← Фатава

Фатава · id 2300

فتاوى نور على الدرب للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (7 489 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

أم عبد الرحمن من اليمن تقول أسأل عن معنى حديث (من جلس مجلسا ولم يذكر الله تعالى تحسر عليه وندم يوم القيامة) ونحن مجموعة من الأخوات إذا التقينا وجلسنا نبدأ بذكر الله وذكر الرسول ﷺ ونذكر الصحابة والتابعين والعلماء الذين قد ماتوا ﵏ والذين ما يزالون على قيد الحياة حفظهم الله والسؤال هل نثاب عندما نذكر العلماء ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: لاشك أن الإنسان إذا جلس مجلسا مع أصحابه ولم يذكروا الله ولم يصلوا على النبي ﷺ أنه قد خسر هذا المجلس وسيتحسر يوم القيامة كيف فاته في هذا المجلس أن يذكر الله ورسوله ﷺ لذلك ينبغي أن لا يخلو المجلس من ذكر الله أو ذكر الرسول ﷺ سواء في ابتداء أو في أثناء الحديث أو عند اختتام الحديث وأما ذكر الصحابة والتابعين لهم بإحسان والعلماء والأئمة فلاشك أن ذكرهم يحيي القلوب ويوجب محبتهم والترحم عليهم والاستغفار لهم لكن كوننا نقول إن هذا أمر مطلوب يحتاج إلى دليل. ***

стр. 1087

ماهي صفات السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ومن كان ينقصه شيء من هذه الصفات ماذا يلزمه مأجورين ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الصفات هي التي ذكرها النبي ﵊ فقال (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) (لا يسترقون) يعني لا يطلبون أحد يقرأ عليهم حال مرضهم (ولا يكتوون) لا يطلبون أحدا يكويهم (ولا يتطيرون) لا يتشاءمون (وعلى ربهم يتوكلون) أي يعتمدون على الله تعالى ويفوضون أمرهم إلى الله سبحانه ولا يدخل في ذلك من عرض نفسه على الطبيب للدواء لأن النبي ﷺ لم يقل لا يتداوون بل قال (لا يكتوون ولا يسترقون) اللهم إلا أن يعلق الإنسان قلبه بالطبيب ويكون رجاؤه وخوفه من المرض متعلقا بالطبيب فهذا ينقص توكله على الله فينبغي للإنسان إذا ذهب إلى الأطباء أن يعتقد أن هذا من باب بذل الأسباب وأن المسبب هو الله وحده وأنه هو الذي بيده الشفاء حتى لا ينقص توكله. ***

стр. 1088

ما معنى حديث (من مس الحصى فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له) ولماذا خص الحصى بهذا الحديث ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الحصى هي الحصباء التي فرش بها المسجد وكان مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حياته مفروشا بالحصباء ومعنى (مَنْ مس الحصى فقد لغا) أي من مسه حال خطبة الإمام يوم الجمعة عبثا فقد لغا وذلك لأنه تلهى عن استماع الخطبة خطبة الإمام (ومن لغا فلا جمعة له) أي أنه يحرم من ثواب الجمعة لأن من أهم مقاصد الشرع في صلاة الجمعة الخطبة والاستماع إليها فإذا تشاغل الإنسان بمس الحصى فإنه يكون قد حرم هذه الحكمة العظيمة فيحرم من ثواب الجمعة وهذا يدل أنه يجب على الإنسان حال خطبة الجمعة أن يكون منصتا مستمعا لما يقوله الخطيب ولهذا قال النبي ﷺ (من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا ومن قال له أنصت فقد لغا) . ***

стр. 1089

من قطر السائل حسن أحمد يقول فضيلة الشيخ نرجو أن تشرحوا هذا الحديث جزاكم الله خيرا عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: أخبر النبي ﷺ أنه سيكون صنفان من الناس لم يرهما النبي ﷺ : الصنف الأول يتضمن العدوان على الناس بغير حق مستخدما سلطته في العدوان عليهم وهم قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس يعني بغير حق قال أهل العلم وهؤلاء هم الشُّرَط شُرَط الظلمة الذين يضربون الناس بغير حق فهم من أهل النار لأن من أعان ظالما لحقه من إثمه ما يستحق والصنف الثاني نساء كاسيات عاريات يعني عليهن كسوة لكنهن بمنزلة العاريات قال العلماء إما لضيق الكسوة وإما لخفتها حتى يرى من ورائها البشرة وإما لقصرها وأما قوله (مميلات مائلات) فالمعنى أنهن يملن الثياب أو المشطة أو يملن الرجال بفتنتهم ومائلات هن مائلات عن الحق بسبب فعلهن (رؤسهن كأسنمة البخت المائلة) يعني أن الواحدة منهن تتزيا بهذا الزي تجعل شعرها كبة فوق هامتها حتى يميل يمينا أو شمالا كسنام البعير والبخت نوع من أنواع الإبل معروفة بعظم السنام وميله إلى أحد الجانبين والخلاصة أن هؤلاء النساء يفعلن ما فيه الفتنة في أنفسهن ولغيرهن. ***

стр. 1090

يقول السائل أبلغ من العمر الرابعة والعشرين وذكر في الحديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (ذكر منهم الشاب الذي نشأ في عبادة الله) فمتى يبدأ سن الشباب ومتى ينتهي ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: أبشر هذا السائل أنه في سن الشباب فإذا كان قد نشأ من بلوغه في طاعة الله إلى هذه السن واستمر على ذلك إلى الممات فإنه يرجى أن يكون من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله أسال الله أن يجعلني وإياه ومن سمع من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ***

стр. 1091

نوره س ص تقول في حديث عن الرسول الكريم ﷺ فيما معناه (سبعة يظلهم الله في ظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله) هل يختص هذا الظل بالرجال دون النساء علماً بأن كل جملة تبدأ بكلمة رجل ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث الذي أشارت إليه السائلة وهو قول النبي ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه , ورجل تصدق بصدقة فأخفاها لا تعلم شماله ماتنفق يمينه) وهذه الجمل السبع كما ذكرت السائلة مصدرة بكلمة رجل نعم ولكن ليعلم أن ما جاء من النصوص في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ معلقاً بالرجال فإنه يشمل النساء وما جاء معلقاً بالنساء فإنه يشمل الرجال أيضاً لأن ذلك هو الأصل أي أن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام الشرعية إلا ما قام الدليل على الاختصاص فمثلاً قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) هذه الآية كما هو مسموع علق الحكم فيها بالنساء ومن المعلوم أن الحكم يعم الرجال فمن قذف المحصنين ولم يأت بأربعة شهداء فإنه يجلد ثمانين جلدة ولا تقبل له شهادة أبداً ويكون من الفاسقين وكذلك قوله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) الخ يشمل النساء وكذلك قوله تعالى (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) يشمل النساء فالأصل إذا أنما علق بالنساء من أحكام أو أخبار يشمل الرجال وما علق بالرجال يشمل النساء إلا ما دل الدليل على تخصيصه فيعمل بمقتضى الدليل وبناء على هذه القاعدة العامة المتفق عليها يكون الحديث المشار إليه (سبعة يظلهم الله في ظله) يكون شاملاً للنساء بلا شك (شاب نشأ في طاعة الله) يمكن أن يكون للرجال والنساء الرجل قلبه معلق بالمساجد يكون للرجال فقط لأن المرأة صلاتها في بيتها أفضل لها اللهم إلا أن يتوسع في المعنى ويراد بالمساجد أماكن السجود فيعم أماكن الصلاة كلها سواء في البيت أو في المسجد فحينئذ تدخل المرأة في ذلك رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني اخاف الله يمكن أن يوجد ذلك في النساء بأن يدعوها شاب ذو جمال وحسب فتقول إني اخاف الله فتكون المرأة كالرجل في ذلك المهم أن كل جملة من هذا الحديث تصح للنساء وتقوم بها النساء فإن الحكم يشمل النساء بلا شك وهذا كثيراً ما يحصل فيه تساؤل ويسأل بعض النساء عما ذكر الله لأهل الجنة من الحور والأزواج المطهرة يقلن كيف يكون للرجال حور عين وأزواج مطهرة فماذا يكون شأن النساء من أهل الدنيا والجواب على ذلك أن النساء من أهل الدنيا يتزوجن بالرجال من أهل الدنيا والرجال من أهل الدنيا خير من الولدان الذين في الآخرة الذين في الجنة لأن الولدان الذين في الجنة خدم لهؤلاء الرجال فالرجل من أهل الدنيا يكون خيراً من الولدان في الجنة وحينئذ تنال المرأة في الجنة بغيتها ويكفي دليلاً لذلك قوله تعالى في وصف الجنة (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) . ***

стр. 1092

في الحديث الذي (نهى الرسول ﷺ فيه عن القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال) هل السؤال هو طلب الصدقة أم هل هو السؤال عن الشيء الذي لا ينبغي أن يسأله المسلم ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: كثرة السؤال تشمل سؤال العلم وسؤال المال لكن سؤال المال بلا سبب يبيحه محرم قال النبي ﷺ (من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر) وأخبر ﷺ (أن الرجل لا يزال يسأل حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم) وأما سؤال العلم فإن كان لأمر نازل وسأل عنه ليتبين له الحكم هذا أمر لابد منه ويحمد الإنسان عليه وإن كان سؤالا عن المعضلات وإعنات المسؤول ولحوق العلماء ليسألهم حتى يضرب أقوال بعضهم ببعض فهذا مذموم وكذلك أيضا السؤال في عهد النبي ﵊ كثرته منهي عنها أخبر النبي ﷺ (أن أعظم الناس جرما أو قال إثما من سأل عن مسألة لم تحرم فحرمت من أجل مسألته) وأخبر أنه (إنما أهلك من كان قبلنا كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) . ***

стр. 1093

رَغَّبَ الرسول ﷺ في قتل الوزغ و (بأن أن الذي يقتله من أول مرة يكون له مائة حسنة) ما حكم قتل الوزغ وما حكم قتل الضفادع ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: أما قتل الوزغ فإنه سنة وفيه أجر عظيم قد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أنه كان ينفخ النار على إبراهيم حين ألقي فيها) ثم إن فيه مضرة وأذى وأصواتا قبيحة مكروهة وأما الضفادع فلا تقتل إلا إذا آذت فإن آذت فلا بأس بقتلها لأن كل مؤذٍ يقتل كما قال الفقهاء ﵏ يسن قتل كل مؤذٍ. ***

стр. 1094

ن ل الدوسري الأفلاج هل ورد عن الرسول ﷺ هذا الحديث (إن المؤذن إذا قال حي علي الصلاة وحي على الفلاح يلتفت وينظر إلى اليمين والشمال) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: نعم من السنة إن يلتفت المؤذن عن اليمين وعن الشمال في حي علي الصلاة حي علي الفلاح لأن هذا أذان بلال في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن اختلف العلماء هل يقول حي على الصلاة مرة علي اليمين ومرة علي اليسار حي علي الفلاح مرة علي اليمين ومرة على اليسار أو يقول حي على الصلاة المرتين علي اليمين وحي على الفلاح المرتين على اليسار والمعمول به المشهور أنه يقول حي علي الصلاة مرتين علي اليمين حي على الفلاح مرتين على اليسار وهذا فيما كان المؤذن يؤدي الآذان بصوته بدون واسطة أما الآن فإن غالب المؤذنين يؤدي الآذان بواسطة مكبر الصوت والالتفات هنا لا داعي له لأن الالتفات فيما سبق من أجل أن يسمع من علي يمينه وعلى يساره أما الآن فمكبر الصوت موضوع في المنارة عن اليمين وعن الشمال وعن القبلة وعن خلف القبلة فلا حاجة إلى الالتفات ثم إنه إذا التفت سوف ينحرف عن فوهة اللاقطة فيتغير الصوت فإذا بقي متوجها إلى اللاقطة ووجهه إلى القبلة فلا حاجة حينئذٍ إلى الالتفات ولكن هل يجعل أصبعيه في أذنيه في هذه الحال الجواب نعم لأن وضع الإصبعين في الأذنين مما يحسن صوت المؤذن إذ أن الصوت يخرج منه جزء بسيط من قبل الأذنين فإذا وضع أصبعيه في أذنيه كان هذا أندى للصوت وأصفى للصوت ***

стр. 1095

سائلة تقول في هذا السؤال: يدعو الإنسان في صلاته (اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات) ما المقصود بفتنة الممات جزاكم الله خيراً ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: فتنة المحيا هي أن يفتتن الإنسان بالدنيا وينغمس فيها وينسى الآخرة وهذا ما أنكره الله تعالى على العباد (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) ومن فتن الدنيا الشبهات أن يقع في قلب الإنسان شك وجهل فيما أنزل الله على رسوله ﷺ أما فتنة الممات فتشمل شيئين: الأول ما يحدث عند الموت، والثاني ما يحدث في القبر فأما الأول: وهو الذي يحدث عند الموت فإن الشيطان أعاذنا الله منه أحرص ما يكون على إغواء بني آدم عند موته لأنها هي الساعة الحاسمة فيحول بين المرء وقلبه -بمعنى- أنه يوقع الإنسان في تلك اللحظة فيما يخرجه عن دين الإسلام وليست هذه الحيلولة كحيلولة الله التي ذكر الله تعالى في قوله (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) لكنه أي الشيطان يحرص حرصاً كاملاً على إغواء بني آدم في تلك اللحظة وقد ذكروا عن الإمام أحمد ﵀ أنه كان حين احتضاره يغمى عليه فيسمعونه يقول: بعد، بعد فلما أفاق، قيل له: يا أبا عبد الله ما قولك بعد بعد؟ قال: إن الشيطان يتمثل أمامي يقول: فُتّني يا أحمد فُتّني يا أحمد، فأقول له: بعد، بعد-يعني- لم أفتك لأن الإنسان لا ينجو من الشيطان إلا إذا مات، إذا مات انقطع عمله ولا رجاء للشيطان فيه إن كان مؤمناً، فيقول (الإمام أحمد) : إني أقول بعد بعد أي لم أفتك لجواز أن يحصل من الشيطان فتنة عند موت الإنسان ولكنني أبشر إخواني الذين آمنوا بالله حقاً واتبعوا رسوله صدقاً واستقاموا على شريعة الله أبشرهم أن الله بفضله وكرمه لن يخذلهم لن يختم لهم بسوء الخاتمة لأن الله تعالى أكرم من عبده جل وعلا فمن صدق مع الله فليبشر بالخير لكن يكون سوء الخاتمة فيما إذا كان القلب منطوياً على سريرة خبيثة فإنه قد يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار نعوذ بالله من ذلك فهذه من فتنة الموت وإنما سميت فتنة الموت لقربها منه. أما الثاني مما تتناوله فتنة الموت: فهو فتنة الإنسان في قبره فإن الإنسان إذا مات ودفن وتولى عنه أصحابه أتاه ملكان يسألانه عن ربه ودينه ونبيه فأما المؤمن -أسأل الله أن يجعلني ومن استمع منهم - فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة ويوسع له في قبره، وأما الكافر والعياذ بالله أو المرتاب فيقول ها ها لا أدري يطمس عليه حتى وإن كان في الدنيا يعرف ذلك يقول سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. وقلبه والعياذ بالله لم يدخله الإيمان فينادي منادٍ من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ووالله إنها لفتنة عظيمة نسأل الله أن يقينا وإخواننا المسلمين إياها فهذا معنى قول الداعي (أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال) فهذه فتنة الممات المذكورة في هذا الحديث تشتمل على هذين الشيئين. ***

стр. 1096

ف. ح. تقول ما معنى (النساء شقائق الرجال) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: معنى كون النساء شقائق الرجال أن المرأة شقيقة الرجل بمعنى أنها جزء منه لأن المرأة بنت لأبيها فهي بضعة منه كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فاطمة بنت محمد ﵂ (فاطمة بضعة مني) وله معنى آخر شقائق الرجال أي مساويات للرجال فيما فرض الله على الرجال والنساء مما لا تختص به المرأة أو لا يختص به الرجل. ***

стр. 1097

ع ع أتقول نريد فضيلة الشيخ أن يلقي الضوء على الحديث التالي قال رسول الله ﷺ (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء) فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث أن الدنيا عند الله تعالى ليست بشيء ولا تساوي شيئا إذ لو كانت عند الله شيئا له وزنه ما سقى الكافر منها شربة ماء لأن الكافر ليس أهلا لذلك وهذا الحديث قد تكلم فيه أهل العلم في صحته عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن إن صح فمعناه ما قلناه. ***

стр. 1098

ما معني الحديث الذي يقول (تلك عاجل بشرى المؤمن) فأرجو إعطائي أمثلة مأجورين ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: المؤمن يبشر في الدنيا بعمله الصالح من عدة وجوه أولا إذا شرح الله صدره إلى العمل الصالح وصار يطمئن إليه ويفرح به كان هذا دليلا على أن الله تعالى كتبه من السعداء لقول الله ﵎ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) ويدل لهذا (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين أخبر أن كل إنسان قد كتب مقعده من الجنة والنار فقالوا يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على ما كتب قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)) فمن بشرى المؤمن أن يجد المؤمن من نفسه راحة في الأعمال الصالحة ورضا بها وطمأنينة إليها ولهذا كانت الصلاة قرة عين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن البشرى للمؤمن أن يثني الناس عليه خيرا فإن ثناء الناس عليه بالخير شهادة منهم له على أنه من أهل الخير وهذه الأمة هم الشهداء كما قال الله تعالى (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) ولما مرت جنازة أثنوا عليها خيرا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (وجبت يعني وجبت له الجنة وقال للصحابة أنتم شهداء الله في الأرض) فإذا كان الإنسان لا يسمع من الناس إلا الثناء عليه فهذه من نعمة الله عليه وهي بشرى ومنها أي من عاجل بشرى المؤمن أن ترى له المرائي الحسنة في المنام يأتيه هذا ويقول رأيت كذا ورأيت كذا والثاني يقول رأيت كذا ورأيت كذا أو يرى هو بنفسه لنفسه خيرا فإن هذه من عاجل بشرى المؤمن فهذه ثلاثة أمور كلها من عاجل بشرى المؤمن فليبشر الرجل ولتبشر المرأة إذا رأى كل منهما أن العمل ميسر له وأن الله قد شرح صدره للإسلام قال الله تعالى (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) . ***

стр. 1099

أبو بكر حميد من مدينة جدة يقول ما معنى حديث الرسول ﷺ (لا تتقدموا رمضان بيومٍ أو يومين إلا إذا كان الرجل يصوم يوم صدقة فليصم ذلك اليوم) فأجاب رحمه الله تعالى: هذا اللفظ الذي ذكره السائل ليس هو لفظ الحديث لكنه بمعناه فقد (نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتقدم الإنسان رمضان بصوم يومٍ أو يومين إلا من كان له صومٌ يعتاده فليصمه) وذلك أن تقدم صوم رمضان بيومٍ أو يومين فيه نوعٌ من التنطع والتشدد أن يقوم أحدٌ بتقدم رمضان بصوم يومٍ أو يومين احتياطاً منه على ما يزعم فيكون في هذا تنطعٌ في دين الله وقد قال النبي ﵊ (هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون) ولهذا رخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمن كان له صومٌ اعتاده أن يصومه ولو صادف قبل رمضان بيومٍ أو يومين فمثلاً إذا كان من عادة الإنسان أن يصوم يوم الاثنين وكان يوم الاثنين هو التاسع والعشرين من شعبان فإنه يصومه ولا إثم عليه لأنه لم يصم هذا اليوم احتياطاً لرمضان وإنما صامه لأن هذا من عادته وكذلك إذا كان من عادته أن يصوم ثلاثة أيامٍ من كل شهر ولكنه لم يصمها في شعبان ولم يتيسر له صومها إلا في آخر شعبان فصامها في اليوم السابع والعشرين والثامن والعشرين والتاسع والعشرين فإنه لا شيء عليه لأن ذلك صومٌ كان يصومه وكذلك لو كان عليه قضاءٌ من رمضان وقد بقي عليه يومٌ أو يومان فصامهما في الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من شعبان فإنه لا يضره والمهم أن الحكمة من النهي لئلا يتنطع المتنطع فيقول أصوم قبل رمضان بيومٍ أو يومين احتياطاً ***

стр. 1100

كيف الجمع بين حديث (لا تزال طائفة من أمتي ... ) الخ وحديث (إن شرار الخلق الذين تقوم الساعة عليهم) مأجورين فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أقول إنه لا يمكن أن يتعارض القرآن بعضه مع بعض ولا السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعضها مع بعض ولا القرآن مع السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ولا القرآن والسنة مع الواقع ولا القرآن والسنة مع صريح المعقول وذلك لأن القرآن كلام الله وقد قال الله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا) ولأن كلام الله حق والحق لا يتناقض وكذلك السنة النبوية التي صحت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق والحق لا يناقض بعضه بعضا وبناءً على هذه القاعدة ننتقل إلى الجواب عن السؤال وهو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله) وفي رواية (حتى تقوم الساعة) وقوله (إن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق) فيحمل الحديث الأول على أن المراد بالساعة قرب الساعة والمراد بأمر الله أمر الله الذي يكون به موت المؤمنين وأولياء الله المتقين فإذا مات المؤمنون المتقون لم يبقَ إلا أشرار الخلق وعليهم تقوم الساعة. ***

стр. 1101

ما معنى هذا الحديث الذي ما معناه (إسباغ الوضوء على المكاره وانتظار الصلاة بعد الصلاة) هل معنى ذلك الجلوس في المسجد حتى يحين موعد الصلاة التي بعدها ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: إسباغ الوضوء على المكاره معناه أن الإنسان يتمم وضوءه على الوجه الأكمل في الأيام الباردة وكذلك ينتظر الصلاة بعد الصلاة سواء في المسجد أو بعد المسجد وإنما المعنى أن يكون قلبه معلقاً بالصلاة إذا أدى صلاةً ينتظر الصلاة الأخرى فيكون دائماً معلقاً قلبه في الصلاة وليس معنى الجملة الأولى إسباغ الوضوء على المكاره أن الإنسان يتقصد الماء البارد مع وجود الماء الساخن فإن هذا ليس من السنة بل إذا يسر الله لك ما فيه راحةٌ لك فهو أفضل وأكمل وأقرب إلى كمال الطهارة لكن إذا قدر أنك في بر أو في بلدٍ ليس فيها سخانات ولا يمكن تسخين الماء ثم توضأت على الكره لشدة البرد فإن هذا هو الذي يراد بهذا الحديث الذي ذكره أو ذكرته السائلة. ***

стр. 1102

من اليمن خ. ع. د. شبوة يقول فضيلة الشيخ ما هو تفسير حديث الرسول ﷺ (من سن سنةً في الإسلام حسنة فله أجرها ... الحديث) يقول أرجو بذلك إفادة مأجورين ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: (من سن في الإسلام سنةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) هذا لفظ الحديث وسببه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حث يوماً على الصدقة فجاء رجلٌ من الأنصار بصرة قد أثقلت يده فوضعها بين يدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال (من سن في الإسلام سنةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) وهذه السنة سنة العمل والتنفيذ وليست سنة التشريع فإن سنة التشريع إلى الله ورسوله فقط ولا يحل لأحدٍ أن يشرع في دين الله ما ليس منه أو يسن في دين الله ما ليس منه لأن ذلك بدعة وقد حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من البدع وقال (كل بدعةٍ ضلالة) لكن من سبق إلى عمل لم يسبقه إليه أحد أو أحيا سنةً أميتت كان قد سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة وكذلك أيضاً من سن سنةً تكون وسيلة إلى أمرٍ مشروع ولم يكن سبقه إليها أحد فإنه يكون داخلاً في الحديث أنه سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة كما لو ابتكر طريقةً يسهل بها الحصول على الآيات أو يسهل بها الحصول على الأحاديث أو ما أشبه ذلك فإنه في هذه الحال يكون قد سن سنةً حسنة فيكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. فإذا السنة في الإسلام تنقسم ثلاثة أقسام سنة تشريع وسنة عمل أو سنة سبق إلى عمل وسنة وسيلة فأما سنة التشريع فإنه لا يحل لأحدٍ أن يشرع ما لم يشرعه الله ورسوله وسنته هذه تعتبر بدعة وضلالة مردودةٌ عليه لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (عليكم بسنتي وإياكم ومحدثات الأمور) (ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) جاءت هذه الكلمات في أحاديث متعددة أما سنة السبق فمثله الحديث الذي ذكرناه آنفاً أن يحث أحد على عمل خير فيتقدم إنسان فيكون أول من بادر به فيتابعه الناس في ذلك فيكون قد سن سنة حسنة وأما سنة الوسيلة فكالذي ذكرناه أيضاً يبتكر الإنسان شيئاً يكون به الوصول إلى أمرٍ مشروع ولم يكن قد سبقه إلى هذا أحد فيكون قد سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ***

стр. 1103

عبد الكريم يوسف سوداني يعمل باليمن يقول فضيلة الشيخ صعد رسول ﷺ المنبر ذات يوم فقال (آمين) ثلاث مرات فسأله الصحابة ﵃ عن سبب تأمينه فما هو الحديث وما معناه ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الحديث (أن النبي ﷺ صعد المنبر فقال آمين آمين آمين فسئل النبي ﷺ عن تأمينه فقال أتاني جبريل فقال رغم أنف أمرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك قل آمين فقلت آمين ثم قال رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له فقل آمين فقلت آمين ثم قال رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة فقلت آمين فقلت آمين) والمعنى ظاهر فالجملة الأولى في رجل ذكر عنده النبي ﷺ فلم يصل عليه وهذا الحديث يدل على وجوب الصلاة على النبي ﷺ إذا ذكر عند الإنسان فإن لم يفعل فإنه يستحق أن يدعى عليه بهذا الدعاء رغم أنفه ومعنى رغم أنفه أي سقط في الرغام والتراب وهذا كناية عن ذله وإهانته. الثاني أدرك رمضان فلم يغفر له وذلك بأن يهمل صيام رمضان وقيام رمضان فإن من صام رمضان إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفرله ما تقدم من ذنبه فإذا أهمل وأضاع فإنه لن يحصل على هذا الثواب العظيم ويكون قد رغم أنفه. والثالث رجل أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة أو لم يقم ببرهما الذي يكون سببا لدخول الجنة فهذا أيضاً ممن دعا عليه جبريل وأمن عليه الرسول ﷺ أن يرغم أنفه أي يصاب بالذل. ***

стр. 1104

س. ص. مقيم بالطائف يقول ما معنى قول النبي ﷺ (وإذا خاصم فجر) . فأجاب رحمه الله تعالى: معنى قول النبي ﵊ (إذا خاصم فجر) يعني إذا خاصم غيره وحاكمه إلى القاضي في خصومة مالية أو حقوقية فإنه يفجر أي يكذب ويدعي ما ليس له أو ينكر ما كان عليه فالفجور هنا بمعنى الكذب والغدر وما أشبه ذلك. ***

стр. 1105

نوره أ. ت. من الرياض تقول في الحديث الذي ما معناه (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) أريد الشرح لهذا الحديث وهل الكبر معناه التكبر على الناس فقط ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب معنى الحديث أن رسول الله ﷺ يخبر (أنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر) وهذا النفي لدخول الجنة على نوعين فإن كان هذا الكبر مقتضياً لكفره وخروجه عن الإسلام كما لو تكبر عن شريعة الله وردها أو رد بعضها فإن هذا النفي نفي للدخول بالكلية لأن الكافر لا يدخل الجنة أبداً ومأواه النار خالداً فيها مخلداً أما إذا كان الكبر تكبراً على الخلق وعدم الخضوع على ما يجب عليه نحوهم بدون رد لشريعة الله ولكن طغياناً وإثماً فإن نفي الدخول هنا نفي للدخول الكامل أي أنه لا يدخل الجنة دخول كاملاً حتى يعاقب على ما أضاع من حقوق الناس ويحاسب عليه لأن حقوق الناس لا بد أن تستوفى كاملة وبهذا يتبين الجواب عن الفقرة التالية في سؤالها وهو أن الكبر ليس هو احتقار الناس فقط بل الكبر كما فسره النبي ﵊ (بطر الحق) أي رده وعدم الاكتراث به (وغمط الناس) أي احتقارهم وازدراؤهم. ***

стр. 1106

قال الرسول ﷺ (هن لهن ولمن مر عليهنّ من غير أهلهنّ) ما معنى هذا بارك الله فيكم ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذا أن النبي ﷺ (وقت المواقيت وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل اليمن يلملم ولأهل نجد قرن المنازل وقال هنّ لهنّ أي هذه المواقيت لأهل هذه البلاد ولمن مر عليهنّ أي على هذه المواقيت من غير أهلهنّ) فأهل المدينة يحرمون من ذي الحليفة إذا أرادوا الحج أو العمرة وإذا مر أحدهم من أهل نجد عن طريق المدينة أحرم من ذي الحليفة لأنه مر بالميقات وكذلك إذا مر أحد من أهل الشام عن طريق المدينة فإنه يحرم من ذي الحليفة لأنه مر بها وكذلك لو أن أحداً من أهل المدينة جاء من قبل نجد ومر بقرن المنازل فإنه يحرم منه هذا معنى قوله (ولمن مر عليهنّ من غير أهلهنّ) ومن تأمل هذه المواقيت تبين له فيها فائدتان الفائدة الأولى رحمة الله بعباده حيث جعل لكل ناحية ميقاتاً عن طريقهم حتى لا يصعب عليهم أن يجتمع الناس من كل ناحية في ميقات واحد. والفائدة الثانية أن تعيين هذه المواقيت من قبل أن تفتح هذه البلاد فيه آية للنبي ﷺ حيث إن ذلك يستلزم أن هذه البلاد ستفتح وأنها سيقدم منها قوم يؤمون هذا البيت للحج والعمرة ولهذا قال ابن عبد القوي في منظومته الدالية المشهورة: وتوقيتها من معجزات نبينا بتعيينها من قبل فتح معدد فصلوات الله وسلامه عليه. ***

стр. 1107

ما حكم من وقف من الحجاج في اليوم الثامن أو العاشر خطأ هل يجزئهم وما معنى (الحج عرفة) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لو وقف الحجاج في اليوم الثامن أو في اليوم العاشر خطأ فإن ذلك يجزئهم لأن الله تعالى قال (لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا) وقد قال الله تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) وأما معنى قول النبي ﷺ (الحج عرفة) فمعناه أنه لا بد في الحج من الوقوف بعرفة فمن لم يقف بعرفة فقد فاته الحج وليس معناه أن من وقف بعرفة لم يبق عليه شيء من أعمال الحج بالإجماع فإن الإنسان إذا وقف بعرفة بقي عليه من أعمال الحج المبيت بمزدلفة وطواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والمبيت في منى ولكن المعنى أن الوقوف بعرفة لا بد منه في الحج وأن من لم يقف بعرفة فلا حج له ولهذا قال أهل العلم من فاته الوقوف فاته الحج. ***

стр. 1108

في حديث الرسول ﷺ الذي يبين فيه علامات يوم القيامة (وأن تلد الأمة ربتها) من هي الأمة وكيف تلد ربتها ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا من أمارات الساعة وهو وارد في حديث جبريل حين أتى النبي ﷺ فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وعن الساعة فقال له حين سأله عن الساعة قال له النبي ﷺ (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن أماراتها قال أن تلد الأمة ربتها) والمراد بالأمة المملوكة والمراد بربتها مالكتها والمعنى أن الإماء قد يكن قد ولدن إناثاً وتكون هذه الأنثى بعد ذلك ربة أي مالكة فيكون الضمير في قوله ربتها عائداًَ إلى الأمة باعتبار الجنس وليس باعتبار الشخص يعني أن تلد جنس الإماء من يكون في المستقبل مالكاً للإماء وليس المعنى أن هذه الأمة التي ولدت هذه الأنثى تكون هي بعينها مملوكة لها بل المراد ما ذكرت فالضمير عائد إلى الأمة باعتبار الجنس لا باعتبار الشخص وهذا يقع كثيراً. ***

стр. 1109

ما معنى (من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كيوم ولدته أمه) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: معناه أن الإنسان إذا حج واجتنب ما حرم الله عليه من الرفث وإتيان النساء والفسوق وهو مخالفة الطاعة بأن يترك ما أوجب الله عليه أو يفعل ما حرم الله عليه هذا هو الفسوق فإذا حج الإنسان ولم يرفث ولم يفسق فإنه يخرج من ذلك نقياً من الذنوب كما أن الإنسان إذا خرج من بطنه أمه فإنه لا ذنب عليه فكذلك هذا الرجل إذا حج بهذا الشرط فإنه يكون نقياً من ذنوبه. ***

стр. 1110

عن عائشة ﵂ قالت قال النبي صلى وسلم (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فأنفروا) متفق عليه أريد شرحاً إجمالياً لهذا الحديث ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث قاله النبي ﵊ بعد أن فتح مكة وكانت مكة قبل الفتح بلد شرك يهاجر منها المسلمون إلى المدينة إلى الله ورسوله فلما فتحت مكة لم تكن الهجرة منها مشروعة لأنها صارت بلاد إسلام فسقطت الهجرة من مكة إلى غيرها وأما الهجرة من بلاد الشرك فإنها باقية إلى يوم القيامة فالنفي هنا عائد على الهجرة من مكة فقط وقوله ﵊ (ولكن جهاد ونية) معناه أن الذي بقي بعد فتح مكة على أهل مكة الجهاد إن أمكنهم ذلك أو نية الجهاد إن لم يمكنهم الجهاد أو يقال (ولكن جهاد ونية) أي جهاد في سبيل الله ونية خالصة بحيث يقصد الإنسان بجهاده أن تكون كلمة الله هي العليا وأما قوله (إذا استنفرتم فانفروا) فالمعنى أنه إذا استنفركم ولي الأمر للجهاد في سبيل الله وجب عليكم أن تنفروا لقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . ***

стр. 1111

ف هـ أجمهورية اليمن الديمقراطية يقول قرأت حديثاً عن الرسول الكريم ﷺ وأريد شرحه عن أبي هريرة ﵁ قال. قال رسول الله ﷺ (استوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: في هذا الحديث يأمر النبي ﵊ أن نستوصي بالنساء خيراً وذلك بالرفق بهنّ ومراعاة أحوالهنّ ويبين ﷺ أنهنّ خلقنّ من ضِلَعَ وذلك بخلق حواء فإنها خلقت من ضلع آدم وحواء هي أم النساء وأم الرجال أيضاً فهي أم بني آدم فالمرأة خلقت من هذا الضلع ويبين الرسول ﵊ أن أعوج شيء في الضلع أعلاه وأنك إذا ذهبت تقيمه يعني تعدله حتى يستقيم كسرته وإن استمتعت به استمتعت به على عوج والمرأة كذلك إن استمتعت بها استمتعت بها على عوج وعلى نقص وتقصير وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها وعلى هذا فالذي ينبغي للإنسان أن يراعي حال المرأة وأن يعاملها بما تقتضيه طبيعتها فإن الرجل أعقل من المرأة وأرشد تصرفاً فإن عاملها بالشدة لم يعش معها وإن عاملها باللين والحكمة عاش معها وإن كان ذلك لا يتم به الاستمتاع لهذا الرجل. ***

стр. 1112

ما معنى قول الرسول ﷺ (لا ضرر ولا ضرار) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: معنى (لا ضرر ولا ضرار) أنه لا يجوز إبقاء الضرر وأن الضرر منتفٍ شرعاً فكل شيء فيه ضرر فإنه يجب إزالته لأن الضرر مدفوع شرعاً وعقلاً ولا يمكن للعاقل أن يقره ولا للشريعة الإسلامية أن تقره وأما الضرار فهو من المضارة أي ولا يحل لأحد أن يضار أخاه حتى وإن كان فيما لا ضرر فيه ما دام يقصد أن يضر أخاه فمن ضار ضار الله به فهذا الحديث يدل على أن الضرر منتفٍ شرعاً سواءٌ حصل بقصد أو بغير قصد فإن حصل بقصد فهو مضارة وإن حصل بغير قصد فهو ضرر فالإنسان أحياناً يفعل الشيء لا يريد الضرر ولكنه يحصل به الضرر فإنه في هذه الحال يجب إزالته وأحياناً يفعل ما فيه الضرر قاصداً ذلك وحينئذٍ يكون مضاراً ولهذا أمثلة كثيرة لو أن رجلاً فتح نافذةً في جداره بقصد إضاءة المحل وإدخال الهواء عليه ثم تبين أن هذه النافذة تضر الجار بالإطلاع عليه وعلى ما في بيته فإنه يجب رفع هذا الضرر بأن تزال النافذة أو ترفع حتى لا ينكشف الجار بها وهذا ضرر وليس بمضارة لأن الذي فتح النافذة لا يقصد ضرر جاره ولكن حصل الضرر بغير قصد ومع ذلك يجب إزالة هذا الضرر وأما المضارة فرجل صار يستعمل أشياء مزعجة في بيته بقصد الإضرار على الجيران ليس له في ذلك منفعة ولكنه يريد الإضرار على الجيران فيجب على هذا الإنسان أن يدع ما فيه الضرر على جيرانه ويكون آثماً بقصد الإضرار. ***

стр. 1113

ما معنى حديث (لا وتران في ليلة) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: معناه أنه لا يشرع للإنسان أن يوتر مرتين في الليلة الواحدة لأن الوتر إنما يقصد به ختم الصلاة بالوتر وإذا ختمت بوتر فلا وجه للإيتار مرة ثانية ***

стр. 1114

لماذا خص الله الصيام بقوله (الصوم لي وأنا أجزي به) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث حديث قدسي رواه النبي ﷺ عن ربه قال الله فيه (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) وخصه الله تعالى بنفسه لأن الصوم سر بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه إلا الله فإن العبادات نوعان نوع يكون ظاهراً لكونه قولياً أو فعلياً ونوع يكون خفياً لكونه تركاً فإن الترك لا يطلع عليه أحد إلا الله فهذا الصائم يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل الله في مكان لا يطلع عليه إلا ربه فاختص الله تعالى الصيام لنفسه لظهور الإخلاص التام فيه بما أشرنا إليه وقد اختلف العلماء في معنى هذه الإضافة فقال بعضهم إن معناها تشريف الصوم وبيان فضله وأنه ليس فيه مقاصة أي أن الإنسان إذا كان قد ظلم أحداً فإن هذا المظلوم يأخذ من حسناته يوم القيامة إلا الصوم فإن الله تعالى قد اختص به لنفسه فيتحمل الله عنه أي عن الظالم ما بقي من مظلمته ويبقى ثواب الصوم خالصاً له. ***

стр. 1115

سمعت حديثاً عن رسول الله ﷺ في ما معناه أنه ﷺ دخل على عائشة ﵂ ووجدها قد وضعت ستراً على الجدار وهو ما يسمى بالستائر في عصرنا الحالي فقال لها (نحن قوم لم نؤمر بتغطية الحوائط أو الجدران) هل يفهم من هذا الحديث الشريف أنه يجب أن تكون مثل هذه الستائر على قدر فتحة النافذة أم يجوز أن تكون بعرض الحائط الذي توجد به النافذة أي أن تكون على جانبي النافذة أفيدونا بارك الله فيكم ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الحديث الذي أشار إليه السائل في صحيح مسلم أن النبي ﷺ رأى هذا الستر على الباب فظهر ذلك في وجهه ثم قال ﷺ (إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين ثم هتكه) أي قطعه ففي هذا الحديث دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن تصل به الحال إلى أن يكسو جدران بيته بهذه الأكسية التي كرهها النبي ﷺ وبان ذلك في وجهه وأخبر بأن الله لم يأمرنا بذلك وأما الستائر التي توضع الآن فإن كانت لغرض صحيح سوى الستر كما لو أراد الإنسان بها أن يستر وجه النافذة عن الشمس أو نحو ذلك فإن هذا لا بأس به لأنه ليس كسوة للحجارة والطين ولكنه للتوقي من أذى يترقبه أو لمصلحة يرجوها بهذه الكسوة فأما مجرد الزينة أي مجرد تزيين الجدار بهذه الكسوة فإن هذا داخل في الحديث ولا ينبغي أن نفعله. ***

стр. 1116

صلاح سليمان يسأل ما معنى الحديث الذي روي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم.. الخ الحديث) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث أن رسول الله ﷺ يحذر من الظلم وهو العدوان على أحد سواء كان ذلك على حق الله أو على حق عباده فالعدوان على حق الله كالشرك قال الله تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) وكذلك ما عداه من المعاصي الكبائر فما دونها هو ظلم بحسبه وأما العدوان على حق الخلق فكثير كالعدوان على المسلم في عرضه أو ماله أو دمه فالظلم ظلمات يوم القيامة فيوم القيامة ليس فيه نور إلا للمؤمنين يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم وكذلك حذر النبي ﷺ من الشح والشح هو البخل مع الطمع فيكون الإنسان بخيلاً في بذل ما يجب عليه طامعاً فيما ليس له وهذا سبب للهلاك إذ أن الإنسان إذا كان بخيلاً منع ما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده وإذا كان ذا طمع وحرص على اكتساب المال تعدى على غيره فأخذ أموالهم بغير حق. ***

стр. 1117

صابر عبيد من السودان يقول ما معنى قول الرسول ﷺ (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحِ فاصنع ما شيءت) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث أن هذا الكلام إذا لم تستحِ فاصنع ما شيءت كان من الآثار السابقة الموروثة عن الأنبياء السابقين ومعنى قوله (إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت) وجهان أي أن له معنيين أحدهما أنك لا تصنع شيئاً إلا إذا كان هذا الشيء لا يوقعك فيما يُستحيا منه سواءٌ كان من قبل الشرع أو من قبل العادة يعني أنك إذا أردت أن تفعل فعلاً فانظر هل هذا الفعل مما يُستحيا منه شرعاً أو عادة فلا تفعله أو مما لا يُستحيا منه شرعاً أو عادة فافعله هذا معنى المعنى الثاني أن الرجل الذي لا حياء عنده يصنع ما شاء ولا يبالي فتجد الإنسان الذي ليس عنده حياء يصنع ما يلومه الناس عليه ولا يبالي بلوم الناس لأنه لا حياء عنده وكلا المعنيين صحيح فالإنسان الذي لا حياء عنده تجده يفعل كل شيء ولا يهتم بلوم الناس ولا بانتقادهم لأنه لا حياء عنده أو المعنى الثاني الذي يحتمله الحديث أن الإنسان الحييّ هو الذي لا يصنع شيئاً إلا إذا علم أنه لا يُستحيا منه. ***

стр. 1118

من العراق بغداد محمود أحمد يقول (نهى رسول الله ﷺ عن لبس الرجل للثوب المزعفر) فما هو الثوب المزعفر ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الثوب المزعفر هو الثوب الذي صبغ بالزعفران والزعفران هو نباتٌ طيب بل هو من الطيب معروف ولونه أحمر ولهذا ينهى الرجل عن لبس الثوب الأحمر الخالص الذي ليس فيه لونٌ آخر إما نهي كراهة وإما نهي تحريم وأما إذا كان مع اللون الأحمر لونٌ آخر كما لو كان مخططاً فيه خطوطٌ حمر وخطوطٌ بيض مثلاً أو خطوطٌ حمر وخطوطٌ سود فإن هذا لا بأس به. ***

стр. 1119

عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله ﵄ قال كنا مع النبي ﷺ فقال (إن بالمدينة رجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم المرض) أريد شرحاً لهذا الحديث . فأجاب رحمه الله تعالى: شرح هذا الحديث هو أن الرسول ﵊ بين لأصحابه فيه أن في المدينة أقواماً يشاركون هؤلاء المجاهدين في سبيل الله في الأجر في أصل النية فهم في المدينة لكن لا يسير هؤلاء المجاهدون مسيراً ولا يقطعون وادياً والوادي مجرى السيول إلا وهم معكم أي بنيتهم وذلك لأنهم تأخروا عن الجهاد لعذر وكل من تأخر عن العبادة بعذر فلا يخلو من حالين إحداهما أن يكون من عادته أن يعملها ثم يطرأ عليه ما يحول بينه وبينها فهذا له أجرُ فعلها كاملة لقول النبي ﷺ (من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً) والحال الثانية ألا يكون من عادته أن يعملها ولكن يتمناها ويود أن يكون قادراً عليها فهذا يكتب له أجر النية فقط لا أجر العمل كاملاً ودليل ذلك (أن فقراء المهاجرين أتوا إلى النبي ﷺ يقولون ذهب أهل الدثور بالنعيم المقيم والدرجات العلا وبين أنهم كانوا ينفقون ويحجون وأن الفقراء لا يحصل لهم ذلك فأخبرهم النبي ﵊ أنهم إذا سبحوا الله وحمدوا وكبروا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين فإنهم يأتون بعمل يدركون بهم من سبقهم ولا يلحقهم من بعدهم فلما سمع الأغنياء بذلك عملوا هذا العمل فرجعَ الفقراء إلى النبي ﵊ وقالوا سمع إخواننا بما صنعنا فصنعوا مثله فقال النبي ﷺ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) فهؤلاء الفقراء كانوا يتمنون أن يكون لديهم مال يعتقون به ويحجون به ومع هذا لم يحصل على أجر الأغنياء الذين كانوا يفعلون ذلك ولكن لهم أجر النية حيث كانوا حريصين على العمل عاجزين عنه. ***

стр. 1120

ما معنى قول الرسول ﷺ (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة زاد في رواية لا يقطعها....الحديث) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث يشير فيه رسول الله ﷺ إلى أمثلة من النعيم في جنة النعيم ذلك أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها وهذا دليل على طول هذه الشجرة وأن في الجنة أشجاراً عظيمة لا يدركها العقل وهذا من مضمون قوله تعالى (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقوله تعالى في الحديث القدسي (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) وكل ما يذكر في الجنة من الفاكهة واللحم والماء والعسل واللبن والخمر والأزواج وغير ذلك كله لا يشابه أو لا يماثل ما في هذه الدنيا وإنما يوافقه في الأسماء فقط كما قال ابن عباس ﵄ ليس في الجنة شيء في الدنيا إلا الأسماء وأما المسميات وحقائق هذه المسميات فإنه أمر لا يمكن أن يدرك في الدنيا وكل ما خطر على قلبك من نعيم فإن نعيم الجنة أعظم وأجل وأكمل ويكفي في ذلك قوله تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) . ***

стр. 1121

ما معنى الحديث الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث أن الدنيا مهما عظم نعيمها وطابت أيامها وزهت مساكنها فإنها للمؤمن بمنزلة السجن لأن المؤمن يتطلع إلى نعيم أفضل وأكمل وأعلى وأما بالنسبة للكافر فإنها جنته لأنه ينعم فيها وينسى الآخرة ويكون كما قال الله تعالى فيهم (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) والكافر إذا مات لم يجد أمامه إلا النار والعياذ بالله فكانت له النار ولهذا كانت الدنيا على ما فيها من التنغيص والكدر والهموم والغموم كانت بالنسبة للكافر جنة لأنه ينتقل منها إلى عذاب إلى عذاب النار والعياذ بالله فالدنيا بالنسبة له بمنزلة الجنة ويذكر عن ابن حجر العسقلاني ﵀ صاحب فتح الباري وكان هو قاضي قضاة مصر في وقته كان يمر بالسوق على العربة في موكب فاستوقفه ذات يوم رجل من اليهود وقال له إن نبيكم يقول (إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) وكيف ذلك وأنت في هذا الترف والاحتفاء وهو يعني نفسه اليهودي في غاية ما يكون من الفقر والذل فكيف ذلك فقال له ابن حجر ﵀ أنا وإن كنت كما ترى من الاحتفاء والخدم فهو بالنسبة لي بما يحصل للمؤمن من نعيم الجنة كالسجن وأنت بما أنت فيه من هذا الفقر والذل بالنسبة لما يلقاه الكافر في النار بمنزلة الجنة فأعجب اليهودي هذا الكلام وشهد شهادة الحق قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. ***

стр. 1122

وردتنا من بريد المزاحمية من المقدم عبد الله بن إبراهيم بن زياد يقول في رسالته الرجاء من فضيلة الشيخ أن يجيبني على هذا السؤال: قال رسول ﷺ (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا) الرجاء من فضيلة الشيخ بيان معنى قوله ﷺ (لتأطرنه على الحق أطرا) وتكملة الحديث ومدى صحته إن أمكن ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتأكده لأن النبي ﷺ قال: (لتأمرن) وهذه الجملة جواب لقسم مقدر تقديره والله لتأمرن وهو خبر بمعنى الأمر والإلزام، وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وفي سندهما مقال لأنه اعُل بالإرسال والانقطاع وتكملة الحديث هي (أن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يمر بالرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) ثم قال رسول الله ﷺ (كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا) ومعنى (لتأطرنه على الحق أطرا) أي تقهرنّه أي تقهرونه وتلزمونه بالحق حتى يستقيم وذلك لأنه إذا لم يستقم فإنه يكون الهلاك له ولمن سكت على منكره.

стр. 1123

فضيلة الشيخ: في الحقيقة قلتم في إثناء الإجابة أن هذا الحديث فيه علة الإرسال والانقطاع وهذه من خصوصيات المحدثين لكن المرسل يريد أن يقف على علة الإرسال والانقطاع ما معناهما ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: علة الإرسال معناها أن يكون الحديث من مرفوعات التابعين الذين لم يسمعوا من النبي ﵊ يعني أن سند الحديث إذا كان آخره التابعي ولم يذكر صحابيهُ يسمون هذا مرسلاً، وهو من قسم الضعيف لأن التابعي ما أدرك النبي ﵊ فيكون الحديث منقطعاً، وأما من أعله بالانقطاع فقد روي مرفوعاً عن ابن مسعود ﵁ من حديث أبي عبيدة ابنه وقد قيل:إنه لم يسمع منه، وقال بعض المحدثين: إنه سمع منه فهذه علة الانقطاع وعلى كل حال الإرسال والانقطاع كلاهما من أسباب ضعف الحديث. ***

стр. 1124

ما معنى قول الرسول ﷺ (أرى رؤياكم قد تواطأت) وقول الرسول ﷺ (خير الرؤيا الرؤيا الصالحة) ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: لا أدري ماذا يريد السائل بسؤاله هذا هل يريد أن الرؤيا تثبت بها الأحكام الشرعية أم لا والجواب على ذلك أن الرؤيا الصالحة التي تصدق وتقع هذه تكون جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة كما أخبر بذلك النبي ﷺ وأما إثبات الأحكام الشرعية بالرؤيا فإن أقرها الشرع ولا يكون ذلك إلا في حياة النبي ﵊ ثبت الشرع بها لكن بإقرار الشارع لها ذلك كإقرار النبي ﷺ الآذان الذي رآه عبد الله بن زيد وكذلك هذا الحديث الذي أشار إليه السائل حيث قال ﵊ (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) قال العلماء وتثبت الأحكام الفقهية إذا دلت القرائن عليها ولكنه لا يتغير بها شيءياً من أحكام الشرع وإنما تنفذ حسب ما تقتضيه الشريعة وضربوا لذلك مثلاً برؤيا ثابت بن قيس بن شماس ﵁ حين رئي في المنام بعد استشهاده في اليمامة وذكر ﵁ ما جرى بعد استشهاده وأوصى بوصية فلما بلغ ذلك أبا بكر ﵁ نفذ وصيته لأنه ذكر أشياء قد ثبتت بالفعل حسب ما ذكرها فكان ذلك قرينة على صدق هذه الرؤيا فنفذ وصيته ﵁ بعد وفاته والمهم أن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمرائي أبداًَ إلا إذا أقرها الشرع وذلك لا يكون إلا في عهد النبي ﷺ فقط أما بعده فإن الرؤيا مهما كانت لا يمكن أن يتغير بها حكم شرعي أبداً. ***

стр. 1125

قال رسول الله ﷺ (يأتي على الناس زمان القابض فيهم على دينه كالقابض على الجمر) يقول هل أتى هذا الزمان وهل هو زماننا هذا ؟ فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الأمر يختلف باختلاف الناس والأماكن ففي بعض الأماكن يكون الإنسان مضطهداً في دينه مضيقاً عليه حتى يكون كالقابض على الجمر وفي هذه الحال يجب عليه أن يهاجر إلى بلد آخر يأتي فيه بدينه على حرية وطمأنينة لأن أهل العلم يقولون إذا لم يتمكن الإنسان من إظهار دينه في بلاد الكفر فإنه يجب عليه أن يهاجر ليقيم دينه وفي بعض البلاد في عهدنا هذا يجد الإنسان حرية كاملة في القيام بشعائر دينه وإظهارها وإعلانها وحينئذ لا يمكن أن نقول إن هذا العهد الذي أشار إليه النبي ﷺ موجود الآن لأننا نجد ولله الحمد في بعض البلاد الإسلامية ما يتمكن الإنسان معه من إقامة دينه على الوجه الذي يرضي الله ورسوله ***
следующие страницы →