، وليس بواجبٍ أن يُعَقَّ عنه بعد سبعةِ أيّامٍ. فكان اللَّيثُ بنُ سعدٍ يذهب إلى أنها واجبةٌ في السَّبْعَةِ الأيَّامِ.
وكان مالكٌ يقول: هي سنَّةٌ واجبةٌ يجبُ العملُ بها. وهو قَولُ الشّافِعِيّ، وأَحْمَدَ بنِ حَنْبَل، وإسْحَاق، وأبي ثَوْر، والطَّبريِّ". هذا كلام أبي عمر (٢).
قلت: والسنَّةُ الواجبةُ ـ عند أصحاب مالك ـ ما تأكَّد استحبابُه وكُرِهَ تَرْكُهُ، فيسمُّونه واجبًا وجوبَ السُّنَنِ؛ ولهذا قالوا: غُسل الجمعة سنةٌ
стр. 128
واجبة، والأضحيةُ سنةٌ واجبة، والعقيقةُ سنةٌ واجبةٌ.
وقد حكى أصحاب أَحمدَ عنه في وجوبها روايتين، وليس عنه نصٌّ صريحٌ في الوجوب (١). ونحن نذكرُ نصوصَه:
قال الخَلّالُ في "الجامع": "ذكر استحباب العَقِيقَة وأنها غير واجبة".
أخبرنا سليمان بن الأشعث، قال: سمعت أبا عبد الله سُئِلَ عن العقيقةِ، ما هيَ؟ قال: الذبيحةُ. وأنكر قولَ الذي يقول: هي حَلْقُ الرَّأسِ (٢).
أخبرني (٣) محمَّد بن الحُسَين، أن الفَضلَ حدَّثهم، قال: سألت أبا عبد الله عن العقيقة: واجبةٌ هي؟ قال: لا، ولكنْ من أحبَّ أن يَنْسُكَ فليَنْسُكْ.
قال: وسألت أبا عبد الله عن العَقِيقَة: أتُوجِبُهَا؟ قال: لا.
ثم ذكر عن أَحمد بن القاسم أن أبا عبد الله قيل له في العقيقة: واجبة هي؟ قال: أمَّا واجبةٌ، فلا أدري، ولا أقولُ: واجبةٌ. ثم قال: أشدُّ شيءٍ فيه
стр. 129
أنَّ الرَّجُلَ مُرْتهَنٌ بعقيقتهِ.
وقال الأثْرمُ: قلت لأبي عبد الله: العقيقَة واجبة؟
قال: لا. وأشدُّ شيءٍ روي (١) فيها حديث: "الغُلام مُرْتَهنٌ بعقيقتهِ" ـ هو أشدُّها (٢).
وقال حَنْبَل (٣): قال أبو عبد الله: لا أحبُّ لمن أمكنَهُ وقدر: أن لا يَعقَّ عن ولده، ولا يدعه، لأن النبيّ ﷺ قال: "الغُلامُ مرتهنٌ بعقيقتهِ" فهو أشدُّ ما روي في العقيقةِ.
وقال أبو الحارث (٤): سألتُ أبا عبدِ الله عن العقيقة، واجبةٌ هي على الغنيِّ والفقير إذا وُلِدَ له أن يَعقَّ عنه؟
قال أبو عبد الله: قال الحَسَنُ: عن سَمُرَة، عن النبيِّ ﷺ : "كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعقيقتهِ حتى يُذْبَحَ عنه يومَ سابعهِ ويُحْلَقَ رأسُه". هذه سنة رسول الله ﷺ وإني لأُحِبُّ أن تُحيَا هذه السنَّةُ، أرجو أن يُخلِفَ الله عليه.
стр. 130
وقال إسْحَاقُ بنُ إبراهيمَ: سألتُ أبا عبد الله عن حديث النبيّ ﷺ ما معناه: "الغُلام مرتهنٌ بعقيقتهِ؟ " قال: نعم، سنَّةُ النبيّ ﷺ أن يُعَقَّ عن الغُلام شاتين، وعن الجَارِيَة شاةً، فإذا لم يُعَقَّ عنه، فهو مُحْتَبسٌ بعقيقتهِ حتى يُعَقَّ عنه (١).
وقال جَعْفرُ بنُ محمَّدٍ: قيل لأبي عبد الله في العقيقة: فإن لم تكن عنده؟ قال: ليس عليه شيءٌ.
وقال أبو الحارث (٢): قيل لأبي عبد الله في العَقِيقَة: فإنْ لم يكنْ عنده ـ يعني (٣) ما يَعُقُّ ـ؟ قال: إن استقرضَ رجوتُ أنْ يُخلِفَ اللهُ عليه، أحْيَا سُنَّةً (٤).
وقال صالح: قلت لأبي: يُولَد للرَّجل وليس عنده ما يَعُقُّ، أَحَبُّ إليك أن يستقرضَ ويَعُقَّ عنه، أم يؤخِّر ذلك حتى يُوسِرَ؟
فقال: أشدُّ ما سمعتُ في العَقِيقَة حديثُ الحَسَن عن سَمُرَةَ عن النبيِّ ﷺ : "كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعقيقته"، وإني لأرجو إنِ استقرضَ أن يُعَجِّلَ اللهُ له الخَلَفَ، لأنَّه أَحْيَا سُنَّةً مِن سُنَنِ رسولِ الله ﷺ واتَّبعَ ما جاءَ به (٥).
стр. 131
فهذه نُصوصُه كما تَرى. ولكنَّ أصحابَه فرَّعُوا على القولِ بالوجوبِ ثلاثةَ فُروعٍ:
(أحدها): هل هي واجبةٌ على الصبيِّ في مالِه، أو مالِ أبيهِ؟
(الثاني): هل تجبُ الشَّاةُ على الذَّكَرِ أو الشَّاتانِ؟
(الثالث): إذا لم يَعُقَّ عنه أبوهُ هل تَسْقُطُ أو يجبُ أن يَعُقَّ عن نفسهِ إذا بلَغَ؟ (١)
فأمَّا الفرع الأول، فحَكَوا فيه وجهينِ:
(أحدهما): يجبُ على الأبِ. وهو المنصوصُ عن الإمام أَحمد. قال إسماعيل بن سعيد الشَّالَنْجِي: سألت أَحمد عن الرجل يخبرُه والدُه أنه لم يَعُقَّ عنه، هل يَعُقُّ عن نفسهِ؟ قال: ذلك على الأبِ (٢).
و (الثاني): في مال الصبيِّ.
وحجةُ من أوجبها على الأبِ: أنه هو المأمورُ بها كما تقدَّم.
واحتجَّ مَن أوجبها على الصبيِّ بقوله: "الغُلامُ مرتهنٌ بعقيقتهِ".
وهذا الحديثُ يحتجُّ به الطائفتان، فإنَّ أوَّلَهُ الإخبارُ عن ارتهانِ الغُلامِ بالعقيقة، وآخره الأمرُ بأن يُراقَ عنه الدَّمُ (٣).
стр. 132
قال الموجبون: ويدلُّ على الوجوب قولُه: "عن الغُلام شاتانِ وعن الجَارِيَةِ شاة". وهذا يدلُّ على الوجوب، لأنَّ المعنى: يجزئ عن الجَارِيَة شاةٌ، وعن الغُلام شاتانِ (١).
واحتجوا بحديثِ البُخَاريِّ عن سلمانَ بنِ عامرٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "معَ الغُلامِ عقيقتُه فأهْرِيقُوا عنه دمًا وأمِيْطُوا عنه الأذَى".
قالوا: وهذا يدلُّ على الوجوب من وجهين: أحدهما: قوله: "مع الغُلام عقيقته". وهذا ليس إخبارًا عن الواقع، بل عن الواجب، ثم (٢) أمَرَهُمْ أن يُخرِجُوا عنه هذا الذي معه، فقال: "أهْرِيقُوا عنه دمًا".
قالوا: ويدلُّ عليه أيضًا حديث عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه، أنَّ رسولَ الله ﷺ أَمَر بتسميةِ المولودِ يومَ سابعهِ، ووَضْعِ الأذَى عنه، والعَقِّ.
قالوا: وروى التّرمذيّ: حدّثنا يحيى بن خلَف، حدّثنا بِشر بن المفضّل، حدّثنا عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن يوسف بن ماهك، أنهم دخلُوا على حفصةَ بنتِ عبدِ الرَّحمن فسألُوها عن العَقِيقَة؟ فأخبرتْهم أن عَائِشَةَ ﵂ أخبرتها أنَّ رسول الله ﷺ أَمَرَهُم عن الغُلام شاتانِ، وعن الجَارِيَة شاةٌ.
стр. 133
قال التّرْمِذِيّ: "هذا حديث حسن صحيح" (١).
وقال أَبو بكرِ بنُ أَبي شَيبةَ: حدّثنا عفَّانُ (٢)، حدّثنا حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، حدّثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن يوسف بن مَاهك، عن حفصةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ ﵂ قالت: "أمَرَنَا رسولُ الله ﷺ أن نعُقَّ عن الغُلامِ شاتينِ، وعن الجَارِيَة شاةً" (٣).
قال أبو بكر: حدّثنا يَعقوب بن حُمَيد بن كاسب، حدّثنا عبد الله بن وهب، قال حدّثني: عَمْرو بن الحارث، عن أيوب بن موسى أنه حدثه، أنَّ يزيد بن عبدٍ المُزَنِيَّ حدَّثه أنَّ النبيّ ﷺ قال: "يُعَقُّ عن الغُلام، ولا يُمَسُّ رأسه بدمٍ" (٤).
قالوا: وهذا خبرٌ بمعنى الأمرِ.
قال أبو بكر: وحدّثنا ابن فُضَيلٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن محمَّدِ ابنِ إبراهيمَ، قال: كان يُؤمَر بالعَقيقة ولو بعُصْفُورٍ (٥).
стр. 134
فصل
قال القائلون بالاستحباب: لو كانت واجبةً لكان وجوبُهَا معلومًا من الدِّين (١)؛ لأنَّ ذلك ممَّا تَدعو الحاجةُ إليه وتَعُمُّ به البَلْوَى (٢)، فكانَ رسولُ الله ﷺ يبيِّن (٣) وجوبَها للأمَّة بيانًا عامًّا كافيًا تقومُ به الحجَّةُ وينقطعُ معه العُذْرُ.
قالوا: وقد علَّقها بمحبَّة فاعلِهَا، فقال: "مَن وُلِدَ له ولدٌ فأحبَّ أن يَنْسُكَ عنه فَلْيَفْعل".
قالوا: وفِعْلُ رسولِ الله ﷺ لها لا يدلُّ على الوجوبِ، وإنَّما يدلُّ على الاستحبابِ.
قالوا: وقد روى أبو داود من حديث عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، أن النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن العَقِيقَة؟ فقال: "لَا يُحِبُّ اللهُ العُقُوقَ"، كأنه كَرِهَ الاسمَ، وقال:
стр. 135
"مَنْ وُلِدَ له ولدٌ فأحبَّ أن يَنْسُكَ عنه فَلْيَفعَلْ؛ عن الغُلامِ شاتانِ مكافئتانِ، وعن الجَارِيَة شاةٌ" (١).
وهذا مُرْسَلٌ، وقد رواه مرة عن عَمْرو عن أبيه، وقال: أُرَاهُ عن جدِّهِ (٢).
وروى مالك عن زيدِ بنِ أَسْلَم عن رجلٍ من بني ضَمْرَةَ عن أبيهِ (٣)، أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئِلَ عن العَقِيقَةِ؟ فقال: "لا أُحبُّ العُقُوق" وكأنه إنَّما كَرِهَ الاسْمَ، وقال: "مَنْ أحبَّ أن يَنْسُكَ عن وَلَدِهِ فَلْيَفعَلْ" (٤).
قال البَيهَقِيّ: وإذا انضمَّ إلى الأوَّل قَوِيَا (٥).
стр. 136
قلت: وحديث (١) عَمْرِو بنِ شُعَيب قد جوَّدهُ عبدُ الرزَّاق، فقال: أخبرنا داود بنُ قَيس، قال: سمعتُ عَمْرَو بنَ شُعَيب يحدِّث عن أبيه عن جدِّه قال: سُئِل النبيُّ ﷺ عن العقيقةِ ... فذكر الحديث (٢).
стр. 137
الفصل الثامن
في الوقت الَّذي تُستحبُّ (١) فيه العقيقةُ
قال أبو داود في "كتاب المسائل": سمعت أبا عبد الله يقول: العقيقةُ تُذبَح يوم السَّابعِ (٢).
وقال صالحُ بنُ أحمدَ: قال أَبي فِي العَقِيقَة: تُذبحُ يوم السَّابعِ، فإنْ لم يفعلْ ففي أربعَ عَشْرَة، فإنْ لم يفعلْ، ففي إحدى وعشرينَ (٣).
وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: متى يُعَقُّ عنه؟ فقال: أما عائشةُ فتقول: سبعةَ أيامٍ، وأربعةَ عشر، ولأحد وعشرينَ (٤).
وقال أبو طالب: قال أَحمد: تُذبح العَقِيقَة لأحد وعشرين يومًا. انتهى.
والحجة على ذلك: حديثُ سَمُرَةَ المتقدِّمُ: "الغُلام مُرتهَنٌ
стр. 138
بعقيقتِهِ، تُذبح عنه يومَ السَّابعِ ويُسَمَّى" (١) قال التّرْمِذِيّ: "حديث صحيح" (٢).
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني محمَّد بنُ عَمْرو، عن ابن جُرَيْج، عن يحيى بنِ سعيد، عن عَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ قالت: "عقَّ رسولُ الله ﷺ عن حسنٍ وحُسينٍ يوم السَّابعِ وسمَّاهُمَا، وأمَرَ أن يُمَاطَ عن رؤوسِهِما الأذَى" (٣).
وقال أبو بكرِ ابنُ المنذِر: "حدّثنا محمَّد بنُ إسماعيل الصَّائغُ، قال: حدّثني أبو جعفر الرَّازيُّ، حدّثنا أبو زهير عبد الرَّحمن بن معن (٤)، حدّثنا محمَّد بنُ إسْحَاق عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: أمَرَنَا رسولُ الله ﷺ حينَ سابعِ المولودِ، بتسميته، وعقيقتهِ، ووَضْعِ الأذى عنهُ (٥).
وهذا قول عامَّةِ أهلِ العِلمِ. ونحن نَحْكِي ما بلَغَنا من أقوالهم.
стр. 139
وأرفعُ من رُويَ عنه ذلك: عائشةُ أمُّ المؤمنينَ، كما حكاه أَحمد عنها في رواية الميمونيِّ.
وكذلك قال الحَسَنُ البصريُّ وقَتَادَةُ: يُعَقُّ عنه يومَ سابعهِ" (١).
وقال أبو عُمرَ (٢): "وكان الحَسَنُ البصريُّ يذهب إلى أنّها واجبةٌ عن الغُلام يومَ سابعهِ، فإن لم يُعَقَّ عنه، عقَّ عَن نَفْسهِ.
وقال اللَّيث بنُ سعدٍ: يُعَقُّ عن المولود في أيام سابعِه، فإن لم يتهيَّأ لهم العَقِيقَةُ في سابعِه، فلا بأسَ أن يُعَقَّ عنه بعد ذلك، وليس بواجبٍ أن يُعَقَّ عنه بعد سبعةِ أيام".
قال أبُو عُمَر: "وكان اللَّيثُ يذهب إلى أنها واجبةٌ في السبعةِ الأيامِ.
وقال عطاء: إنْ أخطأهم أمْرُ العَقيقَة يومَ السَّابع، أحببت أن يؤخِّره (٣) إلى اليوم السَّابع الآخرِ.
وكذلك قال أَحْمَد، وإسْحَاق، والشّافعيّ، ولم يَزِدْ مالك على السَّابع الثاني.
وقال ابنُ وهب: لا بأس أن يُعَقَّ عنه في السَّابع الثالث. وهو قولُ
стр. 140
عائشةَ وعطاءٍ وأَحمدَ وإسْحَاق.
قال مالك: ولا يُعَدُّ اليوم الذي وُلِدَ فيه، إلا أنْ يُولَدَ قبلَ الفَجْرِ مِنْ ليلةِ ذلكَ اليومِ" (١).
والظاهر: أنَّ التقييدَ بذلك استحبابٌ، وإلا فلَو ذَبحَ عنه في السَّابع (٢)، أوالثامن، أو العاشر، أو ما بَعْدَه أجزأتْ. والاعتبارُ بالذَّبْحِ، لا بيوم الطَّبخِ والأكلِ.
стр. 141
الفصل التاسع
في أنَّ العَقيقةَ أفضلُ من التَّصدُّقِ بثَمنها و لَو زادَ
قال الخَلّال: "باب ما يستحبُّ من العَقِيقَة وفضلها على الصَّدَقِةِ": أخبرنا سليمانُ بن الأشعثِ، قال: سُئل أبو عبد الله ـ وأنا أسمع ـ عن العَقِيقَةِ: أحبُّ إليك، أو تدفعُ ثمنها في المساكين؟ قال: العَقِيقَةُ (١).
وقال في رواية أبي الحارث ـ وقد سئل عن العَقِيقَة ـ: إن استقرضَ رجوتُ أن يُخلِفَ اللهُ عليه، أحيا سُنَّةً (٢).
وقال له صالحٌ ابنُه: الرَّجلُ يُوْلَد له، وليس عنده ما يَعُقُّ، أَحَبُّ إليك أنْ يَسْتقرضَ ويَعُقَّ عنه، أم يؤخِّر ذلك حتى يُوْسِرَ؟
قال: أشدُّ ما سمعنا في العَقِيقَة حديثُ الحَسَنِ عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ ﷺ : "كلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بعَقيقتهِ" (٣) وإنِّي لأرجو إن استقرضَ أن يعجِّل اللهُ له الخَلَف، لأنَّه أحيا سُنّةً من سُنَنِ رسولِ الله ﷺ ، واتَّبعَ ما جاءَ عنه". انتهى (٤).
стр. 142
وهذا لأنها سُنَّةٌ ونسيكةٌ مشروعةٌ بسبب تجدُّدِ نعمةِ الله على الوالدَيْنِ، وفيها سرٌّ بديعٌ موروثٌ عن فداء إسماعيل بالكبشِ الذي ذُبِحَ عنهُ وفدَاه اللهُ به، فصار سنةً في أولاده بعده: أن يفدي أحدُهم عند ولادته بذِبْحٍ يُذْبَحُ عنه (١).
ولا يُستنكَر أن يكونَ هذا حِرْزًا له من ضَررِ (٢) الشيطانِ بعد ولادتِه، كما كان ذكرُ اسمِ الله عند وَضْعِه في الرَّحمِ حرزًا له من ضررِ الشيطانِ؛ ولهذا قلَّ من يتركُ أبواه العقيقةَ عنه إلا وهو في تخبيطٍ من الشيطانِ.
وأسرارُ الشَّرع أعظمُ من هذا، ولهذا كان الصوابُ أنَّ الذكر والأنثى يشتركانِ في مشروعية العقيقة وإن تَفاضَلا في قَدْرِهَا.
وأما أهلُ الكتابِ، فليست العقيقةُ عندهم للأنثى، وإنَّما هي للذَّكَرِ خاصَّة. وقد ذهبَ إلى ذلك بعضُ السَّلَفِ.
قال أبو بكر ابنُ المُنْذِر: "وفي هذا الباب قولٌ ثالثٌ قاله الحَسَنُ وقَتَادَةُ: كانا لا يريان عن الجَارِيَة عَقِيقةً" (٣).
стр. 143
وهذا قولٌ ضعيفٌ لا يُلْتفَتُ إليه، والسنَّة تخالفُه من وجوهٍ ـ كما سيأتي (١) في الفصل الذي بعد هذا ـ.
فكان الذبحُ في موضعهِ أفضلَ من الصَّدقة بثمنه ولو زادَ، كالهدايا والأضَاحِي، فإنَّ نَفْسَ الذَّبحِ وإراقةِ الدم مقصودٌ، فإنه عبادةٌ مقرونةٌ بالصلاة، كما قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر/٢].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام/ ١٦٢].
ففي كلّ مِلَّةٍ صلاةٌ ونَسِيكَةٌ لا يقوم غيرُهما مقامَهما، ولهذا لو تصدَّق عن دمِ المُتْعَةِ والقِرَان بأضعافِ أضعاف القيمةِ لم يقُمْ مقامَهُ، وكذلك الأضحيةُ، والله أعلم.
стр. 144
الفصل العاشر
في تَفاضُل الذَّكَر والأنثى فيها واختلافِ النَّاسِ في ذلك
وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): العَقيقَةُ سنَّةٌ عن الجَارِيَة، كما هي (١) سنَّةٌ عن الغُلامِ. هذا قولُ جمهورِ أهلِ العِلْمِ من الصَّحابة والتَّابعِين ومَن بعدهم.
وقد تقدَّم ما حكاه ابن المُنْذِر عن الحَسَنِ وقَتادَةَ، أنهما كانا لا يريان عن الجَارِيَة عقيقةً (٢).
ولعلَّهما تمسَّكا بقوله: "معَ الغُلامِ عقيقتُه". وهذا الحديث رواه الحَسَنُ وقَتَادَةُ من حديث سَمُرَة، والغُلامُ اسمٌ للذَّكر (٣) دونَ الأُنثى.
ويردُّ هذا القولَ حديثُ أم كُرْزٍ أنها سألت رسولَ الله ﷺ عن العقيقة؟ فقال: "عن الغُلامِ شاتانِ، وعن الجَارِيَة شاةٌ، لا يَضُرُّكُمْ ذُكْرانًا كُنَّ أم إناثًا" وهو حديث صحيح، صحَّحه التّرمذيُّ وغيرُه (٤).
وحديث عائشة: أمرنا ﷺ أن نَعُقَّ عن الغُلام شاتين، وعن الجَارِيَة
стр. 145
شاة. رواه ابن أبي شيبة، وقد تقدَّم إسناده (١).
وقال أبو عاصم: حدّثنا سالم بن تميم، عن أبيه (٢)، عن الأَعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، أن النبيّ ﷺ قال: "إنَّ اليَهودَ تَعُقُّ عن الغُلامِ، ولا تَعُقُّ عن الجاريةِ، فَعُقُّوا عن الغُلام شاتينِ، وعن الجارية شاةً" رواه البَيهَقِيُّ من هذه الطريق (٣).
وقال مالك: يُذبح عن الغُلام شاةٌ واحدة، وعن الجارِية شاةٌ، والذَّكَرُ والأنثى في ذلك سواءٌ (٤).
واحْتُجَّ لهذا القول، بما رواه أبو داود في "سننه": حدّثنا أبو مَعْمَر، حدّثنا عبدُ الوَارثِ, حدّثنا أيُّوب، عن عِكْرِمَةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ: أن رسول ﷺ عقَّ عن الحَسَنِ والحُسَين كبشًا كبشًا (٥).
قال أبُو عُمَر: "وروى جعفر بن (٦) محمَّدٍ، عن أبيه أنَّ فاطمةَ ذبحتْ عن الحَسَنِ والحُسَينِ كبشًا كبشًا.