← Акыда

Акыда · id 23001

شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط المؤسسة

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (512 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقوله: «ولا ننزع يدًا من طاعتهم». لا ننزع يدًا من طاعتهم؛ بل ندين لله بطاعتهم بالمعروف، عملًا بأمر الله تعالى، ورسوله ﷺ . وقوله: «ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة». نرى طاعتهم بالمعروف واجبة؛ لأنها من طاعة الله؛ فَكُلُّ مَنْ أمر الله بطاعته فطاعتهم من طاعته، فالرسول ﷺ تجب طاعته مطلقًا بلا قيد؛ لأن طاعته طاعة لله مطلقة، ومَن سواه ممن أمر الله بطاعته يطاع لكن بقيد، وهو ألا تكون في معصية، قال النبي ﷺ : «إنما الطاعة في المعروف» (١). فإذا أطاع الإنسان ولي الأمر بالمعروف إيمانًا واحتسابًا أثيب على ذلك، أما إذا أطاعهم خوفًا من عقوبتهم، فهذا ليس بمطيع لله؛ لأن هذه ليست طاعة اختيارية تعبدية؛ بل طاعة عَادِيَّة قهرية. * * *

стр. 317

وجوب اتباع الكتاب والسنة وتجنب الشذوذ والفرقة وقوله: «ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفُرقة». من منهج أهل السنة والجماعة اتباع سنة الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف]، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، والآيات التي فيها الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ واتباعه والتأسي به كثيرة معلومة، وهكذا أوصى النبي ﷺ باتباع سنته فقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» (١). وكذلك من منهج أهل السنة اتباع جماعة المسلمين، وذلك باتباع السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وسُمِّي أهل السنة والجماعة بأهل السنة والجماعة لاتباعهم سنة الرسول ﷺ وجماعة المسلمين، والله تعالى يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فأثنى على المهاجرين والأنصار وعلى من اتبعهم بإحسان ممن تأخر إسلامهم من الصحابة، وكذلك من جاء بعد الصحابة، وهكذا قوله تعالى بعد ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا

стр. 318

الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، فنتبع السنة ونلزمها، ونتبع الجماعة، ونلتزم بما أجمع عليه المسلمون، وما درج عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين. وقوله: «ونجتنب الشذوذ … والفُرقة». بمخالفة ما أجمع عليه المسلمون وبمخالفة ما دلت عليه سنة الرسول ﷺ ، ونحذر من أسباب الفرقة، وقد أمر الله بهذا في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال ﷺ : «إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم، وأصحابي» (١). وفي لفظ: «وهي الجماعة» (٢). لهذا قال الطحاوي ﵀ في بيان منهج أهل السنة: «ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ»، فمن شذ عن جماعة المسلمين شذ عن

стр. 319

الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء]. وهذه الآية مما احتج بها الشافعي ﵀ على حجية الإجماع (١). * * *

стр. 320

حب أهل العدل وبغض أهل الجور وقوله: «ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة». ذِكر هذا المعنى بعدما تقدم مناسب جدًّا، وفيه تنبيه على أن وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وإن جاروا، وكوننا نرى الصلاة خلف الأئمة أبرارًا كانوا أو فجارًا؛ لا يقتضي التسوية بين الأبرار والفجار، وأئمة العدل وأئمة الجور، لا؛ بل نحب أهل العدل من الولاة والأئمة وسائر الناس، قال النبي ﷺ : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل» (١)، وهذا من الحب في الله، فنحب من يحبه الله من المؤمنين والمقسطين، قال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات]، أي: العادلين، ونحب التوابين، ونحب الصالحين، وننزل كُلًّا منزلته، وهذا هو الواجب على المؤمنين أن يتحابوا في الله، قال النبي ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله» (٢)، ومن شواهد ذلك قوله ﷺ : «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم» (٣)، وفي الحديث عن النبي ﷺ : «أوثق عُرَى الإيمان: الحب في

стр. 321

الله والبغض في الله» (١)، ولهذا قال الطحاوي ﵀: «ونبغض أهل الجور والخيانة»، نبغضهم لجورهم، لا لأغراضنا وشهواتنا وأهوائنا وعدم حصولنا على ما نريد، لا؛ بل نبغضهم في الله ولله، ومن باب أولى نبغض الكفار، وأهل الفسق والعصيان، والله تعالى أخبر بأنه يمقت الكافرين: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠]، وأخبر أنه : ﴿لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ [الحج]، و ﴿لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص]، بل يبغضهم و: ﴿لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ [التوبة]. والناس في هذا الواجب ثلاثة أقسام: الأول: وليٌّ لله؛ تجب محبته مطلقًا. والثاني: عدوٌّ لله، يجب بغضه مطلقًا. والثالث: المخلط؛ كالفاسق من المسلمين، يُحَب بحسب ما معه من الإيمان والطاعة، ويُبغَض بحسب ما معه من الفسوق والمعصية.

стр. 322

والوالي الظالم والجائر يُبغَض لظلمه وجوره وخيانته، ويُحَب بحسب ما معه من الإيمان، فالمسلم الفاجر والظالم لا يُسوَّى بالكافر في بغضه، لا؛ فمطلق الأخوة الإيمانية موجودة، كما تقدمت الإشارة (١) إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فسمى المقتول أخًا للقاتل، فكونه قتله هذا لا يبطل الأخوة الإسلامية التي بينهما؛ فإن من العدل في الحكم والمعاملة أن تفرق بين الناس، فلا تعط الناس حكمًا واحدًا؛ بل تنزل الناس منازلهم بحسب حكم الله تعالى ورسوله ﷺ . * * *

стр. 323

تفويض العبد ما خفي عليه من العلم إلى الله وقوله: «ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه». من منهج أهل السنة: تفويض علم ما لا علم لهم به، هذا تفويض واجب، وليس مثل تفويض المعطلة الذين ينفون الصفات، ثم يفوضون معاني النصوص فذاك مذهب باطل، وهذا التفويض الذي ذكره الطحاوي هو الذي أمر الله به نبيه ﷺ في مثل قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢]، وقوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الكهف]، ولما سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (١). وهكذا الواجب على المسلم ألا يخوض فيما لا علم له به، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا (٣٦)﴾ [الإسراء]، بل فَوِّض علم ما لا علم لك به وما أشكل عليك إلى الله، وقل: الله أعلم، وهذا من وقوف الإنسان عند حده، فلا يتجاوزه فيدعي علم ما لا علم له به، وإن قال: لا أدري فقد أحسن، فإن الذي يَدَّعي أو يخبر أو يجيب

стр. 324

بما لا يعلم يكون كاذبًا، فمن يخبر بالشيء قد يخبر بما يَعلم كذبه، وهذا المتعمد للكذب، ومن يخبر بما لا علم له به، لا يكون صادقًا؛ بل فعله من جنس الكذب؛ لأن الصدق هو: الإخبار عن علم يطابق الواقع، هذا في الأمور العامة. أما فيما يتعلق بالغيب، وفي دين الله، وفي ذات الله وصفاته؛ فهذا هو الذي حذر الله منه في كتابه: وذكر أنه مما يأمر به الشيطان: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة]، وقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف]. * * *

стр. 325

من مذهب أهل السنة المسح على الخفين وقوله: «ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر». «ونرى»، أي: نحن أهل السنة نرى «المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر»، أي: كما جاءت به السنة المأثورة المتواترة عن النبي ﷺ (١)، خلافًا للرافضة والخوارج؛ فإنهم لا يرون المسح على الخفين. والله تعالى قد أمر بغسل الرجلين في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، واستدل العلماء بهذه الآية على وجوب غسل الرجلين، فحُكم الرأس هو المسح، وحُكم الرجلين الغسل؛ لأنه عَطَف الرجلين على الوجه واليدين المغسولتين، وأوضحت ذلك السنةُ، فكل من نقلَ صفةَ وضوئه ﷺ ذكرَ أنه ﷺ غسل رجليه (٢)، فعُلم أن فرض الرجلين هو الغسل لا المسح عليهما خلافًا للرافضة.

стр. 326

وفي القراءة الأخرى: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بجر اللام (١) واختلف المفسرون في توجيهها، فقيل: إنها عَطْف على الرأس؛ فتمسح مثله، وهذه من شبهات الرافضة (٢)، لكن جمهور الأمة القائلون بغسل الرجلين قالوا: إنه خفض للمجاورة، كما قالوا: «جُحرُ ضبٍّ خربٍ»، وأصله «خربٌ» (٣)، ومن أحسن ما قيل في قراءة الجر: إنها محمولة على حال لبس الخفين (٤)، وقراءة النصب على حال خلوهما، فتكون الآية على القراءتين دالة على الحكمين الغسل والمسح كما دلت على ذلك السنة، والسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه. وفرض الرجلين هو الغسل إذا كانتا مكشوفتين، أما إذا كانتا في خفين لُبِسا على طهارة؛ ففرضهما المسح عليهما، ودلت على ذلك سنة الرسول ﷺ القولية والفعلية، كما في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ في الصحيحين، أنه كان مع النبي ﷺ ، قال: فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين»، فمسح عليهما (٥)، وهكذا في حديث حذيفة ﵁ في الصحيح أن النبي ﷺ بال فتوضأ ومسح على خفيه (٦)،

стр. 327

وسئل علي ﵁ عن المسح على الخفين؟ فقال: «جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم» (١)، وغيرها. فأحاديث المسح على الخفين متواترة، ولهذا كان من مذهب أهل السنة والجماعة المسح على الخفين، وغسل الرجلين إذا لم يكونا في خفين، خلافًا للرافضة؛ فإن الرافضة خالفوا السنة في الحالين، فقالوا: إن فرض الرجلين هو المسح على أعلى القدم من الأصابع إلى العظم الناتئ في ظهر القدم، وإذا كانا في خفين فلا يمسحون عليهما (٢)، فخالفوا السنة من الوجهين، حيث قالوا: إن فرض الرجلين هو المسح، ولا مسح على الخفين، ومذهبهم باطل مخالف للنصوص. والمسح على الخفين مشروع في السفر والحضر، فقد دلت السنة على التفريق في حكم المسح على الخفين بين المسافر والمقيم حيث رخص النبي ﷺ للمقيم أن يمسح يومًا وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها. وكما تقدم (٣) أن بعض هذه المسائل هي من المسائل الفقهية العملية؛ لكن لما لم يخالف فيها إلا المبتدعة نص عليها، فهي مما يتميز به أهل السنة من المبتدعة. * * *

стр. 328

الحج والجهاد مع الأئمة برهم وفاجرهم وقوله: «والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين بَرِّهِم وفاجِرِهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما». الحج مشروع منذ فرضه الله إلى قيام الساعة والجهاد مشروع إلى قيام الساعة، مع الأمراء والأئمة بَرِّهِم وفاجِرِهم لا يمنعهما فجور أو ظلم الأمير، بل يشرع الحج مع الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا. وكذا الجهاد والقتال إذا كان مشروعًا، فلا يمنع منه كون القائد فاجرًا أو عاصيًا أو ظالمًا. وذكر الحج؛ لأن الخلفاء في الدولة الإسلامية كانوا يعينون أميرًا على الحج؛ لأنه يُحتاج فيه إلى تنظيم القوافل؛ لأنهم خلق كثير؛ كالجيش، ويحتاجون إلى سياسية وقيادة تدبر أمر السير، وترتيب الحراسات؛ وما يحتاجون إليه من الأغذية وعلف الدواب، وغيرها؛ فلهذا ذكر العلماء الحج مع الجهاد. وذكر الطحاوي وغيره هذه المسألة للتنبيه على مخالفة الرافضة، فالرافضة عندهم أنه لا جهاد إلا مع إمام معصوم (١)، وهم يقولون بعصمة الأئمة الاثني عشر: أولهم علي، ثم الحسن، ثم الحسين

стр. 329

﵃ … وآخرهم محمد بن الحسن العسكري، وهو الذي يسمونه الإمام والمهدي المنتظر، ويقولون: إنه دخل في سرداب في سامراء، وهم ينتظرونه إلى الآن، ويرون أنه لا جهاد إلا معه، وهذا الإمام معدوم لا حقيقة له؛ لأنه زعموا أنه دخل السرداب سنة ستين ومائتين أو قريبًا من ذلك، وهو دون التمييز ابن خمس سنين أو أقل (١)، ولا يزال حيًّا، وهذا الإمام كما يقول شيخ الإسلام: «لم ينفعهم في دين ولا دنيا» (٢). فنُصَّ على هذه المسألة للتنبيه على بطلان مذهب الرافضة، ثم إنهم لم ينتفعوا بهؤلاء الأئمة الاثني عشر، سوى علي ﵁ فهو الذي تولى الخلافة، والحسن كانت له مدة قصيرة، أما بقية الأئمة الذين يدعون لهم العصمة وأنهم أحق بالإمامة من كل أحد؛ فلم ينتفعوا بهم ولم تكن لهم ولاية، وهؤلاء الأئمة حكمهم عند أهل السنة كحكم غيرهم، بحسب حالهم في دينهم وعلمهم، وهم متفاضلون، فمنهم العلماء؛ كعلي بن الحسين، وابنه محمد بن علي، وابنه جعفر بن محمد ﵏ فهؤلاء من العلماء الصالحين المعروفين (٣)، وفوقهم من له فضل الصحبة وفضل القرابة كعلي، وولديه: الحسن والحسين ﵃. * * *

стр. 330

الإيمان بالكرام الكاتبين وقوله: «ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين». أي: نحن أهل السنة نؤمن بالكرام الكاتبين وهم: الملائكة الموكلون بحفظ أعمال العباد وكتابتها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [الانفطار]، فالله أقدرهم على العلم بأحوال العبد، فهم يكتبون حتى الأعمال القلبية، فضلًا عن الأعمال الظاهرة وأقوال اللسان. وفي الحديث القدسي الصحيح: «إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها؛ فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة؛ فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف» (١). وقد دل القرآن ودلت السنة على كتابة أعمال العباد، ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق]، ومن شواهد ذلك قول النبي ﷺ : «إذا مرض العبدُ أو سافرَ كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (٢)

стр. 331

فهم يكتبون الحسنات والسيئات؛ بل ويكتبون ما سوى ذلك، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، أي: ما في صحف الملائكة، فيمحو ما لا ثواب فيه ولا عقاب، ويثبت ما يترتب عليه الثواب والعقاب، أو يمحو ما تاب منه العبد وتجاوز عنه (١). والإيمان بالحفظة الكاتبين داخل في الإيمان بالملائكة كما تقدم (٢)، فمن الإيمان بالملائكة الإيمان بأصنافهم وأعمالهم، ومنهم الكرام الكاتبون. * * *

стр. 332

الإيمان بملك الموت وأعوانه وقوله: «ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين». كذلك من الإيمان بالملائكة الإيمان بملك الموت، قال : ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، والإيمان بمن معه من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وقد ذكر الله ذلك في كتابه، قال : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقال : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، فأخبر أن الملائكة يتوفونهم، وقال : ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]، وقال: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢]. وكما دل القرآن على ذلك دلت السنة عليه، ففي الحديث الطويل حديث البراء بن عازب ﵄ قال النبي ﷺ : «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من

стр. 333

في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون يعني بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا»، - إلى أن قال: - «وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا … » (١). الشاهد: أن السنة قد دلت على إثبات هذه الأصناف من الملائكة: ملك الموت وملائكة الرحمة وملائكة العذاب.

стр. 334

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا! فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس! فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نَصَفَ الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت: ملائكة الرحمة جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه، فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة» (١). ويلاحظ أن التوفي جاء في القرآن منسوبًا إلى الله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ [الزمر: ٤٢]. ومنسوبًا إلى ملك الموت: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]. ومنسوبًا إلى الملائكة: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨]، فمن المتوفِّي إذًا؟

стр. 335

والجواب: أن الله هو المتوفي؛ لأنه سبحانه هو الذي أمر به وبمشيئته يكون، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١]، فالملائكة رسل من عند الله يرسلهم لقبض روح من شاء من عباده. وأضيف التوفي إلى ملك الموت؛ لأنه هو الذي يتولى قبضَ النفسِ وأخذها أول ما تخرج من الجسد. وأضيف إلى الملائكة باعتبار أنهم يقبضونها ويتولونها بعد ذلك. فكلها حق، فنُسب التوفي إلى كلٍّ لثبوت ذلك على الوجه الذي يناسبه. وإنها لآية عظيمة أنَّ هذه الأنفس الكثيرة التي تموت في اللحظة الواحدة يتوفاها ويتولاها ملك واحد، فهذا يفيدنا أن أمر الغيب لا تحيط به العقول البشرية، ولا يقاس على المحسوس، فلا ينفع أن تقيس الغائب على الشاهد. وقد حدث في هذا العصر من المخترعات الباهرة ما يقرب بعض أمور الغيب؛ كالحاسوب، والشبكة المعلوماتية، وغيرها مما يرسل الصور والأصوات ويستقبلها مِنْ و إلى أماكن متباعدة. * * *

стр. 336

الكلام على الروح وبعض متعلقاتها وقوله: «أرواح العالمين». يتعلق بهذه الجملة الكلام في الروح التي بها حياة الناس، وتسمى النفس. والروحُ موضوعُ حديثٍ طويلٍ للناس، فقد خاض فيه الناس كثيرًا بالحق وبالباطل، والناس في شأن الروح وحقيقتها ثلاثة مذاهب: قوم قالوا: إنها جزء من البدن، أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: إنها النَّفَس الذي يتردد في البدن، ومنهم من قال: إنها الحياة، أو المزاج، أو نفس البدن، وهذه الأقوال منسوبة إلى كثير من المتكلمين. وقابلهم الفلاسفة فقالوا: إن الروح لا تقوم بها أية صفة، فالروح ليست داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عَرَض، وليس لها أية صفة، قال شيخ الإسلام ﵀ في «التدمرية»: «يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود» (١). فهذان القولان على طرفي نقيض، وكل منهما باطل. والقول الوسط: إن الروح حقيقة موجودة قائمة بنفسها، ولها وجود مستقل عن البدن، فليست كالعرض الذي لا يقوم إلا بجسم؛ لكنها تتصل

стр. 337

بالبدن وتنفصل عنه، وتسري فيه سريانًا - على وجه التقريب - كسريان النار في الفحم، وسريان الدهن في الزيتون، وسريان الماء في العود، المهم أن لها كيانًا يخصها، وهي موصوفة بصفات ثبوتية وسلبية، مثل: أنها تذهب وتجيء، وتُقبض وتُرسل، وهذا بنص القرآن: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ [الزمر: ٤٢]، وفي الصحيح عن النبي ﷺ في الذكر عند النوم: «باسمك ربِّ وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» (١)، وهي مغايرة في حقيقتها للأجسام المشهودة. فهذا هو القول الوسط الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وهذا مذهب أهل السنة: أن الروح شيء موجود متميز، وهي حقيقة قائمة بنفسها، وموصوفة بصفات ثبوتية وسلبية، وهي مغايرة في ماهيتها وحقيقتها للأجسام المشهودة. ويتعلق بالروح مسائل كثيرة اعتنى بذكرها ابن القيم في كتابه «الروح»، وفصَّل القول فيها. منها: الكلام في خلق الروح، فقد قيل: إنها قديمة، أي: ليست محدثة، فلا بداية لوجودها، وهذا باطل؛ بل هي محدثة ومخلوقة كسائر المخلوقات، فالإنسان مخلوق: روحه وبدنه (٢).

стр. 338

ومنها: هل تموت الروح أو لا تموت؟ فيه خلاف، والذي رجحه ابن القيم (١)، وهو الصواب: أن موت الأرواح هو مفارقتها لأجسادها؛ فإن أريد هذا القدر فهي ذائقة الموت ف ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وإن أريد أنها تصير عدمًا بعد فراقها للبدن فلا؛ فالروح باقية؛ إما في نعيم أو عذاب. ومن المسائل التي طرقها ابن القيم كذلك: الفرق بين النفس والروح (٢)، وبيَّن أن النفس تطلق على معان متعددة، والروح تطلق على معان متعددة، وتتفقان في بعض المواضع، فإذا قيل - مثلًا -: خرجت نفسه أو خرجت روحه؛ فالمعنى واحد. ومنها: هل النفس واحدة أو ثلاث؟ (٣) الصحيح: أنها واحدة؛ لكن ذكرها بلفظ: النفس الأمارة بالسوء، والنفس المطمئنة، والنفس اللوامة إنما هو باعتبار صفاتها، وإلا فهي نفس واحدة. ومن الناس من يقول: لمَ الخوض والكلام في الروح مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]؟ والجواب: أن هذه الآية ليس فيها النهي عن الكلام في الروح. ثم إن الروح في الآية قد اختلف فيه، فقيل: إنه الروح الأمين جبريل ﵇.

стр. 339

وقيل: إنه ملك آخر. وقيل: المراد بالروح الوحي (١). وإذا كان المراد: الروح التي هي النفس، فإن الله قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، وليس في هذا النهي عن الكلام في الروح، والواجب هو الكلام فيها بعِلم، أما الكلام فيها بغير علم؛ فهذا هو المحذور، وفي كل مقام أيضًا، أما الكلام في الروح في حدود ما جاء في الكتاب والسنة؛ فهذا حق وبيان لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ . والكلام والبحث في الروح له فائدتان: الأولى: معرفة الحق من الباطل من أقوال الناس. والثانية: معرفة ما ورد في الكتاب والسنة في شأن الروح. وضرب شيخ الإسلام ابن تيمية في «العقيدة التدمرية» (٢) بها المثل لبيان وتقرير أن قيام الصفات بالموصوف لا يلزم منه المشابهة لغيره، ليقرر بذلك أن إثبات صفات الله لا يستلزم معرفة كنهه ولا تشبيهه بخلقه، فالروح مع أنها موصوفة في النصوص بصفات ثبوتية وسلبية؛ فالعقول عاجزة عن تكييفها، وهي عن تكييف الرب أعجز، وهي مباينة للأجسام المشهودة، ومباينة الله لخلقه أعظم، وهو كلام ناصع بيِّنٌ متضمن لإفحام المبطلين المعطلين. * * *

стр. 340

وجوب الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه وقوله: «وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم». ونؤمن بعذاب القبر وبفتنة القبر - أي -: سؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، فقد ثبت عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة ﵃، كحديث البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ : «إن الميت إذا وضع في قبره أتاه ملكان فيقعدانه ويقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟» (١)، والأدلة على فتنة القبر وعذابه متواترة (٢). وقد أشير إلى فتنة القبر في القرآن، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (٣)، وكان النبي ﷺ إذا

стр. 341

فرغ من دفن الميت، وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل» (١). ويظهر لي أنه ليس لنا أن نقول: «فإنه الآن يسأل»، وإنما نقول: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فقط، أما أن نحكم على الميت بأنه الآن يسأل، فهذا لا علم لنا به على الخصوص. ومن أدلة عذاب القبر في القرآن قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر]، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ [السجدة]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة]، وهو عذاب النار. ومن أدلة عذاب القبر ونعيمه ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ : «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار،

стр. 342

يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» (١)، وفي حديث البراء ﵁ عن النبي ﷺ : قال: «إن المؤمن يُفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، وإن الكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه» (٢)، وقال النبي ﷺ : «إنه أوحي إلى أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا من فتنة المسيح الدجال: فيؤتى أحدكم فيقال: ما عِلمُك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا، فيقال: نم صالحًا قد علمنا إنْ كنت لموقنًا به، وأما المنافق فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا؛ فقُلتُه» (٣). ومن أدلة عذاب القبر ما ورد من الاستعاذة بالله منه، كما في الذكر بعد التشهد ففي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر؛ فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال» (٤). وأحاديث كثيرة فيها الاستعاذة بالله من عذاب في النار وعذاب في القبر (٥).

стр. 343

وأكثر الأحاديث فيها: «أنه يأتيه ملكان» (١)، وجاء عند الترمذي تسميتهما: «المنكر والنكير» (٢)، وسئل الإمام أحمد عن ذلك فأثبت تسمية هذين الملكين (٣). وأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذا كله، والإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه من الإيمان باليوم الآخر؛ فإن الإيمان باليوم الآخر يدخل فيه ما يكون بعد الموت. والإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه من الإيمان بالغيب؛ لأن الله ستر عن الخلق أحوال أهل القبور، وربما كشف لمن شاء بعض ذلك، وقد أطلع الله سبحانه نبيه ﷺ على حال صاحبي القبرين فقال لما مَرَّ بهما: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير» (٤)، فأطلعه تعالى على حالهما، وسبب عذابهما، ولما سمع ﷺ ذات يوم صوتًا قال: «يهود تعذب في قبورها» (٥).

стр. 344

وقد يُكشف لبعض العباد شيء من أحوال أهل القبور، وفي هذا أخبار كثيرة، يذكرها المعنيون بهذا من أهل العلم (١)، وفيها تصديق لما أخبر به ﷺ ، وثبت عنه ﷺ أنه قال: «لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر ما أسمع» (٢)، لو كشف للناس أحوال أهل القبور لفروا وهاموا على وجوههم، ولما دفنوا موتاهم. وأنكر عذاب القبر ونعيمه وسؤاله وفتنته الملاحدة الزنادقة (٣)، ويلزم على قول من يقول: إن الروح عرض وليست شيئًا قائمًا بنفسه؛ أنه ليس هناك عذاب ولا نعيم؛ لأنها معدومة، ولهذا قال ابن القيم في النونية (٤) - لما ذكر أمر الأرواح وبقاءها -: وَكَذلِكَ الأروَاحُ لَا تَبلَى كَمَا … تَبلَى الجُسُومُ وَلَا بِلَى اللُّحمَانِ وَلأجلِ ذَلِكَ لم يُقِرَّ الجَهمُ بال … أروَاحِ خَارِجَةً عَنِ الأبدَانِ لَكِنَّهَا مِنْ بَعضِ أعرَاضٍ بِهَا … قَامَت وَذَا في غَايَةِ البُطلَانِ فالشَّأنُ للأرواحِ بَعدَ فراقِهَا … أبدَانَنا وَاللهِ أعظَمُ شَانِ

стр. 345

إمَّا عذَابٌ أو نَعِيمٌ دَائِمٌ قَدْ … نُعِّمت بِالرَّوحِ والرَّيحَانِ وتصيرُ طيرًا سَارِحًا مَع شكلِهَا … تجني الثِّمارَ بِجَنَّةِ الحَيَوانِ وَتَظَلُّ وَاردَةً لأنهَارٍ بِها … حَتَّى تَعُودَ لِذَلِكَ الجُثْمَانِ لَكِنَّ أرواحَ الذينَ استُشهِدُوا … فِي جَوفِ طَيرٍ أخضَرٍ رَيَّانِ فلهُم بذَاكَ مزيَّةٌ في عَيشِهِم … ونَعِيمِهِم لِلرُّوحِ والأبدَانِ بَذَلُوا الجُسُومَ لربِّهِم فأعَاضَهُم … أجسَامَ تلكَ الطَّيرِ بالإحسَانِ وَلَهَا قَنَادِيلٌ إليهَا تَنتَهِي … مَأوَىً لَهَا كَمَسَاكِنِ الإِنسَانِ فالرُّوحُ بَعدَ الموتِ أكمَلُ حَالَةٍ … منهَا بِهَذِي الدَّارِ في جُثمَانِ وَعذَابُ أشقَاهَا أشدُّ مِنَ الذِي … قد عَاينَت أبصَارُنا بِعِيَانِ والقَائِلُونَ بِأنَّهَا عَرَضٌ أبَوا … ذَا كُلَّهُ تَبًّا لِذِي نُكرانِ

стр. 346

وقوله: «لمن كان له أهلًا»، عذاب القبر ليس لكل واحد، وجاء التصريح بعذاب القبر ونعيمه للمؤمن والكافر، أما العاصي؛ فإن أكثر النصوص لم تتعرض له، كما هو ظاهر في أمر فتنة القبر، إنما ذكر المؤمن الذي ينعم بعد الفتنة، والكافر والمنافق الذي يعذب بعدها، لكن العاصي يُخاف عليه العذاب، فالذي سُكت عنه هذا على خطر، فالمعاصي سبب للعذاب في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، والعاصي تحت المشيئة إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، وأما المؤمن التقي فهو ناجٍ من العذاب، وهو من أهل النعيم والثواب. ومسائل القبر هذه، هي التي بنى عليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ رسالته المعروفة ب «ثلاثة الأصول». وقد بلغ الأمر ببعض من يعظمون الوطن إلى درجة العبادة، أن يقول: بنو وطني سأذكرهم متى ما عشتُ في الدنيا وفي كفني وفي قبري أقول له إذا ما جاء يسألني: بنو وطني همُ ديني وديني همْ بنو وطني! (١) هل سيجيب بهذا الكفر؟!

стр. 347

لن يجيب، بل سيقول: هاه هاه! لا أدري. نعوذ بالله من فتنة القبر وعذاب القبر. وقوله: «عن ربه ودينه ونبيه ﷺ على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم». هذا هو المعتمد، فإنما أثبتنا هذه الأمور الغيبية لورود الأخبار الصحيحة بها، فنؤمن بذلك تصديقًا لله تعالى، ورسوله ﷺ ، واتباعًا لسلف هذه الأمة. وقوله: «والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران» (١). هذا تكميل للموضوع، وفيه إشارة إلى النعيم؛ لأنه في العبارة السابقة لم يقل: بعذاب القبر ونعيمه، ففي هذه الجملة تنبيه على النعيم، «والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران»، هذه أحوال الناس في القبر، منهم: من هو في نعيم وفي سرور، في روضة من رياض الجنة يأتيه من روحها وطيبها، كما يشاء الله على ما يليق بحال البرزخ؛ لأن الدور ثلاثة: - دار الدنيا، وهي: دار الابتلاء والعمل. - ودار البرزخ، وهي: ما بين الموت إلى البعث، وهي: محل عذاب القبر ونعيمه.

стр. 348

- والدار الآخرة التي بعد البعث، وهي: دار القرار، وليس فيها نقلة ولا رحيل ولا تحول. أما القبر، فليس هو كما يجري على ألسن الناس إذا دفنوا الميت قالوا: انتقل إلى مثواه الأخير؛ فإن القبر ليس هو المثوى الأخير، بل بعده رحيل وانتقال من دار البرزخ إلى الدار الآخرة: إلى الجنة أو النار، واستنبط بعض أهل العلم هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ﴾ [التكاثر]، والزائر لا بد له من انصراف؛ لأنه غير مقيم (١)، فأهل القبور ليسوا بمقيمين أبدًا في قبورهم؛ بل سينصرفون عندما يدعوهم الداعي: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾ [ق]، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر]. * * *

стр. 349

الإيمان بالبعث والجزاء وقوله: «ونؤمن بالبعثِ وجزاءِ الأعمالِ يومَ القيامةِ». كل هذه المعاني والمسائل مندرجة في الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالبعث مما أجمع عليه أهلُ الملل الثلاث: المسلمون واليهود والنصارى، ومما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وليس فيه اختلاف بين فرق الأمة. ولا ينكر بعث الأجساد إلا الفلاسفة الملاحدة (١)، ومنهم من دخل في الإسلام وادعى ذلك على الشريعة، كابن سينا (٢)، يقول: إن البعث والجزاء روحاني لا جسماني، فأنكر معاد الأجساد، فجعلوا ما جاء في النصوص أمورًا روحانية، وهذا إنكار مع تلبيس. ويوم القيامة اسمه يوم البعث؛ لأن فيه البعث، ويوم الجمع؛ لأن الله يجمع الأولين والآخرين للحساب. وسبق الكلام على أدلة البعث عند قول الطحاوي: «والإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر» (٣).

стр. 350

ومن الأقوال الباطلة المعروفة عن المتكلمين قولهم: إن البعث يكون بجمع تلك الأجزاء، وهذا يرجع إلى مقولة معروفة هي: أن الأجسام مركبة من جواهر مفردة، والجوهر الفرد هو الجزء الذي لا يتجزأ، وهم منازعون في دعوى وجود الجوهر الفرد. والتحقيق أنه ما من جزء إلا ويتجزأ حتى يبلغ إلى غاية صغيرة فيستحيل أو يعدم، كما قال شيخ الإسلام ﵀ (١). فهؤلاء القائلون بنظرية الجوهر الفرد يقولون: إن البعث يكون بجمع تلك الجزيئات: فإذا مات الميت وتفرقت جزيئاته فيكون البعث بجمع تلك الجزيئات. وهذا باطل؛ فإن الأجسام تستحيل وتتغير وتتحول من طبيعة إلى طبيعة، ثم يقال: إنه لو كان البعث بجمع تلك الجزيئات على فرض صحة الدعوى؛ للزم أن يكون كل إنسان يبعث على هيئته التي كان عليها، الكبير الهرم على هيئته، والصغير كذلك، وهذا مخالف للنصوص التي بيَّن الله تعالى فيها أنه يعيد ما تفرق واستحال، ثم ينشئها كما يشاء نشأة أخرى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾ [النجم]، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾ [الواقعة]، ننشئكم نشأة لا تعلمونها ولا تتخيلونها.

стр. 351

وقد ثبت في النصوص ذكر خلقة من يدخل الجنة ومن يدخل النار، وأن أجسامهم لا تكون على هيئة أجسام الناس في هذه الدنيا؛ بل تختلف اختلافًا كبيرًا (١)، ينشئها الله نشأة أخرى تليق بالحياة الآخرة عذابها ونعيمها، وليس البعث إيجادًا من عدم؛ بل البعث إعادة، وهذا هو الذي أنكره الكفار، فإنهم لا ينكرون أن الله يخلق مثلما خلق، فهم يشاهدون أن الله يخلق الأجيال، إنما ينكرون أن يعيد الله ما استحال من أبدانهم وتفرق من أجسادهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ [الرعد]، ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء] الآيات، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ [ق]، ولهذا أنكر العلماء على جهم بن صفوان ومن وافقه قولهم: إن المعاد هو أن يخلق الله الخلق خلقًا جديدًا ليس بإعادة، يقول ابن القيم - في فصل طويل في «الشافية الكافية» (٢) عن جهم ومقالاته -: وَقَضَى بِأنَّ اللهَ يَجعَلُ خَلقَهُ … عَدَمًا ويقلِبُهُ وُجُودًا ثَاني

стр. 352

العَرشُ والكُرسِيُّ والأرواحُ وال … أملاكُ والأفلاكُ والقَمَرَانِ والأرضُ والبَحرُ المحيطُ وسائِرُ ال … أكوَانِ مِنْ عَرَضٍ وَمِنْ جُثمَانِ كُلٌّ سَيُفنِيهِ الفنَاءَ المَحضَ … لا يَبقَى لَهُ أثَرٌ كَظِلٍّ فَانِ ويُعِيدُ ذَا المَعدُومَ أيضًا ثانيًا … مَحضَ الوجودِ إعَادَةً بِزَمَانِ هذا المعادُ وَذلِكَ المَبدَا لَدَى … جَهمٍ وقد نَسَبُوه للقرآنِ هَذا الذِي قَادَ ابنَ سينَا والأُلَى … قَالُوا مَقَالَتَه إلى الكُفرَانِ لَم تَقبَلِ الأذهانُ ذَا وتَوهَّمُوا … أنَّ الرَّسُولَ عَنَاهُ بِالإِيمانِ هَذا كِتابُ اللهِ أنَّى قَالَ ذَا؟ … أو عَبدُهُ المبعُوث بالبُرهَان؟ ولهذا جعل الله من حجته على المكذبين أن الإعادة في نظر الإنسان وبالنسبة لقدرة الإنسان أهون من الابتداء، ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ [ق]، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس]، وهذا أحد أدلة البعث التي فيها الرد على المكذبين، وقد تقدم ذكرها (١).

стр. 353

وقوله: «وجزاء الأعمال يوم القيامة». مما يجب الإيمان به الجزاء، والجزاء هو الغاية من البعث والنشور، ليجد كل عامل عمله، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَائُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم]؛ بل هذا من حكمة الله في خلق السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾ [الجاثية]، وذكر الجزاء في القرآن كثير جدًّا، وجاء بلفظ الدين، قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥)﴾ [الانفطار]، ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾ [المطففين]، ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [الذاريات]. وهذا الجزاء ذكر الله تعالى تفصيله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام]، ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطور]، ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ [يس]، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء]، ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)﴾ [الزلزلة]، أي: جزاء أعمالهم ثوابًا وعقابًا، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة]. وهذا الجزاء يتضمن الثواب على الأعمال الصالحة، والعقاب على ضدها من الكفر والفسوق والعصيان.

стр. 354

ومن الجزاء الاقتصاص للمظلوم من الظالم، وبهذا تتحقق حكمة الرب وعدله ، فالناس في هذه الدنيا يقع من بعضهم عدوان وظلم على بعض، وكثير من المظلومين يموت وهو لم يستوفِ حقه، أو يموت الظالم ولم يؤخذ منه الحق، فجعل الله للخلق يومًا يجمع فيه الأولين والآخرين. وجزاء الإيمان والحسنات مبنيٌّ على الفضل والزيادة والمضاعفة، وجزاء السيئات مبنيٌّ على العدل، قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ [القصص]، وفي الآية الأخرى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام]، ولا يعذب أحد بذنب غيره، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، والله تعالى ينبه إلى أن دخول أهل الجنةِ الجنةَ بسبب أعمالهم، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة]، و «الباء» سببية، فالإيمان والعمل الصالح سبب دخول الجنة، والكفر والمعاصي سبب دخول النار ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾ [التوبة]، وتفصيل هذا في القرآن كثير جدًّا. * * *

стр. 355

الإيمان بالعرض والحساب، والصراط والميزان وقوله: «والعرضِ والحسابِ، وقراءةِ الكتابِ، والثوابِ والعقابِ، والصراطِ، والميزانِ». من أحوال يوم القيامة عرض العباد على ربهم، وعرض أعمالهم عليهم، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ﴾ [الكهف] وكذلك عرض الأعمال على العاملين، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وفي حديث عدي بن حاتم ﵁: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه؛ فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه؛ فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه؛ فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة» (١)، وقال ﷺ : «ليس أحدٌ يحاسب يوم القيامة إلا هلك»، فقالت أم المؤمنين عائشة ﵂: أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق]؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنما ذلك العرض، وليس أحدٌ يناقش الحساب يوم القيامة إلا عُذِّب» (٢).
следующие страницы →