أبا عبد الله، وسئل عن الرجل يختن نفسه؟ فقال: إن قوي على ذلك (١).
قال: وأخبرني محمَّد بن [أبي] (٢) هارون، أن إسْحَاق حدثهم أن أبا عبد الله سئل عن المرأة يدخل عليها زوجها لم تختتن، يجب عليها الختان؟ فقال: الختان سُنَّة حسنةٌ، وذكر نحو مسألة المروزي في ختان نفسه، قيل له: فإن قويت على ذلك؟ قال: ما أحسنه!
وسئل عن الرجل يختن نفسه؟ قال: إذا قوي عليه فهو حسن، وهي سُنَّة حسنةٌ (٣).
стр. 282
الفصل الثالث
في مَشروعيَّته وأنَّه من خِصالِ الفِطْرةِ
وفي "الصحيحين" من حديث أبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : "الفِطْرةُ خمسٌ: الختانُ، والاسْتِحْدَادُ، وقصُّ الشَّاربِ، وتقليمُ الأظافرِ، ونَتْفُ الإبْطِ" (١).
فجعل الختانَ رأسَ خصالِ الفطرةِ. وإنمَّا كانت هذه الخصالُ مِنَ الفِطْرةِ، لأنَّ الفِطْرَة (٢)، هي الحنيفيَّةُ ملَّةُ إبراهيمَ، وهذه الخصالُ أُمِرَ بها إبراهيمُ.
وهي من الكلمات التي ابتلاه ربُّه بهنَّ، كما ذكر عبد الرزَّاق: عن مَعْمَر، عن ابنِ طاووس، عن أبيه، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة/ ١٢٤]، قال: "ابتلاه بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس في الجسد. في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد خمسة: تقليم الأظافر، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء" (٣).
стр. 283
والفطرةُ فِطْرَتَانِ: فطرةٌ تتعلَّقُ بالقلب، وهي معرفةُ الله ومحبتُه وإيثارُه على ما سواه، وفطرةٌ عمليَّةٌ، وهي هذه الخصالُ.
فالأولى تزكِّي الروحَ وتطهِّر القلبَ، والثانية تطهِّر البدنَ، وكلٌّ منهما تمدُّ الأخْرَى وتقوِّيها، وكان رأسُ فطرةِ البدنِ: الختان، لما سنذكره في الفصل السَّابع إن شاء الله تعالى.
وفي "مسند الإمام أحمد" من حديث عمَّار بن ياسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنَ الفِطْرَةِ ـ أو الفطرةُ ـ: المضمضةُ، والاستنشاقُ، وقصُّ الشاربِ، والسِّواكُ، وتقليمُ الأظافر، وغَسْلُ البَراجِمِ، ونَتْفُ الإبْطِ، والاسْتِحْدَادُ، والاختتانُ، والانْتِضَاحُ" (١).
وقد اشتركت خصال الفطرة في الطهارة والنظافة ، وأخْذِ الفضلات المستقذَرةِ التي يألفها الشيطان، ويجاورها من بني آدم، وله بالغُرْلَةِ اتصالٌ واختصاص ستقف عليه في الفصل السَّابع إن شاء الله.
وقال غير واحدٍ من السَّلَف: من صلَّى وحجَّ واخْتَتَنَ فهو حنيفٌ، فالحجُّ والختانُ: شعارُ الحنيفيَّة، وهي فطرةُ الله التي فَطَرَ النَّاسَ عليها.
стр. 284
قال الرَّاعي (١) يخاطبُ أبا بكرٍ ﵁:
أَخَلِيْفَةَ الرَّحْمَنِ إنَّا مَعْشَرٌ ... حُنَفَاءُ، نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصِيْلَا
عَرَبٌ، نَرَى لله في أمْوِالِنَا ... حَقَّ الزَّكَاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلًا
стр. 285
الفصل الرابع
في الاختلافِ في وُجُوبه واستحبابهِ
اختلف الفقهاءُ في ذلك؛ فقال الشَّعْبِيُّ، ورَبِيعَةُ، والأَوْزَاعِيُّ، ويَحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، ومالكٌ، والشّافِعِيّ، وأحمد: هو واجب (١).
وشدَّد فيه مالكٌ، حتى قال: من لم يختتن لم تَجُزْ إِمامتُه ولم تُقبَلْ شَهَادَتُه (٢). ونقل كثيرٌ من الفقهاء عن مالك أنَّه سنَّة، حتى قال القاضي عِيَاض: "الاختتانُ عند مالكٍ وعامّةِ العُلماءِ (٣) سُنَّةٌ" (٤).
стр. 286
ولكن السُّنَّة عندهم يأثم بتركها، فهم يُطْلِقُونهَا على مرتبة بين الفرض وبين النَّدْب، وإلا فقد صرَّح مالك بأنَّه لا تقبل شهادة الأقْلَفِ، ولا تجوز إمامتُه.
وقال الحَسَن البصريُّ وأبو حنيفةَ: لا يجب، بل هو سُنَّة (١)، وكذلك قال ابنُ أبي مُوسَى (٢) من أصحابِ أَحْمَدَ: هو سُنَّة مؤكَّدة.
ونصَّ أَحْمَد في رواية: أنه لا يجبُ على النساءِ (٣).
واحتجّ الموجبون له بوجوهٍ:
(أحدها): قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل/ ١٢٣]. والختان من مِلَّتِه لما تقدم.
стр. 287
(الوجه الثاني): ما رواه الإمام أحمد، حدّثنا عبد الرزَّاق، عن ابن جُرَيج قال: أُخبرت عن عُثَيمِ بنِ كُلَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنه جاء إلى النبيِّ ﷺ فقال: قد أسلمتُ، قال: "أَلْقِ عَنْكِ شَعْرَ الكُفْرِ" يقول: احْلِقْ. قال: وأخبرني آخرُ معه، أن النبيَّ ﷺ قال لآخر: "ألَقِ عَنْكَ شَعْرَ الكُفْرِ وَاخْتَتِنْ". ورواه أبو داود عن مَخْلَدِ بنِ خَالِد عن عبدِ الرزَّاق (١). وحَمْلُه على النَّدْب في إلقاء الشعر، لا يلزمُ منه حمله عليه في الآخر.
(الوجه الثالث): قال حربٌ في "مسائله" عن الزُّهْرِيّ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أسْلَمَ فَلْيَخْتَتِنْ وإنْ كانَ كَبيرًا" (٢).
وهذا وإن كان مُرْسَلًا، فهو يصلح لِلاعْتِضَادِ.
(الوجه الرابع): ما رواه البَيهَقِيّ، عن موسى بن إسماعيل بن جعفر
стр. 288
ابن محمَّد بن علي بن حسين بن علي، عن آبائه واحدًا بعد واحدٍ، عن علي ﵁ قال: وجدنا في قائم سيف رسول الله ﷺ في الصحيفة: "أنَّ الأقْلَفَ لا يترك في الإسلام حتى يختتن، ولو بلغ ثمانين سنة". قال البَيهَقِيُّ: هذا حديث ينفرد به أهل البيت بهذا الإسناد (١).
(الوجه الخامس): ما رواه ابنُ المُنْذِرِ من حديث أبي بَرْزَةَ عن النبيِّ ﷺ في الأقْلَفِ: "لا يحجّ بيتَ الله حتى يختتنَ" (٢). وفي لفظ: سألْنا رسولَ الله ﷺ عن رجل أقْلَف، يحج بيت الله؟ قال: "لا، حتَّى يختتنَ". ثم قال: لا يثبت، لأن إسناده مجهول (٣).
(الوجه السَّادس): ما رواه وَكِيعٌ عن سالم أبي العلاء المُرَادِيِّ، عن عَمْرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عن ابن عبَّاس، قال: الأقْلَفُ لا تُقْبَلُ له صلاةٌ (٤)، ولا تُؤكَل ذَبِيحَتُه (٥).
وقال الإمام أحمد: حدّثنا محمَّد بن عبيد عن سالم المرادي، عن
стр. 289
عَمْرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عن ابن عبَّاس: لا تُؤكَلُ ذبيحةُ الأقْلَفِ (١).
وقال حَنْبَل في "مسائله": حدّثنا أبُو عُمَر الحَوضيّ (٢)، حدّثنا هَمَّام، عن قَتَادَة، عن عِكْرِمَة، قال: لا تؤكل ذبيحة الأقْلَف (٣).
قال: وكان الحَسَنُ لا يرى ما قال عِكْرِمَة (٤). قال: وقيل لعِكْرِمَة: ألَه حجٌّ؟ قال: لا (٥).
قال حَنْبَل: قال أبو عبد الله: لا تُؤكَل ذبيحتُه، ولا صلاةَ له، ولا حجَّ حتى يطَّهر، وهو من تمام الإسلام (٦).
قال حَنْبَل: وقال أبو عبد الله: الأقْلَفُ لا يَذْبَحُ، ولا تُؤْكَلُ ذبيحتُه، ولا صلاةَ له.
وقال عبد الله بن أَحْمَد: حدّثني أبي، حدّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، حدّثنا سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قَتَادَة، عن جابر بن زيد، عن
ابنِ عبَّاس، قال: الأقْلَفُ لا تحلُّ له صلاةٌ، ولا تُؤكل له ذبيحةٌ،
стр. 290
ولا تجوز له الشهادة (١).
قال قَتَادَة: وكان الحَسَنُ لا يرى ذلك (٢).
(الوجه السَّابع): أنَّ الختانَ من أظْهَرِ الشَّعائرِ (٣) التي يُفَرَّقُ بها بين المُسْلِم والنَّصرانيِّ (٤)، فوجوبُه أظهرُ من وجوبِ الوترِ، وزكاةِ الخيل، ووجوبِ الوضوء على من قَهْقَهَ في صلاته، ووجوبِ الوضوء على من احْتَجَمَ أو تقيَّأ أو رَعَفَ، ووجوبِ التيمم إلى المِرْفَقَيْنِ، ووجوبِ الضَّربتين على الأرض، وغير ذلك، ممَّا وجوبُ الختان أظْهَرُ مِن وُجُوبِه وأقوَى، حتى إن المُسْلِمين لا يكادون يعدُّون الأقْلفَ منهم.
ولهذا ذهب طائفةٌ من الفقهاء إلى أنَّ الكبيرَ يجبُ عليه أن يختتنَ
стр. 291
ولو أدَّى إلى تَلَفِه، كما سنذكره في الفصل الثاني عشر إن شاء الله تعالى.
(الوجه الثامن): أنَّه قطعٌ شُرِعَ لله، لا تُؤْمَنُ سِرَايَتُهُ (١)، فكان واجبًا كقطع يد السَّارقِ.
(الوجه التاسع): أنه يجوز كَشْفُ العورةِ له لغير ضرورةٍ ولا مداواةٍ، فلو لم يجب لما جازَ، لأنَّ الحرامَ لا يُلْتَزَمُ للمحافَظَةِ على المسْنُونِ (٢).
(الوجه العاشر): أنَّه لا يُسْتَغْنَى فيه عن تَرْكِ وَاجِبَيْنِ وارتكابِ محظُورينِ، أحدهما: كشفُ العورةِ في جانبِ المختونِ، والنظرُ إلى عورةِ الأجنبيِّ في جانب الخاتنِ. فلو لم يكن واجبًا لما كان (٣) قد تُرِك له واجبانِ وارتُكِبَ محظُورانِ.
(الوجه الحادي عشر): ما احتج به الخَطَّابيُّ قال: "أمَّا الختانُ، فإنه ــ وإن كان مذكورًا في جملة السُّنَنِ ــ فإنَّه عند كثير من العلماء على الوجوب، وذلك أنَّه شعارُ الدِّين، وبه يُعْرَفُ المُسْلِمُ من الكافرِ، وإذا وُجِدَ المختونُ بين جماعةٍ قَتْلَى غير مختتنينَ: صُلِّي عليه، ودُفِن في
стр. 292
مقابر المُسْلِمين" (١).
(الوجه الثاني عشر): أن الوليَّ يُؤْلِمُ فيه الصبيَّ، ويُعَرِّضُهُ للتَّلَف بالسِّرَايَةِ، ويُخرِج من ماله أجرةَ الخاتنِ وثمنَ الدواءِ، ولا يضمنُ سِرَايَتَهُ بالتَّلف، ولو لم يكن واجبًا لما جاز ذلك؛ فإنَّه لا يجوز له إضاعةُ مالِه وإيلامُهُ الألمَ البالغَ، وتعريضُه للتَّلَف بفِعلِ ما لا يجبُ فِعْلُه، بل غايتُه أن يكونَ مستحبًّا. وهذا ظاهرٌ بحمد الله.
(الوجه الثالث عشر): أنَّه لو لم يكن واجبًا لما جاز للخاتن الإقدامُ عليه، وإن أَذِنَ فيه المختونُ أو وليُّه؛ فإنه لا يجوز الإقدامُ على قَطْعِ عضوٍ لم يأمرِ اللهُ ورسولُه بقَطْعِهِ، ولا أوجبَ قَطْعَهُ (٢)، كما لو أذِن له في قَطْعِ أُذُنِه أو إصْبعِه، فإنه لا يجوز له ذلك، ولا يَسْقُطُ الإثمُ عنه بالإذْنِ، وفي سقوط الضَّمانِ عنه نزاعٌ (٣).
(الوجه الرابع عشر): أنَّ الأقْلَفَ معرَّضٌ لفَسَادِ طَهَارتِهِ وصلاتِه، فإن القُلْفَة تستر الذَّكَرَ كلَّه، فيصيبُها البَوْلُ، ولا يمكن الاسْتِجْمَارُ لها. فصحَّةُ الطهارةِ والصلاةِ موقوفةٌ على الختانِ. ولهذا مَنَعَ كثيرٌ من
стр. 293
السَّلَف والخَلَف إمامتَهُ وإنْ كان معذورًا في نفْسِهِ، فإنَّه بمنزلة مَن به سَلَسُ البَوْلِ ونحوه.
فالمقصود بالختان: التحرُّزُ من احتباسِ البولِ في القُلْفَةِ، فتفسد الطهارةُ والصلاةُ. ولهذا قال ابن عبَّاس ـ فيما رواه الإمام أَحْمَد وغيره ـ: لا تُقْبَلُ لهُ صلاةٌ. ولهذا يَسقطُ بالموتِ؛ لِزَوَالِ التَّكْلِيفِ بالطَّهارةِ والصَّلاةِ.
(الوجه الخامس عشر): أنه شعار عُبَّاد الصَّليبِ وعُبَّاد النَّار الذين تميَّزوا به عن الحُنَفَاء، والختانُ شعارُ الحنفاءِ في الأصل، ولهذا أوَّل من اختتن إمامُ الحنفاء، وصار الختانُ شِعارَ الحنيفيَّة، وهو ممَّا توارثه بنو إسماعيلَ وبنو إسرائيلَ عن إبراهيمَ الخليلِ ﷺ ، فلا يجوز مُوَافَقَةُ عُبَّادِ الصَّليبِ القُلْفِ في شعارِ كُفْرِهم وتَثْلِيثِهمْ.
فصل
قال المُسْقِطُونَ لوجوبه:
قد صرَّحت السنَّة بأنه سنَّةٌ، كما في حديث شدَّاد بنِ أوْسٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "الخِتَانُ سُنَّةٌ للرِّجَالِ، مَكْرُمَةٌ للنِّسَاءِ". رواه الإمام أَحمد (١).
стр. 294
قالوا: وقد قَرَنَهُ النبيُّ ﷺ بالمسْنُونَاتِ دُوْنَ الوَاجبَاتِ، وهي: الاسْتِحْدَادُ، وقَصُّ الشَّاربِ، وتَقْلِيمُ الأظْفَارِ، ونَتْفُ الإبْطِ.
قالوا: وقال الحَسَنُ البَصْريُّ: قد أسلمَ مع رسولِ الله ﷺ الناس: الأسودُ، والأبيضُ، والرُّوميُّ، والفَارِسيُّ، والحَبَشِيُّ، فما فتَّشَ أحَدًا منهم، أو ما بَلَغَنِي أنَّه فتَّش أحدًا منهم (١).
وقال الإمام أَحْمَد: حدّثنا المعتمر، عن سَلْم بن أبي الذَّيال (٢)، قال: سمعت الحَسَنَ يقول: يا عجبًا لهذا الرجل ـ يعني أَميرَ البصرةِ ـ لقي أشياخًا من أهل كسكر (٣)، فقال: ما دينكم؟ قالوا: مُسْلِمين، فأمَرَ بِهِمْ فَفُتِّشُوا، فوُجِدُوا غيرَ مختُونينَ، فَخُتِنُوا في هذا الشِّتاءِ، وقد بَلَغَنِي أنَّ بعضَهم ماتَ! وقد أَسْلَمَ معَ النبيِّ ﷺ : الرُّومِيُّ، والفارسيُّ، والحبشيُّ،
стр. 295
فما فتَّش أحدًا منهم (١).
قالوا: وأمّا اسْتِدْلَالُكُمْ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ فالملَّةُ هي الحَنِيْفيَّةُ، وهي التَّوحِيْدُ، ولهذا بيَّنهَا بقَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل/ ١٢٣].
وقال يُوسفُ الصِّدِّيقُ: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف/ ٣٧ ـ ٣٨].
وقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران/ ٩٥].
فالملَّةُ في هذا كلِّه هي أصلُ الإيمانِ من التَّوحيدِ والإنابةِ إلى الله، وإخلاصِ الدِّينِ لهُ.
وكان رسولُ الله ﷺ يعلّمُ أصحابَه إذا أَصْبَحُوا أنْ يَقُولُوا: "أَصْبَحْنَا على فِطْرَةِ الإسْلامِ، وكَلِمَةِ الإخْلَاصِ، وَدِيْنِ نبيِّنَا مُحَمَّدٍ ومِلَّةِ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ حَنِيْفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المشْرِكينَ" (٢).
стр. 296
قالوا: ولو دخلت الأفعالُ في الملَّة، فمُتَابَعَتُهُ فيها أن تُفْعَلَ على الوَجْهِ الذي فَعَلَهُ، فإنْ كان فَعَلَها على سبيلِ الوجوبِ، فاتِّباعُه أن يَفْعَلَها كذلك، وإن كان فَعَلَها على وجه النَّدْبِ، فاتِّباعُه أن يفعلَها على وجه النَّدْبِ (١). فليس معكم حينئذٍ إلا مجرَّدُ فِعْلِ إبراهيمَ، والفِعْلُ هل هو على الوجوبِ أو النَّدْبِ؟ فيه النزاع المعروف. والأقوى: أنه إنَّما يدلُّ على النَّدبِ إذا لم يكن بيانًا لواجبٍ، فمتى فعَلْنَاهُ على وجْهِ النَّدبِ كنا قد اتَّبعناهُ.
قالوا: وأمَّا حديثُ عُثَيْمِ بنِ كُلَيْب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: "أَلْقِ عنْكَ شَعْرَ الكُفْرِ واخْتَتِنْ" (٢)، فابنُ جُرَيْجٍ قال فيه: أُخبرتُ عن عُثَيْمِ ابنِ كُلَيب.
قال أبو أحمد بنُ عَدِيٍّ: هذا الذي قالَ ابن جُرَيْج في هذا الإسناد:
стр. 297
ــ أُخبرت عن عُثيم بن كُليب ــ إنما حدَّثه إبراهيم بن أبي يحيى، فكنَّى عن اسمه. وإبراهيمُ هذا مُتَّفَقٌ على ضَعْفِهِ بين أهْلِ الحديثِ، ما خلا الشّافِعيّ وَحْدَهُ (١).
قالوا: وأمَّا مُرْسَلُ الزُّهْرِيّ عن النبيِّ ﷺ "مَنْ أَسْلَمَ: فَلْيَخْتَتِنْ وإنْ كانَ كَبِيْرًا" (٢). فمَراسيلُ الزُّهْرِيّ عندَهُمْ مِنْ أضْعَفِ المراسِيْلِ، لا تصلحُ للاحتجاجِ.
قال ابنُ أبي حَاتمِ: حدّثنا أَحْمَد بنُ سِنَان، قال: كان يحيى بنُ سعيد القَطَّان لا يرى إرسال الزُّهْرِيّ وقَتَادَةَ شيئًا، ويقول: هو بمنزلةِ الرِّيح (٣).
وقُرِئَ على عبَّاس الدُّوريِّ، عن يحيى بن مَعِيْن، قال: مَراسيلُ الزُّهْرِيّ ليست بشيء (٤).
قالوا: وأمَّا حديثُ مُوسَى بنِ إسماعيلَ بنِ حفْصٍ عن آبائِه، فحديثٌ لا يُعْرَفُ، ولم يَرْوِه أهلُ الحديثِ، ومَخْرَجُهُ من هذا الوجهِ وحدَه تفرَّدَ به موسى بنُ إسماعيلَ عن آبائه بهذا السَّنَدِ، فهو نَظِيْرُ أمثاله من الأحاديث التي تفرَّد بها غيرُ الحفَّاظِ المعروفينَ بِحَمْلِ الحديث.
стр. 298
قالوا: وأمَّا حديث أبي بَرْزَةَ، فقال ابن المُنْذِر: حدّثنا يحيى بن محمَّد، حدّثنا أَحْمَد بن يونس، حدَّثَتْنَا أمُّ الأسود، عن منية، عن جَدِّها أَبي بَرْزَةَ ... فذكره (١).
قال: ابن المُنْذِر هذا إسنادٌ مجهولٌ لا يَثْبُتُ. (٢)
قالوا: وأمَّا استدلالُكُمْ بقَولِ ابنِ عبَّاسٍ: "الأقْلَفُ لا تُؤكَلُ ذَبيحتُه ولا تُقبَلُ له صلاةٌ" فقولُ صحابيٍّ تفرَّدَ به.
قال أَحْمَد: وكان يشدِّد فيه، وقد خالفَه الحَسَنُ البصريُّ وغيرُه.
وأمَّا قولُكم: "إنه من الشَّعائر". فصحيحٌ لا نزاعَ فيه، ولكنْ ليس كلُّ ما كان مِن الشعائرِ يكون واجبًا.
فالشعائرُ منقسمةٌ إلى واجبٍ: كالصلواتِ الخمسِ، والحجِّ، والصِّيامِ، والوُضُوءِ، وإلى مُسْتَحَبٍّ: كالتَّلبِيَةِ، وسَوْقِ الهَدْي وتَقْلِيدِه، وإلى مختلَفٍ فيه: كالأذانِ، والعيدينِ، والأُضحيةِ، والختَانِ.
فمن أين لكم أنَّ هذا مِنْ قِسْمِ الشَّعائرِ الواجبةِ؟
وأمَّا قولُكم: "إنه قطعٌ شُرِعَ لله لا تُؤمَن سِرَايَتُهُ، فكان واجبًا كقَطْعِ يَدِ السَّارقِ" فمِنْ أَبْرَدِ الأَقْيِسَةِ!
стр. 299
فأين الختانُ من قَطْعِ يدِ اللصِّ؟ فيا بُعْدَ ما بينَهما!
ولقد أَبْعَدَ النُّجْعَةَ مَنْ قاسَ أحدَهما على الآخَرِ، فالختانُ إكْرَامُ المختونِ، وقطعُ يدِ السَّارقِ عُقُوبةٌ له، وأينَ بابُ العقوباتِ من أبوابِ الطَّهاراتِ والتَّنظيف؟!
وأمَّا قولُكم: "يجوزُ كشفُ العورةِ لهُ لغيرِ ضَرورةٍ ولا مُداواةٍ فكان واجبًا".
لا يلزمُ من جَوازِ كَشْفِ العَوْرةِ له وُجُوبُه، فإنَّه يجوز كَشْفُهَا لغير الواجبِ إجماعًا، كما تُكْشَفُ لنَظَرِ الطبيبِ ومُعَالجَتِه، وإنْ جازَ تَرْكُ المعالجةِ.
وأيضًا: فوَجْهُ المرأةِ عورةٌ في النَّظَرِ، ويجوزُ لها كَشْفُهُ في المعَامَلَةِ التي لا تجبُ، ولِتَحَمُّلِ الشهادةِ عليها حيثُ لا تجبُ.
وأيضًا: فإنَّهم جوَّزوا لغاسلِ الميِّت حَلْقَ عَانَتِهِ، وذلك يستلزمُ كَشْفَ العورةِ أو لمسها لغير واجبٍ.
وأمَّا قولكم: "إنَّ به يُعرف المُسْلِمُ من الكافرِ، حتى إذا وُجِدَ المختونُ بين جماعةٍ قتلى غير مختونين صُلِّيَ عليه دُوْنَهم".
стр. 300
ليس كذلك؛ فإنَّ بعضَ الكفَّار يختتنونَ، وهمُ اليهودُ، فالختانُ لا يميِّز بين المُسْلِمِ والكافِرِ إلا إذا كان في محلٍّ لا يَخْتَتِنُ فيه إلا المُسْلِمونَ، وحينئذٍ يكونُ فرقًا بين المُسْلِم والكافر. ولا يلزمُ من ذلك وجوبُه، كما لا يلزمُ وجوبُ سائرِ ما يفرِّق بين المُسْلِم والكافرِ.
وأمَّا قولُكم: "إن الوليَّ يُؤلِمُ فيه الصبيَّ، ويُعرِّضهُ للتَّلَفِ بالسِّرايَةِ ويُخْرِجُ من مَالِه أُجْرَةَ الخَاتِنِ وثَمَنَ الدَّوَاءِ".
فهذا لا يدلُّ على وُجُوبِه، كما يُؤلمهُ بضَرْبِ التَّأديبِ لمصلحتِه، ويُخْرِجُ مِن ماله أُجرةَ المؤدِّب والمعلِّم، وكما يضحِّي عنه.
قال الخَلّال: "باب الأُضحية عن اليتيم" أخبرني حَرْبُ بنُ إسماعيلَ قال: قلت لأَحْمَدَ: يُضحَّى عن اليتيم؟ قال: نعم، إذا كان له مالٌ. وكذلك قال سفيان الثَوْريُّ.
قال جعفر بن محمَّد النَّيسَابُورِيُّ: سمعتُ أبا عبدِ الله يُسألُ عن وصيِّ يتيمةٍ يَشْتَرِي لها أُضْحِيَةً؟ قال: لها مالٌ؟ قال: نعم، قال: يشتري لها.
وقولُكم: "لو لم يكن واجبًا لما جاز للخاتن الإقدامُ عليه ... " إلى آخره.
ينتقض بإقدامه على قَطْع السِّلْعَةِ (١)، والعُضْوِ التَّالف، وقَلْعِ السنِّ،
стр. 301
وقَطْعِ العُروق، وشَقِّ الجلد للحجامة والتَّشْريْطِ. فيجوز الإقدام على ما يُباح للرجل قَطْعُه فضلًا عما يُستحبُّ له ويُسنُّ، وفيه مصلحةٌ ظاهرة.
وقولُكم: "إن الأقلَف معرَّضٌ لفسادِ طهارتِه وصلاتِه".
فهذا إنما يُلام عليه إذا كان باختياره. وما خرج عن اختياره وقدرته لم يُلَمْ عليه، ولم تفسد طهارتُه؛ كسَلَسِ البول والرّعَاف، وسَلَسِ المَذِي، فإذا فعل ما يقدر عليه من الاستجمار والاستنجاء، لم يؤاخَذْ بما عَجَزَ عنه.
وقولُكم: "إنَّه من شِعار عُبَّاد الصُّلْبان، وعبَّاد النيرانِ، فموافقتُهم فيه موافقةٌ في شِعار دينهِم".
جوابه: أنهم لم يتميَّزوا عن الحُنَفَاءِ بمجرَّد تَرْك الختان، وإنما امتازوا بمجموع ما هم عليه من الدِّين الباطل. ومُوافقةُ المُسْلِمِ لهم في تَرْكِ الختانِ لا يسْتلزمُ موافقتَهم في شعار دينهم الذي امتازوا به عن الحنفاء.
стр. 302
قال الموجبون: الختان عَلَمُ الحنيفيَّة، وشعارُ الإسلامِ، ورأسُ الفِطْرَةَ، وعُنْوانُ المِلَّةِ، وإذا كان النبيُّ ﷺ قد قال: "مَنْ لم يأْخُذْ شَارِبَهُ فليسَ منَّا" (١). فكيف يكون (٢) من عطَّل الختان، ورضي بشعار القُلْفِ عُبَّادِ الصُّلْبانِ؟
ومن أظهر ما يفرّق بين عُبَّاد الصلبان وعُبَّاد الرَّحمن: الختانُ، وعليه استمرَّ عمل الحنفاءِ من عهد إمامِهم إبراهيمَ إلى عهد خاتَمِ الأنبياء، فبُعِثَ بتكميل الحنيفية وتقريرها، لا بتحويلها وتغييرها.
ولما أمر الله ـ تعالى ـ به خَليلَهُ، وعَلِمَ أنَّ أَمْرَهُ المطاعُ؛ وأنّه لا يجوز أن يُعَطَّل ويُضَاعَ؛ بَادرَ إلى امتثالِ ما أمرَ بهِ الحيُّ القيُّومُ، وختنَ نفْسَه بالقدُّوم، مبادرةً إلى الامتثال؛ وطاعةً لذي العزَّة والجلالِ، وجعَله فطرةً باقيةً في عَقِبِهِ إلى أن يَرِثَ الأرضَ ومَنْ عليها، ولذلك (٣) دعا جميعُ الأنبياءِ مِن ذُرِّيَّتهِ أُممَهُمْ إليها حتَّى عبدُ الله ورسولُه وكلمتُه ابنُ العذراءِ
стр. 303
البَتُولِ، فإنَّه اختتنَ متابعةً لإبراهيمَ الخليلِ؛ والنَّصارى تُقِرُّ بذلك، وتعترفُ أنَّه مِنْ أحكامِ الإنْجِيْلِ، ولكنِ اتَّبَعُوا أهواء قومٍ قد ضلُّوا مِن قَبْلُ وأضلُّوا كثيرًا وضلُّوا عن سواءِ السَّبيلِ.
حتى لقد أذَّن عالِمُ أهلِ بيتِ رسولِ الله ﷺ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاس أذانًا سمعه الخاصُّ والعامُّ: أن من لم يختتن فلا صلاة له؛ ولا تُؤكل ذبيحته (١)؛ فأخرجه من جملة أهل الإسلام.
ومِثْلُ هذا لا يُقال لتارك أَمْرٍ هو بَيْنَ تَرْكِه وفِعْلِه بالخيار؛ وإنَّما يُقال لما عُلِم وجوبُه علمًا يَقْرُبُ من الاضطرار؛ ويكفي في وجوبه أنَّه رأس خصال الحنيفيَّة التي فَطَرَ اللهُ عِبَادَه عليها، ودعتْ جميع الرُّسل إليها، فتاركُهُ خارجٌ عن الفطرة التي بعث اللهُ رسُلَهُ بتكميلها؛ وموضِعٌ (٢) في تعطيلها، مؤخِّرٌ لما يستحقُّ التقديم، راغبٌ عن مِلَّة أبيه إبراهيمَ: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة/ ١٣١ ـ ١٣٢].
فكما أنَّ الإسلامَ رأسُ الملَّة الحنيفيَّة وقوامُها، فالاستسلامُ لأمْرِهِ كمالُهَا وتمَامُهَا.
стр. 304
فصل
وأمَّا قولُه في الحديث: "الخِتَانُ سنَّةٌ للرِّجالِ مَكْرُمَةٌ للنِّساءِ".
فهذا حديث يُرْوَى عنِ ابنِ عبَّاسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ. والمحفوظُ أنَّه موقوفٌ عليه.
ويُرْوَى أيضًا عن الحجَّاج بن أرْطَاة ـ وهو ممن لا يُحتجُّ به ـ عن أبي المليح ابن أُسامةَ، عن أبيه، عنه. وعنه عن مَكْحُولٍ، عن أبي أيوب، عن النبيِّ ﷺ ، فَذَكَرَهُ.
ذكر ذلك كلَّه البَيْهَقِيُّ، ثم ساق عن ابن عبَّاس: أنه لا تُؤكلُ ذبيحةُ الأقْلَفِ، ولا تُقْبَل صلاتُه، ولا تجوزُ شهادتُه.
ثم قال: وهذا يدلُّ على أنَّه كان يُوجِبُهُ، وأنَّ قولَه: "الختان سنة" أراد به سنَّةَ النبيّ ﷺ ، وأنَّ رسولَ الله ﷺ سنَّهُ وأَمَرَ به فيكونُ واجبًا. انتهى (١).
والسنَّةُ: هي الطريقة، يقال: سننت له كذا: أي شرعت. فقوله: "الختانُ سنَّة للرِّجَالِ" أي مشروعٌ لهم، لا أنه (٢) نَدْبٌ غيرُ واجبٍ.
فالسُّنَّةُ: هي الطريقةُ المتَّبَعَةُ وجوبًا واستحبابًا، لقوله- ﷺ : "مَنْ رَغِبَ
стр. 305
عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" (١). وقوله: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ مِنْ بَعْدِي" (٢).
وقال ابن عبَّاس: من خالف السنة كَفرَ (٣).
وتخصيصُ السنَّةِ بما يجوز تَرْكُه اصطلاحٌ حادثٌ، وإلا فالسنَّة ما سَنَّه رسولُ الله ﷺ لأمته من واجبٍ ومستحبٍ. فالسنَّةُ: هي الطريقةُ، وهي الشِّرْعَةُ، والمِنْهَاجُ، والسَّبيلُ (٤).
стр. 306
وأمَّا قولكم: "إنَّ رسولَ الله ﷺ قَرَنَهُ بالمسْنُونَاتِ".
فدلالةُ الاقترانِ لا تَقْوَى على مُعَارَضَةِ أدلَّة الوجوبِ (١)، ثم إنَّ الخصالَ المذكورةَ في الحديث، منها ما هو واجبٌ، كالمضمضةِ والاستنشاقِ والاستنجاءِ، ومنها ما هو مستحبٌّ كالسِّواكِ.
وأمَّا تقليمُ الأظفَارِ؛ فإنَّ الظُّفُرَ إذا طالَ جدًّا بحيثُ يجتمعُ تحتَهُ الوَسَخُ: وَجَبَ تقليمُه لصحَّةِ الطَّهارةِ.
وأمَّا قصُّ الشَّارب؛ فالدَّليلُ يقتضي وجوبَه إذا طالَ، وهذا الذي يتعيَّن القولُ به؛ لأمْرِ رسولِ الله ﷺ به، ولقوله ﷺ : "مَنْ لم يَأخذْ شاربَه فليس منَّا" (٢).
وأمَّا قولُ الحَسَنِ البَصْريِّ: "قد أسلمَ مع رسولِ الله ﷺ الناسُ، فما فتَّشَ أحدًا منهم".
فجوابه: أنَّهم استغنَوا عن التفتيش بما كانوا عليه من الختان، فإنَّ العرب قاطبةً كلهم كانوا يختتنون، واليهود قاطبة تختتنُ، ولم يَبْقَ إلا النَّصارى. وهم فرقتان: فرقةٌ تختتنُ، وفرقةٌ لا تختتنُ.
وقد عَلِمَ كلُّ من دخلَ في الإسلامَ منهم ومِنْ غيرهم أنَّ شعارَ
стр. 307
الإسلامِ: الختانُ، فكانوا يُبَادِرُونَ إليه بعد الإسلامِ كما يبادرون إلى الغُسْلِ. ومن كان منهم كبيرًا يشقُّ عليه ويخافُ التَّلفَ: سقطَ عنهُ.
وقد سُئل الإمامُ أَحمدُ عن ذبيحة الأقْلَفِ ـ وذُكِر له حديثُ ابن عبَّاس: لا تؤكل ـ، فقال: ذلك عندي إذا وُلِدَ بين أبَوينِ مُسْلمَينِ فكَبِرَ ولم يختتنْ، وأمَّا الكبيرُ إذا أسلمَ وخافَ على نَفْسه الختانَ، فلهُ عندي رخصةٌ (١).
وأمَّا قولكم: "إنَّ الملَّة هي التوحيدُ".
فالمِلَّةُ هي الدِّينُ، وهي مجموعةُ أقوالٍ وأفعالٍ واعتقاد، ودخول الأعمال في المِلَّة كدخول الإيمان (٢).
فَالمِلَّةُ: هي الفِطْرَةُ وهي الدِّين (٣). ومحالٌ أن يأمر الله سبحانه باتِّباعِ إبراهيمَ في مجرَّدِ الكلمةِ دون الأعمالِ وخصالِ الفطرة، وإنما أمر بمتابعته في توحيدِه وأقوالِه وأفعالِه، وهو ﷺ اختتن امتثالًا لأمر ربِّه الذي أمرَه به وابتلاه به، فوفَّاه كما أُمِرَ، فإن لم نفعلْ كما فعلَ، لم نكن متَّبعينَ له.
стр. 308
وأمَّا قولُكم: "قد حُكِمَ في حديث عُثَيْمِ بن كُلَيْب، عن أبيه، عن جده بأنه من رواية إبراهيم بن أبي يحيى".
فالشّافعيُّ كان حَسَنَ الظنِّ به، وغيرُه يضعِّفه، فحديثُه يصلح للاعتضاد بحيث يتقوَّى به، وإن لم يحتجَّ به وحده.
وكذلك الكلامُ في مُرْسَلِ الزُّهْرِيّ، فإذا لم يحتجَّ به وَحْدَهُ، فإنَّ هذه المرفوعاتِ والموقوفاتِ والمراسيلَ يشدُّ بعضها بعضًا.
وكذلك الكلامُ في حديث موسى بنِ إسماعيلَ وشبهه.
وأمَّا قولُكم: "إن ابن عبَّاس تفرَّد بقوله في الأقْلَفِ: لا تُؤكَلُ ذبيحتُه، ولا صلاةَ له".
فهذا قول صحابيٍّ، وقد احتجَّ الأئمةُ الأربعةُ وغيرهم بأقوال الصحابة، وصرَّحوا بأنها حُجَّة (١)، وبالغ الشّافعيُّ في ذلك، فجعل مخالفتَها (٢) بدعةً. كيف ولم يحفظ عن صحابيٍّ خلافُ ابنِ عبَّاس!
ومثل هذا التَّشديدُ والتَّغليظ لا يقولُه عالمٌ مثلُ ابنِ عبَّاسٍ في تَرْكِ مندوبٍ يُخيَّر الرجلُ بين فِعْله وتَرْكه.
стр. 309
وأمَّا قولكم: "إنَّ الشَّعائر تنقسمُ إلى مستحبٍّ وواجبٍ".
فالأمر كذلك، ولكنْ مِثْلُ هذا الشِّعارِ العظيمِ الفارقِ بين عُبَّادِ الصليبِ وعُبَّاد الرَّحمنِ الذي لا تتمُّ الطهارةُ إلا به، وتَرْكُه شِعارُ عُبَّاد الصَّليبِ، لا يكونُ إلا من أعْظَمِ الواجباتِ.
وأمِّا قولُكم: "أين بابُ العقوباتِ من باب الخِتَان؟ "
فنحن لم نجعل ذلك أصلًا في وجوب الختان، بل اعْتَبَرْنَا وجوبَ أحدِهما بوجوبِ الآخرَ، فإنَّ أعضاء المُسْلِم وظَهْرَهُ ودمَهُ حمًى إلَّا مِنْ حدٍّ أو حقٍّ، وكلاهما يتعيَّن إقامتُه، ولا يجوز تعطيلُهُ.
وأمَّا كَشْفُ العورةِ له، فلو لم تكن مصلحتُه أرجحَ من مفسدة كَشْفِها والنظرِ إليها ولمسِهَا، لم يجز ارتكابُ ثلاثِ مفاسدَ عظيمةٍ لأمرٍ مندوبٍ يجوزُ فعْلُه وتَرْكُهُ.
وأمَّا المداواةُ، فتلك من باب (١) الحياةِ وأسبابِها التي لا بدَّ للبِنْيَةِ منها، فلو كان الختان من باب المندوبات لكان بمنزلة كَشْفِها لما لا تدعو الحاجةُ إليه، وهذا لا يجوز.
وأمَّا قولُكم: "إنَّ الوليَّ يُخرِج من مال الصبيِّ أجرةَ المعلِّمِ والمؤدِّبِ".
стр. 310
فلا رَيبَ أنَّ تعليمَه وتأديبَه حقٌّ واجبٌ على الوليِّ، فما أخرجَ مالَه إلا فيما لا بُدَّ له منه في صلاحه في دنياهُ وآخرتِهِ، فلو كان الختانُ مندوبًا محضًا لَكَانَ إخراجُه بمنزلةِ الصَّدقةِ التَّطوّعِ عنه، وبذْلِه لمن يحجُّ عنه حجَّ (١) التَّطوّعِ ونحو (٢) ذلك.
وأمَّا الأضحيةُ عنه، فهي مختلَفٌ في وجوبها، فمَنْ أوجبها لم يُخْرِج مالَه إلا في واجبٍ، ومن رآها سنَّةً قال: ما يحصلُ بها من جَبْرِ قَلبِه والإحسانِ إليه وتَفْريحِه أعظمُ من بقاءِ ثمنِها في مِلْكه (٣).
стр. 311
الفصل الخامس
في وقتِ وجوبهِ
ووقتُه عند البلوغ؛ لأنَّه وقتُ وجوبِ العبادات عليه، ولا يجبُ قبل ذلك (١).
وفي "صحيح البُخَاريّ" من حديث سعيد بن جبير، قال: سُئِلَ ابنُ عبَّاسٍ ــ ﵄ ــ: مِثْلُ مَنْ أنتَ حين قُبِضَ رسولُ الله ﷺ ؟ قال: أنا يومئذٍ مختونٌ. وكانوا لا يختنونَ الرَّجلَ حتى يُدْرِكَ (٢).
وقد اختُلِفَ في سنِّ ابنِ عبَّاس عند وفاة النبيّ ﷺ ، فقال الزُّبَير والوَاقِدِيُّ: وُلِد في الشِّعب قبل خروجِ بَنِي هَاشمٍ منه قَبْلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ، وتُوفِّي رسولُ الله ﷺ وله ثلاثَ عَشْرَةَ سنة.
وقال سعيد بن جُبَير، عن ابن عبَّاس: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابنُ
стр. 312
عشرِ سنينَ، وقد قرأتُ المُحْكَمَ، يعني المفصَّل (١).
قال أبُو عُمَرَ: روينا ذلك عنه من وجوه. قال: وقد رُوِيَ عن ابنِ إسْحَاق عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس: قُبِضَ رسولُ الله ﷺ وأنا خَتِينٌ أو مختونٌ. ولا يصحُّ (٢).
قلت: بل هو أصحُّ شيءٍ في الباب، وهو الذي رواه البُخَاريُّ في "صحيحه" كما تقدَّم لفظُه.
وقال عبد الله ابن الإمام أَحمد: حدّثنا أبي، حدّثنا سليمان بن داود، حدّثنا شُعْبَة، عن أبي إسْحَاق قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عبَّاس قال: تُوفِّي رسولُ الله ﷺ وأنا ابنُ خمسَ عشرةَ سنة (٣).
قال عبد الله: قال أَبي: وهذا هو الصَّوابُ.
قلت: وفي "الصحيحين" عنه قال: أقبلتُ راكبًا على أَتَانٍ، وأنا يومئذ قد نَاهَزْتُ الاحتلامَ، ورسولُ الله ﷺ يُصَلِّي بالنَّاس بمِنًى إلى غير جدارٍ،
стр. 313
فمررتُ بينَ يدَي بعضِ الصفِّ ... الحديث (١).
والذي عليه أكثرُ أهلِ السِّيَرِ والأخبارِ، أنَّ سنَّه كان يوم وفاة النبيّ ﷺ ثلاث عشرة سنة، فإنه وُلِد في الشِّعب، وكان قبل الهجرة بثلاث سنين، وأقام رسولُ الله ﷺ بالمدينة عشرًا، وقد أخبرَ أنّه كان حينئذٍ مختونًا.
قالوا: ولا يجبُ الختانُ قبلَ البُلُوغِ، لأنَّ الصبيَّ ليس أهلًا لوجوبِ العباداتِ المتعلِّقة بالأبدانِ، فما الظنُّ بالجَرْحِ الذي وَرَدَ التَّعَبُّدُ به (٢)؟
ولا ينتقضُ هذا بالعِدَّة التي تجبُ على الصغيرةِ، فإنَّها لا مُؤنةَ عليها فيها، إنَّما هي مُضِيُّ الزَّمانِ.
قالوا: إذا بلغ الصبيُّ وهو أَقْلَفُ، أو المرأةُ غير مختونةٍ، ولا عُذْرَ لهما، ألْزَمَهما السُّلطانُ به.
وعندي: أنه يجب على الوليِّ أن يختنَ الصبيَّ قبل البلوِغ بحيثُ
стр. 314
يبلغُ مختونًا، فإنَّ ذلك ممالا يتمُّ الواجبُ إلّا بهِ (١).
وأمَّا قولُ ابنِ عبَّاس: وكانوا لا يختنونَ الرَّجلَ حتى يُدْرِكَ، أي حتى يُقارِبُ البلوغَ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق/٢]. وبعد بلوغِ الأجَلِ لا يتأتَّى الإمساكُ، وقد صرَّح ابن عبَّاسٍ أنه كان يومَ موتِ النبيّ ﷺ مختونًا، وأَخْبرَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ التي عاشَ بعدها رسولُ الله ﷺ بضعةً وثمانينَ يومًا، أنّه كان قد نَاهَزَ الاحتلامَ، وقد أمر النبيُّ ﷺ الآباءَ أن يأمُروا أولادَهم بالصَّلاةِ لسبعٍ، وأنْ يَضْرِبُوهُمْ على تَرْكِهَا لِعَشْرٍ (٢)، فكيفَ يَسُوغُ لهم تَرْكُ ختانِهم حتى يجاوزوا البلوغ، والله أعلم.
стр. 315
الفصل السَّادس
في الاختلافِ في كَراهيةِ يومِ السَّابع
وقد اختُلِف في ذلك على قولين، هما روايتان عن الإمام أَحْمَد.
قال الخَلّال: «باب ذكر ختان الصبي» أخبرني عبد الملك بن
عبد الحميد، أنَّه ذَاكَرَ أبا عبدِ الله ختانَ الصبيِّ لِكَم يختتن؟ قال: لا أدري، لم أسمع فيه شيئًا. فقلت له: إنه يشقُّ على الصغير ابن عشر، يغلظ عليه، وذكرتُ له ابني محمَّدًا أنه في خمس سنين، فأشتهي أن أختنه فيها، ورأيته كأنه يشتهي ذلك، ورأيته يكره العشرة لغلظه عليه وشدته.
فقال لي: ما ظننتُ أنَّ الصَّغيرَ يشتدُّ عليه هذا.
ولم أرَهُ يكره للصغير الشَّهر أو السّنةَ، ولم يقلْ في ذلك شيئًا، إلا أنّي رأيتُه يَعْجَبُ من أنْ يكونَ هذا يُؤذي الصَّغيرَ.
قال عبد الملك: وسمعتُه يقولُ: كان الحَسَنُ يكره أن يختتنَ الصبيُّ يوم سابعه.
أخبرنا محمَّد بنُ عليّ السمسار، قال: حدّثنا مهنَّا، قال: سألتُ أبا عبدالله عن الرجلِ يختنُ ابنَه لسبعةِ أيامٍ؟ فكرهه، وقال: هذا فِعْلُ اليَهُودِ! (١)
стр. 316
وقال لي أحمدُ بنُ حنبل: كان الحَسَنُ يكرهُ أن يختنَ الرجلُ ابنَهُ لسبعةِ أيامٍ، فقلت: من ذكره عن الحَسَن؟ قال: بعضُ البَصْرِيِّينَ.
وقال لي أَحْمَد: بلغني أنَّ سُفيانَ الثَوْريَّ، سأل سفيانَ بنَ عُيَيْنَة: في كم يُختَنُ الصبيُّ؟ فقال سفيان: لو قلتُ له: في كم خَتَنَ ابنُ عُمَرَ بَنِيه؟ فقال لي أَحمد: ما كان أَكْيَسَ سفيانَ بنَ عُيَينَة، يعني حين قال: لو قلت له: في كم ختن ابنُ عمرَ بَنِيه؟
أخبرني عصمة بن عصام، حدّثنا حَنْبَل، أن أبا عبد الله قال: وإن ختن يوم السَّابع فلا بأس، وإنما كرهه الحَسَنُ كيلا يتشبَّه باليهود، وليس في هذا شيء (١).
أخبرني محمَّد بن علي، حدّثنا صالح أنه قال لأبيه: يُختَنُ الصبيُّ لسبعةِ أيامٍ؟ قال: يُرْوَى عن الحَسَنِ أنه قال: فعل اليهود (٢).
قال: وسُئل وَهْبُ بنُ مُنَبِّه عن ذلك؟ فقال: إنما يُستحبُّ ذلك في اليومِ السَّابعِ لخفَّتِه على الصِّبْيَانِ، فإنَّ المولودَ يُولَدُ وهو خَدِرُ الجَسَدِ كلِّه، لا يَجِدُ أَلَمَ ما أصَابَه سبعًا، وإذا لم يختتنْ لذلك، فَدَعُوهُ حتى يَقْوَى.
وقال ابن المُنْذِر (٣): «ذكر (٤) وقت الختان»:
стр. 317
«وقد اختَلفُوا في وقتِ الخِتَانِ: فكرهتْ طائفةٌ أن يُخْتَنَ الصبيُّ يومَ سابعِه، كَرِهَ ذلك: الحَسَنُ البَصريُّ، ومالكُ بنُ أنسٍ، خلافًا (١) على اليهود.
وقال الثَوْري: هو خطر.
قال مالك: والصوابُ في خلاف اليهود. قال: وعامَّة ما رأيت الختان ببلدنا إذا أَثْغَرَ (٢).
وقال أَحْمَدُ بنُ حَنْبَل: لم أسمعْ في ذلك شيئًا.
وقال الليثُ بنُ سعدٍ: الختانُ للغلامِ ما بينَ السَّبع سنينَ إلى العشرةِ.
قال: وقد حُكِيَ عن مَكْحُولٍ أو غيره أنَّ إبراهيمَ خليلَ الرَّحمنِ ختن ابنَه إسْحَاق لسبعة أيام، وختن ابنه إسماعيل لثلاثَ عشرةَ سنة، ورُوِيَ عن أبي جعفر: أنَّ فاطمةَ كانت تختِنُ ولدَها يومَ السَّابعِ» (٣).
قال ابن المُنْذِرِ: «وليس في هذا الباب شيءٌ يثبت، وليس لوقت (٤) الختان خبرٌ يُرْجَعُ إليه ولا سنَّةٌ تستعمل، فالأشياء على الإباحة، ولا
стр. 318
يجوز حَظْرُ شيءٍ منها إلا بحجَّةٍ، ولا نَعْلمُ مع مَن مَنَعَ أن يُختنَ الصبيُّ لسبعة أيامٍ حُجَّةٌ» (١).
وفي «سنن البيهقيّ» من حديث زهير بن محمَّد، عن محمَّدِ بنِ المُنْكَدِر (٢)، عن جابرٍ قال: عقَّ رسولُ الله ﷺ عن الحَسَنِ والحُسَيْنِ، وختَنهما لسبعةِ أيَّام (٣).
وفيها من حديث موسى بن عُلَيّ (٤) بن رَباح، عن أبيه، أنَّ إبراهيمَ خَتَنَ إسْحَاقَ وهو ابنُ سبعةِ أيامٍ (٥).
قال شيخنا (٦): ختنَ إبراهيمُ إسْحَاقَ لسبعة أيام، وختن إسماعيلَ عند بلوغه، فصار ختانُ إسْحَاق سُنّةً في بَنيْهِ، وختانُ إسماعيلَ سُنةً في بنيهِ، والله أعلم.
стр. 319
الفصل السَّابع
في بيان حِكْمةِ الختان وفوائدهِ
الختانُ من مَحاسِنِ الشَّرائعِ التي شَرَعَها اللهُ ـ سبحانه ـ لعِبَادِه، ويجمِّل بها محاسِنَهُم الظَّاهِرَةَ والبَاطِنَةَ، فهو مكمِّلٌ للفطرةِ التي فَطَرَهُمْ عليها، ولهذا كانَ من تمامِ الحنيفيَّة ملةِ إبراهيمَ.
وأصلُ مشروعيَّةِ الختانِ لتكميل الحنيفيَّة، فإنَّ الله لما عَاهدَ إبراهيم وَعَدَهُ أن يجعله للناسِ إمامًا، ووَعَدَهُ أن يكونَ أبًا لشعوبٍ كثيرةٍ، وأن يكونَ الأنبياءُ والملُوكُ من صُلْبِهِ، وأن يَكْثُرَ نَسْلُه، وأخبرَهُ أنّه جاعلٌ بَيْنه وبينَ نَسْلِه علامةَ العَهْدِ أنْ يَخْتِنُوا كلَّ مَولُودٍ منهم، ويكون عهدي هذا ميسمًا في أجْسَادِهِمْ، فالختانُ عَلَمٌ للدُّخولِ في ملَّة إبراهيمَ. وهذا موافقٌ لتأويل مَنْ تأوَّلَ قولَه تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة/ ١٣٨] على الختان (١).
فالختان للحنفاء بمنزلة الصبغ والتعميد لعُبَّاد الصَّليب، فهم يطهِّرونَ
стр. 320
أَوْلادَهم ـ بزعمهم ـ حين يَصْبُغُونَهُم (١) في المعموديَّة (٢)، ويقولون: الآنَ صارَ نَصْرَانِيًّا، فشرع الله سبحانه للحنفاء صبغة الحنيفية، وجَعلَ مِيْسَمَهَا الختانَ فقال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة/ ١٣٨] (٣).
وقد جعل الله سبحانه السِّماتِ علامةً لمن يضافُ منها إليه المُعْلَمُ بها، ولهذا الناس يَسِمُون دوابَّهم ومواشِيَهُمْ بأنواع السِّماتِ، حتى يكون ما يضافُ منها إلى كلِّ إنسانٍ معروفًا بِسِمَتِهِ، ثم قد تكونُ هذه السمةُ مُتَوارَثةً في أمَّةٍ بعد أمَّةٍ.
فجعل الله سبحانه الختان عَلَمًا لمن يُضَافُ إليه وإلى دِيْنِه ومِلَّتِهِ، ويُنْسَبُ إليه بنسبةِ العُبُودِيَّةِ والحَنيفيَّةِ، حتى إذا جُهِلَتْ حالُ إنسانٍ في دِيْنِه عُرِف بِسِمَةِ الختانِ ورَنْكهِ (٤)، وكانت العرب تُدْعَى بأُمَّة الختانِ،