← Акыда

Акыда · id 23001

شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط المؤسسة

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (512 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولا شك أن الأنبياء والرسل متفاضلون بنص القرآن، فأفضلهم على الإطلاق محمد ﷺ ، ويليه إبراهيم، ويليه بقية أولي العزم، وهم في المشهور عند أهل العلم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب]، وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣]. إذًا؛ فأفضل الأنبياء والرسل هم أولو العزم، وأفضلهم الخليلان، فالله تعالى قد أخبر أنه اتخذ إبراهيم خليلًا، ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء]، وأخبر النبي ﷺ أن الله اتخذه خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا (١). أما ما جاء من النهي عن التفضيل في قوله ﷺ : «لا تفضلوا بين أنبياء الله»، فهذا محمول عند أهل العلم على التفضيل على وجه التعصُّب الذي يتضمن تنقُّص الآخر، كما يبينه سبب الحديث الصحيح: أن يهوديًّا عرض سلعة له فأُعطي بها شيئًا كرهه؛ فقال: لا والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فلطم وجهه، قال: تقول: والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟ فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهدًا، وقال: فلان لطم وجهي، فقال رسول الله ﷺ : «لِمَ لطمت وجهه؟»، قال: قال يا رسول الله: والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، وأنت بين أظهرنا، قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى عُرِف

стр. 107

الغضب في وجهه، ثم قال: «لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله»، قال: «ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بُعث، فإذا موسى ﵇ آخذ بالعرش، فلا أدري: أحوسب بصعقته يوم الطور، أو بعث قبلي» (١). فالنهي عن التفضيل على سبيل التعصب، أو الذي يتضمن تنقُّص الأنبياء، أما التفضيل لبيان الواقع ولاعتقاد الحق، وإنزال كل منزلته فهذا لا بد منه، فالرسول ﷺ نوَّه بفضله؛ لأنه لا يُعلم إلا من جهته أو من القرآن، والله تعالى نص على التفاضل بين الأنبياء، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. * * *

стр. 108

إثبات الخلة له ﷺ كإبراهيم ﵇ وقوله: «وحبيب رب العالمين». «حبيب» بمعنى محبوب له ، والله تعالى يحب الرسل والأنبياء، والصالحين، وكل مؤمن له حظٌّ من محبة الله تعالى؛ فإن الله تعالى يحب المتقين، والتوابين، والمتطهرين، والمقسطين، والصابرين، والمجاهدين، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف]. إذًا؛ وصفه ﷺ بأنه حبيب رب العالمين لا تظهر فيه خصوصية؛ فكل نبي، وكل مؤمن فهو حبيب لرب العالمين، فمثلًا: علي ﵁ حبيب رب العالمين قال النبي ﷺ : «يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» (١). ولهذا كان اللائق بالمؤلف أن يقول: «وخليل رب العالمين»؛ لأن المحبة مشتركة بين جميع المؤمنين، وعباد الله الصالحين، أما الخُلَّة فمن خصائصه ﷺ مع إبراهيم ﵇. والخلة أعلى مراتب المحبة؛ فالخليل هو أحب العباد إلى الله، والله أخبر في كتابه أنه اتخذ إبراهيم خليلًا، ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء]، وثبت في السنة الصحيحة أن الله اتخذ محمدًا ﷺ خليلًا،

стр. 109

ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «ألا إني أبرأ إلى كل خِلٍّ من خِلِّه، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، إن صاحبكم خليل الله» (١)، وفي الحديث الآخر: «إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا» (٢)، فإبراهيم ومحمد خليلا رب العالمين، ففيه إثبات صفة المحبة لله، وأنه يحب إبراهيم ومحمدًا محبة تامة، وذلك؛ لأنهما أكمل الأنبياء توحيدًا، ومباعدة من الشرك والمشركين، فكان المناسب أن يقول المؤلف: «وخليل رب العالمين». وكثيرٌ من الصوفية يعبر عن الرسول ﷺ بأنه «حبيب الله»، ويرددون مثل هذا، ولا يعلمون أن هذه ليس فيها خصوصية، ومزيَّة بيَّنة (٣). وقد روي أن النبي ﷺ قال: «إن إبراهيم خليل الله … وأنا حبيب الله ولا فخر» (٤)، فجعل الخُلَّةَ لإبراهيم، والمحبةَ له، وهو حديث ضعيف معارِض للأحاديث الصحيحة، ولا يصح سندًا ولا متنًا. * * *

стр. 110

حكم دعوى النبوة بعد محمد ﷺ قوله: «وكل دعوى النبوة بعده فغيٌّ وهوى». هذا نفيٌ وإبطال لدعوى النبوة بعد النبي ﷺ ، وهذا هو مقتضى أنه خاتم الأنبياء، فإذا عُلم بالضرورة أنه خاتم الأنبياء، فيُعلم بالضرورة أن كل دعوى للنبوة بعده فهي دعوى باطلة، وهي من الغي ضد الرشد، ومن الهوى ضد الهدى. فكل دعوى النبوة بعد مبعثه ﷺ سواء كانت في حياته أو بعد مماته فهي دعوى باطلة، ومن يدعي النبوة بعد رسالته ﷺ فهو من أكذب وأظلم الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وقد ادعى النبوة في حياته ﷺ مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي (١)، وادعاها غيرهما بعده ﷺ ، وأخبر ﷺ عن ذلك كما في حديث ثوبان ﵁: «إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» (٢)، فكل من يدعي النبوة فهو كذاب، ولا نحتاج إلى أن ننظر فيما عنده إلا لبيان كذبه لمن قد يلتبس عليه أمره.

стр. 111

عموم بعثته ﷺ للجن والإنس قوله: «وهو المبعوث إلى عامة الجن، وكافة الورى». وهو ﷺ المبعوث إلى عامة الجن، وكافة الورى - أي - الناس، وكلام الطحاوي فيه مراعاة للسجع لينسجم هذا الكلام مع ما تقدم من العبارات. فهو ﷺ مرسل إلى الثقلين - الجن والإنس - وهذا تقريرٌ لعموم رسالته ﷺ ، وهذا معلومٌ من الدين بالضرورة (١)، ولا يكون الإنسان شاهدًا بأن محمدًا رسول الله حتى يشهد بأنه رسول الله إلى الناس كافة، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، إلى غير ذلك من الآيات. ومن الأدلة على إرساله للجن سورة الجن، والآيات من سورة الأحقاف، وخطاب الثقلين في سورة الرحمن. قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَئَامَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن] إلى آخر السورة.

стр. 112

وفي سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ [الأحقاف] الآيات. وفي سورة الرحمن ذكر الله خلق الثقلين، وخاطبهما وذكر جزاءهما، قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣]، ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ٣٥]، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن]، وفي الثواب، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ [الرحمن] إلى آخر السورة. ويظهر من آيات الأحقاف أن موسى ﷺ كذلك مرسلٌ إلى الجن، قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف]. واختلف الناس هل من الجن رسل، أم الرسل كلهم من الإنس؟ جمهور أهل العلم على أن الرسل من البشر، وأما الجن فمنهم دُعاة، ونُذُر (١)، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]، وإذا صح وعلم بالوحي أن الرسول ﷺ مرسلٌ إلى الجن، وموسى كذلك؛ عُلم أن إرسال الإنس إلى الجن يحصل به قيام الحجة عليهم.

стр. 113

واستدل أهل القول الثاني بقول الله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠]، فخوطب الجميع: الجن والإنس بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾. وقال الجمهور: إن هذه الآية محتملة، وليست صريحة، والمراد من المجموع؛ لأن الخطاب للجميع. والأمر في هذا سهل، والمقصود أن الجن والإنس كلهم مكلفون، وقد خلقهم الله لعبادته، وأقام الحجة عليهم، ومنهم جميعًا المؤمن والكافر، والصالح والطالح. والجن عالَمُ غيب وإن ظهروا للناس وتمثلوا بأشكال مختلفة، وهم كثير، ويعيشون على الأرض مع الناس، ولهم صفاتهم، ويأكلون ويشربون، ويتوالدون، ومنهم الذكور والإناث، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن]، وفي القرآن والسنة من الإخبار عنهم شيءٌ كبير، ومن ينكر وجود الجن؛ فهو كافر. * * *

стр. 114

فضل رسالته، وكمال شريعته ﷺ وقوله: «بالحق والهدى، وبالنور والضياء». أي: فمحمد ﷺ مرسل «بالحق والهدى، والنور والضياء»، والمؤلف ينوع في التعبير، فهو ﷺ مرسلٌ إليهم بالحق، وهو ضد الباطل، والهدى، وهو ضد الضلال، وبالنور والضياء، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣]، وقوله : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩]. «بالحق» في الأمور الاعتقادية والعملية، وهذا الحق الذي جاء به ﷺ نور وهدى للناس، كما قال تعالى: ﴿فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨]، وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف]، نورٌ يبصر به المهتدون طريق السعادة، ومن حُرِم هذا النور؛ تخبط في ظلمات الجهل، والغفلة، والكفر، وأكثر البشرية تتخبط في الظلمات، فلا طريق لمعرفة الحقائق، وتمييز الحق من الباطل، والحلال والحرام إلا طريق الوحي. فهذا الذي ذكره المؤلف جملة من خصائص الرسول ﷺ ، وله خصائص كثيرة فُضِّل بها على سائر الأنبياء، منها ما يختص به، ومنها

стр. 115

ما يتعلق بأمته، مثل قوله ﷺ : «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا؛ فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» (١)، وفي حديث آخر: «فُضِّلتُ على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» (٢). وخصائص الرسول ﷺ كثيرة عُني أهل العلم بجمعها (٣). وحقه ﷺ على أمته: الإيمان به، وبما جاء به، ومحبته فوق محبة الأهل والولد، والمال، والنفس، قال النبي ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما … » الحديثَ (٤). وقال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (٥). وتحقيق متابعته ﷺ تكون بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وتصديقه بكل ما أخبر به، والتقيُّد في عبادة الله بما جاء به ﷺ ، ومن ذلك

стр. 116

تحكيمه ﷺ والتحاكم إلى شريعته، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء]. والناس في شأن الرسول ﷺ ثلاثة أقسام: - منهم: من يغلو فيه ﷺ ويجعل له بعض خصائص الإلهية. - ومنهم: الجافون المقصرون، وشرُّهم المكذبون له، وكذلك المعرضون عن سنته، والمقصِّرون في تحقيق متابعته، وطاعته، وتحكيمه ﷺ . - والوسط من آمن به، وصدَّقه، واتبع أمره، وترك نهيه، وعَبَد الله بشرعه. * * *

стр. 117

عقيدة أهل السنة في القرآن، والرد على المخالفين وقوله: «وإن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده سقر، حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر]، فلما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر]، علمنا وأيقنَّا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر». قوله: «وإن» هذا عطف على ما سبق، مثل ما قلنا في قوله: «وإن محمدًا» (١)، يعني: ونقول في القرآن معتقدين بتوفيق الله: «إن القرآن كلام الله» أي: نُقِرُّ ونعتقد أن الكتاب المنزل على محمد ﷺ ، المبدوء بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة الناس هو كلام الله، تكلم به تعالى، وأنزله على رسوله ﷺ ، كما قال : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وقوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [البقرة]، وقال : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ

стр. 118

اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، فالقرآن كله «كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس كلامُ الله الحروفَ دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف» (١)، ﴿الم (١)﴾ [البقرة] كلام الله، ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، كلام الله، تكلم به تعالى بما فيه من أوامر، ونواهٍ، وأخبار. وقوله: «منه بدا» أي: ظهر. أو بدأ: ابتدأ ظهوره ونزوله من الله، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الزمر]، ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]، ف «مِنْ» في هذه الآيات لابتداء الغاية، فنزول القرآن مبتدأ من الله نزل به الروح الأمين جبريل ﵇. وقوله: «بلا كيفية»، يعني: بلا كيفية معقولة لنا، لا بد من هذا التقييد، فلا نقول: إن الله تكلم على هيئة كذا وكذا، أو بصفة كذا وكذا. وقوله: «قولًا»، مصدرٌ مؤكِد لقوله: «منه بدا بلا كيفية»، أي: بدا من الله كلامًا مسموعًا، سمعه جبريلُ، وبلغه محمدًا ﷺ ، وأهل السنة يقولون: «إن القرآن كلام الله منزلٌ غير مخلوق، منه بدا، وإليه يعود» (١)، ومعنى إليه يعود، ما ورد في الآثار أن القرآن يُسرى عليه في آخر الزمان، ويرفع من الصدور والمصاحف، فلا يبقى له وجودٌ في الأرض (٢)، وهذا

стр. 119

عندما يُعطل، وينتهي الأجل المعدود والمحدود بتكليف العباد، وأمرهم ونهيهم بهذا القرآن. وقوله: «وأنزله على رسوله وحيًا»، بدأ من الله قولًا، وأنزله وحْيًا على رسوله محمدٍ ﷺ بواسطة الرسول جبريل ﵇، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء]، وقال : ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ [مريم]. وقوله: «وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقًّا»، صدق المؤمنون الرسول ﷺ فيما جاء به تصديقًا، والنبي ﷺ لما أرسله الله ودعا الناس رموه وسفَّهوه، ووصفوه بالشعر، والكهانة، والجنون، والسحر، وصدَّقه من صدَّقه، وأول من صدقه خديجة بنت خويلد ﵂ أم المؤمنين السيدة العظيمة، وفازت بهذا الفضل العظيم، ثم آمن به بعض الناس على قلة من الأحرار والعبيد: واحد، واثنين، وثلاثة، حتى تتابع الناس على الإيمان، حتى دخلوا في دين الله أفواجًا، وهؤلاء المؤمنون صدَّقوا بأن القرآن كلام الله، وأن محمدًا ﷺ رسول الله، وأن ما جاء به من عند الله. وقوله: «حقًّا»، مصدر مؤكِّد لقوله: «وصدَّقه»؛ كأنه قال: صدقوه تصديقًا، والمصدر المؤكِّد يشترط أن يكون من لفظ الفعل، كما إذا قلت: قمت قيامًا، أو من معناه كما إذا قلت: قمت وقوفًا. وقوله: «وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية»، أي: وأيقن المؤمنون الذين صدَّقوا: أن القرآن كلام الله على

стр. 120

الحقيقة لا المجاز. والمعطلة من الجهميَّة، والمعتزلة يقولون: إنه كلام الله، لكنه مخلوق، فإضافته إلى الله إضافة مخلوقٍ إلى خالقه، فليس هو كلام الله على الحقيقة؛ لأنهم يعتقدون أن الله لا يتكلم! إذًا؛ فالقرآن عندهم ليس كلامًا تكلم الله به، ولا يخصون القرآن بهذا؛ فكل كلام الله عندهم مخلوق، حتى الخطاب الذي نودي به موسى ﵇ في الوادي المقدس زعموا أن الله خلق كلامًا في الشجرة سمعه موسى! وردَّ عليهم أهل السنة بأن هذا يقتضي أن الشجرة هي التي قالت: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: ١٤]؛ لأن الله إذا خلق كلامًا في بعض مخلوقاته؛ فالكلام لا يوصف به إلا من قام به الكلام. وهذه المسألة هي التي نشأت عنها فتنة القول بخلق القرآن، حتى حُمل الناس على هذه البدعة بالقوة، وامتُحِن العلماءُ، وعلى رأسهم إمامُ أهل السنة الإمامُ أحمد ﵀ (١). والقول بخلق القرآن قول مبتدع باطل مبني على باطل، فهو مبني على أن الله لا يقوم به كلام، وهذا قولُ الجهميةِ والمعتزلةِ. وأما الأشاعرةُ فمذهبهم في القرآن ملفق، فيثبتون الكلام لله، ويقولون: إنه تعالى متكلم، والكلام يقوم به (٢).

стр. 121

لكن ما هو الكلام الذي يثبتونه؟ يقولون: إن كلام الله معنى نفسي قديم واحد. هذا ضابط كلام الله عندهم، فهو عندهم: معنىً واحدٌ قديم قائم به سبحانه لازمٌ لذاته لا تتعلق به المشيئة، ليس بحروف وأصوات، ولا يسمع من الله، هذا تحرير مذهبهم. وعلى هذا؛ فالقرآن المسموع، المتلو، المحفوظ، المكتوب؛ عبارة عن ذلك المعنى النفسي! إذًا؛ فحقيقة قولهم: إن هذا القرآن مخلوقٌ للدلالة على ذلك المعنى النفسي. فالجهمية والمعتزلة، والأشاعرة، كلهم يقولون: القرآن كلام الله، لكن كلٌّ على أصله. فالجهمية، والمعتزلة: يريدون أنه مخلوقٌ لله، وإضافته إلى الله من إضافة المخلوق إلى الخالق. والأشاعرة يقولون: إنه كلام الله، فهذا الكلام المكتوب في المصاحف دليلٌ على المعنى النفسي، وفي هذه يقتربون جدًّا من الجهمية، والمعتزلة، فليس بينهم كبير فرقٍ؛ لأن النزاع في هذا القرآن الذي يحفظه المسلمون، ويسمعونه، ويتلونه، ويكتبونه. وأهل السنة والجماعة عندهم: أن القرآن كلام الله على الحقيقة كيف ما تصرف: مكتوبًا، ومحفوظًا، ومسموعًا، ومتلوًّا.

стр. 122

فالكلام المكتوب في المصاحف هو كلام الله، وما في صدورِ حَفَظَةِ القرآن هو كلام الله، وما يتلوه التالون هو كلام الله، لكن الصوت صوت القارئ، والكلام المتلو كلام البارئ، وكل عاقل يفرق بين الكلام الذي يبتدئُه المتحدث، وبين كلام غيره حين يقرؤه، فالكلام إنما يضاف حقيقةً إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا. فإذا سمعت إنسانًا يقرأ حديث «إنما الأعمال بالنيات» (١) تقول: هذا قول الرسول ﷺ ، ولا تقول هذا كلام الذي قرأ الحديث؛ لأن القارئ يقرأ كلام النبي ﷺ . وإذا سمعته ينشد قصيدة للشاعر امرئ القيس فإنك لا تقول: هذا كلام فلان الذي ينشد القصيدة بل تقول: هذا كلام امرئ القيس (٢). فالقرآن هو: «كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق»، كما تقول: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، «ككلام البرية»، فالبشر وكلامهم، وأفعالهم، وصفاتهم، مخلوقة. وقوله: «فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه، وأوعده بسقر حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر]». فمن سمع القرآن فزعم أنه كلام البشر، أنشأه محمد؛ فهو كافر، مكذِّب للرسول ﷺ ، مفترٍ على الله تعالى، وعلى رسوله ﷺ .

стр. 123

ويشير المؤلف إلى الآيات من سورة المدثر النازلة في الوليد بن المغيرة، فإنه جاء إلى النبي ﷺ فسمع القرآن فَرَقَّ له، فجاء إلى قريش فأثنى على القرآن، فعابوه، فلما عيَّروه بذلك أراد أن يحتفظ بمكانته - نسأل الله العافية -؛ فقال ما أخبر الله به عنه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ [المدثر] (١). وقوله: «فلمَّا أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر] علمنا وأيقنَّا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر». لمَّا علمنا أن الله ذمَّ وتوعَّد من قال: إنه قول البشر؛ علمنا أنه قول رب العالمين، لا قول البشر، ولا يشبه قول البشر، ولهذا كان القرآن معجزًا تحدى الله الثقلين أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور، أو بسورةٍ من مثله، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا

стр. 124

يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ٨٨﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. وقوله: «ولا يشبه قول البشر»، لا في بيانه وفصاحته، ولا في معناه؛ لاشتماله على المعاني العظيمة، فقد بلغ الغاية في الصدق في أخباره، والعدل في أحكامه، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت]، ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت]، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الزمر]، لا يشبه قولَ البشر، مع أنه كلام وقول البشر كلام، ولذا قال بعض أهل العلم (١): إن افتتاح السور بالحروف المقطعة فيه تنبيه على الإعجاز، وأن القرآن كلام مؤلَّفٌ من هذه الحروف التي يتألف منها سائر الكلام: «ا ل م رص ط هـ ك ع ق» فهو حروف وكلمات، وسور وآيات. وقوله: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر». يعني من شبَّه الله بخلقه فقد كفر؛ لأنه تكذيب لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.

стр. 125

فالله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، قال الإمام نعيم بن حماد (١): «من شبَّه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه» (٢). وقوله: «فمن أبصر هذا اعتبر». من أبصر هذا بعقله وبصيرته اعتبر وحذر من حال المكذبين، وانزجر عن المقالات الباطلة، كقول الوليد بن المغيرة، وقول الجهميَّة والمعتزلة والأشاعرة. فالقرآن كلام الله، والله تعالى يتكلم بما شاء إذا شاء، وكلام الله يسمعه من شاء الله بلا واسطة. والأدلة على إثبات كلام الله كثيرة ومتنوعة، ففي القرآن قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ [الأحزاب]، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص]، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء]، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ

стр. 126

إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ٣٧﴾ [البقرة]، فقد جاء ذكر الكلام بلفظ: القول، والكلام، والكلمات، والنداء، والمناجاة. والله كلم موسى وناداه وناجاه، ناداه بصوت مرتفع، وناجاه بصوت خفي، قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم]، فموسى كليم الله، ونجيُّ الله؛ لأن الله ناجاه، وهو تعالى يوصف بالمناداة، والمناجاة، والتكليم. والمخلوق يوصف بالمناداة، والمناجاة، والتكليم، ولكن نقول: ليس التكليم كالتكليم، ولا المناداة كالمناداة، ولا المناجاة كالمناجاة، كما نقول: إن حياته ليست كحياة المخلوقين، ولا علمه كعلمهم، ولا قدرته كقدرتهم، فالقول في الصفات واحد ولا فرق، وهذا أصل معقول صحيح. * * *

стр. 127

إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة قال رحمه الله تعالى: «والرؤية حقٌّ لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربِّنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة]، وتفسيره على ما أراد الله تعالى، وعلمه». أي رؤية المؤمنين لربهم بأبصارهم ثابتة وواقعة، فيجب الإيمان بأن المؤمنين يرون ربَّهم يوم القيامة عيانًا بأبصارهم. وقوله: «بغير إحاطة»، أي: يرونه ولا يُحيطون به، فلا يرونه رؤية يدركونه بها من كل وجه، فهو تعالى أعظم من أن يُحيطَ به العباد، فإنهم: ﴿لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه]، وكذلك لا يُحيطونَ به رؤية، قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، أي: لا تُحيطُ به الأبصار. وقوله: «ولا كيفية»، هذا يصح إن أريد به نفي العلم بالكيفية، وإلا فرؤية المؤمن لربه لها كيفية، وله تعالى كيفية، لكن لا نعلمها، فالنفي للكيفية مُتعلِّقٌ بالعلم، فيكون المعنى: بغير إحاطة ولا كيفية معلومة لنا. ومسألة الرؤية، مسألة عظيمة افترقت فيها الأمة، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانًا بأبصارهم، يرونه في عرصات القيامة - أي: مواقفها -، ويرونه في الجنة، كما يشاء ، يرونه ويسعدون، وينعمون بالنظر إلى ربهم، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ

стр. 128

٢٢ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ٢٣﴾ [القيامة]، وفي الآية الأخرى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ [المطففين]. وقد دلَّ على رؤية المؤمنين لربهم القرآن، والسنة المتواترة عن النبي ﷺ (١)، وأجمع على ذلك أهل السنة والجماعة؛ فأما القرآن فأصرح دليل في ذلك آية سورة القيامة التي ذكرها المصنف: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾، أي: بهيَّةٌ مشرِقَةٌ حسنةٌ، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ يعني: تنظر إلى ربها، وهذا الفعل: «نَظَرَ» يأتي على وجوه في اللغة العربية (٢): - يأتي متعدِّيًا «بنفسه»، فيكون بمعنى الانتظار، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، أي: هل ينتظرون إلا تأويله. - ويأتي متعدِّيًا ب «في»، فيكون معناه: التفكر، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨]. - ويأتي مُعدًّى ب «إلى»، فيُرادُ به نظر العين، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق: ٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ﴾ [الغاشية: ١٧]. ومما استُدلَّ به على إثبات الرؤية من القرآن قولُه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقد بيَّن النبي ﷺ أن الزيادة: هي النظر

стр. 129

إلى وجه الله الكريم (١)، وفي معناها: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق] (٢). كما استدل أهل السنة بقوله تعالى في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين]، فلو كان المؤمنون لا يرونه؛ لاستووا هم والكفار. ومما استُدلَّ به من القرآن قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ [المطففين]، قيل: ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل: ينظرون إلى الكفار وهُم يُعذَّبون، فيغتبطون بنعمة الله عليهم أن نجَّاهم وعافاهم، وقيل: ينظرون إلى ما أعطاهم الله من النعيم، وقيل: ينظرون إلى ربهم، أقاويل في تفسيرها للسلف (٣) كما هي عادتهم يذكرون بعض ما تدلُّ عليه الآية، لكن قال ابن القيم ﵀: «ولقد هضم معنى الآية من قال: ينظرون إلى أعدائهم يعذَّبون، أو ينظرون إلى قصورهم وبساتينهم، أو ينظر بعضهم إلى بعض، وكل هذا عُدُول عن المقصود إلى غيره، وإنما المعنى: ينظرون إلى وجه ربهم، ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم لمحجوبون» (٤). وأما السنة فقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ في إثبات الرؤية، ومن ذلك قوله ﷺ : حين سألوه: هل نرى ربنا؟ قال: «هل تضارُّون

стр. 130

في القمر ليلة البدر؟»، قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فهل تُضارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟»، قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فإنكم ترونه كذلك» (١)، وقال ﷺ : «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تُضامُون في رؤيته» (٢). إذًا؛ رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ثابتة بالكتاب والسنة وكذلك بإجماع أهل السنة، وهي من مطالب المؤمنين، ومما يرجون الفوز به، ولهذا جاء في دعاء النبي ﷺ : «أسألك لذة النظر إلى وجهك» (٣). ومع هذه الأدلة قد عَميَ عن إثبات الرؤية من لبَّسَ عليهم الشيطان، فأضلَّهم عن سواء السبيل من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، فقالوا: إنه تعالى لا يُرى، وهذا ليس غريبًا منهم، فالذين ينفون عن الله كل الصفات حقيق بأن يقولوا: إنه تعالى لا يُرى، بل لعل قولهم: إنه لا يُرى هو من لوازم نفيهم لجميع الصفات؛ لأن نفي جميع الصفات يستلزم نفي الذات، والمعدوم لا يُرى، فقولهم بنفي الرؤية مناسبٌ لمذهبهم في التعطيل.

стр. 131

ومن شبهاتهم في ذلك استدلالهم بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فقالوا: معناه لا تراه الأبصار. وأُجيب (١) عن هذا بأن قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ نفي للإحاطة، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، وعلى هذا فالآية دالة على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنها دالة على إثبات الرؤية من غير إحاطة. وقد قيل في تفسير هذه الآية: لا تُدركه الأبصار في الدنيا، أو لا تُدركه أبصار الكفار (٢)، وهذان تفسيران مرجوحان: أولًا: لأن الإدراك أخصُّ من مطلق الرؤية، وليس المنفي الرؤية. ثانيًا: على هذا التفسير لا بد من التقييد أو التخصيص، أما على التفسير الأول، فالآية على إطلاقها. ومن صفات ربنا أنه لا تُدركه الأبصار، وهذه صفة سلبية، وتقدم (٣) أن النفي الذي من صفات الله تعالى لا بد أن يتضمن ثبوتًا، فأما النفي الذي لا يتضمَّنُ ثبوتًا فلا يدخل في صفاته تعالى، بل كلُّ نفيٍ في صفاته فإنه مُتضمِّنٌ لإثبات، فنفي إدراك الأبصار له يتضمَّنُ إثباتَ كمال عظمته سبحانه، فلِكمالِ عظمته لا تُدركه الأبصار.

стр. 132

إذًا؛ فهذا نفي مُتضمِّن لإثبات مدح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومعلوم أن كون الشيء لا يُرى ليس صفة مدح؛ لأن النفي المحض لا يكون مدحًا إن لم يتضمن أمرًا ثبوتيًا؛ ولأن المعدوم لا يُرى، والمعدوم لا يُمدح، فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه» (١). أما الآيات؛ التي فيها إثبات الرؤية فإنهم يُحرِّفونها، فأظهر آية في الدلالة على إثبات الرؤية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة]، قالوا: ناظرة إلى ثواب ربها، أو يُفسِّرون النظر بالانتظار! و تقدم (٢) أن هذا لا يتفق مع قاعدة اللغة. وقد جاء في الحديث: تشبيه رؤية المؤمنين لربهم برؤية الشمس والقمر، فالمشبَّه والمشبَّه به هو الرؤية، فشبَّهَ الرؤية بالرؤية، ولم يُشبِّه المرئي بالمرئي، فلا يُقال: إن الله تعالى كالشمس والقمر، فقوله ﷺ : «إنكم سترون ربكم كما ترون … » يعني: ترون ربكم رؤية كرؤيتكم للشمس والقمر، ووجه الشبه بين الرؤيتين: أولًا: أنها رؤية بصرية لا علمية، ونفاة الرؤية يفسرون هذه الرؤية بالرؤية العلمية، - أي - يزداد علمهم بالله يوم القيامة، لا أنهم يرونه بأبصارهم. ثانيًا: أنهم يرونه في العلو، كما يُرى القمران في العلو.

стр. 133

ثالثًا: أنها رؤية من غير إحاطة، فالمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة من غير إحاطة، كما أن الناس في الدنيا يرون الشمس والقمر من غير إحاطة. فماذا يصنعون بهذا الحديث وغيره؟! يزعمون أنها أخبار آحاد، ومن أصولهم الباطلة: أن أخبار الآحاد لا يُحتجُّ بها في مسائل الاعتقاد! أو يردونها، طاعنين في بعض رواتها، مع أنهم ليسوا أهلًا أن يتكلَّموا في ذلك. فقول الجهمية والمعتزلة قولٌ باطل مردود بالكتاب والسنة والإجماع، وإنكار الرؤية كفر؛ لأنه إنكار لأمر معلوم من دين الإسلام بالضرورة، إذ إنه جحد لما دلَّت عليه هذه النصوص المستفيضة من القرآن، ومن الحديث، ولما اتفق عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان. وأما الأشاعرة: فيقولون: إنه يُرى لا في جهة! فلا يُرى من فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف! فأضحكوا عليهم العقلاء، وفتحوا بابًا للمعتزلة فاحتجوا عليهم، وكأنهم ما أثبتوا الرؤية. فقول الأشاعرة فيه تلفيق، وهذه عادتهم، فهم في باب الصفات يثبتون بعضًا من الصفات، وينفون كثيرًا منها، وفي الكلام (١) يثبتون الكلام، لكن ليس على الوجه المعقول الذي دلَّت عليه نصوص الكتاب والسنة.

стр. 134

وهكذا الرؤية إثباتهم ليس على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، بل ولا على الوجه المعقول. وهذا يرجع إلى أن من أصولهم الباطلة نفي علو الله على خلقه، ويقولون: إن الرؤية تحتاج إلى مقابلة. نعم، فالله تعالى في العلو والعباد ينظرون إلى ربهم كيف شاء . وقال ﵀: «وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعَلِمَه». هذه العبارة مضمونها التفويض، يعني: ونحن لا نعلم معاني تلك النصوص، لكن لا يصح أن يُريده المؤلف؛ لأنه أثبت الرؤية، فقال: «بغير إحاطة ولا كيفية»، فأثبت رؤية حقيقية، فلا يصح أن يقال: يُريد المؤلف بهذا أنَّا لا نعلم تفسير ما ورد في هذه النصوص من ذكر الرؤية؛ بل تفسيرها على ما أراد الله! فإنَّ مراد الله من ذلك أنهم ينظرون إلى ربهم، كما دلت على ذلك السنة الصحيحة الصريحة، فما أراد الله من معانيها معلوم لنا، وما أراد الله من حقائق ذلك وكيفياته هو الذي لا نعلمه، فنحن نعلم مراد الله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء] أنه ذو سمع وبصر، هذا مرادٌ معلوم لنا، والله أراد منا أن نعلمه، فعلَّمنا إياه وعرَّفنا به، وهكذا نقول في الرؤية. وكذلك قول الرسول ﷺ : «إنكم سترون ربكم» (١) مراده أن نعلم أننا نرى ربنا يوم القيامة.

стр. 135

والذي يظهر لي من مراد المؤلف بالتفسير: معرفة الحقيقة والكيفية؛ فذلك الذي لا نعلمه، كما سيأتي (١) في الكلام على التأويل، فكأنه قال: وكيفية ذلك على ما أراد الله وعَلِمَه. * * *

стр. 136

وجوب التصديق بخبر الرسول ﷺ وحمله على مراده وقوله ﵀: «وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول ﷺ ، فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك مُتأوِّلين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا». يعني: ما جاء عن الله تعالى في كتابه هو على ما أراده وعَلِمَه، وما جاء عن النبي ﷺ وصحَّ من سنته؛ فهو كما قال، فقد قال ﷺ : «إنكم سترون ربكم» فسنرى ربنا كما قال، وهذا معناه التصديق، فما جاء عن النبي ﷺ من الحديث الصحيح فهو حقٌّ كما أخبر، هذا معنى قوله: «كما قال» فنحن نؤمن به مصدقين لخبر الله تعالى، وخبر رسوله ﷺ ، وهذا بيان لوجوب الإيمان بما أخبر الله به، وما أخبر به رسوله ﷺ في هذه المسألة وغيرها. وقوله: «ومعناه على ما أراد»، الكلام في هذا كالكلام فيما قبله، فقوله ﷺ : «إنكم سترون ربكم» ماذا أراد ﷺ ؟ أراد الرؤية البصرية، ونعلم أنه أراد ذلك يقينًا، وليس المقصودُ التفويضَ - فنقول: الله أعلم بمراده ومراد رسوله -؛ بل نقول: نعم هو كما قال، ومعناه على ما أراد، ونحن نعلم المعنى الذي أراده من قوله ﷺ : «إنكم سترون ربكم»؛ لأنه يُخاطبنا بكلام واضح مبين مفسَّر لا إجمال فيه ولا إبهام، فلا يجوز أن

стр. 137

يكون المراد ستعلمون ربكم؛ لأن العباد يعلمون ربهم وهم في الدنيا قبل أن يموتوا: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه] يعرفون ربهم أنه خالقهم، وخالق كل شيء، وأنه الله الذي لا إله غيره، فلا يجوز أن يُراد بقوله ﷺ : «سترون ربكم» يعني: تعلمون، وتكون الرؤية علمية؛ فإنه ﷺ قال: «كما ترون الشمس .. كما ترون القمر .. » وهذا كلام واضح قاطع مبطل لكل التحريفات. وكلمات الطحاوي هذه تُوهِم التفويض، لكن لا يصح أن نقول: إنه يُفوِّض هذه النصوص؛ لأن التفويض لا يجري إلا على مذهب من ينفي حقيقة الرؤية، والمصنف بريء من هذا، فإنه يثبت الرؤية. وقوله: «لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا». التأوُّل بمعنى التأويل، فلا ندخل في ذلك متأولين لتلك النصوص برأينا المحض فنؤولها على خلاف ظاهرها. قال الإمام ابن تيمية: «إن التأويل صار مستعملًا في ثلاثة معان: الأول: التأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين المتكلمين في الفقه وأصوله: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى احتمال مرجوح لدليل يقترن به. الثاني: التأويل بمعنى: التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين. الثالث: التأويل بمعنى: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام» (١).

стр. 138

والمأثور من هذه المعاني هو الثاني والثالث، وأما الأول فهو اصطلاح حادث، وهو نوعٌ من التفسير، لكن الأصل أن الكلام يُحمل على ظاهره، ولا يجوز صرفه عن ظاهره إلا بدليل يجب المصير إليه، فهذه النصوص لا يجوز صرفها عن ظاهرها، بل يجب إجراؤها على ظاهرها، كالقول في سائر نصوص الصفات، وظاهرها هو إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة عيانًا بأبصارهم، ولا يجوز صرفها عن هذا الظاهر؛ لأنه ليس هناك حجةٌ صحيحة توجب صرف هذه النصوص عن ظاهرها. وإذا قال الأصوليون: هذا مُؤوَّل، أو مُتأوَّل؛ معناه: أنه مصروف عن ظاهره إلى غيره، لكن تارة يكون بحجة صحيحة، فيكون هذا التأويل صحيحًا، وتارة يكون ذلك التأويل بغير حجةٍ صحيحة، كتأويل المبتدعة للنصوص المخالفة لأصولهم، فكل تأويلات المبتدعة للنصوص المخالفة لأصولهم من نوع التأويل الباطل، والاسم المطابق لتأويلهم هو التحريف؛ فإن صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى احتمالٍ مرجوح، أو صرفه عن ظاهره إلى غيره بغير دليل يوجب ذلك، هو من تحريف الكلم عن مواضعه. قوله: «ولا متوهمين بأهوائنا». ولا نتوهم فيها خلاف ظاهرها بدافع الهوى؛ فإن من التأويل ما لا دليل عليه غيرُ وهمٍ باعثُه الهوى؛ فإن الإنسان إذا كان له هوىً في شيء يكون في عقله تصورات واعتقادات تنبعث من هواه، وهذا هو الذي

стр. 139

يرمي إليه المؤلف بقوله: «لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا»؛ فنُحرِّف النصوص ونصرفها عن ظاهرها بموجب آراء وشبهات، بل يجب أن نُجري النصوص على ظاهرها، ونفهمها على موجب ما دل عليه اللسان العربي، وعلى فهم السلف الصالح؛ فإن أي فهم لآية أو حديث يتناقض مع فهم الصحابة، أو فهم السلف الصالح؛ فهو باطل. وقوله: «فإنه ما سَلِم في دينه إلا من سلَّم لله ولرسوله ﷺ ، ورد عِلْمَ ما اشتبه عليه إلى عالِمِه». هذا تعليل لقوله: «لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا»، بل نؤمن به على مراد الله، ومراد رسوله ﷺ ، فإن الواجب علينا الإيمان بهذه النصوص، والتسليم لما أخبر الله به، فما عَلِمنا منه آمنا به على ما فهمنا منه، وما لم نعلمه نكل علمه إلى عالِمِه، هذا هو الواجب على المؤمن إذا وردت عليه آية من كتاب الله، أو حديث صحيح عن رسوله ﷺ ، يجب عليه أن يؤمن به ولا يتوقف، فَهِمَ معناه أو لم يفهمه، فيجب أن يقابل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ بالإيمان والإذعان. فإنه ما سَلِم عبدٌ في دينه؛ إلا إذا انقاد لله بالتصديق وإخلاص العبادة، وانقاد للرسول ﷺ بالتصديق والمتابعة، ومن عارض النصوص بعقله فليس عابدًا لله تعالى، ولا متبعًا لرسوله ﷺ ، بل متبع لهواه، قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]، وكل أهل الباطل ينطلقون من هذين الأصلين: الظن، أو الهوى.

стр. 140

فمذاهبهم مبنية على الظنون، والخَرص، و ليست مبنية على حجج وبينات، بل على شبهات واهيات، وعلى الهوى، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام]، ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠]، فإنهم قد يكونون على علم بالحق، لكن يمنعهم من اتباعه الهوى، وقد يضلون عن الحق بسبب ظنونهم، وآرائهم، وشبهاتهم، وفي كثير من الأحيان يجتمع الأمران: فيكون الباعثُ على ذلك الباطلِ الشبهةَ والهوى؛ فالذين يُحكِّمون عقولهم - مثلًا - في باب الصفات؛ كالجهمية والمعتزلة أصلهم هو تحكيم العقل الفاسد؛ لأن العقل الصحيح لا يُناقض النقل الصحيح أبدًا، لكنهم حكَّموا عقولهم الفاسدة، ولو حكَّموا العقل الصريح لكان موافقًا لما جاءت به الرسل، «فإن الرسل لا يأتون بما تُحيلُهُ العقول أبدًا، لكن قد يُخبرون بما لا تدركه العقول، أو بما تحار فيه العقول، ولا يأتون بما تقطع العقول السليمة ببطلانه» (١). فما تأتي به الرسل إما أن يكون العقل شاهدًا ومصدقًا على صدقه وحسنه، أو يكون العقل واقفًا جاهلًا، والجاهل عليه أن ينقاد و يُسلِّم. فأخبار الرسل دائرة بين الأمرين، أما شيء يُحيله العقل فلا والله لا تأتي به الرسل؛ لأن العقل الصريح والقضايا العقلية القطعية لا تتناقض، والحق لا يتناقض، وهذه القضية الكبيرة أعني: الوفاق بين العقل

стр. 141

والنقل، ألَّف فيها الإمام العلم شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه العظيم: «العقل والنقل» أو «درء تعارض العقل والنقل» الذي قال فيه ابن القيم: وَاقرَأ كِتَابَ «العَقلِ وَالنَّقلِ» الذِي … مَا فِي الوُجُودِ لَهُ نَظِيرٌ ثَانِ (١) يعني في بابه. * * *

стр. 142

وجوب التسليم لحكم الله تعالى ورسوله ﷺ ، وتقديمه على الآراء وقوله: «فإنه ما سَلِم في دينه إلا من سلَّم لله ولرسوله ﷺ ، وردَّ عِلْمَ ما اشتبه عليه إلى عالِمِه». هذا فيه تقرير وجوب التسليم لله، والانقياد لحكمه. وحكم الله نوعان: - حكم كوني. - وحكم شرعي. ويجب على العبد الرضا عن الله في تدبيره وحكمه الكوني وحكمه الشرعي، فلا يعارض حكم الله برأي ولا ذوق ولا استحسان، هذا بالنسبة للحكم والقضاء الكوني. وأما الأمور المكونة والمقضية فهذه يجب أن يعمل فيها من حيث الاستسلام والدفع والطلب بموجب الشرع، فيُحكِّم شرع الله، فما أمره الله بفِعله فَعَلَهُ، وما أمره بتَرْكه تَرَكَهُ، فيحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله، ويأتي ما أمره الله به، ويذر ما نهاه الله تعالى عنه، ويصبر على ما أوجب الله عليه فيه الصبر، ويدفع ما أوجب الله عليه دفعه من المكروهات.

стр. 143

وهذه الأعمال من طلب أو دفع للمقدرات تجري فيها الأحكام التكليفية: الواجب والمحرم والمكروه والمستحب والمباح. فلا بد من التسليم لحكم الله؛ بالرضا بحكمه وتدبيره، وأنه حكيم عليم، وذلك بعدم الاعتراض عليه في قضائه الكوني وقضائه الشرعي. وجهلة الصوفية وغلاتهم يرون أن من التسليم للقدر الاستسلام لكل ما يجري على الإنسان، بحيث لا يطلب خلاف ما يجري عليه، ولا يدفع شيئًا من المكروه، حتى يقول قائلهم: إن العارف لا حظَّ له! أو إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل! قال الإمام ابن تيمية: «فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه» (١). وهذا كلام باطل، ولا يمكن تحقيقه في الواقع أبدًا. فقوله: «ما سلِم في دينه إلا من سلَّم لله ولرسوله ﷺ »، يظهر من السياق أنه يريد التسليم لشرع الله في المسائل العلمية الاعتقادية، وفي المسائل العملية. فإن الدين يتضمن قسمين: اعتقادات، وأعمال. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣]، فالهدى هو: العلم النافع، ودين الحق: العمل الصالح، قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ

стр. 144

أَحَدًا ٢٦﴾ [الكهف]، قال تعالى في تحكيم الرسول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء]. فلا بد من التسليم لحكم رسول الله ﷺ ، وقبوله بانشراح صدر، وطِيب نفس، فإنه لا يتحقق الإيمان كاملًا إلا بهذه الشروط مع الإيمان به، وأن ما جاء به حق من عند الله، وأن ما حكم به في كل مسائل الدين هو الحق والعدل والصواب، فإنه ﷺ إنما يحكم بشرع الله وحكمه، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقد خرج عن هذا السبيلِ المبتدعةُ على اختلاف بدعهم، فلم يقنعوا بما جاء به الرسول ﷺ ، فالمعطلة يرون أن كل ما في القرآن والسنة من صفات الرب ؛ ليس المراد منها ظاهرها، وأهل التفويض يرون أنها لا معنى لها، وهذا خروج عن تحكيم الرسول ﷺ ، وعن الرضا بحكمه، والتسليم له، فعندهم أن الحق في معرفة الله، وفيما يجوز عليه وما لا يجوز عليه؛ هو ما عرفوه بعقولهم، ومضمون هذا الكلام أن الرسول ﷺ لم يبين للناس ما يجب أن يعتقدوه في ربهم، فترك هذا العلم العظيم الذي هو أهم العلوم وأجل المطالب بلا بيان. وقد فنَّد شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة «العقيدة الحموية» (١) هذا التصور الساقط الباطل، وذكر وجوهًا من دلالات العقل على بطلان هذا القول، فكيف يبين الرسول ﷺ كل صغير وكبير للناس حتى آداب قضاء

стр. 145

الحاجة، ثم لا يبين ما يجب على العباد أن يعتقدوه في ربهم؟! هذا من أبطل الباطل. ومن الوجوه التي ذكر: «إن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصًّا أو ظاهرًا؛ لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير؛ بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين» (١)؛ لأنهم يقولون: إن نصوص الأسماء والصفات ظاهرها التشبيه، ثم يلجؤون للتخلص من ذلك إما بالتفويض فيقولون: هذه نصوص الله أعلم بمراده منها، فنحن لا نفهمها وليس علينا أن نتدبرها، بل علينا أن نتلوها ألفاظًا، والأكثرون منهم يسلكون طريق التأويل، وهو تفسير النصوص بمعانٍ بعيدة مخالفة لظاهرها، ولما دلت عليه سائر النصوص الأخرى الموضحة لها، فكل الآيات والأحاديث الواردة - مثلًا - في اليدين مؤولة عندهم بخلاف ظاهرها، فيجعلون ذلك كله من قبيل المجاز والتخييل، وهذا كله ضد التسليم للرسول ﷺ ، فحكَّموا عقولهم، ولم يُحكِّموا النبي ﷺ ؛ فضلوا ضلالًا بعيدًا، وهذا ما يتضمنه قول المؤلف: «فإنه ما سَلِم في دينه إلا من سلَّم لله ولرسوله ﷺ ، وردَّ عِلم ما اشتبه عليه إلى عالِمِه»، وهذا هو الواجب، فما خفي على الإنسان فهمه وأشكل عليه؛ فعليه أن يقول: الله أعلم، والله تعالى علَّم نبيه ﷺ وعلمنا ذلك بقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ﴿قُلِ
следующие страницы →