← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 229

تحفة المودود بأحكام المولود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (505 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

العشرون: أن النبيَّ ﷺ أخبر أنَّ له مُرْضِعًا تُتمُّ رَضاعه في الجنَّة. وهذا يدل على أنَّ الله يُكمِلُ لأهل السعادة مِنْ عِبَاده بعد مَوْتِهم النقصَ الذي كان في الدنيا. وفي ذلك آثارٌ ليس هذا موضعها، حتى قيل: إنَّ من مات وهو طالبٌ للعلم، كُمِّل له حصولُه بعد موته، وكذلك من مات وهو يتعلَّم القرآنَ. والله أعلم. الحادي والعشرون: أنَّ النبيَّ ﷺ أوْصَى بالقِبْطِ خيرًا وقال: "إنَّ لهم ذِمَّةً ورَحِمًا" (١)، فإن سُرّيَّتَي الخَلِيلَينِ الكَريمَيْنِ إبراهيمَ ومحمَّدٍ ــ صلوات الله عليهما وسلامه ــ كانتا منهم، وهما: هَاجَرُ ومَارِيَةُ؛ فأمَّا هاجر: فهي أمُّ إسماعيل أبي العرب، فهذا الرَّحِمُ. وأما الذمَّة: فما حصل من تَسَرِّي النبيِّ ﷺ بِمَارِيَةَ وإيلادِهَا إبراهيم، وذلك ذِمَامٌ يجب على المُسْلِمينَ رعايتُه ما لم تضيِّعه القِبْطُ، والله أعلم. وقد روى البُخَاريُّ في "صحيحه"، عن السُّدّيِّ قال: سألتُ أنسَ بنَ مالكٍ: كم كانَ بلغَ إبراهيمُ ابنُ النبيّ ﷺ ؟ قال: كان قد ملأَ مَهْدَهُ، ولو بقِيَ لكان نبيًّا، ولكن لم يكنْ لِيَبْقَى، لأن نبيَّكم آخرُ الأنبياءِ (٢).

стр. 212

وقد روى عيسى بنُ يُونُسَ عن ابنِ أبي خالدٍ قال: قلت لابنِ أَبي أَوْفَى: أرأيتَ إبراهيمَ ابنَ النبيّ ﷺ ؟ قال: مات وهو صغيرٌ، ولو قُدِّر أن يكون بعد محمَّدٍ نبيٌّ لعاشَ، ولكنّه لا نبيَّ بعد محمَّدٍ ﷺ (١). قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): "ولا أدري ما هذا، وقد وَلَدَ نوحٌ ــ ﵇ ــ مَنْ ليس بنبيٍّ. وكما يلد غيرُ النبيّ نبيًّا، فكذلك يجوز أن يلد النبيُّ غيرَ نبيٍّ، ولو لم يلد النبيُّ إلا نبيًا لكان كلُّ أحدٍ نبيًّا، لأنَّه من وَلَدِ نوحٍ، وآدمُ نبيٌّ مكلَّم، ما أعلم في ولده لصُلْبِهِ نبيًّا غيرَ شِيثٍ". والله أعلم. وهذا فصلٌ معترضٌ يتعلَّق بوقت تسميةِ المولود، ذكرناه استطرادًا، فلنرجع إلى مقصود الباب، فنقول: إن التسمية لما كانت حقيقتُها تعريفَ الشيء المسمَّى، لأنه إذا وجد وهو مجهولُ الاسمِ لم يكن له ما يقعُ تعريفُه به، فجاز تعريفُه يوم وجودِه، وجاز تأخيرُ التعريفِ إلى ثلاثة أيام، وجاز إلى يوم العقيقَةِ عنه، ويجوزُ قبلَ ذلك وبعدَه، والأمرُ فيه واسعٌ.

стр. 213

الفصل الثاني فيما يُستحبُّ من الأسماءِ وما يُكْره منها (١) عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّكم تُدْعَوْنَ يومَ القيامةِ بأسمائِكم وبأسماءِ آبائِكم فَأَحْسِنُوا أسْماءَكُمْ" رواه أبو داود بإسناد حسن (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أحبَّ أسمائِكم إلى الله : عبدُ الله، وعبدُ الرَّحمن" رواه مسلم في "صحيحه" (٣).

стр. 214

وعن جابر قال: وُلِدَ لرجلٍ منَّا غلامٌ فسمَّاه القاسمَ (١)، فقلنا: لا نكنِّيك أبا القاسمِ ولا كرامةَ. فأُخْبِرَ النبيُّ ﷺ فقال: "سمِّ ابنَك عبدَالرَّحمن" متفق عليه (٢). وعن أبي وَهْبٍ الجُشَمِيِّ قال: قال رسول الله ﷺ : "تسمَّوا بأسماء الأنبياء، وأحبُّ الأسماءِ إلى الله: عبدُ الله، وعبدُ الرَّحمن، وأَصْدَقُها: حارثٌ وهمَّامٌ، وأقْبَحُها: حَرْبٌ ومُرَّة" (٣). قال أبو محمَّد ابنُ حَزْمٍ: "اتفقوا على استحباب (٤) الأسماء المضافة إلى الله ، كعبد الله وعبد الرَّحمن، وما أشبه ذلك" (٥). وقد اختلف الفقهاء في أحب الأسماء إلى الله، فقال الجمهور:

стр. 215

أحبها إليه عبد الله وعبد الرَّحمن. وقال سعيد بن المسيِّب: أحبُّ الأسماءِ إليه أسماءُ الأنبياءِ (١). والحديثُ الصحيحُ يدلُّ على أنَّ أحبَّ الأسماءِ إليه: عبدُ الله وعبدُ الرَّحمن. فصل وأمَّا المكروه منها والمحرَّم؛ فقال أبو محمَّد ابن حزم (٢): "اتفقوا على تحريم كلِّ اسمٍ معبَّد لغير الله: كعبد العُزَّى، وعبدِ هُبَل، وعبدِ عَمْرو، وعبدِ الكَعْبَةِ وما أشبه ذلك ـ حَاشَا عبدَ المطَّلِبِ" انتهى. فلا تحلُّ التسمية بـ: عبدِ عليٍّ، ولا عبدِ الحُسَيْن، ولا عبدِ الكعبةِ. وقد روى ابنُ أَبي شَيبَةَ حديثَ يزيدِ بنِ المقْدَام بن شُرَيْح، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن جدِّه هانئ بن يزيد (٣)، قال: وَفَدَ على النبيّ ﷺ قومٌ، فسمعهم يسمُّون: عبد الحَجَر، فقال له: "ما اسْمُكَ؟ " فقال: عبد الحجر. فقال له رسول ﷺ : "إنَّما أنتَ عبدُالله" (٤).

стр. 216

فإن قيل: كيف يتَّفقون على تحريمِ الاسمِ المعبَّد لغير الله، وقد صحَّ عنه ﷺ أنه قال: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينارِ، تَعِسَ عبدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عبدُ الخَمِيْصَةِ، تَعِسَ عبدُ القَطِيْفَةِ" (١). وصحَّ عنه ﷺ أنه قال: "أنَا النبيُّ لا كَذِب ... أَنَا ابنُ عبدِ المُطَّلِب" (٢). ودخل عليه رجلٌ وهو جالس بين أصحابه، فقال: أيُّكم ابنُ عبدِالمطَّلب؟ فقالوا: هذا، وأشاروا إليه؟ (٣) فالجواب: أمَّا قوله: "تعس عبد الدينار" فلم يُرِدْ به الاسمَ، وإنما أراد به الوصفَ والدعاءَ على من يعبد قلبُه الدينارَ والدِّرهمَ، فَرَضِيَ بعبوديتهما من (٤) عبودية ربّه ﵎ وذكر الأثمان والملابس وهما جمال الباطن والظاهر. أمَّا قوله: "أنا ابن عبد المطلب"، فهذا ليس من باب إنشاء التسمية بذلك، وإنَّما هو باب الإخبار بالاسم الذي عُرِفَ به المسمَّى دون غيره. والإخبارُ بمثل ذلك على وجه تعريف المسمَّى لا يَحْرُمُ.

стр. 217

ولا وجه لتخصيص أبي محمَّد ابنِ حزمٍ ذلك بعبد المطلب خاصَّةً، فقد كان الصحابةُ يسمُّون بني عبد شمس، وبني عبد الدَّار بأسمائهم، ولا يُنْكِرُ عليهم ﷺ ، فبابُ الإخبار أوسعُ من باب الإنشاء، فيجوز فيه ما لا يجوزُ في الإنشاءِ. فصل ومن المحرَّم: التسمية بمَلِكِ الملُوك، وسُلطانِ السَّلاطينِ، وشاهٍ شاه (١)، فقد ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي هُرَيْرَة عن النبيّ ﷺ قال: "إنَّ أَخْنَعَ اسمٍ عند اللهِ رجلٌ تسمَّى (٢) مَلِكَ الأَمْلَاكِ". وفي رواية: "أَخْنَى" بدل "أخنع" (٣). وفي رواية لمُسْلِم: "أغيظُ رجلٍ عِنْدَ الله يَومَ القيامةِ وأخْبَثُهُ رجلٌ كان يُسمَّى مَلِكَ الأمْلاكِ. لا مَلِكَ إلا الله" (٤). ومعنى أخْنَعُ وأخنَى: أَوْضَعُ.

стр. 218

وقال بعض العلماء: وفي معنى ذلك كراهيةُ التَّسميةِ بقَاضي القُضَاةِ، وحَاكِمِ الحُكَّامِ؛ فإنَّ حاكم الحكَّام في الحقيقة هو اللهُ. وقد كان جماعةٌ من أهل الدِّين والفَضْلِ يتورَّعونَ عن إطلاقِ لفظ قاضي القضاة وحاكم الحكَّام، قياسًا على ما يُبْغِضُهُ اللهُ ورسولُه من التَّسمية بمَلِكِ الأَمْلَاكِ، وهذا مَحْضُ القياسِ. وكذلك تحرم التسمية بسيِّد الناس وسيِّد الكل، كما يحرم بسيِّد ولد آدم، فإن هذا ليس لأحدٍ إلا لرسول الله ﷺ وحده، فهو سيِّدُ ولدِ آدمَ، فلا يحلُّ لأحدٍ أن يُطْلِق على غيرِه ذلك (١). فصل ومن الأسماء المكروهةِ، ما رواه مسلمٌ في "صحيحه" عن سَمُرَةَ ابنِ جُنْدُب، قال: قال ﷺ : "لا تسمِّيَنَّ غلامَك يسارًا ولا ربَاحًا ولا نجيحًا ولا أفلحَ؛ فإنَّك تقول: أثَمَّ هو؟ فلا يكون، فيقول: لا". إنما هُنَّ أربع لا تَزِيْدُنَّ عليَّ (٢). وهذه الجملة الأخيرة ليست من كلام رسول الله ﷺ ، وإنما هي من كلام الراوي (٣).

стр. 219

وفي سنن "أبي داود" من حديث جابر بن عبد الله، قال: أراد النبيُّ ﷺ أن ينهى أن يسمى بـ "يعلى، وبركةَ، وأَفْلحَ، ويسارٍ، ونافعٍ"، وبنحو ذلك، ثم رأيتُه سكت بَعْدُ عنها فلم يقل شيئًا، ثم قُبِض ولم يَنْهَ عن ذلك. ثم أراد عمر أن ينهى عن ذلك ثم تركه (١). وقال أبو بكرِ ابنُ أَبي شَيبةَ: حدّثنا محمَّد بن عبيد، عن الأعْمَشِ عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنْ عِشْتُ إن شاء الله أَنْهَى أُمَّتي أنْ يُسَمُّوا نافعًا، وأفلحَ، وبَرَكةَ" قال الأعمش: لا أدري ذَكَرَ نافعًا أمْ لا (٢). وفي سنن "ابن ماجه": من حديث أبي الزُّبَيْر، عن جابرٍ، عن عمرَ ابنِ الخطَّابِ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنْ عِشتُ إن شاء الله لأَنْهَيَنَّ أُمَّتي أن يُسَمُّوا: ربَاحًا ونجيحًا، وأفلحَ ويسارًا" (٣).

стр. 220

قلت: وفي معنى هذا: مُبَاركٌ، ومُفْلِحٌ، وخَيرٌ، وسُرورٌ، ونِعْمَةٌ، وما أشبه ذلك، فإنَّ المعنى الذي كَرِهَ له النبيُّ ﷺ التسميةَ بتلك الأربعِ موجودٌ فيها، فإنه يقال: أعندك خيرٌ؟ أعندك سرور؟ أعندك نعمةٌ؟ فيقول: لا، فتشمئزُّ القلوبُ من ذلك وتَتَطَيَّر به، وتَدخلُ في باب المنطقِ المكروهِ. وفي الحديث: أنّه كره أن يُقال: خرج من عند بَرَّةَ (١). مع أن فيه معنى آخر يقتضي النهي، وهو تزكية النفس بأنه مُبَارك ومُفْلِحٌ، وقد لا يكون كذلك، كما روى أبو داود في "سننه" أن رسول الله ﷺ نهى أن يسمى بَرَّةَ، وقال: "لا تزكُّوا أنفسَكُمْ، اللهُ أعْلَمُ بأهلِ البِرِّ منكُم" (٢). وفي "سنن ابن ماجه" عن أبي هُرَيرَة، أنَّ زينبَ كان اسمُها بَرَّة، فقيل: تزكِّي نفسَها، فسمَّاها النبيُّ ﷺ زينب (٣).

стр. 221

فصل ومنها (١) التسمية بأسماء الشياطين، كخَنْزَب (٢)، والوَلْهان، والأَعْوَرِ، والأَجْدَعِ. قال الشَّعبيُّ عن مسروقٍ: لقيتُ عمرَ بنَ الخطَّاب، فقال: مَنْ أنت؟ قلت: مَسْرُوقُ بنُ الأَجْدَعِ. فقال عُمَرُ ﵁: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "الأَجْدَعُ شَيطَانٌ" (٣). وفي سنن "ابن ماجه" (٤) و"زيادات عبد الله في مسند أبيه" (٥) من

стр. 222

حديث أُبيِّ بن كعب، عن النبيّ ﷺ قال: "إنَّ للوُضوءِ شيطانًا، يُقَال له: الوَلْهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الماءِ". وشكا إليه عثمانُ بنُ أبي العاص من وسواسه في الصلاة، فقال: "ذلكَ شيطانٌ يقال له: خَنْزَب" (١). وذكر أبو بكرِ ابنُ أبي شيبةَ: حدّثنا حُمَيدُ بنُ عبد الرَّحمن، عن هشام عن أبيه، أنَّ رجلًا كان اسمُه الحُباب، فسمَّاه رسولُ الله ﷺ عبدَ الله، وقال: "الحُبابُ شيطانٌ" (٢). فصل ومنها: أسماء الفَراعِنَةِ والجبَابرةِ، كفرعونَ، وقارونَ، وهامانَ، والوليد. قال عبدُ الرزَّاق في "الجامع": أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ قال: أراد

стр. 223

رجلٌ أن يُسمِّي ابنًا له: الوَليدَ، فنهاه رسولُ الله ﷺ ، وقال: إنَّه سيكونُ في أُمَّتي (١) رجلٌ، يُقالُ له الوليدُ، يَعملُ في أُمَّتي بعَمَلِ فرعونَ في قومهِ" (٢). فصل ومنها: أسماء الملائكة، كجِبْرَائِيلَ، ومِيكَائيلَ، وإسْرَافِيلَ، فإنه يُكْرَهُ تسمية الآدميين بها. قال أشهب: سُئل مالكٌ عن التَّسمِّي بجبريل، فكره ذلك، ولم يُعْجِبْهُ. قال القاضي عِيَاض: "وقد كَرِهَ (٣) بعضُ العُلَماءِ التسمِّي بِأسماءِ الملائكةِ، وهو قولُ الحارثِ بنِ مِسْكِين (٤). قال: وكَرِهَ مالكٌ التَّسمِّي

стр. 224

بِجِبْرِيلَ ويَاسِين" (١). وأباحَ ذلك غيرُهُ. قال عبد الرزَّاق في "الجامع": عن مَعْمَر، قال: قلتُ لحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ: كيف تقولُ في رجل تسمَّى بِجِبْريلَ ومِيْكَائيلَ؟ فقال: لا بأس به (٢). وقال البُخَاريّ في "تاريخه": قال أَحْمَد بن الحارث: حدّثنا أبو قَتَادَة الشامي ـ ليس بالحرَّاني مات سنة أربع وستين ومائة ـ حدّثنا عبدالله ابن جراد، قال: صحبني رجل من مُزَينَةَ، فأتى النبيّ ﷺ وأنا معه، فقال: يا رسول الله! وُلِدَ لي مولودٌ، فما خير الأسماء؟ قال: "إنَّ خيرَ الأسماءِ لكم (٣): الحارثُ وهَمَّامٌ، ونِعْمَ الاسمُ عبدُ الله وعبدُ الرَّحمن، وتسمَّوا بأسماء الأنبياءِ، ولا تسمَّوا بأسماء الملائكة". قال: وبِاسْمكَ؟ قال: "وبِاسْمِي، ولا تكنوا بكُنيتي" (٤). وقال البَيهَقِيّ (٥): قال البُخَاريّ في غير هذه الرواية: "في إسناده نظر".

стр. 225

فصل ومنها: الأسماءُ التي لها معانٍ تكرهُها النفوسُ ولا تلائمُها، كحربٍ، ومُرَّة، وكلبٍ، وحيَّة، وأشباهها. وقد تقدَّم الأثر الذي ذكره مالك في "مُوَطَّئِه" أنَّ رسول الله ﷺ قال ـ لِلَقْحَةٍ ـ: "مَنْ يحلبُ هذه؟ " فقام رجل، فقال: أنا، فقال: "ما اسمك؟ " قال الرجل: مُرَّة، فقال له: "اجْلِسْ". ثم قال: "من يحلبُ هذه؟ " فقام رجلٌ آخر فقال: أنا، فقال له: "ما اسمُك؟ " قال: حَرْبٌ، فقال له: "اجْلِسْ". ثم قال: "من يحلبُ هذه؟ " فقام رجلٌ فقال: أنا، قال: "ما اسمك؟ " قال: يَعِيش، فقال له رسولُ الله ﷺ : "احلبْ" (١). فَكَرِهَ مباشرةَ المسمَّى بالاسمِ المكروهِ لحَلْبِ الشَّاةِ. وقد كان النبيّ ﷺ يشتدُّ عليه الاسم القبيح ويكرهه جدًّا من الأشخاص والأماكن والقبائل والجبال، حتى إنَّه مر في مسيرٍ له بين جبلين، فسأل عن اسمهما؟ فقيل له: فاضحٌ ومُخْزٍ، فعدلَ عنهما، ولم يمرَّ بينهما (٢)، وكان ﷺ شديد الاعتناء بذلك.

стр. 226

ومَنْ تأمَّل السنَّةَ وجدَ معانيَ الأسماءِ مرتبطةً بها، حتى كأنَّ مَعانِيَهَا مأخوذةٌ منها، وكأنَّ الأسماءَ مشتقَّةٌ من معانِيْهَا، فتأمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ : "أسلمُ سالمَها اللهُ، وغِفَارٌ غفرَ اللهُ لها، وعصيَّةُ عصتِ الله" (١). وقوله لمَّا جاء سُهَيلُ بنُ عَمْرو يومَ الصُّلح: "سَهُلَ أمْرُكم" (٢). وقوله لبُرَيدَةَ لمّا سألَهُ عنِ اسمه، فقال: بُرَيْدَةُ، قال: يا أبا بكر! بَرَدَ أمْرُنا، ثم قال: مَّمن أنت؟ قال: من أسْلَمَ، فقال لأبي بكر: "سَلِمْنَا"، ثم قال: ممن؟ قال: من سهم، قال: "خرج سَهْمُك". ذكره أبو عُمر في "استذكاره" (٣). حتى إنَّه كان يعتبر ذلك في التأويل، فقال: "رأيت كأنّا في دار عُقْبَةَ ابنِ رافعٍ، فأُتينا برُطَبٍ من رُطَبِ ابنِ طَابٍ، فأوَّلتُ العاقبةَ (٤) لنا في الدنيا والرِّفعةَ، وأنَّ ديننا قد طابَ" (٥).

стр. 227

وإذا أردتَ أن تعرفَ تأثيرَ الأسماءِ في مسمَّياتِها فتأمَّلْ حديثَ سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: أتيتُ إلى النبيِّ ﷺ فقال: "ما اسمُك؟ " قلتُ: حَزْنٌ، فقال: "أنت سهلٌ". قال: لا أغيِّر اسمًا سمَّانِيهُ أَبِي. قال ابن المسيِّب: فما زالت تلك الحُزُونَة فينا بعدُ. رواه البُخَاريّ في "صحيحه" (١). والحزُونَةُ: الغِلْظَةُ، ومنه أرضٌ حزنة، وأرض سهلة. وتأمَّلْ ما رواه مالك في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد: أنَّ عُمَرَ بنَ الخطّابِ ﵁ قال لرجلٍ: ما اسمُك؟ قال: جمرةٌ، قال: ابنُ مَن؟ قال: ابنُ شِهابٍ، قال: ممَّن؟ قال: من الحُرقة، قال: أين مسكنُك؟ قال: بِحَرَّة النار، قال: بأيّتها؟ قال: بذات لَظَى، قال عمر: أدْرِكْ أهْلَك فقد احتَرقُوا. فكان كما قال عمر. هذه رواية مالك (٢). ورواه الشَّعْبِيُّ: فقال: جاء رجلٌ من جهينةَ إلى عمرَ بنِ الخطاب ــ ﵁ ــ، فقال: ما اسمك؟ قال: شهابٌ، قال: ابن مَن؟ قال: ابن ضرام، قال: ممَّن؟ قال: من الحرقة، قال: أين منزلك؟ قال بِحَرَّة النار، قال: ويحك، أدرك منزلك وأهلك فقد أحرقتهم. قال: فأتاهم فأَلْفَاهُم قد احترق عامَّتُهُم (٣).

стр. 228

وقد استشكل هذا مَن لم يفهمْه، وليس ـ بحمد الله ـ مشكلًا، فإن مسبِّب الأسبابِ جعَل هذه المناسبات مقتضياتٍ لهذا الأثَر، وجعل اجتماعها على هذا الوجه الخاص موجبًا له، وأخَّر اقتضاءها لأثرها إلى أن تكلَّم به من ضُرِبَ الحقُّ على لسانه، ومن كان الملك ينطق على لسانه، فحينئذ كمل اجتماعها وتمَّت، فرتَّب عليها الأثرَ، ومَن كان له في هذا الباب فِقْهُ نفسٍ، انتفعَ به غايةَ الانتفاعِ، فإنَّ البلاءَ موكلٌ بالمنطقِ. قال أبُو عُمَر: وقد قال النبيّ ﷺ : "البلاءُ موكلٌ بالقولِ" (١). ومن البلاء الحاصل بالقول: قولُ الشيخِ البائسِ الذي عادَهُ (٢) النبيُّ ﷺ فرأى عليه حمَّى فقال: "لا بأس، طَهورٌ إن شاء الله" فقال: بل حمَّى تفورُ على شيخٍ كبيرٍ تُزِيرهُ القبورَ. فقال رسولُ الله ﷺ : "فنَعَم إذًا" (٣).

стр. 229

وقد رأينا من هذا عِبَرًا فينا وفي غيرنا، والذي رأيناه كقطرة في بَحْرٍ. وقد قال المؤمّلُ الشَّاعرُ (١): شَفَّ المُؤَمِّلَ يَوْمَ النّقْلةِ النَّظرُ ... لَيْتَ المُؤَمّلَ لم يُخْلَقْ لَهُ البَصَرُ فلم يلبث أن عَمِيَ. وفي "جامعِ ابنِ وَهْبٍ" أنَّ رسول الله ﷺ أُتِي بغلام، فقال: "ما سمَّيتُمْ هذا؟ " قالوا: السَّائب، فقال: "لا تسمُّوه السَّائبَ، ولكنْ عبد الله". قال: فغَلَبوا على اسمهِ، فلَمْ يَمُتْ حتَّى ذهبَ عقلُه (٢). فَحِفْظُ المنطقِ وتخيُّر الأسماء من توفيق الله للعبدِ. وقد أمر النبيُّ ﷺ من تمنَّى أن يُحْسِن أُمْنِيَّتَه، وقال: "إنَّ أحدَكم لا يَدري ما يُكتَبُ له من أُمْنِيَّتِه" (٣) أي ما يقدر له منها، وتكون أُمنيتُه سببَ

стр. 230

حصولِ (١) ما تمنَّاه أو بَعضِه، وقد بلغكَ أو رأيتَ أخبارَ كثيرٍ من المتمنِّين، أصابَتْهُمْ أمَانِيهم أو بعضُها! وكان أبو بكر الصدِّيق ﵁ يتمثَّلُ بهذا البيتِ: احْذَرْ لِسَانَكَ أنْ يَقُولَ فَتُبْتَلَى ... إنَّ البَلَاء مُوَكَّلٌ بِالمَنْطقِ (٢) ولما نزل الحُسَيْن وأصحابه بكَرْبَلَاء، سألَ عنِ اسْمِهَا؟ فقيل: كَرْبَلَاء، فقال: "كَرْبٌ وبَلاءٌ" (٣). ولما وقفت حَلِيْمَةُ السَّعْدِيَّةُ على عبد المطَّلب تسألُه رضاعَ رسولِ الله ﷺ قال لها: من أنتِ؟ قالت: امرأةٌ من بني سَعْدٍ، قال: فما اسمُكِ؟ قالت: حَلِيْمَة، فقال: بَخٍ بَخٍ، سَعْدٌ وحِلْمٌ، هَاتَانِ خَلَّتَانِ فيهما غَنَاء الدَّهْرِ (٤). وذَكرَ سليمانُ بنُ أَرْقَمَ، عن عُبيدِ الله بنِ عبد الله، عن ابن عبَّاس، قال: بعث ملك الروم إلى النبيّ ﷺ رسولاً، وقال: انظرْ أين تراهُ جالسًا، ومَنْ إلى جنبهِ، وانظرْ إلى ما بينَ كَتفَيهِ.

стр. 231

قال: فلما قَدِمَ، رأى رسولَ الله ﷺ جالسًا على نَشَزٍ واضعًا قدميه في الماء، عن يمينه أبو بكر، فلمَّا رآه النبيّ ﷺ قال: "تحوَّلْ فانظرْ ما أُمِرْتَ به"، فنظر إلى الخاتم، ثم رجع إلى صاحبه فأخبره الخبر، فقال لَيَعْلُوَنَّ أَمْرُهُ ولَيَمْلِكَنَّ مَا تحتَ قَدَميَّ. فتأوّل (١) بالنَّشَزِ العُلوَّ، وبالماءِ الحياةَ (٢). وقال عوانةُ بنُ الحَكَم: لما دعَا ابن الزُّبَير إلى نفسه، قام عبد الله بنُ مطيعٍ ليبايع، فقبض عبدُ الله بنُ الزُّبَيْر (٣) يدَهُ، وقال لعُبيدِ الله بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ: قُمْ فَبَايِعْ. فقال عُبيدُ الله: قُمْ يا مصعبُ (٤) فبايِعْ، فقامَ فبايَعَ، فقال النَّاس: أبى أن يُبايِع ابنَ مُطيعٍ، وبَايعَ مصعبًا، ليجدنَّ في أمره صُعوبةً. وقال سلَمةُ بنُ مُحارِب: نزل الحجَّاج دَيرَ قُرَّة، ونزل عبد الرَّحمن ابن الأشعث دَير الجَماجِم، فقال الحجَّاجُ: استقرَّ الأمرُ في يدي، وتجمجم به أَمرُه، والله لأقتلنَّه (٥).

стр. 232

وهذا بابٌ طويل عظيمُ النفع، نبَّهْنا عليه أدنى تنبيهٍ، والمقصودُ ذِكْرُ الأسماءِ المكروهةِ والمحبوبةِ. فصل ومما يُمنَع تسميةُ الإنسانِ به: أسماءُ الربِّ ﵎ فلا يجوز التسميةُ بالأحَدِ ولا بالصَّمَدِ، ولا بالخَالقِ ولا بالرَّازق، وكذلك سائِرُ الأسماءِ المختصَّةِ بالربِّ ﵎. ولا تجوز تسميةُ الملوكِ بالقاهر والظاهر، كما لا يجوز تسميتُهم بالجبَّار والمتكبِّر، والأوَّلِ والآخرِ، والباطنِ، وعلَّام الغُيوبِ. وقد قال أبو داود في "سننه": حدّثنا الرَّبِيعُ بنُ نافع، عن يزيد بن المقْدَامِ بنِ شُرَيحٍ، عن أبيه، عن جدِّه شُرَيح، عن أبيه هانئ، أنَّه لما وَفَدَ إلى رسولِ الله ﷺ إلى المدينة مع قومِه، سمعهم يكنُّونه بأبي الحَكَم، فدعاه ﷺ فقال: "إنَّ الله هو الحَكَمُ وإليه الحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أبا الحَكَم؟ " فقال: إنَّ قومي إذا اختلَفُوا في شيء أتَوني، فحكمتُ بينهم، فَرَضِيَ كلا الفريقين، فقال رسول الله ﷺ : "ما أحسنَ هذا! فمَا لَكَ من الولدِ؟ " قال: لي شُرَيْحٌ ومَسْلمة وعبد الله، قال: "فمَن أَكبرُهم؟ " قلتُ: شريحٌ، قال: "فأنتَ أبو شُرَيحٍ" (١).

стр. 233

وقد تقدَّم ذِكْرُ الحديثِ الصَّحيحِ: "أغْيَظُ رَجُلٍ على الله رَجلٌ تَسَمَّى بمَلِكِ الأَمْلاكِ" (١). وقال أبو داود: حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا بِشْرُ بنُ المفَضَّل، حدّثنا أبوسلَمةَ سعيدُ بنُ يَزِيدَ، عن أبي نَضْرَةَ عن مُطَرِّفِ بنِ عبدِ الله بن الشِّخِّير، قال: قال أبي: انطلقتُ في وَفْدِ بني عامِر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنتَ سيِّدُنا، فقال: "السيِّدُ اللهُ" قلنا: وأفْضَلُنَا فَضْلًا وأعْظَمُنَا طَوْلًا، فقال: "قُولُوا بِقَولِكم أو ببعضِ قولِكُمْ ولا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطانُ" (٢). ولا ينافي هذا قوله ﷺ : "أنا سيّد ولد آدم" (٣) فإن هذا إخبارٌ منه عمَّا أعطاه الله من سيادة النوع الإنسانيِّ وفَضْلِه وشَرَفِهِ عليهم. وأما وصفُ الربِّ ﵎ بأنه السيِّد، فذلك وصفٌ لربِّه على الإطلاق، فإنَّ سيِّد الخلق هو مالكُ أمرِهم الذي إليه يرجعون، وبأمره يعملون، وعن قوله يصدرون، فإذا كانت الملائكة والإنس والجنُّ خلقًا له وملكًا، ليس لهم غنى عنه طرفة

стр. 234

عين (١)، وكلُّ رغباتهم إليه، وكلُّ حوائجهم إليه، كان هو السيِّدَ على الحقيقة. قال علي بن أبي طَلْحَة، عن ابن عبَّاس في تفسير قول الله (٢): ﴿الصَّمَدُ﴾. قال: السيد الذي كَمُلَ سُؤدَدُهُ (٣). والمقصود: أنه لا يجوز لأحدٍ أن يتسمَّى بأسماء الله المختصَّةِ به. وأمَّا الأسماءُ التي تُطلَق عليه وعلى غيره: كالسَّميع، والبَصير، والرَّؤوفِ، والرَّحيمِ، فيجوز أن يُخبر بمعانيها عن المخلوق، ولا يجوز أن يتسمَّى بها على الإطلاق بحيث يُطلَق عليه كما يُطلق على الربِّ تعالى. فصل ومما يُمنع منه التسميةُ بأسماءِ القرآنِ وسُوَرِهِ، مثل: طَهَ، ويس، وحَم، وقد نصَّ مالكٌ على كراهة التسمية بـ: "يس". ذكره السُّهَيْليُّ (٤). وأمَّا ما يذكره العوامُّ: أنَّ يس وطه من أسماء النبيّ ﷺ ، فغيرُ صحيحٍ، ليس ذلك في حديثٍ صحيحٍ، ولا حَسَنٍ، ولا مُرْسَلٍ، ولا أثَرٍ عن صاحبٍ، وإنَّما هذه الحروف مثل: الم و حم و الر، ونحوها.

стр. 235

فصل واخْتُلِفَ في كَراهةِ التسمِّي بأسماء الأنبياء على قولين. (أحدهما): أنه لا يكره، وهذا قول الأكثرين، وهو الصواب. و (الثاني): يكره (١). قال أبو بكر ابن أبي شيبة في "باب ما يكره من الأسماء": حدّثنا الفضل بن دُكَيْن، عن أبي خلدةَ، عن أبي العَالِيَة: تفعلون شرًّا من ذلك! تسمُّون أولادَكُم أسماءَ الأنبياءِ ثم تَلْعَنُونَهم (٢). وأَصْرَحُ مِن ذلك ما حَكَاهُ أبو القاسم السُّهَيْلِيُّ في "الرَّوْضِ" فقال: وكان من مذهب عمر بن الخطاب كراهة التسمي بأسماء الأنبياء (٣). قلت: وصاحبُ هذا القولِ قَصَدَ صيانةَ أسمائهم عن الابتذالِ وما يَعْرِضُ لها من سُوء الخِطَاب عند الغضب وغيره. وقد قال سعيد بن المسيِّب: أحبُّ الأسماء إلى الله أسماءُ الأنبياءِ (٤).

стр. 236

وفي "تاريخ ابن أبي خيثمة": أن طَلْحَة كان له عَشَرةٌ مِنَ الوَلَدِ، كلٌّ منهم اسْمُه (١) اسمُ نبيٍّ، وكان للزُّبَيرِ عَشَرةٌ، كلُّهم تسمَّى باسمِ شهيدٍ، فقالَ له طَلْحَةُ: أنا أسمِّيهم بأسماءِ الأنبياءِ، وأنت تسمِّي بأسماءِ الشهداءِ؟ فقال له الزُّبَير: فإنِّي أطمعُ أن يكونَ بَنِيّ شهداءَ، ولا تطمعُ أن يكونَ بَنُوكَ أنبياءَ (٢). وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن أبي موسى قال: وُلِد لي غلامٌ فأتيتُ به النبيَّ ﷺ فسمَّاه: إبراهيمَ، وحنَّكَه بتمرة (٣). وقال البُخَاريّ في "صحيحه": باب من تسمَّى بأسماء الأنبياء. حدّثنا ابنُ نمير، حدّثنا ابنُ بِشْر، حدّثنا إسماعيل قال: قلت لابن أبي أوْفَى: رأيتَ إبراهيم ابنَ النبيِّ ﷺ ؟ قال: مات صغيرًا، ولو قُضِي أن يكون بعد محمَّدٍ ﷺ نبيٌّ: عاش ابنُهُ، ولكن لا نبيَّ بعده (٤). ثم ذكر حديث البراء: لما ماتَ إبراهيمُ قال النبيُّ ﷺ : "إنَّ له

стр. 237

مُرْضِعًا في الجنَّة" (١). وفي "صحيح مسلم": باب التسمي بأسماء الأنبياء والصالحين. ثم ذكر حديثَ المغيرةِ بنِ شُعْبَةَ، قال: لما قَدِمْتُ نجرانَ سألُوني فقالوا: إنَّكم تقرؤونَ: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم/٢٨]. وموسى قَبْلَ عيسى بكذا وكذا! فلما قدمتُ على رسولِ الله ﷺ سألتُه عن ذلك؟ فقال: "إنَّهم كانُوا يسمُّون بأنبيائِهِم والصَّالحينَ قبْلَهُمْ" (٢).

стр. 238

الفصل الثالث في تغييرِ الاسمِ باسمٍ آخَر لمصلحةٍ تقتضِيه عن ابن عمر أن النبيّ ﷺ غيَّر اسمَ عَاصِيَةَ، وقال: "أنتِ جَمِيلَةُ" (١). وفي "صحيح البخاريّ"، عن أبي هُرَيْرَة، أنَّ زينبَ كان اسمُها بَرَّةَ. فقيل: تزكِّي نفسَها، فسمَّاها رسولُ الله ﷺ : زَيْنَبَ (٢). وفي "سنن أبي داود" من حديث سعيدِ بنِ المسيِّب عن أبيه عن جدِّه، أن النبيَّ ﷺ قال: "ما اسمُك؟ " قال: حَزْنٌ. قال: "أنتَ سَهْلٌ" قال: لا، السَّهْلُ يُوطَأ ويُمْتَهَنُ. قال سعيدٌ: فظننتُ أنَّه سيصيبُنا بعده حُزُونَةٌ (٣). و في "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ أُتِيَ بالمُنْذِر بن أبي أسيد حين ولد، فوضعه على فخذه فأقاموه، فقال: "أين الصبيُّ؟ " فقال: أبو أسيد: قَلَبْنَاهُ يا رسولَ الله، قال: "ما اسمُه؟ " قال: فلان، قال: "لا، ولكنَّ اسمَهُ المُنْذِرُ" (٤). وروى أبو داود في "سننه" عن أُسامةَ بنِ أَخْدَرِيٍّ أنَّ رجلًا كان يُقال

стр. 239

له: أَصْرَمُ، كان في النَّفَر الذين أَتَوا رسولَ الله ﷺ فقال: "ما اسمُك؟ " قال: أَصْرَمُ، قال: "بل أنتَ زُرْعَةُ" (١). قال أبو داود (٢): وغيَّر رسولُ الله ﷺ اسمَ العاصِ وعَزِيْزٍ وعَتلَةَ، وشَيْطَانٍ، والحَكَمِ وغُرَابٍ، وشِهَابٍ، وحُبَابٍ، فسمَّاه هشامًا، وسمَّى حَرْبًا: سِلْمًا، وسمَّى المضْطَجِعَ: المُنْبَعِثَ، وأرضًا يقال لها: عَفِرَة: خَضِرَةً، وشِعْبَ الضَّلالَةِ سمَّاهُ: شِعبَ الهُدَى، وبنو الزِّنْيَةِ سمَّاهم: بني الرِّشدَةِ، وسمَّى بني مُغْوِيَّةَ: بني رِشْدَةَ. قال أبو داود: تركت أسانيدها للاختصار. وفي "سُننِ البَيْهَقِيّ" من حديث اللَّيثِ بنِ سَعد، عن يزيدَ بنِ أَبي حَبيبٍ، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزّبيديِّ: قال: تُوُفِّي صاحبٌ لي غريبًا، فكنَّا على قبره أنا وعبد الله بن عُمَر، وعبد الله بن عَمْرو بن العاص، وكان اسمي: العاص، واسم ابن عمر العاص، واسم ابن عَمْرو العاص (٣)، فقال لنا رسول الله ﷺ : "انْزِلُوا فاقْبُرُوهُ، وأنتم عَبيدُ الله" قال:

стр. 240

فنزلنا فقبرنا أخانا، وصعدنا من القبر، وقد أُبدِلت أسماؤنا (١). وإسناده جيد إلى الليث، ولا أدري ما هذا؟ فإنه لا يُعرف تسمية عبدالله بن عمر، ولا ابن عَمْرو، بالعاص. وقد قال ابنُ أبي شَيْبَةَ في "مصنَّفه": حدّثنا محمَّد بن بشر، حدّثنا زكريا، عن الشَّعبِيِّ قال: لم يدرك الإسلامَ من عصاة قريش غيرُ مطيع، وكان اسمه العاصي، فسماه رسول الله ﷺ مطيعًا (٢). وقال أبو بكر بن المُنْذِر: حدّثنا محمَّد بن إسماعيل، حدّثنا أبو نُعيم، حدّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسْحَاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي ــ ﵁ ــ قال: لما وُلِدَ الحَسَنُ سمَّيْتُه: حربًا، قال: فجاء النبيّ ﷺ فقال: "أَرُونِي ابنِي ما سمَّيتُمُوهُ؟ " قلنا: حربًا قال: "بل هو حسنٌ"، فلما ولد الحُسَين سمَّيتُه: حربًا، فجاء النبيُّ ﷺ ، فقال: "أرُوني ابنِي ما سمَّيتُموه؟ " قلنا: حربًا قال: "بل هو حُسَينٌ". قال: فلما ولد الثالث سميته: حربًا، فجاء النبيّ ﷺ فقال: "أَرُوني ابنِي ما سمَّيتُموهُ؟ " قلنا: حربًا، قال: "بل هو مُحسِّنٌ"، ثم قال: "إني سمَّيتُهم بأسماء ولد هارونَ:

стр. 241

شبَرٌ وشَبِيرٌ ومُشَبِّرٌ" (١). وفي "مصنف ابن أبي شيبة": حدّثنا محمَّد بن فضيل، عن العلاء بن المسيب، عن خيثمة قال: كان اسم أبي في الجاهليَّة عزيزًا، فسماَّه رسول الله ﷺ : عبدَ الرَّحمنِ (٢). وقال البُخَاريّ في كتاب "الأدب" (٣): حدّثنا إبراهيم بن المُنْذِر، حدّثنا يزيدُ بنُ الحبابِ، قال: حدّثني ابنُ عبدِ الرَّحمنِ بن سعيدٍ المخزوميّ ـ وكان اسمه الصَّرْم ـ فسمَّاه رسول الله ﷺ : سعيدًا. حدّثنا محمَّد بن سنان، حدّثنا عبدُ الله بنُ الحارثِ بنِ أبْزَى، قال حدثتني أمي رائطة بنت مُسْلِم عن أبيها قال: شَهِدْتُ مع رسول الله ﷺ حُنَيْنًا، فقال لي: "ما اسْمُك؟ " قلت: غُرابٌ. قال: "لا، بل أنتَ

стр. 242

مُسْلِمٌ" (١). فصل وكما أن تغيير الاسم يكون لقُبْحِهِ وكراهتِهِ، فقد يكون لمصلحةٍ أُخرى مع حُسْنِه، كما غيَّر اسم بَرَّةَ بزينبَ، كراهةَ التزكيةِ، وأن يقال: خرج مِنْ عند بَرَّة، أو يقال: كنت عند بَرَّة؟ فيقول: لا. كما ذكر في الحديث (٢). فصل وغيَّر النبيّ ﷺ اسمَ المدينةِ، وكان يَثْرِبَ فسمَّاها: طابةَ، كما في "الصحيحين" عن أبي حميد قال: أقبلْنَا مع رسُولِ الله ﷺ مِن تَبوك حتى أَشرفْنا على المدينة، فقال: هذه طَابةُ (٣). وفي "صحيح مسلم": عن جابر بن سَمُرَة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ اللهَ سمَّى المدينةَ طَابةَ" (٤).

стр. 243

ويكره تسميتُها: "يثرب" كراهةً شديدة، وإنما حكى الله تسميتها "يثرب" عن المنافقين، فقال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب/ ١٢ ـ ١٣]. وفي "سنن االنَّسائيّ" (١): من حديث مالكٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، أنه قال: سمعتُ أبا الحُبابِ سعيدَ بنَ يسارٍ يقول: سمعتُ أبا هُرَيرَةَ يقولُ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "أُمِرْتُ (٢) بقريةٍ تأكلُ القُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وهي المَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ".

стр. 244

الفصل الرابع في جوازِ تَكنيةِ المولُودِ بأبي فُلانٍ في "الصَّحِيحَينِ" من حديثِ أنسٍ قال: كان النبيُّ ﷺ أحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا وكانَ لي أخٌ يقال له: أبو عُمَير، وكان النبيُّ ﷺ إذا جاءَ يقولُ له: "يا أبا عُمَير! ما فعل النُّغَيرُ" ـ لِنُغَيرٍ كانَ يلعبُ به ـ. قال الرَّاوي: أظنُّه كان فطيمًا (١). وكان أَنَسٌ يكنَّى قبل أن يُولَدَ له بأبي حَمْزَة، وأبو هريرة كان يكنَّى بذلك، ولم يكن له ولدٌ إذْ ذاك. وأَذِنَ النبيُّ ﷺ لعَائِشَةَ أن تكنَّى بأمِّ عبدِ الله، وهو عبدُ الله بنُ الزُّبَير، وهو ابنُ أختِها أسماء بنتِ أبي بكرٍ. هذا هو الصحيح (٢)، لا الحديث الذي رُوِي أنها أسقطتْ من النبيّ ﷺ سِقْطًا، فسمَّاه عبدَ الله، وكنَّاها به،

стр. 245

فإنه حديثٌ لا يصحُّ (١). ويجوز تكنيةُ الرَّجل الذي له أولادٌ بغير أولادِه، ولم يكن لأبي بكرٍ ابنٌ اسمُه بكرٌ، ولا لعمرَ ابنٌ اسمه حَفْصٌ، ولا لأبي ذرٍّ ابنٌ اسمُه ذَرٌّ، ولا لخالدٍ ابنٌ اسمُه سليمانُ، وكان يكنَّى أبا سليمان (٢)، وكذلك أبو سلمةَ. وهو أكثر من أن يُحصى. فلا يلزمُ من جواز التكنيةِ أن يكونَ له ولدٌ، ولا أن يكنَّى باسمِ ذلكَ الوَلدِ (٣)، والله أعلم.

стр. 246

والتكنيةُ نوعُ تكبيرٍ (١) وتفخيمٍ للمكنَّى، وإكرامٌ له، كما قال: أَكْنِيهِ حِيْنَ أُنَادِيهِ لِأُكْرِمَهُ ... وَلَا أُلَقِّبُهُ، والسَّوْأَةُ اللَّقَبُ (٢)

стр. 247

الفصل الخامس في أنَّ التَّسميةَ حقٌّ للأبِ، لا للأمِّ هذا مما لا نزاع فيه بين النَّاس، وإن الأبوين إذا تنازعا في تسمية الولد، فهي للأب. والأحاديثُ المتقدمةُ كلُّها تدلُّ على هذا. وهذا كما أنه يُدْعَى لأبيه لا لأمه، فيقال: فلانُ ابنُ فلانٍ، قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب /٥]. والولدُ يتْبَعُ أمَّه في الحريَّة والرِّقِّ، ويتبع أباه في النَّسَبِ، والتسميةُ تعريفٌ للنَّسَب والمنْسُوبِ، ويتبع في الدِّين خيرَ أبَوَيهِ دينًا. فالتعريفُ كالتعليمِ والعَقيقةِ، وذلك إلى الأب، لا إلى الأم، وقد قال النبيُّ ﷺ : "وُلد ليَ اللَّيلةَ مَولُودٌ فسمَّيتُه باسمِ أبي إبراهِيمَ" (١). وتسميةُ الرَّجُلِ ابنَهُ كتَسْمِيَةِ غُلامِهِ.

стр. 248

الفصل السَّادس في الفرق بين الاسمِ والكُنيةِ واللَّقبِ هذه الثلاثةُ وإن اشتركتْ في تعريفِ المدعوِّ بها، فإنها تفترقُ في أمرٍ آخرَ، وهو أنَّ الاسمَ إمَّا أن يُفهِمَ مدحًا أو ذمًّا، أو لا يُفهِم واحدًا منهما: فإن أفهم ذلك فهو اللَّقبُ. وغالبُ استعمالِه في الذمّ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات/ ١١]. ولا خلاف في تحريم تلقيب الإنسان بما يكرهه، سواءٌ كان فيه أو لم يكن، وأمَّا إذا عُرِف بذلك، واشتهر به كالأَعْمَشِ، والأَشْتَرِ، والأَصَمِّ، والأَعْرَجِ، فقد اضطرد استعمالُه على ألسنة أهل العِلم قديمًا وحديثًا، وسهَّل فيه الإمام أحمدُ. قال أبو داود في "مسائلِه": "سمعت أحمدَ بنَ حنبل سُئِل عن الرَّجُلِ يكونُ له اللَّقب، لا يُعرَف إلا به ولا يَكرهُه؟ قال: أليسَ يُقال: سليمانُ الأعمشُ، وحميد الطويل؟ كأنه لا يَرَى به بأسًا. قال أبو داود: سألت أحمدَ عنه مرةً أُخرى، فرخَّصَ فيه. قلت: كان أحمد يكره أن يقولَ: الأعمشُ. قال الفُضَيلُ: يَزْعُمُونَ، كان يقولُ: سليمانُ" (١).

стр. 249

وإمَّا أن لا يُفْهِمَ مَدْحًا ولا ذمًّا، فإن صُدِّر بأبٍ أو أمٍّ، فهو الكُنْيَةُ، كأبي فلان وأم فلان، وإن لم يصدَّرْ بذلك، فهو الاسمُ، كزيدٍ، وعَمْرو. وهذا هو الذي كانت تعرفُه العرب، وعليه مدارُ مُخاطباتِهم. وأمّا فلانُ الدِّين، وعِزُّ الدين، وعِزُّ الدَّولة، وبهاءُ الدَّولة، فإنَّهم لم يكونوا يعرفونَ ذلك، وإنَّما أَتَى هذا من قِبَلِ العَجَمِ.

стр. 250

الفصل السَّابع في حُكم التَّسمية باسمِ نبيّنا ﷺ والتّكنِّي بكُنْيتهِ إفرادًا وجَمعًا ثبت في "الصَّحيحينِ" من حديث محمَّدِ بنِ سِيرِين، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : "تَسَمَّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوا بِكُنْيَتِي" (١). وقال البُخَاريّ في "صحيحه": باب قول النبيِّ ﷺ : "تَسَمَّوا باسْمِي ولا تَكَنَّوا بكُنْيَتِي" قاله أنس عن النبيّ ﷺ (٢). حدّثنا مُسَدَّدٌ: حدّثنا خالد، عن حُصَين، عن سالم، عن جابر قال: وُلِدَ لرجلٍ منَّا غلامٌ فسمَّاه القاسمَ، فقالوا: لا تكنِّهِ حتى تسأل النبيَّ ﷺ فقال: "تسمَّوا باسْمِي ولا تَكَنَّوا بكُنْيَتِي" (٣). حدّثنا عبدُ الله بن محمَّد، حدّثنا سفيان، سمعت ابنَ المُنْكَدِر، سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: وُلِدَ لرجلٍ منَّا غلامٌ فسمَّاه القاسِمَ، فقلنا:
следующие страницы →