Полный текст (1 982 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
حدّثنا أبو الخَطّاب أنّه يقال للرجل المداوِمِ على الشيء لا يفارِقه ولا يُقلِعُ عنه: قد أَلَبَّ فلانٌ على كذا وكذا. ويقال: قد أَسْعَدَ فلانٌ فلاناً على أمره وساعَدَه، فالإِلبابُ والمساعَدةُ دنو ومتابعة: إذا ألب على الشيء فهو لا يفارِقُه، وإذا أَسعده فقد تابَعَه. فكأَنّه إذا قال الرجلُ للرجل: يا فلانُ، فقال: لَبَّيك وسَعْدَيْك، فقد قال له: قُرْباً منك ومتابعة لك. فهذا تمثيل وإن كان لا يُستعمل فى الكلام، كما كان بَراءةَ الله تمثيلاً لسبحانَ اللهِ ولم يُستعمل.
وكذلك إذا قال: لَبَّيْك وسَعْدَيْك، يعنى بذلك الله ، فكأَنّه قال: أَىْ رب لا أنأى عنك في شيء تأمُرنى به. فإِذا فعَل ذلك فقد تقَرَّب إلى الله بَهواه.
وأمَّا قوله: وسَعْدَيْك فكأَنّه يقول: أنا متابعٌ أمرَك وأوْلياءَك، غيرُ مُخالِفٍ. فإِذا فعل ذلك فقد تابَعَ وطاوع وأطاع.
وإنّما حملَنا على تفسير لَبَّيْك وسَعْدَيْك لنوضِحَ به وجه نصبِهما؛ لأنَّهما ليسا بمنزلة سَقياً وحَمْداً وما أِشبه هذا. ألا ترى أنك تقول للسائل عن تفسير سَقيًا وحَمْداً: إنَّما هو سَقاك اللهُ سَقْيًا وأَحمدُ الله حَمْداً، وتقول: حَمْداً بدلٌ من أَحمدُ الله، وسَقيًا بدلٌ من سَقاك اللهُ. ولا تقدر أن تقولَ: أُلِبُّك لَبًّا وأُسْعِدك سَعْداً، ولا تقولُ: سَعْداً بدلٌ من أُسعِد، ولا لَبًّا بدلٌ من أُلِبُّ. فلمّا لم يَكُنْ ذاك فيه التمس له شيء من غير لفظه معناه كبراءةَ اللهِ، حين ذكرناها لنبيَّن معنى سُبْحانَ اللهِ. فالتَمستُ " ذلك " لَلبَّيْك وسَعْدَيْك واللفظ الذى أشتُقّا منه، إذ لم يكونا فيه بمنزلة الحَمْدِ والسَّقْى فى فعِلهما، ولا يَتصرَّفان تصرُّفَهما.
стр. 352
فمعناهما القربُ والمتابَعة، فمثّلتُ بهما النصبَ فى لبَّيك وسَعْدَيك، كما مثَّلتُ ببراءةَ النصبَ فى سُبْحانَ الله.
ومثل ذلك تمثيلُك: أُفَّةً وتُفَّةً، إذا سُئِلتَ عنهما، بقولك: أنتنًا لأنّ معناهما وحدَّهما واحد، مثلَ تمثيلك بَهْراً بتَبًّا، ودَفْراً بنتناً.
وأما قولهم: سبح ولبى وأفف، فإنهما أراد أن يُخبِرك أنَّه قد لَفظَ بسُبْحانَ اللهِ وبَلبَّيْك وبأُفَّ، فصار هذا بمنزلة قوله: قد دَعْدَعَ وقد بَأْبَأَ، إّذا سمعتَه يَلفظ بدَعْ وبقوله: بأَبِى. ويدلّك على ذلك قولهم: هَلَّلَ، إذا قال: لا إلهَ إلاّ اللهُ.
وإنَّما ذكرتُ هَلَّلَ وما أِشبهها لتقول قد لُفِظَ بهذا. ولو كان هذا بمنزلة كلّمتُه من الكلام، لكان سُبحانَ " اللهِ " ولَبَّ وسَعْدَ مصادرَ مستعمَلةً متصرَّفةً فى الجر والرَّفع والنصب والألف واللامِ، ولكن سَبَّحْتُ وَلبَّيْتُ، بمنزلة هَلَّلْتُ ودَعْدَعْتُ، إذا قال: دَعْ، ولا إله إلاّ الله.
стр. 353
باب ما يَنتصب فيه المصدرُ المشبَّهُ به
على إضمار الفعل المتروك إظهاره وذلك قولك: مررتُ به فإِذا له صَوْتٌ صَوْتَ حِمار، ومررتُ به فإِذا له صُراخٌ صُراخَ الثَّكْلَى.
" و " قال الشاعر، وهو النابغة الذُّبْيانّى:
مَقْذوفةٍ بدَخيسِ النَّحْضِ بازِلُها ... له صَريفٌ صَريفَ القَعْو بالمَسَدِ
وقال:
لها بَعْدَ إسنْادِ الكَليمِ وهَدْئِه ... ورَنَّةِ مَنْ يبكَى إذا كان باكِيَا
هَديرٌ هَديرَ الثَّورِ يَنفض رأسَه ... يَذُبُّ برَوْقَيه الكِلابَ الضَّواريَا
стр. 354
فإنَّما انتَصب هذا لأنَّك مررتَ به فى حال تصويتٍ، ولم ترد أن تَجعل الآخِرَ صفةً للأوّل ولا بدلاً منه. ولكنَّك لمَّا قلتَ: له صوتٌ، عُلم أنه قد كان ثَمَّ عَمَلٌ، فصار قولُك: له صوتٌ بمنزلة قولك: فإِذا هو يصوَّتُ، فحملتَ الثانَى على المعنى.
وهذا شبيهٌ فى النصب لا فى المعنى بقوله ﵎: " وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا والشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً "، لأنّه حين قال: " جاعلُ الليلِ "، فقد عَلِمَ القارئُ أنّه على معنى جَعَلَ، " فصار كأَنه قال: وَجَعَلَ اللّيلَ سَكَنًا "، وحَمَلَ الثانىَ على المعنى. فكذلك " له " صوتٌ، فكأَنّه قال: فإِذا هو يصوَّتُ، " فَحَمَلَه على المعنى فنَصَبَهُ، كأَنّه توهَّم بعد قوله له صوتٌ: يُصوَّتُ " صوتَ الحمار أو يُبْديه، أو يُخْرِجُه صوتَ حمار، ولكنّه حذف هذا لأنه صار " له صوتٌ " بدلاً منه.
فإِذا قلت: مررتُ به " فإِذا هو " يصوَّتُ صوتَ الحمار فعلى الفعل غير حال. فإِن قلت: صوتَ حمارٍ " فألقيتَ الألفَ واللامَ " فعلى إضمارك فعلاً بعد الفعل المظهَر سوى الفعل المظهر، وتَجعل صوتَ حِمارٍ مثالاً عليه يُخرج الصوتُ أو حالاً، كما أردتَ ذلك حين قلتَ: فإِذا له صوتٌ. وإن شئتَ
стр. 355
أوصلتَ إليه يصوّت، فجعلته العامَل فيه، كقولك: يَذهب ذَهابا.
ومثل ذلك: مررتُ به فإِذا له دَفْعٌ دَفعَك الضعيفَ. ومثل ذلك أيضاً: مررتُ به فإذا له دَقٌ دَقَّك بالمِنحازِ حبَّ الفُلْفُلِ.
ويدّلك " على أنّك " إذا قلت: " فإِذا " له صوتٌ صوتَ حَمارٍ، فقد أَضمرت فعلاً بعد " له صوتٌ "، وصوتَ حمارٍ انتَصب على أنه مثالٌ أو حالٌ يَخرج عليه الفعلُ أنّك إذا أَظهرتَ الفعلَ الذى لا يكون المصدرُ بدلا منه احتجتَ إلى فعلٍ آخَرَ تُضمِره. فمن ذلك قول الشاعر:
إذا رأتني سقط أَبْصَارُهَا ... دَأْبَ بِكارٍ شايَحتْ بِكارُهَا
стр. 356
ويكون على غير الحال، " وإن شئت بفعل مضمرٍ، كأَنّك قلت: تَدْأَبُ، فيكونُ أيضاً مفعولاً وحالاً، كما يكون غير حال ".
فما لا يكون حالا ويكون على الفعل، قولُ الشاعر، وهو رؤبة:
لَوَّحَها من بَعْدِ بُدْنٍ وسَنَقْ ... تَضميرَك السابقَ يُطْوَى للسَّبَقْ
" وإن شئت كان على: أَضمرها، وإن شئت كان على: لَوَّحَها؛ لأنّ تلويحه تضمير ".
стр. 357
ومثله قوله، وهو العجّاج:
ناجٍ طَواهُ الأَيْنُ مما وجفا ... طي اللَّيالى زُلَفاً فزُلَفَا
سَماوةَ الهِلالِ حتى احقَوْقَفَا
وقد يجوز أن تُضمِر فعِلاً آخَر كما أَضمرتَ بعد " له صوتٌ "، يدلُّك على ذلك أنَّك لو أَظهرتَ فعلاً لا يجوز أن يكون المصدرُ مفعولاً عليه صار بمنزلة: له صوتٌ، وذلك قولُه، وهو أبو كَبيرٍ الهذلى:
ما إنْ يَمَسُّ الأرضَ إلاّ مَنْكِبٌ ... منه وحرف الساق، طي المحمل
стр. 358
صار " ما إنْ يَمَسُّ الأرضَ " بمنزلة له طَىٌّ، لأنَّه إذا ذَكر ذا عُرف أنه طَيّانُ.
وقد يَدخل فى صوتَ حمار: إنَّما أنت شُرْبَ الإِبِلِ " إذا " مُثّل " بقوله ": إنَّما أنت شُرْباً. فما كان معرفةً كان مفعولا ولم يكن حالا، وشركته النكرة. وإن شئتَ جعلتَه حالاً عليه وقع الأمر، وهو تشبيهه للأوّل، يدلُّك على ذلك أنَّك لو أَدخلتَ " مِثْلَ " ههنا كان حسنا وكان نصباً، فإِذا أَخرجتَ " مِثْلَ " قام المصدرُ النكرةُ مقامَ مِثْلٍ، لأنه مِثْله نكرةٌ، فدخولُ مِثْلٍ يَدُّلك على أنه تشبيه. فإِذا قلتَ: فإِذا هو يصوتُ صَوْتَ حِمارٍ، فإِنْ شئت نصبتَ على أنَّه مثالٌ وقع عليه الصوتُ، وإن شئت نصبتَ على ما فسَّرنا وكان غير حال، وكأَنَّ هذا جوابٌ لقوله: على أَىّ حالٍ وكيفَ ومِثلُه. وكأَنَّه قيل له: كيف وقع الأمرُ، أو جعل المخاطَبَ بمنزلة مَن قال ذلك، فأراد أن يبيَّن كيف وقع الأمرُ وعلى أىّ مثالٍ، فانتصَب وهو مَوْقُوعٌ فيه وعليه، وعَمل فيه ما قبله وهو الفعلُ.
وإذا كان معرفةً لم يكن حالاً وكان على فعلٍ مظهَرٍ إنْ جاز أن يَعمل فيه، أو على مضمَرٍ إنْ لم يجز المظهَرُ، كما يَنتصب " طَىَّ المِحْمَلِ " على غيرِ " يِمَسُّ ".
стр. 359
وإنْ شئت قلت: له صَوْتٌ صوتُ حِمارٍ، وله صوتٌ خُوارُ ثَوْرٍ، وذلك إذا جعلته صفةً للصوت ولم ترد فعلاً ولا إضماره.
وإن كان معرفة لم يجز أن يكون صفة لنكرة كما لا يكون حالا. وسترى هذا مبيناً فى بابه إن شاء الله.
وزعم الخليل أنه يجز له صوتٌ صوتُ الحمار على الصفة لأنّه تشبيه، فمن ثم جاز أن توصف النكرة به.
وزعم الخليل ﵀ أنه يجوز أن يقول الرجلُ: هذا رَجُلٌ أخو زيدٍ، إذا أردتَ أن تشبَّهه بأخى زيد. وهذا قبيح ضعيف لا يجوز إلاّ فى موضع الاضطرار، ولو جاز هذا لقلتَ: هذا قصيرٌ الطويلُ، تريد: مثلُ الطويلِ. فلم يجز هذا كما قبح أن تكون " المعرفة " حالاً للنكرة إلاّ فى الشعر. وهو فى الصَّفة أقبحُ، لأنك تَنقض ما تَكلّمتَ به، فلم يُجامِعه فى الحال، كما فارَقَه فى الصفة. وسيبَّين لك فى بابه إن شاء الله تعالى.
هذا باب يختار فيه الرفع
وذلك قولك: له عِلْمٌ عِلْمُ الفُقَهاءِ، وله رَأَىٌ رأىُ الأُصَلاءِ. وإنَّما كان الرفعُ فى هذا الوجهَ لأنَّ هذه خِصالٌ تَذكرها فى الرجل، كالحلم والعلم والفضل، ولم ترد أن تُخبِر بأنك مررت برجل فى حال تعلُّمٍ ولا تفهُّمٍ، ولكنّك
стр. 360
أردت أن تَذكر الرجل بفضلٍ فيه، وأَنْ تَجعل ذلك خَصلةً قد استَكملها، كقولك: له حَسَبٌ حَسَبُ الصالحينَ؛ لأَنَّ هذه الأشياءَ وما يُشْبِهها صارت تَحليةً عند الناس وعلاماتٍ. وعلى هذا الوجهِ رُفع الصوتُ.
وإن شئت نصبتَ فقلت: له عِلْمٌ علمَ الفقهاءِ، كأَنَّك مررت به فى حال تعلُّمٍ وتفقُّهِ، وكأَنّه لم يَستكمل أن يقال: له عالِمٌ.
وإنما فُرق بين هذا وبين الصَّوت لأنّ الصوت عِلاجٌ، وأنّ العِلْم صار عندهم بمنزلة اليَدِ والرَّجلِ. ويدلُّك على ذلك قولهم: له شَرَفٌ، وله ديِنٌ، وله فَهَمٌ. ولو أرادوا أنّه يُدْخِلُ نفسَه فى الدَّينِ ولم يَستكمل أن يقال: له دِينٌ، لقالوا: يَتديَّنُ وليس بذلك، ويَتشرَّفُ وليس له شَرَفٌ، ويَتفهَّمُ وليس له فَهَمٌ. فلمّا كان هذا اللفظُ للّذين لم يَستكملوا ما كان غيَر علاجٍ، بَعُدَ النصبُ فى قولهم: له عِلْمٌ علمُ الفقهاءِ.
وإذا قال: له صوتٌ صوتَ حمارٍ، فإِنَّما أَخبر أنَّه مرّ به وهو يصوَّت صوتَ حمارٍ.
وإذا قال: له علمٌ علمُ الفقهاءِ، فهو يُخبِر عمَّا قد استقرّ فيه قبل رؤيته وقبل سَمْعِه منه، أو رَآه يَتعلَّم فاستدَلّ بحُسْن تعلُّمهِ على ما عنده من العلم، ولم يردْ أن يُخبِر أَنَّه إنما بدأَ فى عِلاج العلم في حال ليقه إيّاه، لأنَّ هذا ليس مما يُثْنَى به، وإنَّما الثناءَ فى هذا الموضع أن يُخبِر بما استَقرّ فيه، ولا يُخبِر أنّ أَمْثَلَ شيء كان منه التعلُّمُ فى حال لقائِه.
стр. 361
هذا باب
ما يختار فيه الرفعُ إذا ذكرتَ المصدرَ
الذى يكون علاجا وذلك إذا كان الآخِرُ هو الأوّل .
وذلك نحو قولك: له صوتٌ صوتٌ حَسَنٌ؛ لأنّك إنما أردت الوصف، كأَنّك قلت: له صوتٌ حسن، وإنَّما ذكرتَ الصَّوت توكيداً ولم تُردْ أنْ تَحمله على الفعل، لمّا كان صفةً، وكان الآخرُ هو الأوّلَ، كما قلتَ: ما أنتَ إلاَّ قائمٌ وقاعدٌ، حملتَ الآخِرَ على أنتَ لمّا كان الآخِرُ هو الأوّلَ.
ومثل ذلك: له صوتٌ أَيُّمَا صوتٍ، وله صوتٌ مِثلُ صوتِ الحمارِ لأنّ أيًّا والمِثلَ صفةً أبدا. وإذا قُلتَ: أيُّما صوتٍ، فكأَنّك قلت: له صوتٌ حَسَنٌ جدّا، وهذا صَوتٌ شبيهٌ بذلك. فأَىٌّ ومِثْلٌ هما الأولُ.
فالرفعُ فى هذا أحسنُ، لأنَّك ذكرت اسماً يَحسن أن يكون هذا الكلامُ منه يحمل عليه، كقولك: هذا رجلٌ مِثْلُك، وهذا رجلٌ حَسَنٌ، وهذا رجلٌ أَيُّما رجلٍ.
وأمّا: له صوتٌ صوتُ حمارٍ، فقد علمت أن صوت حمار ليس بالصوت الأول، وإنما " جاز " رفعه على سَعة الكلام، كما جاز لك أن تقول: ما أنت إلاّ سَيْرٌ.
стр. 362
فكأَنَّ الّذين يقولون: صوتَ حمارٍ اختاروا هذا، كما اختاروا: ما أنت إلاَّ سيراً، إذْ لم يكن الآخر هو الأول، فحملوه على فِعلِه كراهةَ أن يَجعلوه من الاسم الذى ليس به، كما كرهوا أن يقولوا: ما أنت إلاّ سَيْرٌ إذا لم يكن الآخِرُ هو الأوّلَ. فحملوه على فعله، فصار له صوتٌ صوتَ حمارٍ يَنتصب على فعلٍ مضمَرٍ كانتصاب " تَضميرَك السَّابقَ " على الفعل المضمَر.
وإنْ قلت: له صوتٌ أَيَّما صوتٍ، أو مِثْلَ صوتِ الحمار، أو له صوتٌ صوتاً حَسَنًا، جاز. زعم ذلك الخليلُ ﵀. ويقوَّى ذلك أنّ يونس وعيسى جميعاً زعما أنَّ رؤبةَ كان يُنشِد هذا البيت نصباً:
فيها ازْدِهافٌ أَيَّما ازدِهافِ
يحمله على الفعل الذى يَنصب صوتَ حمار، لأنَّ ذلك الفعلَ لو ظَهَرَ نَصَبَ ما كان صفةً وما كان غيرَ صفة، لأنَّه ليس باسمٍ تُحْمَلُ عليه الصفاتُ. ألاَ ترى أنَّه لو قال: مِثلَ تضميرِك، أو مِثْلَ دأْبِ بِكارٍ، نَصَبَ. فلمَّا أَضمروه فيما يكون غيرَ الأوَّل أَضمروه أيضاً فيما يكون هو الأوّل، كأَنّه قال: تَزْدهف أَيَّما ازدهافٍ، ولكنَّه حذفه، لأنَّ له ازدهافٌ قد صار بدلاً من الفعل.
стр. 363
هذا باب ما الرفع فيه الوجه
وذلك قولك؛: هذا صَوْتٌ صوتُ حمارٍ، لأنَّك لم تَذكر فاعِلا، ولأنّ الآخِرَ هو الأوّلُ حيث قلت: " هذا ". فالصوت هذا، ثمّ قلت: هو صوتُ حمارٍ، لأنّك سمعت نُهاقاً. فلا شَكَّ فى رفعِه. وإن شبَّهتَ أيضاً فهو رفعٌ لأنّك لم تَذكر فاعِلا يَفعله، وإنَّما ابتدأتَه كما تبتدئ الأسماء، فقلتَ: هذا، ثم بنيتَ عليه شيئاً هو هو، فصار كقوله: هذا رَجُلٌ رَجُلٌ حَرْبٍ.
وإذا قلتَ: له صوتٌ، فالذى فى اللام هو الفاعِلُ وليس الآخِرُ به، فلمّا بنيتَ أوّلَ الكلام كبناء الأسماِء كان آخِرُه أَنْ يُجْعَلَ كالأسماءِ أحسنَ وأجودَ، فصار كقولك: هذا رَأْسُ رأس حِمارٍ، وهذا رَجُلٌ أَخو حَرْبٍ، إذا أردتَ الشَّبهَ.
ومن ذلك: عليه نَوْحٌ نَوْحُ الحَمامِ، على غير صفة، لأنّ الهاءَ التى فى علْيِه ليست بفاعل، كما أنَّك إذا قلت: فيها رَجُلٌ، فالهاءُ ليست بفاعل فَعَلَ بالرَّجُلِ شيئاً، فلمَّا جاء على مثال الأسماءِ كان الرفعُ الوجهَ.
стр. 364
وإن قلت: لهنَّ نَوْحٌ نَوْحَ الحَمامِ، فالنصبُ لأن الهاءَ هى الفاعلُة. يدلّك على " ذلك " أنّ الرفَعَ فى هذا وفى عليه أحسنُ، لأنَّك إذا قلت: هذا أو عليه، فأنتَ لا تريد أن تقول مررتُ بهذه الأسماء تَفعل فِعلاً، ولكنك جعلت " عليه " موضعا للنَّوْح و " هذا " مبنى عليه نفسِه. ولو نصبتَ كَان وجهاً؛ لأنَّه إذا قال: هذا صوتٌ أو هذا نَوْحٌ أو عليه نوحٌ، فقد عُلم أنّ مع النَّوح والصوتِ فاعلْينِ، فحمله على المعنى، كما قال:
ليُبْكَ يَزيدُ ضارعٌ لخُصومةٍ ... ومُخْتَبِطٌ ممّا تُطِيحُ الطَّوائحُ
هذا باب لا يكون فيه إلا الرفع
وذلك قولك: له يدُ الثورِ، وله رأْسٌ رأسُ الحمارِ؛ لأنَّ هذا اسم ولا يتوهم على الرَّجُلِ أنّه يَصنع يداً ولا رِجْلاً، وليس بِفعل.
هذا بابٌ لا يكون فيه إلاّ الرفعُ
وذلك قولك: صَوْتُه صوتُ حمارٍ، وتلويحُه تضميرُك السابقَ، وَوَجْدى بها وَجْدُ الثَّكْلَى؛ لأنَّ هذا ابتداءٌ، فالذى يُبْنَى على الابتداءِ بمنزلة الابتداءِ. ألا ترى أنَّك تقول: زيدٌ أخوك، فارتفاعُه كارتفاع زيد أبدا، فلمَّا ابتدأَه وكان محتاجاً إلى ما بعده لم يُجْعَلْ بدلاً من اللفظ بيُصَوَّتُ، وصار كالأسماء. قال الشاعر " وهو مزاحِمٌ العُقيلىّ ":
стр. 365
وَجْدِى بها وَجْدُ المضِلَّ بَعيرَه ... بنَخْلَةَ لم تَعْطِفْ عليه العَواطِفُ
وكذلك لو قلت: مررتُ به فصوتُه صوتُ حمارٍ. فإِن قال: فإِذا صوتُه، يريد الوجَه الذى يُسكَتُ عليه، دخله نصبٌ، لأنّه يُضْمِرُ بعدُ ما يَستغنى عنه.
باب ما يَنتصب من المصادر
لأنَّه عُذْرٌ لوقوع الأمر
فانتَصبَ لأنَّه موقوع له، ولأنَّه تفسيرٌ لما قبلَهِ لِمَ كان؟ وليس بصفةٍ لمَا قبله ولا منه، فانتَصب كما انتَصب درهم فى قولك: عِشْرونَ دِرْهَماً.
وذلك قولك: فعلت ذاك حذار الشر، وفعلت ذاك مخافة فلان وادخار فلان. قال الشاعر، هو " حاتِم " بن عبد الله " الطائىّ:
стр. 366
وأَغْفِرُ عَوْراءَ الكريمِ ادَّخارَه ... وأُعرضُ عن شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا
وقال الآخَر، وهو النابغة الذُّبْيانىّ:
وحَلَّتْ بُيوتِى فى يَفاعٍ ممنّعٍ ... يُخالُ به راعِى الحَمولِة طائِرَا
حِذاراً على أَنْ لا تُنالَ مَقادَتِى ... ولا نِسْوتى حتّى يَمُتْنَ حَرائرَا
стр. 367
وقال آخر، وهو الحارث بن هشامٍ:
فصَفَحْتُ عنهُمْ والأَحبَّةُ فيهِمِ ... طَمَعاً لَهُمْ بعِقابِ يَوْمٍ مُفْسِدِ
وقال الراجز، وهو العَجّاج:
يَرْكَبُ كُلَّ عاقِرٍ جُمْهُورِ ... مَخافةً وزَعَلَ المَحْبورِ
والهَوْلَ مِنْ تَهَوُّلِ القبورِ
وفعلتُ ذاك أَجْلَ كذا " وكذا ". فهذا كلُّه يَنتصب لأنَّه مفعول له، كأَنه قيل له: لِمَ فَعَلتَ كذا " وكذا " فقال: لكذا " وكذا "، ولكنَّه لمّا طَرَحَ اللامَ عَمِلَ فيه ما قبله كما عمل فى " دأبَ بِكارٍ " ما قبله، حين طَرح
стр. 368
مثل وكان حالاً. وحسُن فيه الألفُ واللام لأنَّه ليس بحال، فيكونَ فى موضع فاعلٍ حالاً. ولا يشبَّه بما مضى من المصادر فى الأمر والنهى ونحوِهما؛ لأنَّه ليس فى موضع ابتداء ولا موضِعاً يُبْنَى على مبتدأ. فمن خالَفَ بابَ رحمةُ الله عليه، وسَقْياً لك، وحمدا لك.
باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال
وقع فيه الأمرُ فانتَصب لأنه موقوعٌ فيه الأمرُ
وذلك قولك: قَتلتُهَ صَبْراً، ولقَيتُه فُجاءةً ومفاجأةً، وكفاحاً ومكافحةً، ولقيته عِيانًا، وكلّمتُه مُشافَهةً، وأتيتُه رَكْضاً وعَدْواً ومَشْياً، وأخذتُ ذلك عنه سَمْعاً وسَماعاً. وليس كلُّ مصدرٍ وإنْ كان فى القياس مثلَ ما مضى من هذا الباب يوُضَعُ هذا الموضعَ؛ لأنّ المصدر ههنا فى موضع فاعِلٍ إذا كان حالاً.
стр. 369
ألا ترى أنه لا يَحسن أَتانا سُرْعَةً ولا أَتانْا رُجْلةً، كما أنّه ليس كلُّ مصدر يُستعمل فى بابِ سَقْيًا وحَمْداً.
واطَّرد فى هذا البابُ الذى قبله لأنَّ المصدر هناك ليس فى موضع فاعِلٍ.
ومثل ذلك قول الشاعر، وهو زُهير بن أبى سُلْمَى:
فَلأْياً بَلأْىٍ مَا حَمَلْنا وَليدَنا ... على ظَهْرِ مَحْبوكٍ ظِماءٍ مَفاصِلُه
كأنّه يقول: حَمَلْنا " وليدنَا " لأياً بلأى، كأَنّه يقول: " حملناه " جَهْداً بعد جهد. هذا لا يتكلم به ولكنه تمثيل.
ومثلُه قول الراجز:
ومَنْهَلٍ وَردتُه التقاطَا
" أى فجاءةً ".
стр. 370
واعلمْ أنَّ هذا البابَ أتاه النصبُ كما أتَى البابَ الأوّلَ، ولكنَّ هذا جوابٌ لقوله: كيف لقيتَه؟ كما كان الأوّلُ جوابا لقوله: لمه؟
وهذا ما جاء منه في الألف واللام
وذلك قولك: أَرْسَلَها العِراكَ. قال لبيدُ بن رَبيعةَ:
فأَرْسَلَها العِراكَ ولم يَذُدْها ... ولم يُشْفِقْ على نَغَصِ الدَّخالِ
كأَنّه قال: اعتراكاً.
وليس كلُّ المصادر فى هذا الباب يدخله الألف واللام، كما أنه ليس كل مصدر فى باب الحمدَ لله، والعَجَبَ لك، تَدخله الألفُ واللام، وإنَّما شُبّه بهذا حيث كان مصدراً وكان غَير الاسم الأوّل.
стр. 371
وهذا ما جاء منه مضافا معرفةً
وذلك قولك: طلبتَه جَهْدَك، كأَنّه قال: اجتهادا. وكذلك طلبَته طاقَتَك.
وليس كلُّ مصدرٍ يضاف، كما أنَّه ليس كلُّ مصدر تَدخله الألفُ واللام فى هذا الباب. وأمَّا فعلتُه طاقتى فلا تُجْعَلُ نكرة، كما أَنّ مَعاذَ اللهِ لا تُجْعَلُ نكرةً. ومثل ذلك: فَعَلَه رَأْىَ عَيْنِى، وسَمْعَ أُذُنِى قال ذاك.
وإن قلت: سَمْعاً جاز، إذا لم تَخْتَصَّ نفسَك، ولكنَّه كقولك: أخذتُه عنه سَماعاً.
هذا باب ما جُعل من الأسماء مصدراً
كالمضاف فى الباب الذى يَليه وذلك قولك: مررتُ به وَحْدَه، ومررتُ بهم وَحْدَهم، ومررتُ برجل وَحْدَه.
ومثل ذلك فى لغة أهل الحجاز: مررتُ بهم ثلاثَتهم وأربعتَهم، وكذلك إلى العَشَرَة.
стр. 372
وزعم الخليل ﵀ أنه إذا نَصَبَ ثلاثَتهم فكأنَّه يقول: مررتُ بهؤلاءِ فقط، لم أُجاوِزْ هؤلاءِ. كما أنّه إذا قال: وَحْدَه فإِنَّما يريد: مررتُ به فقط لم أُجاوِزْهُ.
وأمّا بنو تميم فُيجْرونه على الاسم الأوّل: إنْ كان جرًّا فجرًّا، وإن كان نصبا فنصباً، وإن كان رفعا فرفعا.
وزعم الخليل أنّ الّذين يُجرونه فكأَنّهم يريدون أن يَعُمُّوا، كقولك: مررتُ بهم كلَّهم، أى لم أَدَعْ منهم أحداً.
وزعم الخليل ﵀، حيث مثّلَ نَصْبَ وحدَه وخمستَهم، أنّه كقولك: أَفردتهم إفراداً. فهذا تمثيل، ولكنه لم يُستعمل فى الكلام.
ومثل خمستَهم قول الشماخ:
أتتني سليم قضها بقضيضها ... تمسح حولي بالبقيع سبالها
كأَنّه قال: انقضاضَهم، " أى " انقضاضاً. ومررتُ بهم قضهم بقضيضهم،
стр. 373
كأَنّه يقول: مررتُ بهم انقضاضاً. فهذا تمثيل وإن لم يُتكلَّم به كما كان إفراداً تمثيلا.
وإنّما ذَكرنا الإِفرادَ فى وَحْدَه، والانقضاضَ فى قَضَّهم، لأنَّه إذا قال: قضَّهم فهو مشتق من في معنى الانقضاض، لأنّه كأَنه يقول: انقَضَّ آخرهم على أوّلِهم. وكذلك وَحْدَه إنَّما هو من معنى التفرُّدِ، فكذلك أيضاً يكونُ خمستَهم نصباً إذا أردتَ معنى الانفراد، فإِنْ أردتَ أنَّك لم تَدَعْ منهم أحداً جررتَ، كما كان ذلك فى قَضَّهم.
وبعضُ العرب يَجعل قَضَّهم بمنزلة كلَّهم، يُجريه على الوجوه.
هذا باب ما يجعل من الأسماء مصدراً
كالمصدر الذى فيه الألفُ واللامُ نحو العِراك
وهو قولك: مررتُ بهم الجَمَّاءَ الغَفيَر، والناسُ فيها الجَمَّاءَ الغفيَر. فهذا يَنتصب كانتصاب العِراك.
وزعم الخليل ﵀ أنّهم أدخلوا الألفَ واللام فى هذا الحرف وتَكلّموا به على نيَّةِ مالا تدخله الألفُ واللام، وهذا جُعل كقولك: مررتُ بهم قاطِبةّ
стр. 374
ومررتُ بهم طُراً، " أى جميعاً؛ إلاّ أنَّ هذا نكرةٌ لا يَدخله الألفُ واللام، كما أنَّه ليس كلُّ المصادرِ بمنزلة العِراك، كأَنّه قال: مررتُ بهم جميعاً. فهذا تمثيلٌ وإن لم يُتكلّم به. فصار طُراً " وقاطبة بمنزلة سُبْحانَ " اللهِ " فى بابه، لأنَّه لا يَتصرّف كما أنّ طُراً وقاطِبةً لا يَتصرّفان، وهما فى موضع المصدر، ولا يكونان معرفةً، ولو كانا صفةً لَجَرَيَا على الاسم أو بُنِيَا على الابتداءِ فلم يوجَدْ ذا فى الصفة. وقد رأينا المصادرَ قد صُنع ذا بها لأنها لا تصرف، فشبه هذا بها.
باب ما يَنتصب أنه حالٌ
يقع فيه الأمرُ وهو اسمٌ
وذلك قولك: مررتُ بهم جميعاً، وعمةً وجماعةً، كأَنّك قلت: مررتُ بهم قِياماً.
وإنَّما فرقنا بين هذا الباب والباب الأوّل لأنّ الجميعَ وعامّةً اسمان متصرَّفان، تقول: كيف عامّتُكم؟ وهؤلاءِ قومٌ جميعٌ.
стр. 375
فإِذا كان الاسمُ حالا يكون فيه الأمرُ لم تَدخله الألفُ واللام ولم يُضَف. لو قلتَ: ضربتُه القائمَ تريد: قائماً كان قبيحا، ولو قلت: ضربتُهم قائميهم تريد: قائمينَ كان قبيحا. فلما كان كذلك جعلوا ما أضيف ونُصب نحوَ خَمْستَهم بمنزلة طاقتَه وجَهْدَه " ووَحْدَه "، وجعلوا الجَمّاءَ الغَفيرَ بمنزلة العِراك، وجعلوا قاطِبة وطُرًّا إذا لم يكونا اسمينِ بمنزلة الجميع وعامّة، كقولك: كِفاحاً ومكافَحةً وفجاءَةً. فجعلت هذه كالمصادر المعروفةِ البيّنة، كما جعلوا عَلَيْكَ وروُيْدَكَ كالفعل المتمكَنّ، وكما جعلوا سُبْحانَ اللهِ ولبَّيْك، بمنزلةِ حَمْداً وسَقْياً. فهذا تفسيرُ الخليل ﵀ وقولُه.
وزعم يونس أنّ وَحدَه بمنزلة عِنْدَه، وأنّ خَمْستَهم والجمّاءَ الغفيرَ وقَضَّهم كقولك: جميعاً " وعامَّة "، وكذلك: طُرًّا وقاطبُة بمنزلة وحدَه، وجَعل المضاف بمنزلة كلّمتُه فاَهُ إلى فِىَّ.
وليس مثلَه، لأنّ الآخِرَ هو الأوّل عند يونس فى المسألة الأولى، وفاه إلى فِىًّ ههنا غيرُ الأوّلِ، وأمّا طُرّا وقاطبةً فَأَشْبَهُ بذلك، لأنه جيَّدٌ أن يكون حالاً غيرُ المصدرِ نكرةً، والذى نأْخُذُ به الأوَلُ.
وأمَّا كلُّهم وجميعُهم وأَجمعون وعامَّتُهم وأنفسُهم فلا يكنَّ أبدا إلاّ صفةً. وتقول: هو نَسِيجُ وَحْدِه، لأنّه اسمٌ مضافٌ إليه بمنزلة نفسِه إذا قلت: هذا جُحَيْش وَحْدِه
стр. 376
وجعل يونسُ نَصْبَ وَحْدَه كأَنّك قلت: مررتُ برجل على حِيالِه، فطرحتَ " علَى "، فمن ثَمّ قال: هو مثلُ عندَه. وهو عند الخليل كقولك: مررتُ به خُصوصاً.
ومررتُ بهم خمستَهم مثلُه، ومثلُ قولك: مررتُ بهم عَمًّا. ولا يكون مثلَ جميعاً لِما ذكرتُ لك، وصار وَحْدَه بمنزلة خمستَهم لأنه مكانَ قولك: مررتُ به واحِدَه، " فقام وَحْدَه مقامَ واحِدَه ". فإِذا قلت: وَحْدَه فكأَنَّك قلت هذا.
هذا باب
ما يَنتصب من المصادر توكيداً لما قبله
وذلك قولك: هذا عبدُ الله حَقًّا، وهذا زيد الحق لا الباطل، وهذا زيد غير ما تقول.
وزعم الخليل ﵀ أنَّ قوله: هذا القولُ لا قولَك، إنما نصبهُ كنصبِ غيرَ ما تقول لأنَّ " لا قولَك " فى ذلك المعنى. ألا ترى أنَّك تقول: هذا القولُ لا ما تقول، فهذا فى موضعِ نصبٍ. فإِذا قلتَ: لا قولَك، فهو فى موضع لا ما تقول.
стр. 377
ومثل ذلك فى الاستفهام: أَجِدَّك لا تَفعلُ كذا وكذا؟ كأَنّه قال: أَحَقًّا لا تَفعل كذا وكذا؟ وأصلهُ من الجِدّ كأَنّه قال: أجدا، ولكنه لا يتصلاف ولا يفارقه الإِضافةُ كما كان ذلك في لَبَّيْك ومَعاذَ اللهِ.
وأمّا " غيرَ ما تقول " فلا تَعْرَى من أن تكون فى هذا الموضع مضافة إلى اسم معروفٍ، نحو قولَك؛ لأنه لو قال غير قول، أولا قولاً، لم يكن فى هذا بيانٌ، لأنه ليس كلُّ قول باطلا، وإنَّما يريد أن يحقَّق الأوّلَ بأمر معروف.
ولو قال: هذا الأمرُ غيرَ قِيلٍ باطلٍ كان حسنا، لأنَّه قد وكدَّ أوّلَ كلامه بأمر معروفْ وقد اختصَّه، فصار بمنزلة قولك: لا قولَك حين جعله مضافا، لأنك قد اختصصتَه من جميع القول بإضافتك، وأنَّه يسوغ أن يكون قولُه باطلا ولا يسوغ أن يكون جميعُ الأقوال باطلا.
ومن ذلك قولك: قد قعد البتّةَ، ولا يُستعمل إلاّ معرفةً بالألف واللام، كما أن جهدك وأجدك لا يُستعملان إلاَّ معرفةً بالإِضافة.
وأمّا الحقُّ والباطل فيكونان معرفةً بالألف واللام ونكرةً؛ لأنهما لم
стр. 378
يُنزَلا منزلةَ ما لم يَتمكّن من المصادر كسُبْحانَ وسَعْدَيْك، ولكنَّهم أَنزلوهما منزلةَ الظنَّ، وكذلك اليَقين لأنَّك تحقَّقُ به كما تَفعل ذلك بالحقّ. فأَنْزِلْ ما ذكْرنا غيرَ هذا بمنزلة عَمْرَك الله وقِعْدَك الله.
هذا باب
ما يكون المصدرُ فيه توكيداً لنفسه نصباً
وذلك قولك: له علَّى أَلْفُ درهمٍ عُرْفاً. ومثلُ ذلك قولُ الأَحْوَص:
إنّى لأمْنَحُكَ الصُّدودَ وإنّنى ... قَسَماً إليك مع الصُّدودِ لأَمْيَلُ
وإنَّما صار توكيداً لنفسه لأنه حين قال: له علىّ، فقد أقرَّ واعتَرف؛ وحين قال: لأَمْيَلُ، عُلم أنَّه بعد حَلِفٍ؛ ولكنه قال: عُرْفاً وقَسَماً وتوكيداً كما " أنه إذا " قال: سِيرَ عليه فقد عُلم أنَّه كان سَيْرٌ، ثم قال: سَيْراً توكيداً.
стр. 379
واعلم أنه قد تَدخل الألفُ واللام فى التوكيد فى هذه المصادر المتمكَّنة التى تكون بدلاً من اللفظ بالفعل: كدخولها فى الأمر والنهى والخبر والاستفهام، فأَجْرها فى هذا الباب مُجراها هناك.
وكذلك الإِضافةُ بمنزلة الألف واللام.
فأمّا المضاف فقول الله ﵎: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله " وقال الله ﵎: " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد الله لا يخلف الله وعده ". وقال جلّ وعزّ: " الَّذِى أَحْسَنَ كل شيء خَلْقَه ". وقال جل ثناؤه: " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم ". ومن ذلك: اللهُ أَكبرُ دَعْوةَ الحَقَّ. لأنَّه لمّا قال جلّ وعزّ: " مر السحاب "، وقال: " أحسن كل شيء "، عُلم أنَّه خَلْقٌ وصُنعٌ، ولكنَّه وكَّد وثَّبت للعباد. ولما قال: " حرمت عليكم أمهاتكم " حتّى انقضى الكلام، علم الخاطبون أنّ هذا مكتوبٌ عليهم، مثَّبت عليهم، وقال: كِتَابَ اللهِ، توكيداً كما قال: صُنْعَ اللهِ، وكذلك: وَعْدَ اللهِ، لأنَّ الكلام الذى قبله وعد
стр. 380
وصُنعٌ، فكأَنّه قال جلّ وعزّ: وَعْداً وصُنعا وخَلْقا وكِتابا. وكذلك: دَعْوةَ الحَقَّ؛ لأنَّه قد عُلم أنَّ قولك: اللهُ أكبرُ، دُعاءُ الحقَّ ولكنَّه توكيدٌ، كأَنَّه قال: دعاءً حقًّا. قال رؤبةُ:
إنّ نِزاراً أَصبحتْ نِزارَا ... دَعْوةَ أَبْرارٍ دَعَوْا أَبْرارَا
لأنّ قولك: أصبحتْ نزاراً، بمنزلة: هم على دَعوةٍ بارّةٍ.
وقد زعم بعضُهم أنّ كِتَابَ اللهِ " نصب " على قوله: عليكم كتابَ الله. وقال: قومٌ صبغة الله منصوبةٌ على الأمر. وقال بعضُهم: لا بل توكيداً. والصَّبغةُ: الدينُ.
وقد يجوز الرفعُ فيما ذكرنا أجمعَ على أن يضمِرَ شيئاً هو المظهَرُ، كأنَّك قلت: ذاك وعدُ اللهِ، وصبغةُ الله، أو هو دَعْوةُ الحقّ. على هذا ونحوِه رفعُه. ومن ذلك قوله جلّ وعزّ: " كَأَن لَمْ يَلْبَثُوا إلاّ سَاعَةً مِنْ نَهَار بَلاَغٌ "، كأَنه قال: ذاك بَلاغٌ.
стр. 381
واعلمْ أنّ، هذا البابَ أتاه النصبُ كمنصوبٍ بما قبله من المصادر فى أنّه ليس بصفة ولا من اسمٍ قبله، وإنَّما ذكرتَه لتؤَكَّدَ به، ولم تَحمله على مضمَرٍ يكون ما بعده رفعا وهو مفعولٌ به.
ومثلُ نصبِ هذا الباب قول الشاعر، وهو الراعى:
دَأَبْتُ إلى أن يَنْبُتَ الظَّلُّ بعد ما ... تَقَاصَرَ حتّى كاد فى الآلِ يَمْصَحُ
وَجِيفَ المطَايَا ثمّ قلتُ لصُحْبتى ... ولم يَنْزِلوا أَبرَدتُمُ فتَرَوَّحُوا
لأنّه قد عُرف أنّ قوله " دأَبتُ ": سرت، لمّا ذُكر فى صدر قصيدتِه، فصار دأبتُ بمنزلة أوجفتُ عنده، فَجَعلَ وَجيفَ المطَايا توكيداً لأَوجفتُ الذى هو فى ضميرِه.
واعلم أنَّ نصب هذا " الباب " المؤكَّدِ به العامُّ منه وما وُكّد به نفسُه، ينصب على إضمار فعل غيرِ كلامِك الأوّلِ، لأنه ليس فى معنى كَيْفَ ولا لِمَ، كأَنّه قال: أَحُقُّ حَقًّا، فجَعله بدلاً كظَنًّا من أَظُنُّ، ولا أَقولُ قولَك
стр. 382
وأقولُ غيرَ ما تقول، وأَتَجِدُّ جِدَّك، وكَتب اللهُ ﵎ كتابَه، وادْعُوا دعاءً حقًّا، وصَبغ اللهُ صِبغَة، ولكن لا يَظهر الفعلُ لأنَّه صار بدلاً منه بمنزلة سَقيا.
وكذلك توجَّهُ سائرَ الحروفِ من هذا البابِ، كما فعلت ذلك في باب سقياً وحمداً لك.
باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال
صار فيه المذكور وذلك قولك: أَمّا سِمَناً فسَمينٌ، وأَمّا عِلْماً فعالم.
وزعم الخليل ﵀ أنه بمنزلة قولك: أنت الرجل علماً ودِيناً، وأنت الرجلُ فَهماً وأَدَباً، أي أنت الرجلُ فى هذه الحال. وعَمِلَ فيه ما قبله وما بعده، ولم يَحسن فى هذا الوجه الألفُ واللام كما لم يَحسن فيما كان حالاً وكان فى موضع فاعلٍ حالا. وكذلك هذا، فانتَصب المصدرُ لأنَّه حالٌ مَصِيرٌ فيه.
ومن ذلك قولك: أَمّا عِلْماً فلا عِلْمَ له، وأَمّا عِلْماً فلا عِلْمِ عنده، وأَمّا عِلْماً فلا عِلْمَ وتضمِرُ له، لأنَّك إنّما تَعنى رجلا.
وقد يُرْفَعُ هذا فى لغة بنى تميم، والنصبُ فى لغتها أحسن؛ " لأنهم
стр. 383
يَتوهَّمون الحالَ ". فإِن أُدخلت الألفُ واللام رَفعوا، لأنه يَمتنع من أن يكون حالا.
وتقولُ: أَمّا العلْمُ فعالمٌ بالعلم، وأَمّا العلمَ فعالمٌ بالعلم. فالنصبُ على أنَّك لم تَجعل العلم الثانىَ العلمَ الأوّلَ الذى لفظتَ به قبله، كأنك قلت: أَمَّا العلمَ فعالمٌ بالأشياء. وأما الرفعُ فعلى أنه جعل العلمَ الآخِرَ هو العلمَ الأوّلَ، فصار كقولك: أَمّا العلمُ فأَنا عالمٌ به، وأما العلمُ فما أَعلمنى به. فهذا رفعٌ لأنَّ المضمر هو العِلمُ، فصار كقولك: أَما العلمُ فحسنٌ.
فإِنْ جعلتَ الهاءَ غيرَ العلم الأوّل نصبتَ، كأَنَّك قلت: أَمّا علماً فما أَعلمنى بعبد الله.
وإذا قلت: أَما الضَّرْبَ فضاربٌ، فهذا يَنتصب على وجهينِ: على أن يكون الضربُ مفعولا كقولك: أَمّا عبدَ الله فأَنا ضاربٌ، ويكونُ نصباً على قولك: أَمّا عِلْماً فعالمٌ، كأَنّك قلت: أَمّا ضَرْباً فضاربٌ، فيصير كقولك: أَمّا ضربا فذو ضربٍ.
وقد يَنصب أهلُ الحجاز فى هذا الباب بالألف واللام، لأنهم قد يتوهمون في هذا الباب غيرَ الحال، وبنو تميم كأَنهم لا يَتوهّمون غيرَه، فمن ثَمّ لم يَنصبوا فى الألف واللام، وتركوا القُبْحَ. فكأَنَّ الذى تَوهّم أهلُ الحجاز البابُ الذى يَنتصب لأنه موقوعٌ له، نحوَ قولك فعلتُه مَخافةَ ذلك. وذلك قولهم:
стр. 384
أَمّا النُّبْلَ فنبيلٌ، وأمّا العقلَ فهو الرجلُ الكاملُ، كأَنّه قال: هو الرجلُ الكاملُ العقلَ والرأي، أي للعَقل والرأىِ، وكأَنّه أَجاب مَنْ قال: لِمَه؟ وعلى هذا الباب فأَجْرِ جميعَ ما أَجريتَه نكرةً حالا إذا أَدخلتَ فيه الألف واللام. قال الشاعر:
أَلا ليت شِعْرِى هل إلى أُمَّ مَعْمَرٍ ... سَبيلٌ فأَمّا الصَّبْرَ عنها فلا صَبْرَا
وأَمَّا بنو تميم فيرَفعون لِما ذكرتُ لك، فيقولون: أَمّا العلمُ فعالمٌ، كأَنه قال: فأنَا أو فهو عالمٌ به. وكان إضمارُ هذا أحسنَ عندهم من أن يُدخِلوا فيه مالا يجوز، كما قال سبحانه: " يوما لا تجزي نفس "، أَضمر " فِيهِ " وقال الشاعر، " عبد الرحمن بن حسّان ":
أَلا يا لَيْلَ وَيْحَك نَبِّئينا ... فأَمّا الجُودُ منكِ فليس جودُ
أى فليس لنا منك جودٌ.
стр. 385
ومما ينتصب من الصِفات حالاً كما انتَصب المصدرٌ الذى يوضع موضعه ولا يكون إلاّ حالاً، قوله: أما صديقاً مصافياً فليس بصديق مُصافٍ، وأَمّا طاهراً فليس بطاهرٍ، وأَمّا عالما فعالمٌ. فهذا نصبٌ لأنَّه جعله كائنا فى حال علمٍ وخارجا من حال طهورٍ ومصادقةٍ.
والرفعُ لا يجوز هنا، لأنَّك قد أَضمرت صاحبَ الصفةِ، وحيث قلتَ أمّا العلمُ فعالمٌ فلم تضمِرْ مذكورا قبل كلامك وهو العلمُ، فمن ثمّ حَسُنَ فى هذا الرفعُ ولم يَجز الرفع في الصَّفة. ولا يكون فى الصفة الألفُ واللام؛ لأنَّه ليس بمصدَر فيكونَ جوابا لقوله لمَهْ، وإنَّما المصدرُ تابعٌ له ووُضع فى موضعه حالا.
واعلم أَنَّ ما ينتصب فى هذا الباب فالذى بعده أو قبله من الكلام قد عَمِلَ فيه، كما عَمل فى الحَذَرِ ما قبله، إذا قلت: أَكرمتُه حَذَرَ أن أُعابَ، وكما عَمل فى قوله: أتاه مشياً وماشياً.
باب ما يختار فيه الرفعُ ويكون فيه
الوجهَ فى جميع اللغات
وزعم يونسُ أنه قول أبِى عَمرو. وذلك قولكَ: أَمّا العَبِيدُ فذو عَبيدٍ، وأمّا العبدُ فذو عبدٍ، وأَمّا عبدانِ فذو عبدينِ.
стр. 386
وإنَّما اختير الرفعُ لأنّ ما ذكرت فى هذا الباب أسماءٌ والأسماءُ لا تجرى مجرى المصادر. ألا تَرى أنَّك تقولُ: هو الرجلُ عِلْماً وفِقْهاً، ولا تقول: هو الرجلُ خَيْلاً وإبلاً. فلمّا قبح ذلك جعلوا ما بعده خبراً له، كأَنّهم قالوا: أَمّا العبيدُ فأنت فيهم أو أنت منهم ذو عَبيدٍ، أى لك من العبيد نَصيبٌ، كأَنَّك أردتَ أن تقول: أَمّا مِن العبيد أو أَمّا فى العبيد فأنت ذو عَبيدٍ. إلاَّ أنك أَخَّرتَ فى ومن وأضمرتَ فيهما أَسماءَهم.
وأَمَّا قولُه: أَمّا العبدُ فأنت ذو عبدٍ، فكأنه قال: أمّا فى العبدِ فأنت ذو عبدٍ، ولكنه أخَّرَ فِى وأَضمرِ فيهِ اسمَه كما فَعل ذلك فى العبيد، فلما قبح عندهم أ، يكون بمنزلة المصدر ولم يكن ممّا يجوز فيه عندهم ذلك حملوه على هذا، فِراراً من أن يُدْخِلوا فى المصدر ما ليس منه، كما فعلتْ تميمٌ ذلك فى العِلْم حين رفعوه. وكأنك قلت: أَمّا العبيدُ فهم لك، وأَمّا العبدُ فهو لك، لأنّك ذلك المعنى تُريدُ.
وسَمِعْنا من العرب من يقول: أَمّا ابنُ مُزَنيَّةٍ فأنا ابن مُزنيَّةٍ؛ كأَنه قال: أما ابنُ مُزنيّةٍ فأنا ذاك، جعل الآخر هو الأول كماكان قائلاً ذلك فى الألف واللام: أمّا ابنُ المُزنيَّةِ فأنا ابن المُزنيَّةِ. وإن شئت نصبتَه على الحال كما قلت: أَمَّا صَديقا فأنت صديقٌ وأمَّا صاحبا فأنت صاحبٌ.
стр. 387
وزعم يونس أن قوماً من العرب يقولون: أما العبيد فذو عبيد، وأما العبد فذو عبدٍ، يُجرونه مُجرى المصدر سَواءً. وهو قليل خبيث. وذلك أنَّهم شبّهوه بالمصدر كما شبَّهوا الجمَّاءَ الغفيرَ بالمصدر، وشبَّهوا خمستَهم بالمصدر. كأنَّ هؤلاء أجازوا: هو الرجل العبيد والدراهم، أى للعبيد وللدراهم، وهذا لا يُتكلَّم به، وإنما وجهه وصوابه الرفع، وهو قول العرب وأبى عمرو ويونسَ، ولا أعلم الخليلَ خالَفَهُما. وقد حملوه على المصدر، فقال النحويّون: أمّا العِلْمَ والعَبيدَ فذو علم وذو عبيد. وهذا قبيح، لأنَّك لو أفردتَه كان الرفعُ الصوابَ، فخَبُثَ إذْ أُجرى غيرُ المصدر كالمصدر، وشبّهوه بما هو فى الرَّدَاءةِ مثلُه، وهو قولُهم: وَيلٌ لهم وتَبٌّ.
وأمّا قوله: أمَّا البَصْرةُ فلا بَصْرةَ لك، وأمَّا الحارثُ فلا حارثَ لك، وأمّا أبوك فلا أبا لك، فهذا لا يكون فيه أبداً إلاَّ الرفعُ؛ لأنَّه اسمٌ " مَعروفٌ " ومعلومٌ؛ قد عرف المخاطَبُ منه مثلَ ما قد عرفتَ، كأَنَّك قلت: أَمَّا الحارِثُ فلا حارثَ لك بعده أو فلا حارثَ لك سواه، وكأنّه قال: أَمّا البَصْرةُ فليستْ لك، وأما الحارث فليس لك؛ لأن ذلك المعنى تريد.
ولو قال: أَمَّا العبيدُ فأنت ذو عبيد، يريد عبيداً بأَعيانهم قد عرفَهم المخاطَبُ كمعرفتك، كأنّك قلت: أَمَّا العبيدُ الذين تعرف، لم يكنْ إلاّ رفعا. وقولُه ذو عبيدٍ كأنّه قال: أنت فيهم أو منهم ذو عبيدٍ. ولو قال: أَمَّا أبوك
стр. 388
فلك أبٌ، لكان على قوله: فلك به أبٌ أو فيه أبٌ، وإنما يريد بقوله: فيه أبٌ مَجرى الأب على سعة الكلام، وليس إلى النصب ههنا سبيل.
وإنَّما جاز النصبُ فى العبيدِ حين لم يَجعلهم شيئاً معروفا بعينه لأنه يشبّهه بالمصدر، والمصدر قد تَدخله الألفُ واللام ويَنتصب على ما ذكرتُ لك. فإذا أردتَ شيئاً بعينه وكان هو الذي تلزمه الإشارة، جرى مجرى زيد وعمرو وأبيك.
وأمَّا قول الناس للرَّجلِ: أَمّا أن يكون عالما فهو عالمٌ، وأَمَّا أن يَعلم شيئاً فهو عالمٌ، فقد يجوز أن تقول: أَمَّا أَنْ لاَ يكونَ يَعلمُ فهو يَعلم وأنت تريد " أَنْ " يكونَ، كما جاءَتْ: " لئلا يعلم أهل الكتاب " فى معنَى لأَنْ يَعلَم أهلُ الكتاب. فهذا يُشْبِهُ أن يكونَ بمنزلة المصدر، لأنَّ أنْ مع الفعل الذى يكون صلةً بمنزلة المصدر، كأنك قلت: أما علما وأماكينونة علم فأنت عالمٌ. ألا ترى أنَّك تقول: أنت الرجل أن تنازل أو " أن " تخاصم، كأنك قلت نِزالاً وخُصومةٌ، وأنت تريد المصدر الذى فى قوله فَعَلَ ذاك مَخافةَ ذاك. ألا ترى أنك تقول: سكتُّ عنه أَنْ أجْتَرَّ مودته، كما تقول: اجترار مودَّته. ولا تقع أنْ وصِلتُها حالاً يكونُ الأوّلُ فى حالِ وقوعِهِ، لأنَّها إنما تُذْكَرُ لما لم يَقع بعدُ. فمن ثم أُجريَت مُجرى المصدر الأول الذي هو جواب لمه؟
стр. 389
باب ما يَنتصب من الأسماء التى ليست بصفةٍ
ولا مصادرَ لأنَّه حالٌ يَقع فيه الأمر فينتصب لأنه مفعول به
وبعضُ العرب يقول: كلّمتُه فُوهُ إلى فِىَّ، كأنَّه يقول: كلّمتُه وفُوهُ إلى فِىَّ، أى كلّمتُه وهذه حالهُ. فالرفعُ على قوله كلّمتُه وهذه حالهُ، والنصبُ على قوله: كلّمتُه فى هذه الحال، فانتَصب لأنه حال وقع فيه الفعل. وأما بايعته يدا بيد، فليس فيه إلا النصب، لأنه لا يَحسن أن تقول: بايعته ويد بيد، ولم يرد أن يُخبر أنَّه بايَعه ويدُه فى يده، ولكنَّه أراد أن يقولَ: بايعتُه بالتعجيل، ولا يبالِى أقَريباً كان أم بعيدا.
وإذا قال: كلّمتُه فُوهُ إلى فِىَّ، فإنَّما يريد أن يُخبِر عن قُربه منه، وأنَّه شافَهه ولم يكن بينهما أحدٌ.
ومثله من المصادر فى أن تَلزمه الإِضافةُ وما بعدها مما يجوز فيه الابتداءُ ويكونُ حالا، قولُه: رَجَعَ فلانٌ عودة على بَدْئه، وانثنى فلانٌ عَوْدَه على
стр. 390
بَدْئه، كأنه قال: انثنى عَوْداً على بَدْءٍ. ولا يُستعمل فى الكلام رجَعَ عَوْداً على بَدْءٍ، ولكنَّه مُثّل به.
ومَنْ رَفَعَ فوه إلى فىَّ، أجاز الرفع فى قوله: رَجَعَ فلانٌ عَودُه على بَدْئه.
ومما يَنتصب لأنَّه حالٌ وقع فيه الفعلُ قولك: بِعْتُ الشاءَ شاةً ودرهماً، وقامرتُه درهماً فى درهمٍ، وبعتُه دارى ذراعاً بدرهم، وبعت البرقفيز بن بدرهم، وأخذتُ زكاةَ مالِه درهماً لكلّ أربعين درهما، وبيّنتُ له حِسابَه باباً باباً، وتَصدَّقتُ بمالى درهما درهما.
واعلم أنَّ هذه الأشياءَ لا ينفرد منها شيء دون ما بعده، وذلك أنَّه لا يجوز أن تقول: كلّمتُه فاه حتّى تقول إلى فىَّ، لأنَّك إنَّما تريد مشافَهةً، والمُشافهةُ لا تكون إلاّ من اثنين، فإنَّما يَصحّ المعنى إذا قلت إلى فِىَّ، ولا يجوز أن تقول بايعتُه يداً، لأنَّك إنَّما تريد أن تقول: أخَذَ منّى وأعطانى، فإِنَّما يَصحَ المعنى إذا قلت: بيدٍ لأنهما عَمَلانِ. ولا يجوز أن تقول: انثَنى عَوْدَه لأنَّك إنّما تريد أنّه لم يَقطع ذهابَه حتَّى وصلَه برجوع، وإنّما أردتَ أنه رجع فى حافِرِته أى نَقَضَ مجيئَة برجوعٍ، وقد يكون أن يَنقطع مجيئه ثم يَرجع فيقول: رجعتُ عَوْدِى
следующие страницы →