← Акыда

Акыда · id 23001

شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط المؤسسة

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (512 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فالمخلوق فقير إلى الله من جميع الوجوه، والله غني عن خلقه من جميع الوجوه، فكل شيءٍ مفتقر إلى الله في وجوده، وفي بقائه، وفي مصالحه، وفي كل شؤونه. وقوله: «وكل شيءٍ عليه يسير». كل شيءٍ عليه هين، وهذا يؤكد أنه على كل شيءٍ قدير، فليس هناك ما يصعب عليه ويعجزه، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾ [العنكبوت]. وقوله: «لا يحتاج إلى شيء». هذا يؤكد كمال غناه، فهو الغني بذاته عن كل ما سواه. ولو قال المؤلف: «ذلك بأنه على كل شيءٍ قدير، وكل شيءٍ عليه يسير، وكل شيءٍ إليه فقير لا يحتاج إلى شيء» لكان أكثر تناسبًا؛ لأن الجملة الثالثة مناسبة للجملة الأولى، والجملة الرابعة مناسبة للجملة الثانية. * * *

стр. 72

إثبات صفاته تعالى، ونفي مماثلته للمخلوقات وقوله: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». هذه بعض آية من القرآن (١)، تتضمن الدلالة على المذهب الحق في باب أسماء الله وصفاته، ورد الباطل؛ فهي تدل على أنه تعالى موصوف بصفات الكمال، منزهٌ عن مماثلة المخلوقات. ومذهب أهل السنة والجماعة يقوم على إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل. فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ على أهل التشبيه والتكييف. وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ ردٌّ على أهل التعطيل. فدلت على الحق ورد الباطل، وفيها ركائز المذهب الحق، وهو: «إثبات صفات الكمال لله تعالى، ونفي مماثلته للمخلوقات، ونفي العلم بالكيفية»؛ فإنه إذا كان تعالى لا مثل له؛ فلا يعلم كيف هو إلا هو.

стр. 73

ولأهل التفسير واللغة (١) كلام حول الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فقيل: إن الكاف صلة - زائدة - للتوكيد، والمعنى: ليس شيءٌ مثلَه، هذا أنسب وأقرب وأسهل ما يقال في معنى هذا التركيب وإعرابه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فتكون هذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾. وهو ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾، اسمان من أسمائه الحسنى دالَّان على صفتين من صفاته العُلا، فهو السميع وهو ذو سمع، وهو البصير وذو بصر، فتدل الآية على إثبات الاسمين، وما تضمناه من صفتي السمع، والبصر. * * *

стр. 74

إثبات علم الله تعالى، وتقديره الأقدار، وضربه الآجال وقوله: «خلق الخلق بعلمه، وقدَّر لهم أقدارًا، وضرب لهم آجالًا، ولم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعَلِم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم». خلق الخلق عالمًا بهم، والخلق يستلزم العلم: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك]، فالله علم أحوال الخلق وأعمالهم بعلمه القديم، والإيمان بذلك هو أحد مراتب الإيمان بالقدر. والأدلة على إثبات العلم لله كثيرة في الكتاب والسنة، وهو من الصفات الثابتة بالعقل والسمع، فالله تعالى اسمه العليم، وأخبر بأنه بكل شيءٍ عليم، يعلم ما كان وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون، يعلم الدقيق والجليل، والله تعالى قد فصَّل ذلك في كتابه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾ [آل عمران]، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام]، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق].

стр. 75

فعلمه تعالى محيطٌ بالأشياء، أحاط علمه بأعمال العباد وأقوالهم وأحوالهم، يعلم الخواطر التي ترد على النفوس، ويعلم ما في قلوب العباد: الملائكة والأنبياء وكل الناس، يعلم ما في قلوبهم من أفكار وخواطر، واللحظة التي يرسلها الإنسان خُفية ما يدري عنها أحد، الله يعلمها، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر]. يعلم دقائق الأشياء: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦]، ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾ [النمل]. والله تعالى من أسمائه: العليم، وعلام الغيوب، وعالم الغيب والشهادة. والعلم من صفاته تعالى، ومن أهل البدع من ينكر هذا! فالجهمية ينفون عن الله أسماءَه وصفاتِه، ويقولون: هذه الأسماء إضافتها إلى الله مجاز، وإلا فهي أسماء لبعض المخلوقات. والمعتزلة ينفون الصفات، ويقولون: اسمه عليم لكنه بلا علم، فليس العلم صفةً قائمة به، وقدير بلا قدرة، وسميع بصير بلا سمع ولا بصر! كذا حكى أهل العلم عنهم (١). وأما الحق الذي دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ودل عليه العقل، وأجمع عليه سلف الأمة، والذين اتَّبعوهم بإحسان، فهو أنه

стр. 76

عليم بعلم، وأن العلم صفته ، وجاء ذكر العلم في القرآن، قال تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي السُّنَّة، قال النبي ﷺ : «اللهم إني أستخيرك بعلمك» (١). وهذا تصريح بلفظ العلم، ولو لم تَرِد هذه النصوص لكان ذكر الاسم كافيًا في الدلالة على إثبات الصفة. وعلمه تعالى أزلي لا يتجدد، بمعنى أنه يصير عالمًا بعد أن لم يكن، أو يعلم الشيء بعد أن لم يكن عالمًا به! فهذا نقص، والله منزه عنه، كما تقدم (٢) في التنبيه على دوام كماله «ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه». فنقول: ما زال بكل شيءٍ عليمًا، وعلمه تعالى مطابق للواقع؛ لأن ما لم يطابق الواقع جهل. وأما ما جاء في القرآن مما قد يفهم منه تجدد العلم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت]، فالمراد به علمه تعالى بالشيء موجودًا. ولهذا بعضهم يعبِّر عنه ب «علم الظهور، أوعلم الوجود».

стр. 77

فالله تعالى قبل أن يخلق الخلق يعلم أحوالهم، وصفاتهم، ومن يطيعه، ومن يعصيه، لكن هل يعلمهم موجودين؟ لا؛ بل يعلم أن ذلك الشيء سيكون، فإذا وجد علمه موجودًا. فهو تعالى يعلم من يجاهد، ومن لا يجاهد، ومن يصبر، ومن لا يصبر، ويعلم من يقبل تشريعه في أمر القبلة، ومن لا يقبل، ومن يتبع الرسول، ومن لا يتبع الرسول … إلخ. يعلم أنه سيكون وهم غير موجودين، فإذا وُجدوا علمهم موجودين، والثواب والعقاب مرتبٌ على ما يوجد بالفعل، هذا مقتضى عدله وحكمته. فالله لا يجزي العباد بموجب علمه قبل خلقهم؛ بل يجزيهم على ما وقع منهم بالفعل. والله تعالى يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون، وشاهد هذا في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقد حكم الله بأنهم لا يُرَدُّون ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ [الأنبياء]. وكما دل السمع على إثبات صفة العلم؛ دل العقل عليها، وبيان ذلك: أن إيجاد المخلوقات وإحكام هذا الخلق العظيم الواسع لا بد أن يكون عن علم يقوم بالرب تعالى، ولا يُتصور أن يكون بلا - علم تعالى الله عمَّا يقول الجاهلون علوًّا كبيرًا -. ومن الطرق العقلية - أيضًا - أن العلم يوصف به المخلوق على ما يليق به، وهو صفة كمال، فلو لم يتصف الخالق سبحانه بالعلم لزم أن يكون المخلوق أكمل من الخالق؛ وهذا ممتنع بداهةً.

стр. 78

وقوله: «وقدَّر لهم أقدارًا»، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان]، ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر]. وجاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «قدَّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» (١). مقادير تكون من جهة الزمان، والمكان، والذات، فكل إنسان قدر الله له زمنًا، ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥]، يعني مقدار لُبْث الجنين في الرحم مقدَّر: هذا ستة أشهر، وذا تسعة، وذا عشرة، وذا أكثر. وعملهم مقدَّر، ورزقهم مقدَّر، وجميع الأشياء مقدَّرة. وقوله ﷺ : «قدَّر الله المقادير» كلمة قصيرة لكن مفهومها واسع جدًّا، لا نحيط به ولا نتصوره، لكن نفهمه إجمالًا. وقوله: «وضرب لهم آجالًا». عَطْفُ هذه الجملة على التي قبلها من عطف الخاص على العام، «ضرب لهم آجالًا» حدد للخلق آجالًا، والأجل: يطلق على نهاية المدة المقدرة، أو على نفس المدة المقدرة كلها، فالدنيا لها أجل، ينتهي بيوم القيامة، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]. والأمم لها آجال ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَئْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾ [يونس]، كل أمة لها أجل ثم تنتهي كيف شاء الله، وفي

стр. 79

تاريخ المسلمين: الدولة الأموية لها تاريخ وانتهت، ثم الدولة العباسية وانتهت، وهكذا غيرها. وكذلك آجال مختصة بكل فرد مثل ما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : «ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله … » (١)، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلا﴾ [آل عمران: ١٤٥]. إذًا؛ بأي شيء يموت الإنسان؟ هو ميت بأجله، وفي الوقت المحدود، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، فالمقتول ميت بأجله، هذا عند أهل السُّنَّة، خلافًا للمعتزلة، فإنهم يقولون: إن المقتول قد قطع القاتل عليه أجله، فيمكن أنه سيعيش مائة سنة لكن اعتدى عليه القاتل فقتله وهو ابن عشرين سنة فضيَّع عليه القاتل ثمانين سنة! (٢) نعوذ بالله من الجهالة، والضلالة؛ بل المقتول ميت بأجله، والآجال جعل الله لانقضائها أسبابًا؛ فمن الناس من يموت بأسباب سماوية لا دخل لأحدٍ من الناس فيها، ومنها ما له تسببٌ من الناس؛ مثل المقتول، وكلٌّ في كتابٍ مبين، معلوم لرب العالمين، ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١].

стр. 80

فالآجال والأعمار كلها مقدرة، ودلت النصوص على أن لطول العمر وقصره أسبابًا كونية وشرعية؛ فمن الأسباب الشرعية: صلة الرحم، وبر الوالدين، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ : «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» (١)، وفي الحديث الآخر قال النبي ﷺ : «ولا يزيد في العمر إلا البر» (٢)، والتحقيق أن هذا لا ينافي القدر، فليس معناه أن هذا سبق في علم الله وكتابه أن عمره ستون سنة، ثم يحدث أنه يبر بوالديه فيزاد في عمره، لا؛ بل هذا الذي وصَل رحمه، ومَد الله في عمره جزاءً له؛ قد سبق في علم الله وفي كتابه أنه يطول عمره بهذا السبب، وكل الأمور جارية على الأسباب والمسببات، ومندرجة في قدر الله التام. ويقال مثل هذا في الدعاء، وبعضُ أهل البدع يقول: الدعاء لا فائدة منه؛ فإن كان الله قدَّر هذا المطلوب فلا حاجة للدعاء، فهو حاصل دعوت أو لم تدع، وإن كان غير مقدر فلا فائدة في الدعاء؛ لأنه لن يحدث! وهذا فهم باطل مبني على عدم تأثير الأسباب في مسبَّبَاتها، ويلزمهم أن يقولوا مثل هذا في كل الأسباب.

стр. 81

وما قدر الله حصوله في هذا الدعاء قد يُقدِّر سببه، وقد لا يقدر، فما لم يقدر سببه لا يحصل بالدعاء، وما قدر سببه يحصل السبب، والمسبَّبَ. فتارة يقدر الله السبب، ولم يقدر المسبَّب. وتارة يقدر هذا الأمر بدون هذا السبب. وتارة يكون المقدَّر السبب والمسبَّب. وهذا موضوعٌ معناه واسع جدًّا، فالرزق للإنسان يحصل بسبب الطلب والكدح، وأحيانًا يحصل بدون سعي ولا جهد (١). وهذا كله يرجع إلى الإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان، والمؤلف لما قال: «خلق الخلق بعلمه، وقدَّر لهم أقدارًا، وضرب لهم آجالًا» يريد تقرير الأصل السادس، وإن كان سيُثنِّي ويردد الكلام في القدر. ثم أكد المصنف قوله: «خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارًا، وضرب لهم آجالًا» بقوله: «لم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم»، أكده بالنفي، فالأول إثبات، والثاني سلب. ثم قال: «وعلم ما هم عاملون»، وهذا أيضًا تأكيد، لكن الجملة الأولى عامَّة.

стр. 82

«علم ما هم عاملون» سبق علمه بأعمالهم: المؤمن، والكافر، والمطيع، والعاصي قبل أن يخلقهم، وكتب ذلك وقضاه وقدَّره في أم الكتاب. وفي التقدير الثاني: قال النبي ﷺ : «ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله … » (١). * * *

стр. 83

وجوب الإيمان بالشرع والقدر وقوله: «وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته». في هذا التنبيه على وجوب الإيمان بالشرع مع الإيمان بالقدر؛ الإيمان بأن الله علم ما العباد عاملون بعلمه القديم، وكتب ذلك، وأن كل شيء يجري بمشيئة الله، والإيمان بأن الله أمر عباده بطاعته، ونهاهم عن معصيته، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ [النساء: ٣٦]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. لا بد للاستقامة على الصراط المستقيم في هذا المقام من الإيمان بالشرع والقدر جميعًا. أما الإيمان بالقدر فهو الأصل السادس، وأما الإيمان بالشرع فهو موجَب الإيمان بكتب الله ورسله. فأهل الهدى والفلاح يؤمنون بهذا وهذا، ويؤمنون بحكمة الرب في شرعه وقدره. وأما فرق الضلال فالمشركون، وأتباعهم من الجبريَّة، فإنهم يثبتون القدر، ولكنهم ينكرون الشرع، أو يعرضون عن الشرع، كما قال الله عن المشركين: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨].

стр. 84

فقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ يتضمن أنهم يُقرُّون بالقدر، وبمشيئة الله، ولكنها كلمة حق أريد بها باطل، فهم يقولون ذلك معارضةً لما جاءت به الرسل من الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيهم عن الشرك به. والجبرية - المنتسبون للمسلمين - يقال لهم: مشركيَّة؛ لأنهم بمنهجهم ذلك شابهوا المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾. ويقابلهم المجوسية وهم: القدرية كالمعتزلة، فإنهم ينفون تعلق مشيئة الله بأفعال العباد، ويُخرجون أفعال العباد عن مشيئته وقدرته، وملكه، مع أنهم يُقرون بالشرع. وأسلافهم الأولون الذين ظهروا في عهد الصحابة ينفون القدر كله بمراتبه الأربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. وطائفة قالت: إن الشرع والقدر فيهما تناقض، وإن أثبتتهما، فطعنت في حكمة الرب سبحانه، وتسمى: الإبليسية؛ فزعيمهم في هذا إبليس، فهو الذي اعترض على الرب، وطعن في حكمته، مع إقراره بخلق الله وأمره، فكان هو إمام هذه الطائفة المخذولة. هذه فرق الضلال من الخائضين في القدر، كما يُعبِّر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١). * * *

стр. 85

إثبات عموم مشيئة الله تعالى قال رحمه الله تعالى: «وكل شيء يجري بتقديره ومشيئتِه، ومشيئتُه تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا». يقرر المؤلف في هذه الجملة عموم مشيئة الله، وأنها شاملة لكل شيء، فكل شيءٍ يجري بتقديره ومشيئته؛ كحركات الأفلاك، وتصريف الرياح، وحركات الناس كلها تجري بعلمه وبمشيئته قد سبق بها العلم، والكتاب. «لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم»، فالعباد لهم مشيئة، وأفعالهم نوعان: - اختيارية؛ فالإنسان يذهب ويجيء، ويأكل ويشرب، ويتكلم، ويضرب، هذه حركات اختيارية. - وأفعال لا اختيارية كحركة النائم، والمرتعش، فهذه يقال لها: لا إرادية. ومشيئة العباد مقيدة بمشيئة الله، قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ [التكوير] بإثبات المشيئة للعباد، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير]، ففي هذه الآية رد على طائفتين: الجبرية، والقدرية؛

стр. 86

فقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ ردٌّ على الجبرية، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ردٌّ على القدرية نفاةِ القدر. «لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم»، وهذا الذي نعبِّر عنه بقولنا: ما شاء الله كان، أما مشيئة الإنسان فقد تتحقق، وقد لا تتحقق، فيشاء العبد ما لا يكون، كالعاجز يريد شيئًا ولا يكون، وقد يكون ما لا يريد، كالمُكره يجري عليه من الأمور ما لا يريده. أما الرب القدير على كل شيء فما شاء كان، وما لم يشأ لا يكون. وقوله: «يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا». أدلة هذا في القرآن كثيرة، قال الله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ [البروج] هذا دليل عام. وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ [الأنعام]. وقوله: «يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا»، يوفق من يشاء لسبل الخيرات، والأعمال الصالحات، ويعصم من الوقوع في الزلَّات والسيئات، ويعافي من يشاء، وكل ذلك بفضله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات]، فضلٌ من الله، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ١١].

стр. 87

فهو يهدي من يشاء بفضله وحكمته، فيضع ولايته في موضعها فضلًا منه وحكمة، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء]، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء]. وقوله: «ويضل من يشاء»، هذا قد نص الله عليه في مواضع من كتابه (١)، كما قال تعالى: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٤]. وقوله: «ويخذل ويبتلي عدلًا»، الخذلان: عدم التوفيق، ويبتلي: يصيب من يشاء بالبلاء، عدلًا: أي: بعدله وحكمته. والهداية المضافة إلى الله المتعلقة بالمكلف نوعان: - هداية عامة - للمؤمن، والكافر - وهي: هداية الدلالة، والبيان، والإرشاد لسبيل الخير والشر، قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد]، ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، أي: دلَّهُم، وبيَّن لهم بإرسال رسوله، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾ [النمل]. - والنوع الثاني: هداية التوفيق لقبول الحق، وإلهام الرشد، وشرح الصدر، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].

стр. 88

فهاتان هدايتان: الأولى تسمى: «الهداية العامة»، والثانية: «الهداية الخاصة». أما الهداية الخاصة فلا يملكها إلا الله تعالى. وأما الهداية العامة فالله قد جعلها للرسل - أيضًا -، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى]. وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، نفى عنه أن يهدي من يحب، وأثبتها لنفسه ، فبين الآيتين تعارض في الظاهر، والجمع بينهما بمراعاة التقسيم. وأنكرت المعتزلة هداية التوفيق؛ لأنهم أخرجوا أفعال العباد عن مشيئة الرب وقدرته تعالى وتقدَّس، فعندهم أن الله لا يقدر أن يهدي أحدًا، وإنما أثبتوا الهداية العامة: هداية الدلالة والإرشاد. وقالوا: «يضل» و «يهدي»، أي: من اهتدى حَكَم له بالهداية، ومن ضل سماه ضالًا، أما أن يجعل هذا مهتديًا أو هذا ضالًّا فلا! تعالى الله عن قول الظالمين والمفترين علوًّا كبيرًا. * * *

стр. 89

إثبات الحكمة لله تعالى في أفعاله وقوله: «وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله». من تتمةِ قولِه: «يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا» قولُه: «وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله»، هذه النتيجة، والله تعالى حكيم يضع فضله حيث شاء، وعدله حيث شاء، له الحكمة البالغة، فالله يهدي من يشاء بفضله وحكمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته. فالحكمة معتبرة وجارية وواقعة في الكل، له الحكمة البالغة في هدايته لمن شاء من عباده، وخذلانه لمن شاء، وكان من المناسب أن ينبه المؤلف إلى هذا. والأدلة على حكمة الرب كثيرة، فاسمه الحكيم يدل على الحكمة، وكذلك قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء]، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وأفعال الرب مُعلَّلة (١)، لكن من العلل والحكم ما نعلمه بالنص عليه في الكتاب أو السنة، ومنها ما يُهتدى إليه بالتدبُّر، ومنها ما لا يُعلم؛ فالعباد لا يحيطون بحكمة الرب كما لا يحيطون بسائر صفاته.

стр. 90

فكل الخلق يتقلبون بين فضله وعدله، حتى في الساعة الواحدة يكون للإنسان حظ من فضل الرب بالتوفيق، أو يكون في حالة ابتلاء وخذلان. واقرأ ما كتبه ابن القيم ﵀ في «مدارج السالكين» (١) في مشاهد الخلق في المعصية في مشهد التوفيق والخذلان. * * *

стр. 91

تنزيه الله تعالى أن يكون له ضد أو ند وقوله: «وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد». وَصْفُ الرب بالتعالي كثيرٌ في القرآن، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس]، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾ [الأنعام]، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف]. تعالى: تقدَّس وتنزَّه وترفَّع، فهذا اللفظ يدل على التنزيه، فنقول: تعالى الله عن الصاحبة والولد، وتعالى الله عن السِّنَة والنوم والموت، وتعالى الله عن الشركاء، والأضداد والأنداد، فلا ضد له ولا ند له. فالمضاد: المقاوم المدافع، والند: المثل. فلا ضد يضاد أمره وحُكمه . * * *

стр. 92

نفاذ قضائه وحكمه تعالى وقوله: «لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، آمنَّا بذلك كلِّه، وأيقنَّا أن كلًّا من عنده». هذا تفصيل لما قبله؛ فلا ضد له يرد قضاءه، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١]. وقوله: «ولا معقب لحكمه»، أي: لا مؤخر لحكمه، فحكم الله ماضٍ، قال تعالى: ﴿٤٠ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد]. وقوله: «ولا غالب لأمره»، هذه الجمل الثلاث معناها متقارب، كلها تفيد أن أمر الله وحُكمه وقضاءه نافذ، وأنه غالبٌ لا يُغلب. وقوله: «آمنَّا بذلك كلِّه، وأيقنَّا أن كلًّا من عنده». هذه الإشارة ترجع إلى كل ما ذكره من قوله: «نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله … ». «وأيقنا»، اليقين: الإيمان الذي لا يخالجه شك، «أن كلًّا من عنده»، أي: كل ما يجري في الوجود فهو بتدبيره وتقديره ، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨].

стр. 93

ويحتمل أن المؤلف أراد «آمنَّا بذلك كلِّه»، أي: ما قرره من أمر الهداية والضلال، ونفاذ المشيئة، والتقدير، ويحتمل أنه يريد عموم ما تقدم. * * *

стр. 94

وجوب اعتقاد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وذكر ما تثبت به النبوة وقوله: «وإن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى». قرر المؤلف في الكلام المتقدم التوحيد بأنواعه الثلاثة، ثم ذكر بعض الأسماء، ثم ذكر أشياء من توحيده ، ثم ذكر ما يتعلق بالقدر، فما تقدم كله يتضمن تقرير توحيده بأنواعه الثلاثة، وأنواع التوحيد الثلاثة كلها تندرج في شهادة أن لا إله إلا الله. فكأن مجمل قوله: نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه لا إله غيره، وأنه الموصوف بصفات الكمال المنزَّه عن كل نقصٍ وعيب، وهذا هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله، وبهذا تتضح المناسبة في قوله: وإن محمدًا عبده المصطفى، - يعني - نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحدٌ لا شريك له، ونقول في شأن محمد ﷺ معتقدين بتوفيق الله: إن محمدًا عبده المصطفى بكسر همزة «إنَّ»؛ لأنها مقولُ القول. وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام.

стр. 95

ومحمد هو أشهر أسمائه ﷺ ، وإلا فله أسماء أخرى؛ فإنه قال: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب»، والعاقب الذي ليس بعده نبي (١). وأسماؤه ﷺ أعلام وصفات، فاسمه محمد علم وصفة يدل على كثرة محامده، وكثرة حامديه؛ لأنه اسم مفعول من حُمِّد، وهو أبلغ من حُمِد (٢). وقوله: «وإن محمدًا عبده المصطفى». مما تجب الشهادة به للنبي ﷺ أنه عبد الله، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، في هذه الآيات وصفٌ له، وثناء عليه بالعبودية، وهي العبودية الخاصة، وفيها إضافته ﷺ إلى ربه، فالله أضافه في هذه المواضع إلى نفسه إضافة تشريف، فهو أكمل الناس وأقومهم بالعبودية لله، فلا بد في الشهادة من شهادة أنه عبد الله ورسوله، خلافًا لمن يغلو فيه ويجعل له بعض خصائص الإلهية. وقوله: «المصطفى» أي: المختار. والاصطفاء والاختيار: طلب خير الشيئين.

стр. 96

وقوله: «ونبيه المجتبى»، هو ﷺ عبدٌ نبيٌّ، منبأٌ بالوحي الذي أنزله الله إليه، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]. والاجتباء: قريب من معنى الاصطفاء. وقوله: «ورسوله المرتضى»، فهو نبي رسول ﷺ . والمرتضى: الذي ارتضاه الله، قال : ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن]. ونلاحظ هنا إن المصنف قد أحسن في تناسب هذه الكلمات، حيث ربط الاصطفاء بالعبودية، فقال: «عبده المصطفى»، والاجتباء بالنبوة «ونبيه المجتبى»، والارتضاء بالرسالة «ورسوله المرتضى»؛ فإن هذا موافق لما جاء في القرآن، فقد قال : ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]. وفي سورة الأنعام لما ذكر الله إبراهيم، ومن هدى الله من ذريته: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ [الأنعام: ٨٤]، قال بعد ذلك: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ [الأنعام: ٨٧]، فوصف هؤلاء الصفوة من الأنبياء بالاجتباء. وأما الارتضاء ففي قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧]. فكأنه استوحى هذا من الآيات.

стр. 97

ومحمدٌ ﷺ نبيٌّ ورسول، والله خاطبه ب ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ في آيات (١)، وب ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ في آيتين (٢)، فخاطبه بالصفتين: النبوة، والرسالة. فهو نبيٌّ؛ لأنه منبأ، فقد أنزل الله عليه النبأ العظيم - القرآن -. وهو رسول مرسَلٌ إلى الناس كافة، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء]. وأكثر ما يُذكر ﷺ بصفة الرسالة؛ لأنها هي المتعلقة بالمكلفين، والمقتضية للبلاغ. لكن ما الفرق بين النبي والرسول؟ فإن الله قال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّنَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء]، وقال : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فنجد آيات فيها ذكر الأنبياء وآيات فيها ذكر الرسل. والفرق المشهور بين النبي والرسول: - أن النبي من أوحي إليه بشرعٍ ولم يؤمر بتبليغه. - والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه.

стр. 98

فلفظة نبي لا تُشعِر بالتبليغ، وكأن هذا التعريف مستمد من لفظة «نبي»، ولفظة «رسول» ليس إلا، وهذا تعريف غير مستقيم؛ لأن قولهم: إن النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه فيه ملاحظتان: الأولى: أنه أوحي إليه بشرع يدل على أنه يكون على شريعة يستقل بها. والثانية: أنه لم يؤمر بالتبليغ؛ بل إنما هو مكلف بنفسه؛ فكأن الشريعة التي أوحي بها إليه مختصةٌ به فيتدين بدين يخصُّه، هذا ما يفيده هذا التعريف، ومعناه أنه لا يأمر، ولا يدعو، ولا ينهى! وهذا خلاف ما وصف الله به الأنبياء؛ كأنبياء بني إسرائيل، قال : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، فكان أنبياء بني إسرائيل يحكمون بالتوراة، وكانوا يسوسون الناس كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي» (١). والصواب: أن كل نبيٍّ رسولٌ مأمور بالتبليغ، لكن الإرسال على نوعين: الأول: الإرسال إلى قوم مؤمنين بتعليمِهِم، وفتواهُم، والحُكمِ بينهم، وهذه وظيفة الأنبياء. والثاني: الإرسال إلى قوم كفار مكذبين لدعوتهم إلى الله، وهذه وظيفة الرسل. وبهذا يحصل الفرق بين النبي، والرسول.

стр. 99

وهذا هو التعريف الذي اعتمده شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب «النبوات» (١). إذًا؛ فالإرسال الشرعي فيه هذا التفصيل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢]، فأثبت الإرسال للنبي أيضًا، فإذا ورد ذكر الأنبياء بإطلاق فإنه يشمل الرسل، وإذا ذكر الرسل بإجمال فإنه يشملهم كلهم. فإذا جاء ذكر نبي ورسول فلا بد من هذا التفصيل، كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وهذا يشمل نوحًا ومن بعده، وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] يشمل نوحًا ومن بعده. ولذا سمَّى الله تعالى أنبياء بني إسرائيل رسلًا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧]. فإذا أردنا أن نُصنِّف في ضوء التعريف المختار؛ فنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى، وعيسى؛ هؤلاء رسل قص الله علينا أخبارهم مع أممهم. وزكريا، ويحيى، وداود، وسليمان، وأيوب: أنبياء.

стр. 100

وقالت المعتزلة: إن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزات، مثل: عصا موسى، ويده، وغيرهما من الآيات، ومثل: انشقاق القمر لمحمد ﷺ . وهذا باطل؛ فإن من الأنبياء من لم يذكر الله لهم آيات، لكن قال النبي ﷺ : «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثلُه آمن عليه البشر» (١)، فالنبوة تثبت بغير المعجزات، بأدلة من حال المُدِّعي للنبوة، ومن حال ما جاء به، وما يدعو إليه. ففي الصحيحين أن خديجة ﵂ لما جاءها النبي ﷺ يرجف ويقول: «إني خشيت على نفسي» قالت له: «كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» (٢). فاستدلَّت على صدقه، وحفظ الله له، ووقايته من شر الشيطان بما هو عليه من الفضائل العظيمة. وكذلك مما احتُجَّ به على النبوة في القرآن أنه ﷺ عاش بين أهله ولم يُجرَّب عليه كذب، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس].

стр. 101

فإنه نُبِّئ على رأسِ أربعين سنة من عمره ﷺ (١). وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن هرقل استدل على نبوته ﷺ بما تضمنه جواب المسائل العشر التي سأل عنها أبا سفيان بن حرب (٢). وعقلاء الناس يفرقون بين النبي الصادق، والمتنبي الكاذب، وإن كان المتنبي يمكن أن يأتي بخوارقَ وشعوذاتٍ، لكن من له عقل حسن لا يلتبس عليه المتنبي الكذَّاب بالنبي الصَّادق؛ بل يُعرف ذلك من ملامحه (٣)، ومن سيرته، ومن أقواله، ومن أفعاله، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾ [الشعراء]. فالصواب: أن النبوة تثبت بأدلةٍ كثيرة (٤)، ولا يتوقف إثبات النبوة على مجرد المعجزات. وتأمل قولَه : ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت]، فمن أدلة صدقه ﷺ أنه جاء بهذا الكتاب العظيم وهو ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب؛ بل يكتبُ ويقرأ له أصحابُه ﵃.

стр. 102

فكونه بهذه المثابة من الصدق، والأمانة، والطهر، والشرف، والفضائل، ولا يقرأ، ولا يكتب، ولا اتصل بأحد يمكن أن يتلقى عنه، ثم يأتي بهذا القرآن العظيم المحكم؛ هذا أعظم دليل على صدقه، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت]. * * *

стр. 103

من خصائصه ﷺ : أنه خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين قوله: «وإنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين». أي الذي خُتم به الأنبياءُ فلا نبي بعده، وقد دل على ذلك قوله سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّنَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]؛ فجميع الرسل والأنبياء قد مضوا قبله، فلا نبي ولا رسول بعده ﷺ . وقد دلت نصوصٌ كثيرة من السنة على أنه ﷺ لا نبي بعده، فمن أسمائه ﷺ العاقب وهو الذي جاء بعد الأنبياء، فلا نبي بعده (١). وفي حديث ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ : «إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» (٢) وهذه قضيةٌ معلومةٌ من دين الإسلام بالضرورة، ليس في ذلك اختلاف ولا خفاء، بل هو أمرٌ ظاهر مثل الشمس، ومن شك في أنه ﷺ خاتم النبيين فهو كافر، فضلًا عن من يدَّعي النبوة، أو يُصدِّق مدَّعيها.

стр. 104

إذًا؛ فلا بد في شهادة أن محمدًا رسول الله من الإيمان بأنه خاتم الأنبياء. ولا بد من الشهادة بأنه ﷺ رسول إلى جميع الناس، وهذه - أيضًا - من ضرورات الدين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء]. فمن اعتقد أن أحدًا يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ فهو كافر، فضلًا عن من ادعى ذلك لنفسه. ومن اعتقد أن اليهود والنصارى لا يلزمهم اتباع محمدٍ ﷺ فهو كافر، قال النبي ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (١)، وقال ﷺ : «لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي» (٢). وعيسى ﵇ ينزل في آخر الزمان، ويحكم بشريعة محمد ﷺ (٣). فشريعة محمد ﷺ لازمة لجميع البشرية، ولا يسع أحدًا الخروجُ عن شريعته ﷺ .

стр. 105

قوله: «وإمام الأتقياء». الأتقياء: جمع تقي، وإمامهم - أي: مُقدَّمهم -، فجميع المتقين من النبيين فمن دونهم إمامُهم مطلقًا محمد ﷺ ، لكن يمكن للإنسان أن يكون إمامًا لجنس من المتقين، ولهذا كان من دعاء عباد الرحمن: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان]، فيمكن أن تقول: اللهم اجعلني إمامًا للمتقين - أي - قدوة في الخير، ويقتدي به المتقون. قوله: «وسيد المرسلين». أي: أفضلهم، ودليل ذلك قوله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة» (١). أي: هو أفضل ذرية آدم من أولهم إلى آخرهم بما فيهم من الأنبياء والمرسلين، ومن الأدلة - أيضًا - أنه يوم القيامة عندما يطلب الناس الشفاعة من آدم، وأولي العزم فيترادُّونها حتى ينتهي الأمر إلى النبي ﷺ ، فيقول: «أنا لها، فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجدًا؛ فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع» (٢). وهذا هو المقام المحمود الذي خصَّهُ الله به وفضَّلهُ به، قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء] (٣).

стр. 106

ولا شك أن الأنبياء والرسل متفاضلون بنص القرآن، فأفضلهم على الإطلاق محمد ﷺ ، ويليه إبراهيم، ويليه بقية أولي العزم، وهم في المشهور عند أهل العلم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب]، وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣]. إذًا؛ فأفضل الأنبياء والرسل هم أولو العزم، وأفضلهم الخليلان، فالله تعالى قد أخبر أنه اتخذ إبراهيم خليلًا، ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء]، وأخبر النبي ﷺ أن الله اتخذه خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا (١). أما ما جاء من النهي عن التفضيل في قوله ﷺ : «لا تفضلوا بين أنبياء الله»، فهذا محمول عند أهل العلم على التفضيل على وجه التعصُّب الذي يتضمن تنقُّص الآخر، كما يبينه سبب الحديث الصحيح: أن يهوديًّا عرض سلعة له فأُعطي بها شيئًا كرهه؛ فقال: لا والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فلطم وجهه، قال: تقول: والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟ فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهدًا، وقال: فلان لطم وجهي، فقال رسول الله ﷺ : «لِمَ لطمت وجهه؟»، قال: قال يا رسول الله: والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، وأنت بين أظهرنا، قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى عُرِف

стр. 107

الغضب في وجهه، ثم قال: «لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله»، قال: «ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بُعث، فإذا موسى ﵇ آخذ بالعرش، فلا أدري: أحوسب بصعقته يوم الطور، أو بعث قبلي» (١). فالنهي عن التفضيل على سبيل التعصب، أو الذي يتضمن تنقُّص الأنبياء، أما التفضيل لبيان الواقع ولاعتقاد الحق، وإنزال كل منزلته فهذا لا بد منه، فالرسول ﷺ نوَّه بفضله؛ لأنه لا يُعلم إلا من جهته أو من القرآن، والله تعالى نص على التفاضل بين الأنبياء، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. * * *

стр. 108

إثبات الخلة له ﷺ كإبراهيم ﵇ وقوله: «وحبيب رب العالمين». «حبيب» بمعنى محبوب له ، والله تعالى يحب الرسل والأنبياء، والصالحين، وكل مؤمن له حظٌّ من محبة الله تعالى؛ فإن الله تعالى يحب المتقين، والتوابين، والمتطهرين، والمقسطين، والصابرين، والمجاهدين، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف]. إذًا؛ وصفه ﷺ بأنه حبيب رب العالمين لا تظهر فيه خصوصية؛ فكل نبي، وكل مؤمن فهو حبيب لرب العالمين، فمثلًا: علي ﵁ حبيب رب العالمين قال النبي ﷺ : «يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» (١). ولهذا كان اللائق بالمؤلف أن يقول: «وخليل رب العالمين»؛ لأن المحبة مشتركة بين جميع المؤمنين، وعباد الله الصالحين، أما الخُلَّة فمن خصائصه ﷺ مع إبراهيم ﵇. والخلة أعلى مراتب المحبة؛ فالخليل هو أحب العباد إلى الله، والله أخبر في كتابه أنه اتخذ إبراهيم خليلًا، ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء]، وثبت في السنة الصحيحة أن الله اتخذ محمدًا ﷺ خليلًا،

стр. 109

ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «ألا إني أبرأ إلى كل خِلٍّ من خِلِّه، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، إن صاحبكم خليل الله» (١)، وفي الحديث الآخر: «إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا» (٢)، فإبراهيم ومحمد خليلا رب العالمين، ففيه إثبات صفة المحبة لله، وأنه يحب إبراهيم ومحمدًا محبة تامة، وذلك؛ لأنهما أكمل الأنبياء توحيدًا، ومباعدة من الشرك والمشركين، فكان المناسب أن يقول المؤلف: «وخليل رب العالمين». وكثيرٌ من الصوفية يعبر عن الرسول ﷺ بأنه «حبيب الله»، ويرددون مثل هذا، ولا يعلمون أن هذه ليس فيها خصوصية، ومزيَّة بيَّنة (٣). وقد روي أن النبي ﷺ قال: «إن إبراهيم خليل الله … وأنا حبيب الله ولا فخر» (٤)، فجعل الخُلَّةَ لإبراهيم، والمحبةَ له، وهو حديث ضعيف معارِض للأحاديث الصحيحة، ولا يصح سندًا ولا متنًا. * * *

стр. 110

حكم دعوى النبوة بعد محمد ﷺ قوله: «وكل دعوى النبوة بعده فغيٌّ وهوى». هذا نفيٌ وإبطال لدعوى النبوة بعد النبي ﷺ ، وهذا هو مقتضى أنه خاتم الأنبياء، فإذا عُلم بالضرورة أنه خاتم الأنبياء، فيُعلم بالضرورة أن كل دعوى للنبوة بعده فهي دعوى باطلة، وهي من الغي ضد الرشد، ومن الهوى ضد الهدى. فكل دعوى النبوة بعد مبعثه ﷺ سواء كانت في حياته أو بعد مماته فهي دعوى باطلة، ومن يدعي النبوة بعد رسالته ﷺ فهو من أكذب وأظلم الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وقد ادعى النبوة في حياته ﷺ مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي (١)، وادعاها غيرهما بعده ﷺ ، وأخبر ﷺ عن ذلك كما في حديث ثوبان ﵁: «إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» (٢)، فكل من يدعي النبوة فهو كذاب، ولا نحتاج إلى أن ننظر فيما عنده إلا لبيان كذبه لمن قد يلتبس عليه أمره.
следующие страницы →