← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 23018

الكتاب لسيبويه

سيبويه

Полный текст (1 982 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

هذا لم يُبْنَ على الفعل، ولكنه جاء على مثل قوله تعالى: " مَثَلُ الجَنَّة اَّلِتى وُعِدَ المُتَّقُونَ ". ثمَّ قال بَعْدُ: " فيها أنهار من ماء "، فيها كذا وكذا. فغنما وُضِعَ المَثَلُ للحديث الذى بعده، فذكر أخباراً وأحاديثَ، فكأَنه قال: ومن القَصَص مَثَلُ الجنّة، أو مما يقص عليهكم مَثَلُ الجنّة، فهو محمول على هذا الإِضمارِ " ونحوِه ". والله تعالى أعلم. وكذلك " الزانية والزاني "، " كأنه " لمّا قال جلّ ثناؤُه: " سورة أنزلناها فرضناها ". قال: فى الفراِئض الزَّانِيَةُ والزَّانِى، " أو الزانيةُ والزانِى فى الفرائض ". ثم قال: فاجْلِدُوا، فجاءَ بالفعل بعد أن مَضَى فيهما الرفعُ، كما قال: وقائلة: خَوْلانُ، فانْكِحْ فتاتَهم فجاء بالفعل بعد أنْ عَمل فيه المضمَرُ. وكذلك: " والسارق والسارقة " " كأنه قال: و " فيما فرض عليكم " السارقُ والسارقةُ، أو السَّارق والسارقة فيما فرض عليكم ". فإِنَّما دخلت هذه الأسماءُ بعد قصَص وأحاديثَ. ويحمل على نحوٍ من هذا " ومثلِ ذلك ": " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ".

стр. 142

وقد يَجْرِى هذا فى زيدٍ وعمرو على هذا الحدّ، إذا كنتَ تُخبِرُ " بأشياء " أو توصي. ثم تقول: زيدٌ، فيمن أُوِصى به فأَحْسِنْ إليه وأَكرْمْه. وقد قرأ أناس: " والسارق والسارقة " و " الزانية والزانِىَ "، وهو فى العربيّة على ما ذكرت لك من القوَّة. ولكن أَبَتِ العامَّةُ إلاّ القراءةَ بالرفع. وإنَّما كان الوجهُ في الأمر والنَّهى النصبَ لأنّ حدَّ الكلام تقديمُ الفعل، وهو فيه أوجبُ، إذ كان ذلك يكون فى ألف الاستفهام، لأنّهما لا يكونان إلا بفعل. وقَبُحَ تقديمُ الاسم فى سائر الحروف، لأنّها حروفٌ تَحْدُثُ قبل الفعل. وقد يصير معنى حديثهن إلى الجزاء، والجزاء لا يكون إلاّ خبراً، وقد يكون فيهنّ الجزاءُ فى الخبر، وهى غيرُ واجبة كحروف الجزاء فأُجْرِيَتْ مُجراها. والأمر ليس يَحْدُثُ له حرفٌ سوى الفعل، فيُضارِع حروفََ الجزاء، فيقبُح حذفُ الفعل منه كما يَقبح حذفُ الفعل بعد حروف الجزاء. وإنّما يقبح حذفُ الفعل وإضمارُه بعد حروف الاستفهام لمضارعتها حروفَ الجزاء. وإنما قلت: زيداً اضربْه، واضربْه مشغولةٌ بالهاء، لأنَّ الأمرَ والنهى لا يكونان إلاّ بالفعل، فلا يستغنى عن الإضمار إن لم يظهَرْ.

стр. 143

باب حروفٍ أُجريتْ مُجرى حروف الاستفهام وحروفِ الأمر والنهى وهى حروف النَّفى، شبّهوها بحروف الاستفهام حيث قُدّم الاسمُ قبل الفعل، لأنَّهنَّ غيرُ واجبات، كما أنّ الألف وحروف الجزاء غير واجبة، وكما أنَّ الأمر والنهى غير واجبَيْنِ. وسَهُل تقديم الأسماء فيها لأنّها نفىٌ لواجبٍ، وليست كحروف الاستفهام والجزاء، وإنّما هى مضارعة، وإنما تجيء لخلاف قوله: قد كان. وذلك قولك: ما زيداً ضربتُه ولا زيداً قتلتُه، وما عَمْراً لقيتُ أباه ولا عمراً مررتُ به ولا بِشرا اشتريتُ له ثوبا. وكذلك إذا قلت: ما زيداً أنا ضاربُه، إذا لم تجعله اسماً معروفا. قال هُدْبةُ بن الخَشْرَمْ العُذْرىّ: فلا ذا جلال هبنه لجلاله ... ولا ذاع ضيَاعٍ هنَّ يَتركْنَ للفَقْرِ وقال زُهير: لا الدَّارَ غَيَّرَها بَعْدِى الأَنيسُ ولا ... بالدّارِ لو كَلَّمَتْ ذا حاجةٍ صَمَمُ

стр. 144

وقال جرير: فَلا حَسَباً فَخَرْتَ به لتَيْمٍ ... ولا جَدّاً إذا ازدَحَمَ الجُدودُ وإن شئت رفعتَ، والرَّفعُ فيه أقوى إذْ كان يكون فى ألف الاستفهام، لأنَّهنَّ نفىُ واجبٍ يُبتدأ بعدهنّ ويُبنَى على المبتدإ بعدهنّ، ولم يَبلغنَ أَن يكنَّ مثل ما شُبَّهْنَ به. فإِنْ جعلتَ " ما " بمنزلة ليس فى لغة أهل الحجاز لم يكن إلا الرفع، لأنك تجيء بالفعل بعد أن يَعمل فيه ما هو بمنزلة فِعلٍ يَرفع، كأنَّك قلت: ليس زيدٌ ضربتُه. وقد أَنشد بعضهم هذا البيتَ رَفعاً، " قول مزاحم العقيلى ": وقالوا تعرفها المنازل من منى ... وما كل من وافى منى أنا عارف فإِن شئت حملتَه على ليس، وإن شئت حملته على " كُلُّهُ لم أَصنعِ ". فهذا أبعدُ الوجهين.

стр. 145

وقد زعم بعضهم أنّ ليس تجعل كما، وذلك قليل لا يَكادُ يُعْرَفُ، فهذا يجوز أن يكون منه: ليس خَلَقَ اللهُ أَشْعَرَ منه، وليس قالها زيد. قال حُمَيْدٌ الأرْقَطُ: فأصْبَحُوا والنَّوىَ عالي مُعَرَّسِهِمْ ... وليسَ كل النوى يلقي المساكين وقال هشام أخو ذى الرمة: هي الشفاء لدائى لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء الداءِ مَبْذولُ هذا كلُّه سُمِعَ من العرب. والوجه والحدّ أن تَحْمِلَه على أَنّ فى ليس إضماراً وهذا مبتدأٌ، كقوله: إنَّه أمةُ الله ذاهبةٌ. إلاَّ أنَّهم زعموا أنَّ بعضهم قال: ليس الطَيبُ إلاّ المِسكُ، وما كانَ الطيبُ إلا المسكُ. فإِن قلت: ما أنا زيدٌ لقيتُه، رفعتَ إلاّ فى قول من نَصَبَ زيداً لقيتُه لأنَّك قد فصَلتَ كما فصلت فى قولك: أنت زيدٌ لقيتَه. " وإن كانتْ ما التى هى بمنزلة ليس، فكذلك، كأنّك قلت: لستُ زيدٌ لقيتُه "، لأنّك شغلت الفعل " بأنا "، وهذا مبتدأٌ بعد اسم، وهذا الكلام فى موضع خبره، وهو فيه أقوى لأنَّه عاملٌ فى الاسم الذى بعده. وألفُ الاستفهام، وما فى لغة بنى تميم، يفصلنَ فلا يَعْمَلنَ. فإِذا اجتمع أَنك تَفصِلُ وتعمل الحرفَ فهو أقوى.

стр. 146

وكذلك: إنَّى زيدٌ لقيتُه، وأنا عمرو ضربتُه، ولَيْتَنِى عبدُ الله مررتُ به، لأنّه إنما هو اسمٌ مبتدأُ " ثم ابْتُدِئَ بعده "، أو اسمٌ قد عَمِلَ فيه عاملٌ ثم ابتُدئ بعده الكلام فى موضع خبره. فأما قوله : " إنا كل شيء خَلِقْنَاهُ بِقَدَرٍ "، فإِنّما هو على قوله: زيداً ضربتُه، وهو عربىٌّ كثير. وقد قرأَ بعضهم: " وأما ثمود فهديناهم "، إلاَّ أنّ القراءة لا تُخالَفُ؛ لأنّ القراءة السُّنَّةُ. وتقول: كنتُ عبدُ الله لقيتُه، لأنَّه ليس من الحروف التى يُنْصَبُ ما بعدها كحروف الاستفهام وحروفِ الجزاء ولا ما شُبّه بها، وليس بفعلٍ ذكرتَه ليعمل في شيء فيَنْصِبَه أو يَرفعَه، ثم يُضَمَّ إلى الكلام الأوّل الاسمُ بما يُشْرَكُ " به "، كقولك: زيدا ضربت وعمراً مررت به، ولكنه شيء عَمِلَ فى الاسم، ثم وضعتَ هذا فى موضع خبره، مانعاً له أن ينصبَ، كقولك: كان عبدُ الله أبوه منطلقٌ. ولو قلت: كنتُ أخاك وزيدا مررتُ به نصبتَ، لأنَّه قد أُنفذ إلى مفعول ونُصبَ ثم ضممتَ إليه اسما وفعلا.

стр. 147

وإذا قلت: كنتُ زيدٌ مررتُ به، فقد صار هذا فى موضع أخاك ومَنَعَ الفعَل أن يَعْمَلَ. وكذلك: حَسِبْتُنى عبدُ الله مررتُ به، لأنّ هذا المضمَرَ المنصوبَ بمنزلة المرفوع فى كنتُ؛ لأنّه يَحتاج إلى الخبر كاحتياج الاسم فى كنتُ، وكاحتياجِ المبتدإ، فإِنَّما هذا فى موضع خبره، كما كان فى موضع خبرِ كان، فإِنَّما أراد أن يقولَ: كنتُ هذه حالى، وحَسِبتُنى هذه حالى، كما قال: لقيتُ عبدَ الله وزيد يضربه عمرو، فإنما قال: لقيت عبد الله وزيد هذه حالُه، ولم يَعْطِفه على الحديث الأوَّل ليكون في مثل معناه، ولم يُرِدْ أن يقول: فعلتُ وفَعَلَ، وكذلك لم يُرِدْه فى الأوّل. ألا ترى أنّه لم يُنْفِذِ الفعلَ فى كنتُ إلى المفعول الذى به يَسْتَغنىِ الكلامُ كاستغناء كنتُ بمفعوله. فإِنَّما هذه فى موضع الإِخبارِ، وبها يَسْتَغنِى الكلامُ. وإذا قلتَ: زيدا ضربتُ وعمراً مررتُ به، فليس الثانى فى موضع خبر، ولا تريد أن يستغنى به شيء لا يتم غلا به، فإِنّما حالُه كحال الأول " فى أنه مفعولٌ "، وهذا " الثانى " لا يَمْنَعُ الأوّلَ مفعوله أَنْ يَنْصِبَهُ لأنّه ليس فى موضع خبره، فكيف يُختار فيه النّصبُ، وقد حال بينه وبين مفعوله، وكان فى موضعه، إلاّ أن تَنصبه على قولك: زيداً ضربتُه. ومثل ذلك: قد علمتُ لَعَبْدُ الله تضربه، فدخولُ اللام يدلُّك أنَّه إنَّما

стр. 148

أراد به ما أراد إذا لم يكن قبله شيء، لأنها ليست مما يضم به الشيء إلى الشيء كحروف الاشتراك، فكذلك تركُ الواو فى الأول هو كدخول اللام هنا. وإن شاءَ نصبَ، كما قال الشاعر، وهو المَرَّار الأسدى: فلو أنّها إياكَ عَضَّتْكَ مِثْلُها ... جَرَْرتَ على ما شئتَ نَحْراً وكَلْكَلاَ هذا بابٌ من الفعل يستعمَلُ فى الاسم ثم يبدل مكان ذلك الاسم اسمٌ آخَرَ فيَعْمَلُ فيه كما عَمِلَ فى الأوّل وذلك قولك: رأيتُ قومَك أكثرَهم، ورأيتُ بنى زيد ثُلُثَيْهم، ورأيتُ بنى عمّك ناساً منهم، ورأيتُ عبدَ الله شخصهَ، وصَرفْتُ وجوهها أولها. فهذا يجيء على وجهينِ: على أنَّه أراد: رأيتُ أكثرَ قومك، و " رأيت " ثُلُثَى قومك، وصرفتُ وجوهَ أوّلِها، ولكنَّه ثَنَّى الاسمَ توكيداً، كما قال جلّ ثناؤه: " فَسَجَدَ الملائكة كلهم

стр. 149

أجْمَعُونَ " وأشباه ذلك. فمن ذلك قوله : " يسألونك عن الشر الحرام قتال فيه ". وقال الشاعر: وذكر تَقْتُدَ بَرْدَ مائها ... وعَتَكُ البَوْلِ على أنسائِها ويكون على الوجه الآخرَ الذى أذكره لك، وهو أن يَتكلّمَ فيقولَ: رأيتُ قومَك، ثم يَبْدوَ له أن يبيَّنَ ما الذى رأى منهم، فيقولَ: ثُلُثَيْهم أَو ناساً منهم. ولا يجوز أن تقول: رأيتُ زيدا أباه، والأبُ غيرُ زيد، لأنّك لا تبينَّه بغيره ولا بشيء ليس منه. وكذلك لا تثنَّى الاسم توكيداً وليس بالأول ولا شيء منه، فإِنَّما تثنَّيه وتُؤكَّدُهُ مُثَنًّى بما هو منه أو هو هو. وإنّما يجوز رأيتُ زيداً أباه

стр. 150

ورأيت عمراً، أَن يكون أراد أن يقول: رأيتُ عمرا أو رأيتُ ابا زيد، فَغَلِطَ أو نَسِىَ، ثم استَدرك كلامَه بعدُ؛ " وإمّا أن يكون أَضْرَبَ عن ذلك فنَحَّاه وجعل عمراً مكانَه ". فأَمّا الأوّل فجيّدٌ عربى، مثلُه قوله : " ولله على الناس حج البيت من استطاع عليه سبيلا " لأنهم من الناس. ومثلُه إلاَّ أنَّهم أعادوا حرفَ الجرّ: " قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين اشتضعفوا لمن آمن منهم ". ومن هذا الباب " قولك ": بعت متاعك أسفله قبل أَعلاه، واشتريتُ متاعَك أسفلَه أسَرعَ من اشترائى أَعلاه، واشتريتُ متاعَك بعضَه أعجلَ من بعض، وسقيت إبلك صغارها أحسن من سقي كِبارَها، وضربت الناسَ بعضَهم قائما وبعضَهم قاعداً، فهذا لا يكون فيه إلاَّ النصبُ؛ لأنَّ ما ذكرتَ بعده ليس مبنيّا عليه فيكونَ مبتدأ، وإنَّما هو من نعتِ الفعل، زعمتَ أنّ بَيْعَه أسفلَه كان قبل بيعه أعلاه، وأنّ الشَّراءَ كان فى بعضٍ أعجلَ من بعض، وسَقْيَه الصغارَ كان أحسنَ من سَقيه الكبار، ولم تَجعله خبراً لما قبله. ومن ذلك قولك: مررتُ بمتاعك بعضِه مرفوعاً وبعضِه مطروحاًن فهذا

стр. 151

لا يكون مرفوعاً؛ لأنك حملت النعتَ على المرور فجعلته حالاً " للمرور " ولم تجعلْه مبنياًّ على المبتدأ. وإن لم تجعله حالاً للمرور جاز الرفع. ومن هذا الباب: أَلزمتُ الناسَ بعضَهم بعضاً، وخَوّفتُ الناس ضعيفَهم قَوِيَّهم. فهذا معناه في الحديث المعنى " الذي " في قولك: خاف الناس ضعيفهم قويهم، ولَزِمَ الناسُ بعضُهم بعضاً، فلما قلت: أزلمت وخوّفتُ صار مفعولا، وأجريتَ الثانىَ على ما جرى عليه الأوّلُ وهو فاعلٌ، فصار فِعْلا تعدّى إلى مفعولينِ. وعلى ذلك دَفعتُ الناسَ بعضَهم ببعضٍ، على قولك: دَفَعَ الناسُ بعضُهم بعضاً. ودخولُ الباء ههنا بمنزلة قولك: ألزمتُ، كأنَّك قلت فى التمثيل: أَدْفَعْتُ، كما أنكَ تقول: ذهبتَ به " من عندنا " وأَذهبتَه من عندنا، وأخرجتَه " معك " وخرجتَ به معك. وكذلك مَيَّزتُ متاعَك بعضَه من بعضٍ، وأَوصلتُ القومَ بعضَهم إلى بعضٍ، فجعلتَه مفعولا على حدّ ما جَعلتَ الذى قبله وصار قوله إلى بعض ومن بعض، فى موضع مفعولٍ منصوبٍ. ومن ذلك: فضَّلتُ متاعَك أسفلَه على أعلاه، " فإنَّما جعله مفعولا من قوله: خَرَجَ متاعُك أسفُله على أعلاه "، كأنه قال فى التمثيل: فضَلَ متاعُك أسفلُه على أعلاه، " فعلى أعلاه فى موضع نصب ". ومثل ذلك: صَكَكتُ الحَجَريْنِ أَحَدَهما بالآخَر، على أنَّه مفعول، من أصْطَكَّ الحجرانِ أحدُهما بالآخَر. ومثل ذلك " قوله ": " وَلَوْلاَ دِفَاعُ

стр. 152

اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ". وهذا ما يَجرى منه مجرورا كما يجرى منصوبا، وذلك قولك: عجبتُ من دَفْعِ الناسِ بعضِهم ببعضٍ، إذا جعلت الناسَ مفعولِينَ كان بمنزلة قولك: عَجِبْتُ من إذهابِ الناسِ بعضِهم بعضاً، لأنَّك إذا قلت: أَفعلتُ، استغنيتَ عن الباء، وإذا قلت: فَعلتُ احتجتَ إليها، وجرى فى الجرّ على قولك: دفعتُ الناسَ بعضَهم ببعضٍ. وإن جعلت الناسَ فاعِلينَ قلت: عجبتُ من دفعِ الناسِ بعضِهم بعضاً، جرى فى الجرَّ على حدَّ مجراه فى الرفع، كما جرى فى الأوَّل على مجراه فى النَّصب، وهو قولك: دفعَ الناسُ بعضُهم بعضاً. وكذلك جميعُ ما ذكرنا إذا أَعملتَ فيه المصدرَ فجرى مجراه فى الفعل. و" من " ذلك قولك: عَجِبْتُ من موافقةِ الناسِ أسودِهم أَحمرَهم، جرى على قولك: وافَقَ الناسُ أَسودُهم أَحمرَهم. وتقول: سمعتُ وَقعَ أَنْيابِه بعضِها فوقَ بعض، جرى على قولك: أَنْيابُه بعضُها فوق بعض. وتقول: عجبت من إيقاع أنيابه فوق بعض، على حد قولك: أوقعت أنيابه بعضها فوق بعض. هذا وجهُ اتّفاقِ الرفعِ والنصبِ فى هذا الباب، واختيارِ النصب، واختيار الرفع.

стр. 153

تقول: رأيتُ متاعَك بعضُه فوقَ بعضٍ، إذا جعلتَ فوقاً فى موضع الاسم المبنىّ على المبتدإ وجعلتَ الأوّل مبتدأَ، كأنك قلت: رأيتُ متاعَك بعضُه أَحسنُ من بعض، ففوق فى موضع أحسَنُ. وإن جعلتَه حالاً بمنزلة قولك: مررتُ بمتاعك بعضِه مطروحا وبعضِه مرفوعا، نصبتَه لأنه لم تَبْنِ عليه شيئاً فتَبتدِئَه. وإن شئت قلت: رأيت متاعك بعضه أحسن من بعض، فيكون بمنزلة قولك: رأيتُ بعضَ متاعِك الجيَّد، فوصلتَه إلى مفعولين لأنَّك أَبدلت، فصرتَ كأنّك قلت: رأيتُ بعضَ متاعك. والرفعُ فى هذا أَعْرَفُ، لأنّهم شبَّهوه بقولك: رأيتُ زيداً أبوه أَفضلُ منه، لأنّه اسمٌ هو للأوّل ومن سببه، " كما أن هذا له ومن سببه "، والآخِرُ هو المبتدأ الأول، كما أن الآخِر ههنا هو المبتدأُ الأوّل. وإن نصبتَ فهو عربىّ جيدّ. ومما جاء فى الرفع قوله تعالى: " ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ". وممَّا جاء فى النصب أنّا سمعنا من يُوثَق بعربيّته يقول: خَلَقَ الله الزرافة يديها طول من رِجْلَيْها. وحدّثنا يونسُ أنَّ العرب تُنْشِدُ هذا البيت، وهو لعَبْدةَ بن الطَّبيب:

стр. 154

فما كانَ قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحِدٍ ... ولكنّه بُنيانُ قومٍ تَهَدَّمَا وقال رجل من بَجيلَة أو خَثْعَمٍ: ذَرِينى إنّ أَمْرَكِ لَنْ يُطاعَا ... وما أَلفَيْتِنِى حلِْمى مُضاعَا وقال آخر فى البدل: إن علي الله أن تبايعا ... تؤخذ كرهاً أو تجيء طائعَا فهذا عربىٌّ حسَن، والأوّل أَعرف وأَكثر. وتقول: جعلتُ متاعَك بعضَه فوقَ بعض، فله ثلاثةُ أَوجُهٍ فى النصب: إن شئتَ جعلتَ فَوْقَ فى موضع الحال، كأنه قال: علمت متاعَك وهو بعضُه على بعض أى فى هذه الحال، كما جعلت ذلك فى رأيتُ في رؤية

стр. 155

العين. وإن شئت نصبتَه على ما نصبتَ عليه رأيته زيدا وجهَه أَحسَنَ من وجه فلان، " تريد رؤية القلب ". وإن شئت نصبتَه على أنّك إذا قلت: جَعَلتُ متاعَك يدخله معنى أَلقيتُ، فيصيرُ كأَنّك قلت: أَلقيتُ متاعَك بعضَه فوقَ بعض؛ لأنّ أَلقيتُ كقولك: أَسقطتُ متاعَك بعضَه على بعضٍ، وهو مفعولٌ من قولك: سَقَط متاعُك بعضُه على بعضٍ، فجرى كما جرى صَكَكْتُ الحَجَرَينِ أحدَهما بالآخَر. فقولك " بالآخر " ليس فى موضع اسمٍ هو الأوّلُ، ولكنّه فى موضعِ الاسم الآخِر فى قولك: صَكَّ الحَجَرَانِ أحدُهما الآخَرَ، ولكَّنك أَوصلتَ الفعلَ بالباء، كما أنّ مررتُ بزيدٍ الاسمُ منه في موضع اسمٍ منصوبٍ. ومثل هذا: طرحتُ المتاعَ بعضَه على بعضٍ، لأن معناه أَسقطتُ فأُجرى مُجراه وإن لم يكن من لفظه فاعلٌ. وتصديقُ ذلك قولُه : " ويجعل الخبيث بعضه على بعض ". والوجه الثالث: أن تجعله مثل: ظننتُ متاعَك بعضَه أحسنَ من بعض. والرفعُ فيه أيضاً عربىّ كثير. تقول: جعلتُ متاعَك بعضُه على بعض، فوجهُ الرفع فيه على ما كان فى رأيتُ. وتقول: أَبكيتُ قومَك بعضَهم على بعض، وحَزَّنتُ قومَك بعضَهم على بعض، فأَجريتَ هذا على حدّ الفاعل إذا قلت: بَكى قومُك بعضُهم على بعض، " وحَزِن قومُك بعضُهم على بعض "، فالوجه هنا النصب؛ لأنك

стр. 156

إذا قلت: أَحزنتُ قومَك بعضَهم على بعض، وأَبكيتُ قومَك بعضهم على بعض، لم ترد أن تقول: بعضُهم على بعض فى عَونٍ، ولا أَنّ أَجسادَهم بعضُها على بعض، فيكونَ الرفعُ الوَجْهَ؛ ولكنَّك أَجريته على قولك: بَكى قومك بعضها بعضاً، فإِنَّما أَوصلتَ الفعلَ إلى الاسم بحرف جرّ، والكلامُ فى موضع اسم منصوب، كما تقول: مررتُ على زيد ومعناه مررت زيداً. فإِنْ قيل: حزَّنتُ قومَك بعضُهم أَفضلُ من بعضٍ، " وأَبكيتُ قومَك بعضُهم أكرمُ من بعضٍ "، كان الرفعة الوجهَ؛ لأنَّ الآخِر هو الأوّل ولم تجعله فى موضع مفعولٍ هو غيرُ الأوّل. وإن شئت نصبته على قولك: حزنت قومك بعضهم قائماً وبعضَهم قاعداً على الحال، لأنك قد تقول: رأيت قومك أكثرهم وحزنت قومك بعضَهم، فإِذا جاز هذا أَتْبَعتَهُ ما يكون حالاً. وإن كان مما يَتعدَّى إلى مفعولينِ أَنفذتَه إليه، لأنَّه كأَنه لم تذكر قبله شيئاً كأنه رأيتُ قومَك، وحزّنت قومك. إلاّ أَنَّ أَعربَه وأكثرَه إذا كان الآخِرُ هو الأوّلَ أن يُبْتَدَأَ. وإنْ أَجريتَه على النَّصب فهو عربىٌّ جيّد. هذا باب من الفعل يُبْدَلُ فيه الآخِرُ من الأوّل ويُجْرَى على الاسم كما يُجْرَى أَجْمعُونَ على الاسم، وَيُنْصَبُ بالفعل لأنه مفعول فالبَدَلُ أن تقول: ضرِبَ عبدُ الله ظهرُه وبطنهُ، وضُرِبَ زيدٌ الظَّهرُ والبطنُ، وقُلِبَ عمروٌ ظهرهُ وبطنهُ، ومُطِرْنَا سَهْلُنا وجَبَلُنا، ومُطِرنا السَّهْلُ والجبل. ون شئتَ كان على الاسم بمنزلة أَجمعين توكيداً.

стр. 157

وإنْ شئت نصبت، تقول: ضُرِبَ زَيدٌ الظَّهرَ والبطنَ، ومُطِرْنا السَّهلَ والجبلَ، وقُلِبَ زيدٌ ظهرَه وبطنَه. فالمعنى أنَّهم مُطِرُوا فى السَّهل والجبل، وقُلِبَ على الظَّهرِ والبطنِ. ولكنّهم أجازوا هذا، كما أجازوا " قولَهم ": دَخَلتُ البيتَ، وإنَّما معناه دخلتُ فى البيت. والعامل فيه الفعلُ، وليس المنتصبُ ههنا بمنزلة الظرف؛ لأنّك لو قلت: " قُلِبَ " هو ظهرُه وبطنُه وأنت تعنى على ظهره لم يجز. ولم يُجيزوه فى غير السَّهل والجبل، والظَّهر والبطن، كما لم يَجز دخلت عبد الله، فجاز هذا في هذا وحده، كما لم يجز حذف حرف الجرّ إلاّ فى الأماكن، فى مثل: دخلتُ البيتَ. واختُصَّت بهذا، كما أنَّ لَدُنْ مع غُدْوَةً لها حالٌ ليستْ فى غيرها من الأسماء، وكما أنَ عَسَى لها فى قولهم: " عَسَى الغُوَيرُ أَبؤساً " حالٌ لا تكون فى سائر الأشياء. ونظير هذا أيضاً فى أنَّهم حذفوا حرف الجرّ ليس إلاّ، قولُهم: نُبَّئْتُ زيداً قال ذاك، إنَّما يريد عن زيد، إلاَّ أنّ معنى الأوّل معنى الأَماكن. وزعم الخليل ﵀ أنّهم يقولون: مُطِرْنا الزَّرْعَ والضرع.

стр. 158

وإن شئت رفعتَ على البدل وعلى أن تصيَّره بمنزلة أجمعين تأكيداً. فإن قلت: ضُرِبَ زَيدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، جاز " على " أن يكون بدلا، وأَن يكون توكيدا. وإنْ نصبته لم يحسن؛ لأن الفعل إنما أنفذ في هذه الأسماء خاصة إلى المنصوب إذا حذفتَ منهُ حرف الجرّ، إلاّ أن تَسمعَ العربَ تقول فى غيره، وقد سَمعناهم يقولون: مَطَرَتهُمْ ظهراً وبطنا. وتقول: مُطِرَ قومُك اللَّيلَ والنهارَ، على الظَّرف وعلى الوجه الآخَر. وإن شئت رفعته على سَعَةِ الكلام، كما قال: صِيدَ عليه اللَّيلُ والنهارُ، وهو نهارُه صائمٌ وليلُه قائمٌ، وكما قال جرير: لقد لُمْتِنا يا أُمَّ غَيْلانَ فى السُّرَى ... ونمْتِ وما لَيْلُ الْمَطِىَّ بنائمِ فكأنَّه فى كلَّ هذا جَعل الليلَ بعضَ الاسمِ. وقال آخر:

стр. 159

أَمَّا النَّهارُ ففى قَيدٍ وسِلْسِلَةٍ ... والليلُ فى قَعْرِ مَنْحُوتٍ من السَّاج فكأَنه جَعل النَّهارَ فى قيدٍ والليلَ فى بطن منحوتٍ، أو جعلَه الاسمَ أو بعضَه. وإن شئت قلت: ضُرِبَ عبدُ الله ظهرُه، ومُطِرَ قومُك سهلهم، على قولك: رأَيتُ القومَ أَكثَرهم، ورأَيتُ عمراً شخصه، كما قال: فكأنه لهق السراة كأنه ... ما حاجبِيَهْ مُعَيَّنٌ بسَوادِ " يريد: كأنَّ حاجبيِْه، فأَبدل حاجبيه من الهاء التى فى كأنّه، وما زائدة ". وقال الجَعْدىّ: مَلَكَ الخَوَرْنَقَ والسَّدِيرَ وداته ... ما بين حمير أهلها وأوال

стр. 160

" يريد: ما بين أهل حمير، فأَبدلَ الأهل من حمير ". ومثل ذلك قولهم: صَرفتُ وجوهَها أولها. و " مثله ": ما لي بهم عِلمٌ أمرِهم. وأمّا قولُ جرير: مَشَقَ الهواجر لحمهن مع السرى ... حتى ذهبن كلا كلاً وصدورا فإنما هو على قوله: ذهب قُدُماً، وذَهَبَ أُخُراً. وقال عمرو بن عمَّارٍ النَّهدىّ: طويلُ مِتَلَّ العُنْقِ أشْرَف كاهِلاً ... أَشَقُ رَحيبَ الجَوْفِ مُعْتَدِلُ الجِرْمِ

стр. 161

كأنه قال: ذهَبَ صُعُداً، فإِنَّما خبَّر أنّ الذهاب كان على هذه الحال. ومثله: " قول رجل من عُمانَ ": إذا أَكلتُ سمَكاً وفَرْضَا ... ذَهَبْتُ طولاً وذَهبتُ عَرْضاَ فإِنَّما شبَّه هذا الضَّربَ من المصادر. وليس هذا مثلَ قول عامرِ بن الطُّفيل: فَلأَبَغِيَنّكُمُ قَناً وعُوارِضاً ... وَلأُقْبِلنَّ الخَيْلَ لابَةَ ضَرْغَدِ لأنَّ قناً وعُوارضَ مكانان، وإنَّما يريد: بقناً وعُوارضَ، ولكن الشاعر شبّهه بدخلتُ البيتَ، وقُلِبَ زيدٌ الظهرَ والبطنَ.

стр. 162

هذا باب من اسم الفاعل " الذى " جَرَى مَجرى الفِعل المضارعِ فى المفعول فى المعنى، فإذا أردت فيه من المعنى ما أردت فى يَفعَلُ كان نكرةً منوّنا وذلك قولك: هذا ضارب زيداً غداً. فمعنا وعملُه مثلُ هذا يَضْرِبُ زيداً " غداً ". فإِذا حدّثت عنِ فعلٍ فى حينِ وقوعِه غيرِ منقطعٍ كان كذلك. وتقول: هذا ضاربٌ عبدَ الله الساعةَ، فمعناه وعملُه مثلُ " هذا " يَضرب زيداً الساعةَ. وكان " زيدٌ " ضارباً أباك، فإِنَّما تُحدَّث أيضاً عن اتَّصال فعلٍ فى حال وقوعه. وكان مُوَافقاً زيداً، فمعناه وعملُه كقولك: كان يَضرب أباك، ويوافِقُ زيدا. فهذا جرى مجرى الفعِل المضارعِ فى العمل والمعنى منوَّنا. ومما جاء فى الشعر: منوَّنا " من هذا الباب قوله ": إنّى بحَبْلِكَ واصِلٌ حَبلِى ... وبِرِيشِ نَبْلِكَ رَائشٌ نَبلِى وقال " عُمَرُ " بن أبى ربيعة:

стр. 163

ومن مالي عينيه من شيء غيرهِ ... إذا راحَ نحوَ الجمرَةِ البِيضُ كالدُّمَى وقال زُهير: بَدَا لِىَ أَنَّى لستُ مُدْرِكَ ما مضَى ... ولا سابِقاً شيئاً إذا كان جائيا وقالَ الأَخْوَصُ الرَّياحُّى: مَشائيمُ ليسوا مُصْلِحِينَ عَشِيرًة ... ولا ناعِباً إلاّ ببَْينٍ غُرابُها واعلم أنَّ العرب يَستخفّون فيحذفون التنوينَ والنون، ولا يتغير من المعنى،

стр. 164

ولا يَجعلُه معرفةً. فمن ذلك " قوله ": " كل نفس ذائقة الموت " و " إنَّا مرسلو النَّاقَةِ " و " لَوْ تَرَى إذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُو رؤوسهم " و " غير محلي الصيد ". فالمعنى معنى " ولا آمين البيت الحرام ". " و " يزيد هذا عندك بياناً قولُه تعالى جَدُّه: " هديا بالغ الكعبة " و " عارض ممطرنا ". فلو لم يكن هذا فى معنى النَّكرة والتنوين لم توصَفْ به النّكرةُ. وستراه مفصَّلاً أيضاً فى بابه، مع غير هذا من الحجج إن شاء الله. وقال الخليل: هو كائنُ أَخِيك، على الاستخفاف، والمعنى: هو كائنٌ أَخاك. وممّا جاء فى الشَّعر غيرَ منَّونٍ قول الفرزدق:

стр. 165

أتانى على القَعْساءِ عادِلَ وَطْبِه ... برِجْلَىْ لِئيمٍ واسْتِ عبدٍ تُعاِدلُهْ يريد: عادِلاً وَطْبَه. وقال الزِّبْرِقانُ بن بدر: مُسْتَحْقِبى حَلَقِ الماذِىَّ يَحْفِزُه ... بالْمَشْرَفيِّ وغابٌ فوقَه حَصِدُ وقال السُّلَيكُ بن السلكة: تراها من يبيس الماء شهباً ... مخالظ درة منها غرار

стр. 166

" يريد: عرف الخيل ". وممَّا يَزيدُ هذا البابَ إيضاحا " أَنّه " على معنى المنَّون قول النابغة: احْكُمْ كحُكْم فَتاةِ الحَىَّ إذْ نظرتْ ... إلى حَمَامٍ شِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ " فوصَف به النكرةَ ". وقال المّرار الأَسدىّ: سَلَّ الهُمومَ بكلَّ مُعْطِى رأْسِه ... ناجٍ مخالِطِ صُهْبَةٍ مُتَعيَّسِ فهو على المعنى لا على الأصل، والأصلُ التنوين؛ لأنّ هذا الموضع لا يقع فيه معرفة. ولو كان الأصلُ ههنا تَرْكَ التنوين لَمَا دخلَه التنوينُ ولا كان ذلك نكرةً، وذلك أَنّه لا يَجرى مجرى المضارع فيما ذكرت لك.

стр. 167

وزعم عيسى أَن بعض العرب يُنشد هذا البيت، " لأبي الأسود الدؤلي ": فألفيته غير مستعب ... ولا ذاكِرِ اللهِ إلاّ قَلِيلاً لم يَحذف التنوينَ استخفافاً ليُعاقِبَ المجرورَ، ولكنه حَذَفَه لالتقاء الساكنينِ، " كما قال: رَمَى القومُ ". وهذا اضطرارٌ، وهو مشبَّهٌ بذلك الذى ذكرتُ " لك ". وتقول في هذا الباب: هذا ضاربُ زيدٍ وعمرو، إذا أَشركتَ بين الآخِر والأوّل فى الجارّ؛ لأنه ليس فى العربية شيء يَعْمَلُ فى حرف فيَمتنع أن يُشْرَكَ بينه وبين مثلِه. وإن شئت نصبت على المعنى وتُضمِرُ له ناصِباً، فتقولُ: هذا ضاربُ زيدٍ وعمراً، كأنّه قال: ويَضرِبُ عمراً، أو وضارِبٌ عمراً. وممّا جاءَ على المعنى قول جَريرٍ:

стр. 168

جئنى بمثل بنى بدر لقومهم ... أو مثل أُسْرَةِ مَنْظورِ بنِ سَيَّارِ وقال كعبُ بن جُعْيلٍ " التَّغلبُّى ": أَعِنَّى بخَوّارِ العِنانِ تَخالُهُ ... إذَا راحَ يَرْدِى بالمُدَجَّجِ أَحردَاَ وَأبْيَضَ مَصقولَ السَّطامِ مُهَنَّداً ... وذا حَلَقٍ من نَسْجِ داوُدَ مُسْرَدَا فَحَمَلَه على المعنى، كأنه قال: وأَعْطِنِى أَبيضَ مصقولَ السَّطام، وقال: هاتِ مثلَ أُسرِة منظورِ " بنِ سيَّارٍ ". والنَّصبُ فى الأوّل أقوى وأحسنُ، لأنَّكَ أَدخلت الجرَّ على الحرف الناصب ولم تجيء ههنا إلاّ بما أصله الجرُّ ولم تُدْخِلْه على ناصبٍ ولا رافعٍ. وهو على ذلك عربىٌ جيد. والجُّر أجودُ. وقال " رجل من قيس عيلان ":

стр. 169

بينا نحن نَطلُبه أَتانا ... مُعَلَّقَ وَفْضةٍ وزِنادَ راعِ وزعم عيسى أنَّهم يُنشِدون هذا البيت: هل أنتَ باعثُ دينارٍ لحاجِتنا ... أو عبدَ رب أخا عون بنِ مِخراقِ فإِذا أَخْبَرَ أَنّ الفعل قد وقع وانقطع فهو بغير تنوين ألبَتَّةَ، لأنَّه إنما أُجْرِىَ مُجرى الفِعل المضارِع له، كما أَشبَهه الفعلُ المضارعُ فى الإِعراب، فكلُّ واحد منهما داخل على صاحبه، فلما أَراد سِوى ذلك المعنى جرى مجرى الأسماء التى من غير ذلك الفعل، لأنَّه إنما شُبِّهَ بما ضارعه من الفعل كما شبه به فى الإعراب. وذلك قولك: هذا ضاربُ عبدِ الله وأخيه. وجهُ الكلام وحدُّه الجرُّ، لأنَّه ليس موضعاً للتنوين. وكذلك قولك: هذا ضارِبُ زيدٍ فيها وأخيه، وهذا قاتلُ عمروٍ أَمسِ وعبدِ الله، وهذا ضاربُ عبدِ الله ضَربْا شديدا وعمروٍ. ولو قلت: هذا ضاربُ عبدِ الله وزيداً، جاز على إضمارِ فِعل،

стр. 170

أى وضَرَبَ زيداً. وإنما جاز هذا الإِضمارُ لأنّ معنى الحديث فى قولك هذا ضاربُ زيدٍ: هذا ضَرَبَ زيدا، وإن كان لا يَعمْلُ عملَه، فحُمِلَ على المعنى، كما قال جلّ ثناؤه: " ولحم طير مما يشتهون. وحور عين " لمّا كان المعنى فى الحديث على قوله: لهم فيها، حمله على شيء لا يَنْقُضُ الأوّلَ فى المعنى. وقد قرأه الحسن. ومثله قول الشاعر: يهْدِى الخَمِيس نِجاداً فى مَطالِعها ... إمَّا المِصَاعَ وإمّا ضَرْبَةٌ رُغُبُ حمله على شيء لو كان عليه الأوّلُ لم يَنقُض المعنى.

стр. 171

ومثله قول كعب بن زهير: فلم يجد إلا مناخ مطية ... تجافى بَها زَورٌ نَبِيلٌ وكَلْكلُ ومُفْحَصهَا عنها الحَصىَ بجرانها ... ومثنى نواج لم يخنهن مفصل ومسر ظماء واترتهن بعدما ... مضتْ هَجْعَةٌ من آخِرِ الليلِ ذُبَّلُ كأنّه قال: وثَمّ سُمْرٌ " ظِماءٌ ". وقال: بادتْ وغَيَّرَ آيَهنّ مع البلَى ... إلاّ رَواكِدَ جَمْرُهنّ هَباءُ

стр. 172

ومُشَجَّجٌ أَمّا سَواءُ قَذالهِ ... فَبدا وغيَّرَ سارَهُ المَعْزاءُ لأنّ قولَه " إلاّ رَواكَد " هى فى معنى الحديث: بها رواكد، فحمله على شيء لو كان عليه الأول لن ينَقض الحديثَ. والجرُّ فى هذا أَقوى، يعنى هذا ضاربُ زيدٍ وعمروٍ وعمراً بالنصب. وقد فَعل لأنّه اسمٌ وإن كان قد جرى مجرى الفعل بعينه. والنصبُ فى الفصل أَقوى، إذا قلت: هذا ضاربُ زيدٍ فيها وعمراً، وكلما طال الكلامُ كان أَقوى؛ وذلك أَنّكَ لا تَفصل بين الجارّ وبين ما يَعْملُ فيه، فكذلك صار هذا أَقوى. فمن ذلك قوله جلّ ثناؤه: " وَجاعِلُ اللَّيْلِ سَكَناً والشّمسَ والْقَمَرَ حسباناً ".

стр. 173

وكذلك إنْ جئت باسم الفاعل الذى تَعدَّى فعلُه إلى مفعولَيْنِ وذلك قولك: هذا مُعْطِى زيدٍ درهما وعمروٍ، إذا لم تُجرِه على الدَّرهم، والنصب على ما نصبتَ عليه ما قبله. وتقول: هذا مُعْطِى زيدٍ وعبدَ الله. والنصبُ إذا ذكرتَ الدرهمَ أقوى، لأنك " قد " فصلت بينهما. وإن لم ترد بالاسم الذى يَتعدّى فعلُه إلى مفعولينِ أَن يكون الفعلُ قد وقع أَجريتَه مُجرى الفعلِ الذى يَتعدّى إلى مفعولٍ في التنوين وتَرْكِ التنوين وأنت تريد معناه، و " في " النصب والجرّ وجميعِ أَحواله، فإِذا نوّنتَ فقلت: هذا معط زيداً درهماً لا تبالي أيَّهما قدّمتَ، لأنَّه يَعمَلُ عَمَلَ الفعل. وإن لم تنوَّن لم يجز هذا مُعْطِى درهماً زيدٍ، لأنك لا تَفصل بين الجارّ والمجرور، لأنه داخلٌ فى الاسم فإِذا نوّنتَ انفَصَل كانفصاله فى الفعل. فلا يجوز إلاّ " فى قوله " هذا معطى زيداً، كما قال تعالى جدُّه: " فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ". بابٌ جرى مجرى الفاعل الذى يتعداه فعلُه إلى مفعولَيْنِ فى اللفظ لا في المعنى وذلك قولك: يا سارق الليل أهل الدار

стр. 174

" و " تقول على هذا الحد: سرقت الليل أهلَ الدار، فتجْرِى الليلةَ على الفعل فى سَعَةِ الكلام، كما قال: صِيدَ عليه يومان، ووُلِدَ له ستّون عاماً. فاللفظُ يَجرى على قوله: هذا مُعْطِى زيدٍ درهَماً، والمعنى إنّما هو فى الليلة، وصِيدَ عليه فى اليومين، غيرَ أنّهم أَوقعوا الفعلَ عليه لسَعة الكلام. وكذلك لو قلت: هذا مُخْرجُ اليومِ الدرهمَ وصائدُ اليومِ الوحشَ. ومثلُ ما أُجْرِىَ مُجرى هذا فى سَعة الكلام والاستخفافِ قوله : " بل مكر الليل والنهار ". فالليلُ والنهار لا يَمكُرانِ، ولكنّ المكرَ فيهما. فإِنْ نوّنتَ فقلت: يا سارقاً الليلةَ أهلَ الدار، كان حدُّ الكلام أن يكونَ أهلُ الدار على سارقٍ منصوبا، ويَكون الليلةُ ظرفاً، لأنّ هذا موضعُ انفصالٍ. وإن شئت أجريته على الفعل على سَعة الكلام. ولا يجوز: يا سارقَ الليلةَ أهلِ الدار إلاّ فى شعرٍ، كراهيةَ أن يفصلوا

стр. 175

بين الجارّ والمجرور. فإِذا كان منوَّنا فهو بمنزلة الفعل الناصبِ، تكون الأسماءُ فيه منفصلة. قال الشاعر، وهو الشَّمَّاخ: رُبَّ ابنِ عَمَّ لسُلَيمَى مُشْمَعِلّْ ... طَبَّاخِ ساعاتِ الكَرَى زادَ الكَسِلْ " هذا على: يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار ". وقال الأخطل: وكرار خلف المحجرين وجواده ... إذا لم يُحامِ دونَ أُنثَى حَليلها فإِنْ قلت: كرّارٍ وطبّاخٍ، صار بمنزلة طبختُ وكررت، تُجرِيها مجرى السَّارق حين نوّنتَ، على سعة الكلام.

стр. 176

وقال " رجل من بنى عامر ": ويومٍ شَهِدْناه سُلَيْماً وعَامِراً ... قليلٍ سِوىَ الطَّعْنِ النَّهالِ نَوافِلُهْ " وكما قال: ثَمانِىَ حِجَجٍ حَجَجْتُهنّ بيت اللهِ ". ومما جاء فى الشعر قد فُصِلَ بينه وبين المجرور قول عمرو بن قَمِيئَةَ. لمّا رأت ساتسدما اسْتَعْبَرَت ... لله درُّ اليومَ مَنْ لاَمَهَا وقال أبو حَيَّةَ النُّمَيْرىُّ:

стр. 177

كما خط الكتاب بكف يوماً ... يهودي يقارب أو يُزيلُ وهذا لا يكون فيه إلاّ هذا، لأنَّه ليس فى معنى فِعلٍ ولا اسمِ الفاعلِ الذى جرى مَجرى الفعل. وممّا جاء مفصولا بينه وبين المجرور قولُ الأعشى: ولا نقاتل بالعص ... ي ولا نرامي بالحجاره إلا علالة أو بدا ... هة قارحٍ نَهْدِ الجُزارَهْ وقال ذو الرمّة: كأَنَّ أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج

стр. 178

فهذا قبيحٌ. ويجوز فى الشعر على هذا: مررتُ بخيرِ وأَفضلِ مَن ثَمَّ. وقالت دُرْناَ بنت عَبعَبَةَ، من بني قيس بن ثعلبة: هما أَخَوَا فى الحَرْبِ مَنْ لا أَخاَ له ... إذا خافَ يوماً نَبْوةً فدَعاهما وقال الفرزدق: يا من رأى عارضاً أسر به ... بَيْنَ ذِراعَىْ وجَبْهِة الأَسَدِ وأما قوله : " فبما نقضهم ميثاقهم " فإِنَّما جاء لأنه ليس

стр. 179

ل " مَا " معنىً سِوى ما كان قبل أن تجيء إلا التوكيد، فمن ثم جاء ذلك، إذْ لم تُرِدْ به أكثرَ من هذا، وكانا حرفينِ أحدُهما فى الآخَر عاملٌ. ولو كان اسماً أو ظرفا أو فعلاً لم يجزْ. وأمّا قوله: أُدْخِلَ فُوهُ الحَجَرَ، فهذا جرى على سَعة الكلام " والجيِّد أُدخل فاه الحجر "، وكما قال: أَدخلتُ فى رأسى القَلَنْسُوَةَ " والجيّد أَدخلتُ فى القَلنسوة رأسى ". وليس مثلَ اليوم والليلة لأنهما ظرفان، فهو مخالف له فى هذا، مُوافِقٌ " له " فى السعة. قال الشاعر: تَرى الثَّورَ فيها مُدخِلَ الظل رأْسَهُ ... وسائرُه بادٍ إلى الشمس أَجْمَعُ فوجه الكلام فيه هذا، كراهيةَ الانفصال. وإذا لم يكن فى الجرَّ فحدُّ الكلام أن يكون الناصبُ مبدوءاً به. هذا بابٌ صار الفاعِلُ فيه بمنزلة الّذى فَعَلَ فى المعنى، وما يَعْمَلُ فيه وذلك قولك: هذا الضاربُ زيداً، فصار فى معنى " هذا " الّذى ضرَبَ

стр. 180

زيداً، وعَمِلَ عَمَله، لأنّ الألفَ واللام مَنَعَتا الإِضافة وصارتا بمنزلة التنوين. وكذلك: هذا الضاربُ الرّجلَ، وهو وجهُ الكلام. وقد قال قومٌ من العرب تُرضىَ عربيَّتُهم: هذا الضاربُ الرجلِ، شبّهوه بالحَسَنِ الوجهِ، وإن كان ليس مثلَه فى المعنى ولا فى أَحواله إلاّ أنّه اسمٌ، وقد يَجُرُّ كما يجر وَيَنْصِبُ أيضاً كما يَنْصِبُ، وسيبيَّن ذلك فى بابه " إن شاء الله ". وقد يشبهون الشيء بالشيء وليس مثلَه فى جميع أحواله، وسترى ذلك فى كلامهم كثيراً. وقال المَرّار الأسدىّ: أَنا ابنُ التارِكِ البَكْرِىَّ بشْرٍ ... عليه الطَّيْرُ تَرْقُبُه وقوعا سمعناه ممن يرويه عن العبر، وأَجرى بشرا على مجرى المجرور، لأنَّه جعله بمنزلة ما يُكَفُّ منه التنوينُ. ومثل ذلك فى الإِجراء على ما قبله: هو الضاربُ زيداً والرَّجُلَ، لا يكون فيه إلاّ النصبُ، لأنَّه عَمِلَ فيهما عمل المنَّون، ولا يكون: هو الضاربُ عمروٍ كما لا يكون: هو الحسنُ وجهٍ. ومن قال: هذا الضاربُ الرجلِ، قال: هو الضاربُ الرجلِ وعبدِ الله.
следующие страницы →