← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 229

تحفة المودود بأحكام المولود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (505 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الفصل التاسع في أنَّ العَقيقةَ أفضلُ من التَّصدُّقِ بثَمنها و لَو زادَ قال الخَلّال: "باب ما يستحبُّ من العَقِيقَة وفضلها على الصَّدَقِةِ": أخبرنا سليمانُ بن الأشعثِ، قال: سُئل أبو عبد الله ـ وأنا أسمع ـ عن العَقِيقَةِ: أحبُّ إليك، أو تدفعُ ثمنها في المساكين؟ قال: العَقِيقَةُ (١). وقال في رواية أبي الحارث ـ وقد سئل عن العَقِيقَة ـ: إن استقرضَ رجوتُ أن يُخلِفَ اللهُ عليه، أحيا سُنَّةً (٢). وقال له صالحٌ ابنُه: الرَّجلُ يُوْلَد له، وليس عنده ما يَعُقُّ، أَحَبُّ إليك أنْ يَسْتقرضَ ويَعُقَّ عنه، أم يؤخِّر ذلك حتى يُوْسِرَ؟ قال: أشدُّ ما سمعنا في العَقِيقَة حديثُ الحَسَنِ عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ ﷺ : "كلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بعَقيقتهِ" (٣) وإنِّي لأرجو إن استقرضَ أن يعجِّل اللهُ له الخَلَف، لأنَّه أحيا سُنّةً من سُنَنِ رسولِ الله ﷺ ، واتَّبعَ ما جاءَ عنه". انتهى (٤).

стр. 142

وهذا لأنها سُنَّةٌ ونسيكةٌ مشروعةٌ بسبب تجدُّدِ نعمةِ الله على الوالدَيْنِ، وفيها سرٌّ بديعٌ موروثٌ عن فداء إسماعيل بالكبشِ الذي ذُبِحَ عنهُ وفدَاه اللهُ به، فصار سنةً في أولاده بعده: أن يفدي أحدُهم عند ولادته بذِبْحٍ يُذْبَحُ عنه (١). ولا يُستنكَر أن يكونَ هذا حِرْزًا له من ضَررِ (٢) الشيطانِ بعد ولادتِه، كما كان ذكرُ اسمِ الله عند وَضْعِه في الرَّحمِ حرزًا له من ضررِ الشيطانِ؛ ولهذا قلَّ من يتركُ أبواه العقيقةَ عنه إلا وهو في تخبيطٍ من الشيطانِ. وأسرارُ الشَّرع أعظمُ من هذا، ولهذا كان الصوابُ أنَّ الذكر والأنثى يشتركانِ في مشروعية العقيقة وإن تَفاضَلا في قَدْرِهَا. وأما أهلُ الكتابِ، فليست العقيقةُ عندهم للأنثى، وإنَّما هي للذَّكَرِ خاصَّة. وقد ذهبَ إلى ذلك بعضُ السَّلَفِ. قال أبو بكر ابنُ المُنْذِر: "وفي هذا الباب قولٌ ثالثٌ قاله الحَسَنُ وقَتَادَةُ: كانا لا يريان عن الجَارِيَة عَقِيقةً" (٣).

стр. 143

وهذا قولٌ ضعيفٌ لا يُلْتفَتُ إليه، والسنَّة تخالفُه من وجوهٍ ـ كما سيأتي (١) في الفصل الذي بعد هذا ـ. فكان الذبحُ في موضعهِ أفضلَ من الصَّدقة بثمنه ولو زادَ، كالهدايا والأضَاحِي، فإنَّ نَفْسَ الذَّبحِ وإراقةِ الدم مقصودٌ، فإنه عبادةٌ مقرونةٌ بالصلاة، كما قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر/٢]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام/ ١٦٢]. ففي كلّ مِلَّةٍ صلاةٌ ونَسِيكَةٌ لا يقوم غيرُهما مقامَهما، ولهذا لو تصدَّق عن دمِ المُتْعَةِ والقِرَان بأضعافِ أضعاف القيمةِ لم يقُمْ مقامَهُ، وكذلك الأضحيةُ، والله أعلم.

стр. 144

الفصل العاشر في تَفاضُل الذَّكَر والأنثى فيها واختلافِ النَّاسِ في ذلك وفيه مسألتان: (المسألة الأولى): العَقيقَةُ سنَّةٌ عن الجَارِيَة، كما هي (١) سنَّةٌ عن الغُلامِ. هذا قولُ جمهورِ أهلِ العِلْمِ من الصَّحابة والتَّابعِين ومَن بعدهم. وقد تقدَّم ما حكاه ابن المُنْذِر عن الحَسَنِ وقَتادَةَ، أنهما كانا لا يريان عن الجَارِيَة عقيقةً (٢). ولعلَّهما تمسَّكا بقوله: "معَ الغُلامِ عقيقتُه". وهذا الحديث رواه الحَسَنُ وقَتَادَةُ من حديث سَمُرَة، والغُلامُ اسمٌ للذَّكر (٣) دونَ الأُنثى. ويردُّ هذا القولَ حديثُ أم كُرْزٍ أنها سألت رسولَ الله ﷺ عن العقيقة؟ فقال: "عن الغُلامِ شاتانِ، وعن الجَارِيَة شاةٌ، لا يَضُرُّكُمْ ذُكْرانًا كُنَّ أم إناثًا" وهو حديث صحيح، صحَّحه التّرمذيُّ وغيرُه (٤). وحديث عائشة: أمرنا ﷺ أن نَعُقَّ عن الغُلام شاتين، وعن الجَارِيَة

стр. 145

شاة. رواه ابن أبي شيبة، وقد تقدَّم إسناده (١). وقال أبو عاصم: حدّثنا سالم بن تميم، عن أبيه (٢)، عن الأَعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، أن النبيّ ﷺ قال: "إنَّ اليَهودَ تَعُقُّ عن الغُلامِ، ولا تَعُقُّ عن الجاريةِ، فَعُقُّوا عن الغُلام شاتينِ، وعن الجارية شاةً" رواه البَيهَقِيُّ من هذه الطريق (٣). وقال مالك: يُذبح عن الغُلام شاةٌ واحدة، وعن الجارِية شاةٌ، والذَّكَرُ والأنثى في ذلك سواءٌ (٤). واحْتُجَّ لهذا القول، بما رواه أبو داود في "سننه": حدّثنا أبو مَعْمَر، حدّثنا عبدُ الوَارثِ, حدّثنا أيُّوب، عن عِكْرِمَةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ: أن رسول ﷺ عقَّ عن الحَسَنِ والحُسَين كبشًا كبشًا (٥). قال أبُو عُمَر: "وروى جعفر بن (٦) محمَّدٍ، عن أبيه أنَّ فاطمةَ ذبحتْ عن الحَسَنِ والحُسَينِ كبشًا كبشًا.

стр. 146

قال: وكان عبد الله بن عمر يَعُقُّ عن الغلمان والجواري من ولدهِ شاةً شاةً. وبه قال أبو جعفر محمَّد بنُ عليّ بن حسين بن عليٍّ ﵃ أجمعين ـ كقول مالك سواء" (١). قال أبو عُمَر (٢): "وقال ابن عبَّاس، وعائشة، وجماعة من أهل الحديث: عن الغُلام شاتان، وعن الجارية شاة. ثم ذكَرَ طرقَ (٣) حديثِ أمِّ كُرْزٍ، وحديث عَمْروِ بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه يَرْفَعُهُ: "مَنْ أحبَّ أنْ يَنْسُكَ عن وَلَدِهِ فَلْيفعلْ: عنِ الغُلامِ شاتانِ، وعنِ الجَارِيَة شاةٌ". ولا تَعَارُضَ بين أحاديثِ التفضيلِ بين الذَّكَرِ والأُنثَى، وبين حديثِ ابنِ عبَّاسٍ في قصة الحَسَنِ والحُسَين؛ فإنَّ حديثَه قد رُوِي بلفظين: أحدُهما: "أنَّه عقَّ عنهما كبشًا كبشًا". والثاني: "أنه عقَّ عنهما كبشينِ". ولعلَّ الراوي أراد: كبشين عن كلِّ واحدٍ منهما، فاقتصر على قوله: كبشين، ثم روى بالمعنى: كبشًا كبشًا. وعندي فيه جوابٌ أحسن من هذا: وهو أن النبيَّ ﷺ ذبحَ عن كلِّ

стр. 147

واحدٍ كبشًا (١)، وذبحتْ أمُّهما عنهما كبشين. والحديثان كذلك رُوِيَا، فكان أحدُ الكبشينِ من النبيّ ﷺ ، والثاني من فاطمةَ. واتفقتْ جميعُ الأحاديثِ. وهذه قاعدةُ الشريعةِ، فإنَّ الله ـ سبحانه ـ فاضلَ بين الذَّكَرِ والأنثى، وجعل الأنثى على النِّصف من الذَّكَر في المواريث، والدِّيَات، والشَّهاداتِ، والعِتْقِ، والعَقِيقَةِ، كما رواه التّرمذيّ (٢)، وصححه من حديث أبي أُمامةَ عن النبيِّ ﷺ قال: "أيُّما امرئ مُسلمٍ أَعْتَقَ مُسلمًا، كان فِكَاكَهُ من النَّار، يجزئ كلُّ عضوٍ منه عضوًا منه، وأيُّما امرئ مُسلم أعتق امرأتين مسلمتَينِ كانتا فِكَاكَهُ من النَّار، يجزئُ كلُّ عضوٍ منهما عضوًا منه". وفي "مسند الإمام أحمدَ" (٣) من حديث مُرَّةَ بنِ كعبٍ السُّلَمِيّ، عن النبيّ ﷺ : "أيُّما رجلٍ أعتقَ رجلًا مُسْلِمًا كان فِكَاكَهُ من النَّار، يُجْزَى بكلِّ عضوٍ من أَعْضَائِهِ عُضْوًا مِنْ أَعْضِائهِ، وأيُّما امرأةٍ مُسْلِمةٍ أعتقتِ امرأةً مُسْلِمةً كانتْ فِكَاكَهِا مِنَ النَّار، تُجْزَى بكلَّ عضوٍ من أعْضَائِهَا

стр. 148

عضوًا مِنْ أَعْضَائِهَا" رواه أبو داود في "السنن" (١). فجرت المفاضلة في العَقِيقَة هذا المجرى لو لم يكن فيها سُنَّة، كيف والسننُ الثابتةُ صريحةٌ في التفضيلِ!

стр. 149

الفصل الحادي عشر في ذِكْر الغَرضِ من العقيقة، وحِكَمها، وفوائدِها قال الخَلّال في "جامعه": "باب ذكر الغَرَض في العَقِيقَة، وما يُؤَمَّلُ لإحياءِ السنَّة من الخَلَفِ". ثم ذكَرَ روايةَ أبي الحارث أنَّه قال لأبي عبد الله في العَقِيقَةِ: فإنْ لم يكنْ عنده ما يَعُقُّ؟ قال: إن استقرضَ رجوتُ أن يُخْلِفَ اللهُ عليه، أَحْيَا سُنَّةً. ومن رواية صالح عن أبيه: إني لَأَرْجو إن استقرضَ أن يعجّلَ (١) اللهُ له الخَلَفَ، أحيا سنَّةً من سنن رسول الله ﷺ واتَّبَعَ ما جاء عنه (٢). ومن فوائدها: أنها قربانٌ يُتقرَّب به عن المولودِ في أوَّل أوقاتِ خُروجِه إلى الدنيا. والمولودُ ينتفع بذلك غايةَ الانتفاعِ، كما ينتفع بالدعاءِ له وإحضارِه مَوَاضِعَ المناسكِ، والإحرامِ عنهُ، وغير ذلك. ومن فوائدها: أنَّها تفكُّ رِهَانَ المولودِ، فإنه مُرتَهنٌ بعقيقتهِ. قال الإمام أَحْمَد: مُرْتَهنٌ عن الشفاعة لوالدَيْه. وقال عطاء بن أبي ربَاح (٣):

стр. 150

"مرتهنٌ بعقيقتهِ" قال: يُحْرَمُ شفاعةَ وَلَدِهِ. ومن فوائدها: أنها فِدْيَةٌ يفدى بها المولودُ، كما فدَى اللهُ ـ سبحانه ـ إسماعيلَ الذبيح (١) بالكَبْشِ، وقد كان أهلُ الجاهليَّةِ يفعلونَها ويسمُّونها عَقِيقَة، ويلطِّخُونَ رأسَ الصبيِّ بدمها، فأقرَّ رسول الله ﷺ الذَّبْحَ، وأبطل اسم العُقُوق ولطخ رأس الصبي بدمها، فقال: "لا أُحبُّ العُقُوقَ" (٢)، وقال: "لا يُمَسُّ رأسُه (٣) بدمٍ". وأخبر ﷺ أنَّ ما يُذبَحُ عن المولود، إنّما ينبغي أن يكونَ على سبيل النُّسُك كالأُضحية والهَدْي، فقال: "مَنْ أحبَّ أن يَنْسُكَ عن وَلَدِه فلْيَفعَلْ" فجعلها على سبيل الأُضحية التي جعلَها اللهُ نسكًا وفداءً لإسماعيل ﵇ وقربة إلى الله ، وغير مُستَبعَدٍ في حكمة الله في شَرْعِهِ وقدَرِه، أن يكونَ سببًا لحُسْن إنباتِ الولدِ، ودوامِ سلامتِه، وطولِ حياته، وحفظِه من ضرر الشيطان، حتى يكون كلُّ عضوٍ منها فداءَ كلِّ عضوٍ منه، ولهذا يُستحبُّ أن يُقالَ عليها ما يُقالُ على الأضحيةِ . قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله: إذا أراد الرجلُ أن يَعُقَّ كيف يقول؟

стр. 151

قال: يقول: باسم الله، ويذبحُ على النيَّة، كما يضحِّي بنيَّتِهِ، يقول: هذه عَقِيقَةُ فلانِ بنِ فلانٍ، ولهذا يقول فيها: اللهمَّ منكَ ولكَ. و يُستحبُّ فيها ما يستحبُّ في الأضحيةِ ، من الصدقة، وتفريقِ اللحمِ. فالذبيحةُ عن الولد، فيها معنى القُربانِ والشُّكران، والفِداء، والصدقةِ، وإطعامِ الطعام عند حوادث السرور العظام، شكرًا لله، وإظهارًا لنعمته التي هي غاية المقصود من النكاح، فإذا شُرِعَ الإطعامُ للنكاح الذي هو وسيلةٌ إلى خروجِ هذه النّسَمَة (١)، فَلأَنْ يُشرعَ عند الغاية المطلوبةِ أَوْلَى وأَحْرَى (٢). وشُرِع بوصف الذَّبح المتضمنِ لما ذكرناه من الحِكَمِ (٣)، فلا أحسنَ ولا أحلَى في القلوبِ من مثل هذه الشريعةِ في المولودِ! وعلى نحو هذا جرتْ سنَّة الولائم في المناكح وغيرها، فإنَّها إظهارٌ للفرحِ والسُّرور بإقامةِ شَرائعِ الإسلامِ وخروجِ نَسَمَةٍ مُسْلِمةٍ يُكاثِرُ بها رسولُ الله ﷺ الأُممَ يومَ القيامة، تعبُّدًا لله، ويُرَاغِمُ عدوَّه. ولما أقرَّ رسولُ الله ﷺ العَقِيقَةَ في الإسلامِ، وأكَّد أمْرَهَا، وأخبرَ أنَّ الغُلامَ مُرتَهنٌ بها: نَهَاهُمْ أن يجعلوا على رأس الصبيِّ من الدَّمِ شيئًا،

стр. 152

وسنَّ لهم أن يجعلوا عليه شيئًا من الزَّعْفَرَانِ؛ لأنهم في الجاهليَّة إنَّما كانوا يلطِّخون رأسَ المولودِ بدم العَقِيقَةِ تبرُّكًا به، فإنَّ دمَ الذبيحةِ كان مباركًا عندهم، حتى كانوا يلطِّخون منه آلهتهم تعظيمًا لها وإكرامًا، فأُمِرُوا بترك ذلك، لما فيه من التشبُّه بالمشركين، وعُوِّضُوا عنه بما هو أنفع للأبَوَينِ وللمولودِ وللمساكين، وهو حَلْقُ رأسِ الطفل والتصدُّقُ بِزِنَةِ شعرِهِ ذهبًا أو فضةً. وسنَّ لهم أن يلطِّخوا الرأس بالزّعْفَران الطيِّبِ الرائحةِ، الحَسَنِ اللَّونِ، بدلاً عن الدَّم الخبيثِ الرائحة، النجسِ العينِ، والزَّعفرانُ من أطيبِ الطِّيب وألطفِه وأحسنِه لونًا. وكان حَلْقُ رأسه إماطةَ الأذى عنه، وإزالةَ الشَّعْرِ الضعيفِ، ليخلفه شَعْرٌ أقوى وأمْكَنُ منه، وأنفعُ للرأس، ومع ما فيه من التَّخفيف عن الصبيِّ، وفَتْحِ مَسَام الرّأسِ لِيَخْرجَ البخارُ منها بيُسرٍ وسهولةٍ، وفي ذلك تقويةُ بصرِه وشمِّه وسَمْعِهِ. وشُرِعَ في المذبوح عن الذَّكَرِ أن يكون شاتين، إظهارًا لشرفه، وإبانة (١) لمحلِّه الذي فضَّله الله به على الأُنثى، كما فضَّله في الميراث والدِّيَة والشَّهادةِ. وشُرع أن تكون الشَّاتان مُكَافِئَتَيْنِ (٢). قال أَحمد في رواية أبي داود: مُسْتَوِيَتَانِ أومُتَقارِبَتَان (٣). وقال في رواية الميموني: مِثْلانِ.

стр. 153

وفي رواية جعفر بن الحارث: تُشْبِهُ إحداهُما الأُخرى، لأنَّ كلَّ شاةٍ منهما لمَّا (١) كانت بَدَلًا وفداءً، وجعلت الشاتان مكافئتين في الحُسْنِ (٢) والسِّنّ، فجعلتا كالشَّاة الواحدة. والمعنى: أنَّ الفداء لو وقع بالشاةِ الواحدةِ، لكان ينبغي أن تكونَ فاضلةً كاملةً، فلما وقع بالشَّاتين لم يُؤْمَنْ أن يُتَجَوَّز في إحداهما، ويُهَوَّنَ أمرُها، إذْ كان قد حصلَ الفداءُ بالواحدةِ، والأخرى كأنها تتمةٌ غير مقصودةٍ، فشُرِعَ أن تكونَا مُتكافِئَتَينِ دفعًا لهذا التَّوَهُّمِ. وفي هذا تنبيهٌ على تهذيب العَقِيقَةِ من العيوبِ التي لا يصحُّ (٣) بها القُرْبَانُ من الأضاحي وغيرها، ومنها فَكُّ رِهَانِ المولُودِ، فإنَّه مُرْتَهَنٌ بعقيقتهِ، كما قال النبيُّ ﷺ . وقد اختُلِفَ في معنى هذا الحَبْسِ والارْتِهَانِ: فقالت طائفةٌ: هو محبوسٌ مرتهنٌ عن الشَّفاعة لوالدَيه، كما قال عطاء، وتبعه عليه الإمامُ أَحمد (٤).

стр. 154

وفيه نظرٌ لا يخفى، فإنَّ شفاعةَ الولدِ للوالد (١) ليستْ بأولى من العكس، وكونُه والدًا له، ليس بجهةٍ (٢) للشَّفاعةِ فيه، وكذا سائرُ القَراباتِ والأرْحَام، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان/ ٣٣]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة/ ٤٨]. وقال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة/ ٢٥٤]. فلا يشفع أحدٌ لأحدٍ يومَ القيامةِ، إلَّا مِنْ بعد أن يأذنَ اللهُ لمن يشاءُ ويَرْضَى، وإذْنُه ـ سبحانه ـ في الشَّفاعةِ موقوفٌ على عَمَلِ المشفُوعِ له مِنْ تَوْحيدِه وإخلاصِه. ومرتبةُ الشَّافع: مِن قُربِه عند الله، ومنزلتِه، ليست مستحقَّةً بقرابةٍ ولا بُنُوَّةٍ ولا أُبوَّة، وقد قال سيِّدُ الشُّفَعَاءِ وأَوْجَهُهُمْ عند الله لعمِّه وعَمَّته وابنتِه: "لا أُغنِي عنكم مِنَ الله شيئًا" (٣).

стр. 155

وفي رواية "لا أمْلِكُ لكُمْ مِنَ اللهِ شيئًا" (١). وقال في شفاعتِهِ العُظْمَى لَّما يسجدُ بين يدي ربِّه ويشفعُ: "فَيَحُدُّ لي حدًّا فأُدْخِلُهُمُ الجنَّة" (٢). فشفاعتُه في حدٍّ محدودٍ، يحدّهم اللهُ ـ سبحانه ـ له، لا تُجاوِزُهُمْ (٣) شَفَاعتُه. فمِنْ أينَ يُقال: إنَّ الولدَ يشفعُ لوالدِهِ، فإذا لم يَعُقَّ عنه، حُبِسَ عن الشَّفاعَةِ له؟ ولا يُقال لمن لم يشفع لغيره: إنَّه مُرْتَهَنٌ، ولا في اللفظ ما يدلُّ على ذلك. واللهُ ـ سبحانه ـ يخبر عن ارتهان العبد بكَسْبِهِ، كما قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر/ ٣٨]. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ [الأنعام/ ٧٠]. فالمرتَهنُ هو المحبوسُ، إمَّا بفعلٍ منه، أو فعلٍ من غيره، وأمَّا مَنْ لم يشفع لغيره، فلا يُقال له: مرتهنٌ على الإطلاق، بل المرتَهَنُ هو

стр. 156

المحبوسُ عن أمرٍ (١) كان بصدد نَيْلهِ وحصُولهِ، ولا يَلْزمُ من ذلك أن يكونَ بسببٍ منه، بل يحصل ذلك تارةً بفِعْلِهِ، وتارةً بفعلِ غيره. وقد جعل الله ـ سبحانه ـ النَّسِيكَةَ عن الولد سببًا لفكِّ رِهَانهِ من الشَّيطان الذي يَعْلَقُ به مِنْ حين خُروجِه إلى الدُّنيا وطَعن في خَاصِرَتِه (٢)، فكانت العَقِيقَةُ فداءً وتخليصًا له من حَبْسِ الشَّيطانِ لهُ وسَجْنِهِ في أسْرِهِ، ومَنْعِه له من سَعْيِه في مَصالحِ آخِرَتِه التي إليها مَعَادُه، فكأنَّه محبوسٌ لذَبْح الشّيطانِ له بالسّكينِ التي أعدَّها لأتباعِه وأَوْلِيَائِه، وأقسمَ لربِّه أنَّه لَيَسْتَأصِلَنَّ ذُرّيَّة آدمَ إلا قليلًا منهم، فهو بالمِرْصَادِ للمولودِ من حين يخرجُ إلى الدُّنيا، فحين يخرج يَبْتَدِرُهُ عدوُّه ويضمُّه إليه ويحرصُ على أن يجعلَه في قبضتِه وتحت أسْرِه (٣)، ومن جملةِ أوليائه وحِزْبِه، فهو أحرصُ شيءٍ على هذا. وأكثر المولُودينَ من أقْطَاعِهِ (٤) وجُنْدِه، كما قال تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء/ ٦٤].

стр. 157

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ/ ٢٠]. فكان المولودُ بصَددِ هذا الارتهانِ، فشرَعَ اللهُ ـ سبحانه ـ للوالِدَيْنِ أن يَفُكَّا رهانَه بذِبْحٍ يكون فِدَاهُ، فإذا لم يُذْبَحْ عنه بَقِيَ مُرْتهَنًا به، فلهذا قال النبيُّ ﷺ : "الغُلامُ مُرْتَهَنٌ بعَقِيقَتِه، فأَرِيْقُوا عنه الدَّمَ، وأمِيْطُوا عنهُ الأذَى" (١). فأَمَرَ بإراقَةِ الدَّم عنه، الذي يخلُصُ به منَ الارتهانِ، ولو كان الارتهانُ يتعلَّق بالأبوين لقال: فأريقُوا عنكم الدّمَ لتَخْلُصَ إليكم شفاعةُ أَولَادِكم. فلما أَمَر (٢) بإزالةِ الأذى الظَّاهرِ عنه، وإراقةِ الدَّم الذي يُزِيْل الأذى الباطنَ بارتهانِه: عُلِمَ أنَّ ذلك تخليصٌ للمولُودِ من الأذى الباطنِ والظاهرِ. واللهُ أعلم بِمُرادهِ ورسولُهُ.

стр. 158

الفصل الثاني عشر في استِحْبابِ طَبْخِها دُوْنَ إخراجِ لَحمِها نِيئًا قال الخَلّال في "جامعه": "باب ما يستحبُّ من ذبح العَقِيقَة": أَخْبَرنِي عبدُ الملكِ الميمونيُّ أنَّه قال لأَبي عَبدِ الله: العَقِيقَة تُطبخُ؟ قال: نعم (١). وأخبرني محمَّد بن علي، قال: حدّثنا الأَثْرَمُ أنَّ أبا عبد الله قال في العَقِيقَة: تُطبخ جُدُولًا (٢). وأخبرني أبو داود أنّه قال لأبي عبد الله: تُطبخ العَقِيْقَة؟ قال: نعم. قيل له: إنّه يشتدُّ عليهم طَبْخُهُ، قال: يَتَحَمَّلُونَ ذلكَ (٣). وأخبرني محمَّدُ بنُ الحُسَين (٤)، أنَّ الفضلَ بنَ زيادٍ حدَّثهم أنَّ أبا عبدِ الله قيل له في العَقِيقَة: تُطبخ بماءٍ ومِلْحٍ؟ قال يُستحبُّ ذلكَ، قيل له:

стр. 159

فإنْ طُبِختْ بشيءٍ آخَرَ؟ قال ما ضرَّ ذلكَ. وهذا لأنه إذا طبخها فقد كفى المساكين والجيران مؤنةَ الطبخِ (١)، وهو زيادةٌ في الإحسان، وشُكْرُ هذه النَّعمةِ، ويَتَمَتَّعُ الجيرانُ والأولادُ والمساكينُ بها هنيئةً مكفيَّةَ المؤنةِ، فإنَّ من أُهدي له لحمٌ مطبوخٌ مهيَّأٌ للأكلِ مطيَّبٌ، كان فرحُه وسرورُه به أتمَّ من فرحِه بلحمٍ نيءٍ يحتاج إلى كُلْفَةٍ وتَعَبٍ، فلهذا قال الإمام أَحْمَد: يتحمَّلون ذلك. وأيضًا: فإنَّ الأطعمةَ المعتادةَ التي تجري مَجْرى الشُّكْرانِ، كلُّها سبيلُها الطّبخُ (٢). ولها أسماء متعدِّدةٌ: - فالقِرَى: طعامُ الضِّيفَان. - والمَأْدُبةُ: طعامُ الدَّعوة. - والتُّحْفَةُ: طعام الزَّائرِ. - والوَلِيمَةُ: طعام العُرسِ. - والخُرْسُ: طعام الولادةِ. - والعَقِيقَةُ: الذبحُ عنه يوم حلقِ رأسه في السَّابع.

стр. 160

- والعَذِيْرَةُ: طعام الختانِ. - والوَضِيْمَةُ: طعام المأتمِ. - والنَّقِيْعَةُ: طعام القادم من سَفَرِه. - والوَكِيرَةُ: طعام الفراغِ من البناءِ (١). فكان الإطعامُ عند هذه الأشياءِ أحسنَ من تفريقِ اللَّحمِ، وأدْخَلَ في مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ والجُودِ. والله أعلم.

стр. 161

الفصل الثالث عشر في كَراهةِ كَسْرِ عِظامِها قال الخَلّال في "جامعه": "باب كراهة كَسْرِ عَظمِ العَقِيقَةِ وأنْ تُقطع آرابًا" (١). أخبرني عبدُ الملك بنُ عبدِ الحميد: أنَّه سمع أبا عبد الله يقول في العَقِيقَة: لا يُكسَرُ عظمُها، ولكنْ يُقطعُ كلُّ عظمٍ من مِفْصَلِه، فلا تُكْسَرُ العظامُ. أخبرنا عبد الله بن أَحْمَد، قال: قلتُ لأَبي: كيف يُصنع بالعَقِيقَة؟ قال: تُفْصَلُ أعضاؤها، ولا يُكْسَرُ لها عظمٌ (٢). ثم ذكر عن صَالحٍ، وحَنْبَل، والفَضْلِ بنِ زيادٍ، وأبي الحارث، وأبي طالب، أنَّ أبا عبد الله قال في العَقِيقَة: تُفصَل تفصيلًا، ولا يُكسَر لها عظمٌ، وتفصل جُدُولًا (٣). وقد ذكر أبو داود في "كتاب المراسيل" (٤): عن جعفر بنِ محمَّد

стр. 162

عن أبيه، أن النبيّ ﷺ قال في العَقِيقةِ التي عقَّتْها فاطمةُ عن الحَسنِ والحُسَين: "أن ابْعَثُوا إلى القَابِلَة منها برِجْلٍ، وكلُوا وأَطْعِمُوا ولا تَكْسِروا منها عظمًا". وذكر البَيْهَقِيُّ: من حديث عبد الوارث (١)، عن عامر الأَحْوَل، عن عطاء، عن أمِّ كُرْزٍ قالت: قال رسول الله ﷺ : "عن الغُلامِ شاتانِ مكافِئتانِ، وعن الجَارِيَة شاةٌ" (٢). وكان عطاء يقول: تقطع (٣) جُدُولًا، ولا يكسر لها عظم: أظنُّه قال: وتُطبخ (٤). ورواه ابن جُرَيْجٍ عن عَطاء وقال: تقطع آرابًا، وتُطبَخُ بماءٍ ومِلْحٍ، وتُهدَى في الجِيرانِ (٥). ورُوِيَ في ذلك عن جابرِ بنِ عبدِ الله قولَهُ، وعن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ.

стр. 163

فرَوَى ابن المُنْذِر، عن عطاءٍ، عن أبي كُرْزٍ وأمِّ كُرْزٍ، قالا: قالت امرأةٌ من أهل عبد الرَّحمن بن أبي بكر: لما ولدتْ امرأةُ عبدِ الرَّحمنِ، نَحَرْنَا جَزُورًا، فقالت عَائِشَةُ: لا، بلِ السنَّةُ شاتانِ مكافئتانِ، يُتَصَدَّق بهما عن الغُلامِ، وشاةٌ عن الجَارِيَة، تُطبَخُ ولا يُكْسَرُ لها عظمٌ، فتأكل وتطعم وتتصدَّق، ويكون ذلك في السَّابع، فإن لم يفعل، ففي الرابع عشر، فإن لم يفعل، ففي إحدى وعشرين (١). قال ابن المُنْذِر: وقال الشّافِعِيّ: العَقِيقَة سنَّة واجبةٌ، ويُتَّقى فيها من العيوب ما يُتَّقى في الضَّحايا، ولا يُباع لحمُها ولا إهَابُها، ولا يُكسر لها عظمٌ، ويأكل (٢) أهلُها منها، ويتصدَّقون (٣)، ولا يُمَسّ الصبيُّ بشيء من دَمِها (٤). قال أبُو عُمَر: وقولُ مالكٍ مثلُ قولِ الشّافِعِيّ، إلا أنه قال: يكسر عظامها ويطعم منها الجيران، ولا يُدعى الرجال كما يُفعل بالوليمةِ (٥).

стр. 164

قال: وقال ابنُ شِهَابٍ: لا بأسَ بِكَسْرِ عظامِها. وهو قولُ مالك (١). والذين رأوا أنه لا بأس (٢) بكسر عظامها، قالوا: لم يصحَّ في المنع من ذلك ولا في كراهته سنَّةٌ يجب المصير إليها، وقد جرت العادةُ بكسر عظامِ اللحمِ، وفي ذلك مصلحةُ أَكْلِهِ وتمام الانتفاع به، ولا مصلحةَ تمنعُ من ذلك. والذين كرهوا كسر عظامها: تمسَّكوا بالآثار التي ذكرناها عن الصحابةِ والتَّابعِينَ، وبالحديث المُرسَل الذي رواه أبو داود. وذكروا في ذلك وجوهًا من الحكمة: (أحدها): إظهارُ شرفِ هذا الإطعامِ وخطرِه إذْ كان يُقدَّم للآكلينَ ويُهْدَى إلى الجيران، ويُطعَم للمساكين، فاستحبَّ أن يكون قطعًا، كلُّ قطعة تامة في نفسها، لم يُكسر من عظامها شيء، ولا نقص العضو منها شيئًا، ولا ريب أن هذا أجلُّ موقعًا، وأدخلُ في باب الجود من القِطَع الصِّغار. (المعنى الثاني): أنَّ الهديةَ إذا شَرُفَت وخرجتْ عن حدِّ الحقارة، وقعتْ موقعًا حسنًا عند المُهْدَى إليه، ودلَّت على شرَف نفسِ المُهْدِي

стр. 165

وكِبَرِ همَّتِه، وكان في ذلك تفاؤلٌ بكِبَرِ نفسِ المولود، وعلوِّ همَّته وشرفِ نفسهِ. (المعنى الثالث): أنها لما جرتْ مجرى الفداءِ، استُحِبَّ أن لا تُكْسرَ عظامُها تفاؤلًا بسلامة أعضاء المولود وصحَّتِها وقوَّتها، وبما زال من عظام فدائِه من الكَسْر، وجرى كَسْرُ عظامِها عند مَنْ كرهه مجرى تسميتها عَقِيقَة، فهذه الكراهةُ في الكسر نظيرُ تلكَ الكراهةِ في الاسمِ، والله أعلم.

стр. 166

الفصل الرابع عشر في السِّنِّ المُجْزئ فيها قال الخَلّال في "الجامع": "باب ما يستحبُّ من الأسنان في العَقِيقة". ثم ذكر من مسائل أبي طالب، أنه سأل أبا عبد الله عن العَقِيقَة، تجزئ بِنَعْجَةٍ أو حَمَلٍ كبيرٍ؟ قال: فَحْلٌ خيرٌ، وقد روي "ذكرانًا أو إناثًا" (١)، فإن كانت نعجة، فلا بأسَ، قلتُ: فالحَمَلُ؟ قال: الأسنُّ خيرٌ. وفي قول النبيّ ﷺ : "من وُلِد له مولودٌ، فأحبَّ أن يَنْسُكَ عنه فلْيفعَلْ" كالدليل (٢) على أنه إنما يجزئ فيها ما يجزئ (٣) في النُّسُك سواها من الضحايا والهدايا. ولأنه ذَبحٌ مسنون، إمَّا وجوبًا وإمَّا استحبابًا، يجري مجرى الهَدْي والأُضْحِيَةِ في الصدقة، والهدية، والأكل، والتقرُّب إلى الله تعالى، فاعْتُبِرَ فيها السنُّ الذي يجزئ فيهما. ولأنه شُرِع بوصف التمام والكمال، ولهذا شُرع في حق الغُلام شاتان،

стр. 167

وشُرع أن تكونا مكافئتين لا تنقص إحداهما عن الأخرى، فاعتُبِر أن يكون سنُّهما سنَّ الذبائح المأمور بها، ولهذا جرت مجراها في عامة أحكامها. قال أبو عُمرَ بنُ عبد البَرِّ: "وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز في العَقِيقَة إلا ما يجوز في الضَّحايا من الأزواج الثمانيةِ، إلا من شذَّ ممَّن لا يُعَدُّ قولُه خلافًا. وأمَّا ما رواه مالكٌ في "الموطأ" عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ، عن محمَّدِ بنِ إبراهيمَ التَّيْمِيِّ أنَّه قالَ: سمعتُ أبي يقول: "تُسْتَحَبُّ العَقِيقَةُ ولَوْ بِعُصْفُورٍ" (١) فإنه كلامٌ خرجَ على التَّقليلِ والمبالَغَةِ، كقوله ﷺ لعُمَرَ ـ في الفَرَسِ ـ: "لا تأخذْهُ ولَو أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ" (٢) وكقوله في الجَارِيَة: "إذا زَنَتْ فَبِيعُوهَا ولَو بِضَفِيرٍ" (٣). وقال مالك: العقيقةُ بمنزلة النُّسُكِ والضَّحايا، ولَا يجوزُ فيها

стр. 168

عَوْرَاءُ، ولَا عَجْفاءُ، ولا مَكْسُورَةٌ ولا مريضةٌ، ولا يُباعُ من لحمِهَا شيءٌ ولَا جلدُهَا، ويُكْسَرُ عِظَامُهَا، ويَأكلُ أَهلُها منها، ويتصدَّقون" (١).

стр. 169

الفصل الخامس عشر أنَّه لا يَصحُّ الاشتراكُ فيها ولا يُجزئُ الرَّأس إلَّا عن رأسٍ هذا مما (١) تخالف فيه العَقِيقَةُ الهديَ والأضحيةَ. قال الخَلّالُ في "جامعه": "بابٌ: حُكْمُ الجَزُورِ عن سبعةٍ": أخبرني عبد الملك بنُ عبدِ الحميدِ أنَّه قال لأبي عبد الله: تَعُقُّ جزورًا (٢)؟ فقال: أليسَ قد عُقَّ بجَزُورٍ؟ قلت: يُعَقُّ بجزور عن سبعة؟ قال: لم أسمع في ذلك بشيء. ورأيته لا ينشط بجزور عن سبعة في العُقُوقِ. قلتُ: لما كانت هذه الذبيحةُ جاريةً مجرى فداءِ المولودِ، كان المشروعُ فيه دمًا كاملاً لتكون نفسٌ فداءَ نفسٍ. وأيضًا: فلو صحَّ فيها الاشتراكُ لمَا حصل المقصودُ من إراقةِ الدم عن الولدِ، فإنَّ إراقة الدم تقعُ عن واحدٍ، ويحصل لباقي الأولاد إخراجُ اللحمِ فقط، والمقصودُ نفسُ الإراقةِ عن الولد.

стр. 170

وهذا المعنى بعينه هو الذي لحظَه مَنْ منعَ الاشتراكَ في الهدي والأضحية (١). ولكنَّ سنَّةَ رسولِ اللهِ ﷺ أحقُّ وأَوْلَى أن تُتَّبَعَ، وهو الذي شرعَ الاشتراكَ في الهدايا، وشرعَ في العَقِيقَةِ عن الغُلام دَمَينِ مُسْتقِلَّينِ، لا يقوم مَقامَهُما جَزُورٌ ولا بَقَرةٌ. والله أعلم.

стр. 171

الفصل السَّادس عشر هل تُشرعُ العقيقةُ بغير الغَنم كالإبل والبقر أمْ لا؟ وقد اختلف الفقهاء: هل يقوم غير الغنم مقامَها في العَقِيقَة؟ قال ابنُ المُنْذِر (١): "واختلفوا في العَقِيقَة بغير الغنم، فروينا عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنه كان يَعُقُّ عن ولدِه الجزورَ. وعن أبي بَكْرةَ أنه نَحَرَ عن وَلده عبدِ الرَّحمن جَزُورًا، فأطْعمَ أهْلَ البَصْرةِ". ثم ساقَ عنِ الحَسَنِ، قال: كان أنسُ بنُ مالكٍ يَعُقُّ عن ولدِه الجَزُورَ. ثم ذكرَ مِن حَديثِ يحيى بنِ يحيى: أنبأنا هُشَيمٌ عن عُيَينَةَ بنِ عبدِالرَّحمن، عن أبيه، أن أبا بكرةَ وُلِدَ له ابنُه عبدُ الرَّحمنِ، وكانَ أوَّلَ مولودٍ وُلِدَ في البَّصرة، فَنَحَرَ عنهُ جَزُورًا فأطْعمَ أهلَ البصرةِ (٢). وأنكر بعضهم ذلك، وقال: أمرَ رسولُ الله ﷺ بشاتين عن الغُلام، وعن الجارِية بشاة، ولا يجوز أن يُعَقَّ بغير ذلك.

стр. 172

روِّينا عن يوسف بن مَاهكٍ، أنَّه دخل مع ابنِ أَبي مُلَيكَةَ على حفصةَ بنتِ عبد الرَّحمنِ بنِ أبي بكر (١) ـ ووَلدَتْ للمُنْذِرِ بنِ الزُّبَير غُلامًا ـ فقلتُ: هلَّا عقَّيتِ جزورًا؟ فقالتْ: معاذَ الله، كانت عمَّتي تقول: عن الغُلام شاتان، وعن الجَارِيَة شاةٌ (٢). وقال مالكٌ: الضأن في العَقِيْقَة أحبُّ إليَّ من البقر، والغنمُ أحبُّ إليَّ من الإبل، والبقرُ والإبل في الهدي أحبُّ إلي من الغنم، والإبل في الهدي أحبُّ إليَّ من البقر (٣). قال ابن المُنْذِر (٤): ولعلَّ حجةَ مَنْ رأى أن العَقِيقَةِ تُجزِئ بالإبل والبقر، قولُ النبيّ ﷺ : "مع الغُلام عَقِيقتُهُ، فأهْرِيْقُوا عنهُ دمًا" ولم يذكر دمًا دونَ (٥) دمٍ، فما ذُبِحَ عنِ المولودِ على ظاهرِ هذا الخَبَرِ يُجزئُ. قال: ويجوز أن يقول قائلٌ: إنَّ هذا مُجمَلٌ، وقولُ النبيِّ ﷺ : "عن الغُلامِ شاتانِ وعنِ الجَارِيَةِ شاةٌ" مفسَّرٌ، والمفَّسرُ أَوْلَى مِنَ المُجمَل.

стр. 173

الفصل السَّابع عشر في بيانِ مَصْرِفِها قال الخَلّال في "جامعه" في "باب ذكر ما يتصدَّق به من العقيقة ويُهدي": أخبرنا عبد الله بن أحمَد، أنَّ أباه قال: العقيقة تُؤكل ويُهدَى منها (١). أخبرني عِصْمَةُ بنُ عصامٍ، حدّثنا حَنبل، قال: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن العقيقة كيف يُصنعُ بها؟ قال: كيفَ شِئْتَ. قال: وكان ابنُ سِيرِينَ يقول: اصنعْ ما شئتَ. قيل له: يأكلُها أهلُها؟ قال: نعم. ولا تُؤكلُ كلُّها، ولكن يأكلُ ويُطعِم (٢). وكذلك قال في رواية الأثرَمِ (٣). وقال في رواية أبي الحارث وصالح ابنه: يأكل ويطعم جيرانه (٤).

стр. 174

وقال له ابنُه عبدُ الله: كم يَقْسِمُ مِنَ العقيقة؟ قالَ: ما أحبَّ (١). وقال المَيمُونيُّ: سألتُ أبا عبد الله: يُؤكَلُ من العقيقة؟ قال: نعم، يُؤكلُ منها. قلت: كم؟ قال: لا أدري، أمَّا الأضاحي، فحديثُ ابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ. ثم قال لي: ولكنَّ العقِيقةَ يُؤكَلُ منها. قلت: يشبهها في أكل الأضحيةِ؟ قال: نعم يُؤْكَلُ منها. وقال الميمونيُّ: قال أبو عبدِ الله: يُهْدِي ثلُثَ الأُضْحِيَةِ إلى الجيرانِ، قلتُ: الفقراءُ من الجيرانِ؟ قال: بلى فقراءُ الجيرانِ. قال تُشَبِّهُ العقيقهَ به؟ قال: نعم، من شبَّهه به فَليسَ ببعيدٍ. قال الخَلّال: أخبرني محمَّد بن علي، حدّثنا الأَثْرَم، أن أبا عبد الله قيل له في العقيقة: يدَّخرُ منها مِثْل الأَضاحِي؟ قال: لا أدري. أخبرني منصور أنَّ جعفرًا حدَّثهم قال: سمعتُ أبا عبد الله يُسأل عن العَقِيقَة، قيل: يبعثُ منها إلى القابلةِ بشيء؟ أُراه قال: نعم. وأخبرني عبد الملك، أنه سمع أبا عبد الله يقول: ويُهدِي إلى القابلة

стр. 175

منها، يُحْكَى (١) أنه أهدى إلى القابلةِ حين عقَّ عن الحُسَيْن ـ يعني عن النبيّ ﷺ ـ. قال الخَلّال: أخبرنا محمَّدُ بنُ أَحْمَدَ، قال: حدّثني أبي، حدّثنا حَفْصُ بنُ غياثٍ، حدّثنا جعفرُ بنُ محمَّدٍ، عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ أمَرَهُمْ: أنْ يَبْعَثُوا إلى القَابِلَةِ برِجْلٍ من العَقِيقَة. ورواه البَيْهَقِيُّ من حديث حسينِ بنِ زيدٍ، عن جعفر بنِ محمَّدٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ، أنَّ رسول الله ﷺ أمرَ فاطمةَ، فقال: زِنِي شَعْرَ الحُسَينِ وتَصَدَّقِي بوزنهِ فِضَّةً، وأَعْطِي القَابِلَةَ رِجْلَ العَقِيقَةِ (٢). وروى الحُمَيديّ عن حسين بن زيد (٣)، عن جعفرِ بنِ محمَّدٍ عن أبيه، أنَّ عليًّا أعطى القابلةَ رِجْلَ العقيقةِ (٤). واختُلِفَ هل يُدْعَى إليها النَّاسُ كما يُفْعلُ بالولِيمةِ، أو يُهدِي ولا يَدعُو النَّاسَ إليها؟ فقال أبُو عُمَرَ بنُ عبدِ البَرِّ: "قولُ مالكٍ: إنَّه يكسر عظامَها ويُطعِم

стр. 176

منها الجيرانَ، ولا يُدْعَى الرِّجالُ كما يُفعل بالوليمة، ولا أعرف غيره كَرِهَ ذلك" (١)، والله أعلم.

стр. 177

الفصل الثامن عشر في حُكمِ اجتماعِ العقيقةِ والأُضحيةِ قال الخَلّال: "باب ما روي أنَّ الأضحية تجزئ عن العقيقةِ". أخبرنا عبد الملك الميموني، أنه قال لأبي عبد الله: يجوز أن يُضحّى عن الصبيِّ مكانَ العقيقةِ؟ قال: لا أدري، ثم قال: غيرُ واحدٍ يقول به. قلت: من التَّابعِين؟ قال: نعم. وأخبرني عبد الملك في موضعٍ آخرَ، قال: ذكر أبو عبد الله أنَّ بعضهم قال: فإنْ ضحَّى أجزأَ عن العقيقةِ. وأخبرنا عِصْمَةُ بنُ عِصَامٍ، حدّثنا حَنْبَل: أن أبا عبد الله قال: أرجو أن تجزئ الأضحية عن العقيقةِ ـ إن شاء الله تعالى ـ لمن لم يَعقَّ. وأخبرني عصمةُ بن عصامٍ في موضعٍ آخرَ، قال: حدّثنا حَنْبَل: أن أبا عبد الله قال: فإن ضحَّى عنه أجزأتْ عنه الضحيَّةُ عن العُقُوقِ. قال: ورأيت أبا عبد الله اشترى أضحيةً ذبحها عنه وعن أهله، وكان ابنُه عبدُ اللهِ صغيرًا فذبحها ـ أُرَاهُ أراد بذلك العقيقةَ والأضحيةَ ـ وقَسَم اللحمَ وأكلَ منها. أخبرنا عبد الله بن أَحْمَد قال (١): سألت أبي عن العقيقةِ يومَ

стр. 178

الأَضْحَى: تجزئ أن تكونَ أُضحيةً وعَقيقةً؟ قال: إمَّا أضحيةً، وإما عقيقةً، على ما سمَّى (١). وهذا يقتضي ثلاث روايات عن أبي عبد الله: إحداها: إجزاؤها عنهما. والثانية: وقوعها عن أحدهما. والثالثة: التوقُّف (٢). ووجه عدم وقوعها عنهما: أنهما ذَبْحَانِ بسببَينِ مختلفَين، فلا يقوم الذَّبحُ الواحدُ عنهما، كدم المُتْعةِ، ودمِ الفِدْيَةِ. ووجه الإجزاء: حصولُ المقصودِ منها بذبحٍ واحدٍ، فإنَّ الأضحيةَ عن المولودِ مشروعةٌ كالعقيقةِ عنه، فإذا ضحَّى ونَوَى أن تكون عقيقةً وأضحيةً وقعَ ذلكَ عنهما، كما لو صلَّى ركعتين ينوي بهما تحيةَ المسجدِ وسنةَ المكتوبةِ، أو صلَّى بعدَ الطوافِ فرضًا أو سنَّةَ مكتوبةٍ، وقع عنه وعن ركعتي الطواف، وكذلك لو ذبحَ المتمتِّعُ والقَارِنُ شاةً يومَ النحرِ أجزأهُ عن دمِ المتعةِ وعن الأضحيةِ، والله أعلم.

стр. 179

الفصل التاسع عشر في حُكمِ من لم يَعُقَّ عنه أبواه هَلْ يَعُقُّ عن نفسهِ إذا بَلغَ (١)؟ قال الخَلّال: "باب ما يستحب لمن لم يُعَقَّ عنه صغيرًا أن يَعُقَّ عن نفسه كبيرًا" ثم ذكر من مسائل إسماعيلَ بنِ سعيدِ الشَّالَنْجِيِّ، قال: سألت أَحمد عن الرجل يخبرُه والدُه أنه لم يَعُقَّ عنه، هل يَعُقُّ عن نفسه؟ قال: ذلك على الأب (٢). ومن مسائل المَيمُونِيِّ، قال: قلت لأبي عبد الله: إن لم يَعُقَّ عنه صغيرًا، يَعقَّ عنه كبيرًا؟ فذكر شيئًا يروى عن الكبير ضعَّفه، ورأيته يستحسن إن لم يَعُقَّ عنه صغيرًا أن يَعقَّ عنه كبيرًا، وقال: إن فعلَه إنسانٌ لم أكرهْهُ. قال: وأخبرني عبد الملك في موضعٍ آخرَ، أنه قال لأبي عبد الله: فيَعقُّ عنه كبيرًا؟ قال: لم أسمع في الكبير شيئًا. قلت: أبوه كان معسرًا ثم أَيْسَرَ فأراد أن لا يدع ابنَه حتى يَعُقَّ عنه، قال: لا أدري، ولم أسمع في الكبير شيئًا. ثم قال لي: ومن فَعَله فَحَسنٌ، ومِن النَّاس مَن يُوجِبُه.

стр. 180

قال الخَلّال: أخبرني أبو المثنَّى العَنْبَرِيُّ، أنَّ أبا داود حدَّثهم، قال: سمعت أَحْمَد يحدِّث بحديث الهيثم بن جميل، عن عبد الله بن المُثَنَّى، عن ثُمَامَةَ، عن أنسٍ، أن النبيَّ ﷺ عقَّ عن نفسهِ (١). قال أَحمد: عبدُ الله بنُ المحرَّر عن قَتادَة عن أنس "أن النبيَّ ﷺ عقَّ عن نَفْسِه" مُنْكَرٌ، وضعَّفَ عبدَ الله بنَ محرّرٍ (٢). قال الخَلّال: أنبأنا محمَّد بن عَوف الحِمْصِيّ، حدّثنا الهيثم بن جميل، حدّثنا عبد الله بن المثنَّى، عن رجل من آل أنس، أنَّ النبيَّ ﷺ عقَّ عن نفسه بعد ما جاءته النبوَّةُ (٣). وفي "مصنف عبد الرزَّاق": أنبأنا عبد الله بن محرّر عن قتادةَ عن أنس، أن النبيّ ﷺ عقَّ عن نفسه بعد النبوَّة. قال عبد الرزَّاق: إنما تركوا ابنَ محرّر (٤) لهذا الحديث (٥).
следующие страницы →