← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 229

تحفة المودود بأحكام المولود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (505 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والتكنيةُ نوعُ تكبيرٍ (١) وتفخيمٍ للمكنَّى، وإكرامٌ له، كما قال: أَكْنِيهِ حِيْنَ أُنَادِيهِ لِأُكْرِمَهُ ... وَلَا أُلَقِّبُهُ، والسَّوْأَةُ اللَّقَبُ (٢)

стр. 247

الفصل الخامس في أنَّ التَّسميةَ حقٌّ للأبِ، لا للأمِّ هذا مما لا نزاع فيه بين النَّاس، وإن الأبوين إذا تنازعا في تسمية الولد، فهي للأب. والأحاديثُ المتقدمةُ كلُّها تدلُّ على هذا. وهذا كما أنه يُدْعَى لأبيه لا لأمه، فيقال: فلانُ ابنُ فلانٍ، قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب /٥]. والولدُ يتْبَعُ أمَّه في الحريَّة والرِّقِّ، ويتبع أباه في النَّسَبِ، والتسميةُ تعريفٌ للنَّسَب والمنْسُوبِ، ويتبع في الدِّين خيرَ أبَوَيهِ دينًا. فالتعريفُ كالتعليمِ والعَقيقةِ، وذلك إلى الأب، لا إلى الأم، وقد قال النبيُّ ﷺ : "وُلد ليَ اللَّيلةَ مَولُودٌ فسمَّيتُه باسمِ أبي إبراهِيمَ" (١). وتسميةُ الرَّجُلِ ابنَهُ كتَسْمِيَةِ غُلامِهِ.

стр. 248

الفصل السَّادس في الفرق بين الاسمِ والكُنيةِ واللَّقبِ هذه الثلاثةُ وإن اشتركتْ في تعريفِ المدعوِّ بها، فإنها تفترقُ في أمرٍ آخرَ، وهو أنَّ الاسمَ إمَّا أن يُفهِمَ مدحًا أو ذمًّا، أو لا يُفهِم واحدًا منهما: فإن أفهم ذلك فهو اللَّقبُ. وغالبُ استعمالِه في الذمّ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات/ ١١]. ولا خلاف في تحريم تلقيب الإنسان بما يكرهه، سواءٌ كان فيه أو لم يكن، وأمَّا إذا عُرِف بذلك، واشتهر به كالأَعْمَشِ، والأَشْتَرِ، والأَصَمِّ، والأَعْرَجِ، فقد اضطرد استعمالُه على ألسنة أهل العِلم قديمًا وحديثًا، وسهَّل فيه الإمام أحمدُ. قال أبو داود في "مسائلِه": "سمعت أحمدَ بنَ حنبل سُئِل عن الرَّجُلِ يكونُ له اللَّقب، لا يُعرَف إلا به ولا يَكرهُه؟ قال: أليسَ يُقال: سليمانُ الأعمشُ، وحميد الطويل؟ كأنه لا يَرَى به بأسًا. قال أبو داود: سألت أحمدَ عنه مرةً أُخرى، فرخَّصَ فيه. قلت: كان أحمد يكره أن يقولَ: الأعمشُ. قال الفُضَيلُ: يَزْعُمُونَ، كان يقولُ: سليمانُ" (١).

стр. 249

وإمَّا أن لا يُفْهِمَ مَدْحًا ولا ذمًّا، فإن صُدِّر بأبٍ أو أمٍّ، فهو الكُنْيَةُ، كأبي فلان وأم فلان، وإن لم يصدَّرْ بذلك، فهو الاسمُ، كزيدٍ، وعَمْرو. وهذا هو الذي كانت تعرفُه العرب، وعليه مدارُ مُخاطباتِهم. وأمّا فلانُ الدِّين، وعِزُّ الدين، وعِزُّ الدَّولة، وبهاءُ الدَّولة، فإنَّهم لم يكونوا يعرفونَ ذلك، وإنَّما أَتَى هذا من قِبَلِ العَجَمِ.

стр. 250

الفصل السَّابع في حُكم التَّسمية باسمِ نبيّنا ﷺ والتّكنِّي بكُنْيتهِ إفرادًا وجَمعًا ثبت في "الصَّحيحينِ" من حديث محمَّدِ بنِ سِيرِين، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : "تَسَمَّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوا بِكُنْيَتِي" (١). وقال البُخَاريّ في "صحيحه": باب قول النبيِّ ﷺ : "تَسَمَّوا باسْمِي ولا تَكَنَّوا بكُنْيَتِي" قاله أنس عن النبيّ ﷺ (٢). حدّثنا مُسَدَّدٌ: حدّثنا خالد، عن حُصَين، عن سالم، عن جابر قال: وُلِدَ لرجلٍ منَّا غلامٌ فسمَّاه القاسمَ، فقالوا: لا تكنِّهِ حتى تسأل النبيَّ ﷺ فقال: "تسمَّوا باسْمِي ولا تَكَنَّوا بكُنْيَتِي" (٣). حدّثنا عبدُ الله بن محمَّد، حدّثنا سفيان، سمعت ابنَ المُنْكَدِر، سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: وُلِدَ لرجلٍ منَّا غلامٌ فسمَّاه القاسِمَ، فقلنا:

стр. 251

لا نُكَنِّيكَ بأَبِي القَاسِمِ ولا نُنْعِمُكَ عينًا، فأتَى النبيَّ ﷺ فذكر له ذلك، فقال: "اسْمُ ابْنِكَ عبدُ الرَّحمنِ" (١). وفي "صحيح مُسْلِم": من حديثِ إسْحَاق بنِ رَاهُويَه، أخبرَنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سالم بنِ أبي الجَعْدِ، عن جابر قال: وُلِدَ لرجلٍ منَّا غلامٌ فسمَّاه محمَّدًا فقال له قومُه: لا نَدَعُكَ تُسَمِّي بِاسْمِ رسولِ الله ﷺ ، فانطلقَ بِابنِه حَامِلَهُ على ظَهْرِهِ، فقال: يا رسولَ الله! وُلِدَ لي غلامٌ، فسمَّيتُه محمَّدًا، فقال لي قومي: لا نَدَعُكَ تُسَمِّي بِاسْمِ رسولِ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "تَسَمَّوا بِاسْمِي ولا تَكَنَّوا بكُنيتي، فإنَّما أنا قاسمٌ أَقْسِمُ بَينكُم" (٢). وفي "صحيحه" من حديث أبي كُرَيبٍ، عن مَرْوانَ الفَزَارِيِّ، عن حُمَيد، عن أنسٍ قال: نادى رجلٌ رجلًا بالبقيع: يا أبا القاسم، فالتفتَ إليه رسولُ الله ﷺ . فقال: يا رسولَ الله إنِّي لم أَعْنِكَ، إنمّا دعوتُ فلانًا، فقال رسولُ الله ﷺ : "تسمَّوا بِاسْمِي ولا تكنَّوا بِكُنْيَتِي" (٣). فاختلف أهل العلم في هذا الباب بعد إجماعهم على جواز التسمِّي

стр. 252

باسمه ﷺ : فعن أَحْمَد روايتان، (إحداهما): يُكره الجمعُ بين اسمِه وكُنيتِه، فإن أفرد أحدَهما لم يُكره. و (الثانية): يُكرَهُ التكنِّي بكُنيته، سواءٌ جمَعَهَا إلى الاسمِ أو أفردَها (١). وقال البَيهَقِيُّ: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: سمعت أبا العبَّاس محمَّد بنَ يَعقوب يقول: سمعت الرَّبِيعَ بنَ سُليمان يقول: سمعت الشّافِعِيّ يقول: لا يحلُّ لأحدٍ أن يكتني بأبي القاسم، كان اسمُه محمَّدًا أو غيره. وروي معنى قوله هذا عن طاووس (٢). قال السُّهيليُّ: وكان ابنُ سِيرِينَ يَكره أن يتكنّى أحدٌ بأبي القَاسِمِ، كان اسمُهُ محمَّدًا أو لم يكنْ (٣). وقالت طائفة: هذا النهيُ على الكراهةِ لا على التَّحريمِ. قال وَكِيْعٌ عن ابنِ عَوْنٍ: قلت لمحمَّد: أكان يكره أن يكنّى الرجل بأبي القاسم وإن لم يكن اسمه محمَّدًا؟ قال: نعم.

стр. 253

وقال ابنُ عَون عن ابن سيرين: كانوا يكرهون أن يكنى الرجل أبا القاسم وإن لم يكن اسمُه محمَّدا؟ قال: نعم (١). قالوا: ويتعين حملُ النَّهي (٢) على الكراهةِ جمعًا بينه وبين أحاديثِ الإذنِ في ذلك. وقالت طائفةٌ أخرى: بل ذلك مباحٌ. وأحاديثُ النَّهْيِ منسوخةٌ. واحتجُّوا بما رواه أبو داود في "سننه": حدّثنا النُّفَيليُّ، حدّثنا محمَّدُ ابنُ عِمْرَانَ الحَجَبِيُّ، عن جَدَّته صفيةَ بنتِ شَيبةَ، عن عائشةَ ﵂ قالت: جاءتْ امرأةٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إني قد وَلَدْتُ غلامًا، فسمَّيته محمَّدًا، وكَنَّيتُهُ أبا القاسم، فَذُكِرَ لي أنَّك تكره ذلك. فقال: "مَا الَّذي أحلَّ اسْمِي وحَرَّمَ كُنْيَتِي" أو "مَا الذي حرَّم كُنْيَتِي وأحلَّ اسْمِي؟ " (٣). وقال ابنُ أَبي شَيبَةَ: حدّثنا محمَّدُ بنُ الحَسَنِ، حدّثنا أبو عَوانَةَ، عن

стр. 254

مُغِيرَةَ، عن إبراهيم قال: كان محمَّدُ بنُ الأشعث ابنَ أختِ عَائِشَة، وكان يُكنى أبا القاسم (١). وقال ابن أبي خَيثَمَةَ: حدّثنا الزُّبَير بن بَكَّار، حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله الأَوْديّ (٢)، قال: حدّثني أسامةُ بنُ حفصٍ ـ مولًى لآل هشام بن زهرة ـ عن راشدِ بنِ حَفْصٍ الزُّهْرِيّ، قال: أدركتُ أربعةً من أبناءِ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، كلٌّ منهم يُسمَّى محمَّدًا ويُكَنَّى أبَا القَاسِمِ: محمَّدُ بنُ طَلحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله، ومحمَّدُ بنُ أبي بكر الصدّيق، ومحمَّدُ بنُ عليّ بنِ أبي طالب، ومحمَّدُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقَّاص (٣). قال: وحدّثنا أبي، حدّثنا جَريرٌ عن مُغِيرة، عن إبراهيم قال: كان محمَّدُ بن عليٍّ يكنى أبا القاسم، وكان محمَّد بنُ الأشعث يكنى بها، ويدخل على عائشةَ فلا تُنْكِر ذلك (٤). قال السُّهَيْلِيُّ: وسئل مالك عمَّن اسمُهُ محمَّدٌ (ويكنى بأبي القاسم؟ فلم يَرَ بهِ بأسًا. فقيل له: أكنَّيتَ ابنَك أبا القاسم واسمُهُ محمَّد؟) (٥) فقال: ما كنَّيتُه بها، ولكنَّ أهله يكنونه بها، ولم أسمع في ذلك نهًيا، ولا

стр. 255

أرى بذلك بأسًا (١). وقالت طائفة أخرى: لا يجوز الجمع بين الكنية والاسم، ويجوزُ إفرادُ كلِّ واحدٍ منهما. واحتجت هذه الفِرْقة بما رواه أبو داود في "سننه" حدّثنا مُسْلِمُ بن إبراهيم، حدّثنا هِشَامٌ عن أبي الزُّبَير عن جابر أن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ تَسَمَّى باسْمِي فلا يتكَنَّى بِكُنْيَتِي، ومن تكنَّى بكُنيتي فلا يتَسمَّى بِاسْمِي" (٢). وقال أبو بكرِ بنُ أبي شَيبةَ: حدّثنا وَكِيْع، عن سفيان، عن عبدالكريم (٣) الجَزَرِيِّ، عن عبد الرَّحمن بن أبي عَمْرَة، عن عمِّه، قال: قال: رسول الله ﷺ : "لا تجمَعُوا بين اسمي وكنيتي" (٤). وقال ابنُ أَبي خَيثَمَةَ: وقيل: إن محمَّد بن طَلْحَة لما وُلِدَ، أتَى طَلْحَةُ

стр. 256

النبيَّ ﷺ فقال: اسْمُه مُحمَّد، أُكَنِّيه أبا القاسم؟ فقال: "لا تجمعهما له، هو أبو سُلَيمَانَ" (١). وقالت طائفة أخرى: النهي عن ذلك مخصوص بحياته، لأجل السبب الذي ورد النهيُ لأجْله، وهو دعاءُ غيرِه بذلك، فيظنُّ أنه يَدْعُوهُ. واحتجَّت هذه الفِرْقَةُ بما رواه أبو داود في "سننه": حدّثنا أبو بَكْرٍ وعثمانُ ابْنَا أَبي شَيبةَ، قالا: حدّثنا أبو أسامةَ، عن فِطْرٍ، عن مُنْذِرٍ، عن محمَّد بن الحَنَفِيَّة، قال: قال عليٌّ ﵁: يا رسولَ الله! إنْ وُلِدَ لي بعدَك ولدٌ، أُسمِّيه باسمك وأُكْنِيهِ بِكُنْيَتِكَ؟ قال: "نعم" (٢). وقال حُمَيدُ بنُ زَنْجَوَيه في (كتاب الأدب): سألتُ ابنَ أبي أُوَيْس: ما كان مالكٌ يقول في رجل يجمع بين كنية النبيّ ﷺ واسمه؟ فأشار إلى شيخٍ جالس معنا، فقال: هذا محمَّد بن مالك. سمَّاه محمَّدًا وكناه أبا القاسم، وكان يقول: إنما نُهِيَ عن ذلك في حياة النبيِّ ﷺ كراهية أن يُدْعَى أحد باسمه وكنيته، فيلتفت النبيُّ ﷺ ، فأمَّا اليومَ فلا بأسَ بذلكَ (٣).

стр. 257

قال حُمَيْدُ بنُ زَنْجَوَيه: إنما كره أن يدعى أحدٌ بكنيته في حياته، ولم يكره أن يُدعى باسمه، لأنه لا يكاد أحدٌ يدعوه باسمه، فلما قُبِضَ ذهب ذلك، ألا ترى أنه أَذِنَ لعليٍّ إن ولد له ولد بعده أن يجمع له الاسم والكنية؟ وإن نفرًا من أبناء وجوه الصحابة جمعوا بينهما، منهم محمَّد ابن أبي بكر، ومحمَّد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمَّد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمَّد بن حاطب، ومحمَّد بن المُنْذِر (١). وقال ابنُ أَبي خَيثمَةَ في "تاريخه": حدّثنا ابنُ الأَصْبَهَانِي، [أنا عليُّ ابن هَاشِمٍ] (٢)، عن فِطْرٍ، عن مُنذرٍ، عن ابن الحَنَفِيَّةِ، قال: قال رسول الله ﷺ [لعليٍّ]: "إنه سيولدُ لكَ بعدي ولدٌ (٣) فَسَمِّهِ باسمي وكَنِّهِ بكُنْيَتِي" فكانتْ رخصةً مِنْ رَسُولِ الله ﷺ لِعَليٍّ (٤). وللكراهة ثلاثة مآخذ: (أحدها): إعطاء معنى الاسم لغير مَنْ يصلح له، وقد أشار النبيّ ﷺ

стр. 258

إلى هذه العلَّة، بقوله: "إنَّما أنا قاسمٌ، أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ" (١). فهو ﷺ يقسمُ بينهم ما أمر ربُّه تعالى بقسمته، لم يكن يقسم كقسمةِ الملوكِ الذين يُعطُون مَن شاؤوا ويَحْرِمون مَن شاؤوا. و (الثاني): خشية الالتباسِ وقتَ المخاطبةِ والدعوةِ، وقد أشار إلى هذه العلَّة في حديث أنس المتقدِّم حيث قال الدَّاعي: لم أَعْنِكَ، فقال: "تسمَّوا بِاسْمِي ولا تكنّوا بكُنيتي" (٢). و (الثالث): أنَّ في الاشتراك الواقعِ في الاسم والكنية معًا زوالَ مصلحةِ الاختصاصِ والتمييزِ بالاسم والكُنية، كما نهى أن يَنْقُشَ أحدٌ على خاتمِه كنقْشِهِ (٣). فعلى المأخذ الأول: يمنع الرجل من كنيته في حياته وبعد موته. وعلى المأخذ الثاني: يختص المنع بحال حياته. وعلى المأخذ الثالث: يختص المنع بالجمع بين الكنية والاسم دون إفراد أحدهما. والأحاديث في هذا الباب تدور على هذه المعاني الثلاثة، والله أعلم.

стр. 259

الفصل الثامن في جوازِ التَّسمية بأكثرَ من اسمٍ واحدٍ لما كان المقصود بالاسم التعريف والتمييز، وكان الاسم الواحد كافيًا في ذلك، كان الاقتصار عليه أولى. ويجوز التسمية بأكثر من اسم واحد، كما يوضع له اسم وكنية ولقب. وأمَّا أسماءُ الربِّ تعالى وأسماءُ كِتَابهِ وأسماءُ رسولِه، فلما كانت نعوتًا دالَّةً على المدح والثناءِ لم تكن من هذا الباب، بل من باب تكثير الأسماء لجلالة المسمَّى وعَظَمَتِه وفَضْلِه، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف/ ١٨]. وفي "الصحيحين": من حديث جُبَيْرِ بنِ مُطْعِم قال: قال رسول الله ﷺ :"لِي خمسةُ أسماءٍ: أنا محمَّدٌ، وأنا أَحْمَدُ، وأنا المَاحِي الذي يَمْحُو الله بيَ الكُفْرَ، وأنا الحاشرُ الذي يُحشر الناسُ على قَدَمِي، وأنا العَاقِبُ الّذي ليس بَعْدَهُ نَبِيٌّ" (١).

стр. 260

وقال الإمام أَحْمَد: حدّثنا أسْودُ بن عامر، حدّثنا أبو بكر، عن عاصم بن بَهْدَلَة، عن أبي وائل، عن حُذَيْفةَ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا محمَّدٌ، وأَحْمَدُ، والمقَفِّي، والحاشِرُ، ونبيُّ التوبةِ، ونبيُّ المَلَاحِمِ" (١). قال أَحْمَد (٢): وحدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا المسعودي، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن أبي عُبيدةَ، عن أبي موسى، قال: سمَّى لنا رسولُ الله ﷺ نفسَه أسماء، منها ما حفظناه، ومنها ما لم نحفظه، قال: "أنا محمَّد، وأَحْمَد، والمقفِّي، والحاشِر، ونبيُّ التوبة، ونبي الملاحِمِ". رواه مُسْلِم في "صحيحه" (٣). وذكر أبو الحُسَينِ ابنُ فارس (٤) لرسول الله ﷺ ، ثلاثة وعشرين اسمًا: محمَّدٌ، وأَحْمَدُ، والمَاحِي، والعَاقِبُ، والمقفِّي، ونبيُّ الرحمة، ونبيُّ التوبة، ونبيُّ المَلَاحِمِ، والشَّاهدُ، والمبشِّر، والنذيرُ، والضَّحُوكُ، والقَتَّال، والمتوكِّل، والفاتحُ، والأمينُ، والخاتمُ، والمصطفَى، والرَّسولُ، والنبيُّ، والأميُّ، والقَاسِمُ، والحَاشِرُ (٥).

стр. 261

الفصل التاسع في بيانِ ارتباطِ معنَى الاسمِ بالمسَمَّى وقد تقدم ما يدلُّ على ذلك من وجوه (١): أحدهما: قول سعيد بن المسيّب: ما زالت فينا (٢) تلك الحزونة. وهي التي حصلت من تسمية الجد بحزن (٣). وقد تقدم قول عُمر لِجَمْرَةَ بنِ شِهَابٍ: أدركْ أهلَك فقدِ احترقُوا (٤). ومنع النبيُّ ﷺ مَن كان اسمه حربًا أو مُرَّة أن يحلب الشَّاة تلك التي أراد حَلْبَهَا (٥). وشواهدُ ذلك كثيرةٌ جدًّا، فقلَّ (٦) أنْ تَرى اسمًا قبيحًا، إلا وهو على

стр. 262

مسمَّى قبيحٍ، كما قيل (١): وقَلَّ أنْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ ... إلَّا وَمَعْنَاهُ إنْ فَكَّرْتَ فِي لَقَبِهْ والله ـ سبحانه ـ بحكمته في قضائه وقدَره يُلْهِمُ النفوسَ أن تضعَ الأسماءَ على حسب مُسمَّياتها، لِتُناسِبَ حكمتَه تعالى بين اللفظ ومعناه، كما تناسبتْ بين الأسباب ومسبَّباتها (٢). قال أبو الفتح ابن جِنِّي: ولقد مرَّ بي دهرٌ وأنا أسمع الاسم، لا أدري معناه فآخذ معناه من لفظه، ثم أكشفه، فإذا هو ذلك بعينه أو قريب منه. فذكرت ذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدّس اللهُ روحَهُ ـ فقال: وأنا يقع لي ذلك كثيرًا (٣). وقد تقدم قوله ﷺ : "أسْلَمُ سَالمَها اللهُ، وغفارٌ غَفَرَ الله لها، وعُصيَّةُ عَصَتِ اللهَ ورسُولَهُ" (٤). ولما أسلم وَحْشِيٌّ ـ قاتِلُ حَمزَة ـ وقف بين يدي النبيّ ﷺ فَكَرِهَ اسْمَه وفِعْلَهُ وقال: "غيِّبْ وَجْهَكَ عنِّي" (٥).

стр. 263

وبالجملة: فالأخلاقُ والأفعالُ القبيحةُ تستدعي أسماء تُناسبُها، وأضدادُها تستدعي أسماء تناسبها، وكما أنَّ ذلك ثابت في أسماء الأوصاف، فهو كذلك في أسماء الأعلام، وما سُمِّيَ رسول الله ﷺ : محمَّدًا وأَحْمَدَ إلا لكثرة خصال الحمد فيه، ولهذا كان لواء الحمد بيده، وأمتُه الحمَّادون، وهو أعظمُ الخلق حمدًا لربِّه تعالى، ولهذا أَمَرَ رسولُ الله ﷺ بتحسين الأسماء، فقال: "حَسِّنُوا أسْمَاءَكُمْ" (١)، فإن صاحب الاسم الحَسَن قد يستحي من اسمه، وقد يحمله اسمه على فعل ما يناسبه وترك ما يضادُّه، ولهذا ترى أكثرَ السُّفْلِ أسماؤهم تناسبهم، وأكثر العلية أسماؤهم تناسبهم، وبالله التوفيق.

стр. 264

الفصل العاشر في بيان أنَّ الخَلْق يُدعَون يوم القيامةِ بآبائهم لا بأمَّهاتهم هذا هو الصوابُ الذي دلَّت عليه السنَّةُ الصحيحةُ الصَّريحةُ، ونصَّ عليه الأئمةُ، كالبُخَاريّ وغيره، فقال في "صحيحه" (١): بابٌ: يُدْعَى النَّاسُ يومَ القيامةِ بآبائِهِمْ لا بِأُمَّهَاتِهِمْ. ثم ساق في الباب حديثَ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذَا جمعَ اللهُ الأوَّلِينَ، والآخِرِينَ يَومَ القيامةِ، يُرْفعُ لكلِّ غَادرٍ لواءٌ يومَ القيامةِ، فيقال: هذه غَدْرَةُ فلانِ بنِ فُلانٍ" (٢). وفي "سنن أبي داود" بإسناد جيِّد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّكم تُدْعَونَ يَومَ القِيَامةِ بِأَسْمَائِكم وأَسْماءِ آبائِكُمْ، فَحَسِّنُوا أسْمَاءَكُمْ" (٣). فزعم بعض الناس أنهم يُدْعَون بأُمَّهاتهم. واحتجُّوا في ذلك بحديثٍ لا يصحُّ، وهو في "معجم الطّبَرانيّ" من

стр. 265

حديث أبي أُمَامَةَ، عن النبيّ ﷺ : "إذا ماتَ أحدٌ مِنْ إخوانِكُمْ، فَسَوَّيتُمُ الترابَ على قبرِهِ، فَلْيقُمْ أحدُكم على رأسِ قَبْرِه، ثم لْيَقُلْ: يا فلان بن فلانة! فإنه يسمعُه ولا يجيبُه، ثم يقولُ: يا فلان بن فلانة! فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله ... " الحديث. وفيه: فقال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف اسم (١) أمه؟ قال: "فلينسبه إلى أمِّه حواء، يا فلان ابن حواء" (٢). قالوا: وأيضًا فالرجل قد لا يكون نَسَبُه ثابتًا من أبيه، كالمنْفِيِّ باللِّعَانِ، ووَلَدِ الزِّنا، فكيف يُدْعَى بأبيهِ؟ والجواب: أمَّا الحديثُ، فضعيفٌ باتفاق أهل العلم بالحديث. وأمَّا مَن انقطع نَسَبُه من جهة أبيه، فإنَّه يُدعَى بما يُدْعَى به في الدنيا، فالعبدُ يُدعَى في الآخرة بما يُدْعَى به في الدنيا مِنْ أبٍ أو أمٍّ. والله أعلم.

стр. 266

الباب التاسع في خِتانِ المولودِ وأحكامهِ وفيه أربعة عشر فصلًا: الفصل الأول: في معنى الختان واشتقاقه ومسماه. الفصل الثاني: في ختان إبراهيم الخليل والأنبياء من بعده. الفصل الثالث: في مشروعيته، وأنه من أصل الفطرة. الفصل الرابع: في اختلاف أهل العلم في وجوبه. الفصل الخامس: في وقت الوجوب. الفصل السَّادس: في اختلافهم في الختان في السَّابع من الولادة، هل هو مكروه، أم لا؟ وحجة الفريقين. الفصل السَّابع: في بيان حكمة الختان وفوائده. الفصل الثامن: في بيان القدر الذي يؤخذ في الختان. الفصل التاسع: في أن حكمه يعم الذكر والأنثى الفصل العاشر: في حكم جناية الخاتن وسراية الختان. الفصل الحادي عشر: في أحكام الأقلف في طهارته، وصلاته، وإمامته، وشهادته.

стр. 267

الفصل الثاني عشر: في المسقطات لوجوبه. الفصل الثالث عشر: في ختان نبينا ﷺ ، والاختلاف فيه، وهل ولد مختونًا، أو خُتِن بعد الولادة، ومتى خُتن. الفصل الرابع عشر: في الِحكَم التي لأجلها يُبعث الناس يوم القيامة غُرْلًا غيرَ مختونين.

стр. 268

الفصل الأول في بيانِ معناه واشتِقاقهِ الخِتَانُ: اسمٌ لفِعْلِ الخَاتِنِ، وهو مصدرٌ كالنّزال والقِتَال، ويُسمَّى به موضع الخَتْن أيضًا، ومنه الحديث: "إذا الْتَقَى الختَانَانِ، وَجَبَ الغُسْلُ" (١). ويسمى في حقِّ الأُنثى خَفْضًا. يقال: خَتَنْتُ الغُلامَ خَتْنًا، وخَفَضْتُ الجَارِيَةَ خَفْضًا، ويسمى في الذَّكَر إعْذارًا أيضًا. وغيرُ المعذورِ: يسمّى أَغْلف وأَقْلَف. وقد يقال: الإعذار لهما أيضًا (٢). قال: في "الصِّحَاحِ" (٣): قال أبُو عُبَيْدٍ (٤): عَذَرتُ الجَارِيَةَ والغُلام، أعذِرُهما عذرًا: خَتَنْتُهما، وكذلك، أَعْذَرْتُهما. قال: والأكثرُ خَفَضْتُ الجَارِيَةَ. والقُلْفَةُ والغُرْلَةُ، هي الجلدة التي تُقطع.

стр. 269

قال (١): وتَزْعُمُ العَربُ أنَّ الغُلام إذا وُلِد في القَمَر فُسِخَتْ قُلْفَتُه فصار كالمختون. فَخِتانُ الرَّجُلِ: هو الحرفُ المستديرُ على أسفلِ الحَشَفَةِ، وهو الذي ترتَّبت الأحكامُ على تغييبه في الفرج، فيترتَّب عليه أكثر من ثلاثمائة حُكْمٍ، وقد جمعها بعضُهم فبلغتْ أربعَمائة إلا ثمانيةَ أحكامٍ (٢). وأمَّا ختانُ المرأة فهو (٣) جلدة كعُرْفِ الدِّيك فوق الفَرْج، فإذا غابت الحشَفَةُ في الفرج حاذى ختانُه ختانَها، فإذا تحاذيَا فقد التَقَيَا، كما يقال: التقى الفارسان، إذا تحاذيا وإن لم يتضامَّا. والمقصود: أنَّ الختانَ اسمٌ للمحلِّ، وهي الجلدة التي تبقى بعد القَطْعِ، واسمٌ للفِعْل، وهو فِعْلُ الخَاتِنِ. ونظير هذا: السِّواكُ؛ فإنه اسمٌ للآلة التي يُسْتَاكُ بها، واسم (٤) للتسوُّكِ بها.

стр. 270

وقد يطلق الختان على الدعوة إلى وَلِيمَتِهِ، كما تُطلق العَقِيقَةُ على ذلك أيضًا (١).

стр. 271

الفصل الثاني في ذِكر ختانِ إبراهِيمَ الخليلِ والأنبياءِ بَعْدَهُ صلى الله عليهم أجمعين في "الصحيحين" من حديث أَبي هُرَيرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "اخْتَتَنَ إبراهيمُ ﷺ وهو ابنُ ثمانينَ سنَةً بالقَدُومِ" (١). قال البُخَاريّ: القَدُومُ ـ مخفَّفَةٌ ـ وهو اسمُ موضعٍ (٢). وقال المرُّوذِيُّ: سُئِل أبو عبد الله، هل خَتنَ إبراهيمُ ﵇ نَفْسَه بقَدُوم؟ قال: بطَرَفِ القَدُومِ (٣). وقال أبو داود وعبد الله بن أَحْمَد وحرب: إنهم سألوا أَحمد عن قوله: "اختتن بالقدوم"؟ قال: هو موضع (٤).

стр. 272

وقال غيره: هو اسمٌ للآلة، واحتجَّ بقول الشاعر: فَقُلْتُ أَعِيرُونِي القَدُومَ لَعَلَّنِي ... أَخُطُّ بِهَا قَبْرًا لِأَبْيَضَ مَاجِد (١) وقالت طائفة: مَنْ رواه مخفّفًا، فهو اسمُ الموضع، ومن رواه مثقَّلًا فهو اسمُ الآلةِ (٢). وقد رُوِيَت قصة ختان الخليل بألفاظ يُوهم بعضُها التعارضَ، ولا تعارضَ فيها ـ بحمد الله ـ ونحن نذكرها. ففي "صحيح البُخَاريّ" من حديث أبي الزِّنَاد، عن الأَعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "اختتنَ إبراهيمُ وهو ابنُ ثمانينَ سنة بالقَدُّوم" (٣).

стр. 273

وفي لفظ: "اختتن إبراهيم بعد ثمانين سنة بالقَدُوم". مخففة (١). وفي حديث يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هُرَيرَة مثلَه. وقال يحيى: والقدوم: الفأس (٢). وقال النَّضْرُ بنُ شُمَيْل: قَطَعَه بالقَدُوم. فقيل له: يقولون: قَدُومٌ قريةٌ بالشَّام؟ فلم يعرفه، وثبتَ على قولِهِ. قال الجَوْهَرِيُّ: القَدوم الذي يُنْحَتُ به مخفَّف. قال ابن السكِّيْتِ: ولا تقل: قدّوم بالتشديد. قال: والقدوم: أيضًا اسمُ موضعٍ، مخفَّفٌ (٣). والصحيح: أن القدوم في الحديث: الآلة، لما رواه البَيْهَقِيّ (٤): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عَمْرو، قالا: حدّثنا أبو العبَّاس محمَّد بن يَعقوب، حدّثنا محمَّد بن عبد الله (٥)، حدّثنا أبو عبد الرَّحمن المقري، حدّثنا موسى بن علي، قال سمعت أبي يقول: إن إبراهيم الخليل أمر أن يختتن وهو ابن ثمانين سنة، فعجل فاختتن

стр. 274

بقدوم، فاشتدَّ عليه الوجع، فدعا ربَّه، فأوحى الله إليه إنك عجلت قبل أن نأمرك بالآلة، قال: يا ربّ! كرهت أن أؤخِّر أمْرَك. قال: وختن إسماعيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وختن إسْحَاق وهو ابن سبعة أيام. وقال حَنْبَل: حدّثنا عاصم، حدّثنا أبو أُوَيْس، قال حدّثني أبو الزِّنَاد، عن الأعرج عن أبي هُرَيْرَة عن النبيّ ﷺ قال: "إبراهيمُ أوَّلُ من اخْتَتنَ وهو ابن مائةٍ وعشرينَ سنةً، اختتنَ بالقدوم، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنةً" (١). ولكنَّ هذا حديثٌ معلولٌ، رواه يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هُرَيرَة قولَه. ومع هذا، فهو من رواية أبي أُوَيس عبد الله بن عبد الله المدنيِّ، وقد روى له مسلم في "صحيحه" محتجًّا به، وروى له أهل "السنن الأربعة". وقال أبو داود: وهو صالح الحديث. واختلفت الروايةُ فيه عن ابن مَعِين، فروى عنه الدُّوريُّ: في حديثه ضعفٌ، وروى عنه توثيقَه (٢).

стр. 275

ولكن المغيرة بن عبد الرَّحمن، وشُعَيْبَ بنَ أبي حَمْزَةَ وغيرهما رووا عن أبي الزِّنَاد خلاف ما رواه أبو أُوَيس، وهو ما رواه أصحابُ الصَّحيحِ أنه اختتنَ وهو ابنُ ثمانينَ سنةً (١). وهذا أوْلَى بالصَّواب، وهو يدلُّ على ضَعْفِ المرفوعِ والموقوفِ. وقد أجاب بعضُهم بأن قال: الروايتانِ صحيحتانِ، ووَجْهُ الجمعِ بين الحديثينِ يُعْرَفُ من مدَّةِ حياةِ الخليلِ، فإنَّه عاش مائتي سنة، منها ثمانونَ غيرَ مختونٍ، ومنها عشرونَ ومائةُ سنة مختونًا، فقوله: "اختتن لثمانين سنة" مضت من عمره، والحديث الثاني: "اختتن لمائة وعشرين سنة" بَقِيَتْ من عُمُرِهِ (٢). وفي هذا الجمع نظرٌ لا يَخْفَى، فإنه قال: "أوَّل من اختتنَ إبراهيمُ وهو ابن مائة وعشرين سنة"، ولم يقل: اختتن لمائةٍ وعشرينَ سنةً. وقد ذكرنا رواية يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هُرَيْرَةَ موقوفًا عليه: أنه اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة. والروايةُ الصحيحةُ المرفوعةُ عن أبي هُرَيرَة تخالفُ هذا. على أنَّ الوليدَ بنَ مُسْلِمٍ قد قال: (أخبرني الأوزاعي، عن يحيى بن

стр. 276

سعيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هُرَيْرَة يرفعه، قال) (١): اختتنَ إبراهيمُ وهو ابنُ عشرينَ ومائة سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانينَ سنةً. وهذا حديث معلولٌ، فقد رواه جعفر بن عَوْن، وعِكْرِمَة بنُ إبراهيمَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ عن أبي هُرَيْرَة قَوْلَهُ، والمرفوعُ الصحيحُ أَوْلَى منه، والوليدُ بن مُسْلِم معروفٌ بالتدليس. قال هيثم بن خارجة (٢): قلت للوليد بن مُسْلِم: قد أفسدتَ حديثَ الأَوْزَاعِيِّ! قال: كيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعيِّ عن نافعٍ، وعن الأوزاعيِّ عن الزُّهْرِيّ، وعن الأوزاعيِّ عن يحيى بن سعيد، وغيرُك يُدخل بين الأوزاعيّ وبين نافعٍ عبدَ الله بن عامر الأسْلَمِيّ، وبينه وبين الزُّهْرِيّ إبراهيمَ بن ميسرة وقُرّةَ وغيرهما، فما يحملك على هذا؟ قال: أُنْبِل الأوزاعيَّ أن يرويَ عن مثل هؤلاء. قلت: فإذا روى الأوزاعيُّ عن هؤلاء، وهؤلاء ضعافٌ، أصحابُ أحاديث مناكير، فأسقطتَهم أنت وصيَّرتَها من رواية الأوزاعي عن الثقات، ضعَّفتَ الأوزاعيَّ! فلم يلتفتْ إلى قولي. وقال أبو مُسْهِر (٣): كان الوليدُ بن مُسْلِم يحدِّث بأحاديث

стр. 277

الأوزاعيِّ عن الكذَّابينَ، ثم يدلِّسُهَا عنهم. وقال الدَّارَقُطْنِيُّ (١): الوليد بن مُسْلِم يروي عن الأوزاعي ـ أحاديث هي عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي مثل: نافع، وعطاء، والزُّهْرِيّ، فيسقط أسماء الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعي عن عطاء. وقال الإمام أَحْمَد في رواية ابنه عبد الله: كان الوليد رفَّاعًا، وفي رواية المرُّوذي: هو كثير الخطأ (٢). وقد روى هذا الحديث من غير هذا الطريق من نسخة نُبَيْط بن شَرِيْط عن النبيّ ﷺ : أوَّل مَنْ أضَافَ الضيفَ إبراهيمُ، وأوَّل مَن لَبِسَ السَّراويلَ إبراهيمُ، وأوَّل من اختتنَ إبراهيمُ بالقَدُوم وهو ابنُ عشرينَ ومائةِ سنةٍ. وهذه النسخة ضعَّفها أئمة الحديث (٣). وبالجملة: فهذا الحديثُ ضعيفٌ معلولٌ، لا يُعارِضُ ما ثبتَ في الصَّحيحِ. ولا يصحُّ تأويلُه بما ذكرَه هذا القائلُ لوجوهٍ:

стр. 278

(أحدها): أن لفْظَه لا يصلحُ له، فإنه قال: اختتن وهو ابن عشرين ومائة سنة. (الثاني): أنه قال: ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة. (الثالث): أن الذي يحتمله على تَعَسُّرٍ (١) واستكراهٍ قولُه: اختتن لمائة وعشرين سنة. ويكون المراد: بقِيَتْ من عمره، لا مَضَتْ. والمعروف في مثل هذا الاستعمال إنما هو إذا كان الباقي أقلَّ من الماضي، فإنَّ المشهورَ من استعمالِ العربِ في خَلَتْ وبَقِيَتْ، أنه من أول الشهر إلى نِصْفِه، يقال: خَلَت وخَلَوْنَ. ومن نصفِه إلى آخرِه: بَقِيَتْ وبَقِيْن (٢). فقوله: "لمائة وعشرين بقيت من عمره" مثل أن يقال: لاثنتين وعشرين ليلة بقِيَتْ من الشهر، وهذا لا يسوغ، وبالله التوفيق. والختان كان من الخصال التي ابْتَلَى اللهُ ـ سبحانه ـ بها إبراهيمَ خليلَه، فأتمهنَّ وأكملهنَّ، فجعله إمامًا للناسِ. وقد رُوِي أنه أوَّل من اختتنَ ـ كما تقدم ـ والذي في "الصحيح": اختتنَ إبراهيمُ وهو ابنُ ثمانينَ سنةً، واستمرَّ الختانُ بَعْدَه في الرُّسُلِ وأتْبَاعِهِم حتَّى في المسيح فإنَّه اخْتَتَنَ، والنَّصارى تُقِرُّ بذلك ولا

стр. 279

تَجْحَدُهُ، كما تقرُّ بأنه حرَّم لحمَ الخنزيرِ، وحرَّم كَسْبَ السَّبْتِ، وصلَّى إلى الصَّخْرةِ، ولم يَصُمْ خمسينَ يومًا، وهو الصِّيامُ الذي يسمُّونه: الصَّومَ الكبيرَ. وفي "جامع التّرْمِذِيّ" (١) و"مسند الإمام أحمد" (٢) من حديث أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعٌ من سُنن المرسَلينَ: الختانُ، والتعطُّر، والسِّواكُ، والنكاحُ". قال التّرْمذِيّ: "هذا حديث حسن غريب".

стр. 280

واختُلِفَ في ضَبْطِه، فقال بعضُهم: الحياء ـ بالياء والمدِّ ـ وقال بعضهم: الحِنَّاء ـ بالنون ـ (١). وسمعتُ شيخَنا أبا الحجَّاج الحافظَ المزِّيَّ يقول: وكلاهما غلط، وإنما هو الختان، فوقعت النون في الهامش، فذهبت، فاختلف في اللفظة. قال: وكذلك رواه المَحامِليُّ (٢) عن الشيخ الذي روى عنه التّرْمِذِيّ بعينه، فقال: الختان. قال: وهذا أوْلَى من الحَيَاء والحنَّاء، فإنَّ الحَياء خُلُقٌ، والحِنَّاء ليس من السُّنن، ولا ذَكَرَهُ النبيُّ ﷺ في خصال الفطرة، ولا نَدَبَ إليه، بخلاف الختان (٣). فصل في ختانِ الرَّجلِ نَفْسَه بيدهِ قال المروزيُّ: سئل أبو عبد الله عن الرجل يختن نفسه؟ فقال: إنْ قويَ (٤). وقال الخَلّال: أخبرني عبد الكريم بن الهيثم، قال: سمعت

стр. 281

أبا عبد الله، وسئل عن الرجل يختن نفسه؟ فقال: إن قوي على ذلك (١). قال: وأخبرني محمَّد بن [أبي] (٢) هارون، أن إسْحَاق حدثهم أن أبا عبد الله سئل عن المرأة يدخل عليها زوجها لم تختتن، يجب عليها الختان؟ فقال: الختان سُنَّة حسنةٌ، وذكر نحو مسألة المروزي في ختان نفسه، قيل له: فإن قويت على ذلك؟ قال: ما أحسنه! وسئل عن الرجل يختن نفسه؟ قال: إذا قوي عليه فهو حسن، وهي سُنَّة حسنةٌ (٣).

стр. 282

الفصل الثالث في مَشروعيَّته وأنَّه من خِصالِ الفِطْرةِ وفي "الصحيحين" من حديث أبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : "الفِطْرةُ خمسٌ: الختانُ، والاسْتِحْدَادُ، وقصُّ الشَّاربِ، وتقليمُ الأظافرِ، ونَتْفُ الإبْطِ" (١). فجعل الختانَ رأسَ خصالِ الفطرةِ. وإنمَّا كانت هذه الخصالُ مِنَ الفِطْرةِ، لأنَّ الفِطْرَة (٢)، هي الحنيفيَّةُ ملَّةُ إبراهيمَ، وهذه الخصالُ أُمِرَ بها إبراهيمُ. وهي من الكلمات التي ابتلاه ربُّه بهنَّ، كما ذكر عبد الرزَّاق: عن مَعْمَر، عن ابنِ طاووس، عن أبيه، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة/ ١٢٤]، قال: "ابتلاه بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس في الجسد. في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد خمسة: تقليم الأظافر، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء" (٣).

стр. 283

والفطرةُ فِطْرَتَانِ: فطرةٌ تتعلَّقُ بالقلب، وهي معرفةُ الله ومحبتُه وإيثارُه على ما سواه، وفطرةٌ عمليَّةٌ، وهي هذه الخصالُ. فالأولى تزكِّي الروحَ وتطهِّر القلبَ، والثانية تطهِّر البدنَ، وكلٌّ منهما تمدُّ الأخْرَى وتقوِّيها، وكان رأسُ فطرةِ البدنِ: الختان، لما سنذكره في الفصل السَّابع إن شاء الله تعالى. وفي "مسند الإمام أحمد" من حديث عمَّار بن ياسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنَ الفِطْرَةِ ـ أو الفطرةُ ـ: المضمضةُ، والاستنشاقُ، وقصُّ الشاربِ، والسِّواكُ، وتقليمُ الأظافر، وغَسْلُ البَراجِمِ، ونَتْفُ الإبْطِ، والاسْتِحْدَادُ، والاختتانُ، والانْتِضَاحُ" (١). وقد اشتركت خصال الفطرة في الطهارة والنظافة ، وأخْذِ الفضلات المستقذَرةِ التي يألفها الشيطان، ويجاورها من بني آدم، وله بالغُرْلَةِ اتصالٌ واختصاص ستقف عليه في الفصل السَّابع إن شاء الله. وقال غير واحدٍ من السَّلَف: من صلَّى وحجَّ واخْتَتَنَ فهو حنيفٌ، فالحجُّ والختانُ: شعارُ الحنيفيَّة، وهي فطرةُ الله التي فَطَرَ النَّاسَ عليها.

стр. 284

قال الرَّاعي (١) يخاطبُ أبا بكرٍ ﵁: أَخَلِيْفَةَ الرَّحْمَنِ إنَّا مَعْشَرٌ ... حُنَفَاءُ، نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصِيْلَا عَرَبٌ، نَرَى لله في أمْوِالِنَا ... حَقَّ الزَّكَاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلًا

стр. 285

الفصل الرابع في الاختلافِ في وُجُوبه واستحبابهِ اختلف الفقهاءُ في ذلك؛ فقال الشَّعْبِيُّ، ورَبِيعَةُ، والأَوْزَاعِيُّ، ويَحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، ومالكٌ، والشّافِعِيّ، وأحمد: هو واجب (١). وشدَّد فيه مالكٌ، حتى قال: من لم يختتن لم تَجُزْ إِمامتُه ولم تُقبَلْ شَهَادَتُه (٢). ونقل كثيرٌ من الفقهاء عن مالك أنَّه سنَّة، حتى قال القاضي عِيَاض: "الاختتانُ عند مالكٍ وعامّةِ العُلماءِ (٣) سُنَّةٌ" (٤).
следующие страницы →