← Тафсир

Тафсир · id 2305

التفسير الوسيط - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (2 964 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والمرسلين، وهو أعظم الناس أمة، ومعجزته القرآن، وتميز بالخلق العظيم الذي أعطاه الله، وأعطي خمس خصال لم يعطها أحد قبله، وهذه الخصال كما قال: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» . أما موقف الناس من اتّباع الأنبياء فهو موقوف متناقض، فإنهم اختلفوا فمنهم من آمن بهم ومنهم من كفر، واقتتلوا من بعد ما جاءتهم البينات والرسل والمعجزات، ولو شاء الله ما اقتتلوا، ولكنهم تركوا أحرارا ليتميز الصالح من الفاسد، ويجعل قبول الدين منبعثا من التفكير والنظر، والله يفعل ما يريد من الحكمة الإلهية السديدة. الترغيب في الإنفاق إن بناء الأمجاد في الأمة، وطريق الحفاظ على استقلالها وعزتها وكرامتها يحتاج إلى تعاون أفرادها وتضامن أبنائها، فلا يتحقق تقدم ولا تسمو أمة من دون التضحية بالمال والنفس. والآخرة ميزان الأعمال الصالحة، وفيها رصيد خالد دائم لكل من يعمل خيرا أو يؤدي واجبا. ولكن الناس في التعاون وفعل الخير متفاوتون، فمنهم من يقدم على الخير لذاته حبا فيه، ومنهم من يفعل الخير خوفا من العقاب وطلبا للثواب، وهؤلاء هم المحتاجون للتذكير والخطاب الإلهي الآمر بالإنفاق في سبيل المصلحة العامة وقوة الجماعة وتحقيق التكافل الاجتماعي.

стр. 142

قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) «١» [البقرة: ٢/ ٢٥٤] . هذه الآية- كما قال ابن جريج- شاملة الزكاة المفروضة والتطوع، وهذا صحيح، فالزكاة واجبة، والتطوع في وجوه الخير مندوب إليه. وظاهر الآية يراد بها جميع وجوه البّر: من سبيل خير، وصلة رحم، وبناء مسجد أو مشفى أو مدرسة، وإحسان إلى فقير، وتسليح جيش وإغاثة ملهوف، وإعانة منكوب، وإعطاء مفلس أو ابن سبيل منقطع عن السفر إلى بلاده، يقول ﵊ فيما رواه أبو داود في مراسليه: «حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة» . ندب الله تعالى بهذه الآية إلى إنفاق شيء مما أنعم به، وحذر تعالى من البخل أو الإمساك إلى أن يجيء يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك نفقة في ذات الله ومن أجل رضوان الله، ذلك اليوم الذي لا يجد فيه الإنسان ما ينجيه أو يؤازره غير عمله الصالح، وعقيدته الصحيحة، لا تنفع فيه الصداقة والمحبة أو الخلّة، ولا تفيد فيه شفاعة الشفعاء والوسطاء، فهذا يوم الجزاء والثواب والعقاب، يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. يوم يظهر فيه فقر العباد إلى الله الواحد القهار، والكافرون بنعم الله الجاحدون حقوق المال المشروعة هم الظالمون لأنفسهم فقط، والظالمون: واضعو الشيء في غير موضعه، قال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ولم يقل: الظالمون هم الكافرون، أي لأن معنى الآية أن كل كافر ظالم، وليس كل ظالم كافرا، ولو قال: والظالمون هم الكافرون، لكان قد حكم على كل ظالم (وهو من يضع الشيء في غير موضعه) بالكفر. إن الشفاعة المعدومة يوم القيامة هي الشفاعة الصادرة من الناس بغير إذن الله

стр. 143

تعالى مثل شفاعة الدنيا، ولكن توجد شفاعة بإذن الله تعالى، وحقيقتها رحمة من الله سبحانه، شرّف بها الذي أذن له الله في أن يشفع. والخلاصة: إن الله تعالى ندب أغنياء الأمة لمؤازرة المصالح العامة، ومعاونة المحتاجين، والاسهام في تخليص الأمة من الفقر والجهل والمرض، وذلك لا يكون إلا بالإنفاق المشروع المعقول الذي يحقق المنفعة العامة، وليس بالتبذير بإنفاق المال على موائد اللهو والقمار والشهوات الذاتية. آية الكرسي قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٥] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [البقرة: ٢/ ٢٥٥] . هذه هي آية الكرسي التي يعنى الناس بها عادة، فيحفظونها، ويقرءونها صباحا ومساء، ويعالجون بها المرضى بالرقية، لما فيها من أسرار عظيمة، ومعان بليغة، وعقائد شاملة، وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة، منها حديث صحيح الإسناد رواه أبو عبد الله الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «سورة البقرة فيها آية، سيدة آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي» . آية الكرسي إذن هي سيدة آي القرآن، وورد أنها تعدل ثلث القرآن، وروى

стр. 144

النسائي وأبو يعلى وابن حبان عن أبّي بن كعب أن النبي ﷺ قال عنها: «من قرأها أول ليله لم يقربه شيطان» . ومشتملاتها أن الله لا إله يعبد بحق في الوجود إلا هو، وما عداه من الآلهة المزعومة تعبد بغير حق، فالله متفرد بالألوهية، موصوف بالحياة الأبدية، واجب الوجود، الحي الذي لا يموت، القائم بذاته على تدبير خلقه، المخالف لهم في كل صفاتهم، لا يشبهه شيء من خلقه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا تغلبه ولا تستولي عليه سنة (نعاس) ولا نوم، مالك الملك، ذو العرش والجبروت، له ما في السماوات والأرض، ذو البطش الشديد، فعّال لما يريد، لا يملك أحد الكلام يوم القيامة إلا بإذنه، ولا يشفع أحد إلا بأمره، يعلم بالكليات والجزئيات، ولا يطلع على علمه أحدا إلا من شاء، ولا يحيط بعلمه أحد إلا بما شاء، واسع الملك والقدرة، الأرض جميعا في قبضته، والسماوات مطويات بيمينه، وسع كرسيه أي علمه السماوات والأرض، فالكرسي: العلم كما قال ابن عباس، والذي تقتضيه الأحاديث: أن الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، روى ابن جرير الطبري عن ابن زيد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» . والمهم أن قدرة الله عظيمة شاملة، لا يشغله شأن عن شأن، ولا يشق عليه أمر دون أمر، القاهر لا يغلب، العظيم الذي لا تحيط به الأفهام والعقول جلّ شأنه، لا يعرف كنهه إلا هو . هذه الآية منبئة عن عظم الله تعالى وعظم مخلوقاته، وعظم قدرته، فلا يؤوده ولا يثقله حفظ هذا الأمر العظيم، قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: سمعت نبيكم ﷺ على أعواد المنبر، وهو يقول: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم

стр. 145

يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه، آمنه الله على نفسه وجاره، وجار جاره، والأبيات حوله» . الحرية الدينية في الإسلام من المعلوم أن انتشار الإسلام كان بالإقناع والبرهان، وبالحجة والبيان، لا بالقهر والإكراه والإجبار، فلم يثبت في تاريخ الإسلام أن أحدا من الناس أكره أحدا على دين الإسلام، وإنما كان الناس يدخلون في دين الله أفواجا بحرية وقناعة، وطواعية واختيار. قال مسروق: كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان فتنصرا قبل أن يبعث النبي ﷺ ، ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الطعام، فأتاهما أبوهما فلزمهما، وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما، فأبيا أن يسلما، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أيدخل بعضي النار، وأنا أنظر؟ فأنزل الله : [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٦] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [البقرة: ٢/ ٢٥٦] . أي إن الإكراه في الدين ممنوع، ولا جبر ولا إلجاء، على الدخول في الدين، ولا يصح الإلجاء والقهر بعد أن بانت الأدلة والآيات الواضحة الدالة على صدق محمد ﷺ فيما يبلّغه عن ربه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. فقول العوام وأمثالهم من المستشرقين: «إن الإسلام قام بالسيف» دعوى باطلة غير صحيحة ولا ثابتة. أما حروب المسلمين فكانت دفاعية حتى يكف المشركون عن فتنة المسلمين، ويتركوا

стр. 146

الناس أحرارا، ولا مانع من وجود ما يسمى بالتعايش الديني السلمي بين الإسلام وأهله وغيره من أهل الأديان، ومن يكفر بالأصنام وكل ما يعبد من دون الله، ويؤمن بالله واجب الوجود، الإله الواحد من غير شريك، فقد بالغ بالتمسك بالعروة الوثقى المأمون انقطاعها، والله سميع لأقوال الناس، عليم بمعتقداتهم وأفعالهم. ثم بيّن الله تعالى أنه يتولى أمور المؤمنين بالتوفيق والهداية لأقوم الطريق، فقال سبحانه: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٧] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧) [البقرة: ٢/ ٢٥٧] . أي إن الله تعالى يتولى شؤون عباده المؤمنين، فهو يرشدهم إلى الصراط المستقيم، ويخرجهم من ظلمات الشك والشبهة إلى نور العلم والمعرفة واليقين، أما الذين كفروا بالله ورسوله، فيتولى الطاغوت (أي الشيطان) أمورهم، وينقلهم من نور الحق والإيمان إلى ظلمات الكفر والنفاق، والشك والضلال، وهؤلاء الكفار هم الذين بعدوا عن الهدى والصواب، وتمادوا في الغي والضلال، وهم أصحاب النار الملازمون لها، الخالدون فيها. هذه مقارنة عملية مثمرة بين فئتين من الناس، فمن آمن بربه ورسله جميعا وبكل ما أنزل من كتاب وحكمة، فالله وليه، يخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ومن كفر بعد وجود النبي المرسل والقرآن المنزّل، فوليه شيطانه، وهو الذي يغويه، ويخرجه من دائرة الإيمان إلى ظلمة الكفر والضلال. قصة النمرود وإبراهيم والعزير وحماره ضرب الله تعالى مثلا واضحا للمؤمن الواعي اليقظ، وللكافر الغبي المتسلط، بإبراهيم ﵇، ليبين أدلة الإيمان الفطرية، وحجج الكفر المتهافتة الساقطة،

стр. 147

ثم أعقب ذلك بقصة العزير وحماره لإثبات وجود الله وقدرته على إحياء الأنفس والبعث بعد الفناء، وذلك في هذه الآيات الكريمة التالية: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٥٨ الى ٢٦٠] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [البقرة: ٢/ ٢٥٨- ٢٦٠] . ألم تعلم قصة النمرود الملك المتجبر ملك بابل في العراق، الذي عارض إبراهيم ﵇ وجادله في ربوبية الله تعالى، بسبب ملكه وسلطانه وما أعقبه من كبرياء وغرور، فكفر بأنعم الله، حين قال: يا إبراهيم من ربك؟ فقال: ربي هو الذي يحيي الناس ويميتهم، قال نمرود: أنا أيضا أحيي وأميت، قال ابن عباس: أتى برجلين، فقتل أحدهما وعفا عن الآخر، وادعى أنه أحيا وأمات، وذلك مغالطة، لأن إبراهيم أراد أن الله هو الذي يخلق الحياة والموت في الأشياء، فقال له إبراهيم عليه

стр. 148

السلام: إن الله يطلع الشمس من المشرق، فأطلعها من المغرب، وتلك حجة لا تقبل المغالطة، فتحير ودهش الكافر، والله لا يوفق الكافرين إلى طريق الهداية، لابتعادهم عنه. وهل رأيت أيها النبي مثل العزير من بني إسرائيل، حين مرّ على أهل قرية من أرض بيت المقدس، بعد تخريب بختنصّر لها، فصارت خاوية من السكان، والبيوت قائمة، أو أن المساكن ساقطة على سقوفها المدمرة، فقال: كيف يحيى الله أهل هذه القرية، أو كيف تعود فيها الحياة بالبناء والعمارة والسكان؟ فأماته الله بنفسه، مائة سنة، ثم بعثه حيا بعد موته، فقال له: كم مكثت هنا ميتا؟ قال بحسب ظنه: مكثت يوما أو بعض يوم، معتقدا أنه نام وأفاق، قال له ربه: بل مكثت ميتا مائة سنة، فانظر إلى ما كان معك من طعام وشراب لم يتغير مع طول المدة بقدرة الله، وانظر إلى حمارك الذي مات كيف نحييه بعد تفرق أجزائه، ولنجعلك مثالا على البعث بعد الموت، ودليلا على قدرتنا، وانظر إلى العظام، كيف نرفع بعضها من الأرض، ونضم أجزاءها، ثم نردها إلى أماكنها، ثم نسترها باللحم، فلما اتضح له ذلك عيانا، بعد تعجب، قال: أعلم واطمئن أن الله قادر على كل شيء لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. واذكر أيها النبي حين قال إبراهيم الخليل ﵇: رب أرني رؤية عين، لا رؤية قلب، ليطمئن قلبي، كيف تعيد الموتى أحياء، فقال الله له: أولم تصدق بقدرتي على الإحياء حتى ترى؟ قال: بلى يا رب، علمت وآمنت بقدرتك، ولكن سألت ذلك ليزداد يقيني باجتماع المعاينة إلى الاستدلال على الإيمان، قال: فخذ أربعة طيور، وضمهن واجمعهن إليك، ثم قطّعهن، واجعل في كل جبل من كل واحد منهن جزءا، ثم نادهنّ، يجئن إليك مسرعات في الطيران، واعلم يا إبراهيم أن الله قوي غالب لا يعجزه شيء، حكيم في صنعه وتدبيره.

стр. 149

الإنفاق في سبيل الله وآدابه الكثير من الناس ينفقون أموالهم بسخاء وفير على مصالحهم الخاصة وأهوائهم الذاتية ومآربهم المادية، والقليل من الناس من ينفق شيئا من ماله في سبيل الله والمصلحة العامة العليا للأمة، لذا رغبّ القرآن الكريم بالإنفاق في سبيل الله، وأبان أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦١] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) [البقرة: ٢/ ٢٦١] . هذا تصوير مادي محسوس لثواب الإنفاق في سبيل الله وزيادته وأجره، يدل على أن الأجر يكون بمقدار سبع مائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء أضعافا مضاعفة، إذ هو الواسع الفضل، الكريم العليم بكل شيء، وهذه الآية في نفقة التطوع، وسبل الله كثيرة، وهي جميع ما هو طاعة وعائد بمنفعة على المسلمين والملّة، وأشهرها وأعظمها غناء: الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا. قال ابن عمر: لما نزلت هذه الآية قال النبي ﵊ فيما يرويه ابن حبان في صحيحة وغيره- ربّ زد أمتي، فنزلت: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ فقال: رب زد أمتي، فنزلت: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ. ومن أهم آداب الإنفاق: الإنفاق سرا قاصدا به صاحبه وجه الله لا رياء ولا سمعة ولا شهرة، ومن آداب الإنفاق الذي يستحق مضاعفة الثواب المذكور إنما هو لمن لم يتبع إنفاقه منّا ولا أذى، فهذا هو الذي يريد وجه الله تعالى ويرجو ثوابه، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٢] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) «١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢٦٢] .

стр. 150

والمن: ذكر النعمة والإشادة بها على معنى التعديد لها والتقريع بها. والأذى: السب والتشكي، وهو أعم من المنّ، لأن المنّ جزء من الأذى. وإذا لم يرد الإنسان الصدقة، فليكن رده طيبا، وقوله حسنا معروفا، دون إساءة، فالكلام الجميل تهدأ به نفس السائل، وهو خير للسائل والمسؤول من صدقة يتبعها أذى وضرر، إذ شرعت الصدقة لتقريب الناس من بعضهم بعضا، وتخفيف حدة الحسد والحقد بين فئات الناس، والأذى والمن يخرجها عن وضعها الصحيح، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٣] قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) [البقرة: ٢/ ٢٦٣] . ثم خاطب الله المؤمنين بوصف الإيمان، ليكون ذلك أدعى للقبول والامتثال، فحرّم عليهم المن والأذى صراحة، فقال سبحانه: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) «١» «٢» «٣» «٤» [البقرة: ٢/ ٢٦٤] . قال العلماء: إن الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمّن أو يؤذي، فإنه لا يتقبّل صدقته. وذلك لأن من منّ أو آذى غيره كمن ينفق ماله للرياء والسمعة، والذي يرائي كمثل حجر أصم عليه تراب، وقد نزل عليه مطر شديد، فذهب التراب، وبقي الحجر أملس، وهكذا الذي يمنّ أو يرائي يلبس ثوبا غير ثوبه، ثم لا يلبث أن ينكشف أمره، فيكون ما يلبس به كالتراب على الصفوان: (الحجر الأملس) الذي يذهب به الوابل (المطر الشديد) فلا يبقى من أثره شيء.

стр. 151

حال المنفق في سبيل الله والمنفق في سبيل الشيطان قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٢] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) [البقرة: ٢/ ٢٦٢] . نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، أما عبد الرحمن بن عوف: فإنه جاء إلى النبي ﷺ بأربعة آلاف درهم صدقة، وقال: كان عندي ثمانية آلاف درهم، فأمسكت منهم لنفسي ولعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال له رسول الله ﷺ : «بارك الله لك فيما أمسكت، وفيما أعطيت» . وأما عثمان ﵁ فقال: علي جهاز من لا جهاز له، في غزوة تبوك، فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها (أي بما يوضع على ظهورها) وتصدق ببئر رومة التي كانت قريبة من المدينة على المسلمين، فنزلت فيهما هذه الآية المتقدمة، وقال النبي عن عثمان: «يا رب إن عثمان بن عفان رضيت عنه، فارض عنه» . ثم بيّن الله تعالى حال المنفق لله وفي سبيل الله وبقصد تثبيت نفسه على الخير، فمثله كمثل الأرض الطيبة التربة، الخصبة النماء، فهو يجود بقدر سعته وما في يده، فإن أصابه خير كثير أنفق كثيرا، وإن أصابه قليل، أنفق على قدر سعته، فخيره دائم وبره لا ينقطع، كالبستان الذي يثمر بصفة دائمة، سواء نزل عليه مطر كثير أو قليل. قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٥] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) «١» «٢» «٣» «٤» [البقرة: ٢/ ٢٦٥] . ثم أورد الله سبحانه مثلا ثانيا لمن ينفق ماله في سبيل الشيطان ومرضاة لنفسه وهواه، وللرياء والسمعة والمباهاة، فقال تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٦] أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)

стр. 152

«١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢٦٦] . من أساليب فصاحة القرآن أنه يأتي فيه بيان نقيض ما تقدم ذكره، لتستبين حال التضاد بعرضها على الذهن، فلما ذكر الله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم بقصد مرضاة الله، ذكر مثلا آخر لنفقة الرياء، والمعنى: أيها المنفق لغير الله، مثلك كمثل من له بستان فيه نخيل وأعناب وزروع من كل صنف، تجري الأنهار فيما بينها، وفيها من كل الثمرات التي تشتهيها، وأنت رجل كبير مسنّ أدركتك الشيوخة، وأصابك ضعف الكبر، ولك ذرية ضعفاء صغار لا يقدرون على الكسب، وليس لك غير هذا البستان، فأصابه بأمر الله ريح شديدة عاصفة، وسموم كالنار أو أشد، فاحترق الشجر، وأباد الثمر، وأنت في أشد الحاجة إلى نتيجة عملك، وثمرة جهدك في شبابك. إن من ينفق في سبيل الشيطان والهوى والرياء يظن أنه ينتفع بإنفاقه، ثم يفاجأ بأنه لا يجد نتيجة لعمله، لتبدد أثره، وضياع فائدته، فهو مثل ذلك الرجل المسن صاحب تلك الجنة (أي البستان) يأتي يوم القيامة، فلا يجد لعمله إلا الحسرة والندامة، لقد علّق الشيخ الكبير المسن- كالمتقاعد اليوم- الأمل على دخل معين في آخر الحياة، ثم لا يجد هذا الشيخ هذا الدخل، نجده كيف يعتصر الألم كبده، ويموت حرقة وأسفا على فقدان دخله وضياع ماله بعاصفة من السماء، إن المنفق رياء أو في سبيل الشيطان مثله مثل هذا المسن الذي فقد المال في الدنيا، وضاع عليه النعيم في آخر حياته، فيموت كمدا وحسرة وألما، بسبب سوء تصرفه وخبث نيته وقصده.

стр. 153

أصول الإنفاق المال أمانة في يد الإنسان، يتردد بين الدخل والنفقة، وكما أن الحصول على المال أمر صعب غير يسير، لأنه يتطلب الكسب المشروع الحلال، كذلك الإنفاق ليس أمره هينا، فمن السهل جمع المال، ولكن من الصعب المحافظة على المال أو ادخار ثواب إنفاقه على المحرومين، فالإنسان ابن مجتمعة، يقصده المحتاجون إن كان موسرا غنيا، ويتطلع إلى ما ائتمنه الله عليه الفقير المسكين، وينبغي أن يكون الإنفاق ضمن أصول معينة: الأصل الأول- الإنفاق من الطيب (أي الجيد الحسن) وعدم إعطاء الرديء أو الخبيث، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) «١» «٢» [البقرة: ٢/ ٢٦٧] . فلا يصح للمتصدق سواء في الزكاة المفروضة أم في التطوعات المالية أن يتعمد إعطاء الفقير الخبيث الرديء، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وليس من الأدب أو الإحسان أن يجعل الإنسان لله ما يكره من المال. وسبب نزول هذه الآية ما قال جابر: أمر النبي ﷺ بزكاة الفطر بصاع من تمر، فجاء رجل بتمر رديء، فنزل القرآن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ.. الآية. أي أنفقوا من جياد أموالكم ولا تقصدوا الخبيث الرديء أو الفاسد أو الخاسر، فتجعلوا صدقتكم منه خاصة دون الجيد، فهذا نهي عن تعمد الصدقة من الخبيث دون الطيب، وكما قال تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) [آل عمران: ٣/ ٩٢.]

стр. 154

الأصل الثاني- مقاومة نوازع الشح والبخل: فعلى الإنسان أن يقاوم غريزة البخل لديه، وألا يخشى فقرا بصدقة مالية يتصدق بها، فالله يعوض المنفق خيرا، ويزيده فضلا ونعمة، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦٨ الى ٢٦٩] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) [البقرة: ٢/ ٢٦٨- ٢٦٩] . فبعد أن رغّب الله سبحانه في الإنفاق الطيب، حذّر من وسوسة الشيطان وعداوته في ذلك، وأخبر سبحانه بمغفرته للمنفق وفضله عليه وسعة خزائنه لتعويضه، وعلمه بقصده الحسن، وإيتائه الحكمة لمن يشاء في وضع المال في موضعه الصحيح المفيد، والله ذو الفضل العظيم، والمغفرة: الستر على العباد في الدنيا والآخرة، والفضل: هو الرزق في الدنيا، والنعيم في الآخرة، وأي خير في الدنيا والآخرة بعد توفيق الله وهدايته في فهم الأمور على حقيقتها، وإدراك الأشياء على وضعها الصحيح، ومنها أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. والأصل الثالث- مشروعية الإنفاق سرا وعلانية: على المؤمن أن يقصد في عمله وجه الله، ويخلص في إعطاء الصدقة للمحتاجين، وسيجد ثواب ذلك حتما في الآخرة فلا يضيع، وكل شيء يعلم به الله، ويدخر لصاحبه فيه الأجر، ولا مانع بعد توافر الإخلاص وحسن القصد إبداء الصدقة لتشجيع الآخرين أو الإسرار بها منعا من الرياء وحب السمعة، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٠ الى ٢٧١] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) [البقرة: ٢/ ٢٧٠- ٢٧١] . ويرى العلماء كابن عباس وغيره أن إبداء الصدقة الواجبة (أي الزكاة) خير

стр. 155

وأفضل من إسرارها وإخفائها، وأما الصدقة المندوبة أو صدقة التطوع فإخفاؤها أفضل وخير من إعلانها لأن ذلك أدعى لعدم الرياء، وأحفظ لكرامة الفقير. صفات المستحقين للصدقة بيّن القرآن الكريم صفات مستحقي الصدقة، حتى تقع في موقعها الصحيح وعلى الوجه الذي يرضي الله تعالى. أما الصفة الأولى- فيجوز للمسلم أن يتصدق على المحتاج الفقير، سواء أكان مسلما أم غير مسلم، احتراما لإنسانيته، ودفعا لحاجته، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٢] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) [البقرة: ٢/ ٢٧٢] . ذكر سعيد بن جبير سبب نزول هذه الآية: إن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة غير المسلمين، فلما كثر فقراء المسلمين، قال رسول الله ﷺ : «لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم» فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من أهل دين الإسلام. والصفات الأخرى لمن تعطى الصدقة لهم كثيرة، أهمها: إعطاء الصدقة لمن حبس نفسه على الجهاد في سبيل الله ولم يقم بالكسب المعيشي كغيره من الناس، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٣] لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [البقرة: ٢/ ٢٧٣] .

стр. 156

نزلت هذه الآية في أهل الصّفّة، وهم فقراء المهاجرين الذين هاجروا مع رسول الله، وتركوا مالهم في مكة، وكان عددهم زهاء أربع مائة رجل، ولم يكن لهم مأوى، فكانوا يأكلون عند النبي ﷺ ، ثم يبيتون في المسجد تحت مكان مسقوف يقال له (الصفة) وكانوا متخصصين للجهاد وحفظ القرآن الكريم والخروج مع السرايا التي يرسلها النبي ﷺ ، فهم جنود الجيش وطلاب العلم. ومن صفات المعطى لهم الصدقة: العجز عن العمل أو التجارة والكسب، بسبب ضعف أو كبر أو ضرورة، ومن صفاتهم التعفف، فهم الذين يحسبهم الذي يجهل حالهم أغنياء من عفتهم وصبرهم وقناعتهم، فعندهم عزة المؤمنين وتوكل المتوكلين. ومن صفاتهم وعلاماتهم: الضمور والنحول والضعف، ورثاثة الثياب، وهذا متروك لفراسة المؤمن، فربّ فقير مظهره حسن، وغني ذو ثياب رثة. ومن صفاتهم: عدم الإلحاح في السؤال، فهم لا يسألون ولا يستجدون أصلا، أو لا يسألون الناس ملحين أو ملحفين في المسألة، قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد والنسائي: «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرّة سوي» أي قادر على العمل. ثم سوّى القرآن الكريم بين صدقة السر وصدقة العلانية في الأجر والثواب، فقال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٤] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) [البقرة: ٢/ ٢٧٤] . قال الكلبي: لما نزل قوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ... [البقرة: ٢/ ٢٧٠] قالوا: يا رسول الله، صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. فمن تصدق بشيء لله سرا أو علنا، فله الأجر الكامل عند ربه الذي رباه وتعهده في بطن أمه وبعد ولادته، ولا خوف عليه أصلا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا هو يحزن أبدا، وهكذا كل من سار على نهج القرآن واهتدى بهديه، فأولئك هم المفلحون.

стр. 157

ثواب الصدقة وخطر الربا الإسلام دين الرحمة والعطف والتعاون، أوجب على الناس أن يتآزروا في وقت الشدة والضيق، وأن يتراحموا في وقت العسر والمشقة، فإذا احتاج الواحد إلى مبلغ من المال، فعلى الآخرين مساعدته بالصدقة أو غيرها من ألوان المساعدة، ولا يرهقه بإقراضه مبلغا من المال مع زيادة معينة أو نسبية تتزايد مع مرور الزمان، لأن الله تعالى يبارك للغني فيما يتصدق به ويعوضه خيرا عما أنفق، وينمي له ماله بوسائل مختلفة، ويكون المتصدق محبوبا عند الله والناس أجمعين، فلا حسد ولا بغضاء، ولا غش ولا احتيال، ولا سرقة ولا اغتصاب، ولا تآمر ولا إيذاء، وهذا كله مما يساعد على نمو المال وزيادته، قال الله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا «١» وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ «٢» وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ «٣» [البقرة: ٢/ ٢٧٦] . وآيات الربا هي: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٥ الى ٢٨١] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) [البقرة: ٢/ ٢٧٥- ٢٨١] .

стр. 158

وإذا أقرض الإنسان أخاه مبلغا من المال لمدة من الزمان، ثم تعذر على المدين المقترض الوفاء بالدين في أجله المحدد له، فعلى المقرض إمهاله وانتظاره لمدة أخرى يتمكن فيها من الوفاء، وينتظره حينئذ لوقت اليسر والرخاء، وهذه هي نظرة (انتظار) المعسر إلى وقت الرخاء، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٨٠ الى ٢٨١] وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) «١» [البقرة: ٢/ ٢٨٠- ٢٨١] . والمعنى: إن تعاملتم مع فقير معسر، فانتظار منكم إلى يسر ورخاء، عسى الله أن يفرج عليكم جميعا، قال ﵊ فيما رواه مسلم: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» . ومن تصدق بالتأجيل أو بترك الدين كله أو بعضه، فهو خير له وأحسن. ولا يجوز لمسلم بحال من الأحوال أن يأكل الربا أو يأخذ من المدين المقترض زيادة عن أصل رأسماله، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء، ولعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه. والتعامل بالربا يقضي على روح الأخوة والتعاون بين الناس، ويؤدي غالبا إلى الفقر والأزمة الاقتصادية، وفقد أصل المال أو الأرض التي تباع عادة في نهاية الأمر لتسديد القرض وفوائده المتراكمة، والربا في الواقع استغلال لحاجة المضطر، وقسوة، وأكل للمال بالباطل، وربح من غير جهد ولا عمل، وهو يوجب غضب الله وانتقامه، لذا حرم الله الربا بكل أنواعه، وأنذر صاحبه بأنه يقوم من قبره يوم القيامة، يتخبط كالذي مسّه الجن، أما المحسنون المؤمنون الذين يقرضون من غير فائدة، فهم يوم القيامة في أمان واطمئنان ولا خوف عليهم ولا حزن فيهم، ولا قلق

стр. 159

ولا ألم، قال الله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ «١» ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [البقرة: ٢/ ٢٧٥] . ثم قال الله تعالى مبينا حال المؤمنين الصالحين: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) [البقرة: ٢/ ٢٧٧] . آية الدّين نظّم الإسلام شؤون المعاملات والعقود بين الناس على أساس من الحق والعدل والحكمة، وصان حقوق الناس وحفظ أموالهم وندبهم إلى توثيق عقودهم ومعاملاتهم المؤجلة بالكتابة والسندات، والشهادة والشهود، على سبيل الاحتياط للناس، وتجنبا من احتمال إنكار أصل الحق أو عدم الاعتراف به، بسبب قلة التدين، وضعف اليقين، وفساد الذمة، واستبداد الطمع والجشع. جاء تنظيم المعاملات في أطول آية في القرآن الكريم، عناية بها، وحرصا على المصالح، ومنع المنازعات والخصومات بسبب المال، قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٢] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) «٢» «٣» «٤»

стр. 160

«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [البقرة: ٢/ ٢٨٢] . أرشدت هذه الآية الكريمة إلى مجموعة قواعد وأحكام في المعاملات الجارية بين الناس، أولها- الندب إلى كتابة الدين المؤجل في الذمة، سواء أكان تأجيله من طريق القرض أم البيع أم عقد السّلم (وهو بيع شيء موصوف مؤجل تسليمه إلى المستقبل) . وعلى الكاتب أن يكتب بالعدل، وأن يكون عالما بأصول الكتابة وشروطها، وألا يمتنع عن الكتابة ما دام يمكنه ذلك، وعليه أن يكتب كما علّمه الله، دون زيادة ولا نقص، ولا إضرار بأحد. وعلى المدين الذي يملي على الكاتب الإملاء بالحق، فلا يزيد ولا ينقص من الحق شيئا عند الإملاء. وإذا كان المدين الذي عليه الحق سفيها لا يحسن التصرف في ماله لنقص عقله أو تبذيره، أو كان ضعيفا لصغر سنه أو شيخوخته، أو لا يستطيع الإملاء لجهله أو لكنة في لسانه، فيتولى الإملاء وليه القريب أو البعيد الذي يتولى أموره من قيّم أو وكيل أو مترجم، ويكون إملاؤه بالعدل والإنصاف والشهادة على الحق: إما بشهادة رجلين عدلين عاقلين بالغين، أو شهادة رجل وامرأتين، بسبب قلة عناية النساء بالأمور المالية، وقلة ضبطهن، لانشغالهن بأمور المنزل وتربية الأولاد، فيكون تذكرهن

стр. 161

للمعاملات قليلا. وعلى الشهود أداء الشهادة إذا دعوا إليها، لأن كتمان الشهادة معصية ومضيعة للحقوق، وليس لكاتب أو شاهد أن يضر أحدا من المتعاملين بزيادة أو نقص. ولا حاجة لكتابة العقد في البيوع التجارية السريعة التي يتم فيها تسلم المبيع، وتسليم الثمن في الحال، وعلى جميع المتعاملين اتقاء الله في جميع ما أمر الله به أو نهى عنه. الرهن والائتمان تضمنت آية الدين وآية الرهن في سورة البقرة أمرين خلقيين أساسيين لزرع الثقة بين الناس، والاطمئنان إلى أماناتهم، ودرء الشكوك عنهم، وهما الائتمان، والتقوى، فإذا توفرت الثقة وتحقق الائتمان، فعلى المؤتمن أداء الحق دون مماطلة ولا تسويف، ولا تهرب ولا تحريف، ولا نقص ولا زيادة، وهذا دليل على أن الأمر بكتابة الدين للندب والإرشاد، لا للحتم والوجوب، فمن وثق بغيره ثقة تامة يطمئن بها، فلا حاجة له ولا ضرورة للوثائق والسندات، وكتابة الديون والإشهاد عليها من أجل حفظ الأموال والديون. وأما تقوى الله فهي بمثابة الدرع الواقي الذي يمنع المؤمن من أكل المال بالباطل، والزيادة والنقص في الإقرار بالحقوق، والتقوى أيضا سبيل التذكر التام بالحق، وطريق الحصول على العلوم والمعارف المفيدة في الحياة، قال الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢/ ٢٨٢] . وإذا تعذرت كتابة الدين، بسبب السفر أو فقدان الكاتب أو عدم توافر أدوات الكتابة، قام تقديم الرهن مقام الكتابة، والرهن مشروع ثابت في القرآن والسنة النبوية في جميع الأحوال، وفي السفر والحضر. ويتطلب الرهن احتباس العين المرهونة

стр. 162

وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها، من طريق القضاء، عند تعذر أخذ الحق من الغريم (المدين) . وهذا يشمل الرهن الحيازي بحيازة المنقولات، والرهن الرسمي بوضع إشارة الرهن على العقار في صحيفته المخصصة لها في السجلات العقارية عند الدولة. قال الله تعالى مبينا مشروعية الرهن: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٣] وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) [البقرة: ٢/ ٢٨٣] . فالخوف على خراب ذمة الغريم (المدين) أو مماطلته في أداء الدين عذر يجيز طلب الرهن، وقد رهن النبي ﷺ درعه عند يهودي، في مقابل شعير اقترضه، منه، فقال اليهودي: «إنما يريد محمد أن يذهب بمالي، فقال النبي ﷺ في الصحيحين: «كذب، إني لأمين في الأرض، أمين في السماء، ولو ائتمنّي لأديت، اذهبوا إليه بدرعي» . فإن صدف أن ائتمن شخص غيره على شيء من غير رهن، فعلى المؤتمن، أن يؤدي الأمانة كاملة في ميعادها، وليتق الله ربه، فلا يخون في الأمانة، فالله هو الشاهد الرقيب عليه، وكفى بالله شاهدا وحسيبا. ويحرم كتمان الشهادة على الديون أو الحقوق، وكتمان الشهادة وشهادة الزور من الكبائر، ومن كتم الشهادة فإنه عاص آثم قلبه، وخص الله تعالى ذكر القلب، لأن الكتم من أفعال القلوب. وتظل هيمنة الله على كل أعمال الناس وعلمه بأفعالهم خير رقيب وباعث على أداء الحقوق والأمانات والوفاء بالعهود، وأداء الشهادة دون كتمان، وإذا كان الله عليما بكل شيء من أفعالنا، فهو يجازي عليها في الآخرة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

стр. 163

من أدلة القدرة الإلهية إن قدرة البشر محدودة ضعيفة، مهما ظن الإنسان بقوته وقدرته، فتراه مبهوتا عاجزا مشدوها أمام المخلوقات الكونية العظمى، لا يستطيع الإحاطة بها، أو إيجاد مثلها، أو التأثير فيها إيجادا وإعداما، أو تغييرا وتبديلا لمسيرتها وحركتها. أما قدرة الله ﷻ فهي شاملة غير محدودة، كاملة تامة غير منقوصة، أوجد الكون بقدرته، وسيّره وصرّفه بعلمه، ووجّهه الوجهة الصالحة بحكمته، ويعلم كل شيء عنه، سواء أكان دقيقا صغيرا أم عظيما كبيرا، لأن مالك الشيء وخالقه يعلم كل شيء عنه: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) [الملك: ٦٧/ ١٤] . إن جميع ما في السماوات وما في الأرض ملك لله ومخلوق لله، فهو المالك وهو الخالق، وهو المتصرف، وهو العليم بكل شيء، لأنه الموجد المخترع المبدع، لا إله غيره ولا رب سواه، وهو سبحانه يعلم بأحوال جميع المخلوقات، من جماد وحيوان لا يعقل، وأجناس ثلاثة تعقل وهي الملائكة والإنس والجن. ويعلم الله تعالى جميع ما تضمره النفوس وتكتمه أو تخفيه من النوايا والوساوس والخواطر التي لا يتأتى للإنسان دفعها أو السيطرة عليها، ويعلم سبحانه أيضا ما تظهره النفوس ويستقر فيها من الأفكار والأخلاق والأدواء الباطنة، والأفعال والأعمال الظاهرة، ويحاسب الإنسان عليها، ويجازيه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. قال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٤] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) [البقرة: ٢/ ٢٨٤] . قال جماعة من الصحابة والتابعين كابن عباس وأبي هريرة والشعبي: إن هذه الآية لما نزلت، شقّ ذلك على أصحاب محمد ﷺ ، وقالوا: هلكنا يا رسول الله، إن حوسبنا بخواطر أنفسنا، يا رسول الله، كلفنا من الأعمال ما

стр. 164

نطيق كالصلاة والصيام، والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ لهم: أتريدون أن تقولوا كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوها، فأنزل الله بعد ذلك: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها فكشف عنهم الكربة، وفرّج عنهم. لقد ظن بعض الصحابة خطأ أن الله تعالى يحاسب العباد على الوساوس والخواطر التي لا يمكن للإنسان دفعها أو التخلص منها، فأنزل الله لهم بيانا نصا واضحا على حكمه أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، والخواطر ليست مما يدخل في الوسع دفعها، فلا حساب عليها. والواقع أن هذه الآية وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ليس المراد بها الحساب على الوساوس والخواطر، وإنما المقصود بها أن الله تعالى يعلم ويحاسب على ما استقر في النفوس من الخلق الراسخ الثابت كالحب والبغض، وكتمان الشهادة، وقصد الخير والسوء، مما هو مقدور للإنسان، وتكون آية لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ليست ناسخة لهذه الآية، وإنما هي موضحة. والله تعالى يغفر لمن يشاء ذنبه، بتوفيقه إلى التوبة والعمل الصالح الذي يمحو السيئة، ويعذب من يشاء، لأنه لم يعمل خيرا يكفر عنه سيئاته، ولم يتب إلى الله، والله على كل شيء أراده قدير. أركان الإيمان تتردد كلمة الإيمان على بعض الألسنة دون بيان مضمونها أو تحديد عناصرها، فهناك إيمان أجوف فاقد المحتوى، وإيمان ناقص، وإيمان مشوّه، وإيمان سيء، وإيمان باطل قائم على الأوهام والخرافات كإيمان الوثنيين.

стр. 165

إن الإيمان كلمة مقدسة عظيمة ذات مدلول عميق وخطير، وهو التصديق الخاص بأمور معينة، وهي التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، حلوه ومرّه. والإيمان بالله: هو التصديق به وبصفاته ورفض الأصنام وكل معبود سواه، إنه التصديق بأن الله سبحانه موجود موصوف بصفات الجلال والكمال، منزه عن صفات النقص، وأنه واحد حق صمد، فرد خالق جميع المخلوقات، متصرف فيما يشاء، ويفعل في ملكه ما يريد. والإيمان بالملائكة: هو اعتقاد وجودهم وأنهم عباد الله، ورفض معتقدات الجاهلية فيهم كقولهم: الملائكة بنات الله، لكن الملائكة هم عباد الله المكرمون، لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون. والإيمان بالكتب الإلهية: هو التصديق بكل ما أنزل الله على الأنبياء من الوصايا والحكم والأحكام والشرائع والآداب والأخلاق، وعدد هذه الكتب والصحف مائة وأربعة، والأربعة هي التوراة والزبور والإنجيل والقرآن. والإيمان بالرسل- رسل الله-: هو الاعتقاد بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، الذي أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأنهم بلّغوا عن الله ورسالاته، وبيّنوا للمكلفين ما أمرهم الله به، وأنه يجب احترامهم، وأن لا يفرّق بين أحد منهم. والإيمان باليوم الآخر: هو التصديق بيوم القيامة، وما اشتمل عليه من الإعادة بعد الموت، والحشر والنشر من القبور، والحساب والميزان، والصراط، والجنة والنار، وأنهما دار ثوابه وجزائه للمحسنين والمسيئين.

стр. 166

والإيمان بالقدر: هو التصديق بأن الله تعالى قدّر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ، وحاصل الإيمان بالقدر ما دل عليه قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) [الصافات: ٣٧/ ٩٦] وقوله: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) [القمر: ٥٤/ ٤٩] . ونحو ذلك، والله تعالى خلق الخير والشر، وقدر مجيئه إلى العبد في أوقات معلومة، يكون الإنسان فيها هو المختار لما يعمله أو يتركه. وقد أبان القرآن الكريم أصول الإيمان وأركانه، فقال الله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٥] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) «١» [البقرة: ٢/ ٢٨٥] . والمعنى: صدّق الرسول بالذي أنزل إليه من ربه من الآيات والأحكام، وصدّق معه المؤمنون، كلهم آمنوا بوجود الله ووحدانيته وبوجود عنصر الملائكة، وبإنزال الكتب من الله، وبإرسال الرسل الكرام، لا نفرّق نحن المؤمنين بين رسله، إذ كل الأنبياء المرسلين سواء في الرسالة والتشريع، لا يختلف واحد عن واحد، وهذه مزية المسلمين يؤمنون بكل الأنبياء، دون تفرقة بين نبي وآخر، نؤمن بكل ما ذكر، ونقول: سمعنا القول سماع وعي وقبول، وأطعنا ما أمرنا به طاعة إذعان وانقياد، معتقدين أن كل أمر ونهي إنما هو لخيري الدنيا والآخرة، ونسأل الله دائما أن يغفر لنا خطايانا، وإليه المرجع والمآب. ولما سئل النبي ﷺ عن الإيمان قال في الصحيحين: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» .

стр. 167

يسر التكاليف الشرعية الإسلام دين اليسر والسماحة، فلا عناء ولا مشقة في تكاليفه، ولا حرج في جميع ما أمر به أو نهى عنه، ليكون المسلمون في راحة وطمأنينة، ويداوموا على الأعمال من غير مضايقة ولا سأم أو ملل. وهذا من فضل الله تعالى على الأمة الإسلامية، قال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. [البقرة: ٢/ ١٨٥] . وقال : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٢٢/ ٧٨] . وقال سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ٦٤/ ١٦] . ومن مزيد فضل الله علينا أن علّمنا الدعاء بطلب اليسر والتيسير في أداء الواجبات، والتكليف بالأحكام الشرعية، وصيغة هذا الدعاء كما جاء في أواخر سورة البقرة: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٦] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) «١» «٢» «٣» [البقرة: ٢/ ٢٨٦] . قال السّدي: لما نزلت هذه الآية فقالوها، أي ودعوا بها، قال جبريل للنبي ﷺ : «قد فعل الله لهم ذلك يا محمد» . فهذا دلالة على أن هذه الدعوات السبع مستجابة بحمد الله. وأول هذه الدعوات وثانيها: ربنا لا تؤاخذنا على النسيان الغالب، والخطأ غير المقصود، إذ تركنا ما ينبغي فعله، أو فعلنا ما ينبغي تركه، وأكّد النبي ﷺ رفع ثواب الخطأ والنسيان والإكراه، فقال فيما رواه ابن ماجه وغيره: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .

стр. 168

وثالث هذه الدعوات: ربنا ولا تحمل علينا شيئا أو حملا ثقيلا ننوء بحمله، ونعاني المشاق والمتاعب الشديدة من القيام به. ولقد كانت الأمم السابقة لعنادهم وعتوهم، تكاليفهم شاقة، فتوبتهم من الذنب مثلا بقتل النفس، وإزالة النجاسة بقطع موضعها، ونحو ذلك من الأمور الثقيلة والأعمال الشاقة. ورابع هذه الدعوات: ربنا ولا تحمّلنا ما لا قدرة لنا عليه من العقوبة والفتن، ولا تشدّد علينا كما شدّدت على من كان قبلنا، ولا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق. وخامس هذه الدعوات وسادسها وسابعها: ربنا اعف عنا فيما واقعناه وارتكبناه وسامحنا عن تقصيرنا، واستر علينا ما علمت، واغفر لنا ما بيننا وبين عبادك، فلا تطلعهم ولا تظهرهم على عيوبنا وأعمالنا القبيحة، وتفضل علينا برحمة سابغة شاملة منك لنا، بأن توفّقنا حتى لا نقع في ذنب آخر، فأنت يا رب متولي أمورنا، وناصرنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا ورجعنا، ولا حول ولا قوة إلا بك، وانصرنا على القوم الكافرين، يا رب العالمين. هذه الأدعية السبعة ذات غرض واحد وهو دخول الجنة، فليحرص المؤمن والمؤمنة على تكرار الدعاء بها، روى البخاري وبقية الجماعة عن ابن مسعود: عن النبي أنه قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» . أي عن قيام الليل، وقال علي بن أبي طالب ﵁: «ما أظن أحدا عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما» . وروى الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: «أعطيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن أحد قبلي» .

стр. 169

تفسير سورة آل عمران صفات الله وإنزال الكتب الإلهية افتتح الله تعالى أول سورة آل عمران المدنية النزول ببيان صفاته العليا، وقدرته الخارقة، وعلمه الدقيق الشامل، وخلقه بني آدم ورعايته لهم، وإنزاله الكتب الإلهية لترشد الناس إلى طريق الحق والخير، وتهديهم إلى الصراط المستقيم، فقال سبحانه: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) «١» «٢» «٣» [آل عمران: ٣/ ١- ٦] . الله الإله بحق، لا معبود بحق في الوجود إلا هو، فليس في الوجود صاحب سلطة قادرة على قهر النفوس وإخضاعها لهيمنته، وبيدها الخير ومنع الضر إلا الله وحده دون سواه، هو الحي الدائم الحياة التي لا أول لها، فلو تعرض لموت ولو ساعة، أو لقهر من غيره، لم يكن إلها، وهو القيوم أي القائم على خلقه بالتدبير والتصريف، فبقدرته قامت السماوات والأرض، ودوامها مقصور على إرادته ومشيئته وقدرته.

стр. 170

والله الإله بحق هو الذي أنزل القرآن على قلب النبي ﷺ إنزالا مقرونا بالحق، أي باستحقاق أن ينزّل، لما فيه من المصلحة الشاملة، ومشتملا على الحقائق الثابتة من خبر وأمر ونهي ومواعظ، وهذا القرآن مصدّق لما تقدمه من الكتب المنزلة على الأنبياء قبله، ومؤكد ما أخبرت به وبشرت، والله هو الذي أنزل التوراة على عبده ونبيه موسى، والإنجيل على عبده ونبيه عيسى، فليس المنزّل للكتب على الأنبياء بشرا عاديا من الناس. وتتضمن هذه الكتب الإلهية هداية الناس وإرشادهم إلى الطريق السوي، وإلى الوحي الحكيم وتشريع الشرائع، وأنزل الله في هذه الكتب الفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل بالدلائل والبراهين، ووهب الله العقل والفهم للناس ليدركوا ما هو حق ثابت، ويقاوموا ما هو شر زائل. فكيف يكون إلها من ليس متصفا بهذه الصفات، وإن الذين كفروا بآيات الله الواضحة التي تدل على كمال وصفه وسمو نعته بكل صفات الجمال والجلال والألوهية والربوبية، لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب في الآخرة، وبما كانوا يظلمون، والله قوي لا يغلب، منتقم جبار ممن يشرك به شريكا آخر، وهو الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. ومن مظاهر قدرة الله التي لا تتوافر إطلاقا لغيره: أنه هو الذي يصوّر ويكوّن البشر في الأرحام كيف يشاء من ذكورة وأنوثة، وخصائص وطباع وطول وقصر، وألوان من سواد وبياض ونحو ذلك، وكل ذلك دليل قاطع على أن هذا الخالق المبدع هو الله الذي لا إله إلا هو العزيز (الغالب) الحكيم (ذو الحكمة أو المحكم في مخلوقاته) . أفيعقل بعد هذا أن يدعي أحد أنه هو الله، أو يوصف من أحد أنه هو الله، إن ذلك هو الافتراء المبين، والضلال الواضح، والإفك والكذب القاطع.

стр. 171

المحكم والمتشابه في القرآن آيات القرآن نوعان: محكمات أي ظاهرات الدلالة لا خلاف في معناها، ومتشابهات: أي التي لم يظهر معناها ولم يتضح، بل خالف ظاهر اللفظ المعنى المراد. أما الآيات المحكمات: فهي جميع الآيات المتعلقة بالتكاليف الشرعية التي تخص العباد، فهذه لا غموض فيها ولا التباس، مثل فرائض الصلاة والصيام، والحج والزكاة، والإحسان إلى الوالدين وتحريم المحرمات من النساء وتحريم بعض المطعومات والمشروبات كالميتة والدم، والخمر ولحم الخنزير والمذبوح لغير الله، ومثل عبودية الرسل والأنبياء لله وكونهم بشرا في غير النبوة والوحي مثل نوح وإبراهيم وعيسى وموسى ومحمد ﵈، وأما الآيات المتشابهات: فهي التي لا تتعلق بالتكاليف الشرعية، والعلم بها نوع من الترف العقلي والفلسفات التي تختص بالعلماء وأهل النظر والفكر، وهي أنواع، منها لا يمكن العلم به إطلاقا كأمر الروح، وأوقات الأشياء الغيبية التي قد أعلم الله بوقوعها واختص بمعرفتها، مثل وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج، وقيام دابة من الأرض تكلم الناس، ومجيء الدجال، ونزول عيسى ﵇، ونحو الحروف المقطّعة في أوائل السور، ومن الآيات المتشابهة ماله أكثر من معنى في اللغة ووجوه ومناح في كلام العرب، كقوله تعالى في شأن عيسى: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء: ٤/ ١٧١] . وقوله: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: ٣/ ٥٥] . وكقوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) [طه: ٢٠/ ٥] . وقوله سبحانه: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ٤٨/ ١٠] . فهذه آيات متشابهات تحتمل عدة معان، ويخالف ظاهر اللفظ فيها المعنى المراد، فهي مما استأثر الله بعلمها لأنها من أحوال الآخرة، أو يعلم الله تعالى بها علما تاما على الاستيفاء والشمول، وقد يعلم بعض جوانبها دون استيفاء الراسخون في

стр. 172

العلم إذا كانت ذات ظواهر علمية دنيوية، ودور العلماء فيها: إدراك بعض النواحي منها المتعلقة بالحس والعقل، وترك حقيقة المغيبات إلى الله تعالى، سبيلهم التسليم إلى الله، قائلين: آمنا بذلك، كل من عند ربنا. وهكذا فإن المحكم: ما لا يحتمل إلا تأويلا واحدا. والمتشابه: ما احتمل من التأويل أوجها. قال الله تعالى مبينا المحكم والمتشابه وموقف الناس منهما: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧ الى ٩] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» [آل عمران: ٣/ ٧- ٩] . والسبب في اشتمال القرآن على بعض الآيات المتشابهات: هو تمييز الصادق الإيمان من ضعيفة، وإعطاء الفرصة لعقل المؤمن، من أجل البحث، والنظر والتأمل حتى يصل إلى حد العلم الناضج، فيكون الناس على درجات، كل يفهم بقدر عقله وإدراكه، ولكن لا يصح لأحد أن يتصيد من القرآن أو من المتشابهات ما يتفق مع هواه وزيغه، وضلاله وانحرافه، فعلى أهل العلم والعقول الصافية التزام جانب العقيدة الصحيحة المتفقة مع ظواهر القرآن وآياته المحكمة، وهم يقولون: ربنا لا تمل قلوبنا عن الحق بعد هدايتك لنا، وهب لنا من لدنك رحمة ترحمنا وتوفقنا إلى الخير والسداد، إنك أنت الوهاب. ربنا إنك جامع الناس يوم القيامة، يوم لا شك فيه، فاغفر لنا ووفّقنا واهدنا، إنك لا تخلف الميعاد.

стр. 173

عاقبة الاغترار بالمال والولد يغتر بعض السطحيين من الناس بما لديهم من ثروات وأموال وأولاد وذرية، ويظنون أنهم أرفع من غيرهم في الدنيا، وأحسن حالا وعاقبة في الآخرة، ولم يدروا أن المال والولد عرض زائل وظل مائل، وأن الخير في اتباع سبيل الهدى والعمل الطيب، وقد انخدع أعداء المسلمين في بداية عهد الإسلام وسيطر عليهم غرور المال وكثرة الولد والاعتزاز بالقبيلة، فأبان الله سبب عنادهم وغرورهم الزائف في أموالهم وأولادهم: وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) [سبأ: ٣٤/ ٣٥] . وردّ الله عليهم في مواضع كثيرة في القرآن الكريم، كما في هذه الآيات التالية: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠ الى ١٣] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) «١» «٢» «٣» [آل عمران: ٣/ ١٠- ١٣] . قال ابن عباس: إن يهود أهل المدينة قالوا: لما هزم الله المشركين يوم بدر: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى، ونجده في كتابنا بنعته وصفته، وأنه لا ترد له راية، فأرادوا تصديقه واتّباعه، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجّلوا حتى ننظر إلى وقعة له أخرى. فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله ﷺ شكّوا، وقالوا: والله، ما هو به. وغلب عليهم الشقاء، فلم يسلموا، وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد إلى مدة، فنقضوا ذلك العهد، وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى أهل مكة

стр. 174

- أبي سفيان وأصحابه- فوافقوهم وأجمعوا أمرهم، وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة، ثم رجعوا إلى المدينة، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) . وقال محمد بن إسحاق: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشا ببدر، فقدم المدينة، جمع اليهود وقال: «يا معشر اليهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم» فقالوا: يا محمد، لا يغرنّك أنك لقيت قوما أغمارا (جهلاء) لا علم لهم بالحرب، فأصبت فيهم فرصة!! أما والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس، فأنزل الله تعالى: قل للذين كفروا- يعني اليهود- ستغلبون- تهزمون- وتحشرون إلى جهنم في الآخرة. ومعنى الآيات: إن الذين كذبوا بآيات الله ورسله، لن تكون أموالهم ولا أولادهم بدلا لهم من الله ورسوله تغنيهم يوم القيامة، فإن استمروا في غيهم وضلالهم، فأولئك البعيدون في درجات العتو والفساد وهم وأصحابهم وقود النار الذي توقد به من حطب أو فحم لأن حالهم كحال آل فرعون وقبائل عاد وثمود، كانوا قد كذبوا بآيات الله، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، والله شديد قوي العقاب، سريع الحساب. قل لهم يا محمد: ستغلبون أيها اليهود في الدنيا عن قريب، كما حدث في معاركهم مع المسلمين، وستحشرون في الآخرة إلى جهنم، وبئس المهاد: الفراش الممهّد، وتالله لقد كان لكم آية عظيمة دالة على صدق القرآن فيكم في لقاء فئتين في موقعة بدر، فئة معتزة بكثرة مالها وعددها، كافرة بالله، والأخرى فئة قليلة العدد، صابرة، مؤمنة بالله، تقاتل في سبيل الله، انتصرت على الفئة الكثيرة من المشركين الذين يقاتلون في سبيل الشيطان.

стр. 175

حب الدنيا وما هو خير منها الإسلام دين الاعتدال والاتزان والوسطية، فليس العمل في مجاله مقصورا على الدنيا، ولا مقصورا على الزهد والآخرة، وليس هو دين رهبنة وتقشف وإهمال للدنيا، ولا دين أخلاق وعبادة وعقيدة فحسب، وإنما هو دين شامل لمصالح الدنيا والآخرة، ويقترن فيه العمل والاعتقاد، والعبادة والاحتراف، والمادة والروح، قال الله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) [الأعراف: ٧/ ٣٢] . ليس ممنوعا على المسلم حب الدنيا ومظاهرها، ولكن الممنوع المبالغة والإسراف فيها، والاقتصار عليها، حتى تطغى على الناحية الدينية، وتهمل أمور الآخرة. ولذا وبّخ الله الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، ويقصرون هممهم عليها، فقال : [سورة آل عمران (٣) : آية ١٤] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) «١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» [آل عمران: ٣/ ١٤] . والمعنى: قد زيّن الله حب الدنيا للناس وغرس حبها في قلوبهم حتى صار غريزة عندهم، وذلك من أجل تعمير الدنيا وتقدمها، فلو لم يحبها الناس لأهملوها وقصّروا في بناء معالمها، وشهوات الدنيا كثيرة تشتمل على حب النساء والأبناء وتكديس الأموال، وجمع الخيول المسومة أي المعلمة أو السائمة التي ترعى في المروج والمراعي، واقتناء الأنعام (المواشي) وزرع الحبوب وإعداد البساتين، وذلك كله متاع الحياة الدنيا وزينتها أي ما يستمتع به وينتفع به لمدة معلومة محصورة، وتذم هذه الأشياء إن

стр. 176

كانت سببا للشر والبعد عن الله، وعند ذلك تكون خطرا على صاحبها، أما إن كانت سببا في الخير، ولم تمنع صاحبها من القيام بواجباته الدينية والخيرية والإنسانية، فتكون خيرا له، وعند الله حسن المرجع والمآب. ثم نبّه القرآن الكريم إلى ما هو خير من الدنيا، فقال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥ الى ١٧] قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) «١» «٢» [آل عمران: ٣/ ١٥- ١٧] . فالذي هو خير من الدنيا وزينتها هو ما عند الله للمتقين الأبرار من الجنات التي تجري من تحت أشجارها وغرفها الأنهار، ماكثين فيها على الدوام أبدا، لا يرغبون في بديل عنها، ولهم زوجات طاهرات من دنس الفواحش والشوائب، وهذا هو الجزاء المادي، وهناك جزاء روحي أرفع منه وهو رضوان الله على عباده الأتقياء، وهو أكبر وأعظم من كل نعمة، قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) [التوبة: ٩/ ٧٢] . وهذا الجزاء المادي والروحي هو للمتقين الله حقيقة الذين يقولون: ربنا إننا آمنا بك وبرسلك وكتبك إيمانا حقيقيا صادقا يملأ قلوبنا، فاغفر لنا ذنوبنا، وقنا عذاب النار. وهؤلاء المؤمنون الأتقياء صابرون على تقوى الله وعلى قضاء الله وعلى كل مكروه، وقانتون خاشعون لله متضرعون إليه، ومنفقون أموالهم في سبيل الله ندبا ووجوبا، ومستغفرون الله بالأسحار أي قبل طلوع الفجر، وفي هذا الوقت يكون

стр. 177

الدعاء مستجابا، ورحمة الله شاملة للتائبين من العصيان. قال النبي ﷺ : «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر» «١» . الشهادة بوجود الله ووحدانيته وبأحقية دينه قامت الأدلة الكثيرة والبراهين القطعية من خلق الكون وتدبيره على وجود الله وتوحيده، وشهدت العوالم المخلوقة شهادة إقرار وعلم ويقين وإظهار وبيان أن الله تعالى واحد لا شريك له، وأنه قائم موجود بالعدل والحق في كل شيء، في الدين والشريعة والكون والطبيعة، وفي العبادات والمعاملات والآداب، أتقن الله نظام الكون وأحكمه، وعدل بين القوى الروحية والمادية، وكانت الأحكام الشرعية مبنية على أساس التوازن الدقيق بين الفرد والأمة، وبين الفرد والخالق، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين أخيه، وبين الأغنياء والفقراء، وبين الدنيا والآخرة، والعقيدة والعمل، قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : آية ١٨] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) «٢» [آل عمران: ٣/ ١٨] . قال الكلبي مبينا سبب نزول هذه الآية: لما ظهر رسول الله ﷺ بالمدينة، قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان. فلما دخلا على النبي ﷺ عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا: وأنت أحمد؟ قال: نعم. قالا: إنا نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدّقناك.

стр. 178

فقال لهما رسول الله ﷺ : سلاني، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله. فأنزل الله تعالى على نبيه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ فأسلم الرجلان، وصدّقا برسول الله ﷺ . وبما أن الله يحب عباده، ويرغب لهم بالخير، أورد عقب الآية السابقة ما ارتضاه وأحبه لعباده منذ أن خلق الخلق وإلى يوم القيامة وهو الإسلام، أي الخضوع والانقياد لله والإيمان به والطاعة، ولا خلاف بين جميع الأنبياء والمرسلين في جوهر الدين وهو الإسلام والسلام والإخاء والمحبة، والتوحيد والعدل في كل شيء، ولم يقع الخلاف بين أهل الكتاب وأتباع الأديان إلا بسبب الحسد والبغي أو الظلم والحفاظ على المراكز القائمة والمصالح المادية، والحرص على الدنيا وما فيها، فمن يكفر بآيات الله الدالة على وجوده وتوحيده وصدق أنبيائه، فإنه ظلم نفسه، والله مجازيه وهو سريع الحساب وشديد العقاب. وإن حدث جدال بين النبي أو أتباعه وبين أهل الأديان الأخرى، فليقل المؤمن: قد أسلمت وجهي لله وانقدت له وأقبلت عليه بعبادتي مخلصا لله وحده، معرضا عما سواه، فإنه أسلم هؤلاء المعارضون لهدي الله وقرآنه، فقد اهتدوا إلى الطريق المستقيم، وإن تولوا وأعرضوا فما على الداعية أو الرسول إلا الإبلاغ فقط، والله بصير بخلقه، عليم بحالهم، فيحاسبهم ويجازيهم، قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩ الى ٢٠] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠) «١» «٢» «٣» «٤»

стр. 179

[آل عمران: ٣/ ١٩- ٢٠] . جزاء قتل الأنبياء وحكم الإعراض عن بيان الله لن يغتفر التاريخ جرائم قتلة أهل الحق والدفاع عن القيم الدينية وعن مصالح الأوطان وحماية البلاد، ولن ينجو قتلة الأنبياء وقتلة أهل المعروف من العقاب الشديد في الآخرة، وهؤلاء المجرمون بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وما لهم في الآخرة من ناصرين ولا شفعاء، لأنهم حرموا المجتمع والأمة من الخير والاهتداء بهدي الله ودينه، وصدّوا الأنبياء عن قول الحق وتبليغ الرسالة، وآذوا بالقتل وغيره كل من آزرهم ونصرهم، ونصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر من أهل العلم والعدل، قال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢١ الى ٢٢] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢) «١» «٢» [آل عمران: ٣/ ٢١- ٢٢] . روى ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبيا، أو قتل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) ثم قال الرسول: «يا أبا عبيدة قتلت بنو

стр. 180

إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار، في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعا من آخر النهار، من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله » . ثم أبان الله تعالى في قرآنه حكم المعرضين عن بيان الله وهديه، والمعرضين عن القرآن وإرشاده، فقال الله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٣ الى ٢٥] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) «١» «٢» «٣» [آل عمران: ٣/ ٢٣- ٢٥] . قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بسبب أن رسول الله ﷺ دخل بيت المدارس «٤» على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد من يهود بني قينقاع: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : أنا على ملة إبراهيم، فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديا، فقال لهما النبي ﵇: «فهلموا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم» فأبيا عليه، فنزلت هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ. إن هؤلاء المعادين يترددون في قبول حكم الله، ثم يعرضون عن قبول كتاب الله، وشأنهم دائما الإعراض والعناد، وما شجعهم على هذا العناد والجحود إلا اعتقادهم الباطل أنهم لا تصيبهم النار إلا أياما قليلة، ثم يدخلون الجنة في زعمهم، وهذا مجرد وهم وافتراء، فلقد غرهم ما كانوا يختلقون في الدين، كقولهم: إن الأنبياء ستشفع
следующие страницы →