Полный текст (7 489 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
هذه الرسالة بعث بها المستمع يقول من العراق محافظة الأنبار نايف عبيد سابر يقول في رسالته أهدي أجمل تحياتي واحترامي إلى برنامجكم الموقر والذي أفادنا وأفاد المسلمين كافة من إفتاء المعلومات الدينية والاجتماعية وعلى هذا الأساس أرسلت رسالتي هذه وفيها بعض الأسئلة أرجو عرضها على أصحاب الفضيلة والعلماء لديكم وأرجو الإجابة منهم مع الشكر أنا شخصٌ أنعم الله عليه بالهداية وسلكت الطريق الصحيح للإسلام وطبقت جميع الشروط من صلاةٍ وصوم ... الخ والتزمت أكثر من اللازم حيث التجأت إلى أحد الشيوخ الصوفية وأصبحت تلميذاً من تلاميذه حيث أمرني بالحضور لحلقة الذكر يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع وأن أصلى وأسلم على الرسول ﷺ ألف مرة يومياً وتسابيح أخرى فأرجو إرشادي على أن طريقة الصوفية هل صحيحة في الشريعة الإسلامية وتعاليمها أم غير صحيحة أفيدونا أفادكم الله ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نقول اعلم أن الطرق صوفيةً كانت أم غير صوفية يجب أن تعرض على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فما كان موافقاً لهما فهو حق وما كان مخالفاً فهو باطل والغالب في الطرق الصوفية أنها طرقٌ مبتدعة وربما يصل بعضها إلى الكفر وبعضها دون ذلك ومن هذا الابتداع ما ذكرت عن شيخك أنه كان يأمرك بأن تصلى على النبي ﷺ كل يومٍ ألف صلاة وبتسابيح أخرى فهذه التسابيح الأخرى التي ذكرت لا ندري ما هي حتى نحكم بأنها حقٌ أم باطل وأما الأمر بأن يصلى على النبي ﷺ كل يومٍ ألف صلاة فهذا بلا شكٍ بدعة لا أصل له في سنة النبي ﷺ والذي أنصحك به أن تتطلب عالماً من علماء السنة المعروفين باتباع السلف الصالح وتأخذ دينك منه وتدع الطرق التي تشير إليها من صوفيةٍ أو غيرها.
***
стр. 597
المستمع أبو حذيفة من مكة المكرمة بعث بهذا السؤال يقول فيه نرى كثيراً من علماء السوء والضلال الذين لا همَّ لهم سوى أكل أموال الناس بالباطل وهم الذين أوقعوا الناس في شرك يلبسون العمائم الخضر ويتسمون بسمات أهل الصلاح ولكنهم لا يصلون وإذا سئلوا لماذا لا تصلون يقولون نحن نصلى في المسجد الحرام بمكة ويأتي من المريدين من أتباعهم فيزكونهم ويقولون إنكم لا ترونه عندما يذهب إلى مكة لأنه من أهل الخطوة ولأن بينكم وبينه حجاباً فلا ترونه وإذا سئلوا عن الصيام قالوا هذا من فضل الله علينا فنحن لسنا بحاجة إلى الصيام لأننا من أصحاب الأموال والصيام هو للفقراء الذين لا يملكون المال وإذا سئلوا عن الحج قالوا هذا أيضاً من فضل الله ويعتذرون ويقولون إن مكة بلد حارة وكلها جبال ولا يوجد أشجار أو ظلال وفي المقابل نرى البعض من الناس ممن يتبعون لهم عندما يؤدون العمرة أو الحج نراهم يطوفون لهم ويدعون لهم ويودون الصلاة لهم في كل جزء من المسجد الحرام فما حكم فعل هؤلاء وما حكم تصديقهم فيما يقولون وهل أعمالهم مقبولة ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الجواب على هذا السؤال أحب أن أوجه نصيحة إلى أولئك الشيوخ الذين وصفهم هذا السائل بما وصفهم به أقول أيها الشيوخ إن الواجب عليكم التوبة إلى الله والرجوع عما أنتم عليه مما وصف فيكم وأن تلتزموا طريق النبي ﷺ وأصحابه وأن تقوموا بما أمركم الله به من العبادات الظاهرة والباطنة حتى تكونوا أئمة هدى وصلاح وإصلاح وأما بقاؤكم على ما أنتم عليه مما وصف السائل فهو خسارة لكم في دينكم ودنياكم وهو ضلال وكفر بالله ولا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور لا يغركم أن السُّذَّج من الخلق يأتون إليكم يقبلون أيديكم وأرجلكم ويتمسحون بثيابكم وعمائمكم إن هذا غرور من الشيطان يبعث إليكم هؤلاء السذج من أجل أن تستمرئوا ما أنتم عليه وتستمروا على هذه الطريقة الباطلة فاتقوا الله في أنفسكم واتقوا الله في عباد الله واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً واعلموا أن من دعا إلى ضلالة كان عليه إثم هذه الدعوة وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة وباب التوبة مفتوح إن عليكم أن ترجعوا إلى الله وأن تبينوا أن طريقتكم الأولى التي أنتم عليها طريقة ضلال وأنكم خاطئون فيها ولكنكم تتوبون إلى الله تعالى منها أما بالنسبة لما ذكره السائل من أحوالهم فإن إنكارهم الصوم وقولهم إن الصوم إنما يجب على الفقراء هذا كفر وردة ,كفر وردة عن الإسلام لأن الصوم واجب على كل مكلف (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) فمن أنكر وجوب الصيام على الأغنياء وقال إنه واجب على الفقراء فقط فقد كفر بالقرآن وكفر بالسنة وكذب إجماع المسلمين وهو كافر بلا شك وكذلك من استكبر عن الحج وقال إن مكة حارة وفيها جبال وليس فيها أشجار فإنه كافر مستكبر عن عبادة الله لأنه كره ما أنزل الله بهذا من فريضة الحج على عباده وتعليله هذا كالمستهزئ بشريعة الله والله فرض الحج على عباده على المستطيع منهم وهو يعلم حال هذه البلاد التي فرض الحج إليها كما قال الله عن إبراهيم خليله (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) والمغرور بهؤلاء الشيوخ الذين هذه صفتهم والذين هم يصدون عن الإسلام المغرور بهم مخدوع فلا يجوز لأحد أن يدعوا الله لهم إلا بالهداية وأما أن يحج لهم أو يعتمر لهم أو يأخذ بقولهم ويصدقهم فيما يقولون ويتبعهم فيما إليه يذهبون فإنه كافر لأن كل من صدق أن الصوم لا يجب إلا على الفقراء فقط أو أن تكليف الناس الحج تكليف لهم بما لا يطاق لأن مكة جبال وحارة فإنه يعتبر كافراً لاعتراضه على حكم الله وحكمته وإنكاره ما فرض الله تعالى على عباده من الصوم إلا أن يكون جاهلاً لا يعرف وإنما سقط في أحضان هؤلاء وضللوه ولم يهيأ له من يقول له إن هذا كذب وباطل فهذا ينظر في أمره وأما من صدقهم وهو يعرف ما المسلمون عليه فإنه يكون كافراًَ بتصديقهم لأنه صدقهم في إنكارهم فرض الصيام كذلك زعمهم أي زعم هؤلاء الشيوخ إذا أمروا بالصلاة أنهم يصلون في المسجد الحرام زعم كاذب باطل فكيف يصلى في المسجد الحرام من كان في إفريقيا أو شرق آسيا أو ما أشبه ذلك هذا أمر لا يمكن ولكنهم يغرون العامة بمثل هذه الكلمات فهم لا يصلون في المسجد الحرام وإنما يريدون التملص والتخلص من الاعتراض عليهم وعلى كل حال فإني أحذر إخواني المسلمين من الاغترار بأمثال هؤلاء وأدعوهم إلى نبذ هؤلاء وإلى البعد عنهم ولكن لا يمنع ذلك من مناصحتهم والكتابة إليهم لعلهم يرجعون إلى الحق.
***
стр. 598
رسالة من المستمع صالح الحموي من دمشق سوريا بعث برسالةٍ يقول فيها إنني أقوم بتدريس مجموعةٍ من الناس الفقه الحنفي والتصوف ونقوم بممارسة الذكر الحضرة ودليلنا على هذا هو أن النبي صلوات الله وسلامه عليه عندما هاجر إلى المدينة المنورة استقبله الناس بالإنشاد وضرب الدفوف فأقرهم على ذلك ولم ينكر عليهم وكذلك ورد في القرآن قوله تعالى (قُلْ اللَّهُ) وكذلك فإنني أعلم تلامذتي ضرورة طاعة الشيخ ومحبته وعدم الاتجاه إلى شيخٍ غيره عملاً بقول النبي ﷺ (من لا شيخ له فشيخه الشيطان) ولكن أحد تلامذتي قد أخذ يجادلني مؤخراً في هذه الأمور وينكر علي ذلك بحجة أنها بدع وأنها تخالف هدي النبي ﵊ فقد أصبحت في حيرةٍ من أمري ولما سألت عن تصرفاته تلك قيل لي إن الشاب الذي يجادلني متأثرٌ بالوهابية وقالوا بأن هذه الفكرة الوهابية بدعةٌ تدعو إلى التطرف وتحرم المدائح النبوية والمولد وتقول عن كثيرٍ من الأمور المستحسنة إنها من البدع فقد أشكل عليّ الأمر أرجو إرشادكم وتوضيح هذه الحقيقة لي وفقكم الله ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: فإن هذا السؤال سؤالٌ عظيم اشتمل على مسائل في أصول الدين ومسائل تأريخية ومسائل عملية أما المسائل العملية فإنه ذكر أنه يفقه تلامذته على مذهب الإمام أبي حنيفة ولا ريب أن مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ أحد المذاهب الأربعة المتبوعة المشهورة ولكن ليعلم أن هذه المذاهب الأربعة لا ينحصر الحق فيها بل الحق قد يكون في غيرها فإن إجماعهم على حكم مسألةٍ من المسائل ليس إجماعاً للأمة والأئمة أنفسهم ﵏ ما جعلهم الله تعالى أئمة لعباده إلا حيث كانوا أهلاً للإمامة حيث عرفوا قدر أنفسهم وعلموا أنه لا طاعة لهم إلا فيما كان موافقاً لطاعة النبي ﷺ وكانوا يحذرون عن تقليدهم إلا فيما وافق السنة سنة رسول الله ﷺ ولا ريب أن مذهب الإمام أبي حنيفة ومذهب الإمام أحمد ومذهب الإمام الشافعي ومذهب الإمام مالك وغيرهم من أهل العلم أنها قابلةٌ لأن تكون خطأ أو صواباً فإن كل أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ وعلى هذا فإنه لا حرج عليه أن يفقه تلامذته على مذهب الإمام أبي حنيفة بشرط إذا تبين له الدليل في خلافه تبع الدليل وتركه ووضح لطلبته أن هذا هو الحق وأن هذا هو الواجب عليهم أما ما يتعلق بمسألة الصوفية وغنائهم ومديحهم وضربهم بالدف والغبيراء وما أشبهها, الغبيراء التي يضربون الفراش ونحوه بالسوط فما كان أكثر غباراً فهو أشد صدقاً في الطلب وما أشبه ذلك مما يفعلونه فإن هذا من البدع المحرمة التي يجب عليه أن يقلع عنها وينهى أصحابه عنها وذلك لأن خير القرون وهم القرن الذين بعث فيهم الرسول ﵊ لم يتعبدوا لله بهذا التعبد ولأن هذا التعبد لا يورث القلب إنابةً إلى الله ولا انكساراً لديه ولا خشوعاً لديه وإنما يورثه انفعالاتٍ نفسية يتأثر بها الإنسان من مثل هذا العمل كالصراخ وعدم الانضباط والحركة الثائرة وما أشبه ذلك وكل هذا يدل على أن هذا التعبد باطل وأنه ليس بنافعٍ للعبد وهو دليلٌ واقعي غير الدليل الأثري الذي قال فيه الرسول ﵊ (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعةٍ ضلالة) فهذا من الضلال المبين الذي يجب على المرء أن يقلع عنه وأن يتوب إلى الله وأن يرجع إلى ما كان عليه النبي ﵊ وخلفاؤه الراشدون فإن هديهم أكمل هدي وطريقهم أحسن طريق قال الله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ) ولا يكون العمل صالحاً إلا بأمرين الإخلاص لله والموافقة لرسوله ﷺ وأما استدلاله باستقبال أهل المدينة رسول الله ﷺ بالدف والأناشيد فهذا إن صح فإنهم ما اتخذوا ذلك عبادة وإنما اتخذوا ذلك فرحاً بمقدم الرسول ﷺ وليس من هذا الباب في شيء وأما ما ذكره من مجادلة الطالب له وقول بعضهم إنه رجلٌ وهابي وأن الوهابية لا يقرون المدائح النبوية وما إلى ذلك فإننا نخبره وغيره بأن الوهابية ولله الحمد كانوا من أشد الناس تمسكاً بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومن أشد الناس تعظيماً لرسول الله ﷺ واتباعاً لسنته ويدلك على هذا أنهم كانوا حريصين دائماً على اتباع سنة الرسول ﵊ والتقيد بها وإنكار ما خالفها من عقيدةٍ أو عمل قوليٍ أو فعلي ويدلك على هذا أنهم جعلوا الصلاة على النبي ﷺ ركناً من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا بها فهل بعد هذا من شكٍ لتعظيمهم رسول الله ﷺ وهم أيضاً إنما قالوا بأنها ركن من أركان الصلاة لأن ذلك هو مقتضى الدليل عندهم فهم متبعون للدليل لا يغلون بالنبي ﵊ في أمرٍ لم يشرعه الله ورسوله ثم إن حقيقة الأمر أن إنكارهم للمدائح النبوية المشتملة على الغلو في رسول الله ﷺ حقيقة الأمر أن هذا هو التعظيم لرسول الله ﵊ وهو سلوك الأدب بين يدي الله ورسوله حيث لم يقدموا بين يدي الله ورسوله فلم يغلوا لأن الله نهاهم عن ذلك فقال النبي ﵊ (أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يغرنكم الشيطان) وهو ﵊ نهى عن الغلو فيه كما غلت النصارى في المسيح بن مريم نعم قال (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) والمهم أن طريق الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه وهو الإمام المجدد طريقته هي ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه لمن تتبعها بعلمٍ وإنصاف وأما من قال بجهل أو بظلمٍ وجور فإنه لا يمكن أن يكون لأقواله منتهى فإن الجائر أو الجاهل يقول كل ما يمكنه أن يقول من حقٍ وباطل ولا انضباط لقوله وإذا لم تستحِ فاصنع ما شيءت ومن أراد أن يعرف الحق في هذا فليقرأ ما كتبه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأحفاده والعلماء حتى يتبين له الحق إذا كان منصفاً ومريداً للحق ثم إن المدائح النبوية التي يشير إليها الأخ مدائح لا شك أن رسول الله ﵊ لا يرضى بها بل إنما جاء بالنهي عنها والتحذير منها فمن المدائح التي يحرصون عليها ويتغنون بها ما قاله الشاعر
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
وأشباه ذلك مما هو معلوم ومثل هذا بلا شك كفرٌ بالرسول ﷺ وإشراكٌ بالله فإن رسول الله ﷺ بشر لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله والدنيا وضرتها وهي الآخرة ليست من جود رسول الله ﷺ بل هي من خلق الله هو الذي خلق الدنيا والآخرة وهو الذي جاد فيهما بما جاد على عباده وكذلك علم اللوح والقلم ليس من علوم الرسول ﵊ بل إن علم اللوح والقلم إلى الله ولا يعلم منه رسول الله ﵊ إلا ما أطلعه الله عليه هذا هو حقيقة الأمر وهذا وأمثاله هي المدائح التي يتغنى بها هؤلاء الذين يدعون أنهم معظمون لرسول الله ﷺ ومن العجائب أن هؤلاء الذين يدعون أنهم معظمون لرسول الله ﵊ تجدهم معظمين له كما زعموا في مثل هذه الأمور وهم في كثيرٍ من سنته فاترون معرضون والعياذ بالله فأنصح هذا الأخ الذي يسأل هذا السؤال أنصحه بأن يعود إلى الله وأن لا يطري رسول الله ﷺ كما أطرت النصارى عيسى بن مريم وأن يعلم أن رسول الله ﷺ بشر يمتاز عن غيره بالوحي الذي أوحاه الله إليه وبما خصه الله به من المناقب الحميدة والأخلاق العالية ولكنه ليس له من المتصرف في الكون شيء وإنما التصرف في الكون والذي يدعى ويرجى ويُؤَلَّه هو الله وحده لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون.
***
стр. 599
المستمع عبد الحكيم علي محمد مصري يعمل بالعراق يقول ومن خلال متابعتي الدائمة لبرنامجكم الكريم وخلال إجابة الأسئلة الخاصة بالتصوف سمعت إجابات مختلفة من أساتذة أفاضل وقد أجمعوا تقريباً على ذم هذا الأمر بدون استثناء وإني لأعجب أشد العجب من ذلك لأن في اعتقادي والله أعلم أن الأحكام في ديننا العظيم لا تأتي على التعميم في أمور الدين فمثلاً إذا كان هناك شخص سوء في مكان مّا, لا يمكن أن أحكم على جميع من فيه بأنهم أشرار فعندما نحكم على التصوف بأنه سيئ هل معنى ذلك أن التصوف كمبدأ سيئ أم هناك من يدعي الصوفية وهو ليس من أهلها وإذا كان التصوف كذلك فماذا نقول عن أئمة التصوف والذين أفادونا في الدين أعظم إفادة من خلال علمهم وعملهم أمثال الإمام الغزالي وكذلك ابن عطاء الله وعبد القادر الجيلاني والشيخ السنوسي وزواياهم معروفة وفي العصر الحديث الدكتور عبد الحليم محمود ﵀ وماذا يقول الدين عن التصوف في أبسط معانيه والتي نفهمها وهو يتمثل في الزهد في الدنيا مع عدم ترك ما أحل الله لعباده وإخلاص العمل والنية لله تعالى وذكره كثيراً واستغفاره وحمده مع نبذ كل ما يلتصق بالدين والتصوف من خرافات وبدع وأشياء تؤدي إلى الكفر أعوذ بالله من ذلك ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال مطول متداخل وفيه شيء يحتاج إلى تصنيف فالذين سمعهم يذمون التصوف ويطلقون إنما يريدون أن إثبات طريقة على نحو معين تنفرد عن طريقة أهل السنة والجماعة هذا من حيث هو مذموم بلا شك فالذي ينبغي لجميع المسلمين أن يكونوا طائفة واحدة ألا وهي طائفة السلف الصالح أهل السنة والجماعة سواء كان ذلك في العقيدة أو كان ذلك في الأعمال الظاهرة أعمال الجوارح فالذي يذم مطلقاً أن تحدث طريقة معينة يقال لها هذه طريقة القوم إذ أن كل طريق أو كل طريقة تخالف ما كان عليه النبي ﷺ فإنها مذمومة مهما كانت أما بالنسبة للأعمال التي تحدثها هذه الطائفة فإنه ينظر إن وافقت ما جاء به النبي ﵊ فهي حق لكن لا ينبغي أن يقال إنها من طريق الصوفية أو من صنع الصوفية أو من تنظيم الصوفية أو ما أشبه ذلك بل يقال هذه سنة الرسول ﷺ ولا تنسب إلى هذه الطائفة بعينها وحينئذ يخرج من اللقب الذي قد يوجب الذم وأما ما يتعلق بالزهد في الدنيا فلا ريب أن الزهد بالدنيا الذي لا يتضمن ترك ما أحل الله أو لا يتضمن ترك ما ينفع في الآخرة لا ريب أنه محمود وأن الإنسان ينبغي له أن تكون الدنيا وسيلة إلى الآخرة لا يكون كل همه وقصده بالدنيا والإنسان إذا أراد الدنيا فقط فإنه قد يضيع الدنيا والآخرة لقوله تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) وأما الأذكار والأوراد التي أحدثها أهل التصوف فإنه لاشك أن ما خالف الشرع منها بكيفيته أو وقته أو عدده أو سببه فإنه بدعة ينكر على صاحبه لأنه لا تكون العبادة عبادة حتى يقوم دليل شرعي على الأمور التالية على سببها وجنسها ونوعها وهيئتها وزمانها ومكانها وقدرها فإذا لم يكن دليل على هذه الأمور فإنها تكون بدعة ويكون فيها من البدع أو من البدعية بحسب ما فارقت السنة فيه.
***
стр. 600
هذه الرسالة وردت من الخليفة مهدي عبد الستار من العراق محافظة صلاح الدين يقول فيها إني مهدي عبد الستار أحد خلفاء الطريقة الرفاعية سؤالي حول موضوع الطرائق الصوفية إني سمعت من فضيلة العلماء أنهم يشكون في الطرائق في برنامجكم هذا ويقول بعض العلماء إن الطريقة بدعة حيث أنها لم ترد عن رسول الله ﷺ حيث أني أخذت الطريقة عن شيخي وأن شيخي أخذ الطريقة عن أبيه وأبوه عن جده وهكذا إلى سيدنا الكبير سيد أحمد الرفاعي أما السيد أحمد الرفاعي فهو ابن السيد سلطان بن علي وستة أظهر ينتسب إلى سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب وهو الذي له الطريقة الرفاعية وتنسب إليه وهو الذي أسس ضرب الحراب والسيوف والدخول في النار وعمل الرفاعي كيف تنكرون هذا وقال الله (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) وقد خص الله سيد أحمد الرفاعي بالكرامات والشواهد التي جاءت بها الكتب الصوفية مثل قوله أمام حضرة الرسول ﷺ يا مصطفى أنت من أسرار منزلها إلى أخره فمد يدك أو فمد يمينك لأقبلها لكي تحظى بها شفتي وظهرت يد الرسول فقبلها سيد أحمد الرفاعي هل هذا حق أفتونا فيها وشكراً لكم ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة مسألة عظيمة وهي مسألة الطرق التي ابتدعها من ابتدعها بواسطة الدعاية له إما من جهة النسب ودعواه أنه يتصل بنسب شريف وإما من جهة ما يدعيه من الكرامات التي اختصه الله بها فيلبس بذلك على عامة الناس ويبتدع في دين الله تعالى ما ليس منه ونحن نذكر جملة عامة أمام الطريقة الرفاعية وغيرها فنقول إن الله ﵎ جعل المشرعين في دين الله تعالى ما ليس منه جعلهم بمنزلة الأصنام اللاتي تتخذ من دون الله تعالى شركاء فقال (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) واليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله لأنهم تابعوهم في تشريع ما يخالف شريعة الله ورسول الله ﷺ حذر من البدع تحذيراً بالغاً حتى إنه في خطبة الجمعة يحذر منها ويقول (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) وهذه الطرق التي يبتدعها أهلها ليتقربوا بها إلى الله ولم تكن في سنة النبي ﷺ نقول عنها إنها بدع محرمة وإنها لا تزيدهم من الله إلا بعداً وأن ما يدعّونه من نسب شريف أو من كرامات يختصهم الله بها فإنه لا أساس لها من الصحة ماداموا مخالفين في ذلك لشريعة النبي ﷺ فإن الكرامات لا تكون إلا لأولياء الله وأولياء الله ﵎ بينهم الله سبحانه في كتابه في قوله (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فنحن نعرض حال هذا الرجل الذي يدعي الكرامات نعرضها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإن كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً ومن أعظم التقوى أن يتقي الإنسان البدعة في دين الله أن يشرع في دين الله ما ليس منه فإذا علم أن الرفاعي أو غيرهم من زعماء البدع ابتدعوا طريقة ليس عليها رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون عُلم أنها طريقة بدعية ضالة وأنه لا يجوز التمسك بها وأن ما يدّعون من كرامات فليست كرامات في الحقيقة وإنما هي أشياء يموهون بها على العامة يتخذونها بطرق حسية لا بطرق إلهية غيبية ويدّعون أنها الكرامات فالدخول في النار مثلاً هناك أشياء يستعملها الإنسان فيدهن بها ويدخل بها النار ولا يحترق فيأتي هذا الرجل الذي يدعي أنه ولي وأنه يدخل في النار ولا تضره كما دخل إبراهيم ﵊ النار ألقى فيها ولم تضره يدهن بهذه الأشياء المضادة للاحتراق لكنه لا يدهن بها أمام هذه العوام بل يدهن بها خفية ثم يأتي أمام الناس ويدخل في النار ويزعم أنه ولي لم يحترق بالنار إلى غير ذلك مما يفعله المشعوذون فإذا قال هذا الرجل إن ما حصل من كرامة من الله فإنما يجب أن ننظر حاله إن كان مؤمناً تقياً فإن ما ادعاه من الكرامات قد يكون حقاً وإن كان ليس بمؤمن تقي بل هو صاحب بدعة وخرافة وتشريعات لم يأذن به الله علمنا أنه كاذب وأنه ليس من أولياء الله بل هو من أبعد الناس عن ولاية الله هذه جملة عامة أزفها للرفاعية ولغيرهم من أهل البدع وإنني أناشدهم الله أن يرجعوا إلى دين النبي ﷺ وإلى شريعته وأن يعلموا أن دين الله تعالى كامل وأن الله تعالى يقول (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً) وليعلم كل مبتدع أنه مع تحريم سلوكه وابتداعه هو متنقص لدين الله حيث زعم أن ما ابتدعه مما تدعوا الحاجة إليه في دين الله وهذا معناه أن دين الله تعالى ناقص ويكون بهذا مكذباً لقول الله (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً) فكل ما خالف هذا الدين الذي أكمله الله على يدي رسوله ﷺ فإن الله لا يرضاه فإن الله يقول (وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً) فقط وقال (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) فكل بدعة فإنها ليست من الإسلام بشيء فأناشد هؤلاء الذين يسلكون هذه الطرق من الرفاعية والقادرية والنقشبندية وغيرهم أناشدهم الله أن يرجعوا إلى دين الله وإلى سنة رسول الله ﷺ وأن يعلموا أنهم ملاقو الله ومحاسبهم على ذلك (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) وليتأملوا كثيراً قول الله (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) إلى أن قال (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ولو أن المسلمين اجتمعوا على السنة ولم يتفرقوا شيعاً في عقائدهم ومناهجهم وسلوكهم لو أنهم اجتمعوا على ذلك لحصل للأمة الإسلامية من النصر والتأييد والعز والتمكين ما لم يكن كما هم عليه اليوم من الوضع المشين وذلك بسبب بعدهم عن دينهم وتمسكهم به والله أسأل أن يصلح المسلمين وولاة أمورهم وبطانتهم إنه جواد كريم.
فضيلة الشيخ: لكن بالنسبة لرؤية يد الرسول ﷺ كما ذكر هذا الشخص وتُرى مثلاً واضحة أيضاً أمام الحضور هذا أيضاً نريد التعليق عليه؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً نقول إن هذه القصة بل وكل قصة وكل خبر فإنه لا يغني ثبوته إلا إذا وصل إلينا من طريق العدول ثم إذا وصل إلى غاية السند فإننا ننظر أيضاً من هو هذا الرجل الذي تحدث بأنه رأى الرسول ﷺ هل هو مقبول الخبر أو غير مقبول الخبر ثم كذلك أيضا ننظر كيف رأى النبي ﷺ أو شيئاً من جسمه ﵊ هل هو على الوصف المعروف الذي ثبت من أوصاف الرسول ﷺ أو لا لأن من رأى النبي ﷺ في المنام فقد رآه حقاً ومن رآه حقاً فإنما يكون على حسب ما هو عليه في الحياة الدنيا ﷺ ثم إن من رأى يداً قيل له أو وقع في نفسه أنها يد الرسول ﵊ فليس بِمُسلِّم أن تكون هي يد الرسول ﷺ لأن النبي ﵊ إذا رئي فإنما يرى على الوصف الذي هو عليه وهذه القصة كما قلت أولاً يشك في خبرها ويشك في المَخْبِر بها ويشك أيضاً فيما رآه فليست بمُسلّمة إطلاقاً.
***
стр. 601
الأولياء
стр. 602
السائلة أم مصعب تقول ما هي صفات الأولياء أولياء الله وكيف يكون المسلم ولياً لله ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولياء الله ﵎ هم الذين تولوا أمره وقاموا بشريعته وآمنوا به جل وعلا وكانوا من أنصار دينه وقد بين الله ذلك في قوله (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس: ٦٢) فهؤلاء هم أولياء الله الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره آمنوا إيماناً تاماً ويقيناً صادقاً وكانوا يتقون يتقون معاصي الله فيقومون بالواجب ويَدَعون المحرم فهم صالحون ظاهراً وباطناً وما أجمل العبارة التي قالها شيخ الإسلام ﵀ (من كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً) ومن ولاية الله الحب في الله والبغض في الله بأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ويبغض المرء لا يبغضه إلا لله وأما ما يذكره بعض الناس الذين يدّعون أنهم أولياء وهم فسقة فجرة فهذا كذب وخداع وقد يُجري الله على أيدي هؤلاء من خوارق العادات ما يكون به فتنة والخوارق هذه التي تأتي لغير الأولياء إنما هي من الشياطين تأتي للمرء بأخبار الناس أو تحمله في الهواء أو ما أشبه ذلك ويقول هذا من ولاية الله وكل من ادعى ولاية الله ودعا الناس إلى تعظيمه وتبجيله فليس من أولياء الله لأن هذا تزكية للنفس وإعجاب بها وتزكية النفس من المحرمات قال الله ﵎ (فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى) (النجم: من الآية٣٢) أي لا تدّعوا زكاءها قد يدعي الإنسان أنه زكي أو يتصور أنه زكي وهو ليس كذلك وأما قوله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) فليس المراد من زكاها بلسانه وقال إنه زكي أو اعتقد زكاءه بقلبه وإنما المراد بقوله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) أي فعل ما به تزكو نفسه وإنني بهذه المناسبة أحذر إخواني الذين عندهم من يدعي الولاية وهو أبعد الناس عنها لمحادته الله ورسوله فليحذر إخواني من هؤلاء وأمثالهم أهل الشعبذة واللعب بعقول الناس فإنهم لا ولاية لهم عند الله .
***
стр. 603
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ في هذا الزمن كثر من يدعي أنه من أولياء الله بحقٍ أو بغير حق فهل هناك تحديدٌ أو صفاتٌ معينة بأولياء الله لكي نفرق بين الولي والدجال نرجو الإفادة جزاكم الله خيرا ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هناك تحديدٌ لا تحديد أوضح منه ولا أبين منه وهو ما ذكره الله في قوله (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فهؤلاء هم أولياء الله الذين جمعوا بين الإيمان الحقيقي في قلوبهم والتقوى الحقيقية في ظواهرهم فهم أصلحوا البواطن والظواهر فإذا رأيت الإنسان مؤمناً بالله والإيمان له علامات ظاهرة متقياً الله فهذا هو الولي وإذا رأيته دجالاً كذاباً فهذا ليس بولي وإن ادعى الولاية.
***
стр. 604
بارك الله فيكم السائل من المغرب فضيلة الشيخ يقول أسمع عن الأولياء وأسمع عن الكرامات التي تحصل لبعض الأتقياء فهل لكم أن تحدثونا عن صحة ذلك مأجورين ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً يجب أن نعلم من هم أولياء الله فنقول أولياء الله تعالى من ذكرهم الله في قوله (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فمن كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً سواءٌ أشهره العامة وزعموه ولياً أم كان خفياً على الناس لا يحب أن يظهر فالولي هو المؤمن التقي هذه واحدة ثانياً هل لكل وليٍ كرامة والجواب لا ليس لكل وليٍ كرامة بل من الأولياء من يعطيه الله تعالى كرامة محسوسة يشهدها بنفسه ويشهدها الناس ومن الناس من يجعل الله كرامته زيادة إيمانه وتقواه وهذه الكرامة أعظم من الكرامة الأولى الحسية لأن هذه الكرامة أنفع للعبد من الكرامة الأولى إذ أن الكرامة الأولى سببٌ لزيادة الإيمان والتقوى وأما زيادة الإيمان والتقوى فهي الغاية ولهذا نجد أن الصحابة ﵃ تقل فيهم الكرامات بالنسبة للتابعين لأن كرامات الصحابة في زيادة إيمانهم وتقواهم والتابعون ليسوا مثل الصحابة في ذلك ولهذا كثرت الكرامات في عهدهم أكثر من الكرامات في عهد الصحابة ﵃ والكرامات إما أن تكون في العلوم والمكاشفات وإما أن تكون في ظهور التأثيرات والقدرات فأما الأول فكأن يكشف للإنسان عن شيء لا يعلمه غيره كما ذكر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يخطب الناس يوم الجمعة على منبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسمعه الناس يقول الجبل يا سارية الجبل يا سارية فتعجبوا من ذلك فكان الأمر أن أحد القواد حوصر في مواجهةٍ بينه وبين أعدائه فكشف لعمر ﵁, عنه وهو على المنبر فخاطبه يقول الجبل يا سارية فسمعه القائد فانحاز إلى الجبل فهذا توجيه من القائد الأعلى عمر بن الخطاب ﵁ إلى قائد السرية أو الجيش من مكانٍ بعيد وسمعه وليس في ذلك الوقت تلفونات هوائية ولاسلكية ولكنها قدرة الله هذه كرامة في المكاشفات كشف الله له ما لم يكن لغيره ومن ذلك أيضاً الكرامة في القدرة بأن يجعل الله تعالى للإنسان قدرةً لم تكن لغيره ومن ذلك ما يذكر في غزوات سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه كان يغزو الفرس فيفتح الله عليه بلادهم بلداً بعد بلد حتى وصل إلى نهر دجلة فلما وصل إلى النهر وجد أن الفرس قد أغرقوا السفن وكسروا الجسور وهربوا إلى الجانب الشرقي من النهر فتوقف سعد ﵁ ماذا يصنع فدعا سلمان الفارسي ﵁ وكان ذا خبرة في أحوال الفرس وما يصنعونه عند القتال فاستشاره أي أن سعداً استشار سلمان الفارسي ماذا يصنع فقال له يا سعد ليس هناك شيء يمكن أن نصنعه إلا أن ننظر في الجيش هل عندهم من الإيمان والتقوى ما يؤهلهم للنصر أو لا, فدعني أسبر القوم وأنظر حالهم فأمهله سعد فجعل يذهب إلى الجيش ويتفقد أحوالهم وينظر أعمالهم فوجدهم ﵃ بالليل يبيتون لربهم سجداً وقياماً وفي النهار يصلحون أحوالهم ويستعدون للقتال فرجع بعد ثلاثٍ إلى سعد بن أبي وقاص وأخبره الخبر وقال إن قوم موسى ليسوا أحق بالنصر منا فقد فلق الله لهم البحر وأنجاهم من فرعون وقومه ونحن سوف نعبر هذا النهر بإذن الله فأذّن سعدٌ ﵁ بالرحيل والتقدم إلى النهر وقال إني مكبرٌ ثلاثاً فإذا كبرت الثالثة فسموا واعبروا ففعلوا فجعلوا يدخلون الماء كأنما يمشون على الصفا خيلهم ورجلهم وإبلهم حتى عبروا النهر وهو يجري يقذف بزبده فلما رآهم الفرس قال بعضهم لبعض إنكم لا تقاتلون إنساً وإنما تقاتلون جناً فهربوا من المدائن وهي عاصمتهم حتى دخلها المسلمون وفتح الله عليهم هذه كرامة قدروا على أمرٍ لا يقدر عليه البشر بمقتضى قدراتهم حيث خاضوا الماء والنهر يمشي هكذا ذكر المؤرخون هذه القصة هذه كرامة في القدرة وقصة عمر كرامة في المكاشفات أن الله يكشف له ما لا يدركه غيره, وتكون الكرامة في العلم بأن يفتح الله على الإنسان من العلم ما لا يفتحه على غيره ومن هؤلاء فيما نظن ما فتح الله به على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من العلم العظيم العلم بالنقل والعلم بالعقل حتى إنك لتكاد أن تشك في هذه القدرة العظيمة التي أقدره الله عليها وفتح الله عليه من العلم ,ومن الكرامات ما حصل لمريم ﵍ حين حملت بعيسى بن مريم ﷺ فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة فجلست إلى هذا الجذع وقالت (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) قال هزي إليك وهي امرأة ماخض تهز بجذع النخلة فيهتز فرعها ومن المعلوم أن الهز بجذع النخلة حسب العادة لا يمكن أن يهتز به فرع النخلة لكن اهتز فرع النخلة وتساقط منه الرطب والنخلة لا شك أنها فوق قامة الإنسان لأنها لو كانت بقدر القامة لتناولت الرطب بيدها هذا من آيات الله وهو من كرامة مريم ﵍.
***
стр. 605
بارك الله فيكم يسري حامد من جمهورية مصر العربية طنطا يقول فضيلة الشيخ نسمع عن الكرامات لبعض الناس ونسمع كثيرا في بلدنا عن هذا الموضوع بأن هذا الرجل من أولياء الله الصالحين فما حكم ذلك أيضا ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الكرامات خوارق للعادة يجريها الله على يد الرجل الصالح تكريما له أو إقامة دليل على أن ما عليه فهو حق فالكرامات إما لمصلحة الشخص نفسه أو لمصلحة الدين ولكنها لا تكون إلا للأولياء المتقين قال الله تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فهذا هو الولي الذي قد يظهر الله على يديه من الكرامات ما يدل على صدقه وصحة منهجه وهذه الكرامات موجودة في الأمم السابقة وموجودة في هذه الأمة ولاتزال موجودة فيها إلى يوم القيامة فمن الكرامات للأمم السابقة ما جرى لمريم بنت عمران حينما حملت بعيسى بن مريم ﵊ (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) فأنت ترى هذه الكرامة امرأة في فلاة من الأرض حامل أتاها المخاض يسر الله لها هذا الطعام والشراب (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً) وفي الطعام قال (هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) امرأة نفساء والمرأة ضعيفة تؤمر بأن تهز بجذع النخلة لا في رأسها والهز بالجذع لا يحرك النخلة لكن كرامة لها تحركت النخلة ثم لما تحركت تساقط الرطب رطبا جنيا لم يتأثر بسقوطه على الأرض مع أن الغالب أن الرطب إذا سقط من أعلى فإنه يفسد يتمزق بسقوطه على الأرض لكن هذا الرطب الذي تساقط على مريم تساقط عليها رطبا جنيا لم يتأثر بالأرض ولم يتمزق بها (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) يعني كلي واشربي قريرة العين من غير خوف ولا حزن هذا من الكرامة, ومن الكرامات في الأمم السابقة ما جرى لأصحاب الكهف فتية آمنوا بربهم كرهوا ما عليه قومهم من الشرك بالله خرجوا عن البلد فآووا إلى غار وناموا به أتدري كم ناموا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا وهم نيام لا يحتاجون إلى أكل ولا إلى شرب ولا إلى بول ولا إلى غائط ولم تتمزق ثيابهم ولم تنم شعورهم ولا أظفارهم بل بقوا على ما هم عليه كل هذه المدة يقلبهم الله تعالى ذات اليمين وذات الشمال لئلا يتحجر الدم على اليمين إن بقوا على اليمين دائما أو على اليسار إن بقوا على اليسار دائما ثم إنهم في كهف (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) فلا تدخل عليهم الشمس فلا يسخنون لا يفسدون من الحر ولا البرد وهذه آية من آيات الله كرامة من كرامات الله ومن الكرامة كرامات هذه الأمة ما يذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أرسل سرية إلى العراق وعليها رجل يقال له سارية بن الجمير فحصره العدو فكشف لعمر بن الخطاب وهو يخطب الناس يوم الجمعة عن حال هذا القائد فسمعه الناس يقولون الجبل يا سارية الجبل يا سارية فسمع ذلك سارية فانحاز بالناس إلى الجبل فسلم وصارت العاقبة للمسلمين يقول: فأنت ترى الآن كرامة واضحة بالنسبة لعمر وبالنسبة لسارية, عمر ﵁ كلم الرجل سارية وسارية سمع كلامه وليس هناك هاتف ولا برقية ولكنها قدرة الله وإذا أردت أن تعرف هذه الكرامات فراجع كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الكتاب المسمى الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وليعلم أن كثيرا ممن يدعي الولاية اليوم تكون دعواه كذباً لأنك إذا فتشت عن حاله وجدته من أعداء الله لا من أولياء الله فكيف يدعي أنه وليٌ لله ونراه يجري على يديه الكرامات فإن قال قائل نعم إنه تجري على أيديهم خوارق قلنا هذا من أعمال الشياطين تعمل لهم الخوارق من أجل أن يضل الناس بغير علم بل من أجل أن يضل الناس عن علم ولهذا نقول إن الكرامة لا تكون إلا لولي والولي بينه الله في قوله (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فأنت إذا أردت أن تزن الرجل وهل هو ولي أو عدو فعليك بهذه الآية (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فإذا كان مؤمنا تقيا فهو ولي وإلا فهو دعي وليس بولي.
***
стр. 606
رسالة وردت من أحد الاخوة المستمعين يقول سؤالي عن الكرامات والولاية أرجو من فضيلة الشيخ أن يبين لي النقاط التالية ما عليه الناس اليوم من إطلاق لفظ الولاية على كل أحد ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الولاية لا يصح إطلاقها إلا على حسب الوصف الذي جاء في كتاب الله وقد بين الله تعالى في كتابه حيث يقول (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فبين الله أن ولايته لا تنال إلا بهذين الوصفين أولهما الإيمان بما يجب الإيمان به وثانيهما التقوى ففي الوصف الأول صلاح القلب وفي الوصف الثاني صلاح الجسد فمن ادعى ولاية الله وقد فاته الوصفان أو أحدهما فإنه كاذب فلو وجدنا شخصا يجيز لنفسه أن يركع الناس له وأن يسجد الناس له أو يجيز لنفسه أن يستخدم الشياطين بأنواع من الشرك ثم يدعي بعد هذا أنه ولي لله فإننا نقول له إنك كاذب لأن أعمالك هذه تنافي الإيمان والتقوى وما يحصل على يديه من خوارق العادات فإن ذلك لخدمة الشياطين له لأن الشياطين تقوى على ما لا يقوى عليه البشر فيستخدم الشياطين لينال مأربه في إضلال عباد الله عن سبيل الله وعلى هذا فمن ادعى الولاية ولم يكن متصفا بالوصفين اللذين ذكرهما الله وهما الإيمان والتقوى فإنه كاذب في دعواه.
فضيلة الشيخ: بارك الله فيكم النقطة الثانية في رسالة المستمع يقول يا فضيلة الشيخ من يطلق عليهم الأولياء اليوم عند الصوفية وما ينسب إليهم من الكرامات الباطلة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه فقرة بينها جواب الفقرة التي قبلها فما ينسب إليهم من الكرامات وهم على ضلال فإنها إهانات في الحقيقة وليست بكرامات لأنها استدراج من الله لهم وهي في الحقيقة ليست كرامة بل هي مما يخدمهم بها الشياطين من أجل إضلال عباد الله.
***
стр. 607
بارك الله فيكم المستمع ع. أ. أ. سوداني مقيم بالرياض يقول يوجد لدينا في السودان فئة من الناس تسمي نفسها أهل بيت النبي ﷺ وهذه الفئة تقوم بأعمال لا أصل لها في الشرع حيث أنهم يزعمون أنهم أولياء صالحون ومن وقت لآخر يطوفون في ربوع أرجاء ال وطن ويستقبلون من العامة بالهتافات والترحيب فيقدمون لهم الهدايا والقرابين مع العلم أنهم في أشد الحاجة إليها معتقدين أنها تعود عليهم بالبركة والخير من هذه الفئة فهل يوجد في زماننا هذا بقية لأهل بيت النبي ﷺ وهل هذه الأعمال التي يقومون بها جائزة وكذلك المظاهر التي يقابلون بها ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: بكل بساطة أن نقول لهؤلاء المدعين أنهم من نسل رسول الله ﷺ أكدوا لنا ذلك ببرهان قاطع من الناحية التاريخية ومن المعلوم أن رسول الله ﷺ لم يبق له أولاد بلغوا وتزوجوا وأنجبوا وإنما أولاده الذين ينسبون إليه ليسوا من أولاده لصلبه وعلى هذا فنقول لكل من ادعى أنه من آل البيت من هؤلاء أكدوا لنا ذلك من الناحية التاريخية فإن عجزوا عن الإثبات تبين بطلان قولهم وكذبهم وإن ثبت ذلك من الناحية التاريخية فإننا نقول ليس كونكم من الذرية أو من آل النبي ﷺ بِمُجدٍ عنكم شيئاً إذا لم تكونوا على شريعته فإن المهم أن تكونوا على شريعة النبي ﷺ وإذا كنتم على شريعته حقاً فإن لكم حق الإسلام وحق القرابة من الرسول ﷺ ومجرد القرابة من رسول الله ﷺ لا تغني شيئاً فهذا أبو لهب عم النبي ﷺ أخو أبيه لم يغن عنه قربه من النبي ﷺ شيئاً بل أنزل الله تعالى سورة كاملة من القرآن في فضيحته إلى يوم القيامة (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) والحاصل أننا نحتاج في هذه الدعوى إلى إثباتها من الناحية التاريخية ثم إذا ثبتت ننظر إلى حال هؤلاء فإن كانوا صالحين حقاً يتمشون على شريعة النبي ﷺ ظاهراً وباطناً فإن لهم حق الإسلام وحق القرابة من الرسول ﷺ وإن لم يكونوا كذلك فإنهم دجالون ولا يستحقون شيئا ولا بركة في أعمالهم ولا في أحوالهم والظاهر مادام هؤلاء الجماعة يمشون على القرى وعلى السُّذَّج من الناس ويدعون ما يدعون الظاهر أنهم كاذبون فيما ادعوا لأنهم غير مستقيمين أيضاً على ما ينبغي منهم في شريعة الله وحينئذ فلا يستحقون شيئاً من التعظيم أو الإكبار أو إتحافهم بالهدايا وغيرها.
***
стр. 608
هذا السائل أبو أحمد يقول هل صحيح أن الصالحين والأولياء تنكشف لهم من أسرار القرآن ما لا ينكشف لغيرهم وما ليس بموجود في كتب التفاسير ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ليس هناك أحد مخصوص في فهم القرآن بل فهم القرآن يكون لكل أحد لكن كل من كان بالله أعلم وله أتقى كان أقرب إلى فهم القرآن لقول الله ﵎ (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) ولما قيل لعلي بن أبي طالب ﵁ هل عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشيء يعني من جهة الخلافة قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يؤتيه الله تعالى أحداً من عباده في كتاب الله وما في هذه الصحيفة قالوا وما في هذه الصحيفة قال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل المسلم بالكافر لكن هناك أناس يدعون أنهم أولياء وأنه يفتح لهم في القرآن معانٍ باطنة لا يعرفها أحد ويجعلون ألفاظ القرآن رموزاً وإشارات لمعانٍ لا تفهم من ألفاظ القرآن بمقتضى اللغة العربية ولا بمقتضى الحقيقة الشرعية وهم الذين يسمون أنفسهم أهل العلم بالباطن فهؤلاء لا يقبل قولهم في تفسير القرآن لأنه كذب على الله ﵎ هل فسروا كلامه بما لا يدل عليه باللسان الذي نزل به وهو اللغة العربية قال الله ﵎ (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وقال الله ﵎ في القرآن الكريم (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ بلسان عربي مبين) أي بلغة عربية فصيحة وإنني بهذه المناسبة أحث إخواني ولا سيما طلبة العلم على الحرص على فهم معاني القرآن الكريم لأن القرآن الكريم نزل للتعبد بتلاوته ولتدبر معناه والعمل به قال الله ﵎ (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) وكثير من طلاب العلم حريصون على فهم السنة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحثاً وتدقيقاً ومراجعة لكلام العلماء ولكنهم مقصرون في تفسير القرآن وفهمه وكان الصحابة ﵃ إذا قرؤوا عشر آيات من كتاب الله لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل فتعلموا القرآن والعلم والعمل جميعاً إني أكرر الوصية لإخواني طلاب العلم أن يعتنوا بفهم القرآن الكريم وأن يراجعوا عليه كلام العلماء في تفاسيرهم وأعني بالعلماء العلماء الموثوق بهم كتفسير ابن جرير وابن كثير والقرطبي والشوكاني وما أشبههم وكذلك تفسير شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ وإن كان يوجد في مثل تفسير القرطبي بعض الشيء الذي ليس على ما ينبغي وكذلك يوجد في تفسير ابن جرير آثار ضعيفة لكن البصير يعرف كيف يتصرف.
***
стр. 609
هل إذا مات شخص صالح ولي هل ينفع أو يضر بعد موته يعني موت هذا الشخص الولي إذا توفي هل ينفع الناس أو يضرهم أو ماذا يكون بعد وفاته ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن أحق الناس بالولاية وأعظمهم ولاية هو النبي ﷺ وقد قال الله له آمراً إياه أن يبلغ الأمة بأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله وقد قال ﵎ (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) وأمره كذلك أن يقول للناس بأنه لا يملك لهم مثل ذلك فقال (قل إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) فإذا كان هذا في أعظم الناس ولاية وأقربهم من الله ﵎ وهو محمد ﷺ فما بالك بمن دونه من الأولياء فكل ولي أو نبي أو ملك فإنه لا يملك لأحد نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله والذي يملك ذلك ويدبر الخلق هو الله فإذا كان الولي لا يملك الضرر ولا النفع في حياته فكذلك أيضاً لا يملك النفع ولا الضرر بعد موته من باب أولى، لهذا الأولياء ليس لهم حق في تدبير الكون ولا في نفع الخلق ولا في ضرر الخلق والواجب على الإنسان أن يعلق ذلك بالله وحده لأنه هو المالك له ثم إنني أقول لهذا الأخ ولغيره أنه يجب التحقق من انطباق وصف الولاية على من يوصف بها فقد يقال هذا ولي لله وهو عدو لله لأنه يضل الناس ويصدهم عن دين الله الحق ويغريهم بما يكون على يديه من الخرافات والخزعبلات وغيرها وميزان الولاية هو ما ذكره الله تعالى بقوله: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فمن كان مؤمناً تقياً كان لله وليّاً فإذا قيل عن شخص ما إنه ولي نظرنا في إيمانه وفي تقواه لله وهل هو مستقيم على شريعة الله حريص على اتباع النبي ﷺ منفذ لشرع الله تعالى في قوله وفعله وإلا فإنه ليس لله بولي وإن زعم أنه ولي فإذا كان يأتي بأمور محدثه في العبادة أوفي العقيدة ويزعم أنه ولي فهو كاذب في زعمه هذا لأنه ليس بتقي والولي هو المؤمن التقي.
***
стр. 610
بارك الله فيكم ما يعتقده بعض الناس في الأولياء من النفع والضر وكشف الكربات وقضاء الحاجات سواء الأحياء أو أصحاب القبور ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الإعتقاد باطل لأن الذي بيده النفع والضرر وكشف الكربات هو الله وليس الأولياء فالأولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فضلا عن غيرهم سواء كانوا أحياء أم أمواتا وإنما الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء هو الله فإذا كان الأنبياء وهم سادات الأولياء وفوق مرتبة الأولياء إذا كانوا هم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فما بالك بغيرهم قال الله تعالى عن نوح (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) وقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) وقال له (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً. إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) وقال تعالى (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) فالأولياء لا يملكون لأحد شيئا لا نفعا ولا ضرا سواء كانوا أحياء أو أمواتا فلا يملكون أن يهدوا ضالا ولا أن يغنوا فقيرا ولا أن يشفوا مريضا وإنما ذلك إلى الله هم بأنفسهم إذا أصابهم الضرر لا يملكون دفعه ولا يملكون رفعه بل هم عاجزون عن ذلك فكيف يملكون لغيرهم ذلك.
***
стр. 611
ماحكم الشرع في نظركم في زيارة قبور الأولياء والصالحين هل هو محرم وهل يجوز لنا أن نزورهم ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً يجب أن نعرف من هو الولي الولي بينه الله في قوله (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فكل من كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً وليس كل من ادعى الولاية يكون ولياً وهذه نقطة يجب أن يعرفها كل أحد وذلك لأن بعض الناس يستغفلون العامة ويدعون أنهم أولياء وربما يؤيدون دعواهم بخدمة الشياطين لهم فيظن العامة أن هذا من باب الكرامات وهو في الحقيقة من باب الإهانات ثانياً بالنسبة لزيارة القبور زيارة القبور عموماً مستحبة فعلها النبي ﵊ وأمر بها وأخبر عن فائدتها فقال (زوروا القبور فإنها تذكر الآخرة) والإنسان إذا زار القبر بل إذا زار القبور تذكر الآخرة حيث يتذكر أن هذا هو مثواه وأنه لا بد أن يحله كما حله من قبله ويتذكر أن هؤلاء الذين صاروا مرتهنين في قبورهم كانوا بالأمس على ظهر الأرض يمشون عليها ويتمتعون بما فيها من نعم الله كما يمشي عليها هو الآن ويتمتع بما فيها من نعم الله فيتذكر ويخاف ويعمل لهذا اليوم المحتوم الذي لا بد منه ولهذا كانت زيارة القبور سنة مستحبة ولكن يجب أن نعلم أن زيارة القبور ليس من أجل أن ننتفع بزيارتهم انتفاعاً مادياً من كشف الكربات وإغاثة اللهفات وانتفاء المضرات ولكن من أجل أن ندعو الله لهم لأننا نقول عند زيارة القبور السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم وأما دعاء أصحاب القبور فهو شرك أكبر مخرج عن الملة لأن هؤلاء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا لغيرهم وأما التبرك بترابهم أو التمسح بقبورهم فإنه بدعة منكرة وقد تصل إلى حد الكفر بحسب اعتقاد الفاعل وزيارة القبور سنة بالنسبة للرجال فقط أما النساء فلا يسن لهن زيارة القبور بل إن النبي ﷺ (لعن زائرات القبور) ولا يرد على هذا ما أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ أمرها أن تقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين إلى آخره) فإن المراد بذلك من مرت بمقبرة بدون قصد الزيارة فإنه لا حرج عليها أن تسلم على أهل القبور وتدعو لهم والشأن فيمن خرجت من بيتها إلى زيارة المقبرة فإن هذا حرام عليها بل من كبائر الذنوب (لأن النبي ﷺ لعن زائرات القبور) .
***
стр. 612
هذا مستمع من المملكة المغربية يقول في هذا السؤال هل زيارة الأولياء تجوز أم لا وإذا كانت تجوز كيف الزيارة وكيف يكون لنا أن نترحم عليهم ؟
فأجاب ﵀: نعم أولاً لا بد أن نعلم من هم الأولياء هل الولي من أطال الشعر وكبَّر العمامة وزاد في حبات المسبحة أو ما أشبه ذلك مما يصطنعه من يدعون أنهم أولياء أم ماذا؟ الجواب على هذا أن نقول إن الولي قد بينه الله في كتابه فقال (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فالولي حقيقةً هو المؤمن بالله المؤمن بكل ما يجب الإيمان به المتقي لله والتقوى اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه فإذا علمنا أن رجلاً بهذا الوصف فهو متق وزيارته إن كان حياً لا بأس بها بل قد تكون مطلوبة لما في الجلوس معه من الخير فإن الولي المؤمن التقي جليسٌ صالح وقد حث النبي ﵊ على الجلوس معه فقال ﵊ (مثل الجليس الصالح كحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه رائحةً طيبة) وأما زيارة قبورهم فإن كان الإنسان يزورها على سبيل التبرك بها فإن ذلك بدعة وذريعةٌ إلى الشرك وإن كان يزورها ليدعو لهم فهذا لا بأس به فإن زيارة القبور للدعاء لأهل القبور جائزة وهي من الإحسان إليهم وإن كان يزورها أي يزور قبور الأولياء ليدعو الأولياء ويستغيث بهم فهذا شركٌ أكبر مخرجٌ عن الملة لا يقبل من صاحبه صيامٌ ولا صلاةٌ ولا صدقة ولا حج لأنه مشركٌ شركاً أكبر فإن الله يقول (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) ويقول (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) ويقول (فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على التحذير من دعاء غير الله وعلى أنه كفرٌ وشرك مخرجٌ من الملة فصارت زيارة هؤلاء الأولياء على ثلاثة وجوه زيارة للدعاء لهم والاتعاظ بأحوالهم وهذه جائزة بل مطلوبة ,زيارة للتبرك بهم وهذه وسيلة إلى الشرك, زيارة لدعائهم والاستغاثة بهم وهذا شركٌ أكبر مخرجٌ عن الملة ثم إن القسم الثاني وهو التبرك بهم إن كان يعتقد أن هؤلاء يجعلون البركة في سعيه وفي أهله وفي ماله من أجل زيارتهم فهذا شركٌ أكبر مخرجٌ عن الملة لأن هؤلاء لا يقدرون على هذا, أمواتٌ غير أحياء فلا يقدرون على أن ينفعوا أحداً في دنياه بكشف الضر أو جلب النفع.
***
стр. 613
بارك الله فيكم في سؤال المستمع محمد الطيب يقول ما حكم زيارة الأولياء سواءٌ كانوا أحياء أم أمواتاً نرجو الإفادة ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كلمة الأولياء لا ينبغي أن نطلقها إلا على من تحققت فيه الولاية التي بينها الله في قوله (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) وليست الولاية بالدعاية أو بملابس معينة أو بهيئةٍ معينة ولكنها بالإيمان والتقوى وكثيرٌ ممن يدعي الولاية يكون دجالاً كذاباً يدعو إلى تعظيم نفسه وإلى سيطرته على عقول الخلق بغير الحق فمثل هذا لا يستحق أن يزار ولا أن تلبى دعوته حتى يستقيم على أمر الله ويرجع إلى دين الله ويسلم الناس من شره ودجله وإذا عرفنا أن هذا الرجل من المؤمنين المتقين الذي لا يزكي نفسه ولا يدعي الولاية كان له حق على إخوانه المسلمين أن يحبوه في الله وأن يحترموه الاحترام اللائق به حتى يكون ذلك تشجيعاً له على مضيه فيما هو عليه من الإيمان والتقوى وحثاً لغيره أن يكون مثله في إيمانه وتقواه وأما زيارة الأولياء بعد الموت كما قال السائل فإن الأولياء الصادقين المتصفين بالإيمان والتقوى إذا ماتوا كانت زيارتهم كغيرهم لا تختلف عن غيرهم لأنهم هم محتاجون إلى الدعاء لهم كما أن غيرهم من المسلمين محتاجٌ إلى الدعاء له وليس في زيارة قبورهم مزيةٌ على زيارة غيرهم من حيث النفع أو الضرر لأنهم هم بأنفسهم محتاجون إلى عفو الله ومغفرته وليس لهم من الأمر شيء وما يفعله بعض العامة الجهلة من التردد على قبور من يسمونهم أولياء أو يعتقدونهم أولياء للاستشفاء بتراب القبر أو التبرك بالدعوة عنده أو ما أشبه ذلك فكل هذا من البدع بل قد تكون وسيلةً إلى الشرك بهم ودعائهم مع الله .
***
стр. 614
أحسن الله إليكم هذه السائلة تقول فضيلة الشيخ في أغلب الأوقات عندما أستمع لأحد العلماء وهو يؤدي الصلاة من خلال المذياع يخطر في قلبي بأنه سيقرأ في الركعة الأولى خواتيم سورة البقرة مثلا وفي الركعة الثانية خواتيم سورة التوبة وأتكلم بذلك فيأتي كما قلت وهذ ا يحدث لي كثيرا ولا أقول بأني أعلم الغيب حاشا فلا يعلم الغيب إلا الله ولكن هل تعتبر هذه مكرمة لي من الله ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه ليست مكرمة وليست علم غيب ولكنها ظن يقع في قلب الإنسان أن يكون كذا وكذا فيكون ولا سيما إذا كان هذا الإمام قد اعتاد أنه إذا قرأ خواتيم سورة البقرة قرأ خواتيم سورة التوبة فإن سامعه يتوقع أنه بعد قراءته لخواتيم سورة البقرة أن يقرأ خواتيم سورة التوبة وليس كل ظن يقع كما ظنه الظان يكون كرامة للإنسان أو علم غيب لأن الكرامة أمر خارق للعادة يظهره الله ﵎ على يد ولي من أوليائه وهذا الظن الذي يستفاد من القرائن ليس بأمر خارق للعادة.
***
стр. 615
الصحابة
стр. 616
جزاكم الله خيراً يقول هذا السائل في سؤاله يا فضيلة الشيخ ما الواجب علينا نحو الصحابة الكرام ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب علينا محبتهم واحترامهم والذود عن أعراضهم والسكوت عمّا جرى بينهم من القتال واتهام من سبهم بالنفاق وذلك بأنه لا أحد يجرؤ على سب الصحابة ﵃ إلا من غمسه النفاق والعياذ بالله وإلا فكيف يسب الصحابة وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وقال (لا تسبوا أصحابي) ثم إن سب الصحابة قدح في الصحابة وقدح في الشريعة وقدح في الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقدح في حكمة الله أما كونه قدحاً للصحابة فواضح وأما كونه قدحاً في الشريعة فلأن الذين نقلوا إلينا الشريعة هم الصحابة وإذا كان ناقلو الشريعة على الوصف الذي يسبهم به من سبهم لم يبق للناس ثقة بشريعة الله لأن بعضهم والعياذ بالله يصفهم بالفجور والكفر والفسوق ولا يبالي أن يسب هذا السب على أشرف الصحابة أبي بكر وعمر ﵄ وأما كونه قدح برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلأن الصاحب على حسب حال صاحبه بالنسبة لاعتباره ومعرفة قدره ولذلك تجد الناس إذا رأوا هذا الشخص صاحبا لفاسق نقص اعتباره عندهم وفي الحكمة المشهورة بل وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) وفي الحكمة المشهورة المنظومة:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
وأما كونه طعناً في حكمة الله فهل من الحكمة أن يختار الله لأشرف خلقه محمد ﷺ هؤلاء الأصحاب الفجرة الكفرة الفسقة والله ليس من الحكمة.
***
стр. 617
_________
علوم القرآن والتفسير
_________
стр. 618
فضائل القرآن
стр. 619
بارك الله فيكم هذه السائلة من الأردن تقول فضيلة الشيخ نحن نعلم بأن الدار التي تقرأ فيها سورة البقرة لا يدخلها شيطان فهل تقرأ مرة واحدة أم كل ثلاثة أيام وهل تقرأ هذه السورة في الغرفة أم يكتفى أن تقرأ في مكان واحد من البيت ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر أن البيت إذا قرئت فيه البقرة أول مرة اكتفي بها وأنه لا يشترط أن تقرأ في كل حجرة بل تقرأ في صالة البيت أو في السطح أو في مكان عام من البيت ويكتفى بذلك.
***
стр. 620
ما حكم المداومة على قراءة سورة الكهف في كل جمعة وهل الاستمرار عليها وعدم تركها يعتبر بدعة .
فأجاب رحمه الله تعالى: الاستمرار عليها جائز ولا شك فيه لأن في قراءتها كل جمعة فضلاً كما صحت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
стр. 621
ماذا ورد في قراءة سورة يس في كل ليلة وأيضاً سورة الدخان ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم في هذا سنة وإنما ورد السنة بقراءة سورة الملك كل ليلة وكذلك قراءة آية الكرسي وقراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة وقراءة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (المعوذتين) وأما ما ذكره السائل فلا أعلم له أصلا.
***
стр. 622
يقول ما حكم المداومة على قراءة سور معينة يتخذها الإنسان كورد بجانب تلاوة القران يوميا حيث علمنا من بعض الأحاديث بأن قراءة هذه السور لها فضل عظيم كسورة يس وسورة حم الدخان والفتح والملك وغيرها ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما ما لم يرد به النص من قراءة بعض السور أو الآيات فإنه لا يجوز للإنسان أن يقرأه معتقدا أن قراءة هذا الشيء المعين سنة لأنه لو فعل ذلك لشرع في دين الله ما ليس منه وأما ما ثبت به الحديث عن النبي ﵊ أو جاء عن الرسول ﷺ على وجه تثبت به الحجة فإنه لا بأس أن يداوم عليه على الوجه الذي جاء إن كان جاء بالمداومة يكون مداوما وإن كان جاء بغير المداومة يكون غير مداوم والمهم أنه ينبغي بل يجب على العباد وأصحاب الأوراد يجب عليهم أن يتحروا ما جاء في السنة عن النبي ﷺ وألا يبتدعوا في دين الله ما ليس منه فإنه حتى القرآن إذا خص الإنسان منه شيئاً معينا يتخذه دينا بالمداومة عليه أو ما أشبه ذلك وهو لم يرد عن الرسول صلى الله وسلم على وجه يكون حجة فإنه لا يجوز له أن يفعل ذلك بل يكون مبتدعا في دين الله ما ليس منه.
***
стр. 623
يقول السائل سمعت بأن هناك سورا منجيات يوم القيامة مثل الملك والدخان والواقعة ما صحة ذلك ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم عن هذا شيئا.
***
стр. 624
سورة الإخلاص يقال إنها تمثل أو تعدل ثلث القرآن فهل صحيح هذا وأن من يقرؤها ثلاث مرات كأنه قرأ القرآن كله ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: صحيح أن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن ثبت ذلك عن النبي ﷺ في صحيح البخاري وغيره ولكن ليس معنى المعادلة أنها تجزئ عن القرآن فإن المعادلة قد لا تكون مجزئة وانظر إلى ما ثبت به الحديث عن النبي ﷺ من أن قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات يعدل عِتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل ومع ذلك لو قال الإنسان هذا الذكر مائة مرة لم يجزئه عن العتق رقبة في كفارة فمعادلة الشيء بالشيء لا تقتضي إجزاء الشيء عن الشيء فنحن نقول كما قال النبي ﷺ (إن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن) لكننا نقول إن قراءتها لا تجزئ عن قراءة القرآن بل لابد من هذا وهذا ولذلك لو أن الإنسان قرأها في صلاته ثلاث مرات ولم يقرأ الفاتحة ما صحت صلاته ولو كانت تجزئ عن القرآن لقلنا إنك إذا قرأتها ثلاث مرات في الصلاة أجزأتك عن الفاتحة ولا قائل بذلك من أهل العلم.
***
стр. 625
الناسخ والمنسوخ
стр. 626
ماهي الآيات الناسخة والمنسوخة ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يمكن الإحاطة بها، هذه لها مجلس علم لكن هنا مسألة وهي أن بعض أهل العلم ﵏ يتساهلون في مسألة النسخ فقد يكون الأمر ليس بنسخ بل هو تخصيص ويقولون إنه نسخ وهذا وإن كان يطلق عليه اسم النسخ في عرف المتقدمين أي إنهم يسمون التخصيص نسخا لكن النسخ بالمعنى المصطلح عليه بعض الناس يتساهل فيه فتجده يعد آيات كثيرة منسوخة وأحاديث كثيرة منسوخة مع إمكان الجمع والأحكام المنسوخة لا تتجاوز عشرة أحكام أو نحوها تزيد قليلا فما يفعله بعض العلماء ﵏ من كونه كلما عجز عن الجمع بين النصين قال منسوخ فهذا تهاون في النسخ والتهاون في النسخ ليس بالأمر الهين لأن لازمه إبطال أحد النصين وإبطال النص أمر صعب لا يمكن فالواجب الجمع ما أمكن فإذا تعذر الجمع نظرنا إلى التاريخ ولا بد من علم التاريخ فالمتقدم منسوخ والمتأخر ناسخ.
***
стр. 627
رسالة من الصومال يقول مرسلها عبد علي نور الصومالي تنزانيا، لي سؤال سألته من قبل بعض علماء هذا الوطن لكني لم أجد حتى الآن جواباً مقنعاً أطلب أن تجيبوا لي برسالة وبالإذاعة أيضاً قد قرأت خطبة لعمر بن الخطاب إن الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل الله عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضل بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله تعالى، إلى آخر الخطبة، فبحثت عن آية الرجم فوجدت في كتاب بلوغ المرام ص ٢٧١ وهي قوله تعالى الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما والعجب أن هذه الآية لا توجد في الكتاب كما قال عمر بن الخطاب في خطبته هذه، والسؤال من الذي خرجها في الكتب، وما السبب، وهل هناك جناح في قراءتها وفي أي سورة كانت وما الآية التي كانت قبلها والآية التي بعدها ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث الذي ذكره السائل عن عمر ﵁ ثابت عنه في الصحيحين وأن الآية نزلت في كتاب الله وقرأها الصحابة ووعوها وحفظوها وطبقت في عهد النبي ﷺ وعهد الخلفاء بعده، وهي حق بلا شك، لكن هذه الآية مما نسخ لفظه وبقي معناه، وقد ذكر أهل العلم أن النسخ في كتاب الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام الأول ما نسخ حكمه وبقي لفظه، وهذا أكثر ما وقع في القرآن، والثاني ما نسخ لفظه وبقي حكمه، والثالث ما نسخ لفظه وحكمه، فمثال الأول قوله تعالى (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) ثم قال بعدها ناسخاً لها (الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ) فهذا نسخ حكمه وبقي لفظه، بقي لفظه تذكيراً للأمة بما أنعم الله عليهم من التخفيف وكذلك إبقاءً لثوابه بتلاوته، أما القسم الثاني وهو ما نسخ لفظه وبقي حكمه فمثل هذه الآية، آية الرجم فإن حكمها باقٍ إلى يوم القيامة وكانت مقروءة وموجودة لكنها نسخ لفظها، والحكمة في نسخ لفظها والله أعلم بيان فضل هذه الأمة على الأمة اليهودية التي كتمت أو حاولت أن تكتم ما كان موجوداً في كتابها وهي آية الرجم حينما جاؤوا إلى النبي ﷺ يستفتونه في قضية اليهوديين حينما زنى رجل بامرأة منهم فجاؤوا بالتوراة ووضع القارئ يده على آية الرجم حتى قال عبد الله بن سلام ارفع يدك، فالأُمَّة اليهودية كان رجم الزاني ثابتاً عندها في التوراة لفظاً وحكماً فحاولوا كتمه وعدم العمل به، هذه الأمة نسخ لفظ التلاوة التي تثبت رجم الزاني لكن الأمة الإسلامية طبقت هذا الحكم على الرغم من كون اللفظ منسوخاً مما يدل على فضلها وعلى امتثالها لأمر الله وعدم تحايلها على إبطال شريعته هذا هو الذي يظهر لي من الحكمة في نسخ لفظها، وإن كان قد روي أن الحكمة هو أن الآية التي أشار إليها الأخ في السؤال وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما لا تطابق الحكم الثابت الآن، لأن الحكم الثابت الآن معلق بالإحصان لا بالشيخوخة، والآية إن صحت الشيخ والشيخة تعلق الحكم بالشيخوخة لا بالإحصان، وبينهما فرق فقد يكون الشيخ غير محصن يعني لم يتزوج ومع ذلك لا يرجم ومقتضى الآية أن يرجم لأنه شيخ، وقد يكون المحصن شاباً فيرجم ومقتضى الآية إن صحت أنه لا يرجم، ولذلك هذه الآية الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم، في القلب من صحتها شيء وإن كانت قد وردت في السنن وفي المسند وفي ابن حبان، لكن في القلب منها شيء لأن حديث عمر رضى الله عنه الذي أشار إلى آية الرجم قال وإن الرجم حق ثابت في كتاب الله على من زنى إذا أحصن، إذا أحصن فمقتضى هذا اللفظ الثابت في الصحيحين أن الآية المنسوخة قد علقت الحكم بالإحصان لا بالشيخوخة، ولهذا يجب التحرز من القول بأن الآية المنسوخة بهذا اللفظ أي بلفظ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة لأن إثبات أن هذه هي الآية المنسوخة معناها إثبات أنها من كلام الله، وكلام الله حسب الحكم الشرعي الثابت الآن مقيد بالإحصان لا بالشيخوخة وهو في الحديث الذي في الصحيحين عن عمر يدل أيضاً على أن الآية المنسوخة قد علقت الحكم بالإحصان لا بالشيخوخة، على كل حال في نفسي وفي قلبي شيء من صحة هذا اللفظ أي لفظ الآية التي كانت منسوخة وهي أن لفظها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم فلا أستطيع أن أجزم بأن هذه هي الآية أي أن هذا هو لفظها، لأنها كما أشرنا إليه لا تطابق الحكم الشرعي الثابت الآن، ولا تطابق أيضاً الحديث الثابت في الصحيحين أن الآية المنسوخة على من زنى إذا أحصن، ففي القلب من صحتها شيء، أما قول الأخ أنه لم يجدها فصدق فهي غير موجودة في المصحف آية الرجم، وأما أين السورة التي ذكرت فيها ففي صحيح ابن حبان أنها كانت في سورة الأحزاب، والله أعلم بذلك، هل هي في سورة الأحزاب أو في سورة النور، الله أعلم، لأن الحديث يجب النظر فيه، والخلاصة أن قوله والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، وإن كان مشهوراً ومعروفاً في السنن ومسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان فإن في نفسي من صحته شيئاً أولاً لأنه يخالف الحكم الشرعي الثابت إذ الحكم معلق بالإحصان لا بالشيخوخة، ثانياً أن لفظ حديث عمر الثابت في الصحيحين ذكر أن الرجم على من زنى إذا أحصن فمقتضى ذلك أن الآية المنسوخة تعلق الحكم بالإحصان لا بالشيخوخة، وهذا مما يدل على ضعف هذا الحديث المروي فيجب التثبت فيه، إذن هذا القسم الثاني من المنسوخ ما نسخ لفظه وبقي حكمه، الثالث ما نسخ لفظه وحكمه، ومثلوا له بحديث عائشة رضى الله عنها الثابت في صحيح مسلم كانت فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن هذه فإن هذا العشر نسخت لفظاً وحكماً ثم استقر الحكم على خمس معلومات.
***
стр. 628
التفسير والمفسرون
стр. 629
هل كل شخص يفسر القرآن برأيه أم الراسخون في العلم فقط وما الدليل على ذلك مأجورين ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم التفسير بالرأي لا يجوز لا لأهل العلم ولا لغيرهم ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ومعنى التفسير بالرأي أن الإنسان يحمل معاني كتاب الله على ما يراه لا على ما تقتضيه دلالتها وأما التفسير بمقتضى الدلالة فإن كان عند الإنسان قدرة على ذلك بحيث يكون عنده علم من اللغة العربية وعلم من أصول الفقه وقواعد الملة فلا بأس أن يفسر القرآن بما يقتضيه ذلك وإن لم يكن عنده علم فإنه لا يجوز أن يفسره لأن الأمر خطير ومفسر القرآن مترجم عن الله فليحذر أن يترجم كلام الله بما لا يريده الله فإن الأمر شديد وعظيم.
***
стр. 630
السائل يقول عندما يسألني سائل عن تفسير آية من القرآن وأنا لا أعلم بتفسيرها أقوم بتفسيرها على ضوء نص الآية فهل يجوز ذلك أم أن ذلك يكون من التكلف ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما إذا كنت طالب علم وعندك شيء من علم اللغة وأفتيته بما تقتضيه اللغة أي فسرت له القرآن بما تقتضيه اللغة فأرجو أن لا يكون في هذا بأس وأما إذا كنت عاميّاً فلا تتحدث عن تفسير القرآن لأنك تكون حينئذ قلت في القرآن برأيك ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار.
***
стр. 631
أحياناً يسأل أحدنا سؤالاً عن تفسير آية أو كلمة في القرآن فالبعض منا يفسر الآية على ما يغلب عليه ظنه فهل في ذلك بأس ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الذي فسر الآية على حسب ظنه من أهل اللغة العربية العارفين بها فلا بأس وأما إذا كان يتخرص خرصاً فلا يجوز لأن المفسر للقرآن شاهدٌ على الله تعالى بأنه أراد كذا وكذا وهذا أمرٌ فيه خطورةٌ عظيمة فإن الله تعالى سيسأله يوم القيامة كيف شهدت عليَّ بأني أردت كذا وكذا بدون علم ولهذا جاء التحذير من تفسير القرآن بالرأي وأن من فسر القرآن برأيه فقد أخطأ وإن أصاب أما الإنسان الذي عنده معرفة باللغة العربية وفسر القرآن بمقتضى اللغة العربية فهذا لا بأس به ولكن مع ذلك يراجع ما قاله المفسرون في تفسير الآية أما إذا كان هذا القول في مناقشةٍ بين طلبة العلم وسيرجعون في النهاية إلى كتب التفسير فهذا لا بأس به لأن هذا ليس قولاً مستقراً لكنه عرض رأيٍ سوف يراجع فيما بعد.
***
стр. 632
بماذا ترشدون من أراد أن يقرأ في كتب التفسير لا سيما وأن بعضها يشتمل على تحريف الصفات ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أرشده إلى أن يتجنب جميع الكتب التي فيها التحريف ثم إذا ترعرع فيما بعد وأحب أن يطلع ويرى ما ابتلي به بعض الناس من التحريف فلا حرج أما في بداية الأمر فأخشى عليه الضلال إذا طالع الكتب التي فيها التحريف كتحريف (اسْتَوَى) بمعنى استولى (وَجَاءَ رَبُّكَ) بمعنى جاء أمر ربك (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) أي نعمتاه وما أشبه ذلك من التحريف الباطل هذا لا يمكن أن يقرأه المبتدئ لأنه يضل ويهلك ونحن نؤمن بأن الله يجيء نفسه لأن الله أضاف الفعل إلى نفسه جاء ربك وأنه استوى على عرشه حقا وبأن له يدين حقيقيتين قال الله (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) فالأمر واضح ولله الحمد الأمر مثل الشمس في رابعة النهار لكني أقول من لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
***
стр. 633
أقرأ في بعض التفاسير وأخشى أن يكون بعضهم يخالف قول أهل السنة والجماعة ومذهب أهل السنة فبماذا تنصحونني ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: على كل حال أقول إن بعض المفسرين ينحون مذهب من يخرج النصوص على ظاهرها فيما يتعلق بصفات الله فيجب الحذر من هذا المذهب لأن حقيقته تحريف الكلم عن مواضعه وليس تأويلاً صحيحاً مراداً لله لأن الله تعالى لو خاطب الناس بما يريد منهم خلاف ظاهره لم يكن هذا من البيان الذي التزم الله به في قوله لرسول الله ﷺ (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) وفي قوله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) ولا يجوز لنا أن نعدل بكلام الله أو كلام رسوله ﷺ لا في باب العقيدة ولا في باب الأحكام العملية عن ظاهره إلا بدليل لأن الله خاطبنا باللسان العربي المبين فيجب علينا أن نجري اللفظ بمقتضى هذا اللسان العربي المبين إلا إذا جاء دليل من المتكلم به على أنه لا يريد ظاهره فحينئذٍ نفسر كلامه بعضه ببعض وأما مجرد الأوهام والتخيلات التي تكون عند بعض أهل العلم من أن إثبات هذه الصفة يقتضي التمثيل أو التشبيه فإن هذه لا يجوز لنا أن نحكم بها على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ لأنها أوهام ذهب إليها من ذهب ظناً منه أن صفات الله يحذى بها حذو صفات المخلوقين فيكون هذا الذي نفى الصفة يكون ممثلاً أولاً ومعطلاً ثايناً فهو ممثل أولاً بحسب ظنه ووهمه معطلٌ ثانياً لأنه نفى الصفة التي يدل عليها ظاهر كلام الله ورسوله.
***
стр. 634
ما تنصحون بقراءته من كتب التفسير ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كتب التفسير في الواقع كثيرة ومتشعبة والعلماء ﵏ كل يأخذ بجهة من جهات القرآن الكريم فمنهم من يغلب عليه تفسير المعاني بقطع النظر عن الإعراب والبلاغة وما أشبه ذلك ومنهم من يغلب عليه مسائل الإعراب والبلاغة وما أشبه ذلك ومنهم من يغلب عليه استنباطات من الآيات العلمية والعملية فهم يختلفون لكن من خير ما يكون من التفاسير فيما أعلم تفسير ابن كثير ﵀ فإنه تفسير جيد سلفي لكن يؤخذ عليه أنه يسوق بعض الإسرائيليات في بعض الأحيان ولا يتعقبها وهذا قليل عنده ومن التفاسير الجياد تفسير الشيخ عبد الرحمن الناصر بن سعدي ﵀ فإنه تفسير سلفي سهل المأخذ ينتفع به حتى العامي ومن التفاسير الجياد تفسير القرطبي ﵀ ومنها تفسير محمد الأمين الشنقيطي الجكني لا سيما في الجزء الذي أدركه ومن التفاسير الجياد في البلاغة والعربية تفسير الزمخشري لكن احذره في العقيدة فإنه ليس بشيء ومن التفاسير الجياد تفسير ابن جرير الطبري لكنه لا ينتفع به إلا الراقي في العلم هناك تفاسير أخرى لا نعرفها إلا بالنقل عنها لكن الإنسان يجب عليه أنه إذا لم يفهم الآية من التفاسير أن يسأل عنها أهل العلم حتى لا يفسر القرآن بغير مراد الله تعالى به.
***
стр. 635
آداب القرآن وأحكامه (حفظ القرآن وتعاهده)
следующие страницы →