← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

القرابة القريبة، ثم للأقارب الأباعد، الأقرب فالأقرب، ثم لليتامى والمساكين وابن السّبيل، يعطون من هذا المال، وما تنفقوا من خير مطلقا، فإن الله سيجازي به لأنه عليم بكل شيء. إن النفقة على الوالد والولد والزوجة وغيرهم له ثواب عند الله في الدار الآخرة، وإن كان واجبا شرعا وعرفا على الإنسان، وهذا من مزايا الإسلام وفضائله: أن المرء يقوم بواجبه، ومع ذلك يثاب عليه ويعدّ ذلك في سجل حسناته. وقد بيّن النّبي ﷺ أولويات النفقة وترتيب المستحقين لها فقال فيما أخرجه مسلم: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك» . وذكر الرّواة الثّقات سببا آخر للآية السابقة، قال عطاء: نزلت الآية في رجل أتى النّبي ﷺ فقال: إن لي دينارا، فقال: أنفقه على نفسك، فقال: إن لي دينارين، فقال: أنفقهما على أهلك، فقال: إن لي ثلاثة، فقال: أنفقها على خادمك، فقال: إن لي أربعة، فقال: أنفقها على والديك، فقال: إن لي خمسة، فقال: أنفقها على قرابتك، فقال: إن لي ستة، فقال: أنفقها في سبيل الله، وهو أخسّها، أي أقلّها أجرا. يدلّ هذا الحديث على أن الإنفاق على الأسرة أفضل وجوه الإنفاق. وتكون نفقة التطوع بعد النفقات الواجبة مما هو زائد عن الحاجة وهي سنة، لقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) [البقرة: ٢/ ٢١٩] .

стр. 107

تشريع القتال وثوابه أبان القرآن الكريم أن القتال أو الجهاد في سبيل الله، وإن كان مكروها للنفس البشرية، ففيه خير كبير للأمة، لأنه إعلاء لكلمة الله والإسلام، ودفع للظلم، ورفع لمنارة الحق والعدل، وسبيل لطرد المعتدين واسترداد الحقوق المغتصبة، وعسى أن يحب الناس شيئا، والواقع أنه شر مستطير عليهم، وعسى أن يكره الناس شيئا والواقع أن فيه خيرا عظيما لهم، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢١٦] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦) «١» [البقرة: ٢/ ٢١٦] . ثم بيّن القرآن الكريم أن انتهاك حرمة الشهر الحرام أخف من فتنة الناس عن دينهم، والأشهر الحرم: ذو القعدة وذو الحجّة والمحرم ورجب. وصدّ الناس عن سبيل الله وعن الإسلام، وقتل المسلمين وإخراجهم من ديارهم وأموالهم، ومنعهم عن المسجد الحرام وعن أداء الحج والعمرة وإخراج أهله منه، وهم النبي ﷺ وأصحابه، كل واحدة من هذه الجرائم التي ارتكبها المشركون، أكبر إثما، وأعظم جرما عند الله والناس، من القتال في الشهر الحرام. قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢١٧] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) «٢» [البقرة: ٢/ ٢١٧] . أوضح الزهري سبب نزول هذه الآية فقال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن

стр. 108

جحش، ومعه نفر من المهاجرين، فقتل عبد الله بن واقد الليثي عمرو بن الحضرمي في آخر يوم من رجب، وأسروا رجلين، واستاقوا العير (الإبل) فوقف على ذلك النبي ﷺ وقال: «لم آمركم بالقتال في الشهر الحرام» . وقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ... الآية، إلى قوله تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ أي قد كانوا يقتلونكم وأنتم في حرم الله بعد إيمانكم، وهذا أكبر عند الله من أن تقتلوهم في الشهر الحرام مع كفرهم بالله. ثم أوضح القرآن المجيد ثواب المجاهدين في سبيل الله كعبد الله بن جحش وصحبه في القصة السابقة، فهؤلاء الذين آمنوا بالله ورسله، وفارقوا الأهل والأوطان لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه ونصرة الحق والعدل، ولحقوا بالنبي ﷺ ، وجاهدوا في الله حق جهاده، هؤلاء لهم الدرجات العلا عند الله، والله يكافئهم ويجازيهم أحسن الجزاء، ويغفر لهم خطاياهم ويرحمهم بفضله وإحسانه، وهو الغفور الرحيم، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢١٨] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) [البقرة: ٢/ ٢١٨] . هنيئا لهؤلاء المجاهدين المقاتلين أعداءهم لدفع العدوان، واسترداد الحق السليب. حكم الخمر وبيان مضارها التدرج في التشريع في صدر الإسلام من خصائص التشريع الإسلامي أخذا بالمبدأ التربوي الذي يعالج الأمر شيئا فشيئا، لإعداد النفس على تقبل الأحكام، والانتقال تدريجا من الأيسر والأسهل إلى الوسط ثم إلى الأشد الأكمل. وهكذا كان تحريم

стр. 109

الخمر، فإنها حرمت بالمدينة وكانت تصنع من العسل والزبيب، والتمر والشعير والقمح، وأنزل الله في الخمر آيات أربعا تدرجت بالعرب لتنقلهم مما ألفوه إلى حكم الشرع النهائي. وأول آية بدأت بالتعريض بالخمر قول الله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل: ١٦/ ٦٧] . وصف تناول العنب والتمر على سبيل التفكه الطازج بالحسن ولم يوصف السّكر بذلك مما يدل على التفرقة بينهما. ثم جاء عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية: [سورة البقرة (٢) : آية ٢١٩] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) «١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢١٩] . ويلاحظ أن الإثم في الخمر: ذهاب العقل والسباب والافتراء وإيذاء الآخرين، والتعدي عليهم في أعراضهم وكراماتهم، والمقصود بالمنافع: كسب الأثمان والنفع التجاري، ولما أخبر الله أن الإثم أكبر من النفع أو اللذة، وأعود بالضرر في الآخرة، كان ذلك تقدمة أو تمهيدا للتحريم. ثم منع الله المصلين من أداء الصلاة حال السكر، لأنهم لا يعقلون ما يقولون، فقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣) [النساء: ٤/ ٤٣] .

стр. 110

ثم أنزل الله تعالى آية تحريم الخمر تحريما قاطعا، مع بيان أسباب التحريم فقال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ- رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) [المائدة: ٥/ ٩٠- ٩١] . والأمر باجتناب الخمر والميسر يدل على التحريم وزيادة: وهو التنفير من الاقتراب منها، والبعد عنها بعدا شديدا، لأن تناول الخمر مضيعة للمال، مذهبة للعقل، تدمير للصحة، فهي كما أثبت الأطباء تلحق أضرارا شديدة بجميع أجزاء جهاز الهضم، فضلا عن أضرارها الأدبية حيث يصير السكران موضع استهزاء وسخرية واحتقار لما يصدر عنه عادة من كلام الهذيان، بسبب ضياع عقله واهتزاز أفكاره، وفقد توازن شخصيته، لذا حرّم الله الخمر والمخدرات كالأفيون والحشيش والهراوين، لما فيها من الأضرار، وقال النبي ﷺ : «مدمن الخمر كعابد الوثن» «الخمر أم الخبائث» والكبائر، و «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» و «ما أسكر كثيره فقليله حرام» و «لعن الله الخمر ولعن معها عشرة: بائعها ومبتاعها، والمشتراة له، وعاصرها، والمعصورة له، وساقيها، وشاربها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها» . فهذه آثام كثيرة، وكل من ساعد في شرب الخمر حكمه وإثمه كحكم وإثم الشارب تماما، وهكذا يتبين ما للخمر من أضرار شخصية واجتماعية ومالية، ففيها ضرر للفرد والجماعة وفي شرائها تبديد للثروة والمال من غير أي نفع. تحريم الميسر (القمار) وأضراره حرم الله الميسر (القمار) كما حرم الخمر، وقرن في آيات التحريم بين الخمر والميسر، لما فيهما من تضييع الأموال وإتلاف الثروات، فقال الله تعالى:

стр. 111

[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٩] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) [البقرة: ٢/ ٢١٩] . وقال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) [المائدة: ٥/ ٩٠] . وكان تعامل العرب في الجاهلية بالميسر على النحو التالي، كانت سهام الميسر عندهم عشرة، سبعة لها حظوظ، لكل منها نصيب معلوم، وثلاثة لا نصيب لها، وكان لكل واحد منها اسم، أكثرها حظا المعلّى، وأقلها حظا الفذّ، فإذا جاء الشتاء واشتد البرد على الفقراء، اشتروا الجزور (الجمل) وضمن الأغنياء (الأيسار) الثمن، ثم تنحر الجزور، ثم يجعلون السهام (الأعواد) العشرة في كيس أو ربابة، ثم يحركها أمين المقامرين مرتين أو ثلاثا، فيخرج منها الأقداح (الأعواد) فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ نصيبه، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له، لم يأخذ شيئا، وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون الأنصباء الرابحة إلى الفقراء، ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك، ويذمون من لم يشترك معهم، وذلك هو الميسر عند العرب، ويشبه ما يسمى باليانصيب الخيري اليوم. حرم الله الميسر تحريما قاطعا كتحريم الخمر، لأن الميسر إثم كبير، يؤدي إلى اليسار والغنى الطارئ من غير تعب ولا جهد، ويلحق الضرر بالخاسر، فهو غرم مجهد ثقيل، ويثير العداوة بلا سبب، ويزرع الحقد والكراهية من غير مسوغ، ويضيع الوقت من غير فائدة، ويصرف العقل عن جادة التفكير النافع، ومع ذلك فهو مدعاة للكسل والخمول، واصطياد الثروة والمال من غير عناء ولا مشقة، فلا يكون فيه بركة

стр. 112

ولا خير، وإثمه أكبر من نفعه، وهو أكل لأموال الناس بالباطل بغير حق، فيكون الميسر ولعب الموائد والسباق- على شرط من الطرفين- حراما. والميسر أحد أنواع الاستقسام بالأزلام الذي حرمه الله تعالى بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) [المائدة: ٥/ ٣] . أي معرفة ما قسم للشخص بواسطة الأزلام (أعواد لا نصل لها) . وسميت سهام قبل أن تنصل وتراش أزلاما، لأنها زلمت أي سويت فلم يكن نتوء بها أو انخفاض. وكانت الأزلام ثلاثة أنواع في الجاهلية: نوع هو قداح الميسر وعددها عشرة، سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة غفل لا حظوظ لها كما بينت. ونوع كان مع الشخص وعدده ثلاثة، مكتوب على واحد: افعل أو أمرني ربي، والثاني لا تفعل أو نهاني ربي، والثالث غفل، يضعها في كيس، ثم يسحب واحدا منها، فيعمل بما جاء فيه من الإذن بالفعل أو المنع من الفعل، مثل عادة التطير. ونوع ثالث- سبعة قداح (سهام) كانت عند زعيم الأصنام (هبل) في جوف الكعبة، مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل أو الحوادث، فإذا أراد أحدهم أن يقدم على عمل أو سفر، ذهب إلى الكعبة، فاستشار الأزلام الموجودة عند هبل زعيم الآلهة المنصوب على بئر، فيتحاكم الجاهليون إلى هذه الأزلام، فما خرج منها، رجعوا إليه.

стр. 113

وعادة اليوم لمعرفة الحظ من الاستقسام بورق الشّدّة، والودع والفنجان والمسبحة والمصحف، كل ذلك منكر شرعا، لا يعرفه الشرع ولا القرآن ولا يقره العقل وقد حلّ محلّ ذلك في الإسلام: الاستخارة. الولاية على مال اليتيم راعى التشريع الإسلامي ظروف الأيتام وضعفهم، وانعدام خبرتهم بسبب صغرهم في إدارة وتنمية وحفظ أموالهم، فشرع أحكاما خاصة بهم، منها أنه جعل الولاية على أموالهم لأقاربهم الكبار الراشدين كالأب والجد، حفاظا على ثرواتهم، ورفع الشرع الحرج عن الأولياء في مخالطة الأيتام. كان العرب يخلطون أموالهم بأموال اليتامى، قال سعيد بن جبير لما نزلت آية: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) [النساء: ٤/ ١٠] . عزل الأولياء أموالهم، أي تحاشى الصحابة عن اختلاط أموالهم بأموال اليتامى، وجعلوها وحدها قائمة بذاتها، وكان في ذلك ضرر لمال اليتيم في بعض الأحوال، فنزلت آية: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٠] فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) «١» [البقرة: ٢/ ٢٢٠] . لما سأل الصحابة رسول الله ﷺ : أيخالطون اليتامى أم يجنبّون أموالهم؟ فقال لهم: إن كان في التجنيب إصلاح لأموال اليتامى فذلك خير، وإن كان في مخالطتهم إصلاح لهم ومنفعة، فذلك خير لأنهم إخوانكم في الدين والنسب، فعليكم أن

стр. 114

تراعوا أموالهم بالإحسان، والله سبحانه يعلم المحسن والمسيء وسيجازي كلا على عمله. ولو شاء الله أن يضيق عليكم ويشدد بأن يوجب التجنيب أو المخالطة، لفعل ذلك، ولكنه ينظر لمصلحة اليتيم، ولا يشدد عليكم، وهو سبحانه العزيز القوي الذي لا يغالب، الحكيم في أحكامه وتصرفاته، لا يشرع إلا ما فيه الحكمة والخير، ويضع الأمور في مواضعها الصحيحة. وكان هذا الحكم تيسيرا على الأولياء، فخلطوا طعامهم بطعام الأيتام، وشرابهم بشرابهم، والمهم في ذلك مراعاة العدل ومراقبة الله. فليس هذا الخلط لأموال اليتامى مع أموال الأولياء إلا لفترة زمنية محددة هي حال الصغر، فإذا بلغ الأيتام، وجب إيتاء أموالهم إليهم. وحذر القرآن من أخذ الجيد من مال اليتيم وجعل الرديء من مال الولي مكانه ولا يجوز ضم أموال الأيتام نهائيا لأموال الأولياء، فمن فعل ذلك، فقد ارتكب ذنبا (حوبا) عظيما، قال الله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) [النساء: ٤/ ٢] . أي إثما عظيما. ولا بد قبل دفع الأموال إلى اليتامى من تدريبهم على حسن التصرف بالمال واختبارهم قبل البلوغ في دينهم وتصرفهم في أموالهم، فإن بلغوا واستكملوا سن الخامسة عشرة، ووجد الأولياء في الأيتام رشدا أي صلاحا في دينهم ومالهم، دفعت إليهم أموالهم، ولا يحل للولي أن يبادر إلى إنفاق مال اليتيم قبل بلوغه سن الرشد، ويجوز للولي الفقير أن يأكل بالمعروف بقدر أجرة عمله من مال اليتيم، وعلى الغني أن يتعفف عن مال اليتيم ويمتنع عن أكله، وإذا سلمت الأموال إلى الأيتام يندب الإشهاد على ذلك لئلا يقع اختلاف، قال الله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦)

стр. 115

[النساء: ٤/ ٦] . أي كفى بالله حافظا لأعمال خلقه ومحاسبهم. الزواج بالمشركات الوثنيات وأحكام الحيض حارب الإسلام كل قواعد الشرك والوثنية، وقطع أي صلة بين المسلمين والمشركين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ويعبدون الأصنام، والأوثان، أو يعتقدون بأديان غير سماوية ذات طقوس وهياكل معينة من وضع البشر. لذا نهى الله المسلم أن يتزوج المشركة التي لا تدين بدين سماوي، ولا كتاب لها، حتى تؤمن بالله ورسوله، ولأمة مؤمنة رقيقة خير من مشركة أعجبتك بمالها وجمالها وحسبها ونسبها، ولو لم تعجبك فالنهي عنها من باب أولى. ولا يجوز تزويج المؤمنات من المشركين حتى يؤمنوا أو يتركوا ما هم عليه من الشرك، ولعبد مؤمن خير من مشرك مع ماله من العز والجاه، أعجبكم بفضله أو لم يعجب. والسر في التحريم، أن أولئك المشركين يدعون إلى الكفر وكل ما هو شر يوصل إلى النار، إذ ليس لهم دين يردعهم، ولا كتاب يهديهم، وتختلف الطبائع بين المؤمن والمشرك، فقلب المؤمن فيه نور، وقلب المشرك فيه ظلام وضلال. والله يدعو بوساطة عباده المؤمنين إلى ما يوصل إلى الجنة ونعيمها، وإلى المغفرة بإذنه وإرادته، ويبين الله تعالى آياته القرآنية وأحكامه النافعة للمسلمين في دنياهم وأخراهم، ليتذكروا ويتعظوا، فيقدمون على الخير، ويتركون الشر، ويأتمرون بأمر الله، ويجتنبون ووساوس الشيطان.

стр. 116

قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢١] وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) [البقرة: ٢/ ٢٢١] . قال السّدّي عن ابن عباس: نزلت هذه الآية بالنسبة للأمة المؤمنة في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداء، وإنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع، فأتى النبي ﷺ ، فأخبره خبرها، فقال له النبي ﷺ : ما هي يا عبد الله؟ فقال: يا رسول الله، هي تصوم وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله، فقال: يا عبد الله، هذه مؤمنة، قال عبد الله: فو الذي بعثك بالحق لأعتقنّها ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، فقالوا: نكح أمة. وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله تعالى فيه: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ الآية. وقال ابن عباس أيضا بالنسبة للمشركة: أرسل النبي ﷺ مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة في مهمة، ليخرج ناسا من المسلمين بها أسراء، فلما قدمها سمعت به امرأة يقال لها (عناق) وكانت خليلة له في الجاهلية، فلما أسلم أعرض عنها، فأتته فقالت: ويحك يا مرثد، ألا نخلو؟ فقال لها: إن الإسلام قد حال بيني وبينك وحرمه علينا، ولكن إن شئت تزوجتك على أن أستأذن رسول الله ﷺ ، فأنزل الله في شأنها ينهاه عن ذلك: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ.. الآية. ثم ذكر الله تعالى أحكام الحيض والرد على الشذوذ الجنسي في الجاهلية، فقال: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٢ الى ٢٢٣] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)

стр. 117

«١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢٢٢/ ٢٢٣] . يسألونك- أيها النبي- عن حكم الحيض ووقاع الحائض، فقل لهم: الجماع في الحيض أذى، أي قذر وضرر، فاجتنبوهن في زمن الحيض، والمراد ترك المجامعة، لا ترك المجالسة والاستمتاع بما دون الفرج عند الحنابلة، وما دون الإزار عند الجمهور، ولا تقربوهن بالجماع حتى يطهرن من الحيض بانقطاع الدم، فإذا اغتسلن بالماء حينئذ، فأتوهن في مكان إنجاب الذرية وهو القبل، إن الله يرضى عن التائبين ويثيبهم، ويرضى عن المتطهرين من الجنابة والحيض ونحوهما. قال أنس بن مالك فيما أخرجه مسلم والترمذي: كان اليهود إذا حاضت المرأة منهم، لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل الأصحاب رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت الآية، فقال: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» . زوجاتكم موضع الإنجاب وإلقاء النّطف، فأتوهن على أية كيفية تريدون قائمة أو قاعدة، أو جالسة نائمة، أو مضطجعة، إذا كان ذلك في موضع النسل، وقدموا عملا صالحا تجدونه لأنفسكم، عند الله، وخافوا الله من الوقوع بالمحرّمات، واعلموا أنكم ملاقو الله يوم القيامة، فيجازيكم بأعمالكم، وبشر المؤمنين بالجنة، قال جابر فيما أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي: كانت اليهود تقول إذا جامعها في القبل من ورائها: إن الولد يكون أحول، فنزلت الآية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ.. الآية.

стр. 118

أحكام اليمين بالله تعالى وحكم الإيلاء تعظيم الله تعالى واجب، والقسم بالله سبحانه تقديس وتعظيم، فعلى المسلم أن يحترم مقتضى يمينه، ويبرّ بما حلف، ولا ينقض ما أكّد به إرادته وعزمه بالحنث باليمين ومخالفة ما أقسم عليه. ولكن قد يتسرع الإنسان فيحلف أنه لا يفعل كذا من زيارة فلان أو الكلام معه، أو التصدق بشيء من ماله أو الصلح بين الناس، أو يفعل شيئا هو شر عليه، وضرر في دينه وأخلاقه، والله أرشدنا إلى ما هو خير لنا، ونهانا أن نجعل اسمه الكريم مانعا من الخير، أو داعيا إلى الشر، فمن حلف ألا يفعل خيرا، أو يفعل شرا، فليحنث في يمينه، وليكفّر عنها، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٤] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) «١» . [البقرة: ٢/ ٢٢٤] . وورد عن النبي ﷺ ما يوضح معنى هذه الآية، فقال فيما رواه أحمد ومسلم والترمذي: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه» . وجاءت آية أخرى تؤكد ذلك، قال الله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ «٢» أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا [النور: ٢٤/ ٢٢] . وفسر بعضهم آية وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ بالمنع من كثرة الحلف، تقديسا لاسم الله، ومنعا من ابتذال اليمين والتهاون بترداد اسم الجلالة على الألسن لأن الحلاف (الكثير الحلف) مجترئ على الله، غير معظم له، كما قال تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) [القلم: ٦٨/ ١٠] .

стр. 119

وليس كل يمين يجب الوفاء بها، وإنما الوفاء واجب في اليمين المنعقدة: وهي أن يحلف المسلم على أمر في المستقبل ممكن حصوله، فعلا أو تركا، أما اليمين الغموس وهي اليمين الكاذبة قصدا، والتي تغمس صاحبها في النار، فهذه تستوجب العقاب في الآخرة في نار جهنم، ولا كفارة لها في رأي أغلب العلماء، لأن حالفها يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها كاذب. وأما اليمين اللغو: وهي التي تجري على اللسان عفوا دون قصد اليمين، ولا تخرج عمدا من القلب، مثل لا والله وبلى والله، فهذه لا حنث فيها ولا كفارة، كما لا كفارة على من حلف على شيء يظنه حصل، فبان خلافه، فلا شيء عليه. قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٥] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) «١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢٢٥] . أي أن المؤاخذة في الأيمان هي بعقوبة الآخرة في اليمين الغموس الكاذبة، وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة في رأي بعض الفقهاء. وسبب نزول آية وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ هو أن عبد الله بن رواحة حلف على قطيعة ختنة (صهره زوج بنته) بأن لا يدخل عليه أبدا، ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين امرأته، ويقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، ولا يحل إلا أن أبرّ في يميني، فأنزل الله تعالى هذه الآية: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٤] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) [البقرة: ٢/ ٢٢٤] . ثم ذكر الله تعالى حكم الإيلاء بقوله: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٦ الى ٢٢٧] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) «٣» «٤» [البقرة: ٢/ ٢٢٦- ٢٢٧] . للذين يحلفون ألا يطؤوا نساءهم انتظار أربعة أشهر، فإن رجعوا عن يمين الإيلاء

стр. 120

المذكورة- فإن رجعوا عن يمينهم في المدة عما حلفوا عليه، والفيء: الجماع لمن لا عذر له- فإن الله كثير المغفرة للزوج عما حلف بقصد الإضرار، رحيم بالتائبين. أخرج مسلم: أن النبي ﷺ آلى وطلق، وسبب إيلائه: سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده. وقال ابن عباس: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، فوقّت الله أربعة أشهر. وإن صمموا على الطلاق، فالله سميع لأقوالهم، عليم بمقاصدهم. حقوق النساء وواجباتهن الزوجية نظّم الإسلام الحنيف العلاقة بين الزوجين بما يكفل دوام العشرة الزوجية ويحقق سعادة الطرفين، ويرعى الأسرة في بدايتها وأثناء وجودها وبعد انتهاء الرابطة الزوجية. ومن أهم حقوق الزوج: الحفاظ على النسب، وحقه في نسبة الولد إليه، فإذا انتهت الزوجية، وجب على المرأة شرعا ما يسمى بالعدة، وعدة الطلاق ثلاث حيضات، وعدة الحامل بوضع الحمل، وعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، وذلك تقديرا لنعمة الزواج، وإظهارا للأسى والحزن على الفراق، وللتعرف على براءة الرحم من الولد، حتى لا تختلط الأنساب. ولا يحل للمرأة أن تكتم شيئا مما في رحمها من حمل أو حيض إن كانت مؤمنة بالله واليوم الآخر إيمانا صادقا، وفي ذلك إبطال لعادة النساء في الجاهلية، قال قتادة: كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحقن الولد بالزوج الجديد، ففي ذلك نزلت الآية الكريمة: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٨] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) «١»

стр. 121

«١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢٢٨] . أي إن أزواجهن في الطلاق الرجعي أحق برد الزوجات وإرجاعهن إلى بيت الزوجية، لأن الشرع الحكيم حريص على بقاء رباط الزوجية، وليس أبغض عند الله من الطلاق، وإن يكن حقا حلالا للزوج في حال الضرورة أو الحاجة، وعلى الزوجة أن تستجيب لطلب الزوج بشرط أن يكون المقصود بالرجعة الإصلاح والخير للزوجين، أما إذا كان المراد الإضرار والانتقام فليس من الدين في شيء أن يعطل الزوج مطلقته، ويلحق بها الضرر. وتتمة الآية السابقة هي في بيان الحقوق والواجبات المشتركة بين الزوجين، فقال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٨] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) [البقرة: ٢/ ٢٢٨] . فللنساء حقوق وعليهن واجبات، مثل الرجال، لهم حقوق وعليهم واجبات، لأن لكل مخلوق شخصيته وحريته وكرامته، وتفكيره ورغباته، وواجبات المرأة تتفق مع طبيعتها، فعليها شؤون البيت، وواجبات الرجل الكفاح والعمل والإنفاق على الأسرة، وهذا حكم النبي ﷺ بين علي وفاطمة ﵄، إذ جعل فاطمة في البيت تديره وترعاه، وعليا خارج البيت، عليه الجهاد والعمل والبحث عن الرزق. وليس في هذا إهمال للمرأة أو إنقاص من أهليتها أو الطعن في كفايتها وعقلها وعلمها، وإنما قسمة الواجبات كما فعل النبي ﷺ يتفق مع طبيعة وفطرة وقدرة كل من الرجل والمرأة، بل إن الإسلام في هذا أراد صون المرأة والحفاظ على كرامتها وعدم تعريضها للأذى والسوء، والدرجة الزائدة للرجل هي درجة القوامة،

стр. 122

والقوامة ليست استبدادا أو تعسفا أو تسلطا وترفعا، وإنما هي تكليف بالإدارة والرعاية والولاية والنفقة. وهذا التكليف عبء على الرجال أكثر من النساء، قال الله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ [النساء: ٤/ ٣٤] . أحكام الطلاق - ١- أوجب الإسلام على الرجال المعاشرة الطيبة للنساء دون إساءة ولا تنفير، كما أوجب التزام حدود الله وأحكامه في أثناء الحياة الزوجية، أو عند الإقدام على أبغض الحلال إلى الله وهو الطلاق، فلا يجوز بحال من الأحوال التلاعب بعواطف المرأة أو بالطلاق لأن الطلاق يقع على المرأة سواء في حال الجد أو في حال الهزل أو في حال المزاح، ولا يجوز أيضا أن يستخدم حق الرجعة بعد الطلاق بقصد الإضرار والإيذاء، لما كان العرب يفعلون في الجاهلية. كان الرجل إذا طلّق امرأته، ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها، كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأة له، فطلّقها ثم أمهلها، حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها، ثم طلقها، وقال: والله لا آويك إلي ولا تحلين أبدا، أي أنه يتلاعب بالطلاق والرجعة، فلا يجعل المرأة مستقرة على حال واحدة، فلا هي زوجة مستمرة في زواجها، ولا هي مطلقة تستطيع أن تتزوج بزوج آخر بعد انقضاء عدتها، فأنزل الله مبينا العدد المسموح به في الطلاق والرجعة: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٩ الى ٢٣٠] الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) «١»

стр. 123

«١» [البقرة: ٢/ ٢٢٩- ٢٣٠] . ألا فليتق الله الرجال الذين تتكرر منهم ألفاظ الطلاق في أوقات متعددة، لتهديد المرأة، وحملها على فعل شيء أو ترك شيء، فإن العلاقة بينه وبين امرأته تعتمد على مبدأ أساسي وهو الحل والحرمة، فإذا كانت العلاقة حراما، حرم كل شيء، وكان الأولاد أولاد زنا، إن تشريع الطلاق إنما هو للضرورة أو الحاجة الشديدة إذا استعصت الحلول الطيبة، ووقع النشوز والنفور أو الانحراف، ولم يعد هناك مجال للصلح والاستقامة، وأصبحت الحياة الزوجية جحيما لا يطاق، وحينئذ يجوز الإقدام بعد التروي والتعقل على طلاق واحد، له حق الرجعة بعده، وله طلاق آخر يراجع امرأته في العدة بعده، فإن وقع الطلاق الثلاث، بانت المرأة بينونة كبري، لا تحل له إذا إلا بعد زوجية ثانية جديدة دائمة، ثم إذا تصدعت زوجيته الجديدة بشكل طبيعي، فيمكن حينئذ للزوج الأول تجديد عقد الزواج على هذه المرأة بعد انقضاء عدتها، أما التحليل المؤقت فحرام وهو زنا وتلاعب بشرف الرابطة الزوجية، وليذكر الرجل دائما قول الله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

стр. 124

آداب الطلاق - ٢- لا يبيح الإسلام إلحاق الضرر والأذى بأحد من الناس، سواء أكان مسلما أم غير مسلم، جارا أم غير جار، قريبا أم بعيدا، زوجة أم زوجا لأن الإضرار اعتداء وظلم وبغي، والظلم مرتعه وخيم، والعدوان أو الاعتداء شر مستطير، لا يورّث خيرا، بل يكون سببا للقضاء على الظالم نفسه. لهذا أمر الله تعالى في العلاقات الزوجية الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان، والإمساك بالمعروف: هو ارتجاع الزوجة بعد الطلقة الأولى أو الثانية إلى حسن المعاملة والعشرة، والتزام حقوق الزوجية، وإزالة أسباب الكراهية أو الخصومة، والتسريح بإحسان: ترك المرأة المطلقة تتم عدتها بعد الطلقة الثانية، وتكون أملك لنفسها، فلا يراجعها زوجها بقصد الإيذاء وجعلها معلقة، لا زوجة ولا مطلقة، ومن التسريح بإحسان: تطليق المرأة طلاقا ثالثا، فيسرحها الرجل بذلك، وقد أكد القرآن الكريم على هذه الأحكام، فقال سبحانه: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣١] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) «١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢٣١] . هذا نهي للرجل أن يطوّل العدة على المرأة، مضارّة منه لها، بأن يرتجعها قرب انقضاء عدتها، ثم يطلقها بعد ذلك، فهذا إضرار واضح بإطالة العدة، وجعل المرأة

стр. 125

مضطربة قلقة، لا في حال زواج ولا في حال طلاق، فلا يحل للرجل أن يمسك المرأة ويراجعها ضرارا. ولا يجوز أيضا لولي المرأة المطلقة أن يمنعها من الرجوع إلى زوجها السابق، إذا انتهت عدتها، أو يمنعها من الزواج بزوج آخر، إذا حصل التراضي بينهما والتوافق، قال الله: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٢] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) «١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ٢٣٢] . نزلت هذه الآية في معقل بن يسار وأخته، أو في جابر بن عبد الله، وذلك أن رجلا طلق أخته، أو بنت عمه، وتركها حتى تمت عدتها، ثم أراد ارتجاعها، فغار جابر، وقال: تركتها وأنت أملك بها، لا زوجتكها أبدا، فنزلت الآية. وقال معقل: كنت زوّجت أختا لي من رجل، فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوّجتك وأفرشتك وأكرمتك، فطلّقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله، لا تعود إليك أبدا. قال معقل عن صهره: وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ.. فقلت أي معقل: الآن أفعل يا رسول الله، فزوجتها إياه. فإذا كانت الكفاءة متوافرة بين الزوجين ووجد مهر المثل، فلا يصح لولي المرأة منعها من الزواج، ورب فقير كريم الخلق شريف النسب خير من غني سيء الخلق كثير المال.

стр. 126

أحكام الرضاع ليس هناك شيء أنفع ماديا ومعنويا للطفل من الرضاع من أمه، فبلبنها يتكون جسده وتنتقل إليه طباعها، ويتربى على أخلاقها ومزاجها، فإذا كانت الأم في عصمة الأب، فعليها الإرضاع، عملا بالأعراف السائدة، وأما إذا كانت مطلّقة، فيكون الرضاع مندوبا لها على سبيل الاستحباب، إلا إذا امتنع الطفل عن الرضاع من غيرها، أو لم يجد الوالد من يرضع لفقر أو لغيره من الأسباب، فيكون الرضاع واجبا عليها. ويجب على الوالد أجرة الإرضاع لتلك المرأة المطلقة، وتقدير الأجرة بحسب ظروف كل من الوالد والوالدة المرضعة، يسارا وإعسارا غنى أو فقرا. ويحرم على الوالد إضرار الوالدة بسبب ولدها، بأن تمنع من الرزق والكسوة، أو يؤخذ منها ولدها قهرا، أو تكره على إرضاع، ولا يضارّ الوالد بأن يطلب منه ما ليس في طاقته من رزق أو كسوة، أو تستغل الأم عاطفة الأبوة، فتفرط في شأن الولد وغير ذلك من ألوان الإيذاء والمضايقات، والمراد ألا يحصل ضرر لواحد من الوالدين بسبب الولد. وإذا مات الوالد وجب على الوارث النفقة والكسوة، فإذا لم يكن للوالد مال، تؤخذ النفقة ممن يرث الطفل لو مات. ومدة الرضاع الكاملة حولان (سنتان) فإن أراد الوالد والمرضعة فطاما للطفل دون الحولين برضاهما وتشاورهما في مصلحة الطفل، فلا إثم عليهما في ذلك، حيث اقتضت المصلحة العامة هذا. وإذا أراد الوالدان استرضاع الطفل من مرضعة أجنبية (غير قريبة) بسبب حمل أو مرض، أو عدم إنفاق، فلا جناح (ولا إثم) عليهما بشرط إعطاء المرضعة أجرها بالمعروف، فإن ذلك أدعى للعناية والمحافظة على الولد.

стр. 127

ثم أحاط الله تعالى أحكام الرضاع بالأمر بالتقوى ورقابة الله سبحانه في السر والعلن، لأن الله بصير بكل عمل، خبير بأي تدبير، ومجاز كل إنسان على عمله، وفي هذا وعيد وتحذير كاف لمنع الانحراف. قال الله تعالى مبينا أحكام الرضاع المذكورة: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٣] وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) «١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢٣٣] . هذه الأحكام المقررة شرعا من أجل حماية الولد ورعايته والحفاظ على وجوده ومستقبله، وكل انحراف عن هذه الأحكام يستوجب الوقوع في الإثم والمؤاخذة الأخروية، لأن الإسلام رحمة عامة بجميع العالمين، صغارهم وكبارهم. أحكام المرأة المتوفى عنها زوجها تظل بعض آثار الزواج باقية بعد انتهائه أو انحلاله، صونا لسمعة المرأة وحماية لشرفها وكرامتها، وتذكيرا بنعمة الزواج، وحفاظا على حقوق الزوج من إلحاق نسب الولد الذي قد يولد به، ومنع خطبتها من رجل آخر خلال فترة زمنية محددة تسمى بالعدة، وعدم جواز إبرام عقد زواج جديد مع رجل آخر حتى تنتهي العدة. وشرعت العدة في الإسلام الحنيف لمعرفة براءة الرحم، وللحداد على الزوج، وتقتضي العدة فقط الامتناع عن الزينة ولبس الثياب المصبوغة الجميلة، والطيب

стр. 128

ونحوه من شؤون التجميل ولبس الحلي، والتزام المبيت في المسكن الذي كانت فيه المرأة وقت وفاة الزوج وهو مسكن الزوج إلا لعذر يتطلب الانتقال إلى بيت آخر هو بيت الأهل مثلا. ومدة عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، فإذا انتهت العدة فلا تمنع المرأة من الزينة، والخروج من البيت والتعرض لخطبة الرجال بالمعروف شرعا، أي من غير مخالفة للشرع، والله عليم وخبير وبصير بما يعمل النساء والرجال، فالجميع مؤاخذون على الانحراف والتهتك والتبرج. قال الله تعالى مبينا هذه الأحكام: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٤] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) [البقرة: ٢/ ٢٣٤] . وأباح الشرع الشريف للرجل في العدة التعريض بخطبة المرأة المتوفى عنها زوجها أو المطلقة طلاقا بائنا، كأن يمدح الرجل نفسه، ويذكر مآثره على جهة التعريض بالزواج، أو أن يقدم هدية إلى المعتدة، أو يصفها بأنها أهل وكفء للزواج وتكوين أسرة جديدة، ولكن دون مواعدة سرا، أو تواطؤ أو اتفاقات سرية غير معلنة، فهذا مما يضر، ولا يليق أدبا وذوقا في حال من الأحوال، إلا القول المعروف غير المنكر شرعا: وهو ما يعهد مثله بين الناس المهذبين من القول العف والإشارة الخفيفة، كما فعل النبي ﷺ مع أم سلمة بعد وفاة زوجها، حيث ذكر لها منزلته عند الله تعالى. ولا يجوز بحال إبرام عقد زواج على أي معتدة في أثناء العدة، وإنما يجوز ذلك بعد انقضاء العدة، وعلى الناس مراقبة الله والحذر منه والخوف من عقابه، فإنه تعالى يعلم ما في النفوس من السر وأخفى، والله غفور رحيم لما يقع من الذنوب خطأ،

стр. 129

حليم لا يعجل بالعقوبة، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٥] وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) «١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ٢٣٥] . والخلاصة: يحرم التصريح بخطبة المعتدة، ويحرم قطعا العقد على المعتدة قبل انقضاء العدة، مراعاة لحقوق الزوجية، ولطهارة الرحم وبراءته ومنع اختلاط الأنساب. متعة الطلاق ومهر غير المدخول بها لم يهمل الإسلام جانبا من جوانب الحياة الزوجية، وإنما قرر لها أحكاما شرعية معينة، سواء في حال التفاهم والتوادد أم في حال النفرة والتباعد، إبقاء على المودة والمحبة بين الناس، وتخفيفا لأثر الفرقة والخصام، فالحب ينبغي أن يكون معتدلا متزنا لا طيش فيه، ولا تهور، والكراهية أو البغضاء يلزم أن تكون مؤقتة غير منفرة، وفيها تسامح وتساهل، لا تشديد ولا تنفير، ولا تقاطع ولا تدابر. وفي هذا الجو من الاعتدال في الحب والفراق، قرر الشرع ما يسمى بمتعة الطلاق أي الهدية التي يقدمها الرجل لامرأته بعد طلاقها، وكانت تقدر بثلاثة دنانير أو بثلاثين درهما، وهي عبارة عن كسوة كاملة: قميص داخلي- وخمار رأس وملحفة أي الثوب الظاهري، ويمتّع كل إنسان على قدره وبحسب ثرائه أو يساره وتوسطه وإعساره، هذا بثوب، وهذا بنفقة، وقد متّع الحسن بن علي ﵄ بعشرين

стр. 130

ألفا وزقاق من عسل، ومتّع شريح القاضي التابعي بخمس مائة درهم، فهي إذن تتم باتفاق الزوجين على حسب قدرتهما، فإن اختلفا قدّرها القاضي، وتكون المتعة تطييبا لنفس المرأة المطلقة، وجبرا لخاطرها. وتستحب المتعة لسائر المطلقات بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة، وهذا الحق على الذين يحسنون المعاملة، وينظرون إلى المستقبل لتحسين السمعة والعلاقة، قال الله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) [البقرة: ٢: ٢٤١] . وتجب المتعة للمرأة التي لم يسم لها شيء من الصداق (المهر) فتحل المتعة محلّ ما كان ينبغي تحديده وتسميته للمرأة التي طلقت قبل الدخول، وقد أجمع العلماء على أن التي لم يفرض لها مهر ولم يدخل بها، لا شيء لها غير المتعة، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٦] لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) «١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢٣٦] . نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار تزوج امرأة، ولم يسم لها صداقا، ثم طلقها قبل أن يمسها، فقال له ﷺ : «متعها ولو بقلنسوتك» . وسبب المتعة أن النبي ﷺ نهى عن التزوج لمعنى الذوق وتحقيق مآرب النفس، فقال فيما يرويه الطبراني عن أبي موسى: «تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات» . وأمر النبي بالتزوج لطلب العفة والعصمة، والتماس ثواب الله، وقصد دوام الصحبة، فظن صلحاء المؤمنين أن الطلاق موقع في الإثم، فنزلت هذه الآية ترفع الحرج عن المطلّق قبل الدخول. أما المرأة التي سمي لها مهر في عقد الزواج، وقد طلقت قبل الدخول، فالواجب لها نصف المهر، تأخذه في كل حال، إلا إذا عفت المرأة المطلقة عن ذلك وأسقطت

стр. 131

حقها، أو عفا وليها الذي بيده عقدة النكاح عن هذا الواجب، والعفو أقرب للتقوى، وعلى الرجل والمرأة إحسان المعاملة، وهما مندوبان إلى المجاملة، فلا ينسى الناس الفضل بينهم بالإحسان والعفو، قال مجاهد: الفضل إتمام الزوج الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها، والله بصير بأعمال العباد، فيجازي كلا على حسب نيته وعمله، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٧] وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) [البقرة: ٢/ ٢٣٧] . الحفاظ على الصلاة والإيصاء بالعدة والأمر بمتعة الطلاق الصلاة عماد الدين، وأساس العمل الصالح، فهي أول عمل يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وهي الركن العملي الذي يتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، لما لها من الأثر الفعال في تطهير النفس، وغسل الخطايا، فهي كالنهر أو البئر الذي يغتسل به الإنسان خمس مرات في اليوم والليلة، فلا يبقى عليه شيء من الدرن أو الوسخ. والصلاة صلة بين العبد وربه، وسبب للفوز برضا الله تعالى، وطريق لتفريج الكروب والهموم، فقد كان ﵊ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. والصلاة تهذّب النفس، وتعلّم الأخلاق، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتقوّم الاعوجاج والانحراف، وتذكّر بالواجبات، وتؤدي إلى راحة النفس والفكر، من الهموم والقلاقل والاضطرابات، وتزرع في النفس الطمأنينة، وتحقق السعادة، وتملأ القلب خشية لله تعالى.

стр. 132

لكل هذا تكررت أوامر الله في قرآنه بإقامة الصلاة، والأمر يدل على وجوب المأمور به، وجاء الأمر الإلهي الصريح بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها، بجميع أركانها وشروطها، واتباع الآداب والسنن المشروعة فيها. قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣٨ الى ٢٣٩] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) «١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ٢٣٨- ٢٣٩] . والصلاة الوسطى في رأي جماهير الناس: هي صلاة العصر، لتوسطها بين صلاتين قبلها وصلاتين بعدها، ولانشغال الناس في آخر اليوم لإنهاء أعمالهم والفراغ من واجباتهم، قال رسول الله ﷺ : «الصلاة الوسطى: صلاة العصر» . وتواتر الحديث عن النبي ﷺ أنه قال يوم وقعة الأحزاب (الخندق) : «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا» . والقنوت في الصلاة وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ معناه طول الركوع والسجود، والخشوع، وغض البصر، وخفض الجناح (التواضع) وإحضار الخشية والتفكير في الوقوف بين يدي الله تعالى. ودلت الآية السابقة على خطورة الصلاة وأهميتها، فأبانت أنه لا عذر لأحد في ترك الصلاة، مقيما أو مسافرا، صحيحا أو مريضا، حتى في حال الخوف على النفس أو المال أو العرض، فيستطيع المصلي أن يصلي على أي كيفية كانت، راكبا أو ماشيا، سائرا أو وافقا على أي وضع كان، احتراما لوقت الصلاة، فإذا زال الخوف فعلى المؤمنين أن يذكروا الله في الصلاة ويشكروه، كما علمهم ما لم يكونوا يعلمونه، من كيفية الصلاة في حال الأمن والخوف، ففي الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة أمر

стр. 133

الله بالقيام له في الصلاة، بحالة قنوت، وهو الوقار والسكينة، وهدوء الجوارح، وفي حالة الخوف الطارئة كما في ساحة المعركة، رخص الله لعباده أداء الصلاة مشاة على الأقدام، أو ركبانا على الخيل والإبل ونحوهما، بطريق الإيماء والإشارة بالرأس حسبما يتوجه الإنسان. ثم ذكر الله حكم الوصية بالعدة وحكم متعة الطلاق، فقال: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤٠ الى ٢٤٢] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢) «١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢٤٠- ٢٤٢] . والذين تحضرهم الوفاة، ويتركون زوجات، فليوصوا وصية لأزواجهم بأن يمتعن بعدهم بالنفقة والسكنى سنة كاملة، من غير إخراج من بيوت الأزواج، فإن خرجن باختيارهن قبل انتهاء السنة، فلا إثم على الولي وغيره فيما فعلن بالخروج وترك الحداد على أزواجهن، وباتباع المعروف في الشرع، مما يدل على تخيير النساء في سكنى العام (الحول) في العدة، والله قوي غالب في ملكه، حكيم في صنعه وتدبير مصالح خلقه، وهذا الحكم منسوخ بآيات المواريث، وبإيجاب عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام. نزلت في رجل من أهل الطائف قدم المدينة، فمات فيها، فأعطى النبي ﷺ ميراثه لوالديه وأولاده بالمعروف، وأمرهم بأن ينفقوا على المرأة من تركة زوجها إلى الحول. وللمطلقات عموما المدخول بهن وغير المدخول بهن متعة واجبة أو مستحبة، وقيل: المراد نفقة العدة، بالقدر المستطاع للأزواج، حقا مقررا على الأتقياء. قال

стр. 134

ابن زيد: لما نزلت وَمَتِّعُوهُنَّ [البقرة: ٢/ ٢٣٦] قال رجل: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ ... حياة الأمم والشعوب إن عزة الأمم وحياة الشعوب الكريمة تتطلب أمرين مهمين لهما الأثر البالغ في الحياة، وهما الجهاد والكفاح في سبيل الله والحق، والإنفاق السخي في سبيل المصلحة العامة للوطن والأمة، فإذا ضعفت الأمة وتخلفت عن هذين الأمرين، أصابهما الذل والهوان، وتغلّب عليها الأعداء، وعاشت عيشة العبيد، فلا حرية ولا كرامة، ولا ملكية لشيء، وإنما الملك للسيد الظلوم الغاشم الذي تسلط على هؤلاء المتخاذلين الجبناء. وتصبح الأمة في هذه الحالة أشبه بالأموات، لأن موت الأمم غالبا له سببان: الجبن وضعف العزيمة والتخاذل، والثاني- البخل وعدم الإنفاق في سبيل الله والأمة والصالح العام. وقد أخبر الله تعالى نبيه محمدا ﷺ إخبارا في غاية التحذير والتنبيه عن قوم من البشر، خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، إما بسبب الخوف من العدو، أو بسبب وباء عام كالطاعون ونحوه، فأماتهم الله تعالى، ثم أحياهم، ليروا هم وكل من خلف بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف، ولا لاغترار مغتر، وأنزل الله تعالى آيات قرآنية تمهد أمره للمؤمنين من أمة محمد بالجهاد والإنفاق في سبيل الله، حتى لا يكونوا كالأمم الميتة الذين تولوا عن الإنفاق وأعرضوا عن الجهاد وانتحلوا المعاذير الواهية. قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤٣ الى ٢٤٥] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)

стр. 135

«١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢٤٣- ٢٤٥] . وكان عدد هذه الألوف كثيرا، قال ابن عباس: كانوا ثمانية آلاف. ويلاحظ أن الله تعالى أمر المسلمين بالقتال بعد التحذير من خوف الموت، فالله وحده هو المميت، وبيده حياة كل إنسان، فلا بد من القتال في سبيل الله: وهو الذي ينوي به المقاتل أن تكون كلمة الله هي العليا. وسبيل الله: هي سبيل الحق والعدل وتوحيد الله والقيم العليا. والقتال يتطلب إعداد الجيش المقاتل وتدريبه، ودعمه بأمضى الأسلحة المناسبة لكل عصر وزمان، والإنفاق المستمر في هذا الدعم الضروري لحياة الأمة، وقد بادر المؤمنون الأوائل للقيام بواجب الجهاد والإنفاق في سبيل الله، فهذا صحابي جليل هو أبو الدحداح، لما نزلت هذه الآية: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً.. قال: يا رسول الله، أو أن الله يريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: فإني أقرضت حائطي (بستاني) بيرحاء، فيه ست مائة نخلة، ثم جاء الحائط، وفيه أم الدحداح فقال: اخرجي فإني قد أقرضت ربي حائطي هذا، فكان رسول الله ﷺ يقول: «كم من عذق رداح «٣» ودار فياح، لأبي الدحداح» . صموئيل وطالوت هذه قصة النبي صموئيل والملك طالوت في ختام الكلام عن بني إسرائيل في سورة البقرة، تبين أن القتال كان مشروعا في الأمم السابقة، وأن الدفاع عن الحقوق

стр. 136

واجب شرعي، وأن لقائد الجيش اختبار مدى إخلاص الجنود وتضحياتهم، وأن إيتاء الملك والسلطة بيد الله تعالى لمن يستحقها من عباده، كما تعرض الآيات التالية: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤٦ الى ٢٤٧] أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) «١» «٢» «٣» «٤» [البقرة: ٢/ ٢٤٦- ٢٤٧] . ألم تعلم بقصة جماعة من بني إسرائيل هم وجوه القوم وكبراؤهم، بعد موسى في عصر داود ﵉، حين قالوا لنبيهم (صموئيل) : اختر لنا قائدا للحرب، وجمع الكلمة، فقد صممنا على طرد أعدائنا واسترداد حقوقنا المغتصبة. فقال لهم نبيهم بحكم خبرته وتجربته معهم: أتوقع منكم التخلي عن القتال إن فرض عليكم، فردوا عليه بقولهم: أي شيء يدعونا إلى ترك القتال، وقد أخرجنا من ديارنا وأوطاننا، ومنعنا من أبنائنا، واغتربنا عنهم؟!. فلما فرض عليهم القتال كما طلبوا، تخلفوا عنه وجبنوا وأعرضوا إلا جماعة قليلة منهم، عبروا النهر مع طالوت، وثبتوا على العهد، والله عالم بمن نقض العهد، وظلم نفسه، فأخلف الوعد.

стр. 137

قال لهم نبيهم صموئيل: إن الله أرسل لكم طالوت ملكا، فعليكم بالطاعة، والقتال معه، فاعترضوا عليه قائلين: كيف يكون ملكا علينا، وهو لا يستحق الملك؟ لأنه ليس من سلالة الملوك، ولا من سلالة الأنبياء، ونحن أصحاب السلطة والسيادة أحق بالملك منه؟ وأضافوا أيضا: إنه فقير لم يؤت رزقا واسعا ومالا وفيرا، يستعين به على إقامة الملك؟ فقال نبيهم: إن الله اختاره لكم ملكا، وزاده سعة في العلم، وقوة في الجسد، فكان قويا في دينه وتدبيره الأمور، كما كان قويا في بدنه، ليقاوم الأعداء في الحروب، والله واسع الفضل والإنعام، عليم بمن هو أهل للملك وأصلح له، وبمن هو أقدر على قيادة الجيش وتحقيق الفوز والنصر. ثم ذكر الله تعالى ما حققه طالوت أثناء ملكه، فقال: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤٨ الى ٢٥٢] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» «٨»

стр. 138

[البقرة: ٢/ ٢٤٨- ٢٥٢] . وقال لهم نبيهم صموئيل: إن علامة ملك طالوت أن يأتيكم صندوق التوراة الذي أخذه منكم أعداؤكم في فلسطين، فيه طمأنينة لقلوبكم وسكون للنفس، فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت، وفيه بقية: قطع من ألواح التوراة، ومخلّفات أو آثار آل موسى وآل هارون، كعصا موسى، تحمله الملائكة حتى تضعه في بيت طالوت، إن في ذلك علامة على ملكه، إن كنتم مؤمنين بالله حقا، فاسمعوا لطالوت وأطيعوه. قال ابن عباس: كانت العماليق قد سبوا التابوت من بني إسرائيل، فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض، وهم ينظرون إليه، حتى وضعوه عند طالوت، فلما رأوا ذلك قالوا: نعم، فسلّموا له وملّكوه، وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالا، قدموا التابوت بين أيديهم. فلما خرج طالوت عن بلده بيت المقدس، مع جنوده، لقتال العمالقة، قال لهم طالوت: إن الله مختبركم بنهر: هو نهر الأردن، فمن شرب منه، فليس من جنودي أو أصحابي، ومن لم يذقه أو لم يشرب منه، فإنه من أتباعي وجنودي، إلا من أخذ منه بمقدار ملء الكف، بالاغتراف غرفة واحدة، فشربوا منه، وعصوا أمر الملك، إلا عددا قليلا منهم، بعدد أصحاب بدر (٣١٤) . فلما اجتاز طالوت النهر وجماعته المؤمنون القلة الطائعون، قال ضعفاء الإيمان منهم: لا قدرة لنا على قتال جالوت: أكبر طاغية وثني، كان قد احتل مع أتباعه فلسطين، ولا قوة لنا على قتال جنوده لكثرتهم وقلة عددنا، قال الذين يتيقنون أنهم ملاقو ربهم في الآخرة: قد تغلب الجماعة القليلة الجماعة الكثيرة، بإرادة الله ونصره وتأييده، والله مع الصابرين بالعون، وإن النصر مع الصبر، وليس بكثرة العدد.

стр. 139

ولما ظهروا لقتال جالوت (أمير العمالقة) وجنوده، قالوا: ربنا صبّرنا كثيرا، وثبتنا وقوّنا على الجهاد وعدم الفرار، وانصرنا على أعدائنا الكفار: جالوت وجنوده، ومدّنا بالعون حتى نتغلب عليهم. فاستجاب الله دعاءهم، وهزموا العمالقة بأمر الله وإرادته، وقتل داود بن إيشا- أحد جنود عسكر طالوت- جالوت الجبار الكافر، وأعطى الله داود النبوة وهي الحكمة، وجعله ملكا على بني إسرائيل أثناء حياة طالوت، بعد أن كان راعيا، وعلّمه ربه من علومه، كصناعة الدروع، ومعرفة منطق الطير. ولولا مدافعة بعض الناس ببعضهم، ومقاومة الأشرار، لتغلب المفسدون، وقتلوا المؤمنين، وأهلكوا الحرث والنسل والناس الآمنين، ولكن الله صاحب الفضل على العالمين، يتولى رعايتهم وحفظهم. هذه آيات الله في هذه القصة، نقصّها عليك أيها النبي بالحق: وهو الخبر الصحيح من غير زيادة ولا نقصان ولا تحريف، وإنك يا محمد النبي: من جملة رسل الله، يأتيك وحي الله تعالى، وتخبر به الناس، وهذا تقوية لقلبه وإيناس وتثبيت لشأنه. درجات الأنبياء وموقف الناس من رسالاتهم ليس كل الناس على درجة أو مرتبة واحدة، وإنما يتفاوتون في درجاتهم ومراتبهم عند الله وعند الناس بمقدار قيامهم بالواجب، وتفانيهم في أداء الحق، والتزامهم أوامر الله، وتباينهم في العمل الصالح. وشاءت حكمة الله أن يتفاوت الأنبياء والرسل أيضا في الدرجات بمقدار تضحياتهم وتفاوت آثارهم أو تأثيراتهم في الحياة الإنسانية، فكان ذلك سببا في تفضيل بعض الأنبياء على بعض، بتخصيصه بمفخرة ليست لغيره، وأفضل الرسل:

стр. 140

هم أولو العزم، قال أبو هريرة ﵁: خير ولد آدم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وهم أولو العزم. وقد سئل رسول الله ﷺ عن آدم: أنبي مرسل هو؟ فقال: «نعم نبي مكلّم» ولكن كان تكليم آدم في الجنة، لا في الدنيا. رفع الله بعض الأنبياء على من عداه درجات في الفضل والشرف، وكلم موسى ﵇ ربه في الدنيا، فهو كليم الله، وآتى الله عيسى ابن مريم الآيات الواضحات، كتكليمه في المهد وهو طفل، وإحياء الموتى وإبراء الأكمه (الذي ولد أعمى) والأبرص بإذن الله، وأيده الله بروح القدس جبريل ﵇ مع روحه الطاهرة ونفسه الصافية، وتلك هي منزلته دون تفريط ولا إفراط، فاليهود حطت من شأنه واتهمته واتهمت أمه، وغير اليهود رفعوه إلى درجة الألوهية، وواقعه أنه مخلوق بإذن الله وبنفخ الروح فيه من عند الله من غير أب، ومرّ بأدوار الحمل والطفولة كغيره من الناس، وعاش يأكل ويشرب، ويدعوا إلى وحدانية الله، واتباع أوامر الله، والاستعداد لجنان الخلد، والبعد عن المعاصي والمنكرات، كغيره من البشر الأنبياء، فهو رسول كريم على الله، لا يرقى إلى درجة الألوهية. قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٣] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣) «١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢٥٣] . وقوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ إشارة إلى محمد ﷺ ، فهو أفضل الأنبياء والرسل، لأنه بعث إلى الناس كافة، وأرسل رحمة للعالمين، وكان خاتم الأنبياء

стр. 141

والمرسلين، وهو أعظم الناس أمة، ومعجزته القرآن، وتميز بالخلق العظيم الذي أعطاه الله، وأعطي خمس خصال لم يعطها أحد قبله، وهذه الخصال كما قال: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» . أما موقف الناس من اتّباع الأنبياء فهو موقوف متناقض، فإنهم اختلفوا فمنهم من آمن بهم ومنهم من كفر، واقتتلوا من بعد ما جاءتهم البينات والرسل والمعجزات، ولو شاء الله ما اقتتلوا، ولكنهم تركوا أحرارا ليتميز الصالح من الفاسد، ويجعل قبول الدين منبعثا من التفكير والنظر، والله يفعل ما يريد من الحكمة الإلهية السديدة. الترغيب في الإنفاق إن بناء الأمجاد في الأمة، وطريق الحفاظ على استقلالها وعزتها وكرامتها يحتاج إلى تعاون أفرادها وتضامن أبنائها، فلا يتحقق تقدم ولا تسمو أمة من دون التضحية بالمال والنفس. والآخرة ميزان الأعمال الصالحة، وفيها رصيد خالد دائم لكل من يعمل خيرا أو يؤدي واجبا. ولكن الناس في التعاون وفعل الخير متفاوتون، فمنهم من يقدم على الخير لذاته حبا فيه، ومنهم من يفعل الخير خوفا من العقاب وطلبا للثواب، وهؤلاء هم المحتاجون للتذكير والخطاب الإلهي الآمر بالإنفاق في سبيل المصلحة العامة وقوة الجماعة وتحقيق التكافل الاجتماعي.

стр. 142

قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) «١» [البقرة: ٢/ ٢٥٤] . هذه الآية- كما قال ابن جريج- شاملة الزكاة المفروضة والتطوع، وهذا صحيح، فالزكاة واجبة، والتطوع في وجوه الخير مندوب إليه. وظاهر الآية يراد بها جميع وجوه البّر: من سبيل خير، وصلة رحم، وبناء مسجد أو مشفى أو مدرسة، وإحسان إلى فقير، وتسليح جيش وإغاثة ملهوف، وإعانة منكوب، وإعطاء مفلس أو ابن سبيل منقطع عن السفر إلى بلاده، يقول ﵊ فيما رواه أبو داود في مراسليه: «حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة» . ندب الله تعالى بهذه الآية إلى إنفاق شيء مما أنعم به، وحذر تعالى من البخل أو الإمساك إلى أن يجيء يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك نفقة في ذات الله ومن أجل رضوان الله، ذلك اليوم الذي لا يجد فيه الإنسان ما ينجيه أو يؤازره غير عمله الصالح، وعقيدته الصحيحة، لا تنفع فيه الصداقة والمحبة أو الخلّة، ولا تفيد فيه شفاعة الشفعاء والوسطاء، فهذا يوم الجزاء والثواب والعقاب، يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. يوم يظهر فيه فقر العباد إلى الله الواحد القهار، والكافرون بنعم الله الجاحدون حقوق المال المشروعة هم الظالمون لأنفسهم فقط، والظالمون: واضعو الشيء في غير موضعه، قال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ولم يقل: الظالمون هم الكافرون، أي لأن معنى الآية أن كل كافر ظالم، وليس كل ظالم كافرا، ولو قال: والظالمون هم الكافرون، لكان قد حكم على كل ظالم (وهو من يضع الشيء في غير موضعه) بالكفر. إن الشفاعة المعدومة يوم القيامة هي الشفاعة الصادرة من الناس بغير إذن الله

стр. 143

تعالى مثل شفاعة الدنيا، ولكن توجد شفاعة بإذن الله تعالى، وحقيقتها رحمة من الله سبحانه، شرّف بها الذي أذن له الله في أن يشفع. والخلاصة: إن الله تعالى ندب أغنياء الأمة لمؤازرة المصالح العامة، ومعاونة المحتاجين، والاسهام في تخليص الأمة من الفقر والجهل والمرض، وذلك لا يكون إلا بالإنفاق المشروع المعقول الذي يحقق المنفعة العامة، وليس بالتبذير بإنفاق المال على موائد اللهو والقمار والشهوات الذاتية. آية الكرسي قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٥] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [البقرة: ٢/ ٢٥٥] . هذه هي آية الكرسي التي يعنى الناس بها عادة، فيحفظونها، ويقرءونها صباحا ومساء، ويعالجون بها المرضى بالرقية، لما فيها من أسرار عظيمة، ومعان بليغة، وعقائد شاملة، وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة، منها حديث صحيح الإسناد رواه أبو عبد الله الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «سورة البقرة فيها آية، سيدة آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي» . آية الكرسي إذن هي سيدة آي القرآن، وورد أنها تعدل ثلث القرآن، وروى

стр. 144

النسائي وأبو يعلى وابن حبان عن أبّي بن كعب أن النبي ﷺ قال عنها: «من قرأها أول ليله لم يقربه شيطان» . ومشتملاتها أن الله لا إله يعبد بحق في الوجود إلا هو، وما عداه من الآلهة المزعومة تعبد بغير حق، فالله متفرد بالألوهية، موصوف بالحياة الأبدية، واجب الوجود، الحي الذي لا يموت، القائم بذاته على تدبير خلقه، المخالف لهم في كل صفاتهم، لا يشبهه شيء من خلقه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا تغلبه ولا تستولي عليه سنة (نعاس) ولا نوم، مالك الملك، ذو العرش والجبروت، له ما في السماوات والأرض، ذو البطش الشديد، فعّال لما يريد، لا يملك أحد الكلام يوم القيامة إلا بإذنه، ولا يشفع أحد إلا بأمره، يعلم بالكليات والجزئيات، ولا يطلع على علمه أحدا إلا من شاء، ولا يحيط بعلمه أحد إلا بما شاء، واسع الملك والقدرة، الأرض جميعا في قبضته، والسماوات مطويات بيمينه، وسع كرسيه أي علمه السماوات والأرض، فالكرسي: العلم كما قال ابن عباس، والذي تقتضيه الأحاديث: أن الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، روى ابن جرير الطبري عن ابن زيد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» . والمهم أن قدرة الله عظيمة شاملة، لا يشغله شأن عن شأن، ولا يشق عليه أمر دون أمر، القاهر لا يغلب، العظيم الذي لا تحيط به الأفهام والعقول جلّ شأنه، لا يعرف كنهه إلا هو . هذه الآية منبئة عن عظم الله تعالى وعظم مخلوقاته، وعظم قدرته، فلا يؤوده ولا يثقله حفظ هذا الأمر العظيم، قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: سمعت نبيكم ﷺ على أعواد المنبر، وهو يقول: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم

стр. 145

يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه، آمنه الله على نفسه وجاره، وجار جاره، والأبيات حوله» . الحرية الدينية في الإسلام من المعلوم أن انتشار الإسلام كان بالإقناع والبرهان، وبالحجة والبيان، لا بالقهر والإكراه والإجبار، فلم يثبت في تاريخ الإسلام أن أحدا من الناس أكره أحدا على دين الإسلام، وإنما كان الناس يدخلون في دين الله أفواجا بحرية وقناعة، وطواعية واختيار. قال مسروق: كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان فتنصرا قبل أن يبعث النبي ﷺ ، ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الطعام، فأتاهما أبوهما فلزمهما، وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما، فأبيا أن يسلما، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أيدخل بعضي النار، وأنا أنظر؟ فأنزل الله : [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٦] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [البقرة: ٢/ ٢٥٦] . أي إن الإكراه في الدين ممنوع، ولا جبر ولا إلجاء، على الدخول في الدين، ولا يصح الإلجاء والقهر بعد أن بانت الأدلة والآيات الواضحة الدالة على صدق محمد ﷺ فيما يبلّغه عن ربه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. فقول العوام وأمثالهم من المستشرقين: «إن الإسلام قام بالسيف» دعوى باطلة غير صحيحة ولا ثابتة. أما حروب المسلمين فكانت دفاعية حتى يكف المشركون عن فتنة المسلمين، ويتركوا
следующие страницы →