← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وهذا الخطاب العام اشتمل على بيان مقاصد أربعة للقرآن الكريم وهي: ١- كونه موعظة حسنة من عند الله تعالى، يجمع بين الترغيب والترهيب، وبين الحثّ على فعل الحسن وترك القبيح. ٢- وكونه شفاء لما في القلوب من الشبهات والشكوك، والنفاق والكفر، وسوء الاعتقاد وشراسة الخلق، والتّخلص من الجهل والعتو عن النظر في آيات الله تعالى. ٣- كونه هاديا إلى الحق الأبلج واليقين الساطع والصراط المستقيم المحقق لسعادة الدنيا والآخرة. ٤- إن القرآن هدى ورحمة للمؤمنين خاصة، ينجيهم من ظلمات الضلال، إلى نور الإيمان، ويبعدهم عن النّيران، ويرقى بهم إلى درجات الجنان. قل أيها الرسول للمؤمنين: ليفرحوا بفضل الله ورحمته بما جاءهم من الهدى ودين الحقّ، فإنه أولى ما يفرحون به. والفضل كما قال ابن عطية: هو هداية الله تعالى إلى دينه، والتوفيق إلى اتّباع شريعته، والرّحمة: هي عفوه وسكنى جنّته التي جعلها جزاء على الإيمان والإسلام. والفرح بهذا الفضل وبهذه الرحمة هو أجدى وأنفع من كل ما يجمعه الناس من الأموال وسائر خيرات الدنيا لأنه يؤدي لسعادة الدارين. ثم أوضح الله تعالى بخطابه الخاص بعرب الجاهلية: أن التشريع بالتحليل والتحريم هو حقّ الله تعالى، وليس للناس الحق في التشريع، فما قام به العرب من تحريم البحائر والسّوائب والوصايل من المواشي وغير ذلك مجرد اختلاق وكذب منهم، ولم يأذن الله به. وهذا توبيخ شديد على إعطاء الجاهلين أنفسهم حقّ التّحليل والتّحريم، فمن أحلّ برأيه أو حرّم بمجرد هواه، فإنه مفتر على الله، ومتجاوز حدوده، كما جاء في آية أخرى: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النّحل: ١٦/ ١١٦] .

стр. 982

وأي شيء ذلك الظّن الصادر من المفترين على الله الكذب فيما يصنع بهم من الجزاء يوم القيامة؟! أيظنّون أنهم يتركون بغير عقاب على جريمة الافتراء والكذب على الله؟ إن ظنّهم في غاية الرّداءة بحسب سوء أفعالهم. وهذا وعيد عظيم مقتضاه التّهكم وتأكيد العقاب. إن الله تعالى صاحب الفضل العميم على الناس، حيث أنعم عليهم بنعمة العقل، ورحمهم بالوحي، وأبان لهم الحلال والحرام، وشرائع الدين، ورزقهم من الطّيبات، ولكن أكثر الناس لا يشكرون هذه النعمة ولا ذلك الفضل، فاستحقّوا العذاب، والعتاب، وإهمالهم في الآخرة. شمول العلم الإلهي وجزاء الأولياء يذكّرنا الله تعالى في مناسبات مختلفة أن علمه شامل كل شيء في السماوات والأرض، ليحملنا على الطاعة والشكر، والعبادة والاستقامة، والبعد عن المعصية، لأن العلم الإلهي بالأشياء، يسّر به الطائعون، ويحذره المذنبون. وأهل الطاعة وأولياء الله مشمولون بالرّعاية الإلهية وبالإفضال الرّبانيّة، وليس هناك أعظم من الفوز بالنّجاة من العقاب في عالم الآخرة، وصف الله تعالى إحاطة علمه وتبشيره أولياءه بهذه الآيات: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٦١ الى ٦٤] وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١) أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) «١» «٢» «٣» «٤»

стр. 983

[يونس: ١٠/ ٦١- ٦٤] . القصد من الآية تبيان إحاطة علم الله بكل شيء، والإخبار بأنه يعلم جميع أحوال الناس، ومعنى اللفظ: وما تكون يا محمد وغيرك في شأن من جميع الشؤون، وأمر من الأمور الخاصة والعامة، وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن ينزل عليك، لنشر دعوة الله في الأرض، إلا ونحن شهود عليكم، حين تفيضون فيه، أي تقومون فيه بجدّ ونشاط. ولا يغيب عن علم الله شيء حتى يخفى عليه، ولو كان مثقال ذرة، أي وزن نملة، أو هباء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر كالعرش، إلا في كتاب مبين، أي إلا ومعلوم له، ومدون في اللوح المحفوظ، الذي كتب فيه مقادير الموجودات كلها. وقوله سبحانه: مِثْقالِ ذَرَّةٍ جعله الله مثالا، إذ لا يعرف في الحيوان المتغذّي المتناسل المشهور النوع والموضع أصغر منه. وهذه الآية مثل قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩) [الأنعام: ٦/ ٥٩] . وبعد أن أعلم الله عباده بإحاطة علمه بجميع الأشياء والأعمال، ليبعثهم على الشكر والعبادة، ذكر حال الشاكرين المتّقين الذين حسن جزاؤهم في الآخرة، وهم أولياء الله، أي أحبّاؤه وأصفياؤه، وهم المؤمنون الذين والوه بالطاعة والعبادة، فكل من آمن بالله واتّقى ربّه، فهو داخل في أولياء الله. وهؤلاء الأولياء المقرّبون إلى الله لا خوف عليهم في الدنيا من مكروه يتوقع، ولا حزن عليهم في الآخرة من مخاوف القيامة، فهم لا يخافون عذابا ولا عقابا ولا يحزنون لذلك، روى البزار

стр. 984

وغيره عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله، من أولياء الله؟ قال: «الذين إذا رؤوا ذكر الله» . ولهم البشارة في الحياة الدنيا بالنصر والتّمكن في الأرض، ما داموا على شرع الله ودينه، يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، كما قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النّور: ٢٤/ ٥٥] . ولهم البشارة أيضا في الحياة الأخروية بحسن الثواب والنعيم المقيم في الجنة، كما قال الله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) [التّوبة: ٩/ ٢١] تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ أي لا تغيير لأقواله، ولا خلف لمواعيده، ولا ردّ في أمره، كقوله تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق: ٥٠/ ٢٩] ومن كلماته تعالى: تبشير المؤمنين بالجنّة، وذلك المذكور وهو البشارة للمؤمنين المتقين أولياء الله في الدّارين بالسعادة: هو الفوز العظيم الذي لا فوز غيره بالنعيم المبشر به لأنه ثمرة الإيمان والعمل الصالح. إن هاتين البشارتين للأولياء العاملين بأوامر الله، المجتنبين نواهيه لهما أعظم البشائر وأجلّها وأكرمها، فما أكرم المبشّر وأحبّه عند ربّه، وما أسعد المبشّرين، نسأل الله العظيم أن يجعلنا في زمرتهم. العزّة لله جميعا لقد أيّد الله نبيّه تأييدا مطلقا، وسرّى عنه في أوقات الشدة والمحن، وأخبره بالسلامة، وبشّره بالغلبة على المشركين المغترين بالقوة والمال، وأعلمه بأن العزّة لله جميعا، فهم لا يقدرون لك أيها النّبي على شيء، ولا يؤذونك إلا بما شاء الله، وهو

стр. 985

القادر على عقابهم وإيقاع العذاب الشديد بهم. وفي هذا تقوية لعزيمة الرّسول ﷺ ، لكي يظلّ قائما بدعوته، ماضيا في تبليغ رسالته، غير آبه بما يلقى من المصاعب، ولا خائف من أحد. وهذه المعاني تتمثل في الآيات التالية: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٦٥ الى ٦٧] وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) » «٢» [يونس: ١٠/ ٦٥- ٦٧] . لم يترك المشركون في مكة وسيلة لإيذاء النّبي ﷺ إلا ارتكبوها، فحينما بدّد القرآن شبهاتهم الفكرية وردّ عليها، لجؤوا إلى طريق آخر، وهو التّهديد والتّخويف بأنهم أصحاب السلطة والمال، والقوة والنفوذ، فلا مجال للضعفاء والفقراء بينهم، ولا سبيل لمحاولة بسط النفوذ عليهم من خلال أي شيء في دنيا العرب، لا بدعوة إلى الدين الجديد، ولا بغير ذلك من وسائل الهيمنة كما يتصورون. فجاءت آيات الوحي القرآني تواسي محمدا ﷺ ، وتشدّ عزيمته، ومعناها: لا يهمّك ولا يحزنك أيها الرسول قول المشركين أبدا: لست مرسلا، وغير ذلك من المعارضة والإصرار على الشّرك والتّكذيب لرسالتك، والتهديد بأنهم أصحاب القوة والمال، واستعن بالله عليهم، وتوكّل عليه، فإن العزّة، أي الغلبة والقوة والقهر لله تعالى جميعا، جميعها له، فهو مصدرها ومانحها لمن يشاء من عباده، كما جاء في آية أخرى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون: ٦٣/ ٨] . والله سبحانه هو السميع لجميع ما يقولون، والعليم بما في نفوسهم من ذلك، وفي ضمن هذه الصفات تهديد.

стр. 986

ودليل تفرد الله بالعزة أنه مالك السماوات والأرض وما بينهما ومن فيهما، لا ملك لأحد فيهما سواه، فكان هو صاحب السلطان المطلق والتّصرف الشامل، ولا يتّبع الذين أشركوا الشّركاء لله فيما زعموا إلا بمحض الظّن الفاسد، أي الوهم الخطأ، من غير أي دليل، ولا حقيقة واقعية، فليس لله شريك أبدا، ولا تصلح الأصنام وغيرها آلهة لأنها مملوكة لله، ولا قدرة لها على شيء من أمور العباد، سواء النفع أو الضّر، بل لا تستطيع دفع الضرّ عن نفسها، ولا جلب الخير أو النفع لذاتها. ما يتّبع هؤلاء المشركون فيما زعموا إلا الأوهام والتّخرصات أي التّخمينات وألوان الكذب فيما ينسبون إلى الله. وإذا لم تكن معبودات الوثنيين آلهة، فلا تصلح وسطاء أو شفعاء لعابديها عند الله لأن جميع من في السماوات والأرض مملوك لله تعالى، والمملوك لا شأن له أمام المالك، قال الله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) [مريم: ١٩/ ٩٣- ٩٤] . ودليل آخر على تفرّد الله بالعزّة التّامة، وانعدام أي دور للشّركاء أنّه تعالى خالق الليل والنّهار، وجاعل الليل للاستراحة والسّكن والاطمئنان فيه بعد عناء النهار والاشتغال فيه، وجاعل النّهار مضيئا للمعاش والعمل والسّفر وقضاء الحوائج والمصالح، إن في ذلك (وهو كون الليل مظلما يسكن فيه، والنّهار مبصرا يتصرّف فيه) لدلالات وعلامات على قدرة الله وعزّته وكونه الإله المعبود بحق، لقوم يسمعون هذه الأدلة، ويعون ما فيها ويتدبّرون ما يسمعون، ويستدلّون على عظمة خالقها ومقدّرها ومسيّرها. والحاصل: ان للعقل البشري في القرن العشرين بعد نضجه واكتماله أن يدرك إدراكا صحيحا أن الله وحده هو الإله المعبود، وكل من سواه من المخلوقات ليس لها

стр. 987

إطلاقا مقوّمات الألوهيّة والرّبوبية، وبرهان ذلك أنها مخلوقة وعاجزة عن خلق غيرها ورفدها بالرّزق وإمدادها بمقومات الحياة. أما توارث المعتقدات فيحتاج لإعادة نظر وتأمّل صحيح وفهم لطبيعة ذات الإله، ولا يعذر الإنسان في خطئه الاعتقادي. إبطال نسبة الولد لله تعالى إن من أعظم المفتريات وأبطل الباطلات نسبة الولد لله تعالى، سواء كان ذلك من المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله، أو من الزاعمين أن بعض البشر المقرّبين أو الرّسل الكرام أبناء الله تعالى. فليس لله حاجة على الإطلاق لاتّخاذ الولد والصاحبة والشّريك لأنه المتعالي عن صفات البشر، ولأن الله غني، والمخلوقون عاجزون، والعاجز يحتاج لمساعدة غيره، ومن استغنى عن غيره، كان غضاضة ومنقصة أن تنسب إليه شيئا من صفات النّقص. لكل هذا قال الله تعالى: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٦٨ الى ٧٠] قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) «١» [يونس: ١٠/ ٦٨- ٧٠] . إن القرآن العظيم أثبت عظمة الله تعالى بأدلة مختلفة، منها خلق السماوات والأرض ومن فيهما، ومنها أفعاله المبينة لعظمته كخلق الليل والنهار وإيجاد تعاقب بينهما. وما دامت العظمة المطلقة ثابتة لله سبحانه فلا بدّ من الإنكار على المشركين

стр. 988

وغيرهم الذين ادّعوا أن لله تعالى ولدا. وموضوع الآيات هو هذا الإنكار الشديد على نسبة الولد لله سبحانه. ومعناها: زعم بعض المشركين أن الملائكة بنات الله، وزعم غيرهم أن رسولا نبيّا أو وليّا مقرّبا صالحا هو ابن الله. تنزه الله وتقدّس عن الولد والشريك، لأنه هو الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه، ولا حاجة له للولد. وكيف يكون لله ولد مما خلق؟ وكل شيء مملوك له وعبد له، وهو خالق السماوات والأرض ومن فيهما، ولا شبيه له ولا نظير، ولا يحتاج لأحد من خلقه، ولا يشاركه في ملكه وسلطانه وتصرّفه وتدبيره أحد، فكيف يتخذ ولدا مخلوقا موهوبا له، محتاجا إليه في كل شيء مادّي كالرزق والمعيشة، أو معنوي كالإعانة والنّصرة؟! والولد جزء مما هو غني عنه، كما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) [فاطر: ٣٥/ ١٥] . وليس عندكم أيها المشركون أي سلطان أو دليل على ادّعائكم وجود ولد لله، وما تقولونه محض الكذب والافتراء والبهتان، أتقولون على الله قولا لا حقيقة له، وتنسبون إليه تعالى ما لا يصح عقلا وواقعا نسبة الولد إليه؟! وقوله تعالى: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ استفهام يراد به التوبيخ والتقريع، والتّهديد الشّديد. ثم توعّد الله تعالى الكاذبين عليه المفترين الزّاعمين أن لله ولدا بأنهم قوم خاسرون، لا يفوزون بخير في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فيستدرجهم ربّهم ويمتّعهم قليلا، وأما في الآخرة فيضطرّهم إلى عذاب غليظ شديد، فهم لا يظفرون ببغية، ولا يبقون في نعمة. وهذا ما قررته الآية هنا مَتاعٌ فِي الدُّنْيا أي لهم تمتع في الدنيا قليل ولمدة قصيرة، ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ أي ثم بعد الموت يرجعون إلى ربّهم بالبعث يوم

стр. 989

القيامة، وما فيه من أهوال المحشر والحساب والعقاب. ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ أي ثم يلقون الشقاء المؤيّد، ويعذّبون في نار جهنّم العذاب المؤلم الموجع الشديد الألم، بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله، فيما نسبوه إليه زورا وبهتانا. وهذا توعّد بحقّ. وفي الآية دليل واضح على تعرّض الكافرين للخسارة المحققة، فإن ما يتوهّمون أنه نجاح في الدنيا بالحصول على المنافع المادّية والمعنوية، والثروة والجاه، لا قيمة ولا وزن له أصلا في مقابلة ما فاتهم في الآخرة من ثواب عظيم ونعيم مقيم في جنان الخلد، فإن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة. وهذا يشعرنا بأن وجود الثروة أو المال والجاه عند بعض الجاحدين الكافرين لا يدلّ على حسن الحال، أو ارتقاب النّجاة والسّعادة في عالم الآخرة. قصة نوح ﵇ مع قومه ليس هناك أناس صبروا على إيذاء أقوامهم، وجاهدوا في سبيل نشر دعوتهم، مثل الرّسل والأنبياء ﵈، ومن أسبقهم نوح ﵇ أبو البشر الثاني، وأول الرّسل أولي العزم، دعا قومه إلى توحيد الإله من غير أجر ولا مقابل، فكذّبوه وآذوه، فأنجاه الله ومن آمن معه، وأغرق المكذّبين بالطّوفان. وهذا ما قصد القرآن الكريم في الآيات التالية: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٧١ الى ٧٣] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) «١» «٢» «٣» «٤»

стр. 990

«١» «٢» «٣» [يونس: ١٠/ ٧١- ٧٣] . ذكر الله تعالى في قرآنه مجموعة من قصص الأنبياء، مواساة للنّبي ﷺ ليتأسى بهم، ويأنس بسيرتهم، فتهون عليه الشدائد والمكائد، ويتّعظ مشركو مكة بعاقبة المكذّبين رسلهم قبلهم. وتتعدد أساليب بيان القصة بحسب المناسبات وما يقتضيه المقام، وهذه الآيات وصف سريع لقصة نوح ﵇ مع قومه، معناها: أخبر أيها الرسول كفار مكة الذين يكذّبونك بخبر قوم نوح الذي كذّبوه، كيف أهلكهم الله بالغرق، فيعاملون بمثل ما عومل به من تقدّمهم. اذكر لهم حين قال نوح لقومه: يا قوم إن كان قد شقّ أو عظم عليكم قيامي بوعظكم من كلام ونحوه، وتذكيري إياكم بالوعظ والزجر بالأدلة والبراهين الدّالة على وحدانية الله وعبادته، فإني توكلت على الله وفوّضت أمري إليه ووثقت به، فلا أبالي بعدئذ بما أوذيت، ولا أكفّ عن دعوتي ورسالتي، فاعزموا على ما تريدون من أمر تفعلونه بي، أنتم وشركاؤكم الذين تعبدونهم من دون الله من الأصنام والأوثان. ولا تجعلوا أمركم الذي تعتزمونه خفيّا مشكلا بل أظهروه لي، وتبصروا فيه، ثم نفّذوا ذلك الأمر بالفعل، ولا تؤخّروني ساعة واحدة عن تنفيذ هذا الحكم المقضي، فإني لا أبالي بكم ولا أخاف منكم لأنكم لستم على شيء، والله عاصمي وحامي ومسلّمي من أذاكم.

стр. 991

وهذا غاية الثقة بالله والاعتماد عليه، والاستهانة والاستخفاف بمن دونه، فعلى المؤمن أن يعتصم بالله ويثق بوعده، ويعتمد على ربّه، فإن العاقبة في النهاية له. فإن أعرضتم عن تذكيري، وكذبتم، ولم تؤمنوا برسالتي، ولم تطيعوني فيما أدعوكم إليه من توحيد الله وعبادته، فإني لم أطلب منكم على نصحي إياكم شيئا من أجر أو جزاء، إن ثواب عملي وجزائي على الله ربّي الذي أرسلني إليكم، وأمرني أن أكون من المسلمين، أي المنقادين الطائعين الممتثلين لما أمرت به من الإسلام والخضوع لله . والإسلام بالمعنى العام وهو الانقياد لله وطاعته والالتزام بالدين الحنيف وهو توحيد الله وإطاعته والإعداد للقائه، هو مضمون رسالات الأنبياء جميعا من أولهم إلى آخرهم. ثم أخبر الله عن مصير قوم نوح المكذبين، وفي ضمن ذلك الإخبار توعّد للكفار بمحمد ﷺ ، وضرب المثال لهم، فحالكم من التكذيب تشبه حال الأقدمين بالنقمة والتعذيب. لقد أصرّوا على تكذيب نوح ﵇، فنجّاه الله هو والمؤمنين به، بحملهم في السفينة التي صنعها بأمر الله، وجعل الله النّاجين مع نوح خلائف أولئك الهالكين في عمارة الأرض وسكناها من بعدهم، وأغرق الله بالطّوفان الذين كذّبوا نوحا، فانظر أيها الرّسول محمد كيف أنجينا المؤمنين، وأهلكنا المكذّبين المنذرين الذين أنذرهم رسولهم بالعذاب قبل وقوعه، فلم يرتدعوا، وأصرّوا على تكذيبه. وهذه هي العاقبة الوخيمة لكل المصرّين على تكذيب الأنبياء، وهذه هي العاقبة الحميدة للمؤمنين المصدّقين بالله ربّا وبالإسلام دينا وشرعة ومنهاجا.

стр. 992

قصة موسى ﵇ مع قومه - ١- الحوار بين موسى وفرعون استمرّ تكذيب الأنبياء بين الأمم من بعد نوح ﵇، فمنع الله عنهم الخير والإيمان، ومن أمثلة ذلك قصة موسى مع فرعون وقومه، وفيها يشتدّ الحوار بين رسول الحق موسى، وبين زعيم الباطل فرعون، فموسى ﵇ يعلو صوته بالدعوة إلى توحيد الله وإبطال الوهية من دونه، وفرعون يدافع عن عرشه وسلطانه وادّعاء ألوهيته، لتظلّ له الهيمنة، ويكون الهدف من إيراد القصة في هذه الآيات ضرب المثل لحاضري محمد ﷺ ، ومضمونه: كما حلّ بهؤلاء يحلّ بكم معشر قريش. وهذه آيات تصوّر صولة الحق مع موسى وهزيمة الباطل مع فرعون، قال الله تعالى: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٧٤ الى ٧٨] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) «١» «٢» «٣» «٤» [يونس: ١٠/ ٧٤- ٧٨] . هذا موكب النور الإلهي، بعث الله من بعد نوح ﵇ رسلا إلى أقوامهم، مثل هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﵈ بالمعجزات الدّالة على صدقهم، والبراهين الواضحة على صدق نبوّتهم ورسالتهم، فلم تؤمن تلك الأقوام

стр. 993

بما جاءتهم به رسلهم بسبب تكذيبهم بالوحي والرسالة الإلهية، كما كذّب المتقدمون من قبلهم، ممن كانوا على شاكلتهم في الكفر كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ أي هذا فعلنا بهؤلاء الذين تجاوزوا طورهم، واجترحوا ما لا يجوز لهم، كما فعلنا بأمثالهم، ختمنا على قلوب المعاندين، فلم يعد الخير نافذا إليها، ولا يتنظر إيمانهم حتى يروا العذاب الأليم. وهذا إنذار شديد لمشركي العرب بأنهم يستحقون عذابا مثل عذاب الأمم السابقة إذا استمروا في تكذيبهم الرّسل ومعارضة دعوة النّبي ﷺ . ثم بعث الله تعالى من بعد أولئك الرّسل موسى وأخاه هارون ﵉ إلى فرعون ملك مصر وأشراف قومه وأتباعهم، بعثهما الله بالآيات البيّنات الدّالة على صدقهما كالعصا واليد، فاستكبر فرعون وأتباعه عن قبول الحق والانقياد له، وعن الإيمان بموسى وهارون، وكانوا قوما مجرمين، أي معتادي الاجرام كفارا ذوي آثام عظام، والغين في الجريمة، ممعنين في الكفر والضلال. فلما جاءهم موسى ﵇ بدليل الحق على الرّبوبية والألوهية لله تعالى، قالوا عنادا وعتوّا: إن هذا لسحر واضح، أي إن عصا موسى التي تنقلب حية، ويده التي تضيء كالشمس هما في زعم فرعون وملئه سحر بيّن. فأجابهم موسى منكرا عليهم وموبّخا لهم: أتقولون للحق الواضح البعيد عن السحر الباطل: إنه سحر، والحال أنكم تعرفون أن السحر تخييل وتمويه، ولو كان هذا سحرا لانكشف واضمحلّ وزال، ولم يبطل سحر السحرة، فهو إذن معجزة إلهية، لا سحر وشعوذة ولا تمويه. فقال قوم فرعون لموسى قول صاحب الحجة الضعيفة بالتمسك بالتقليد للآباء والأجداد: أجئتنا يا موسى لتصرفنا وتردّنا عن دين آبائنا وأجدادنا؟ ولتكون لكما، أي لك ولهارون أخيك الكبرياء في الأرض، أي الرياسة الدينية والسلطة الدنيوية

стр. 994

وهي الملك والسلطان، وما نحن لكما بمصدّقين فيما تدّعيانه من دين جديد، يبطل دين الأسلاف والآباء. وهذا إعلان صريح من فرعون وقومه بأنهم مكذبون برسالة موسى وأخيه هارون، إلا أنهم خاطبوا موسى أولا بقولهم: أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا لأنه كان هو الدّاعي لهم للإيمان بما جاء به، والإقرار بتوحيد الإله، ونبذ عبادة الأصنام والأوثان. ثم أشركوا معه أخاه في قولهم: وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ لأنه كان رسولا شريكا في الدعوة، وفي الإفادة من ثمراتها، وهي في زعمهم تحقيق النفوذ والسلطة والعظمة. وهذه ذريعة للتكذيب برسالة موسى وأخيه هارون، وإغراء للمستفيدين من حكم فرعون بمقاومة هذه الرسالة، ومطاردة موسى وأخيه، حفاظا على كرسي الحكم الملكي والسلطة في أراضي مصر. - ٢- الاحتكام للسحرة في عهد فرعون زعم فرعون أو ظنّ أن ما جاء به موسى من معجزة العصا واليد مجرد سحر ظاهر، فدعا إلى الاحتكام للسّحرة ليبطل دعوة موسى ﵇، ولينقذ موقفه أمام الناس، وليحافظ على هيلمانه وسلطانه، ولكن الله غالب، والمعجزة الإلهية هي التي ستبطل إفك السحرة، ويظهر الحق، وتعلو كلمة الله والإيمان به، حتى ولو كره المجرمون ذلك. وهذا ما صوّرته الآيات القرآنية التالية: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٧٩ الى ٨٢] وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) [يونس: ١٠/ ٧٩- ٨٢] .

стр. 995

أراد فرعون بكل إصرار وعناد التمويه على الناس وصدّهم عن اتّباع موسى، ومعارضة ما جاء به ﵇ من دعوة الحق المبين إلى توحيد الله، فاعتمد على زخارف السّحرة والمشعوذين، فانعكس الأمر عليه، وظهرت البراهين الإلهية على الملأ العام، وآمن السحرة بالله تعالى، وخسر فرعون. ومعنى الآيات: قال فرعون لخدمته وحاشيته لما رأى معجزة العصا واليد البيضاء: ائتوني بكل ساحر حاذق عالم، ظنّا منه ألا فرق بين المعجزة الإلهية والسحر، فأتوا به، فلما جاء السحرة وتجمعوا، قال لهم موسى: ألقوا ما أنتم ملقون من أفانين السحر، ليظهر الحق، ويبطل الباطل. فلما ألقوا حبالهم وعصيهم، وخيّلوا بها، وظنّوا أنهم قد ظهروا وانتصروا، قال لهم موسى واثقا غير مبال بهم: ما أتيتم به هو السّحر بعينه، لا ما سماه فرعون سحرا مما جئت به من المعجزة من عند الله. وهذا السحر الذي أظهر تموه إن الله سيبطله ويمحقه ويظهر زيفه قطعا أمام الناس، بما يفوقه من المعجزة التي هي آية خارقة للعادة، تفوق السحر وأشكاله المختلفة. وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ عدة بالإبطال من الله ﵎. وعلة ذلك: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ أي لا يثبته ولا يقويه، ولا يجعله صالحا للبقاء لأنه محض افتراء والسّحر تخييل وتمويه، يتبدد ويفنى أمام المعجزة الرّبانية المجراة على يد موسى ﵇. وتابع موسى ﵇ قوله: وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) أي ويريد الله أن يؤيّد الحق ويظهره، ويثبّته ويقويه، وينصره على الباطل بأوامره ووعده موسى، وذلك ولو كره المجرمون، أي الظالمون كفرعون وملئه. والمجرم: المجترم الراكب للخطر. وتحقق بالفعل انتصار الحق على الباطل، كما جاء في

стр. 996

آية أخرى: فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) [الأعراف: ٧/ ١١٨] ، وقوله سبحانه: إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى [طه: ٢٠/ ٦٩] . هذا اختيار صعب قاس لكل من المعجزة والسحر، فالمعجزة آية إلهية خارقة للعادة، يؤيد الله تعالى بها صدق الأنبياء، لإقناع الناس وتصديق دعوتهم. وأما السحر فهو إفساد وتمويه وتزييف، لا حقيقة له ثابتة، لذا لم يصمد أمام الشيء الحقيقي الثابت، الذي لا تمويه فيه. وهذا المعنى هو ما تضمنته آية: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ أي لا يضرّ أحدا كيد ساحر، لذا قال العلماء: لا تكتب هذه الآية على مسحور إلا دفع الله عنه السّحر. وكان في برمجة أو خطة موسى ﵇ بأن يبدأ السّحرة أولا بالإلقاء براعة وثقة بما لديه من المعجزة، وعدم الاكتراث بالسّحرة، فإن كل ما فعلوه من لفت أنظار الناس وإخافتهم، حينما ألقوا حبالهم وعصيهم، محق وأبطل بإلقاء العصا التي انقلبت ثعبانا عظيما، التهم جميع الحبال والعصي، وصدق موسى فيما أعلنه قبل المبارزة: ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ. وحينئذ، حين التهمت العصا جميع الحبال والعصي، أدرك السّحرة خسارتهم، وعرفوا أن فعل موسى ليس من قبيل السّحر، فهم أعرف الناس بأساليبه وفنونه، فلم يعاندوا، وشرح الله صدورهم للإيمان، فآمنوا دون خشية من فرعون وبأسه وتهديده، وأسقط في يد فرعون وملئه، وخابوا وخسروا، وانتصر الحق وزهق الباطل.

стр. 997

- ٣- إيمان طائفة بموسى ﵇ بالرغم من الجهود المباركة المضنية من موسى ﵇ في دعوة الناس في مصر إلى الإيمان برسالته وبوحدانية الله، لم يؤمن به إلا طائفة قليلة من قومه بني إسرائيل، وهم فتيان وشباب أكثرهم أولو آباء كانوا تحت خوف من فرعون وأعوانه. وفي ذلك تسرية عن هموم نبيّنا ﵊ بسبب اغتمامه من إعراض قومه عنه وإصرارهم على الكفر، فله أسوة بسائر الأنبياء. وهذا ما أبانته الآيات القرآنية التالية: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٨٣ الى ٨٧] فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) «١» «٢» [يونس: ١٠/ ٨٣- ٨٧] . هذه هي حصيلة دعوة موسى ﵇ في أول أمره، فلم يصدق بدعوته بادئ الأمر إلا قليل من قومه بني إسرائيل، مع ما جاء به من البيّنات الواضحة الدّالة على صدقه، وهم طائفة من الشباب الخاضعين للحكم الفرعوني، على خوف من فرعون وجنوده أن يردوهم إلى الكفر لأن فرعون كان جبّارا عنيدا، شديد البطش بخصومه، مستعليا في أرض مصر، ومتجاوزا الحدّ بادّعاء الرّبوبية واسترقاق أسباط الأنبياء.

стр. 998

وتابع موسى رعاية المؤمنين، فقال لهم حينما لمس خوفهم من الاضطهاد: إن كنتم آمنتم، أي صدقتم بالله وآياته حقّا، فعليه توكّلوا وفوّضوا أموركم إليه، وثقوا بنصره وحمايته لكم إن كنتم مسلمين، أي خاضعين لله وطاعته، منقادين لأحكامه وأوامره، لأن التوكّل على الله لا يختلط بغيره. فالمراد من قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ أهل طاعة مع إيمان، فيكون ذكر الإسلام فيه زيادة معنى. فقالوا فورا: على الله توكّلنا واعتمدنا، وبه وثقنا واستعنّا على أعدائنا، ربّنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، أي لا تنزل بنا بلاء بأيدينا أو بغير ذلك، مدة مجاورتنا لأتباع فرعون، فيعتقدون أن إهلاكنا إنما هو لسوء ديننا، وصلاح دينهم، وأنهم أهل الحق. فهذا الدعاء يتضمن دفع أمرين: أحدهما- القتل والبلاء الذي توقعه المؤمنون. والآخر- ظهور الشّرك باعتقاد أهله أنهم أهل الحق، وفي ذلك فساد الأرض. وتابعت طائفة الإيمان دعاءها بقولهم: وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦) أي خلّصنا برحمتك وإحسانك وعفوك من تسلّط الكافرين بك، الظّالمين الطّغاة، الذين كفروا الحق وستروه، ونحن قد أعلناه وآمنّا بك وتوكّلنا عليك. ثم أوضح الحقّ تعالى سبب إنجاء بني إسرائيل من فرعون وقومه، فقال: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً ... أي أمرنا موسى وأخاه هارون ﵉ أن يتخذا لقومهما بمصر بيوتا، تكون مساكن للاعتصام فيها، وأمر القوم أن يتخذوا البيوت مساجد متّجهة نحو القبلة في بيت المقدس، وأن يقيموا جميعا الصلاة في تلك البيوت، أي أتموها وافية بشروطها، لئلا يطّلع عليهم الكفرة، فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم. وبشر يا موسى المؤمنين برسالتك بالصون والنصر على أعدائهم في الدنيا، وبالجنة في الآخرة. ولا شك بأن الإيمان الطوعي الاختياري هو الإيمان الحق، وهو المطلوب والذي

стр. 999

يفيد صاحبه في الدّارين. وخطاب بني إسرائيل بالصلاة بعد الإيمان كان قبل نزول التوراة، لأنها لم تنزل إلا بعد إجازة البحر وإهلاك فرعون وجنوده في اليم. ومن ثمار الإيمان الحق: التّفاني في مرضاة الله وتقديم الدين على الدنيا، لذا قدمت الطائفة المؤمنة بموسى ﵇ الحماية من الفتنة الإيمانية وعدم المحنة في الدين، على نجاة أنفسهم من ظلم القوم الظالمين، فقالوا أولا: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ثم قالوا: وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦) . - ٤- دعاء موسى على فرعون وملئه حينما ييأس الرّسول النّبي من إجابة دعوته عند قومه، قد يدعو عليهم بإذن من ربّه، وهذا ما فعله موسى ﵇ الذي دعا قومه في مصر لتوحيد الإله، زمنا طويلا، فدعا الله عليهم بالهلاك والإبادة حتى تتهيأ الأرض لجيل آخر يستجيب لدعوة الإيمان. وكان دعاء موسى ﵇ متميزا ببيان سبب الدعاء، وهذا ما وصفه القرآن الكريم في قوله تعالى: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٨٨ الى ٨٩] وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩) «١» «٢» [يونس: ١٠/ ٨٨- ٨٩] . غضب موسى ﵇ من أقباط مصر، فدعا عليهم، وقدم للدعاء تقرير نعم

стр. 1000

الله عليهم وكفرهم بها، قائلا: ربّنا آتيت فرعون وأشراف قومه من الدنيا والنعمة ما أبطرهم، وهو الزينة الشاملة من حلي ولباس وأثاث ورياش وأموال كثيرة ومتاع الدنيا ونحوها من الزروع والأنعام، وأدى التّرف والنعيم بهم أن تكون عاقبة أمرهم إضلال عبادك عن الدين، والطغيان في الأرض، والإسراف في الأمور كلها. واللام في قوله تعالى: رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ تسمى لام العاقبة والصيرورة، أي إن النعمة آلت بهم وصارت إلى الضّلال والانحراف، مثل اللام في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ «١» آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً والمعنى: آتيتهم تلك النّعم، فصار أمرهم إلى كذا، وكان عاقبة قوم فرعون من النّعم هو الضّلال والكفر وتأليه فرعون. رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ أي ربّنا أمحق وأزل آثار أموالهم وأهلكها، واختم على قلوبهم واجعلها قاسية، حتى لا تنشرح للإيمان، فيستحقّوا شديد العقاب، ولا يؤمنوا حتى يشاهدوا العذاب المؤلم الشديد الإيلام. وجعل موسى في دعائه رؤية العذاب نهاية وغاية، وذلك لعلمه من قبل الله تعالى أن المؤمن عند رؤية العذاب لا ينفعه إيمانه في ذلك الوقت ولا يخرجه من كفره، وكان دعاء موسى مشتملا على عقابين: مادي ومعنوي. أما المادي فهو تدمير أموالهم وإهلاكها. وأما المعنوي: فهو الطبع والختم على قلوب قوم فرعون بالكفر ومنع نفاذ الخير إليها. ثم أجاب الله هذه الدعوة في فرعون نفسه وقومه معه، بالغرق، وروي عن ابن جريج ومحمد بن علي والضّحاك: أن الدعوة لم تظهر إجابتها إلا بعد أربعين سنة، وحينئذ كان أمر الغرق. وروي أيضا أن هارون كان يؤمّن على دعاء موسى ﵇ فلذلك نسب الدعاء إليهما. لقد أجيبت دعوتكما يا موسى وهارون، وقبلنا دعاءكما كما سألتما من تدمير آل

стр. 1001

فرعون، فاستقيما، أي فاثبتنا على ما أنتما عليه من الدعوة لدين الحق، وإلزام الحجة، ولا تستعجلا الأمر قبل ميقاته، فإن ما طلبتما كائن، ولكن في وقته، ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون، أي طريق الجهلة في الاستعجال، أو عدم الثقة والاطمئنان بوعد الله تعالى، فإن وعدي لا خلف فيه. ولا يدلّ هذا النّهي عن الجهل أن مقتضاه صدر من موسى وهارون ﵉، كما في خطاب نبيّنا ﷺ : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزّمر: ٣٩/ ٦٥] لا يدلّ على صدور الشّرك منه. ومن المقرر أن إجابة الدعاء يصادف مقدورا، ودعاء موسى وهارون على هذا النحو، وهذا معنى إجابة الدعاء. وإجابة الدعاء لها وقت مخصوص في علم الله وتقديره، وليس ذلك بحسب مراد العبد الداعي، وإنما بحسب مراد الله تعالى. فتعجل الإجابة جهل لا يليق مع الأدب مع الله تعالى. وهو أيضا شك في الثقة بوعد الله تعالى بإجابة الداعي إذا دعاه. لهذا أمر الله موسى وهارون ﵉ بالاستقامة وترك سلوك طريق من لا يعلم حقيقة الوعد والوعيد. لقد طويت صفحة الطاغية فرعون وقومه من التاريخ بتدبير من الله وعدل لأن ادّعاء الألوهية وممارسة ألوان البغي والجور، غير مقبول بحال في منهج الحكم الإلهي. - ٥- إغراق فرعون وإنجاء الإسرائيليين اشتطّ فرعون وقومه في الظلم، وبالغوا في إيذاء بني إسرائيل واستعبادهم وتسخيرهم في الأعمال الشاقة، ولكن البغي والجور لا يدوم في شرع الله وقدره.

стр. 1002

وحينما آن وقت العذاب بحسب حكمة الله، صمم فرعون وجنوده على استئصال بني إسرائيل فتابعوهم حينما خرجوا من مصر، وصمموا على إبادتهم، وإنهاء دعوة موسى ﵇، حتى لا يكون هناك مضايق أو معارض. وتحققت المعجزة الكبرى بتدبير الله، قال الله تعالى واصفا مصير فرعون وأتباعه وعاقبة بني إسرائيل: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٩٠ الى ٩٣] وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢) وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [يونس: ١٠/ ٩٠- ٩٣] . هذه نهاية الطاغية فرعون وقومه، روي أن فرعون كان في ثمان مائة ألف أدهم «٦» ، حاشا ما بقي من ألوان الخيل، وروي أقل من هذه الأعداد. كما روي أن بني إسرائيل الذين جاوزوا البحر كانوا ست مائة ألف. والمعنى: تجاوزونا ببني إسرائيل البحر بقدرتنا وحفظنا، فلحقهم فرعون وجنوده ظلما وعدوا، أي باغين وعادين عليهم، فلما أشرف فرعون على الغرق قال: آمنت بأنه لا إله بحق إلا الله الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين، أي المنقادين المذعنين لأمره. كرر فرعون هذه العبارة ثلاث مرات، فلم يقبل منه الإيمان، لأنه إيمان عند الإكراه والاضطرار، وليس فيه اختيار. لذا ردّ الله تعالى عليه عن طريق جبريل أو

стр. 1003

بإلهام من الله بقوله: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين أدركك الغرق، وأيست من نفسك، وقد عصيت الله من قبل هذا الوقت، وكنت من الضّالّين المضلّين عن الإيمان، وذلك في قوله سبحانه: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ... أي فاليوم ننقذ جسدك من الغرق والارتماء في قاع البحر، لتكون لبني إسرائيل دليلا أو علامة على موتك وهلاكك لأنه كان في أنفس المصريين الأقباط: أن فرعون أعظم شأنا من أن يغرق، ولتكون عبرة لمن بعدك من الناس يعتبرون بك، فينزجرون عن الكفر والفساد في الأرض وادّعاء الرّبوبية. وفي هذا دليل على كمال قدرة الله تعالى وعلمه وإرادته. وليس الأمر مقصورا على فرعون وجنوده في إهمال النظر في الكون وآياته، للدلالة على وجود الله وتوحيده، وإنما أكثر الناس غافلون عن حجج الله وأدلّته على أن العبادة لله وحده، فلا يتّعظون بها ولا يعتبرون، لعدم تفكّرهم في أسبابها ونتائجها. وفي هذا دلالة على ذمّ الغفلة وترك أو إهمال الفكر والنظر في أسباب الحوادث وعواقبها. وقد كان هلاكهم يوم عاشوراء من شهر المحرم، كما صحّ في حديث البخاري عن ابن عباس. وفي مقابل إغراق فرعون وأتباعه، أنعم الله على بني إسرائيل نعما أخرى، فأنزلهم منزلا صالحا للعيش فيه، ورزقهم من الطيبات، أي اللذائذ المستطابة المباحة فيها، وأنعم الله عليهم فيها بكثير من الخيرات، من الثمار والغلال والأنعام وصيد البر والبحر. ولكنهم جحدوا هذه النعم، فلم يستحقوا التكريم، ووقعوا في المنازعات والخلافات في التوراة وفي شأن رسالة محمد ﷺ ، بعد ما علموا أحكام التوراة وأوصاف نبي آخر الزمان فيما هو مسطر في كتابهم، فكفر به بعضهم، وآمن آخرون. إن ربّك يفصل ويحكم بينهم يوم القيامة في شأن ما اختلفوا فيه، فيميز المحق

стр. 1004

من المبطل، بإنجاء أهل الحق من النار، وإدخالهم الجنة، وإهلاك المبطلين وتعذيبهم في نار جهنم. الدّعوة إلى تصديق القرآن إن مهام الداعية لتصديق القرآن دقيقة وشاقة، وتتطلب صبرا وحكمة، وعزيمة وإرادة، وهي بالتالي يسيرة غير عسيرة لأن تصديق القرآن فرع من الإيمان بالله تعالى، فمن آمن بوجود الله وتوحيده، سهل عليه الإيمان بالقرآن الذي أنزله ربّ العزّة بواسطة الوحي على قلب النّبي ﷺ ، ومن هنا كان مطلع أول السورة الثانية في سورة البقرة من القرآن الكريم: الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) [البقرة: ٢/ ١- ٢] . وكانت مهمة النّبي ﷺ في بدء دعوته المشركين للتصديق بالقرآن الكريم صعبة للغاية، لأنها في وسط وثني، لا يعرف غالبا غير عقيدة الوثنية، وتأليه الأصنام والأوثان. قال الله تعالى مبيّنا صدق النّبي ﷺ في دعوته للإيمان بالقرآن مبتدئا به ﵇ على سبيل المبالغة: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٩٤ الى ٩٧] فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧) «١» [يونس: ١٠/ ٩٤- ٩٧] . جمهور العلماء والصواب في معنى الآية: أنها مخاطبة للنّبي ﷺ ، والمراد بها سواه من كل من يمكن أن يشك أو يعارض. ومطلعها: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ.. له مثال في قوله تعالى لعيسى ﵇: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي....

стр. 1005

ومعنى الآيات: إن وقع منك شك أيها النّبي في صدق النّبوة والقرآن وإنزاله إليك. والمراد بذلك قومه، على سبيل الافتراض والمبالغة، فاسأل علماء أهل الكتاب الذين يقرءون الكتاب، أي التوراة من قبلك، فهم على علم تامّ بصحة ما أنزل إليك، فلا تكونن من الشّاكين. فالخطاب للسامع ويراد به غيره، وهو تعبير مألوف بين العرب، على طريقة المثل العربي: «إياك أعني واسمعي يا جارة» . فالنّبي ﷺ لا يوصف بالشّك، قال ابن عباس: لا والله ما شكّ طرفة عين، ولا سأل أحدا منهم، وقال: «لا شك ولا أسأل، بل أشهد أنه الحق» كما ذكره قتادة وسعيد بن جبير والحسن البصري. وتتمة الآية: لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ أي والله لقد جاءك الحق واضحا، لا مرية فيه ولا ريب، بما أخبرناك في القرآن، وبأنك رسول الله، وأن اليهود والنصارى يعلمون صحة ذلك، لما يجدون في كتبهم من نعتك وأوصافك، فلا تكونن من الشّاكين في صدق ما نقول، وفي بيان الوعد والوعيد. وفي هذا تثبيت للأمة، وإعلام لكل فرد أن صفة نبيّهم ﷺ موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب، كما جاء في آية أخرى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: ٧/ ١٥٧] . والنّهي في قوله تعالى: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ تعريض بالشّاكّين والمكذّبين للنّبي ﷺ من قومه. قال البيضاوي في تفسيره: وفي الآية تنبيه على أن كل من خالجته شبهة في الدّين ينبغي أن يسارع إلى حلّها بالرجوع إلى أهل العلم. ثم أورد القرآن في مجال تأكيد تصديقه ما هو أشد مما سبق، فقال الله تعالى: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) أي ولا تكونن

стр. 1006

أيها النّبي وكل سامع ممن كذب بآيات الله الدّالة على وحدانيته وقدرته على إرسال الرّسل لهداية البشر، فتكون ممن خسروا الدنيا والآخرة. وهذا أيضا من باب التّهييج والتّثبيت وقطع الأطماع عنه ﵇ في مساومته على حلول وسط، مثل قوله تعالى: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ [القصص: ٢٨/ ٨٦] . وفي الآية هنا تعريض بالكفار الخاسرين الضّالّين. وأنهى القرآن المشكلة في عناد الكفار، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) أي إن الّذين ثبتت عليهم كلمة الله، أي قضاؤه وحكمه بالعذاب، لا يؤمنون أبدا، لفقدهم الاستعداد للإيمان، وتصميمهم على الكفر، وليس المراد منعهم من الإيمان، وإنما بيان لحقيقة اختيارهم بحسب علم الله المحيط بكل شيء. وهؤلاء الذين علم الله أنهم لا يؤمنون سيبقون على كفرهم وجحودهم، ولو جاءتهم كل آية كونية حسّية أو علمية أو قرآنية، كآيات موسى التّسع، وتفجير الأنهار والصعود في السماء، وآيات إعجاز القرآن، لو جاءهم أي شيء من ذلك وغيره لا يؤمنون حتى يروا العذاب المؤلم الموجع الذي يطبق عليهم، وحينئذ لا ينفعهم الإيمان، لأنه إيمان اليأس كإيمان فرعون. متى يصحّ الإيمان ؟ الإيمان جوهر وكنز يملأ النفس والقلب، ويلازم العقل والفكر، ويظل رأس مال المؤمن في جميع أدوار الحياة حتى يفارق الدنيا، ولا ينجي الإنسان سواه بعد الموت والرحيل إلى عالم الآخرة. لذلك كان قائما على الإرادة والاختيار، ولا فائدة منه، ولا بقاء له إذا فرض بالإكراه أو نشأ حال الاضطرار أو اليأس من الحياة. والإيمان

стр. 1007

الجماعي مثل الإيمان الفردي لا بدّ فيه من الطواعية والرّضا والاختيار، وقد وصف الله تعالى حالة الإيمان المقبول في الآيات التالية: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٩٨ الى ١٠٠] فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) «١» [يونس: ١٠/ ٩٨- ١٠٠] . تتضمن هذه الآيات أمورا أربعة: ارتباط الإيمان بالاختيار والرّضا، والإشارة لقصة يونس مع قومه، ومنع الإكراه على الدّين، وكون الإيمان حاصلا بمشيئة الله وإرادته وإذنه. أما ارتباط الإيمان بالاختيار والرّضا فقد حثّ القرآن عليه في مطلع هذه الآيات، ومضمون ذلك: فهلا آمن أهل قرية من قرى الرّسل المرسلين إليهم، بإرادتهم، وبعد دعوتهم للإيمان وإقامة الحجة عليهم، وقبل نزول العذاب واستحالة الإيمان، فنفعهم إيمانهم. والأمر الثاني- قصة يونس ﵇، فإن قومه في أرض نينوى بمقاطعة الموصل شمال العراق، كانوا قد كفروا، ثم لما رأوا أمارات العذاب، تضرّعوا إلى الله تعالى، وأخلصوا التوبة، وأظهروا الإيمان، فرحمهم الله وتقبّل منهم إيمانهم على سبيل الاستثناء، وكشف عنهم العذاب، ومتّعهم إلى أجل، تعليما وتوجيها ليونس ﵇. والفرق بين إيمانهم وإيمان فرعون: أنهم آمنوا قبل وقوع العذاب بهم بالفعل، وإن كان بعد ظهور أماراته. وأما إيمان فرعون فكان عند اقتراب الموت ومعاينة الغرق وحين اليأس من النجاة. وفي هذا تعريض بأهل مكة، وحضّ شديد لهم على

стр. 1008

أن يكونوا على الأقل، مثل قوم يونس، آمنوا قبل أن يصلوا إلى درجة اليأس، مع احتمال حدوث العذاب كما وقع في قوم نوح وعاد وثمود وفرعون وجنوده. وهذا كله بقضاء الله ومشيئته فيهم. والأمر الثالث في الآيات: منع الإكراه على الإيمان. فلو شاء ربّك يا محمد أن يأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان برسالتك، والاستجابة لدعوتك، لفعل، ولو شاء الله تعالى لكان الجميع مؤمنين، كما جاء في آية أخرى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً [الرّعد: ١٣/ ٣١] . وكلمة كُلُّهُمْ تفيد الإحاطة والشمول. وكلمة جَمِيعاً تفيد حدوث الإيمان في وقت واحد، دون تباطؤ ولا تعاقب. وإذا كان هذا بمقدور الله تعالى، أفأنت يا محمد تكره الناس بالقتال وتلزمهم أو تلجئهم إلى الإيمان، حتى يكونوا مؤمنين موحّدين. فالإيمان لا يتم ولا يطلب إلا بالاختيار والطواعية، ولا يحدث بالإكراه والقسر والإرهاب الملجئ، وما أكثر الآيات المانعة من الإكراه على الدين والإيمان، في قوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢/ ٢٥٦] . والأمر الرابع والأخير في الآيات ردّ الأمر في الإيمان لإرادة الله ومشيئته. فليس لنفس أن تؤمن إلا بمراد الله وتوفيقه، أو بقضائه وقدره، والنفس مختارة في الدخول في الإيمان اختيارا غير مطلق، حتى لا يتنافى ذلك مع سلطان الله في كونه، فلا يتم شيء قهرا عنه، ويكون الإيمان مقيدا بسنّة الله في الخلق. ويجعل الله الرّجس أي العذاب على الذين لا يتدبرون حجج الله وبيّناته وبراهينه، ويسيئون في تفكيرهم، ولا يستعملون عقولهم في النظر بما يرشدهم إلى الحق من آيات الله في الكون والحياة، ويتأمّلون في آيات القرآن. فإذا عطّلوا منافذ المعرفة والحواس الهادية إلى

стр. 1009

الصواب، واتّبعوا الهوى، وانقادوا لمؤثرات البيئة وتقليد الآباء والأجداد، كانوا هم المسيئين لأنفسهم، المؤثرين الكفر على الإيمان، والضّلالة على الهدى والرّشاد، وكانوا بهذا الاختيار وإهمال العقل غير معذورين في كفرهم. النّظر والتّفكّر الطريق إلى تصحيح العقيدة بالله وجودا وتوحيدا أمر مبسط يسير، وهو لا يعدو أن يكون تأمّلا حرّا من غير تأثر ببيئة ووراثة وتقاليد، وتقديرا من النهج القرآني للعقل الإنساني والإرادة البشرية وجّه الإسلام نحو إعمال العقل والفكر في مكنونات الكون وأسراره، وأوجب الدين النظر والتفكر وجعله فريضة إسلامية شاملة، من أجل التوصل إلى الحق، والتخلّص من العقائد الفاسدة والموروثات الضّالّة. وهذا هو صريح الآيات القرآنية: [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٠١ الى ١٠٣] قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) [يونس: ١٠/ ١٠١- ١٠٣] . قوله تعالى: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أمر صريح للناس، والأمر للوجوب، بإيجاب الاعتبار والنظر في المصنوعات الدّالة على الصانع، وغير ذلك من آيات السماوات وأفلاكها وكواكبها وسحابها، وعجائب المخلوقات فيها وفي الأرض ونباتها ومعادنها وغير ذلك. والمعنى: انظروا في ذلك نظرا صحيحا ينبّهكم إلى المعرفة بالله والإيمان بوحدانيته. إن النظر في الأكوان وما فيها من أسرار يرشد الإنسان الضّال أو الكافر إلى وجود

стр. 1010

الخالق وتوحيده، ويدعو إلى التصديق بالرّسل، والإيمان بالقرآن والوحي المخبر عن هذه الآيات العظام. ولكن ما تغني أو تفيد هذه الآيات أو الدلائل الكونية والقرآنية، والأنبياء المنذرون، أو الإنذارات الإلهية، قوما لا يتوقع إيمانهم بالله والرّسل، وقضى الله أنهم لا يؤمنون بحسب علمه المحيط بإرادة الإنسان واختياره، وكل شيء لا يقع إلا بمشيئة الله، لأن ما في الوجود في ملك الله، ولا يحدث أمر في ملكوت الله إلا بإرادته، حتى لا يكون هناك قهرا أو تجاوز لإرادة المالك. وإذا أهمل الكفار والمشركون المكذبون المعاندون النظر في آيات الله وأسراره، حتى ولو كانوا بسطاء أو أميّين، فهل ينتظرون أو يتوقعون إلا نزول العذاب المماثل لوقائع الأمم الماضية المكذبة لرسلهم، وهي وقائع العذاب في قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ أي وقائع الماضين، والأيام هنا بمعنى الوقائع، كما في آية أخرى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ١٤/ ٥] ، وكل ما مضى لك من خير أو شرّ فهو أيام. قل أيها الرسول للمشركين منذرا ومهددا: انتظروا عذاب الله وعقابه، إني من المنتظرين هلاككم، أو فانتظروا هلاكي، إني معكم من المنتظرين الهلاك، أو موعد ربّي به. والآية وعيد محض لمن كفر، فإذا أصرّوا على الكفر، حلّ بهم العذاب، وإذا آمنوا نجوا، هذه سنّة الله في الأمم الخالية، فهل عند مشركي مكة وأمثالهم غير ذلك؟. وإذا وقع العذاب بقوم في الدنيا، فإن من سنّة الله المقررة إنجاء الرّسل ومتّبعيهم المؤمنين، كما في آية أخرى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [مريم: ١٩/ ٧٢] ، ومثل هذا الإنجاء للرّسل السابقين ومن آمن معهم، ننجي المؤمنين معك أيها الرّسول، ونهلك المكذبين بالرّسل. وهذا حق أوجبه الله تعالى على نفسه الكريمة، كما جاء في آية أخرى:

стр. 1011

كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٦/ ٥٤] . وكما ورد في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش، إنّ رحمتي سبقت غضبي» . الخلاصة: دلّت الآيات على وجوب النظر في الكون، والبحث عما فيه للعظة والاعتبار، وتحقيق الخشية من الله تعالى والإيمان به، والحثّ على العلم والبحث والتأمّل، فمن دون العلم لا تتقدم البشرية، ومن غير العلم والنظر لا توجد عقيدة الإيمان بالله تعالى، وبغير العلم لا تنتظم شؤون الدنيا، ولا يقتنع الناس بعدالة الله في الحساب، وإذا لم يوجد العلم حلّ الجهل والفوضى. كل ذلك لتقرير أن الإسلام دين علم وعمل، وأن الرسول ﷺ هو المعلّم الأول، والموجّه الأول للبشرية نحو السعادة. أصول الدين والعبادة والدعاء يوجّه القرآن الكريم الناس جميعا إلى ما ينفعهم ويسعدهم، ويبعدهم عن كل ما يضرّهم ويشقيهم، وليس الدين إلا مجرد مدرسة تربوية عالية، تأمر بأصول الحياة الصحيحة، وبمكارم الأخلاق العالية، وتنهى وتمنع عن انحراف الفكر والسلوك. ومن أخصّ مقتضيات النظام الأصلح أن تكون العبادة والدّعاء لله وحده، دون إشراك أحد معه سواه. وهذا ما قررته الآيات التالية: [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٧] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) «١» «٢»

стр. 1012

[يونس: ١٠/ ١٠٤- ١٠٧] . هذه الآيات الكريمة قانون خالد عام، وخطاب مختصر شامل للناس أجمعين إلى يوم القيامة. فبعد أن أقام القرآن الكريم الأدلة الواضحة على صحة الدين ووحدانية الخالق وصدق النّبوة والوحي، أمر الله بإظهار دينه، وإيضاح الفوارق بين الدين الحق والشّرك الباطل، حيث يعبد المشركون أصناما وأوثانا لا تضر ولا تنفع. والمعنى: قل يا محمد للناس جميعا: يا أيها الناس إن كنتم تشكون في ديني فأنتم مخطئون، فإن الله لا يشك فيه، وإنما الشّك في دينكم، ولا تعبدون الله، وإني لا أعبد أحدا غيره، فلا أعبد شيئا على الإطلاق مما تعبدون من دون الله، من الأصنام والأوثان، من حجارة ومعادن وغيرها لأنها لا تضرّ ولا تنفع، وإنما أعبد الله الخالق البارئ القادر الذي يتوفّاكم كما أحياكم، ثم إليه مرجعكم، وأمرني ربّي أن أكون من المصدّقين به تصديقا تامّا، عارفا به تمام المعرفة. وقوله سبحانه: وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ تذكير بالموت الذي قهر الله به العباد، وفزّع النفوس به، وإيضاح أن المصير إلى الله بعد الموت. والتّوفي دليل على بدء الخلق والإعادة جميعا. وفي هذا النّص الصريح تعريض بأن الدين الحق لا يشكّ فيه، وترتاح إليه العقول السليمة، وأما عبادة الأصنام فهي عبادة باطلة، لأن الأصنام لا تعقل ولا تضرّ ولا تنفع، ويستنكرها كل عاقل لأنها أحجار صماء. ثم يأمر الله نبيّه أي وبقية الناس بأن يخلص العبادة لله وحده، حنيفا أي مائلا عن الشّرك والباطل إلى الدين الحق، وألا يكون من جماعة المشركين الذين يشركون في عبادة الله إلها آخر، فالعبادة تتطلب الاستقامة والدوام والإخلاص في التّوجّه لله

стр. 1013

سبحانه، وترك كل ما سواه، والبعد عن أي توجّه ذات اليمين أو ذات الشمال، كما جاء في آية أخرى: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) [الأنعام: ٦/ ٧٩] . فمن توجه بقلبه أو مال إلى غير الله في عبادة أو دعاء، فهو عابد غير الله تعالى. ولم يقتصر القرآن الكريم على الأمر بعبادة الله وحده، وإنما نهى عن عبادة ما سواه، ومضمون النّهي: لا تدع ولا تعبد أيها الرسول أحدا سوى الله، متجاوزا الله تعالى إلى غيره، متّجها إلى ما لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة إن دعوته، ولا يضرّك أصلا إن تركت دعاءه. فإن فعلت هذا على سبيل الافتراض والمبالغة وعبدت غير الله ودعوته، كنت من الظالمين نفسك، والظالم: الذي يضع الشيء في غير محلّه. ولا ظلم أكبر ولا أشد من الشّرك بالله تعالى، ومن الظلم: وضع العبادة في غير موضعها. ثم أخبر الله تعالى أن الحول والقوة لله، بدليل ما يحسّ به الناس من أنفسهم، وليس لأحد غير الله قدرة على نفع ولا ضرّ. فإن تتعرض أيها النّبي وكل إنسان لضرر في جسمك كالمرض والألم أو مالك كالفقر والتّلف، فلا كاشف ولا رافع له إلا الله، وإن يردك أو يخصك الله بخير منه في الدين والدنيا من نصر ورخاء ونعمة وعافية، فلا دافع لفضل الله إلا الله، لأنه لا رادّ لقضائه ولا معقّب لحكمه، ولا مانع لفضله أحد، يصيب بالخير من يشاء، وهو سبحانه الغفور لمن تاب إليه، الرحيم بعباده. والضّرّ لفظ جامع لكل ما يكرهه الإنسان، سواء كان ذلك في المال أو في البدن. وهذه الآية تظهر فساد حال الأصنام، وإن كان كل مميز يعرف يقينا أنها لا تكشف ضرّا ولا تجلب نفعا.

стр. 1014

الإسلام دين الحق أبان القرآن المجيد في سورة يونس أسس الدين العامة، وعقائده الكبرى التي طالب بها مشركي العرب والناس جميعا إلى يوم القيامة، من توحيد الله تعالى، وإثبات البعث والجزاء، والوحي والنّبوة والرّسالة، وما شملته من هداية وخير للبشرية جمعاء، لأن القرآن أكمل الله به النعمة وأتم به الدين، وأصبح هو منار الطريق مدى الدهر، وهذه هي خاتمة سورة يونس، كما قال تعالى: [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٠٨ الى ١٠٩] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩) [يونس: ١٠/ ١٠٨- ١٠٩] . تعددت شرائع الله تعالى وبيّناته، ورسالاته ونبواته، منذ عهد آدم ﵇ إلى خاتمة الشرائع، وانتهاء النّبوات، في نبوة ورسالة محمد ﷺ والكتاب الذي أنزل عليه من ربّه في مدى ثلاث وعشرين سنة، وكان القصد من هذه الشرائع إسعاد البشرية وإنقاذها من الضّلالة إلى النور، وتقرير مبدأ وحدانية الله، وإثبات عالم المعاد والآخرة، وما فيها من جنة ونار، عن طريق ظاهرة الوحي. وهاتان الآيتان قرار نهائي حاسم، خاطب الله بهما جميع الناس والجنّ إلى يوم القيامة أبد الدهر، والمعنى الواضح منهما: قل أيها الرّسول للناس قاطبة، من حضر ومن يأتي: قد جاءكم الحقّ المبين من ربّكم، يبيّن حقيقة هذا الدين، وكمال هذه الشريعة، على لسان رجل منكم، بلسان عربيّ مبين. أمر الله تعالى رسوله محمدا ﷺ أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله تعالى هو الحقّ الذي لا شكّ ولا شبهة ولا ريب فيه. والحق هو القرآن والشّرع الذي جاء به محمد ﷺ من عند ربّه. فمن اهتدى أي اتّبع

стр. 1015

الحق وأذعن له، وصدّق بالقرآن ورسول الله، فإنما يهتدي لنفسه ويسعى لها، أي يعود نفع عمله وثواب اهتدائه واتّباعه على ذاته، ويجد خير رشده في مصيره وآخرته لأنه يوجب لها رحمة الله ويدفع عذابه. ومن ضلّ، أي حاد عن طريق الحق، ولم ينظر بعين الحقيقة، وحاد عن منهج الله، وكفر بربّه ، فإنما يضلّ على نفسه، أي يرجع وبال عمله عليه. والدنيا مزرعة الآخرة، فمن زرع نباتا حسنا استفاد منه، ومن زرع نباتا سيّئا، حصد منه الشّر والضّرر. ثم يؤكد القرآن عنصر الإرادة والاختيار وترك الإجبار في قوله تعالى لرسوله: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ أي وما أنا بموكل بكم من عند الله بأموركم حتى أجعلكم مؤمنين، وأكرهكم أو أجبركم على الإيمان، وإنما أنا نذير منذر لكم عذاب الله لمن أعرض وكذب، وبشير أيضا، أي مبشّر من اهتدى، والهداية على الله تعالى. والرسول مجرّد مبلّغ وحي ربّه، لا يأتي بشيء من عند نفسه، لذا تعدد الأمر القرآني لرسوله بأن يعلن أنه ما عليه إلا البلاغ، وأنه مأمور بالتبليغ، وهنا قال الله له: وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ.. أي اتّبع يا محمد ما أنزل الله عليك، وأوحاه إليك عن طريق جبريل، وتمسّك به أشدّ التّمسّك، واصبر على دعوتك وأذى قومك ومخالفة من خالفك من الناس المعاندين والمستكبرين، حتى يحكم الله، أي يقضي بالفصل بينك وبينهم، أي المكذّبين من قومك، فينصرك الله عليهم ويحقق لك الغلبة، وهو خير الحاكمين، أي أعدل الحكام وأحكمهم، يقضي بالعدل التام والحكمة الصحيحة، والواقع الحقيقي. وقد أنجز الله وعده لنبيّه ﷺ ، فنصره مع الجند المؤمنين، على تكتّلات المشركين العرب ومؤامراتهم، واستخلف الله أهل الإيمان في الأرض، وجعلهم الأئمة الوارثين.

стр. 1016

وفي هذا الكلام تسرية عن هموم النّبي ﷺ مما لقيه من أذى قومه، ووعد له وللمؤمنين بأن يغلّبهم وينصرهم، ووعيد للأعداء الكافرين بأن يخذلهم ويهزمهم، ويطوي صفحتهم من التاريخ إلى الأبد.

стр. 1017

تفسير سورة هود عبادة الله تعالى في أوائل سورة هود المكّية ركّزت الآيات على إحكام القرآن الكريم، فهو لا يشتمل على أي نقض أو تناقض، كما أمرت بعبادة الله وحده باعتبار أن العبادة هي المقصود الديني الأعظم من خلق الإنسان كما في قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) [الذّاريات: ٥١/ ٥٦] . وقوله سبحانه: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) [البيّنة: ٩٨/ ٥] . والعبادة الخالصة لله تعالى تتطلب الاستغفار والتوبة من الذنوب السابقة وعلى رأسها الكفر، قال الله تعالى مبيّنا هذه الأصول المبدئية والتكليفية في مطلع سورة هود المكّية: [سورة هود (١١) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) «١» «٢» [هود: ١١/ ١- ٤] . افتتحت سورة هود بالحروف المقطعة الر للتنبيه وتحدّي العرب بأن يأتوا بمثل القرآن، ما دام مكوّنا من حروف لغتهم التي ينطقون بها ويكتبون بها. ثم قررت هذه

стр. 1018

الآيات أصول الدين: وهي إحكام القرآن وتفصيله، والدعوة إلى عبادة الله وتوحيده والإنابة إليه، والإيمان بالبعث والجزاء في عالم الآخرة. والمعنى: هذا القرآن كتاب عظيم الشأن، جليل القدر، محكم النظم والمعنى، لا خلل فيه ولا نقص، فهو كامل الصورة والمبنى والمعنى لأنه صادر من عند الله الحكيم في أقواله وأفعاله، الخبير بحوائج عباده، وبعواقب الأمور. نزل هذا الكتاب بألا تعبدوا غير الله، ولا تشركوا به شيئا، فالعبادة لله تحقق معنى العبودية والانقياد لله تعالى، مع قيامها على الحبّ، لا على القهر والقسر، وإنني أنا رسول الله مرسل من عند الله، نذير من العذاب إن عصيتموه أو خالفتموه، وبشير مبشّر بالثواب إن أطعتموه. وفي هذا تبيان مهمة الرسول ﷺ ووظيفته وهي الإنذار لمن عصاه بالنّار، والتّبشير لمن أطاعه بالجنة. ومن مهامي أنا النّبي المرسل أن آمركم بالاستغفار من الذنوب السابقة، وهي الشّرك والكفر والمعاصي والمنكرات، وأن تتوبوا منها إلى الله بالإقلاع عنها وبالنّدم على ما مضى، والعزم على عدم العودة إلى أي ذنب في المستقبل، فإن استغفرتم وندمتم، وتبتم من كفركم وشرككم، يمتّعكم الله متاعا حسنا في الدنيا، بإطالة النفع فيها بمنافع حسّية مرضية، وعيشة طيبة هنيّة، ورزق واسع متتابع، ويظل هذا التمتع الهني في الدنيا إلى أن يأتي الأجل المعين وهو الموت. فالمطلوب للتّخلي عن سيرة الكفر السابقة أمران: الاستغفار من الشّرك، ثم التوبة المخلصة والرجوع إلى الله بالطاعة والعبادة، فتصفو النفس من آثار الشّرك، وتقبل على حياة الدنيوية لله بالانقياد لأوامره وعبادته على وفق مراده. وثمرة إطاعة الله لا تقتصر على توفير الحياة الهانئة السعيدة في الدنيا، وإنما تشمل أيضا في الآخرة إعطاء كل ذي فضل في العمل جزاء فضله وإحسانه، لا يبخس منه

стр. 1019

شيء، فيجمع الله بين الجزاءين: التّمتيع في الدنيا، والثواب في الآخرة. ولكن متاع الدنيا قليل فان، ومتاع الآخرة كثير خالد. فإن أعرضتم أيها الناس عما دعوتكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، فإني أخشى عليكم وأحذّركم من عذاب يوم كبير هو يوم القيامة. ووصف هذا اليوم بالكبر، لما فيه من السّعة والأهوال، كما وصف بالعظم والثّقل لما فيه من العظائم والشدائد، والأثقال والآلام. وهذا توعّد بيوم القيامة. وأضاف الله تعالى إليه توعّدا آخر وهو تفرّد الله بسلطان الحساب في الآخرة، فجميع الناس مرجعهم وطريقهم إلى الله، أي إلى عقابه وجزائه، وهو سبحانه القادر الذي لا يضرّه شيء، ولا يجير عليه مجير، ولا وقاية من قضائه وحكمه، فالله قادر تمام القدرة على ما يشاء من الإحسان إلى أوليائه وأحبّائه وعبّاده، والانتقام من أعدائه. وقوله تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ يفيد الحصر، يعني أن مرجعنا إلى الله، لا إلى غيره. فضل الله وعلمه وقدرته عجيب أمر هذا الإنسان، إنه مغمور بأفضال الله التي لا تحصى، مضمون له رزقه، محوط بعلم الله في سرّه وعلانيته، مقدور عليه في كل تحرّكاته، لا يستطيع النّفاذ أو الهرب من سلطان الله وعزّته، وإنما مصيره ومرجعه إلى الله، يحاسبه على كل ما قدم وأخّر، وهو مع ذلك معرض عن ربّه المنعم عليه، القادر الرّازق. وما ذلك إلا لضعفه وقصور عقله وسوء تقديره في فهم الأشياء. وهذه دلائل قدرة الله على كل مخلوق وفضله عليه في قوله سبحانه:

стр. 1020

[سورة هود (١١) : الآيات ٥ الى ٧] أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) «١» » «٣» «٤» [هود: ١١/ ٥- ٧] . نزلت الآية الأولى: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ.. في الكفار الذين كانوا إذا لقيهم رسول الله ﷺ ثنوا صدورهم، أي طووها على الحقد والعداوة والحسد، كالمستتر، وردّوا إليه ظهورهم، وغطّوا وجوههم بثيابهم تباعدا عنه، وكراهية للقائه، وهم يظنّون أن ذلك يخفى عليه وعلى الله . والمعنى: ألا إن الكفار المشركين حين يسمعون الدعوة إلى الله وتوحيده، يعرضون عن النّبي ﷺ بصدورهم، كيلا يراهم هو ولا غيره، إمعانا في العناد والكفر. ألا حين يتغطون بثيابهم ليستخفوا أو يتواروا من محمد أو من الله، يظنّون أن الله لا يراهم، مع أن الله تعالى يعلم ما يسرّونه في قلوبهم، وما يعلنونه من أقوال وأفعال، إنه سبحانه علّامة بالأسرار ذات الصدور، وبخواطر القلوب، ويرصد الله عليهم كل أمورهم، كما جاء في آية أخرى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ [النّساء: ٤/ ١٠٨] . ومن مظاهر علم الله وفضله أنه سبحانه تكفل برزق كل ما يدب على الأرض أو في البحر أو في الجو، ويعلم مستقر كل دابّة ومستودعها، أي يعلم منتهى سيرها في
следующие страницы →