стр. 176
← Фикховые вопросы следующие страницы →
Фикховые вопросы · id 229
تحفة المودود بأحكام المولود - ط عطاءات العلم
ابن القيم
Полный текст (505 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 177
الفصل الثامن عشر
في حُكمِ اجتماعِ العقيقةِ والأُضحيةِ
قال الخَلّال: "باب ما روي أنَّ الأضحية تجزئ عن العقيقةِ".
أخبرنا عبد الملك الميموني، أنه قال لأبي عبد الله: يجوز أن يُضحّى عن الصبيِّ مكانَ العقيقةِ؟ قال: لا أدري، ثم قال: غيرُ واحدٍ يقول به. قلت: من التَّابعِين؟ قال: نعم.
وأخبرني عبد الملك في موضعٍ آخرَ، قال: ذكر أبو عبد الله أنَّ بعضهم قال: فإنْ ضحَّى أجزأَ عن العقيقةِ.
وأخبرنا عِصْمَةُ بنُ عِصَامٍ، حدّثنا حَنْبَل: أن أبا عبد الله قال: أرجو أن تجزئ الأضحية عن العقيقةِ ـ إن شاء الله تعالى ـ لمن لم يَعقَّ.
وأخبرني عصمةُ بن عصامٍ في موضعٍ آخرَ، قال: حدّثنا حَنْبَل: أن أبا عبد الله قال: فإن ضحَّى عنه أجزأتْ عنه الضحيَّةُ عن العُقُوقِ.
قال: ورأيت أبا عبد الله اشترى أضحيةً ذبحها عنه وعن أهله، وكان ابنُه عبدُ اللهِ صغيرًا فذبحها ـ أُرَاهُ أراد بذلك العقيقةَ والأضحيةَ ـ وقَسَم اللحمَ وأكلَ منها.
أخبرنا عبد الله بن أَحْمَد قال (١): سألت أبي عن العقيقةِ يومَ
стр. 178
الأَضْحَى: تجزئ أن تكونَ أُضحيةً وعَقيقةً؟ قال: إمَّا أضحيةً، وإما عقيقةً، على ما سمَّى (١).
وهذا يقتضي ثلاث روايات عن أبي عبد الله:
إحداها: إجزاؤها عنهما.
والثانية: وقوعها عن أحدهما.
والثالثة: التوقُّف (٢).
ووجه عدم وقوعها عنهما: أنهما ذَبْحَانِ بسببَينِ مختلفَين، فلا يقوم الذَّبحُ الواحدُ عنهما، كدم المُتْعةِ، ودمِ الفِدْيَةِ.
ووجه الإجزاء: حصولُ المقصودِ منها بذبحٍ واحدٍ، فإنَّ الأضحيةَ عن المولودِ مشروعةٌ كالعقيقةِ عنه، فإذا ضحَّى ونَوَى أن تكون عقيقةً وأضحيةً وقعَ ذلكَ عنهما، كما لو صلَّى ركعتين ينوي بهما تحيةَ المسجدِ وسنةَ المكتوبةِ، أو صلَّى بعدَ الطوافِ فرضًا أو سنَّةَ مكتوبةٍ، وقع عنه وعن ركعتي الطواف، وكذلك لو ذبحَ المتمتِّعُ والقَارِنُ شاةً يومَ النحرِ أجزأهُ عن دمِ المتعةِ وعن الأضحيةِ، والله أعلم.
стр. 179
الفصل التاسع عشر
في حُكمِ من لم يَعُقَّ عنه أبواه هَلْ يَعُقُّ عن نفسهِ إذا بَلغَ (١)؟
قال الخَلّال: "باب ما يستحب لمن لم يُعَقَّ عنه صغيرًا أن يَعُقَّ عن نفسه كبيرًا" ثم ذكر من مسائل إسماعيلَ بنِ سعيدِ الشَّالَنْجِيِّ، قال: سألت أَحمد عن الرجل يخبرُه والدُه أنه لم يَعُقَّ عنه، هل يَعُقُّ عن نفسه؟ قال: ذلك على الأب (٢).
ومن مسائل المَيمُونِيِّ، قال: قلت لأبي عبد الله: إن لم يَعُقَّ عنه صغيرًا، يَعقَّ عنه كبيرًا؟ فذكر شيئًا يروى عن الكبير ضعَّفه، ورأيته يستحسن إن لم يَعُقَّ عنه صغيرًا أن يَعقَّ عنه كبيرًا، وقال: إن فعلَه إنسانٌ لم أكرهْهُ.
قال: وأخبرني عبد الملك في موضعٍ آخرَ، أنه قال لأبي عبد الله: فيَعقُّ عنه كبيرًا؟ قال: لم أسمع في الكبير شيئًا. قلت: أبوه كان معسرًا ثم أَيْسَرَ فأراد أن لا يدع ابنَه حتى يَعُقَّ عنه، قال: لا أدري، ولم أسمع في الكبير شيئًا. ثم قال لي: ومن فَعَله فَحَسنٌ، ومِن النَّاس مَن يُوجِبُه.
стр. 180
قال الخَلّال: أخبرني أبو المثنَّى العَنْبَرِيُّ، أنَّ أبا داود حدَّثهم، قال: سمعت أَحْمَد يحدِّث بحديث الهيثم بن جميل، عن عبد الله بن المُثَنَّى، عن ثُمَامَةَ، عن أنسٍ، أن النبيَّ ﷺ عقَّ عن نفسهِ (١).
قال أَحمد: عبدُ الله بنُ المحرَّر عن قَتادَة عن أنس "أن النبيَّ ﷺ عقَّ عن نَفْسِه" مُنْكَرٌ، وضعَّفَ عبدَ الله بنَ محرّرٍ (٢).
قال الخَلّال: أنبأنا محمَّد بن عَوف الحِمْصِيّ، حدّثنا الهيثم بن جميل، حدّثنا عبد الله بن المثنَّى، عن رجل من آل أنس، أنَّ النبيَّ ﷺ عقَّ عن نفسه بعد ما جاءته النبوَّةُ (٣).
وفي "مصنف عبد الرزَّاق": أنبأنا عبد الله بن محرّر عن قتادةَ عن أنس، أن النبيّ ﷺ عقَّ عن نفسه بعد النبوَّة. قال عبد الرزَّاق: إنما تركوا ابنَ محرّر (٤) لهذا الحديث (٥).
стр. 181
الفصل العشرون
في حُكمِ جلدِها وسَواقطِها
قال الخَلّال: أخبرني عبد الملك المَيمُونِيُّ، أن أبا عبد الله قال له إنسان في العقيقة: الجلدُ والرأسُ والسَّقَطُ يُباع ويُتَصَدَّقُ به؟ قال: يُتَصَدَّقُ به (١).
وقال عبد الله بن أَحْمَد: حدّثنا أبي، حدّثنا يزيد، حدّثنا (٢) هشام، عن الحَسَنِ، أنه قال: يُكرَه (٣) أن يُعطي جلد العَقِيقَةِ والأُضحيةِ على أن
стр. 182
يعمل به (١).
قلت: معناه: يكره أن يعطى في أُجرة الجازر والطبَّاخ.
وقد تقدم قوله في رواية حَنْبَل: اصنع بها ما شئت، وقوله في رواية عبد الله: يقسم منها ما أحبَّ (٢).
وقال أبو عبد الله بن حمدان في "رعايته" (٣): ويجوز بيعُ جُلُودِها وسَواقِطِهَا ورأسِها، والصدقةُ بثمن ذلك. نصَّ عليه.
وقيل: يحرم البيع ولا يصحُّ (٤).
وقيل: يُنقَل حُكمُ الأُضحيةِ إلى العقيقةِ وعكسهُ، فيكونُ فيهما روايتانِ بالنَّقْلِ والتَّخْريج، والتَّفرقةُ أشهرُ وأَظهرُ.
قلت: النصُّ الذي ذَكرَهُ هو ما ذكرناه من مسائل الميمُونيِّ، وهو مُحْتَمِلٌ لما ذكره، ومحتمل (٥) لعكسه: أنَّه يتصدَّق به دونَ ثَمَنِه، فتأمَّلْهُ! إلا أنْ يكونَ عنه نصٌّ آخرُ صريحٌ بالبيعِ.
стр. 183
وقد قال في رواية جعفرِ بنِ محمَّدٍ ـ وقد سُئلَ عن جلد البقرة في الأُضحية؟ ـ فقال: قد رُوي عن ابن عمرَ أنه قال: يبيعُه ويتصدَّقُ به. وهو مخالفٌ لجِلْدِ الشَّاةِ، فيُتَّخَذُ منه مُصَلًّى، وهذا لا ينتفعُ به في البيت. قال: إنَّ جلدَ البقرةِ يَبْلُغُ كَذَا.
قال الخَلّال: وأخبرني عبدُ الملك بن عبدِ الحميدِ، أنَّ أبا عبدِ الله قال: إنَّ ابنَ عمرَ باعَ جِلْدَ بقرةٍ وتصدَّق بثمنهِ. قال: وهذا لا يُباعُ، لأنَّ جلد البعيرِ والبقرةِ لا يَنْتَفِعُ به أحدٌ، يتَّخذُهُ في البيتِ يجلسُ عليه (١)، ولا يصلُحُ هاهنا لشيء (٢)، إنَّما يُباعُ ويُتَصدَّقُ بثمنِه، وجِلْدُ الشاةِ يُتّخذُ لِضرُوبٍ (٣).
وقال الأثرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ الله ـ وذكر قولَ ابنِ عمرَ أنه كان يقول في جِلْدِ البقرةِ: يُباع ويُتصدَّق به ـ وكأنَّه يذهبُ إلى أنَّ ثمنَهُ كثيرٌ.
وقال أبو الحارث: سُئلَ أبو عبد الله عن جلد البقرة إذا ضحَّى بها، فقال: ابنُ عمرَ يُروَى عنه أنّه يبيعُه ويتصدَّقُ به.
وقال إسْحَاق بنُ منصور (٤): قلتُ لأبي عبدِ الله: جلودُ الأضَاحِي ما
стр. 184
يُصْنَعُ بها؟ قال: ينتفعُ بها ويتصدَّقُ بثمنها، قلت: تُباعُ ويُتصدَّقُ بثمنِهَا؟ قال: نعم، حديثُ ابنِ عُمرَ.
وقال المَرْوَزِيُّ: مذهبُ أبي عبد الله لا تُباع (١) جُلودُ الأضَاحي، وأن يتصدق بها (٢)، واحتج بحديث النبيِّ ﷺ أنه أَمَرَ أن يُتَصَدَّقَ بجلودِها وأَجِلَّتِها (٣).
وقال: وفي رواية حَنْبَل لا بأس أن يتخذ من جلود الأُضحية وطاءً يَقعُد عليه، ولا يُباع إلا أن يتصدَّق به؟ فقال: لا، ينتفع بجلود الأضاحي. قيل له: يأخذه لنفسه ينتفع به؟ قال: ما كان واجبًا، أو كان عليه نذرًا، وما أشبه هذا، فإنه يبيعه ويتصدق بثمنه، وما كان تطوعًا، فإنه ينتفع به في منزله إن شاء.
قال: وقال في رواية جعفر بن محمَّد: يتصدَّق بجلد الأُضحية ويتخذ منه في البيت إهابًا، ولا يبيعُه.
وفي رواية أبي الحارث: يتصدق به ويتخذ منه إهابًا أو مصلًّى في البيت.
стр. 185
وفي رواية ابن منصور (١): يتصدَّق بجلودها، وينتفعُ بها، ولا يبيعُها.
وفي رواية الميموني: لا يباعُ، ويتصدَّق به. قالوا له: فيبيعه ويتصدق بثمنه (٢)؟ قال: لا، يتصدق به كما هو.
وقال أَحْمَد بنُ القَاسِمِ: إنَّ أبا عبد الله قال في جِلْد الأُضحيَةِ: يستحبُّ أن يكون ثمنها في المُنْخُلِ (٣)، أو الشيءِ مما يُستعمَل في البيت، ولا يُعطى الجزَّار.
قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن جلود الأضاحي؟ قال: الشَّعبيُّ وإبراهيمُ يقولان: لا، يبتاع به غربال، أو مُنْخُلٌ. قال: يقولون: يُبتاعُ بالجِلد غربالٌ أو مُنخُل ولا يبيعه ويشتري به. قلت: يعاوض (٤) به؟ قال: نعم. قلت: يعجبك هذا؟ قال: إنما يجعله لله ولا يبيعه، لأن النبيّ ﷺ أمر عليًّا أن يتصدق بالجلال والجلود. قلت: فيعطى الذي يذبح؟ قال: لا، قلت: أبيعه وأتصدَّق به؟ قال: لا، كان ابن عمر يدفعه إليهم فيبيعونه لأنفسهم. قلت: أبيعه بثلاثة دراهم وأُعطيه ثلاثةَ مساكين؟
стр. 186
قال: اجْمَعْهُمْ وادْفَعْهُ إليهم.
قال: وكان مسروقٌ وعَلْقمةُ يتَّخذونه مُصلًّى أو شيئًا في البيت، هذا أرخص ما يكون فيه أن يتَّخذه في بيته.
وقال حربٌ (١): قلت لأحمدَ: رجلٌ أخذ جلد أُضحية فقوَّمه وتصدَّق بثمنه، وحَبَسَ الجِلْد، قال: لا بأس أن يبيع جلد الأُضحية.
ثم قال الخَلّال: "باب استحبابه لبيع جلد البقرة ويتصدق بثمنه": أخبرني منصور بن الوليد، أن جعفر بن محمَّد حدثهم، أن أبا عبد الله، قيل له: جلد البقرة؟ قال: قد روي عن ابن عمر أنه قال: يبيعه ويتصدق به، وهو مخالف لجلد الشاة، يتخذ منه مُصلًّى، وهذا لا ينتفع به في البيت، قال: إن جلد البقرة يبلغ كذا.
وقال أبو الحارث: إن أبا عبد الله سئل عن جلد البقرة إذا ضحَّى بها؟ فقال: ابنُ عمرَ يُروى عنه أنه قال: يبيعُه ويتصدَّقُ به.
وقال مُهَنَّا: سألت أَحْمَد عن الرجل يشتري البقرة يُضحِّي بها، يبيعُ جِلْدَهَا بعشرينَ درهمًا وأكثرَ من عشرينَ، فيشتري بثمن الجِلْدِ أُضحيةً يضحِّي بها، ما ترى في ذلك؟ فقال: يُروَى فيه عن ابنِ عمرَ مِثلُ هذا.
стр. 187
стр. 188
الفصل الحادي والعشرون
فيما يُقال عند ذَبحِها
قال ابن المُنْذِر: "ذكر تسمية من يعُقُّ عنه": حدّثنا عبد الله بن محمَّد، حدّثنا أبي، حدّثنا هشام عن ابن جُرَيْج، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ، قالت: قال النبيّ ﷺ : "اذْبحُوا عَلى اسْمِه فقولُوا: بَسْمِ الله، اللهمَّ لك، وإليك، هذه عقيقةُ فلانٍ" (١).
قال ابن المنذرِ: وهذا حسنٌ. وإن نوى العقيقةَ ولم يتكلم به أجزأه، إن شاء الله (٢).
وقال الخَلّال: "باب ما يقال عند ذبح العقيقة": أخبرني أَحمد بنُ محمَّدِ بنِ مَطَر، وزكريا بنُ يحيى، أنَّ أبا طالب حدَّثهم، أنه سأل أبا
стр. 189
عبدالله: إذا أراد الرجلُ أن يَعُقَّ كيف يقول؟ قال: يقول: بسم الله. ويذبح على النيَّة كما يضحِّي بنيَّته، يقول: هذه عقيقةُ فلانٍ بنِ فلانٍ.
وظاهر هذا: أنه اعتبر النيَّة واللفظ جميعًا، كما يلبِّي ويُحْرِمُ عن غيره بالنيَّة واللفظِ، فيقول: لبَّيْكَ اللهمَّ عن فلان، أو إحْرَامِي عن فلان.
ويؤخذ من هذا: أنه إذا أهدى له ثواب عمل، أن ينويه عنه، ويقول: اللهم هذا عن فلان، أو اجعل ثوابه لفلان.
وقد قال بعضهم: ينبغي أن يعلقه بالشرط فيقول: اللهمَّ إن كنتَ قَبِلْتَ منِّي هذا العملَ، فاجعلْ ثوابَه لفلانٍ؛ لأنه (١) لا يَدري أقُبِلَ منه أم لا؟
وهذا لا حاجة إليه، والحديثُ يردُّه، فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يقل لمن سمعه يلبِّي عن شُبْرُمَةَ: قل: اللهمَّ إن كنت قبلت إحرامي فاجعله عن شُبْرُمَة (٢)، ولا قال لأحدٍ ممَّن سأله أن يحجَّ عن قريبه ذلك، ولا في حديث واحدٍ ألبتةَ، وهَديُه أَوْلَى ما اتُّبِعَ.
ولا يُحفظ عن أحدٍ من السَّلَف ألبتة أنه علَّق الإهداءَ والضحيَّةَ
стр. 190
والعَقِيْقَةَ عن الغير بالشَّرْط. بل المنقولُ عنهم: اللهمَّ هذا عن فلان ابنِ فلانٍ. وهذا كافٍ، فإن الله سبحانه إنما يُوصِل إليه ما قَبِلَهُ من العمل، شَرَطَهُ المُهْدِي أو لم يَشْرُطْهُ. والله أعلم.
стр. 191
الفصل الثاني والعشرون
في حُكم اختصاصها بالأسابيعِ
ها هنا أربعةُ أمورٍ تتعلَّقُ بالأسابيعِ (١): عقيقتُه، وحَلْقُ رأسِهِ، وتسميتُهُ، وخِتَانُه.
فالأوَّلان مستحبَّان في اليوم السَّابع اتفاقًا.
وأمَّا تسميتُه وختانُه (٢) فيه، فمختلَفٌ فيهما ــ كما سنذكره إن شاء الله تعالى ــ.
وقد تقدَّمتِ الآثارُ بذبحِ العقيقةِ يوم السَّابعِ (٣).
وحكمةُ هذا ـ والله أعلم ـ أنَّ الطفل حين يُولَد يكون أمْرُه متردِّدًا بين السلامة والعَطَب، ولا يُدْرَى هل هو من أهل الحياة أم لا، إلى أن تأتيَ عليه مدة يُستدلُّ بما يُشاهَدُ من أحواله فيها على سلامةِ بِنْيَتِهِ وصحَّةِ خِلْقَتِهِ، وأنّه قابلٌ للحياة، وجعل مقدار تلك المدة أيام الأسبوع، فإنه دورٌ يوميٌّ، كما أن السنَةَ دورٌ شهريٌّ.
стр. 192
هذا هو الزمان الذي قدَّره الله يوم خلقَ السماواتِ والأرضَ، وهو ــ سبحانه ــ خصَّ أيام تخليق العالم بستةِ أيامٍ، وكنَّى كلَّ يوم منها اسمًا يخصُّه به، وخصَّ كلَّ يوم منها بصنف من الخليقة أَوْجَدَهُ فيها، وجعل يومَ إكمالِ الخلق واجتماعِه ــ وهو يومُ اجتماع الخليقة ــ مَجْمعًا وعيدًا للمؤمنين، يجتمعون فيه لعبادته، وذِكْره، والثناءِ عليه، وتحميدِه وتمجيدِه، والتفرُّغِ من أشغال الدنيا لشُكْرِه، والإقبالِ على خدمته، وذكر ما كان في ذلك اليوم من المبدأ، وما يكونُ فيه من المَعاد، وهو اليومُ الذي استوى فيه الربُّ ﵎ على عرشه، واليومُ الذي خلق الله فيه أبانا آدم، واليومُ الذي أسكنه فيه الجنَّة، واليومُ الذي أخرجه فيه منها، واليومُ الذي ينقضي فيه أجلُ الدنيا، وتقوم الساعةُ، وفيه يجيء الله ، ويُحاسِب خَلْقَهُ، ويدخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم (١).
والمقصود: أن هذه الأيام أوَّل مراتب العمر، فإذا استكملها المولودُ، انتقل إلى المرتبة الثانية وهي الشُّهور، فإذا استكملها انتقل إلى الثالثة وهي السنين، فما نقص عن هذه الأيام، فغيرُ مستوفٍ للخليقة، وما زاد عليها فهو مكرَّر يُعاد عند ذكره اسمُ ما تقدَّم من عدده، فكانت الستةُ غايةً لتمام الخلْق، وجُمِعَ في آخر اليوم السَّادس منها، فجُعِلَت تسميةُ
стр. 193
المولود، وإماطةُ الأذى عنه، وفِدْيَتُه، وفكُّ رهانِه في اليومِ السَّابعِ، كما جعل الله سبحانه اليومَ السَّابعَ من الأسبوع عيدًا لهم، يجتمعون فيه مُظْهِرين (١) شُكْرَهُ وذِكْرَهُ، فَرِحينَ بما آتاهم الله من فضلِه، من تفضيلِه لهم على سائر الخلائقِ المخلوقةِ في الأيام قبلَه.
وأيضًا: فإنَّ الله سبحانه أجرى حكمته بتغيُّر حال العبد في كلِّ سبعة أيام وانتقالِهِ من حالٍ إلى حال، فكان السبعة طورًا من أطواره، وطَبَقًا من أطْبَاقهِ، ولهذا تجد المريضَ تتغيَّر أحواله في اليوم السَّابع ولا بدَّ، إمَّا إلى قوة، وإمَّا إلى انحطاط.
ولما اقتضت حكمته سبحانه ذلك، شرعَ لعباده كلَّ سبعةِ أيام يومًا يرغبون فيه إليه، يتضرَّعون إليه ويدعونه، فيكون ذلك مِنْ أَعْظَمِ الأسبابِ في صلاحِهم وفي معاشِهم ومَعَادِهم، ودفْعِ كثيرٍ من الشُّرور عنهم، فسبحانَ من بَهَرَتْ حكمتُه العقولَ في شَرْعه وخَلْقِه! والله أعلم.
стр. 194
الباب السَّابع
في حلقِ رأسهِ والتَّصدُّقِ بوزنِ شَعْره
قال أبو عُمَرَ بنُ عبدِ البَرِّ (١): أمَّا حلْقُ رأس الصبيِّ عند العقيقة، فإن العلماء كانوا يستحبُّون ذلك، وقد ثبت عن النبيّ ﷺ أنَّه قال في حديث العقيقة: "ويُحلَقُ رأسُه ويُسَمَّى".
وقال الخَلّال "في الجامع": "ذِكْرُ حلق رأسِ الصبيِّ والصدقة بوزن شَعْرِهِ": أخبرني محمّد بن عليٍّ، حدّثنا صالح، أنَّ أباه قال: يُستحبُّ أن يحلق يومَ سابعهِ (٢).
وروى الحَسَنُ عن سَمُرَةَ: عن النبيّ ﷺ : "يحلق رأسه".
ورَوَى سَلْمانُ بنُ عَامرٍ عن النبيِّ ﷺ : "أمِيطُوا عنه الأذَى" (٣).
قال: وسُئلَ الحَسَنُ عن قَولِه ﷺ : "أمِيطُوا عنه الأذى؟ " قال: يُحْلَقُ رأسُهُ.
وقال حَنبَل: سمعت أبا عبد الله يقول: يُحلقُ رأسُ الصبيِّ.
стр. 195
وقال الفضلُ بنُ زيادٍ: قلتُ لأبي عبد الله: يُحْلَقُ رأسُ الصبيِّ (١)؟ قال: نعم، قلت: فيُدَمَّى، قال: لا، هذا مِنْ فِعلِ الجاهليَّة.
وقال صالح بنُ أَحْمَد: قال أبي: ويقال إنَّ فاطمةَ ﵂ حلقتْ رأسَ الحَسَنِ والحُسَيْن، وتصدَّقتْ بوَزْنِ شَعْرِهِمَا وَرِقًا (٢).
وقال حَنْبَل سمعتُ أبا عبد الله قال: لا بأسَ أن يتصدَّق بوزنِ شَعْرِ الصبيِّ.
وقد روى مَالِكٌ في "مُوطَّئِهِ" عن جعفرِ بنِ محمَّدٍ، عن أبيهِ قالَ: وَزَنَتْ فاطمةُ شَعْرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وزَيْنَبَ وأُمِّ كُلْثُومٍ، فَتَصَدَّقَتْ بِزِنَةِ ذَلِكَ فِضّةً (٣).
وفي "الموطأ" أيضًا، عن ربيعةَ بنِ أَبي عبدِ الرَّحمنِ، عن محمَّدٍ بنِ عليٍّ بن الحسينٍ، أنه قالَ: وَزَنَتْ فاطمةُ بنتُ رسولِ الله ﷺ شَعْرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ، فتصدَّقتْ بِزِنَتِهِ فِضّةً (٤).
وقال يحيى بنُ بُكَيْر: حدّثنا ابنُ لَهِيْعَةَ، عن عُمَارَةَ بنِ غَزِيَّة، عن
стр. 196
رَبِيْعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمن، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أمرَ برأس الحَسَنِ والحُسَيْنِ، يومَ سابعِهما فحُلقا وتصدّق بوزنهِ فضةً (١).
وقال عبد الرزَّاق: أخبَرَنَا ابنُ جُرَيْجٍ، قال: سمعت محمَّدَ بنَ عليٍّ يقول: كانتْ فاطمةُ ابنة رسولِ الله ﷺ لا يُولَدُ لها ولدٌ إلَّا أَمَرَتْ بِحَلْقِ رَأْسِهِ (٢)، وتصدَّقَتْ بوَزْنِ شَعْرِه وَرِقًا (٣).
قال أبو عُمَرَ: قال عطاء: يبدأ بالحلق قبل الذبح (٤).
قلت: وكأنه ـ والله أعلم ـ قصد بذلك تمييزه عن مناسك الحاج، وأن لا يشبَّه به، فإنَّ السنَّة في حقِّه أن يقدِّم النَّحْرَ على الحَلْق، ولا أحفظُ عن غير عطاءٍ في ذلك شيئًا.
وقد ذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمَّد بن الحُسَيْن، عن عليٍّ، قال: عقَّ رسولُ الله ﷺ عن الحَسَنِ شاةً، وقال: "يا فاطمةُ! احْلِقِي رأسَهُ وتصدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً" فوَزَنَاهُ، فكان وزنهُ درهمًا أو بعضَ درهَمٍ (٥).
стр. 197
وقد ذكر البيهقِيُّ من حديث ابن عقيل، عن علي بن أبي الحُسَيْن، عن أبي رافع، أنَّ حسنًا حين وَلَدَتْهُ أمُّه، أرادت أن تَعقَّ عنه بكبشٍ عظيمٍ، فأتت النبيَّ ﷺ فقال: "لا تَعُقِّي عنه بشيءٍ، ولكنِ احْلِقِي شَعْرَ رأسِهِ، ثم تصدَّقِي بوزنه من الوَرِقِ في سبيل الله أو على ابن السبيل". وولدتِ الحُسَيْنَ من العام المقبل، فصنعتْ مثل ذلك (١).
قال البيهقيُّ (٢): إنْ صحَّ فكأنه أراد أن يتولى العقيقةَ عنهما بنفسه كما روينا.
فصل
ويتعلَّق بالحَلْقِ مسألةُ القَزَعِ، وهي: حَلْقُ بعضِ رأسِ الصبيِّ وتَرْكُ بعضِهِ. وقال (٣): وقد أخرجاه في "الصحيحين" من حديث عُبيدِ الله (٤) ابنِ عمرَ، عن عُمَرَ بن نافعٍ، عن أبيه، عن ابن عمرَ، قال: نهى رسولُ اللهِ ﷺ عنِ القَزَعِ (٥).
стр. 198
والقَزَعُ: أن يحلق بعض رأس الصبي ويدع بعضه (١).
قال شيخنا: وهذا من كمال محبة الله ورسوله للعدل، فإنه أمر به حتى في شأن الإنسان مع نفسه، فنهاه أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه (٢)، لأنَّه ظلمٌ للرأس حيث ترك بعضَه كاسيًا وبعضَه عاريًا.
ونظير هذا أنه نهى عن الجلوس بين الشمس والظل (٣) فإنه ظلم لبعض بدنه. ونظيره: نهى أن يمشيَ الرجلُ في نَعْلٍ واحدة، بل إمَّا أن يُنْعِلَهُمَا أو يُحْفِيَهُما (٤).
و القزع أربعة أنواع:
(أحدها): أن يحلق من رأسه مواضع من ها هنا وها هنا. مأخوذ من
стр. 199
تَقَزُّعِ السَّحاب وهو تَقَطُّعُه.
(الثاني): أن يحلق وسطه ويترك جوانبه، كما يفعله شَمَامِسَةُ النَّصارى.
(الثالث): أن يحلق جوانبه ويترك وسطه، كما يفعله كثير من الأوباش والسفل.
(الرابع): أن يحلق مقدّمه ويترك مؤخَّره، وهذا كلُّه من القَزَع. والله أعلم.
стр. 200
الباب الثامن
في ذِكْر تسميتهِ وأَحكَامِها ووقتِها
وفيه عشرة فصول:
الفصل الأول: في وقت التَّسمية.
الفصل الثاني: فيما يستحب من الأسماء، وما يحرم منها وما يكره.
الفصل الثالث: في استحباب تغيير الاسم إلى غيره لمصلحة.
الفصل الرابع: في جواز تكنية المولود بأبي فلان.
الفصل الخامس: في أن التسمية حق للأب دون الأم.
الفصل السَّادس: في الفرق بين الاسم والكنية واللقب.
الفصل السَّابع: في حكم التسمية باسم نبينا ﷺ والتكنِّي بكنيته إفرادًا وجمعًا، وذكر الأحاديث في ذلك.
الفصل الثامن: في جواز التسمية بأكثر من اسم واحد.
الفصل التاسع: في بيان ارتباط معنى الاسم بالمسمى والمناسبة التي بينهما.
الفصل العاشر: في بيان أن الخلق يُدعون يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم.
стр. 201
الفصل الأول
في وقتِ التَّسميةِ
قال الخَلّال في "جامعه": "باب ذكر تسمية الصبي": أخبرني عبدُالمَلِكِ بنُ عبدِ الحميدِ قال: تذاكرنا، لِكَمْ يُسمَّى (١) الصبيُّ؟
فقال لنا أبو عبد الله: أمَّا ثابتٌ فروى عن أنس: أنه كان يسمَّى ليلتَه (٢)، وأما سَمُرَةُ: فيسمَّى يوم السَّابع، يعني حديث سَمُرَة، فيقتضي التسمية يوم السَّابع.
أخبرني جعفر بن محمَّد، أن يَعقوب بن بُخْتَان حدَّثهم، أن أبا عبدالله قال: حديث أنس يسمَّى ليلتَه، وحديث سَمُرَة، قال: يسمَّى يوم سابعه. وذكر حديث سَمُرَة.
حدّثنا محمَّد بن علي، حدّثنا صالح أن أباه قال: كان يستحب أن يسمَّى يوم السَّابع ... وذكر حديث سَمُرَة (٣).
وقال ابن المُنْذِر في "الأوسط" (٤): "ذكر تسمية المولود يوم سابعه"
стр. 202
جاء الحديث عن النبيّ ﷺ ، أنه أمر أن يُسمَّى المولود يومَ سابعه. وقد ذكرنا إسناده من حديث عبد الله بن عَمْرو.
قلت: وأراد حديث ابن إسْحَاق عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه: أمَر رسولُ الله ﷺ حين سابع المولود بتسميتِه وعقيقتِه، ووضعِ الأذى عنه. وقد تقدَّم ذِكْره وذِكْرُ حديثِ سَمُرَةَ.
وقال البَيْهَقِيُّ في "سننه"، باب تسمية المولود حين يولد: "وهو أصحُّ من السَّابع" (١).
ثم روى (٢) من حديث حمَّاد بن سلَمَةَ، عن ثابتٍ، عن أنس، قال: ذهبتُ بعبد الله بن أبي طَلْحَةَ إلى رسول الله ﷺ حين وُلِدَ، ورسولُ الله ﷺ يَهْنَأُ بعيرًا له، فقال له: "هل معك تمرٌ؟ ". قلت: نعم! فناولتُه تمراتٍ، فألْقَاهُنَّ في فيه، فَلَاكَهُنَّ، ثم فَغَرَ فَا الصبيِّ فمَجَّه في فِيْهِ، فجعل الصبيُّ يتلَمَّظُهُ، فقال النبيّ ﷺ : "حِبُّ الأنصارِ التمرَ".
أخرجاه في "الصحيحين" من حديث أنس بن سِيرِين عن أنس بن مالك (٣).
стр. 203
وذكر حديث يَزِيدَ بنِ عبدِ الله عن أَبي بُرْدَةَ عن أبي مُوسَى، قال: وُلِدَ لي غلامٌ فأتيتُ به النبيَّ ﷺ فسمَّاه إبراهيمَ وحنَّكه بتمرةٍ (١).
قلت: وفي "الصحيحين" من حديث سهل بن سعد السَّاعديِّ، قال: أُتي بالمُنْذِرِ بنِ أبي أُسَيْد إلى رسول الله ﷺ حين وُلِدَ، فوَضَعَه النبيُّ ﷺ على فَخِذِهِ، وأبو أُسَيْد جالسٌ، فَلَهِيَ النبيُّ ﷺ بشيءٍ بين يَدَيْهِ، فأمرَ
أبو أُسَيد بابنه فاحْتُمِل من على فخذ النبيِّ ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "أين الصبيُّ؟ " فقال أبو أُسيد: قلَّبْنَاهُ يا رسولَ الله! فقال: "ما اسمُه؟ " قال: فلانٌ. قال: "لا، ولكنِ اسمُه المُنْذِرُ" (٢).
وفي "صحيح مُسْلِمٍ" من حديثِ سليمانَ بنِ المغيرةِ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "وُلِدَ ليَ الليلةَ غلامٌ، فسمَّيتُه باسْمِ أَبي إبْرَاهِيمَ"، وذكر باقي الحديث في قصَّةِ موتِه (٣).
стр. 204
وقال أبو عُمَرَ بنُ عبدِ البَرِّ في "الاستيعاب": ولدتْ له مَارِيَةُ القِبْطِيَّةُ سُرِّيَّتُهُ إبْراهِيمَ في ذِي الحجَّة سنةَ ثمانٍ.
وذكر الزُّبَيْر (١) عن أشْيَاخِهِ، أنَّ أمَّ إبراهيمَ ولدت بالعَالِيَةِ (٢)، وعقَّ عنه بكبشٍ يومَ سابعهِ، وحلقَ رأسَه أبو هندٍ، فتصدَّق بِزِنَةِ شَعْرِهِ فضّةً على المساكين، وأمرَ بشَعْرِه فدُفِنَ في الأرضِ، وسمَّاه يومئذٍ.
هكذا قال الزُّبَيْر: وسماَّه يومَ سَابعِه. والحديثُ المرفوعُ أصحُّ من قَوْلهِ وأَوْلَى (٣).
ثم ذكر (٤) حديث أنس: وكانت قَابِلَتها سلمى مولاة رسول الله ﷺ ، فخرجت إلى زوجها أبي رافع، فأخبرتْه أنَّ ماريةَ ولدت غلامًا، فجاء
أبو رافعٍ إلى رسولِ الله ﷺ فبشَّرَهُ، فوَهبَ له غلامًا (٥).
قلت: وفي قصة مارية وإبراهيم أنواعٌ من السُّنَن:
أحدها: استحباب قَبول الهدية.
الثاني: قَبول هدية أهل الكتاب.
стр. 205
الثالث: قَبول هدية الرقيق.
الرابع: جواز التّسَرِّي.
الخامس: البشارة لمن ولد له مولود بولده.
السَّادس: استحباب إعطاء البشير بشراه.
السَّابع: العَقِيقَة عن المولود.
الثامن: كونها يوم سابعه.
التاسع: حلق رأسه.
العاشر: التصدُّق بزنة شعره وَرِقًا.
الحادي عشر: دفن الشعر في الأرض، ولا يُلْقى تحت الأرجل.
الثاني عشر: تسمية المولود يوم ولادته.
الثالث عشر: جواز دفع الطفل إلى غير أمِّه، تُرْضِعُه وتَحْضُنُه.
الرابع عشر: عيادة الوالد ولدَه الطفلَ. فإن النبيَّ ﷺ لمَّا سمع بوجعه انطلق إليه يعوده في بيت أبي سيفٍ القَيْنِ، فدعا به وضمَّه إليه وهو يكيد بنفسه (١)، فدمعت عيناه وقال: "تَدْمَعُ العَيْنُ وَيَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقولُ إلا ما يُرْضِي الرّبَّ، وإنَّا بكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" (٢).
الخامس عشر: جواز البُكاءِ على الميت بالعين.
стр. 206
وقد ذُكِرَ في مناقب الفُضَيلِ بنِ عِيَاضٍ، أنه ضحك يومَ موتِ ابنِه عليّ، فسُئِل عن ذلك، فقال: إن الله قضى بقضاءٍ، فأحببتُ أن أَرضى بقضائِه (١).
وهَدْيُ رسول الله ﷺ أكْمَلُ وأفْضَلُ، فإنَّه جمع بين الرِّضا بقضاء ربِّه تعالى وبين رحمة الطفل، فإنه لما قال له سعدُ بنُ عبادةَ: ما هذا يا رسولَ الله؟ قال: "هذه رحمةٌ، وإنَّما يرحمُ اللهُ مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ" (٢).
والفُضَيْلُ ضاقَ عن الجمع بين الأَمْرَينِ، فلم يتَّسع للرِّضا بقضاء الربِّ وبكاءِ الرَّحمةِ للولدِ. هذا جواب شيخنا سمعته منه (٣).
السَّادس عشر: جواز الحزن على الميِّت، وأنه لا ينقص الأجر ما لم يخرج إلى قولٍ أو عمل لا يُرضي الربَّ، أو تركِ قولٍ أو عملٍ يُرضيه.
السَّابع عشر: تغسيلُ الطفل، فإنَّ أبا عُمَرَ وغيره ذكروا أنَّ مُرْضِعَتَهُ أمَّ بُرْدَةَ ـ امرأة أبي سيفٍ ـ غسَّلتْهُ، وحملتْه مِن بيتها على سريرٍ صغيرٍ إلى لَحْدِهِ (٤).
стр. 207
الثامن عشر: الصلاة على الطفل.
قال أبُو عُمَرَ: "وصلَّى عليه رسولُ الله ﷺ وكبَّر عليه أربعًا. هذا قول جمهور أهل العلم، وهو الصحيح.
وكذلك قال الشعبي: مات إبراهيم ابن النبيّ ﷺ وهو ابن ستة عشر شهرًا فصلَّى عليه النبيّ ﷺ (١).
وروى ابن إسْحَاق عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، عن عمرة بنت عبدالرحمن، عن عَائِشَةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ دَفَنَ ابنَه إبراهيمَ ولم يُصَلِّ عَلَيْهِ".
قال (٢): "وهذا غيرُ صحيحٍ، لأنَّ الجمهور قد أجمعوا على الصَّلاة على الأطفالِ إذا استهلُّوا، وِرَاثةً وعملاً مستفيضًا عن السّلف والخَلَف، ولا أعلم أحدًا جاء عنه غير هذا، إلا عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُب".
قال: "وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معنى حديثِ عَائِشَة: أنَّه لم يصلِّ عليه في جماعةٍ، وأمَرَ أصحابَه فصلَّوا عليه ولم يَحْضُرْهُمْ، فلا يكون مخالفًا لما عليه العلماءُ في ذلك، وهو أَوْلَى ما حُمِل عليه". انتهى (٣).
стр. 208
وقد قال غيره: إنَّه اشتغل عن الصَّلاة عليه بأمرِ الكسوفِ وصلاتِهِ، فإنَّ الشمسَ كَسَفَتْ يومَ موتهِ (١)، فشُغِل بصلاة الكُسُوفِ فإنَّ الناس قالوا: كَسَفَتِ الشمسُ لموتِ إبراهيمَ، فخطب النبيّ ﷺ خطبة الكُسُوف، وقال فيها: "إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتان من آياتِ الله، لا يَنْكَسِفَانِ لموتِ أحدٍ ولا لحيَاتِهِ، ولكنْ يخوِّف اللهُ بهما عِبادَهُ" (٢).
وقد قال أبو داود في "سننه" (٣): باب الصلاة على الطفل. ثم ساق حديثَ عَائِشَةَ من طريق محمَّدِ بنِ إسْحَاق، قال: مات إبراهيمُ ابنُ النبيّ ﷺ وهو ابن ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، فلم يصلِّ عليه النبيُّ ﷺ .
ثم ساق في الباب عن البَهِيِّ، قال: لمَّا مات إبراهيمُ ابن النبيِّ ﷺ صلَّى عليه رسولُ الله ﷺ في المَقَاعِدِ (٤).
стр. 209
وهذا مُرْسَلٌ. والبَهِيُّ: هو أبو محمَّد عبدُ الله بنُ يَسارٍ (١)، مَوْلَى مُصْعَبِ بنِ الزُّبَير، تابعيٌّ.
ثم ذكر بعده عن عطاءِ بنِ أبي رَبَاح، أن النبيّ ﷺ صلَّى على ابنهِ إبراهيمَ وهو ابنُ سبعينَ ليلةً (٢).
وهذا مرسل أيضًا، وكأنه وهم، والله أعلم في مقدار عمره.
وقال البَيهَقِيُّ: هذه الآثار وإن كانت مراسيل، فهي تُشْبهُ الموصولَ، ويشدُّ بعضُها بعضًا. وقد أثبتوا صلاة رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، وذلك أَوْلَى من رواية مَنْ روى أنه لم يصلِّ عليه (٣).
والموصول الذي أشار إليه هو حديث البَراء بنِ عازبٍ قال: صلَّى رسولُ الله على ابنه إبراهيم، ومات وهو ابنُ ستةَ عشرَ شهرًا، وقال: "إنَّ في الجنَّة مُرْضِعًا تتمُّ رَضَاعَهُ، وهو صدِّيق" (٤).
стр. 210
وهذا حديث لا يثبت لأنه من رواية جابر الجُعْفِيِّ، وهو لا يُحْتَجُّ بحديثه، ولكنَّ هذا الحديثَ مع مُرْسَلِ البَهِيِّ وعَطَاءٍ والشَّعبيِّ يقوِّي بعضُها بعضًا.
وكان بعض الناس يقول: إنما ترك الصلاة عليه لاستغنائه عنها بأبوَّة رسول الله ﷺ ، كما استغنى (١) الشهداء عنها بشهادتهم.
وهذا من أفْسَدِ الأقوالِ وأبعدِها عن العِلْم، فإنَّ الله سبحانه شرع الصلاةَ على الأنبياءِ والصدِّيقينَ، وقد صلَّى الصحابةُ على رسولِ الله ﷺ ، والشهيدُ إنّما تُرِكَتِ الصلاةُ عليه، لأنّها تكون بعد الغسل وهو لا يُغسل.
التاسع عشر: إنَّ الشمس كَسَفَتْ يومَ موتِه، فقال الناس: كَسَفَتْ لموتِ إبراهيمَ، فخطب النبيُّ ﷺ خطبة الكُسُوف وقال: "إنَّ الشَّمسَ والقمرَ لا يَنْكَسِفَانِ لموتِ أحدٍ ولا لِحَيَاتِهِ" (٢).
وفيه ردٌّ على من قال: إنه مات يوم عاشر المُحَرَّم، فإن الله أجرى العادةَ التي أوجبتْها حكمتُه، بأنَّ الشمسَ إنَّما تُكسف ليالي السّرار، كما أن القمر إنما يكسف في الإبْدَار، كما أجرى العادةَ بطلوعِ الهلال أوَّلَ الشهرِ وإبْدَارِهِ في وَسْطِهِ ومُحاقِه في آخرهِ.
стр. 211
العشرون: أن النبيَّ ﷺ أخبر أنَّ له مُرْضِعًا تُتمُّ رَضاعه في الجنَّة. وهذا يدل على أنَّ الله يُكمِلُ لأهل السعادة مِنْ عِبَاده بعد مَوْتِهم النقصَ الذي كان في الدنيا. وفي ذلك آثارٌ ليس هذا موضعها، حتى قيل: إنَّ من مات وهو طالبٌ للعلم، كُمِّل له حصولُه بعد موته، وكذلك من مات وهو يتعلَّم القرآنَ. والله أعلم.
الحادي والعشرون: أنَّ النبيَّ ﷺ أوْصَى بالقِبْطِ خيرًا وقال: "إنَّ لهم ذِمَّةً ورَحِمًا" (١)، فإن سُرّيَّتَي الخَلِيلَينِ الكَريمَيْنِ إبراهيمَ ومحمَّدٍ
ــ صلوات الله عليهما وسلامه ــ كانتا منهم، وهما: هَاجَرُ ومَارِيَةُ؛ فأمَّا هاجر: فهي أمُّ إسماعيل أبي العرب، فهذا الرَّحِمُ.
وأما الذمَّة: فما حصل من تَسَرِّي النبيِّ ﷺ بِمَارِيَةَ وإيلادِهَا إبراهيم، وذلك ذِمَامٌ يجب على المُسْلِمينَ رعايتُه ما لم تضيِّعه القِبْطُ، والله أعلم.
وقد روى البُخَاريُّ في "صحيحه"، عن السُّدّيِّ قال: سألتُ أنسَ بنَ مالكٍ: كم كانَ بلغَ إبراهيمُ ابنُ النبيّ ﷺ ؟ قال: كان قد ملأَ مَهْدَهُ، ولو بقِيَ لكان نبيًّا، ولكن لم يكنْ لِيَبْقَى، لأن نبيَّكم آخرُ الأنبياءِ (٢).
стр. 212
وقد روى عيسى بنُ يُونُسَ عن ابنِ أبي خالدٍ قال: قلت لابنِ أَبي أَوْفَى: أرأيتَ إبراهيمَ ابنَ النبيّ ﷺ ؟ قال: مات وهو صغيرٌ، ولو قُدِّر أن يكون بعد محمَّدٍ نبيٌّ لعاشَ، ولكنّه لا نبيَّ بعد محمَّدٍ ﷺ (١).
قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): "ولا أدري ما هذا، وقد وَلَدَ نوحٌ ــ ﵇ ــ مَنْ ليس بنبيٍّ. وكما يلد غيرُ النبيّ نبيًّا، فكذلك يجوز أن يلد النبيُّ غيرَ نبيٍّ، ولو لم يلد النبيُّ إلا نبيًا لكان كلُّ أحدٍ نبيًّا، لأنَّه من وَلَدِ نوحٍ، وآدمُ نبيٌّ مكلَّم، ما أعلم في ولده لصُلْبِهِ نبيًّا غيرَ شِيثٍ". والله أعلم.
وهذا فصلٌ معترضٌ يتعلَّق بوقت تسميةِ المولود، ذكرناه استطرادًا، فلنرجع إلى مقصود الباب، فنقول:
إن التسمية لما كانت حقيقتُها تعريفَ الشيء المسمَّى، لأنه إذا وجد وهو مجهولُ الاسمِ لم يكن له ما يقعُ تعريفُه به، فجاز تعريفُه يوم وجودِه، وجاز تأخيرُ التعريفِ إلى ثلاثة أيام، وجاز إلى يوم العقيقَةِ عنه، ويجوزُ قبلَ ذلك وبعدَه، والأمرُ فيه واسعٌ.
стр. 213
الفصل الثاني
فيما يُستحبُّ من الأسماءِ وما يُكْره منها (١)
عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّكم تُدْعَوْنَ يومَ القيامةِ بأسمائِكم وبأسماءِ آبائِكم فَأَحْسِنُوا أسْماءَكُمْ" رواه أبو داود بإسناد حسن (٢).
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أحبَّ أسمائِكم إلى الله : عبدُ الله، وعبدُ الرَّحمن" رواه مسلم في "صحيحه" (٣).
стр. 214
وعن جابر قال: وُلِدَ لرجلٍ منَّا غلامٌ فسمَّاه القاسمَ (١)، فقلنا: لا نكنِّيك أبا القاسمِ ولا كرامةَ. فأُخْبِرَ النبيُّ ﷺ فقال: "سمِّ ابنَك عبدَالرَّحمن" متفق عليه (٢).
وعن أبي وَهْبٍ الجُشَمِيِّ قال: قال رسول الله ﷺ : "تسمَّوا بأسماء الأنبياء، وأحبُّ الأسماءِ إلى الله: عبدُ الله، وعبدُ الرَّحمن، وأَصْدَقُها: حارثٌ وهمَّامٌ، وأقْبَحُها: حَرْبٌ ومُرَّة" (٣).
قال أبو محمَّد ابنُ حَزْمٍ: "اتفقوا على استحباب (٤) الأسماء المضافة إلى الله ، كعبد الله وعبد الرَّحمن، وما أشبه ذلك" (٥).
وقد اختلف الفقهاء في أحب الأسماء إلى الله، فقال الجمهور:
стр. 215
أحبها إليه عبد الله وعبد الرَّحمن.
وقال سعيد بن المسيِّب: أحبُّ الأسماءِ إليه أسماءُ الأنبياءِ (١).
والحديثُ الصحيحُ يدلُّ على أنَّ أحبَّ الأسماءِ إليه: عبدُ الله وعبدُ الرَّحمن.
فصل
وأمَّا المكروه منها والمحرَّم؛ فقال أبو محمَّد ابن حزم (٢): "اتفقوا على تحريم كلِّ اسمٍ معبَّد لغير الله: كعبد العُزَّى، وعبدِ هُبَل،
وعبدِ عَمْرو، وعبدِ الكَعْبَةِ وما أشبه ذلك ـ حَاشَا عبدَ المطَّلِبِ" انتهى.
فلا تحلُّ التسمية بـ: عبدِ عليٍّ، ولا عبدِ الحُسَيْن، ولا عبدِ الكعبةِ.
وقد روى ابنُ أَبي شَيبَةَ حديثَ يزيدِ بنِ المقْدَام بن شُرَيْح، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن جدِّه هانئ بن يزيد (٣)، قال: وَفَدَ على النبيّ ﷺ قومٌ، فسمعهم يسمُّون: عبد الحَجَر، فقال له: "ما اسْمُكَ؟ " فقال: عبد الحجر. فقال له رسول ﷺ : "إنَّما أنتَ عبدُالله" (٤).